Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
يطعن في هذا الوجود ويمزق بلسان الذم أديمه ويرميه بكل عيب ومنقصة لأنه يكون إذ ذاك أهلاً للقذف والقذع وتكون أفعاله في الواقع خبيثة منكرة ويكون بحق ذلك الأرعن الأخرق المجنون آناً مسرفاً وآناً شحيحاً وفي جميع أحواله اعمى عن العواقب راكباً سبل الغواية طارقاً أبواب الفساد حتى لقد آن أن يضرب على يده فيجعل تحت رقابة أستاذ مؤدب وحكيم مهذب من حائزي أرقى شهادات الفلسفة من أكبر جامعات أوربا فالكون إذن مجرد من العقل والفضيلة وعليه إما أن يعتدل فيستقيم أو يتوارى فيخفى.
هذا لو كانت القوانين المدبرة للكون هي عين المدبرة للعقل الإنساني ولكن أيها الأحمق الضعيف إني لك الحكم بأن هذا هو الواقع وبأي حق تطبق على الكون وأحواله خطة النظر والاستدلال الخاصة بك؟ أليس من المحتمل بل من المرجح أن عجز الذهن البشري عن تفسير المظاهر الكونية وربما كان أشد من عجز مفتاح ساعتك عن فتح القفل المحكم من خزانة حديثة الطراز ومع ذلك فالقوي المتصرفة في إدارة كيان الإنسان قد تكون هي عين القوى المتصرفة في إدارة السكون كما إن القواعد الميكانيكية التي يقوم عليها تركيب قفل الخزانة المذكورة هي عين التي يقوم عليها تركيب ساعتك وإنما الأمر هو فرق بين شيئين أحدهما صغير جداً والثاني مفرط العظمة لا حد له ولا نهاية - أحدهما بسيط بالقياس والثاني متناهي التركيب والتعقيد ونحعن فلا نجد أمامنا بعد ما ينفي قول من يزعم أن للكون عقلاً شاملاً عاماً يعجز دماغ آدمي وأضيفت إليها القوى في هيئة حركة عصبية تولد عن ذلك جسمه والتي أهمها الأوكسجين والإيدروجين والآزوت والكربون والحديد والفسفور الكبريت والكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والكلور توجد ايضاً بكثرة مفرطة خارج الجسم لبشري الحي وكذلك القوى التي بها تؤدي الأعضاء وظائفها الحيوية وأعني بهذه لقوى القوانين الكيماوية والميكانيكية كالكهرباء وغيرها من ضروب الحركة هذه أيضاً فعالة خارج جسد الإنسان فمن ذا الذي يجرأ بعد ذلك على القول بأن هذه العناصر لا يتولد عنها عقل إلا إذا تألفت على شكل واحد خاص - شكل الدماغ الإنساني والجهاز العصبي، أليس من المعقول بل من المحتمل أن شكل الجهاز العصبي هو شيء جاء من طريق الصدفة والاتفاق وأن الجزء الجوهري والركن الأساسي إنما هو العناصر المؤلفة للجهاز المذكور والقوى الفعالة في طيه وأن هذه العناصر والقوى قد تنتج أيضاً نوعاً ما من العقل
стр. 1612
إذا هي تفاعلت بكيفية مخالفة للخطة التي يدور على محورها نظام الكائنات الحية الواقعة تحت حواسنا.
أما الذين يرمون الدنيا بفساد الفضيلة فقد صح رأيهم لو ساغ لنا أن نزن العالم بمعيار الفضيلة المصطلح عليه بيننا. ولكن بأي حق نفعل ذلك. إن قانون الفضيلة عندنا لا يزال رهناً بالزمان والمكان يتغير بتغيرهما فهو في انتقاله من شكل إلى شكل وتحوله عن صورة إلى صورة كالأزياء واختلاف ضروبها. ففضيلة القرن التاسع عشر هي غير فضيلة القرن الثامن عشر ومحامد العصر الحاضر هي مذام العصر الغابر بل أن قانون الفضيلة في العصر الواحد تراه متنافر الأجزاء يناقض بعضه بعضاً فهو يعد القتل جريمة إذا وقع من الفرد ومكرمة ومأثرة إذا قامت أمة مسلحة فأوقعته جملة على أمة أخرى. وهو يعد الغش والكذب رذيلتين وتراه مع ذلك يجيزهما في باب السياسة وهاك أمة عظيمة راقية - أعني الولايات المتحدة - تخص السرقة والنهب بأصرم العقوبة إذا صدر عن الفرد ولكنها تتغافل عن هذين الجرمين إذا وقعا من الجماعات والمدن والولايات بإعلانها الإفلاس الكاذب وتزويرها على أرباب الديون. وقانون الفضيلة اليوم جد مخالف لما كان عليه في سالف العصور، وأكبر ظني أنه سيكون شديد المخالفة لما سيكون عليه في مستقبل الأيام. وبالإجمال فالفضيلة إنما هي بيان لتلك الأمور التي تعتبر ضرورية من وقت لآخر طبقاً لحالة الجنس البشري وهذا البيان يوضع في أسلوب أوامر ونواه أدبية وقوانين وقواعد أخلاقية. وبتدرج الطبع الإنساني في الرقي تتغير بعض مقتضيات نجاحه وتغير هذه يستلزم تغيراً في مواد قانون الفضيلة والرذيلة أعنى يتغير رأي المجتمع في ماهية الخير والشر - المحظور والمباح - الحسن والقبيح. أفمثل هذا الميزان المزعزع والمعيار المتقلب تقاس به ظواهر الطبيعة وتختبر حركات الكون؟ وهل شي لم يسلم بصحته السلف. ولن يقر بصوابه الخلف. يجعل قانون الطبيعة الأبدي. وناموس الكائنات الأزلي؟ أما أني لا أرى الفيلسوف الذي يسخط على الكون وينسب إليه الطغيان والجور وإلى خلقه الفساد واللؤم إلا كالفتاة الغرة التي قد ساءها أن ترى الجو محالف الزرقة فهي تسوم السماء أن تلبس كل يوم لوناً يلائم صبغة حليها وحللها وبغير ذلك لا تنال السموات رضاها.
إن فلسفة أرسطاليس القائلة بتشريف الإنسان على سائر الخلائق قد ظهر بطلانها في
стр. 1613
العصور الأخيرة وقد ألغيت وعفت آثارها. فليس من معتقدات هذا العصر وتعاليمه أن الكرة الأرضية هي مركز الكون ولبابه وسره. وأن الإنسان هو أقصى غية الخلقة ومنتهى مطمح الطبيعة وأن القمر ما أشرق إلا لينير حنادس ليلنا والنجوم ما انتظمت إلا لتنتثر في دواوين شعرائنا. على أنه لا يزال بين طلاب الفلسفة من يتمسك بهذا الرأي المأفون فيرمي الطبيعة بالسفه والحمق بحجة أن ذخيرة الفحم الحجري ربما نفذت يوماً ما من المناجم وأن بركان فيزوف قد أهلك جما غفيراً من الخلق وفيهم الفتيان والفتيات في ريعان الشباب وزهرة العمر. وأن آنسة أورليان أحرقت بالنار حية وقائد الأسويج جستاف أدولف قتل في واقعة لوتزين في أوج انتصاره وأن الحسناء المليحة كثيراً ما تقضي نحبها على فراش النفاس وتترك الفرخ الضعيف لا كفيل ولا حاضن.
وإذا كان من حق الإنسان أن يعتد محنه وبلاياه دليلاً على لؤم الطبيعة وأجرامها فلماذا لا يحق للمكروب أي الجراثيم (البكتيريا) مثلاً أن تعد ما ينالها على يد الإنسان من المصائب دليلاً على لؤم الطبيعة وأجرامها أيضاً، أرأيت لو أن للجراثيم فكرة فلسفية إذن لشد ما كانت تسخط على العالم وتمقت الطبيعة! وحقاً إن الدنيا هي حسب نظرها فاجرة لئيمة تزداد على ممر الأيام جوراً وطغياناً، فالمكانس الفظة والمذاود الشديدة البطش والأكسجين الغليظ الكبد والماء الساخن الفتاك تتآمر جميعها على إزهاق أرواحها وكل ما فيه رزقه وبقاؤها يزال فيلتف، وما أن يزال هلا من حامض الكربونيك عدو يحارب الحياة في أجسادها ويترك حركات المرح والنشاط منها رجات نزع ورعدات حمام يستوي فيها من هذه الجراثيم البار والفاجر والطيب والخنيث، وترانا مع ذلك نعد هذا العمل الذي تراه البكتيريا أو ما من الكون وطغياناً من الطبيعة نعمة كبرى وعملاً صحياً جليلاً جديراً أن يفخر به ويهنأ عليه.
وإني لأكاد أتخيل ذبابة من ذلك النوع الذي يعشق النفوس المحفورة في بعض أصناف العملة وغيرها من النقوش والتصاوير (وعشق بعض الذباب للصور ولرسوم هو ما تشهد به ربات المنازل ومدبرات البيوت) - أقول كأني بإحدى هذه الذباب قد صادفت في بعض رحلاتها ذلك التمثال الجسيم. تمثال بافاريا فماذا تري يكون موقفها إزاء هذا البناء الضخم وماذا تكون حيرتها وتعجبها وماذا يكون إنكارها واستهجانها؟ لاشك سترى الذبابة في هذا
стр. 1614
التمثال كتلة لا شكل لها ولا صيغة ولا مبدأ ولا نهاية ولا أدنى آية على عقل أو حكمة أو نظام أو مبدأ - وجانب من هذه الكتلة أنعم من خدود الحسان، وفي ذلك المكان انبعاج لا يهتدى فيه إلى أصل ولا فصل، ثم إذا قيض لهذه الذبابة أن تقضى أيامها في جوف هذا التمثال لكان من المرجح أنها تضع مؤلفاً ضخماً يتناول هذا الكون الذي يحتويها بجميع أصناف الهجاء والطعن تقرر فيه الذبابة المذكورة فساد خطة دنياها واختلال ميزانها ووضوح خرقها وبلهها، وحمقها وسفهها، موردة في سبيل ذلك من الأدلة كل دامغ قاطع، ومن البراهين كل ناطق ناصع، مما لا يدع في قلوب سائر الذباب من بنات جنسها أدنى مجال للشك في صدق قولها وصحة قضيتها، حتى لا ترى فرداً من سكان هذا العالم (أعني تمثال بافاريا) إلا قد راح مقتنعاً بصواب ذلك الرأي معتنقاً لذلك المذهب على أن الذبابة لم تصل بعد إلى الحقيقة ولم توفق إلا إلى الضلال والخطأ وهذا ما يمكنها معرفته من أحقر الكتب المعنونة دليل بافاريا.
لا لا! ما أحسب فلسفة التشاؤم إلا هازلة، وما أظن فلاسفة التشاؤم إلا مازحين، وكل ما فيها من الحق هو تأفف شديد من ضعف إدراكنا وعجز أذهاننا، فترى أحدنا يود لو يقف على سر تركيب الكون ولكن هذا ما لا يكون أبداً فلا جرم أن تجدنا نغضب ونغتاظ على الكون حتى نظل بحال الهمجي المتوحش الذي يتصدى لبعض الآلات الدقيقة التركيب من مبتدعات العلم ومخترعات المدنية يحاول حل لغزها حتى إذا أعياه ذلك وباء بعد الجهد الجهيد بالخيبة اشتد حنقه على الآلة فرمى بها إلى الأرض غضبان أسفاً، وكذلك الإنسان يحسب أنه سيد الكون ولكن الأيام لا تبرح حتى تريه أن سيادته ضيقة المجال قصيرة الباع فيضيق من أجل ذلك صدره ويسوء خلقه ثم ينفث غيظه في صورة نظام فلسفي يسميه مذهب التشاؤم وإذا كان ذلك كذلك فلم لا نسمي الطفل الذي يبكيه أنه لا يستطيع تناول القمر باليد فيسلوفاً أيضاً؟ غير أن الطفل يمكن شفاؤه من داء الفلسفة برشفة من العسل أو قطعة من الحلوى.
على أن من أحسن التفكهة وأمتع التسلية أن ترى هؤلاء الفلاسفة - فلاسفة التشاؤم - يعلم كيف يهتدي إلى المضغة السائغة واللقمة الطيبة الكريمة فهو الذي يعرف من أين تؤكل الكتف وأنه بعد الغلو الفاحش في ذم الحياة والحض على إعدام الجنس الآدمي واستئصاله
стр. 1615
تراه يختم بالزواج رواية غرامية ويظهر بعد ذلك رغبة شديدة في سائر مطايب العيش ومحاسن الوجود، فالفلسفة عند هؤلاء الفئة ضرب من لباس التشريفات يلبسونه في الحفلات الرسمية ليروعوا به نفوس المشاهدين من العامة ويهولوا بمنظره الفتان قلوبهم ويبهروا أبصارهم، ومن تحت الحلة الموشاة والثوب المطرز القميص المعهود من التيل أو الكتان.
وهناك فضلاً عن هذه الفلسفة النظرية الكلامية التي تترك صاحبها يأخذ أقصى ريه وشبعه من مناعم الدنيا صنف آخر من التشاؤم أعني التشاؤم الفعلي الحقيقي وأرباب هذا النوع لا يجادلون ولا يناظرون، وليس لهم مذهب فلسفي وقوانين مشروعة ولا شروح ولا تفاسير، فهم لا يحاولون أن يذكروا أسباب فساد الكون وخطأ سننه ونواميسه، وإنما يبغضون الدنيا من حبات أفئدتهم ويكرهون جميع ما تظل السماء. وتقل الغبراء، من سويداوات ضمائرهم ويرون أن قبح العالم ولؤمه واختلاله جديرة أن تغري الإنسان بالانتحار. أقول مثل هذا النوع من التشاؤم لا يقبل المناقشة والرد وإنما كل ما يستطاع أزاءه هو أن يتناوله الإنسان بالتحليل والتشريح للوقوف على أصله وعلته، فبإجراء هذا يعلم أن هذا التشاؤم هو أحد أعراض مرض العقل في بدايته أو عند بلوغ أقصى شدته، وقد شاهد الأطباء وعلماء النفس أن الجنون كثيراً ما يظهر في ابتداء أمره بحالة الماليخوليا (أعني الاكتئاب المجهول السبب) فترى المصاب يلازم الحزن والإطراق ويعتزل الناس ويرمي كل ما في الوجود بعين البغضاء والمقت، والسر في ذلك أن في عضو التفكير العقل خاصة مرعبة مخيفة وهي أنه إذا أخذت فيه عوامل الفساد تنبأ بما سيكون من جليل خطبه وهائل مصابه وكان له القدرة على تتبع مسرى الداء فيه والعلم بأن التلف مصيره والخراب مآله وهكذا يحصر العقل نظره في أمر اضمحلاله وانحلاله وتستغرق التفاته هذه الرواية المحزنة حتى لا يبقى لسائر أمور الدنيا من هذا الالتفات والنظر إلا فضلة خسيسة لا تريه من الدنيا وأشيائها إلا أشباه الأشباح الضئيلة، فلا غرو أن كانت الدنيا تتراءى لمثل هذا العقل المصاب مثلما تتراءى للعين الرمدة أعني عالماً مملوءاً تشوشاً واختلاطاً وظلمة، فشعروا التشاؤم والتبرم قد كانوا ولا شك مراض العقول، فالمشاعر لينو مات مجنوناً، والشاعر ليوباردي كان يشتكي علة في عضو التناسل قد عرفها الأطباء من أمراض العقل، والشاعر (هاين) بدت
стр. 1616
في نظمه آيات السخف والخلط لما أخذت علة فقاره تؤثر على دماغه، والشاعر (بيرون) كان فيه ذاك الشذوذ الذي تسميه العامة (نبوغاً) ويسميه علماء النفس (مرض الذهن) حقاً أن ذلك التشاؤم الذي ترى صاحبه يغمى عليه إذا هو أبصر حبيباً يغازل حبيبه وتراه يسكب الدموع لرؤية الشمس ساطعة في صباح يوم صحو بلا سبب ولا قصد ولا فائدة ولا سلوى - مثل هذا التشاؤم هو بلا أدنى نزاع مرض خبيث لا يتمناه امرؤ وبه ذرة من العقل.
والآن نسطر كلمة في التشاؤم المتكلف الكاذب وأربابه الذي يجعلون انتقاص الطبيعة وانتقاد العالم وذم الدنيا ذريعة إلى تمييز أنفسهم عن سواد الناس فترى أحدهم يرهف حد لسانه ويريش سهام القذف والهجاء ليقال ذو حنكة وتجربة قد خاض أهوالاً وغمرات، واقتحم أخاطاراً وعقبات، وتراه يردد الزفرات والأنات ليقال أنه من الفئة القليلة التي أفردتها الأقدار دون سائر الناس بالنفاذ إلى خبايا الأحزان، فمثل هذا التشاؤم ليس له علة فسيولوجية ولا سبب بسيكولوجي إذ لا أصل له إلا التصنع والرياء وأحسن ما تستقبل به صاحب هذا المذهب هو أن تغمز جنبه مداعبة وتناديه يقول الفرنس ويحك يا خبيث! (أو بقول عامة المصريين اطلع من دول يا لئيم).
وهنا ننتقل إلى نقطة أخرى وهي شكوى المتشائمين من وجود الألم في الدنيا فيا للضلال بل للجحود ونكران الجميل. أما أنه لو كانت الدنيا خلواً من الألم إذن لوجب على الإنسان أن يحدثه ويبدعه! فإنه لعمرك من أجزل حسنات الطبيعة وأجل آلائها! وهل هو إلا دليل على صحة الجهاز العصبي ودقة تركيبه وأحكام صنعه، وصحة الجهاز العصبي وأحكامه ودقته هي علة إدراك الملاذ واصل الإحساس بالمسار التي لا يجرأ امرؤ على إنكار وجودها في هذا العالم، فالكائنات الحية السفلى هي ضعيفة الشعور بالألم ولكنها أيضاً ضعيفة الشعور باللذة، أولاً يكون من المنكر أن يصبح الجهاز العصبي في الإنسان من حدة الشعور باللذة بحيث ينتشي أحدنا من عبق الأزهار ورنين الأوتار ونشيد الأشعار ودمية الحفار وهو مع ذلك من بلادة الإحساس بالألم بحيث لا تؤذيه الأرواح الخبيثة والضوضاء المزعجة والمناظر الكريهة، هلا سألت مفلوجاً مشلول أحد الشقين أو كليهما، أيسره ما هو فيه من عدم الشعور بالألم؟ نعم أن الدنيا لا تصيبه بأدنى أذى ولكنها لا تهدي إليه كذلك
стр. 1617
أدنى مسرة، وما هي إلا برهة من الوقت حتى تراه يود من صميم قلبه لو يصبح بحال تغشاه معها الآلام وتنتابه الأوجاع، وكم من مرة شاهدت المفلوج وقد نقه من علته يستقبل بأشد فرح والحبور عودة إحساس الألم لوخز إبرة، والألم هو نعم نذير الخطر وبريد الشر يؤذن باقتراب البلاء لنقوم للمكروه على قدم فنصده أو نراوغه، فحق علينا لذلك أن نعد الألم أصدق صديق وأحوط راع وكالئ ومصدر كل إحساس ممتع وشعور لاذ، إذ الألم هو الذي يبعثنا على مكافحة الشيء المسبب له وهذه المكافحة هي بمثابة أشد رياضة لقوانا العقلية وأقصي إجهاد لمواهبنا الفطرية والكسيبة وفي ذلك السرور الأعظم الأجل - أعني الفرح الذي لا يزال نتيجة إظهار فضلنا الكمين بالعمل وإبراز شخصيتنا، ولولا إلا لم لمْ تكد حياتنا تبقى لحظة إذ لا يكون معنا حينئذ ما يدلنا على عوامل البوار والتلف فننتقيها.
وبعد فإنه مهما سخط الساخطون على الدنيا فإنهم ليرونها مع ذلك مما يطاق احتماله، والإنسان بفطرته مجبول على الاستسلام - راضياً أو كارهاً - إلى ما ليس في وسعه تبديله، بل مجبول على إلفة ما قد يحيط به من المحتوم حتى يجد فيه ضرباً من المتاع واللذة، ويتعلق منه بسبب لا يحب أن يصرمه وعروة لا يرغب في فصمها فهو لا يبغى بقسمته بديلاً ولا يريد بحظه عوضاً، وإنما السر في ذلك أن النسيج الذي هو أساس حياة الإنسان والذي فوق رقعته يدبج الذهن نقوش الأحزان وتصاوير الأشجان - هذا النسيج هو التفاؤل لا التشاؤم.
ألا ترى المتشائم نفسه يسلم بجمال الطبيعة ويهتز ليوم الصحو تتألق شمسه في لازورد السماء ولليلة الأضحيانة يسري بدرها في حاشية الدراري، ومع كل ذلك فغنه لو هبط ساكن الزهرة فجأة إلى أرضنا هذه لأبصر نفسه في قفر موحش كله ظلام وقر، وذلك أنه لاعتياده في وطنه الضوء الباهر المعشى للبصر والحر اللافح المحرق للبشرة تراه إذا قام في أرضنا هذه أحس أنه في زمهرير وظلمة وبدت لعينه أبهج ألوان هذا العالم كامدة نافضة وأزهى أضوائنا كاسفة ضئيلة، وكذلك لو هبط إلى أرضنا ساكن زحل فقارن بين سمائه المشرقة بأقمار ثمانية وسمائنا ذات القمر الفرد إذن لأوحشه من أقفار خضرائنا وظلمتها قدر ما كان يؤنسه من لألا، خضراته الساطعة المنيرة لا تبرح أقمارها بين أفول وطلوع تتشكل في فلكها الرحب أشكالاً لا ترى مثله في سمائنا عين المنجم أو مقلة الساهر، ونحن
стр. 1618
مع ذلك لا نتوق إلى شمس الزهرة الوهاجة ولا ننزع إلى سماء زحل الباهرة وأقمارها راضين عن فلكنا المتواضع لا نريد تحولاً عنه إلى غيره وأن كان أشرف منزلة وأعلى قدراً، ولكن مالنا ولاستهباط الأمثال من العوالم العلوية والتحليق إلى الأجرام السماوية، بل حسبنا نظرة نحو الأقطار القطبية، أن في هذه البقاع أناساً يضرب المثل بطلاقتهم وبشرهم وبفرحهم وبمرحهم قد اغتبطوا بحالهم وسروا بعيشهم لا يكادون يحسبون أن في الأرض شيئاً أحسن من بيوتهم المغلقة بالثلج وأمتع من ليلهم السرمدي، وهم لو كان فيهم الشعراء لمدحوا قفارهم الثلجية المجدبة بما لم يمدح به شعراؤنا المنظر الأنيق من ضفاف وادي الرين والعيش الأفانين في ظلاله الرطاب بين ماء من اللجين وكرم من العسجد وبساط من الزمرد، وأن في سرور أولئك القوم بحياتهم الثلجية مضيعة لما ينتابنا من الخوف عند ذكر العصر الثلجي الذي يزعم أرباب مذهب البرودة أنه سيجيء في مستقبل الزمان، نحن إذا تخلينا هذا العصر الثلجي تراءت لأوهامنا أهله وكأنهم يلتحفون فرو الدببة جاثين إلى نار ضئيلة قد أذكيت من آخر بقايا الفحم يلقون شعاعها المضمحل بأبدان مضمحلة قد شفها السقم وبراها الضنى كأنهم لشدة الإحراق والحزن والقردة في المتحف الحيواني ببرلين، على أن هذه الصورة المتخيلة خطأ محض بدليل أنه إذا اتخذنا حياة ساكن الثلوج القطبية الاسكيمو معياراً نقيس به ما سيكون من ذريتنا أهل المستقبل الثلجي إذن لاتضح لنا أن هذا الجيل القادم سيكون أشد بني الدنيا سروراً وأكثرهم حبوراً، فسوف تقوم لهم الأعياد الهزلية (الكرنفال) والأسواق اليومية في ميادينهم الشهباء وسوف يطردون القر من مفاصلهم بآداب الرقص على أناشيد الشراب وسوف يلذون من زيوت الحوت ما تلذه أنت من الرحيق المختوم والعسل المصفى وإذا حضرت الوفاة أحدهم وتقلصت عنه ظلال الحياة قضى وهو مفتر عن نواجذه وأنامله مطوية على العدد الأخير من صحيفة العصر الهزلية.
وعلى الرغم مما يؤكده لنا الشعراء من أن الحياة ليست هي النعمة الكبرى والمتاع إلا كبر فقد نرى ونحس أنها لكذلك. وأنه ليس شيء أهول وأخوف من فكرة الهلاك - فقدان الشعور وفناء الشخصية. والموت آلم شيء حتى ولو تعدى نفوسنا إلى أنفس عزيزات علينا حبيبات إلينا. ولعل خير ما يتمناه امرؤ لنفسه وأهل وده من قريب أو نسيب أو حبيب هو العمر الطويل والأجل المديد وحده الأعلى هو مائة أو مائة وعشرون حجة. وأن
стр. 1619
قال الشاعر:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبالك يسأم
وفي أكر من مائة وعشرين لا يطمع امرؤ في البقاء. فأخو المائة محسود ومن يغتبط في زهرة الشباب في العشرين أو الخامسة والعشرين يحزن عليه ويبكي فهذه الوجدانات وجدانات الأمل والحسد والحزن والرحمة التي تنبع من ثرى أفئدتنا عفواً لا نطيق لها رداً ولا نقداً إنما هي فيض الكامن العتيد في نفوسنا من التفاؤل.
أما رضانا بالمائة وعشرين غاية لأعمارنا فذلك لأنه قلما نرى ذلك الأمد يتجاوز ولو كان متوسط عمر الإنسان هو كعمر الغراب أو الفيل أو بعض أنواع السمك مشتى عام أو ثلاثمائة لطلب أحدنا أن يبقى هذه المدة ولساءه نبأ من يعلمه أنه قد قدر له الموت في سن أقصر من هذا مائة وخمسين سنة مثلاً مع أنه لا يطمع فيما فوق المائة والحال كما هي، وعلى عكس ذلك لو كان متوسط العمر البشري هو كعمر الحصان ثلاثين أو خمسة وثلاثين عاماً إذن لما رغب امرؤ قط في البقاء أكثر من ذلك ولأصاب الذي يموت في هذه السن من حسد الناس إذ ذاك قدر ما يصيبه في الحال الحاضرة من الرثاء والرحمة.
هذا ولو أنه قد حدث مرة - مرة واحدة - أن آدمياً أفلت من حبائل الموت إذن لأمل الخلود كل إنسان ولما طابت نفس امرئ قط عن الروح تفارق جسده ولو بعد ألف عام - ولرأي الناس في الموت إذ ذاك من الهول والبشاعة مثلما يرون في أفظع قتلة وأشنع ذبحة مما يتقيه كل فرد بأقصى جهده. فأما والخلود لم يعرف قط عن آدمي فليس من الناس إلا من طاب نفساً عن الحياة وأخلد لفكرة الموت راضياً مستسلماً غير متوجع ولا محزون قانعاً من دنياه بتأميل امتداد الأجل إلى أقصى الممكن من الغابات أو ليس من المستطاع أن يمتد عمر الإنسان إلى بضع مئات أو بضع آلاف؟ نحن لا نعرف برهاناً قاطعاً على استحالة ذلك. ولكننا على كل حال لا نطمع في هذا الأمر وما ذلك إلا لأنه ليس الواقع. أفمن الضروري أن تختم بالموت حياتنا؟ نحن لا نرى في ذلك ضرورة ولزوماً بالرغم من اجتهاد الأستاذين ويزمان وجوتي في إثبات أن الموت حكمة عليها تقوم أكبر مصالح الإنسان. ومع ذلك فقد ترانا نوطن النفس على فكرت الموت المرعبة ولا علة إلا يقيننا بأنه ضرب لازب والحقيقة أنه قد ركبت في طباعنا غريزة قبول القدر المحتوم بنفس طيبة
стр. 1620
وأحشاء مطمئنة ثم نعتق الفؤاد من رق التوجع لهذا القضاء وننفي عن ساحة الصدر ما عساه ينتابها لذلك من الهموم. وفي هذا بيان جانب من علة حدوث ما يسميه الناس (سرور المشنقة) أعني ما يعتري بعض المجرمين أحياناً من الابتهاج أثناء أخذه إلى مكان الإعدام. وهذه حقيقة لا يطعن فيها لتواتر شهادة الثقاة بصحتها فخاطب الموت يهتدي إلى التوفيق بين نفسه وبين الهلاك متى تشبع باعتقاد أنه قضاء بلا مفر منه.
وفرط قوة الأمل في الإنسان أنصع دليل كذلك على أنه متفائل لا متشائم. وهل تحسب أنه كان يوجد في الناس من يجرأ على الاشتغال بأية حرفة لولا ما ركب فينا من التفاول. وبيان ذلك أن السابقين المتفوقين في جميع الحرف والصناعات هم الشواذ النوادر. فالمرتقي إلى رتبة القيادة في الجيش واحد في المائة والمعتلي إلى منزلة الرآسة في الطلب واحد في المائتين أما الباقون فينبذون في زوايا الإهمال ويطرحون في ظلمات الخمول وغالباً ما يذوقون مرارة الأملاق والفقر وهكذا لا يزالون يصيبون من صناعاتهم محنها وآفاتها ويخطئون منها نعمها ومسارها حتى يغشاهم الموت. ومع ذلك فإن أحدنا إذا جلس يفكر في اتخاذ مهنة لم يخطر بباله شيء من آفاتها وسواتها ولم يدر بخلده حالات الخبيثة والتأخر وعددها كما قلنا تسع وتسعون أو مائة وتسع وتسعون بل كان ما يراه في المهنة المختارة هو الحالة الفردة الشاذة فيعتقد أنه لا محالة بالغها ولو كان الوصول إليها هو مما يراه الفطن اللبيب من أبعد الأشياء احتمالاً. وتلك هي حالنا في كل ما نحاول من المسائل. فإنه بالرغم من أن المآكل قد يكون للخيبة وقد يكون للنجاح بل ربما كانت الخيبة أشد احتمالاً ترانا مع ذلك نهجم على الأمر واثقين بالفوز. وإن العامل الذي يطرد من صدورنا وساوس الريب وينفي عن ضمائرنا هواجس الشك ويسبل الستار على النوافذ التي ربما شوهد من خلالها آفات المشروع ويعلق على الحائط صورة النجاح البعيدة الاحتمال، هذا العامل هو التفاؤل.
ولا يفوت القارئ أن ما قد ذكرناه من الثقة بالنجاح أمر مقصود على أغراضنا الذاتية وغاياتنا الشخصية فإذا وقفنا موقف المستشار الناصح لغيره في أمر اشتغاله بمهنة أو صناعة أو الحكم على مستقبله في عمل من الأعمال إذن لرأيتنا نستفرغ الجهد في درس المسألة درس دقيقاً ورأيت منا حذقاً عظيماً في استكشاف ما هنالك من العقبات والعراقيل
стр. 1621
والمصاعب وميلاً شديداً إلى سوء الظن بالعاقبة مما يثبط همة المستنصح المستشير، فما هي العلة في ذلك؟ هي أنه في مثل هذه الحال ينعدم ذلك العامل القوي - عامل التفاؤل الذاتي الكامن العتيد الذي من شأنه أن يقطع لسان العقل ويخرس صوت البرهان ويجري عملية الحساب كما شاء الميل والهوى، ولذلك ترانا نبصر العقبات والمشاق بعين جلية مع فقدان ذلك التحمس الذي يثور في الفؤاد لتذليل هذه المشاق بعين العقبات والذي لا يجده ولا يحسه إلا صاحب المشروع وطالب الأمر وهذا يرى فيما يحاول ويريغ خلاف ما يراه النصيح المستفتى، إذ النصيح إنما يرى من الأمر أحد جوانبه وليس يبصر طول خط الهجوم الذي تعده همة صاحب المشروع وعزمه لهزيمة الصعاب وبلوغ المدى.
وأقاصيص الجان وهي القوالب المفرغ فيها آراء العامة الأميين في الكون والحياة هي حجة مستمرة على عنصر التفاؤل في تركيب الإنسان. لقد ذكرت لك إخلاد الفرد لفكرة الموت واستسلامه لحقيقة الفناء، على أن الأمة تصنع ما هو أكثر من ذلك إذ تحول الشر المحتوم خيراً وتستخرج من السيئة حسنة فتخترع القصة ترمى إلى أنها منة وموهبة وأن الحياة الأبدية شقاء وبؤس، وهذا مغزى حديث اليهودي التائه الذي يجعله واضع القصة يشتهي الموت في شدة يأسه تخلصاً من الحياة فلا يجد إلى الهلاك سبيلاً، ومثل هذا مغزى الفكاهة الحلوة عن الرجل المسكين الذي بهره ثقل صليبه فابتهل إلى الله أن يعطيه به بدلاً، فساقه الملك الحفيظ إلى مكان فيه عدد جم من الصلبان بين خفيف وثقيل: ودقيق وجليل، ومرهف وكليل، فجربها جميعاً فلم يجد بينها ما يوافقه، حتى إذا كاد أن ييأس منها حانت منه التفاتة فأبصر صليباً منبوذاً جانباً فتناوله وجربه فألفاه أحسنها ملاءمة له، أيها القارئ حدثني عن مبلغ عجبك حين أعلمك أن الرجل وجد هذا الصليب صليبه الذي استقال الله منه! وهكذا لا تبرح الإنسانية تكرر في شتى الصيغ وفنون الأساليب هذا المعنى الواحد وهو:
لن يجد امرؤ أحسن مما قيض له والخير في الواقع وقد ذلك من رام من حظه بدلاً، وأن الأحدب - كما جاء في بعض الأقاصيص - يجد من حلاوة العيش مع حدبته وشوهته مثل ما يجد ذو الشطاط (٢) مع حسن قده واعتدال قامته (٣).
وخلاصة القول أن أساس الوجدانات البشرية هو تفاؤل راسٍ راسخ وطيد عتيد فالتفاؤل إذن هو اسم آخر لشعور الحياة وإحساس الوجود وقدرة الإنسان على التوفيق بين نفسه
стр. 1622
وبين الظروف والأحوال - تلك القدرة التي أولاها ما استطاع الإنسان أن يبقى - ورغبته في الإصلاح الباعثة له على التدرج في معارج الرقي، هاتان قاعدتا التفاؤل، وأنا لا أرى الهمم الصادقة المبذولة في سبيل بلوغ الكمال وتدليل ما يعترض في هذه السبيل من الصعائب والمشاق واقتحام العقبات ولا أرى التقدم والأمل والحياة إلا مرادفات للفظة تفاؤل ولقد أحسن الحكيم الروماني كل الإحسان إذ أودع في هذا اللفظ الصغير وهو لا يفارقني حتى تفارقني الروح فلسفة الحياة بحذافيرها، وأبرز هذه القاعدة البيولوجية الكبرى في إحدى حلل البديع.
стр. 1623
الشرائع الاجتماعية والسياسية
في الإسلام
يقول الدكتور جوستاف لوبون: إن الشرائع الاجتماعية والسياسية تختلف باختلاف الممالك والشعوب، وما يصلح منها ويستقيم في الأمة الواحدة قد لا يصلح ولا يستقيم في الأمة الأخرى، وما يقع موقع القبول منها في شعب قد ينزل منزلاً سيئاً مكروهاً في شعب آخر، وهذه الحقيقة تحتاج ولا ريب إلى عدة من الأمثلة والشروح لأنها لا تدخل سريعاً على العقل، ولا تنساب إلى الفهم، فقد يعترضها ما يبدو لأول وهلة حقيقة جلية مقررة، وهو أن الشرائع التي تنسب إليها عظمة أمة من الأمم خليقة ولا شك بأن تصير للإنسانية جمعاء مثالاً حسناً ونموذجاً طيباً مقرراً، ومن ثم فليس أحكم ولا أسد ولا أرشد من اختيارها لأمة أخرى، حتى وأن استوجب نشرها القوة والإكراه. . . وهذا هو الرأي الذي ظل زماناً طويلاً يجري في أذهان السياسيين والمؤرخين، ولا يزال يأخذ به حتى اليوم سوادهم.
ولكنا قد بدأنا نتبين ما وراء هذا الرأي وأشباهه من الأخطار والأضرار، ونحن لو تعمقنا قليلاً في دراسة حياة الأمم والشعوب، لوجدنا أن شرائعهم ليست إلا خلاصة عواطفهم وحاجياتهم الزمنية الموروثة التي خلقها ماض طويل بعيد وأن ليس من الهين أن نهذبها أو ندخل عليها من الإصلاح ما نشاء ونريد. . . وقد يقول لنا المؤرخون أن بعض المتشرعين أمثال موسي وليكروجوس وصولون ونوما وغيرهم قد سنوا لشعوبهم شرائع لم تخرج كل قطعة منها إلا أدمغتهم، ولم تكن إلا وليدة ابتكارهم ونتاج أذهانهم ولكنهم لو تبصروا لعلموا أن هذه الشرائع لم تكن في الحقيقة في شيء من ذلك، وأن ليس في الأرض كلها متشرع واحد يملك في يديه مثل هذه القوة العظيمة وأن أشد الفاتحين صولة وحولاً، وأن أعظم الانقلابات هدماً ونسخاً لم تستطع أن تعمل بهذه القوة إلا زمناً غير طويل، ونحن قد نستطيع ولا ريب أن نكره أمة على أن تأخذ زمناً ما بطائفة من الشرائع المختلفة جد الاختلاف عن شرائعها التي تعيش عليها كما نستطيع أن نريد حيواناً على أن يتخذ شكلاً من الحياة يخالف طبيعته وغريزته، ولكن سرعان ما يعود الماضي إلى نصابه، إذا رفعنا يوماً هذا الضغط، وأن الشرائع القديمة في الأمة لم تتجدد ولم تتحول ولم تتبدل وإنما جعلت تعود إلى الظهور وفي كل حين تحت أسماء جديدة، ولم يحدث ثمت أدنى تغير إلا في
стр. 1624
الأسماء والمصطلحات والموصوفات.
وقد يبدو لأول وهلة أن هناك عدة من الحوادث التاريخية، تناقض كل ما قدمنا ولكنا لو تعمقنا في دراستها وبحثها لم يلبث هذا التناقض الظاهر أن يزول، فقد يظن أن العرب مثلاً قد نشروا شرائعهم التي اشترعوها في شعوب تختلف عنهم كل الاختلاف ولكنا لو درسنا الأمم الأسيوية والإفريقية التي بسط العرب فوقها عقيدتهم وملكهم لرأينا أن الشرائع الداخلية في أكثر هذه الأمم لم تكن تختلف بعضها عن بعض إلا قليلاً جداً، وأن القرآن في الأحوال التي كانت تختلف فيها شرائع العرب عن شرائع الأمة المغلوبة اختلافاً جوهرياً، كالشرائع التي كانت عند المغاربة مثلاً، ولم يستعمل إلا نفوذاً ضعيفاً، غير مكره ولا قاهر، ولقد كان العرب أعقل من ساسة هذا العصر وعلمائه فعرفوا أن شرائعهم لن تلائم جميع الممالك التي فتحوها فأخذوا دائماً على أنفسهم أن يبيحوا الأمم المهزومة البقاء على شرائعها والاستمساك بأنظمتها وآدابها وعاداتها ومعتقداتها.
ولما كانت الشرائع - كما قدمنا - هي المعبرة عن حاجيات الأمة وعواطفها فما كانت لتتغير إلا إذا تغيرت هذه الحاجيات وهذه العواطف نفسها، وقد أظهر التاريخ أن تطور الحاجات والعواطف لا يكون إلا بعد سلسلة متطاولة من الطوارئ الوراثية والإحساسات المتعاقبة المتلاحقة، وهذه لا تكون إلا بعد تراخ من الزمن طويل، فإن بين البرابرة الذين أغاروا على الدولة الرومانية وبين أخلافهم وأعقابهم في النهضة العلمية فرقاً عظيماً، ولكن هذا التطور العظيم لم يحدث إلا بعد أن انصرف ألف عام، ومن ثم يتقرر أن النواميس التي يجري عليها تطور جميع الكائنات الحية هي نفسها التي يجري عليها تطور الشرائع الاجتماعية فإن بعض الحيوانات الحية التي كانت تعيش في أعماق الماء، في العصور الجيولوجية الأولى قد انتهت على ممر الزمن بأن اكتسبت الحواس والأعضاء الضرورية التي استطاعت بها أن تعيش في الهواء.
إن العوامل الهامة في تكوين الشرائع هي طبيعة الشعب، ثم الوسط، ثم وجوه المعيشة وأساليب الحياة، وطائفة أخرى من العوامل، أهمها الضرورة، وآخرها رغبة الناس، وللزمن وحده القوى الكبرى على تحديد هذه جميعاً، فإذا رأينا أمة تعيش على شرائع ظلت عليها الدهر الأطول، فلنا أن نقرر أن هذه الشرائع هي أشد الشرائع ملاءمة لها واتساقاً مع
стр. 1625
عواطفها وحاجاتها، وإذا كانت الحرية تصلح لبعض الشعوب فإن الأنظمة الجافة الصلبة التي يسنها الفرد المطلق قد تكون أفضل منها وأجدى على شعوب أخرى، ونحن خلقاء بأن نقتنع بهذه النظرية، حتى لا نتصور أن الشرائع التي استطاعت مجهودات القرون الطوال وتطوراتها أن تلائم بينها وبين حاجات إحدى الأمم، يمكن أن تطبق على حاجات أمة أخرى، إذ ليس من السداد ولا من رجاحة العقل أن تكره السمكة على أن تتنفس في الهواء، بحجة أن التنفس الهوائي عام بين الحيوانات، فإن في الوسط الذي تجد فيه ذات الثدي الحياة، لا تجد فيه السمكة إلا الموت.
وإن التراخي الزمني الطويل الذي تتكون فيه شرائع الأمم وتتطور يجعلنا لا نشعر بهذه التطورات إلا عندما يتصدى لتقريرها مشرع عظيم، ونحن ننسب دائماً إلى المشرع العظيم إنشاء الشرائع وخلق القوانين، على حين أنها في الحقيقة لم تكن إلا نتيجة فعل داخلي طويل، وليس للمشرعين من عمل حقيقي إلا أنهم يقررون للأمة عادات وآداب قررها شعور الأمة من قلبهم بعض التقرير، وينسخون ما أصبح منها عقيماً أو سيئاً أو ضاراً ولكنا لا ننكر أن لهم تأثير في الأمم هاماً عظيماً، ولكن تأثيرهم هذا مقصور على تقرير التغيرات لا ابتكارها، وليس لابتكارهم في الشرائع إلا أثر طفيف ضعيف. فهم حريون أن يقولوا قول المشرع صولون إني لم أعط الأثينيين خير ما يكون من الشرائع، ولكني أعطيتهم خير ما يستطيعون احتماله منها على أن هذه الشرائع الصالحة التي جاءهم بها صولون لم يستمدها من ذهنيته، بل من العادات والشعائر والآداب التي كانت إحساسهم ومعتقداتهم ورغباتهم قد شرعت من قبله في تقريرها.
كذلك كان شأن محمد، فقد عرف كيف يختار من بين شرائع العرب القديمة، شرائع كانت خيراً منها وأجدى على الأمة، ثم عمد إلى شرائعه التي اختار فكفل لها من سلطانه الديني ضماناً قوياً، على أننا لا نستطيع أن نقول أن شرائعه هدمت جميع العادات والشعائر التي كانت للعرب قبله، إلا إذا قلنا أن قوانين الاثني عشر لوحة قضت على جميع القوانين القديمة التي كانت عند الرومان، وإذا كان قد عرض للنبي أن يقضي على شيء من العادات القديمة، كوأد البنات مثلاً، فقد جاء تحريمه إياها تعبيراً عن رغائب وعواطف كانت قد بدأت تنتشر بينهم وتسود، ولهذا لم يلبث تحريمه لها أن وقع منهم موقع الاحترام
стр. 1626
والقبول.
وعلى هذا نقول أن شرائع محمد، - من الوجوه التي لا تتعلق بالدين - ليست إلا مقتطعات من شعائر وعادات كانت قديمة بين العرب، وهذا الشرائع المحمدية - ككل الشرائع الأخرى - تظهر لنا الحالة الاجتماعية التي كانت تعيش عليها أمة العرب، وإذا كانت كتب التاريخ لا تتعرض غالباً لدراسة شرائع الشعوب، فإن من الهين أن نخرج من معرفة الحاجات التي دعت إلى اشتراع هذه الشرائع، والأمور التي حرمتها، وتلك التي أباحتها، برأي صحيح عن الحالة الاجتماعية التي ولدتها.
стр. 1627
حضارة العرب في الأندلس
أقاليم الأندلس ومشهور بلدانها
تنقسم الأندلس إلى أقاليم عدة وفي كل إقليم من المدائن الكبار والقواعد الممصرة والقرى والحصون والقلاع ما يخطئه العد والإحصاء، ونحن ذاكرون هنا من هذه الأقاليم والبلدان ما لا بد منه للاستبصار بهذا القطر الأندلسي إن شاء الله.
فمن أقاليم الأندلس إقليم جليقية ويقال غليسية أيضاً وهو ناحية كبيرة تطل على البحر المحيط في أقصى شمال الأندلس من جهة الغرب - وصل إليه موسى بن نصير أوائل الفتوح، وغزاه لعهدنا هذا الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر أدام الله ملكه. وأشهر مدائن هذا الإقليم مدينة شانت ياقو أو ياقوب ومعنى هذه الكلمة بلسان الإشبانيين يعقوب المقدس لأن ياقو في لغتهم يعقوب وشانت معناه المقدس، وذلك أن يعقوب الحواري زعموا أحد الاثني عشر وأخصهم كان بالسيد المسيح جعل يستقري الأرضين داعياً لمن فيها وما زال حتى انتهى إلى هذه القاصية ثم عاد أدراجه إلى أرض الشام فمات بها وله مائة وعشرون سنة شمسية فاحتمل أصحابه رمته فدفنون في هذا البلد وبنوا له كنيسة هي عندهم بمنزلة الكعبة عندنا فيها يحلفون وإليها يحجون من أقصى بلاد روما وما وراءها.
ومن أقاليم الأندلس إقليم البشكنس وقشتالة ونبره وسردانية وألبه وقطالونية وأرغون وجميعها في شمال الأندلس خلف جبال وادي رامة التي تمتد بين مدينة قبره وبين مدينة سرقسطة وقد غزى المسلمون جميع هذه الأقاليم واستولوا على كثير من بلدانها كما سيمر بك في التاريخ.
وهذه الأقاليم هي أردأ أقاليم الأندلس، فإن أرضها قفر يباب هدف للبرد القارس والرياح الهوج والمطر الثر - أرض صالحة للمرعى ولكنها في كثير من أنحائها لا تصلح للزرع، ومن هنا لم يحفل بها العرب وإنما كانوا يغزونها من حين إلى حين رغبة في كسر شرة أهليها ومرغمة لأنوفهم، وقد جادوا بها للبرابرة الذين يمتلكون أكثرها لعهدنا هذا أعتاباً لهم وتقية لشرورهم. ومن بلدان هذه الأقاليم ليون وبرغش وبنبلونة ووشقه وبربشتر واسترقة تطيلة
وخلف هذه الأقاليم الشمالية للجنوب سائر بلاد الأندلس الحلوة الجميلة المريعة الكريمة
стр. 1628
البقعة الطيبة التربة الخصبة الجناب، المنبجسة الأنهار الغزار والعيون العذاب التي جمع الله فيها الشآم بطيبها وهوائها، واليمن باعتدلها واستوائها، والهند بعطرها وذكائها والأهواز بعظم خراجها وجبايتها، والصين بكثرة معادنها ودفائن ترتبها.
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
ومن هنا كانت كما أسلفنا مستبحرة العمران كثيرة المدن والقرى والحصون والقلاع حتى لقد أخبرتني ثبت ثقة أن بها ثمانين مدينة من القواعد الكبار وثلاثمائة ونيفاً من المتوسطة وأما القرى والحصون والقلاع والضياع فلا تحصى كثرة، ولقد قيل لي أن عديد القرى التي على نهر اشبيلية اثنا عشر ألف قرية.
لاحت قراها بين خضرة أيكها ... كالدر بين زبرجد مكنون
ولقد سلف لنا في الرسالة الثانية - وعنوانها من المرية إلى قرطبة - أنا كنا نجد في اليوم الواحد ثلاث مدن وأربعاً، وكنا لا نكاد نقطع فرسخين دون أن نرى الماء وحيثما سرنا نرى الحوانيت في الفلوات والصحارى والأودية ورؤوس الجبال لبيع الخبز والفواكه والجبن واللحم والسمك وما إلى ذلك من ضروب الأطعمة وهذا لعمري ما لا يكاد يوجد في صقع من معمور الأرض.
وهذه الأندلس الجنوبية التي نحن بصدد من وصفها يمكن تقسيمها إلى وسط وشرق وغرب، فالوسط فيه عدة أمصار لكل منها أعمال ضخام، فمن هذه الأمصار قرطبة وطليطلة وجيان وغرناطة والمرية ومالقة - أما قرطبة فهي سيدة بلاد الأندلس - وقد وفينا القول عليها في الرسالة الثالثة من كتابنا حضارة العرب في الأندلس - ومن أعمالها استجة وهي مدينة جميلة على نهر شنيل لها من الرساتيق ما لا يحصى وقد زرتها فبهرتني قنطرتها العجينة المبنية من الصخر المنجور وقد رأيت فيها من البساتين والحدائق والأسواق العامرة والمتاجر القائمة ما أخذ يلبي وإليها ينسب محمد بن ليث الأستجي المتوفي سنة ٣٢٨ - ومن أعمال قرطبة قبرة ويتبعها رساتيق ومدن كثيرة ومنها محمد بن يوسف بن سليمان الجهني تخذه أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر إماماً في قصره وولاه بعد ذلك قضاء قبره مات ﵀ سنة ٣٧٢ (انظر بقية الموضوعات الأدبية بعد عالم الحرب).
стр. 1629
عالم العلم
ضؤولة العقل في الأجسام الكبيرة - تحليل علمي جديد
قد تقع على صنف من الناس، ضخم البدن، متين الأعصاب موفور الصحة كان يظن فيه العقل الوافر ولكنك تعجب لسخفه ورعونته وضؤولة عقله، ثم تعجب أشد العجب لتناقض المثل السائر القائل (العقل السليم في الجسم السليم) بإزاء هذه المشاهدات، والحقيقة أن ضخام الجسم هم غالباً فقراء العقول، وقد كشف العلم عن خافية هذه المسألة، وحللها تحليلاً علمياً مقبولاً.
يقول الدكتور مرسيير - وهو من أكبر الأطباء الثقاة في الأمراض العقلية - أن النقص العقلي ينشأ دائماً من وقوف نماء المخ بغتة، وهذا إما أن يكون راجعاً إلى استعداد طبيعي أو أن يكون أثر حادث خارجي، ولكي نظفر بعقول قوية يجب أن نعمل على تغذية الجسم تغذية كافية لكي لا يتلف المخ من الفقر البدني، ثم يجب أن نعمل تضطرد العناية بالجسم في كل أدوار العمر، فإذا انقطعت هذه العناية أجلاً معيناً فقد تمضي الحياة دون أن يرجع للمخ شيء من القوة، لأن اكتمال العقول هو نتيجة اكتمال المخ في سن معينة قد تختلف باختلاف الناس والأوساط والتربية والوراثة ولكن من المؤكد أن المخ إذا استكمل نموه واتخذ شكلاً ثابتاً وحجماً ووزناً ثابتين بدأ العقل يستكمل ثم تتسع حدوده باطراد العمر وتتم قواه.
ونمو المخ محدود مهما بلغ من الكبر وذلك بخلاف الجسم إذ لا حد لنموه، وهذه هي المسألة التي حلها العلم (إذا كانت وسائل التغذية في بدء تكوين الجسم مقصورة على البدن وحده ظل المخ فقيراً في نموه، وإذا تحولت كلها إلى إمداد المخ نما الجسم نمواً ضعيفاً، وقد تجد إنساناً معتدل الجسم صغير العقل، وذلك لأن تغذية بدنه كانت قليلة وآخر كبير الجسم وصغير العقل أيضاً، وذلك لأن كل الغذاء تحول إلى بدنه فافتقر المخ وآخر معتدل البدن وعقله كبير وهذا كان لمخه كل وسائل التغذية الصالحة، فضخامة البدن فوق المعتاد إنما تجور على المخ.
غرائب العمران
لعل أغرب مملكة في العالم جمهورية جبل (أثوس) تلك الجمهورية الهادئة الساكنة التي لا
стр. 1630
يزيد عدد سكانها عن ستة آلاف نفس كلهم رهبان من رعايا الكنيسة، وأغرب ما في أمر هؤلاء المعتزلة أنهم يقيمون حراساً على حدود مملكتهم حتى لا تخطو امرأة إلى أرضهم فتفسد عليهم طقوسهم وآدابهم وطهارة أنظمتهم، وأغرب من هذا كله أنهم يحرمون، على أنفسهم اقتناء الحيوانات الإناث وليس عندهم إلا الذكور من كل حيوان أو طير داجن.
وعاصمة هذه المملكة الصغيرة قرية (كرياس) تبعد قليلاً عن مدينة سالونيك وفي العاصمة ينعقد برلمان الجمهورية وأعضاؤه أربعة وعشرون راهباً ينتخبون من بين الستة آلاف، ورئيس البرلمان راهب ينتخب كل أربع سنوات، وللرئيس أربعة وزراء من الرهبان يسيطرون معه على شؤون المملكة ويديرون الحكومة تحت إشراف البرلمان.
ولم تكن الاضطرابات التي وقعت أخيراً في البلقان لتنتهي إلى هؤلاء المترهبين المنقطعين عن الإنسانية الصاخبة المزدحمة، وكل ما اتصل بهم أنهم خرجوا من سلطة الأتراك إلى سلطة اليونان. . . ولعل هذا المجتمع الغريب أبدع مثال للعصور الوسطى في هذا العصر.
قوة العالم على تغيير العالم
نحن لا نزال نئن تحت ثقل المدنية ولا نزال نتسخط ونرجو أن لا يطول للإنسانية هذا العمر المحزون المبدد المضيع - بلى. لم يستطع العلم إلى الآن أن يخفف من آلام الناس ولكن لا يجعلنا نيأس ولا يوقع في قلوبنا الشك في مستقبل النوع. ومهما يكن من نقص الإنسانية فإن العلم كفيل بأن يمشي بالناس إلى الكمال.
لما اخترع أديسون - العالم الكهربائي الكبير - آلة الفوتوغراف تنبأ نبوءات علمية لم يصدقها الناس يومذاك ولكنه آخذ الآن في تحقيق نبوءاته وقد اخترع أخيراً (التليسكريب) وهو مخترع يجمع بين التلفون والفونوغراف في آلة واحدة، ومزية هذا الاكتشاف الحديث أن طرق المعاهدات والتوصيات التجارية وغير التجارية اللفظية الكلامية ستتغير وتتبدل فإن هذه الآلة ستقلل من أكاذيب الناس ووعودهم وعقودهم وعهودهم اللفظية الفارغة الباطلة، فإذا أراد تاجر أن يقاضي عملاءه المماطلين الكثيري الوعود استطاع ذلك بأن يجمع أحاديثهم التي دارت بينه وبينهم في هذا التليفون الفونوغرافي فيأخذها إلى المحكمة وهو رابح القضية لا محالة إذا كان الفونوغراف أصدق شاهد.
هذا وقد تنبأ أديسون بأن العلم سيزيد خصوبة الأرض، وأن الناس سيستخدمون النيتروجين
стр. 1631
في التسميد وسيولدون الكهرباء من الهواء لاستغلال الطبيعة استغلالاً نافعاً، فلم يمض زمن قليل حتى نحقق كل ما قال، فإن هذه الوسائل العلمية الآن مستعملة في بلاد السويد فهناك يزرعون على الطرق العلمية ويستغلون بالعلم.
قال أديسون الآن صرنا بفضل العلم ذوي حواس خمس حقيقة، ولكنا سنتابع الارتقاء حتى نصير ذوي ثمان حواس! وهذه النبوءة ولا ريب محققة على مدى الأيام.
أغرب علاج. . لو صح
نرجو من قرائنا ومن الأطباء أن يجربوا العلاج الآتي ويكتبوا إلينا بنتائجه، لأنه لو صح لكان أغرب علاج عرف إلى الآن. . لقد استعصى الروماتيزم على الأطباء ولكن عالماً أميركياً قال أخيراً بعلاج جربه فصح، ذلك أنه تعاطي مقداراً من الجبير مذوباً في الماء، وإليك ما قال.
كنت أشكو الروماتيزم وقد أيست من أشافي الأطباء فخطر لي يوماً أن أتناول ملعقة من الجبير مذوبة في قدح من الماء فوجدت الألم قد خف كثيراً، ثم كررت هذا الدواء فزالت عوارض الروماتيزم تماماً، ولما كنت أنقطع عن اتخاذ الجير كانت تعاودني بعض الآلام فكنت أعاود استعمال الجير.
البيوت المتحركة
لعلنا سنذلل سيئات المدن، ونقتل أخطار ازدحامها - نعم ونتغلب على الأمراض التي تتولد من الزحام وضخامة الأبنية في المدن الغاصة الكبيرة الآهلة، فقد توفق أحد الفرنسيين إلى ابتناء شكل من البيوت يتحرك ويدور حول نفسه فيستقبل الشمس أيا ما اتجهت فقد وجدوا أن أغلب أمراضنا تفتك بنا لأن النور والهواء لا يدخلان بيوتنا فهذا النوع الجديد سيكون كزهرة عباد الشمس يستقبلها في كل ناحية تتولى إليها.
لماذا نعطس؟
هل من فائدة للعطاس؟ هذا هو السؤال الذي قد لا يجيب عليه كثيرون، لأنهم يجهلون التداوي بالعلاج الطبيعي، فالعطاس علاج للبرد فإن العطسة الواحدة ليست إلا هزة تعم الجسم كله ولا تقتصر على الأنف والرأس وحدهما، وفي أثر هذه الهزة ينبعث الدم بقوة في جميع شرايين البدن وبذلك تتغلب حرارة الهزة على تأثير البرد الدفين في أثناء الجسم،
стр. 1632
ونحن لا نعطس بأنوفنا إذ كانت رجة العطس تبتدئ في داخل الجسم وتنتهي إلى الأنف فتخرج هذا الصوت العنيف، وإذا مللت العطس وأردت أن تنتهي منه فتنفس بقوة مرتين أو ثلاثة فيزول العطس.
стр. 1633
شذرات عن الحرب
عشيقة بسمارك
رجل الدم والحديد يعشق
لا نريد أن نكتب عن بسمارك، رجل الدم والحديد - كما يسمونه - كرجل سياسي، عظيم الدهاء، مدهش التدبير، ولا كحكومي قوى السلطان، جبار العقل، بل جئنا لنكتب عنه من ناحية الجزء الروحاني فيه، من الناحية الإنسانية الحساسة التي تهزأ أبداً بحجج العقل، وتسخر من خشونة التفكير، ولا تستمع لقسوة العمل، هي عاطفة الحب - جئنا لنكتب عن بسمارك، ذلك الرجل الحديدي القاسي العملي كعاشق ذاقت روحه الخشنة لذة الحب، وليس في هذا شيء من العجب، فإن عاطفة الحب ليست إلا عاطفة روحانية عامة، لا حد لها ولا وسط ولا بيئة ولا صنف، هي تشمل الزنوج المتوحشين، كما تعم المتحضرين المتهذبين، وتنزل في القلب القاسي المغلق الأصم، كما تقع في الفؤاد المتفتح.
وأول حادثة وقعت له في حب النساء كانت وهو في السادسة والعشرين، جندياً حار القلب، مضطرم الوجدان، وكان قد خرج إلى ميترباد، بلدة صغيرة في النمسا من بلدان الحمامات المعدنية المشهورة، ولعله كان في هذه السن مغرماً بالنساء، ميالاً إلى مغازلة الحسان، جناحاً إلى التقرب إلى ظبائهن، فلما نزل ميترباد، جعل يمشي متنزهاً في طرقاتها ودروبها ومتنزهاتها، يتبع الجميلات ببصره، ويملي على العين من وجوه المليحات حتى إذا كان ذات يوم، والعام ١٨٤١، وأنه ليخطر في إحدى طرق المدينة، إذ وقعت عيناه على فتاة رشيقة ذهبية الشعر أثيلة الخد ناعمة الوجنة، حلوة الوجه مبتسمته فما كادت تقع عليها عينه حتى وقع معها قلبه، ومنذ تلك الساعة وهو مهتاج النفس، مضطرب القلب، حتى تبعها يوماً، وعرف مقرها، ثم تعرف بعد إليها.
وكانت الفتاة التي أسرت فؤاده تسمى جوزيفاً ابنة صاحب حمامات بلدة ميتر باد كلها، وغني من أوائل أغنياء مقاطعة التيرول بأسرها، وقد سره وقع موقع الغبطة منه أن اهتدى إلى أن الفتاة لم تكن تغضب من تقربه إليها، ولم تكن تشعر إلا بالإعجاب بمشرق وجهه الجميل ونجوي عينه العاشقة، فتشجع وجعل يلتقي بها كل يوم في ساعات معينة محدودة وقد بدأت الفتاة تلتهب حباً للفتى الغريب وبه إعجاباً.
стр. 1634
ومضى أسبوع، ومر أسبوعان، وهما يلتقيان ويجتمعان على خفية من السيد هولزنر، والد الفتاة وصاحب الحمامات، حتى إذا بلغ الحب من بسمارك شدته، وأعجزه أن يصطبر لحرارته، عزم على أن يفاتح والدها في الزواج، ويسأله يد ابنته، ولكن الرجل لم يكن يعرف أن في أثواب هذا الضابط الفتى الشاب، تلك العظمة الهائلة المخيفة الرائعة التي كانت ستتجلى بعد حين في أكبر جلالها، وكانت ستغير وجه التاريخ الإنساني الحديث بأجمعه، بل لم يكن يدري أن هذا الشاب الذي لا يحمل إلا اسم أرثر بسمارك، اسماً صغيراً عادياً، سيضع بعد قليل من الزمن لقب (البرنس) إلى جانبه وسينادي به في التاريخ رجل الدم والحديد، فما كان من الرجل إلا أن قابل سؤاله بأشد ما يقابل من القحة والأنفة والاستنكار، بل راح يهجم عليه بالشتائم والسباب، ويسمى هذا الرجل العظيم الجبار وقحاً، ودعياً، ورقيعاً وصرح له بأنه يؤثر أن يرى ابنته ملحودة موؤدة، على أن يشهدها امرأة دعي مثله، وعبثاً حاول بسمارك أن يحتج ويغالب ويدافع عن نفسه، ولكن أبى الوالد القاسي إلا أن يصر على عزيمته وانتهى الحديث بينهما بأن أشار الوالد إلى الباب، يريد أن يطرده!!!
وكذلك لم يكن يدري هذا الرجل أن في تلك الدقيقة التي أقفل فيها بابه وراء بسمارك، كانت هي الدقيقة نفسها التي فيه أغلق بيديه الشرفة التي كان سيطل منها على المستقبل الأبدي الخالد. . .
كيف تكتم أسرار الحروب
(اللورد كتشنر لا يأمن المتزوجين من الجند على أسرار الحرب!)
لا ريب في أن للحكومات خلال زمن الحرب عدة من الأسرار الهامة الخطيرة يجب أن تحرص عليها كل الحرص، وتعمل جهدها على كتمها، ولذلك لا تني تضع الوسائل المختلفة والطرائق الكثيرة، والأساليب الغريبة في الاحتفاظ بها من الذيوع والسرقة والانتشار، ومن هذه الوسائل أن الكتابة في الدواوين المختصة بهذه الأسرار والرسائل والتقارير الهامة فيها لا تجفف بأوراق (النشاف) المعتادة بل قد استعاضوا عنها بآلات مجففة تتألف من اسطوانات متحركة مغطاة بورق من النشاف مبلل بالمداد، أسود الأديم، حتى لا يمكن أن تنطبع الألفاظ والسطور على أديمها، لو كانت بيضاء، وهم في أغلب
стр. 1635
الأحيان يستعملون الورق النشاف الأسود بدلاً من الأبيض أو القرمزي، أما الرسائل البرقية الخطيرة فهم يستعملون في تطييرها رمزاً مفهوماً بينهم معروفاً.
وقد كان من عادة اللورد كتشنر في الحروب التي حضرها أن لا يأمن على أسراره الخطيرة إلا الأعزاب غير المتزوجين، حتى أنه في السنوات العدة التي قضاها في السودان يعمل على مهاجمة المهدي والغلبة عليه لم يجعل في ديوان حربه وكتماء سره رجلاً منهم متزوجاً فإذا أراد أحد الجند الذين في خدمته وديوان حربه أن يتزوج أمر اللورد بنقله إلى مكان آخر، وذلك مخافة أن يعجز عن كتم الأسرار الحربية عن زوجته!.
стр. 1636
العدد ٢٧ - بتاريخ: ١٥ - ٥ - ١٩١٥
стр. 1637
مستقبل العالم
مقال للفيلسوف الألماني ماكس نوردو يتنبأ فيه عماذا عسى يكون مستقبل الأمم نشرناه على علاته دون نقد أو تعليق.
على لوح الغيب وصحيفة المجهول أنقش بريشة الحدس والتخمين قصة المستقبل فإني كلما أرسلت الطرف في ذلك اللوح فألفيت فراغاً واسع الأنحاء صبوت إلى التكهن واهتز القلم في يدي وولعاً بأن يسطر في إحدى زوايا اللوح ما يوحي إليه التصور عن مستقبل العالم.
سترى الأجيال القادمة حل مشكلة القومية إذ تختفي الأمم الصغيرة الضعيفة وأقصد باختفائها أنها تفقد لغاتها الخاصة وشخصياتها كما حدث لأمة الفندال في لوزاتيا وميكلنبرج ولأمة الكلت في ويلز وبريتاني وسكوتلاندة. فيما سلف وستنضم الشعوب المتجانسة لتؤلف أمة فردة كبرى كما فعلت جرمانيا العليا والدنيا وكما فعل سكان بروفانس والفرنس الشماليون وكما فعل السلاف تحت قيادة الروس وكما شرعت تفعل اسكاندنيفيا وسوف نرى طوائف المهاجرين من أبناء الأمم العظمى إما هالكين وأما بمعونة دولهم متغلبين على أهالي المستعمرات فسائدين ثم ملحقين ببلادهم ما أحرزوا وما كسبوا. وسينجم عن هذا التزاحم العام وعن هذا التواثب والتكالب تشوش بين الأمم يلبث حيناً ثم ينجلي عن أقوى الأمم - وهي بضع قلائل - كاملة البنيان محكمة العقدة. وهكذا ينقص عدد الممالك في أوروبا إلى أربع أو خمس ولكنها دول ضخام كل واحدة منها ربة بيتها وسيدة منزلها قد نبذت أو امتصت جميع العناصر الأجنبية والمكدرة فهي لا تمد الطرف إلى ما لاصقها من الدول إلا بإشرافه الصديق الملاطف أو الجار المحادث. أما الحكم في فناء ما سوف يفنى من الشعوب بعد المعركة الكبرى وفي تاء ما سوف يبقى فليس إلى البرلمانات مرجعه ولا إلى كفاءات الأفراد من ساسة ولا إلى تقصير أو بلاغة أو عجز أو كياسة من أحد قادة الأفكار وزعماء الرأي بل قوة الشعب الحيوية الفطرية البادية في شتى صورها ومظاهرها كشدة الأبدان وقوة التناسل والتفوق في ميادين القتال والسبق في مضامير العلوم والفنون والآداب والنعرة القومية والحمية العصبية. ولست ممن يرى أن كثرة عدد الأمة أو قلته نتيجة الاتفاق والصدفة بل أرى أن مجموع أفراد الأمة هو في عالم الحيوان أحد الخواص الجوهرية - أحد مميزات الأمة. فزوال أمة الكلت من كافة أنحاء بريطانيا العظمى. وقصور أمة اليونان عن مجاوزة بضعة ملايين من الأنفس. وبقاء الألبانييين والباسك
стр. 1638
والمجر شعوباً صغيرة ليس له سبب سوى عجز هذه الشعوب عن بلوغ منزلة الأمم العظمى. لقد كان عدد الأمة الانكليزية في عهد الفرد إلا كبر مليونين من الأنفس ولعل سكان اسكاندينفيا في هذا العهد كانوا لا يتجاوزون هذا العدد. فاليوم قد بلغ سكان انكلترا أربعة وثلاثين مليوناً على حين أن جميع سكان اسكاندنيفيا لا يعدون ثمانية ملايين. ولا يمكن أن تكون الأحوال الجوية وطبيعية الأرض هي سبب هذا البون البعيد. بدليل أنه ليس هنالك فرق أساس في الجو والتربة بين انكلترا من جهة وبين الدنيمارك وجنوب النروج والأسويج من جهة أخرى. أضف إلى ذلك أن الانكليز لم يحصروا أنفسهم في جزيرتهم ولكنهم فاض فائضهم على وجه المعمور وعمر طوفان قوتهم الجم العديد من أرجاء الدنيا فاستعمروا من العالم أضخم جزئيه، وأجزل شطريه، وكذلك ليس إلى عوامل الجو والتربة مرجع هذه الحقيقة وهي أن في أوائل القرن التاسع كان عدد سكان فرنسا اثنين وعشرين مليوناً وهو الآن ثمانين وثلاثيون مليوناً إلى تسعة وأربعين مليوناً. فالفرنسيس أكرم تربة وأحسن جواً وأوسع متقلباً. ولكنهم قصروا مع ذلك عن مساواة الألمان في كثافة العدد. وعلى ذلك فمسألة العد راجعة إلى ظاهرة جوهرية وخاصة فسيولوجية متأصلة في الأمة من مبدأ أمرها وهذه الخاصة وأن أثرت فيها عوامل الدم الدخيل والأحوال المعاشية السيئة تأثير تبديل أو فساد إلا أنها تستعيدت مع صلاح الأحوال قوتها وتؤدي في النهاية إلى هذه النتيجة التاريخية المحتمة وهي أن إحدى الأمم تنتشر في مساحة فسيحة من الأرض وتزداد على ممر القرون عدة وعدة إلى أن تحكم القارات العظيمة بحذافيرها على حين أن قرائتها ولداتها في الصبا اللواتي لم تك تفضلين بادئ بدء يصبحن قد تبلدن وراءها ونكان ونيا ووهنا وفتوراً ثم لا يزال في تناقص وتضاؤل حتى يعدن خيالات لما كن من قبل أو يمتن فينقرضن البتة.
وكذلك يؤول الأمر إلى قارة أوربية خلاف أوربا الحالية - قارة أوربية قد وفقت إلى التوازن الداخلي الصحيح، وشعوبها القليلة الباقية قد بلغت من القوة والوحدة والمساحة أقصى ما يستطاع بلوغه ببذل غاية مجهود قواها الحيوية. حينئذ ترى إحدى الدول الأوربية تحترم الأخرى وتعدها ظاهرها مخلدة من الظواهر الطبيعية التي لا يعروها تغير ولا تبدل فهي أبدية سرمدية. حينئذ نعد الحدود بين الممالك أشياء ثابتة كالحد بين اليابس
стр. 1639
والماء. ولا يفكر روسي في غزو جرمانيا أو جرماني في دخول إيطاليا إلا إذا فكر عصفور في أن يعيش تحت الماء أو فكر حوت في الإقامة على رأس جبل، حينئذ تتوجه كل أمة إلى إصلاح شؤون معاشها وتحسين أحوال بقائها وإزالة كل عقبة تعترض في سبيل استرسال الفرد في جميع مناحي الرقي وبلوغه أقصى الغايات في كافة أغراض الحياة وتمنع من إدراك أسمى منازل الخير والسعادة للفرد والجماعة. ثم تتوسل أخيراً سواء بطريق الرقي السلمي التدريجي أو بالثورات العنيفة إلى أن تشيد من النظامات الحكومية والاجتماعية وتنشئ من نواميس المسائل والشوؤن المعاشية ما يعد في رأيها أو في رأي أغلبيتها أنه الأصلح. فالتوسع العظيم في استخدام قوى الطبيعة (الكهرباء والبخار والماء الخ) واختراع الآلات العجيبة يمكن الأمة من الاستغناء عن تسعة أعشار العمال المشتغلين الآن في المصانع فبفضل النظام الاجتماعي المؤسس على الشركات المسؤولة تتحول طوائف عما المصنوعات إلى طوائف لاستهلاك هذه المصنوعات أعني أن طوائف الصناع وأرباب المصانع الصغرى تخلو أيديهم من العمل بتعطل وظائفهم لمزاحمة الشركات إياهم فيصبحون هم الذين تعمل لهم المصنوعات ليستهلكوها بعد أن كانوا هم أرباب المعامل والعمال. وبناء على ذلك فإنهم يرجعون إلى المزارع والحقول ليستدروا بالفاس والمحراث أقوات الأمة من أخلاف الثري ويستمحنوا الطبيعة رزق اليوم فالغد والأمة في أثناء كل ذلك لا تزال ترقى وتكثر فتزدحم الناس وتكثف وتحتشد ويضيق مجال الفرد ويقل نصيبه من مساحة البلاد ويزداد معترك الحياة حرجاً وضنكاً ويشتد الكد والكدح فترتقي وسائل الزراعة وتربية الأنعام وتستحيل البلاقع القفار جنات ناضرة والأنهار والبحيرات صهاريج للسمك وتخرج الأرض من مكنون خيراتها ما لم يكن في الحسبان. ولا خطر في حلم وسنان. غير أنه كما قبل في الأمثال لكل سائلة قرار ولكل راكض غاية ولا بد أن تجيء ساعة يبلغ الفلاح منتهي مجهوده من الكد وتبلغ الأرض أقصى طاقتها من الجزاء والمكافأة وهنا تقوم مسألة التموين في وجه الأمة كشبح عفريت أو خيال جان - من أين يجلب القوت لأمة تكاثف على الإصلاح والرقي عددها وطالت بفضل تقدم العلوم والفنون أعمارها؟ كيف يرزق أولئك الجموع المحتشدة من صغار يحملون عنوان النجابة والفلاح وكبار يجودون بثمرة الفوز والنجاح؟
стр. 1640
لقد أصبح من ضروب المحال أن تتعدى الأمة حدودها فتفيض في سلام على جاراتها وذلك لأن الحال واحدة جميع أوربا ومشكلة إحدى الأمم هي عين مشكلة جارتها. وكذلك استعمال القوة لا يجدي ولا يفيد. إذ أن المدنية تكون قد ارتفعت في جميع الأرجاء إلى مستوى واحد وقد تشابهت العادات والنظامات. والمواصلات السهلة الرخيصة الجمة قد عقدت بين الشعوب للألفة والصداقة ألف ألف آصرة وعروة. حتى لقد يعن من أكبر الجرائم مد الأيدي إلى الأملاك الأجنبية - بل هو فضلاً عما فيه من الإجرام يرى ضروباً من المخاطرة الحمقاء والمجازفة الخرقاء. وذلك لاشتمال كافة الدول الأوربية على عين الأسلحة الفتاكة المبيدة وعين أساليب الدفاع والقتال، فإذا اشتبكت أمة مع أخرى في ساحة الوغى لتسلبها جزأ من أرضها فمعنى هذا أن الأمة المذكورة إنما تقدم فضلة أبنائها جزراً لحد الحسام وطعمة الفوهة المدفع وقرباناً لإله الحرب، وفضلاً عن ذلك فلن يكون ثمة بين الشعوب عداوة جنسية لأن استواء الأمم في التفقه والتأدب ودوام تبادلهم الأفكار والآراء يريهم أنهم أفراد أسرة واحدة، فكما أن إحدى المقاطعات من فرنسا أو انكلترا لا يخطر ببالها أن تشن الغارة على إحدى جاراتها من المقاطعات لتطرد أهلها وتستولي على أرضهم كذلك لا يخطر قط ببال أمة أوربية في المستقبل أن تفعل مثل هذا بإحدى جاراتها.
إذن فماذا يصنع لحل مشكلة التموين؟ هنا يتقدم إلى حل العضلة قانون معروف من قوانين الطبيعة، وذلك أن فضلة أهالي أوربا تفيض من القارة الأوربية في الاتجاه الذي هو أدنى مقاومة من غيره أعني تلقاء الأمم الملونة السوداء والصفراء والحمراء، وهؤلاء بحكم الضرورة يقضي عليهم بإخلاء أماكنهم للأمم البيض ثم يعقب ذلك اضمحلالهم فانقراضهم، فإن استواء طبقة الحضارة والمدنية الذي بفضله ترى الأمم الأوربية متشابهة متماثلة لن يوجد بين هؤلاء وبين الشعوب الملونة، فاستعمال القوة العديم الفائدة في أوربا يأتي بأجزل الفائدة وأسرعها في أراضي الأمم الحمراء والسوداء والصفراء، فينزل الأوربي بهذه الأقاليم في المنطقة المعتدلة التي هي أصلح المناطق له وأليقها به، ثم لا ينزل وراءها أبعد مما تضطره إليه الحاجة، فأول ما يستعمر أمريكا الشمالية واستراليا ثم جنوبي أمريكا وأفريقيا فيما يلي المنطقة الحارة، وبعد ذلك يستولي على ساحل بحر الروم الجنوبي وينفذ إلى الترب الكريمة من آسيا، فيحاول الأهالي المقاومة أولاً مثل يرون أن لا حيلة سوى
стр. 1641
الهرب، فيتقهقرون أمام الجنس الأبيض آخذين ثأرهم من أرباب الأراضي الذين هم أضعف حولاً وأوهن صولاً، يلقونهم بمثل ما لقوا من البيض المستعمرين، إلا أن أوربا لا تزال تنتج في كل جيل فضلة من الخلق المهاجرين فيرتفع بسبب الفيض الجديد عباب الاستعمار في بحاره، وتسمو عقب اليسل الأخير غوارب ذاك الزاخر الخضم في تياره، فيندفع متدفقاً في الأقاليم الحارة من أقطار الأمم الملونة مقترباً من خط الاستواء، وكذلك لا تلبث هذه الأمم أن تهلك فتفنى، على أن اندفاع الرجل الأبيض بعامل الجوع إلى خوض أحشاء الأقاليم الحارة واصطلاء جمرة القيظ في بقاع خط الاستواء ونزوله تلعات منابع الكونغو وضفاف الأمازون والجانج وهلاك الرجل الأخير من همج تلك الأحراج والأدغال تحت وطأة الأبيض ربما لا يكون إلا بعد مضي آلاف من السنين على أنه مهما تأخر أمر لا بد منه.
أفبعد ذلك تثبت الدنيا على حال لا تتغير؟ أيقف نمو الإنسانية وارتقاؤها؟ كلا إن تاريخ الدنيا دائم السير والحركة، وهو يجري متغلغلاً في ظلمات المجهول وغياهب الغيب، بل سيستمر الجنس الأبيض بعد وراثته الأرض واستئثاره بالدنيا على الرقي والنماء في أوطانه الأصلية بأوربا وفي المنطقة المعتدلة من سائر قارات الكرة، وسيتمادى في الازدياد والتكاثر ولا يزال يخرج له نسل يبتغي تحت ظل السماء مقيلاً، وفي مذاهب الأرض سبيلاً، وعلى خوان خيرات الله موضعاً، ولدى منهل اللذات مشرعاً ومكرعاً فعلى ممر العصور لا تزال تنشأ هنالك ضرورة الهجرة عن الأوطان وانسلاخ بعض الشعب والفروع عن أصولها، غير أن في هذا الحين لا يبقى على أديم الأرض شعوب منحطة يسهل اقتلاعها وإبادتها ويكون افناؤها غير مشفوع بالألم الحاد الذي لا بد أن يصحب اعتداء الرجل على أخ وصديق، فحيثما حللت من الأرض وجدت صوراً واحدة وأشكالاً واحدة، وفي كل بقعة لغات بعينها وآراء بعينها، وأخلاقاً متماثلة، وعادات متشاكلة، وفي كل مؤطئ قدم قام رجل من الأمم البيضاء فسجل على الثرى حق الملكية بأخاديد المحراث المشرفة وحفائر الفاس المقدسة فأين يذهب المهاجرون؟ وماذا تصنع المقادير بباقي السكان في أقدم مواطن الحضارة؟ أقول أنه لا يزال هنالك قانون فعال طبيعي يتقدم لتفريج هذه الغمة وتنفيس تلك الكربة، ذلك أن ذرية الجنس الأبيض التي نزلت عند خط الاستواء أو قرابه
стр. 1642
يعروها الانحطاط في هذه الأصقاع الحارة فما هي إلا بعضة أجيال حتى تراهم أمة دنيئة ونوعاً سافلاً ينزلون من إخوانهم الساكني البقاع المعتدلة منزلة الزنجي أو الأحمر من الأبيض، وهذه حقيقة لا ريب فيها فإن أوفر الشعوب البيضاء رجولة وأعظمهم فروسية ينالهم الاضمحلال في البلاد الحارة في ظرف أجيال قليلة فإذا هم لم ينقرضوا البتة بعوامل العقم والمرض فإنهم على كل حال يصبحون من الضعف والبلادة والجبن والغباوة بحيث لا نخالهم إلا خيالات لآبائهم وأجدادهم، كذلك مآل أولئك الفاندال الأقوياء الجسام الذين غزوا قرطاجنة رجالاً ضخاماً فلم يك قرن أو زهاؤه حتى أخرجهم البيزانطيون الأدنياء من تلك الديار نعاجاً وأنعاماً.
وهذه العملية بعينها تشاهد حتى اليوم في الأقاليم الحارة التي يستعمرها الجنس الأبيض، فلقد ذكر أحد الاختصاصيين أن عدد الزيجات التي وقعت بين ذكران وإناث من الجنس الأبيض في مستعمرة غينينا الفرنسية فيما بين ١٨٥٩ و١٨٨٢ هو أربعمائة وثمان عشرة فمئتان وخمس عشرة من هذه بقيت عقيمة، والمائتان والثلاثة الباقية أنتجت أربعمائة وثلاثة أطفال.
ومن هذا النسل أربعة وعشرون ولدوا أمواتاً، ومائة وثلاثون وثمانية هلكوا فيما بين عامي ١٨٦١ و١٨٨٢ على أعمار متفاوتة، وعلى ذلك فإن مائة وواحد وأربعين ولداً هم جميع ذرية طائفة أوربية من المتزوجين عددها ثمانمائة وستة وثلاثون في مدة ثلاثة وعشرين عاماً، وما أفسدها مع ذلك ذرية، وما أحطها سلالة، وماذا عسى أن تقول عن نسل قصار دمام ضعاف عجاف صغار الهام، ضئال الأجسام، خلا عدة غير ذلك من النقائص والمعايب، والمساب والمثالب.
وهكذا نرى أن نازلي الأقاليم الحارة عرضة للانحطاط والتقهقر فلا يزالون يسلبون محامد السلف الصالح حتى لا يبقى لهم من آبائهم إلا لغة فاسدة وزهو بالنسب والمحتد فأمثال هؤلاء الضعاف الضئال لا يستوجبون من المهاجرين الأقوياء احتراماً ولا مودة ولا إنصافاً ولا رعياً لحرمة ولا وفاء لذمة.
لذلك لا يلبث هؤلاء الأقوياء الذين قد ضاقت بهم أوطانهم وشحت أرزاقهم وأقواتهم أن ينقضوا على أولئك الأصاغر الأدنياء فيفنونهم ويقوموا مكانهم ليكافحوا من ذلك الجو عدواً
стр. 1643
مبيناً.
وهكذا تصبح المنطقة الحارة الاستوائية تشغل في تاريخ البشر عين الوظيفة التي تشغلها في الدورة الجوية، فكما أن مياه القطبين الباردة تنحدر تلقاء خط الاستواء وهنالك تتبخر ثم ترد إلى القطبين في هيئة بخار وسحاب، وكما أن هذا التبخر يحدث بالمنطقة الحارة هبوطاً في سطح الماء لابد أن يسد القبطان بسيول جديدة من مياههما الباردة، وكما أن مياه البحار لا تزال هكذا في حركة دائمة والأنواء والأمطار في سائر أنحاء العالم تدبر وتنظم وأقصى بلاد الأرض تمنح الخصب والبركة فكذلك ستفيض في المستقبل فضلات الأقاليم الباردة والمعتدلة إلى المنطقة الحارة وهنالك تهلك فتتبخر ثم يحل محلها السيل الدائم الفيضان.
وهكذا سيكون خط الاستواء مرجلاً شنيعاً يذاب فيه لحم الإنسانية فيبخر، هكذا يقف أهل الأرض فضلة أبنائهم في حلق هذا الفرن المحتدم فيفسحون بذلك مجالاً لنموهم وسعيهم.
стр. 1644
جوسلان
أو
صفحة من فلسفة الحياة
ما كان الشاعر الذين يستعين بقوة خياله، ويستنزل وحي تصوره، لكي يلقي إليك بصورة مكبرة من عواطف الناس ووجداناتهم، ويطلع عليك بنماذج متخيلة مفتعلة من أخلاق العالم وغرائب طبائعهم، ليبلغ مبلغ الشاعر الذي لا تجد في ديوانه إلا ترجمة حياته، ولا تشتم من قصيده إلا رائحة حقيقته، ولا تقع على قطعة من شعره إلا كنت واقعاً على قطعة من روحه، ولا تقرأ جزاء من كتبه إلا كنت قارئاً جزءاً من تاريخه، وإنك لتتصفح قصائده فكأنما تتصفح أحداث حياتك، حتى لتشعر إذ ذاك أنك إنما تقرأ أفكارك وتشهد مشاعرك، وتحس ساعتذاك أن الشاعر إنما كان يكتب لك وحدك، أو كأنه كان يكتب عنك، وكأنما كنت تملي عليه خواطرك، وتعترف له بمكنونات عواطفك وأنت فلا تجد أمثال هذا الشاعر الصادق إلا قليلين، إذ كان أكثر شعراء الدنيا قوماً ثرثار مالقين كاذبين، يرسلون دواوينهم فلا يظهرون لك إلا أيدياً مرتعشة، وسوقاً مرتجفة، وعيوناً باكية، ووجوهاً كاسفة، وقلوباً دامية، وأنت بين ذلك لا تجد لكل هذه العوارض الشعرية أثراً في نفسك، ولا تحس لها لهيباً في عواطفك، وما أعجب إلا من أولئك الذين يقولون باستجازة الكذب للشعراء، فإن هؤلاء لا يريدون أن يفهموا معنى الجمال، وعندهم أن المرأة المتبذلة في مساحيقها وأدهانها، وكواذب حليها وخوادع يواقيتها تقع من نفوسهم موقع الحسناء الخفرة في أبسط أثوابها وحقائق تقاطيعها، وهؤلاء لا يضيرهم أن يدخل عليهم الشاعر بأكاذيب الحياة كلها، ما دامت في ثوب جميل، وظهارة حلوة، وصيغة مقبولة.
ومن بين شعراء العالم الصادقين المخلصين يقف الشاعر لامارتين فقد وضع كل روحه في أشعاره، واعتصر قلبه فألقى بخلاصته في كتبه وديوانه، فلا تقرأ له من رواية، ولا تستمع له من شعر إلا وجدت قلبه يطفر في خلال سطوره وأجزائه، هذه رواية روفائيل وهذه رواية جرازييلا وهذا كتاب الاعترافات، وهذه قصائده جميعاً وأبياته، لا تحتوي غير وقائع حياته ووصف عواطفه وآلامه ومباهجه وأحزانه، فهي من هذه الناحية كتاب الحياة البشرية كلها، وخلاصة ترجمة عواطف الجنس البشري بأجمعه، إذ كان البحث في تاريخ إنسان
стр. 1645
واحد، كما يقول الشاعر بوب هو البحث في تاريخ النوع الإنساني كله.
ونحن نعرب له منذ هذا العدد - بعد أن نقلنا في الأعداد الماضية ثلاث قصائد من أبدع قصائده - رواية جوسلان، وهي قصة شعرية مستفيضة، تجيش بكل معاني الحياة وفلسفتها، وتصف في أبلغ وصف ضؤولة الإنسان وحقارته، إزاء عظمة الأقدار الإلهية وقوتها، وكان الشاعر قد بدأ ينظمها منذ شبيبته، ولم يفرغ منها إلا في أيام كهولته، كان ينظم القطعة منها إذا التهبت فيه حرارة الشعر، ثم يتركها فلا يعاودها إلا في عاصفة أخرى من عواصف شاعريته، وليست رواية (جوسلان) هذه من المخترعات الشعرية ولا من نسيج الخيال، وإنما هي قصة واقعية استمدها الشاعر من تاريخ أسرته، وقد وقعت حوادثها في خلال الثورة الفرنسية، وكان لامارتين ولد قبل نشوب تلك المجزرة بثلاثة أعوام، أما جوسلان بطل الرواية، فهو قسيس من أهل الريف، وقد استمد الشاعر وصف خلق الرجل من قسيس صديق له، يدعي الأب ديمونت، كان من أهل بلدة ميلي، مسقط رأسه، وقد حشد فيها الشاعر كثيراً من ذكرياتها الشخصية، وحوادث حياته، وعواطف قلبه، وعدة من آرائه الفلسفية ومبادئه.
وقد قسم الرواية إلى تسعة أعصر ومقدمة وخاتمة، وجعلها مذكرات كتبها القسيس جوسلان في أيام حياته، ثم وجدت بعد مماته، وسنقتصر في هذا العدد على تعريب المقدمة والعصر الأول، ذاهبين في التعريب إلى شيء من التصرف، وسنوالي تعريب كل عصر منها في كل عدد من الأعداد القادمة حتى تكون قطعة كل عدد منها كأنها موضوع مستقل.
المقدمة
كنت صديقه الوحيد في هذا العالم بعد شائه وغنمه. . فغدوت إليه كعادتي في الكنيسة سعياً على القدم. . أسير صاعداً في طريق ضيقة، أحمل بندقيتي فور منكبي وأقبض في كفي على مقود كلبي، أتسنم متعباً تلك الروابي المشتبكة المتناوحة المتقابلة، مفكراً في تلك البهجة الحلوة التي سأنعم بها عند المغيب، إذ أطرق بابه، وأرقى درج سلمه، وإذ أجلس إلى ناحية من موقدته المشتعلة المتوهجة، وإذ أشهد الغطاء الأبيض الناصع قد أمتع فوق خوانه، وأرى المائدة قد صفت فوقها ألوان الخضر والفاكهة، متأملاً مجلسنا ونحن نتحدث تحت جنح الليل ونسمر، وكأنني أسمع صوته الحنون الرقيق، وجرسه الخفاق الناعم،
стр. 1646
وأحس كأن قلبه يشير إلى بالتحية، فإن اليد تعين القلب، إذا لم يتكلم اللسان، وعزت الألفاظ والعبارة.
فلما بلغت الرابية التي تشرف على ذؤابة بيته، ألقيت بندقيتي فوق صخرة هنالك غيراء، ووقفت أمسح العرق عن جبيني المبلل الذابل، ثم أرسلت الطرف في ذلك الموضع المنبسط الفسيح، فاندهشت إذا لم ألمح بين أشجار البستان وسرحاته قباءه إلا فحم الأسود، وكنت أعرف أنها الساعة المقدسة عنده، إذ يجلس وحيداً منفرداً في ظلال المغيب يقرأ في كتاب صلواته، وازداد دهشي إذ لم أبصر كعادتي ذوائب دخان ناره تصعد من قمة داره وما أخذ عيني من منزله إلا نافذة دون ضياء الشمس مغلقة، وطيف حزن عميق، وظل كآبة واجمة، فمرت فوق صفحة قلبي رعدة مؤلمة، كما ترتعد صفحة الجدول المتدفق الفضفاض ولكني لم أشأ أن أدع سبيلاً إلى رعبي، بل انطلقت في طريقي، موسع الخطي مسرعاً.
وراحت عيني تبحث عمن تسأله وتستفسر، فلم تر في تلك الحقول المقفرة الصامتة أحداً، لا إلا نعام ولا راعيها، ولم يقع في مسمعي عن كثب إلا صيحة الصراصير، وكنت من قبل أشرف على ضوضاء عظيمة وأصوات جهيرة عالية. . . وهبطت فطرقت الباب. . ولكن لم أسمع جواباً. . حتى كلب الحارس لم يأت على وقع أقدامي ودقاتي علوياً كما كان يفعل نابحاً، فضغطت على القفل بيد قوية غليظة مسرعة، ودخلت الفناء فإذا الدار ساكنة مقفرة،. . كلا، واأسفاه، بل أبصرت عند نهاية السلم المفضية من الفناء إلى صميم الدار، شبحاً أسود جالساً هناك كما يجلس السائل المسكين عند عتبة المعبد، لا يعير حركة، ولا يرفع طرفاً، قد دفن جبينه بين ركبتيه، وأخفى وجهه في وقاء ثوبه لا يخرج أنة لوا عولة ولا رنيناً، بل مشتملاً في ثياب سوداء متجهمة، وهنا قام في نفسي جلال الموت عند رؤيتي هذه الشارة الصامتة الخرساء، فدانيته وإذا بي أرى خادمة صديقي الشيخ تبكي مستعبرة قلت أحقاً ما تقولين يا مارتا، فنهضت على صوتي تمسح عينيها بأطرف أناملها، ثم أجابت نعم، هو الحق يا سيدي، هلا صعدت إليه فأنت مستطيع الساعة أن تراه، وأنا لدافنوه غدا عند مطلع الفجر، إن روحه الحزينة ستروح إلى ربها في هدوء وبهجة إذا أنت ودعتها الآن بآخر ضراعاتك لها وابتهالاتك، ولشد ما تكلم عنك في ساعة احتضاره، وكثر ما ذكرك، وجعل يقول لي، أي مارتا، إذا كان الله أراد أن يتوفاني إليه إذن فانبئيه عني أن
стр. 1647
صديقه قد ترك له كل متاعه، ليرعاك أن وطيوري وأنعامي وكلبي متاعه. .!. . يا الله. . . وهل كان أكبر فخره إلا أن يبذل كل متاعه، وأن لا يبقي على رفوف خزانته طعاماً ولا رزقاً. . ولقد كانت عنده فضلة من المال فصرفها درهماً بعد درهم في مطعمه وشرابه، وفي وجوه خير وإحسان يعرف الله خبرها. . ومنذ تعثر في علته الكبرى وهو ينفق كل ماله على الناس وحياته يا سيدي وروحه. . وها هو قد ظفر آخر أمره بالموت. . فقلت في أثرها. . . نعم. . . وبالسماء!.
وصعدت سلم البيت
وكانت الحجرة مقفرة خالية مظلمة، وليس فيها إلا شمعتان ضئيلتان، وقد ازدحمت فوق جبين الميت أشعتهما الرهيبة المحزنة وضياء المساء المتورد الذهبي وهو ينفذ من خلال تضاعيف النافذة، وكأنما يتقاتل عليها في عذاب الموت البريء الطاهر، نور الأمل الخالد وظلمة ليل الحياة الفانية. . .
وعثر صديق جوسلان على هدى خادمته مارتا في مخزن الكنيسة ببقايا مذكرات كتبها بقلمه القسيس الراحل، فنظمها ورتبها في الصفحات الآتية، وإن كان يتخللها صفحات بيضاء ضائعة.
العصر الأول
جوسلان الآن في السادسة عشر، وقد أحس في أعماق نفسه ببوادر الحب وطلائعه. . ولكنه لم يلبث أن علم أن أخته ستضطر إلى الامتناع عن الزواج ممن تحب لأن نصيبها من ميراث أبويها لم يكن ليكفل لها مهراً طيباً مقبولاً، وقد اهتاجت هذه الفكرة روح جوسلان، وكبرت في عينه فأجمع على تضحية نفسه ونصيبه من مال أبيه في سبيل هناء أخته. . .
١٨ مايو سنة ١٧٨٦
هذا ما قلته اليوم لوالدتي - أماه. . إني أحس كأن الله يدعوني إليه ويستقدمني. . . أن التقوى العظيمة والإيمان الحي العميق، والظمأ الطاهر المقدس، إلى مناعم العالم الأقوم الأبقى، وهي التي اغتذيت منك طفلاً، أدرج في حجرك، وأرتع عند ركبتيك، قد بدأت يا أماه تخرج اليوم ثمرها، وإن كان ثمراً مريراً يا والدتي في فمك. . مريراً لشبيبتي
стр. 1648
وصبابتي، ولكن ما أعذبه على الروح، وما أسوغه وأبرده. . . أن ظل المعابد يستهويني إليه ويجتذبني، أريد أن أقف لله، وأنا في طراوة العمر، أيامي الآتية الذاهبة الفانية، كما توقف الآنية المطهرة لحياض المذبح، ليس في هذا العالم الأرضي ما يخدعني، وليس في الأرض ما يغريني، إني لا أريد أن أضرب خبائي في هذا الريح الأهوج الفاسد، ولا أريد أن ألطخ قدمي في مناكب الأرض وسيلها، حيث ترتطم القطعان الإنسانية وتنحدر. . . بل أني أؤثر يا أماه أن أنحرف عن منافذ هذه الدنيا فأتبع إذا أسفر الصبح طريقي الساكن الجبلي الموحش القفر، أوثر أن أجلس إلى ظلال جدران الهيكل، وأفياء أبنية المعبد، وأن أخلص بنفسي منذ شبابي الناضر إلى حضرة الله وقربه. . . إني أحس أنني لم أخلق لزحمة هذه الحياة وصراعها، حيث الناس يصرخون على مطالب العيش ويصطخبون ويتقاتلون. . إني أحمل روحاً لا نستطيع أن تقف هنيهة في ساحة هذه الحرب المتوحشة المخيفة، نفساً مفعمة بالحنان، وقلباً لا يدفع إلا نفساً صاعداً راجعاً، إني ولا ريب سأخرج من هذه الحرب قتيلاً، إن رفيقاً رحيماً، وإن متكبراً مزهواً عزيزاً، من النصر أن فائزاً منصوراً، ومن الهزيمة أن منهزماً مدحوراً. . أن العالم يا أماه ليس إلا مقامرة، وليست الحياة إلا مادة هذه المقامرة ولعبتها، وما أنا مستطيع أن أضع شيئاً فوق مائدتها ما أثقل عبء الحياة. . وما أشق رحلتها، وما أغلظ سفرتها وشقتها. . فخير لنا أن نقطعها مخفين من المتاع. . من الأحمال والأوزار، من الهموم والأطماع، ومن روابط الحب، وأواصر الحياة المتفككة الرثيثة الواهنة، من الأولاد والأعقاب، ومن المصائب والويلات والأحزان. . وإذن فأية طريق إلى وجه الله نأخذ، وأية سبيل إلى سمائه نصعد، فنحن إليه يومذاك أقرب وأسبق وإذا نحن توسدنا فراش التراب، واضطجعنا في أحضان القبر، فلا هم يجري في أثرنا، ولا عبرة تراق عند رحيلنا، أواه. . . لا ترفضي يا أماه أنشدك الله توسلاتي، ولا تمنعيني آمالي وأمنياتي، فأنت يوماً، لو تبصرت، مزهوة بتلك اللفظة التي تبدو لك اليوم وداعاً محزناً، وفراقاً شجياً مبكياً، وماذا أنت ترجين من الخير للطفل الذي يتضرع إليك الآن ويبتهل، إلا أن يكون السلام في الأرض مرتعه، والسموات العلي موطنه ومرجعه. . يا للرحمن. . حقير اسم المتعبد. . . وضيع لقب المتزهد!. . . أواه. . . لا تخجلي أماه منه ولا تأنفي فليس في الأرض أنبل منه اسماً، ولا أعز لقباً، إن الله الذي
стр. 1649
خلقنا وصورنا عرف وحده سر الحياة، ومعنى الأرض، فقسم الحظوظ بين أطفالها وأولادها فخص قوماً منهم بالتربة الخصبة يحرثونها ويفلحونها، وبالحقول يزرعونها ويبذرونها، وآخرين منهم بالبنين يحبون ويعزون، والنساء يعشقون ويتصبون، وهؤلاء وهؤلاء باللذة العاجلة المسرعة يحتسون ويرتشفون، وقوماً غيرهم بالضوضاء العظيمة إذ يخطون فوق الأرض ويخطرون ولكنه قال للقلوب المؤمنة الصابرة المتعذبة لا تأخذي من متاع العاجلة شيئاً فستنعمين غداً منه وتبتهجين. . . نعم يا أماه، إن الرجل المؤمن المتعبد هو الآنية المقدسة الموقوفة للقبة المشرفة العالية، لا تفسد ماءها خمرة الناس، ولا تقتل نميرها العذاب لذاذاتهم، أنه في صمته إزاء ضوضاء الأحياء كقيثارة المعبد إزاء كل المعارف والمصادح والأعواد. . لا تسمع صوته العميق المنفرد الخفاق يمتزج خارج المعبد بأشتات أصوات الأرض المبددة، وضوضائها العقيمة الضائعة. . أنه ليرسل وهو في هدأة المعبد صوته العظيم المتدفق المتموج، يحمل إلى عرش الله ترنيمة الطبيعة وأنشودة الإنسانية.
ولكن لعلك قائلة يا والدتي. . أنه يعيش وحيداً معتزلاً منئبذاً. . أن روحه لن تلتهب يوماً بحرارة الحب، ولن تتقد بلهيب المرأة، ولذلك ستذبل في هذه العزلة وتجف وستضق في الوحدة وتضؤل. . أنه لا يشعر بنعمة الأسرة، وبهجة حياة البيت، وسيقسو لذلك قلبه وييبس. . ولكن قولي أنه يجد في الناس بيته وأسرته، وسيجعل له من محاويج الأرض وفقرائها أما وامرأة وطفلاً. . أنزل الله على قلبه عطفه العظيم فأصبح كل من يرى يتألم، وكل من يرى يبكي ويتعذب، صديقاً له وصاحباً وعشيراً إذن فلا تخافي يا أماه ولا تظني أن حبي لك سيزول أو يفنى، فإن الله الذي أحب ليس رباً حاسداً غيوراً، وأن العهد الذي عاهدته سيقربني من جنابه ويدنيني. . ولكن لن يبعدني عن قلبك ولن يقصيني،. . . إذن فلا تمسكي شفتيك عني، ولا تنظري إلى نظرة حزن ويأس، ولكن قولي يا أماه. . لقد حقت عليك رغبة الله! قولي يا أماه ما قالت سارة لربها. . ثم باركيني!. . .
٢٦ مايو سنة ١٧٨٦
وبكت سبعة أيام، كما بكت في الجبال ابنة يفتاح وفي أثرها صويحباتها الفتيات والأبكار، وإذ هي تسأل الله أن يمهلها ليالي وأياماً تبكي فيها ربيع الشباب، ونضارة الجمال الوديع الجميل، ثم تذهب بنفسها فتقدم عنقها إلى المذبح، وكذلك بكت والدتي ثم قالت ليكن يا بني
стр. 1650
ما تشاء. . . . .!.
ومضت أيام فزفت أخت جوسلان إلى خطيبها، وفارق الشاب الدار ليدخل الدير. . . .
следующие страницы →