← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وأحس كأن قلبه يشير إلى بالتحية، فإن اليد تعين القلب، إذا لم يتكلم اللسان، وعزت الألفاظ والعبارة. فلما بلغت الرابية التي تشرف على ذؤابة بيته، ألقيت بندقيتي فوق صخرة هنالك غيراء، ووقفت أمسح العرق عن جبيني المبلل الذابل، ثم أرسلت الطرف في ذلك الموضع المنبسط الفسيح، فاندهشت إذا لم ألمح بين أشجار البستان وسرحاته قباءه إلا فحم الأسود، وكنت أعرف أنها الساعة المقدسة عنده، إذ يجلس وحيداً منفرداً في ظلال المغيب يقرأ في كتاب صلواته، وازداد دهشي إذ لم أبصر كعادتي ذوائب دخان ناره تصعد من قمة داره وما أخذ عيني من منزله إلا نافذة دون ضياء الشمس مغلقة، وطيف حزن عميق، وظل كآبة واجمة، فمرت فوق صفحة قلبي رعدة مؤلمة، كما ترتعد صفحة الجدول المتدفق الفضفاض ولكني لم أشأ أن أدع سبيلاً إلى رعبي، بل انطلقت في طريقي، موسع الخطي مسرعاً. وراحت عيني تبحث عمن تسأله وتستفسر، فلم تر في تلك الحقول المقفرة الصامتة أحداً، لا إلا نعام ولا راعيها، ولم يقع في مسمعي عن كثب إلا صيحة الصراصير، وكنت من قبل أشرف على ضوضاء عظيمة وأصوات جهيرة عالية. . . وهبطت فطرقت الباب. . ولكن لم أسمع جواباً. . حتى كلب الحارس لم يأت على وقع أقدامي ودقاتي علوياً كما كان يفعل نابحاً، فضغطت على القفل بيد قوية غليظة مسرعة، ودخلت الفناء فإذا الدار ساكنة مقفرة،. . كلا، واأسفاه، بل أبصرت عند نهاية السلم المفضية من الفناء إلى صميم الدار، شبحاً أسود جالساً هناك كما يجلس السائل المسكين عند عتبة المعبد، لا يعير حركة، ولا يرفع طرفاً، قد دفن جبينه بين ركبتيه، وأخفى وجهه في وقاء ثوبه لا يخرج أنة لوا عولة ولا رنيناً، بل مشتملاً في ثياب سوداء متجهمة، وهنا قام في نفسي جلال الموت عند رؤيتي هذه الشارة الصامتة الخرساء، فدانيته وإذا بي أرى خادمة صديقي الشيخ تبكي مستعبرة قلت أحقاً ما تقولين يا مارتا، فنهضت على صوتي تمسح عينيها بأطرف أناملها، ثم أجابت نعم، هو الحق يا سيدي، هلا صعدت إليه فأنت مستطيع الساعة أن تراه، وأنا لدافنوه غدا عند مطلع الفجر، إن روحه الحزينة ستروح إلى ربها في هدوء وبهجة إذا أنت ودعتها الآن بآخر ضراعاتك لها وابتهالاتك، ولشد ما تكلم عنك في ساعة احتضاره، وكثر ما ذكرك، وجعل يقول لي، أي مارتا، إذا كان الله أراد أن يتوفاني إليه إذن فانبئيه عني أن

стр. 1647

صديقه قد ترك له كل متاعه، ليرعاك أن وطيوري وأنعامي وكلبي متاعه. .!. . يا الله. . . وهل كان أكبر فخره إلا أن يبذل كل متاعه، وأن لا يبقي على رفوف خزانته طعاماً ولا رزقاً. . ولقد كانت عنده فضلة من المال فصرفها درهماً بعد درهم في مطعمه وشرابه، وفي وجوه خير وإحسان يعرف الله خبرها. . ومنذ تعثر في علته الكبرى وهو ينفق كل ماله على الناس وحياته يا سيدي وروحه. . وها هو قد ظفر آخر أمره بالموت. . فقلت في أثرها. . . نعم. . . وبالسماء!. وصعدت سلم البيت وكانت الحجرة مقفرة خالية مظلمة، وليس فيها إلا شمعتان ضئيلتان، وقد ازدحمت فوق جبين الميت أشعتهما الرهيبة المحزنة وضياء المساء المتورد الذهبي وهو ينفذ من خلال تضاعيف النافذة، وكأنما يتقاتل عليها في عذاب الموت البريء الطاهر، نور الأمل الخالد وظلمة ليل الحياة الفانية. . . وعثر صديق جوسلان على هدى خادمته مارتا في مخزن الكنيسة ببقايا مذكرات كتبها بقلمه القسيس الراحل، فنظمها ورتبها في الصفحات الآتية، وإن كان يتخللها صفحات بيضاء ضائعة. العصر الأول جوسلان الآن في السادسة عشر، وقد أحس في أعماق نفسه ببوادر الحب وطلائعه. . ولكنه لم يلبث أن علم أن أخته ستضطر إلى الامتناع عن الزواج ممن تحب لأن نصيبها من ميراث أبويها لم يكن ليكفل لها مهراً طيباً مقبولاً، وقد اهتاجت هذه الفكرة روح جوسلان، وكبرت في عينه فأجمع على تضحية نفسه ونصيبه من مال أبيه في سبيل هناء أخته. . . ١٨ مايو سنة ١٧٨٦ هذا ما قلته اليوم لوالدتي - أماه. . إني أحس كأن الله يدعوني إليه ويستقدمني. . . أن التقوى العظيمة والإيمان الحي العميق، والظمأ الطاهر المقدس، إلى مناعم العالم الأقوم الأبقى، وهي التي اغتذيت منك طفلاً، أدرج في حجرك، وأرتع عند ركبتيك، قد بدأت يا أماه تخرج اليوم ثمرها، وإن كان ثمراً مريراً يا والدتي في فمك. . مريراً لشبيبتي

стр. 1648

وصبابتي، ولكن ما أعذبه على الروح، وما أسوغه وأبرده. . . أن ظل المعابد يستهويني إليه ويجتذبني، أريد أن أقف لله، وأنا في طراوة العمر، أيامي الآتية الذاهبة الفانية، كما توقف الآنية المطهرة لحياض المذبح، ليس في هذا العالم الأرضي ما يخدعني، وليس في الأرض ما يغريني، إني لا أريد أن أضرب خبائي في هذا الريح الأهوج الفاسد، ولا أريد أن ألطخ قدمي في مناكب الأرض وسيلها، حيث ترتطم القطعان الإنسانية وتنحدر. . . بل أني أؤثر يا أماه أن أنحرف عن منافذ هذه الدنيا فأتبع إذا أسفر الصبح طريقي الساكن الجبلي الموحش القفر، أوثر أن أجلس إلى ظلال جدران الهيكل، وأفياء أبنية المعبد، وأن أخلص بنفسي منذ شبابي الناضر إلى حضرة الله وقربه. . . إني أحس أنني لم أخلق لزحمة هذه الحياة وصراعها، حيث الناس يصرخون على مطالب العيش ويصطخبون ويتقاتلون. . إني أحمل روحاً لا نستطيع أن تقف هنيهة في ساحة هذه الحرب المتوحشة المخيفة، نفساً مفعمة بالحنان، وقلباً لا يدفع إلا نفساً صاعداً راجعاً، إني ولا ريب سأخرج من هذه الحرب قتيلاً، إن رفيقاً رحيماً، وإن متكبراً مزهواً عزيزاً، من النصر أن فائزاً منصوراً، ومن الهزيمة أن منهزماً مدحوراً. . أن العالم يا أماه ليس إلا مقامرة، وليست الحياة إلا مادة هذه المقامرة ولعبتها، وما أنا مستطيع أن أضع شيئاً فوق مائدتها ما أثقل عبء الحياة. . وما أشق رحلتها، وما أغلظ سفرتها وشقتها. . فخير لنا أن نقطعها مخفين من المتاع. . من الأحمال والأوزار، من الهموم والأطماع، ومن روابط الحب، وأواصر الحياة المتفككة الرثيثة الواهنة، من الأولاد والأعقاب، ومن المصائب والويلات والأحزان. . وإذن فأية طريق إلى وجه الله نأخذ، وأية سبيل إلى سمائه نصعد، فنحن إليه يومذاك أقرب وأسبق وإذا نحن توسدنا فراش التراب، واضطجعنا في أحضان القبر، فلا هم يجري في أثرنا، ولا عبرة تراق عند رحيلنا، أواه. . . لا ترفضي يا أماه أنشدك الله توسلاتي، ولا تمنعيني آمالي وأمنياتي، فأنت يوماً، لو تبصرت، مزهوة بتلك اللفظة التي تبدو لك اليوم وداعاً محزناً، وفراقاً شجياً مبكياً، وماذا أنت ترجين من الخير للطفل الذي يتضرع إليك الآن ويبتهل، إلا أن يكون السلام في الأرض مرتعه، والسموات العلي موطنه ومرجعه. . يا للرحمن. . حقير اسم المتعبد. . . وضيع لقب المتزهد!. . . أواه. . . لا تخجلي أماه منه ولا تأنفي فليس في الأرض أنبل منه اسماً، ولا أعز لقباً، إن الله الذي

стр. 1649

خلقنا وصورنا عرف وحده سر الحياة، ومعنى الأرض، فقسم الحظوظ بين أطفالها وأولادها فخص قوماً منهم بالتربة الخصبة يحرثونها ويفلحونها، وبالحقول يزرعونها ويبذرونها، وآخرين منهم بالبنين يحبون ويعزون، والنساء يعشقون ويتصبون، وهؤلاء وهؤلاء باللذة العاجلة المسرعة يحتسون ويرتشفون، وقوماً غيرهم بالضوضاء العظيمة إذ يخطون فوق الأرض ويخطرون ولكنه قال للقلوب المؤمنة الصابرة المتعذبة لا تأخذي من متاع العاجلة شيئاً فستنعمين غداً منه وتبتهجين. . . نعم يا أماه، إن الرجل المؤمن المتعبد هو الآنية المقدسة الموقوفة للقبة المشرفة العالية، لا تفسد ماءها خمرة الناس، ولا تقتل نميرها العذاب لذاذاتهم، أنه في صمته إزاء ضوضاء الأحياء كقيثارة المعبد إزاء كل المعارف والمصادح والأعواد. . لا تسمع صوته العميق المنفرد الخفاق يمتزج خارج المعبد بأشتات أصوات الأرض المبددة، وضوضائها العقيمة الضائعة. . أنه ليرسل وهو في هدأة المعبد صوته العظيم المتدفق المتموج، يحمل إلى عرش الله ترنيمة الطبيعة وأنشودة الإنسانية. ولكن لعلك قائلة يا والدتي. . أنه يعيش وحيداً معتزلاً منئبذاً. . أن روحه لن تلتهب يوماً بحرارة الحب، ولن تتقد بلهيب المرأة، ولذلك ستذبل في هذه العزلة وتجف وستضق في الوحدة وتضؤل. . أنه لا يشعر بنعمة الأسرة، وبهجة حياة البيت، وسيقسو لذلك قلبه وييبس. . ولكن قولي أنه يجد في الناس بيته وأسرته، وسيجعل له من محاويج الأرض وفقرائها أما وامرأة وطفلاً. . أنزل الله على قلبه عطفه العظيم فأصبح كل من يرى يتألم، وكل من يرى يبكي ويتعذب، صديقاً له وصاحباً وعشيراً إذن فلا تخافي يا أماه ولا تظني أن حبي لك سيزول أو يفنى، فإن الله الذي أحب ليس رباً حاسداً غيوراً، وأن العهد الذي عاهدته سيقربني من جنابه ويدنيني. . ولكن لن يبعدني عن قلبك ولن يقصيني،. . . إذن فلا تمسكي شفتيك عني، ولا تنظري إلى نظرة حزن ويأس، ولكن قولي يا أماه. . لقد حقت عليك رغبة الله! قولي يا أماه ما قالت سارة لربها. . ثم باركيني!. . . ٢٦ مايو سنة ١٧٨٦ وبكت سبعة أيام، كما بكت في الجبال ابنة يفتاح وفي أثرها صويحباتها الفتيات والأبكار، وإذ هي تسأل الله أن يمهلها ليالي وأياماً تبكي فيها ربيع الشباب، ونضارة الجمال الوديع الجميل، ثم تذهب بنفسها فتقدم عنقها إلى المذبح، وكذلك بكت والدتي ثم قالت ليكن يا بني

стр. 1650

ما تشاء. . . . .!. ومضت أيام فزفت أخت جوسلان إلى خطيبها، وفارق الشاب الدار ليدخل الدير. . . .

стр. 1651

الانحطاط مقال مستفيض حار مؤثر تضطرم جوانبه اضطراماً كأنه نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. . . . لكاتب مصري كبير لم يشأ أن يذكر اسمه، ألم فيه بجميع ضروب الانحطاط المستبد بأخلاقنا وآدابنا وجميع معاني الحياة اليومية التي هي قوام الأمم وسياجها والتي ينهد بناؤها ويتقوض دون الاحتفاظ بها والتفوق فيها، ونحن فأنا نعتقد صدق ما جاء في هذه الكلمة من الحقائق، وكل ما يؤخذ على الكاتب أنه صرح بالحقيقية التي قلما يجرأ كاتب عندنا أن يصدع بها وإذا اجترأ كاتب على ذلك في الندرة أصاب من القراء سخطاً عظيماً وعدوه كأنه اقترف جرماً كبيراً. ليس في أحط شعوب الإنسانية الموحشة الضئيلة الإحساس من عوارض دناءة الحياة وبلادة الذهن والوجدان ما في هذا الجيل المجرم، المتحدر إلى الموت، المتطلب للفناء، هذا القطيع المتشتت المتقاطع الذي لا نخجل من أن ندعوه بالأمة، ونناديه في العرف بالشعب. وليس يه من مدلول كلمة الأمة إلا ضرب قاس من التهكم، ومعنى مر من السخرية. نحن نعيش في أكبر مظاهر المدنية، وننعم بأبدع مستخرجات الحضارة، ونتمتع بآخر ما وصل إليه ابتكار العقل الحي من وسائل الترف، ولكنا إذا استقصينا روح الحياة نفسها وجدنا أنا إنما نعيش في أكثف أحراش القارة المظلمة، وتتقاتل على الطعام بأشد مما يتقاتل عليه الزنج وأشباه الزنج من الحيوانات الدنيئة، ولقد ساد الانحطاط في حياتنا فلم يترك ناحية منها إلا استبد بها فنحن واجدوه في الأسرة والمدرسة وفي الحياة العملية وفي أساليب التهذيب وفي كل ما تمتد إليه أيدينا، وكذلك نعيش عيشة متكلفة خداعة دنيئة، بل لقد اكتسبنا من تسويد الانحطاط عدة من الطبائع الغريبة التي أبادت ضروباً من الأنواع الحيوانية الأولى، ونحن مهما احتلنا لمخادعة الطبيعة القاسية التي لا تشفق على كل عنصر غير صالح للأرض، ومهما موهنا ورأينا وارتدينا شمائل الأحياء وظهرنا في مظهرهم فإن معاني الانحطاط والتقهقر تعمل ولا ريب في صمت، وتقذف بنا إلى هوة العدم والفناء، وليس ثم من شيء أعجب من خصائص الأوساط المتقهقرة والبيئات المنحطة، إذ كنا نحصن أنفسنا بكل وسائل اللؤم والجبن، والجمود من أن يدخل على حياتنا الضعيفة دليل من دلائل الإصلاح والانتعاش والقوة، لأنا نخشى أن نفيق من لذة الانحطاط وتخديره وبهجته، ولذلك لا نفتأ نقاتل النهوض، ونحشد قوانا لمحاربة المفكر، ونبتكر أحط أساليب اللؤم لتأييد التأخر

стр. 1652

والتراجع والفساد، وأصبحنا لا نستطيع نرى دلائل الحياة القوية الناهضة تقترب منا أو تدنو من أنظمتنا وآدابنا وآرائنا ومبادئنا، ولا شك في أن مؤرخي الأجيال القادمة سيحارون في إيجاد اسم جديد لهذا الانحطاط المدهش المخيف. وبعد فإنا آخذون في شروح مستفيضة نتناول فيها بعض فروع هذا الانحطاط، ونصدع بالحكم الأخير على هذا الجيل المتراجع المتقهقر، وكذلك أبى التاريخ إلا أن يسجل العار على هذا الشعب المسكين، ويعطي لأبنائنا صورة تامة لأبنائهم، وكذلك يشيع هذا الجيل إلى المقبرة. . . ويدرجه في صمت وحزن وألم. . . . ١ - انحطاط الآداب إن أكبر مقياس تقاس به روح الأمة وعقليتها ومبلغ ما يجري فيها من دلائل الحياة والإحساس هي مجموعة الآداب التي تتجلى في تواليفها وندواتها وصحفها وكل وجوه تفكيرها، وما كانت دراسة الآداب التي نعيش في أمة من الأمم إلا دراسة لحالتها الاجتماعية، هي بحث مستفيض في مقدار عقليتها وحيويتها، وليس الشاعر والكاتب والمفكر والخطيب إلا النبض الخفاق الذي تستطيع أن تلتمس فيه شعور الأمة أو خمودها، وليست قصيدة الشاعر إلا مظهراً من أكبر مظاهر الحياة للوسط الذي خرجت فيه، ولهذا كان التطور في الآداب هو في ذاته أكبر تطور في الاجتماع وكان العمل على النهوض بالآداب هو العمل على النهوض بالحياة، إذ كانت الحياة الإنسانية المتحضرة تعيش على الفكر أكثر مما تعيش على الخبز، وفي تهذيب الفكر تهذيب لأساليب العيش، وليس هناك أجدى على الأمة المتأخرة المتقهقرة من العمل على تغيير قيمة آدابها، لأن الآداب يجب أن تتجدد كالأزياء، يجب أن يقتل القوى منها الضعيف، ويخنق الصالح منها الفاسد، وليس في الحرب الخفية الناشبة بين الأدباء وأهل الفنون إلا أكبر عامل على تنقية الآداب ورقيها، لأن ما يجري على الناس من التنازع على الحياة يجري على آدابهم من التنازع للسمو والانتصار. وأنت فلا تجد وسطاً من الأوساط ينحدر ويتقهقر إلا إذا قذف بالآداب - وهي خلاصة الماضي وروح الحاضر ومبلغ ما أخذ الناس من العقل والإحساس بالحياة - إلى هوة الغفلة والتهاون والاحتقار، وليس الفارق الأكبر بين المتحضرين وبين الذين يعيشون في طفولة

стр. 1653

الحياة إلا الجزء التفكيري في حياة المتحضرين، إذ كان المتحضر يعيش بروحه أكثر من معدته. وكان المتبربر رجلاً لا يضيره أن يغالب الحيوانات كلها على رزقها، وأن يفوتها في صلابة التركيب، ووحشية البدن، ولا يفوته أن يدخل في صف الفصيلة القوية الضخمة منها، وما كانت الأمة التي لا آداب لها إلا خليطاً من الأنعام يعيش في غفلة وذهول، ويمشي إلى العدم والانقراض. ومن ثم فهل يكون الاقتراح الذي جاء أخيراً في شأن الآداب وأنصاف أهلها دليل حياة قوية تختلج في جسم هذا الوسط الخامد النائم. الذي جعل من الكتاب والآداب وكل ما يتعلق بأسباب التفكير شارة خجل ومعنى تافهاً ضئيلاً. . أترانا واجدين بعد هذا الركود الطويل والجمود القاتل أن العقل انتصر على الحماقات. وأن روح التطور والرقي غالبت قوة الانحطاط الذي ركمته فوقنا الأجيال المستطيلة المتلاحقة وأيدته العادات الحمقاء الفاسدة. نحن قد قتلنا النبوغ وقضينا على فضيلة التفوق. . تلك هي خلاصة السلسلة الطويلة التي تلحقنا بالماضي وتربطنا به. . . حلقة متراخية من الآباء والأجداد. متلاشية فإنه ليس لها من الشأن إلا أن نذكره نحن ثم نصمت. . . وكذلك نؤرخ من أعمارنا طائفة من القرون مرت خرساء صامتة. والآن. . . هل نعيش، وهل لنا سمات الأحياء ودلائل الوجود، وهل تجيش فينا حرارة الحياة وقوتها وأطماعها وكبرياؤها. . . لقد تعاقب علينا خمسون عاماً ونحن نعمل أعمال المتحضرين، ونطبع أنفسنا على غرارهم، لنا صحافة وأدب ومدرسة ومعهد، ونشأ فينا أديب، وراح منا أديب، وقام كاتب وتولى كاتب، ولكن أين نحن من حياة النهوض والسمو والقوة، بل لقد قتلنا النبوغ، وطبعتنا الحياة المتقهقرة بغرائز المتقهقرين الكامنة في أعصابنا، فقد شئنا إلا أن يكون لنا مظهر الجماعات العاملة المتمدنة، ولم نكن ندري بأننا نستر لؤم الطبيعة المتكسبة البلهاء وراء أنظمة وطقوس كاذبة. . . أردية من الزور والتمويه والباطل نسميها آداباً، وما كنا لنخجل من أن نجعل من الأديب والكاتب ما يجعل الزنج من الكهنة والسحرة والعزامين، كنا ولا نزال نتطلب رقياً أدبياً ثم لا نفتأ نقتل في الأدباء كل فضيلة طيبة، فنرسلهم شرداً ونطاردهم ونعسفهم، ونريدهم على اللؤم، وكذلك أنشأنا من المفكرين والأدباء طائفة من

стр. 1654

المسترزقة، وكذلك عشنا بمعد المتمدنين وعقول البرابرة. ثم هم يريدون الآن أن يعمدوا إلى المدرسة ليتخذوا من التلاميذ وطلاب النجح زعماء تفكير وآداب عقلية راقية، وكأنهم لم يعملوا أن المدرسة قل ما تخرج رجلاً واحداً متفوقاً في صناعة من الصناعات، نعم بذلك ستكثر المدارس من عداد المتعلمين والناجحين في الحياة، ولكنها لا تعمل مطلقاً لتهذيب الفنون وخلق النبوغ، أو ليس تطلبنا من المدارس نوابغ الأدباء والكتاب إلا كتطلب الأمم من حكوماتها نوابغ السياسيين ومهرة القواد والحاكمين، في حين أن أرقى الحكومات لا تستطيع أن تخلق سياسياً عظيماً واحداً، وأن الحكومات كلها ليست إلا عمل أفراد نوابغ، هم منحة الطبيعة، وخلاصة التقدم الذي لا ينهض على الأنظمة المشترعة الموضوعة، ولكنه نتاج عقليات كبيرة، وأذهان مفكرة، وإرادات عاملة، ومبادئ قوية، وهل كانت المدارس إلا حظائر مهذبة لتربية النوع الإنساني، وإعداده لأن يعيش ويفتن في أساليب المعيشة، ثم تجود الطبيعة لا المدرسة بفرد واحد فيغير على كل وجوه التهذيب في الأمة فيمسخها. . أن النابغة أكبر من الأمة كلها. . . أكبر من القرون والشرائع والمبادئ والمدارس. . . هو الخلود. أنريد أن نتطلب العظمة التاريخية من بين تلك الجدران التي يسمونها المدارس، وفي الأمة ذلك الوسط الفسيح الكبير نوابغ تقتلهم غباوة الشرائع وجهل القوانين وغفلة الأمة وتجعلهم دواعي الرزق ومطالب الكسب مغمورين مضيعين، ثم لا نظفر من وراء كل هذه المجهودات المتكلفة العمياء إلا خسارة التاريخ نفسه، يقولون أن الطبيعة ضنانة علينا بالنوابغ ولكن لمّ لا يقولون أن معاملتنا للنوابغ هي نفسها تعجيز للطبيعة واستئصال للنبوغ. . إننا نرتقب ظهور الرجل الذي قد يكون مظنة الخير فلا نزال نغري به حتى نلحقه في زمرة العدادين والحاسبين ونسجل اسمه بين القعدة والمتكسبين، وكذلك في خمسين عاماً لم نستطع أن نظفر برجل فاضل كبير، لأن مبادئنا لم تكن على شيء من الفضل، ولم تكن فيها قوة السمو وفضيلة العظمة. . .

стр. 1655

حوادث البلد الوزير الجديد إن مقاعد الوزارات كالمقاييس الزئبقية، تجري مع أحوال الجو. وتتقلب بتقلباته وتهبط أو ترتفع مع هابطات درجاته ومرتفعاتها، فقد يطلع اليوم عليها بجو ساج هادئ ولكن لا يكاد يغيب اليوم حتى يقصفها من السياسة عاصفة هوجاء قاسية، ولذلك كان المقتعدون مقاعد الوزارة كالجالسين فوق كراسي المصاعد الكهربائية ليس أسرع من حركات صعودها وهبوطها، فقد كان الشهر الماضي شهر الاستقالات الوزارية، فاستقال فنزيلوس - أو كما يسمونه جراي الثاني في اليونان، واستقالت الوزارة في إيطاليا، وأوشكت الوزارة أن تستقيل في انجلترا، وبوغتت الأمة المصرية باستقالة وزير من وزرائها. . . هذا وقد وقعت خيرة الحكومة المصرية لمقعد وزارة الأوقاف على حكومي كبير عرفه الشعب في جميع الوظائف التي أسندت إليه، رجل حاد لروح، حي الوجدان صريح الكلمة، يجري في جميع عمله على مبدأ احترام النفس، والإخلاص إلى العمل والعمل في صمت وهيبة وسكون، ويستمد من الروح الجندية التي فيه روح النظام المتين التام المتماسك، وروح القوة العملية التي لا بعتاقها شيء من مغريات الضعف والتلكؤ والتكاسل وبرودة الإحساس، فأنت لا تراه في عمل من الأعمال إلا رجل عمل يحترم كل ما يعمل لأنه يحترم نفسه، ويقدر المنصب المسند إليه لأنه أشد الناس تقديراً لشخصيته. . ونعني به صاحب المعالي إبراهيم فتحي باشا وزير اليوم ومدير الأمس. ولقد كان عهده في مديرية الغربية من أشد العوامل في تطهير أدرانها من عناصر الضعف ومهلكاته، إذ كان الرجل الكبير الشخصية إنما يرفع إليه العمل الذي يعطاه ويأبى أن ينزل هو إليه، وكانت الأعمال لا تسمو بنفسها بل بالقائمين عليها وليس تأثير الحكوميين على المناصب إلا أعظم من تأثير نفسها عليهم، ولهذا نتوقع أن ستكون وزارة الأوقاف تحت هذا الوزير الجديد في طليعة الوزارات انتعاشاً وسمواً وقوة، وقد كنا نريد أن ننشر للقراء صورة حقيقية من أخلاق هذا الرجل الكبير وآدابه ومميزاته لو لم يضق نطاق هذا العدد دون ذلك ولكنا موافو القراء بها في أحد الأعداد القادمة. . . الإصلاح الاقتصادي الكبير

стр. 1656

اقتراح فليني فهمي باشا إن من أكبر ما نعاني من ضورب الارتباك والفساد في حياتنا الاجتماعية أمر تدبير المال وطرق الاقتصاد والتنظيم وجوه العيش إذ كانت المسألة الاقتصادية في هذا العصر هي الأساس الذي تقوم عليه كل حضارة قوية ناهضة وليس الفارق الذي يفصل شعباً عن شعب ويميز عنصراً من عنصر، إلا مقدار ما بينهما من قوة الاحتفاظ بالاستقلال في العمل ومعرفة أساليب الاستثمار ومناهضة العوامل التي تجوز على الحرية الشخصية فتقتلها، وقد بدأنا نفقد شخصيتنا يوم فقدنا استقلالنا في المسائل المالية بل لقد كانت الغلطة المالية الأولى هي التي وضعتنا تحت ظروف مرة قاسية وأصابت مجموعنا بالشلل الاجتماعي وجعلت منا عنصراً مستخذياً مرتبكاً في أمره. ولهذا كان البحث في تدبير المال وابتكار أساليب الإصلاح فيه أكبر عمل يمكن أن يفيد شعباً منتشراً عليه أمره مثلنا وكان المصلح الذي يتوفر على هذا العمل من أكبر الإصلاحيين الاجتماعيين. ونحن فإذا قلنا أن الاقتراح الذي صدر في هذه الأيام من ناحية عطوفة قليني فهمي باشا من تنظيم الديون والعمل على الاستقلال الاقتصادي من أكبر المشاريع الإصلاحية الحاضرة فلا نقول شيئاً كثيراً، وهو إذا تم على وجهه فأنا ولا شك ظافرون بخير الإصلاحات التي ترفع عنا نير الماليين والعاملين على سلب كل قوة فينا. وهذا المشروع على خطورة شأنه وجليل أثره في حياتنا سهل ميسور مع بعض التضحية والنشاط، وخلاصته أن تضرب على كل فدان ضريبة مقدارها خمسة قروش لمدة خمس سنوات، وتعفى من هذه الضرائب الملكية التي لا تزيد على اثني عشر فداناً وبذلك نستطيع أن ننشئ مصرفاً مالياً وطنياً أكبر عمله إسعاف البلاد بفوائد قليلة. ولم نعجب من شيء عجبنا للمناهضات والمعارضات التي جاءت تصدم هذا المشروع الحيوي الكبير وتخطئ الوجه المفيد منه ولكنا نعلم أن المعارضة والتخطئة خلق ركب فينا يريد أن يهدم أكبر مجهودات أذهاننا ونعلم أيضاً أن قوماً يرتزقون من وراء المتاجرة بالتخطئة والمعارضة التي يمكن أن تغتفر في الشعوب الناهضة الحية ولكنها في شعب فقير لا يزال في أول مدارج الحياة تعد أشد العوامل في تأخره وتعطيل كل مشروع مفيد وليس الصحافي الذي يجلس وراء مكتبه ويناول كل فكرة بالاستنكار إلا رجلاً مأجوراً على

стр. 1657

مقاتلة المبادئ الصالحة الكبيرة الأثر. هذا وربما عدنا إلى هذا الموضوع وبسطنا وجوه الرأي فيه من مخالف ومحبذ ونشرنا رأي الباشا الأخير مكتوباً بقلمه في الأعداد الآتية. حول جمعية الهلال الأحمر من بين الفكر الإنسانية الصالحة التي أخذها الشرق اليوم عن الغرب وتبعه في العناية بأمره واستنداء الأكف والقلوب والسواعد والأرواح إلى عونها وغوثها، فكرة إسعاف جرحى الحروب ومواساتهم وضمد جراحاتهم والاحتيال لتوفيرهم على النوع الإنساني والاجتهاد في رد قوات الحياة والنشاط والعمل التي كانت ستفقدها الإنسانية بفقدهم، وهذه الفكرة تعد من أحسن حسنات العالم المتحضر وأبلغ ما انتهت إليه وجدانات الأمم والشعوب ونحن لا نزال نسمع كل يوم بنبأ الملوك والأمراء والأكابر والكتاب والعلماء، بل والأميرات والكاتبات وفضليات السيدات وخلاصة أهل الجنس اللطيف، مسارعين جميعاً إلى أسرة الجرحى يمرضون ويطببون ويأسون، ويرضخون بالأموال والأعطية والأكسية والأطعمة والعقاقير، وليس من شك في أن جمعيات الصليب الأحمر كانت في هذه الحرب القاسية الموحشة المفترسة أكبر عامر على تخفيف خسائر الجنس البشري من جرائها وتلطيف ما يخيف من قسوتها ونكرها. ذاك وليست جمعية الهلال الأحمر التي قامت في هذه البلاد بأقل أثراً في خدمة العالم من أخواتها الجمعيات الغربية الأخرى، فهي أبداً مخلدة إلى عملها السامي الشريف دائبة على الإخلاص في واجبها الروحاني العظيم، ولعل الفضل الأكبر في جلالة أعمالها لا يقع إلا لرجل واحد، اشتهر من قبل بين طبقات هذه الأمة بسماحته وكرم روحه وجود يده على كل فكرة أو مشروع أو مهمة يستمد الناس منها حاجهم من غذاء النفوس واطمئنان القلوب واستثمار الأذهان، وتهذيب المدارك، وقتل آلام الحياة، والتغلب على هموم العيش، والظهور على عناء السعي وراء الرزق ومنهكة الكد لسد الرمق، من مدرسة أو معهد أو مسجد أو ملجأ أو دارغوث أو أشباه هذه جميعاً، ذلك هو وكيل هذه الجمعية، والعضو بالجمعية التشريعية، صاحب السعادة حسين واصف باشا الرجل المحسن الكبير. فهو لا يرى في الموطن العظيم إلا عظيم الروح، متدفق الإحساس، فياض اليد والقلب، والناس في

стр. 1658

كل عصر أحوج أبداً إلى المواسي والمطعم والمثقف والمربي والمرض والطبيب والعائل والوصي والقيم، لأن قسوة الحياة تريد أن تصرع كل من لا يشبعها ويواتيها ويصدع بأمرها ويقومن على مطالبها ورغائبها. فإذا اجتمعت كل هذه في فرد واحد، وكانت روحه تنطوي على ألف رجل لكل واحدة منها، فهو ولاشك عائش يد الدهر في أذهان الناس وحبات قلوبهم وهذا هو أسمى ضروب الخلود الإنساني، لأنه جاء من ناحية الحياة نفسها، ولأنه جعل الناس ينتصرون على الآلام والجهل والهموم ومتاعب الوجود، وهي كل ما يقتل الروح، ويخنق النشاط، ويستأصل جذور الراحة والهناء. كذلك يجب أن يعمل الناس، وعلى مثل هذا يجب أن يتزاحم سراتهم. . . رجل عظيم يحيي ذكرى أديب إن في تكريم رجل من أهل الآداب والاحتفال بذكره بعد موته لمعنى يلقي الروعة والإجلال في قلب كل المشتغلين بالفنون ويدخل على كل أديب العزاء والنشاط والأمل، ولكن أروع من ذلك وأجل وأعظم أن يكون العمل على إجلال الأديب صادراً من غني وجيه رب أموال وفضل وأعمال ومكانة مرموقة لا تحتاج إلى الشهرة أو الإعلان، فلئن كانت فكرة تأبين المأسوف عليه جورج زيدان رائعة وجميلة فإن أجمل منها أن يكون سعادة ميشيل لطف الله بك ذلك الرجل النبيل الإحساس، العظيم المبدأ، الكبير الثراء، الذي يرجح في اعتقادنا بألف غني من أغنيائنا والذي يحق للعرب عامة والسوريين خاصة أن يفخروا به الفخر كله والذي أعاد بأعماله المجيدة ذكر المأمون ومعن بن زائدة وأمثالهما من أجواد العرب ومعضدي العلم والأدب صاحب الفكرة والقائم في رأس المحتفلين لها. . . وما ذاك إلا لأننا نعيش في عصر مقفر مجدب من الأغنياء الكبرى النفوس، وإن اختنق بكثير من المتمولين اللؤماء الشعور، المثلجي العاطفة، ومن الصيارفة البارعي الحيلة في الحشد والكنز، والطائفة الكبيرة صاحبة الجاه المزور المموه الأجوف وأن في ظهور رجل غني عظيم المبدأ، متوقد العاطفة بين أرباب الفنون لحادثاً تاريخياً كبيراً وظفراً للمفكرين المتألمين الغرباء في هذا البلد المائت المحتضر. وليست أمراض الجيل ومساويه ومخازيه الإنتاج فقر الأغنياء من كل معنى جليل وأثر

стр. 1659

نافع، بل لقد كنا في حياتنا الأدبية أعرف الناس بنفوس الأغنياء وقوة برودة العواطف فيهم، نعم نحن الضحية الكبرى في هذا العصر الأشل، نعرف عن أصحاب الأموال ما لا يعرفه الجمهور، لطالما عرفنا فيهم فقر الإحساس وجمود الذهن وبلادة النفس وانحطاط الضمير والبلية الكبرى على الآداب وسائر ما يتعلق بها ويكون منها الخير لصالح المجموع. وما كان التشنج الاجتماعي والفساد والفقر والجمود التي تشوه وجه الحضارة وتعوقها وتقتل فضائلها إلا نتيجة، الارتباك الذي يوقعه الأغنياء في صفوف المجتمع بفضل أموالهم - فإذا ظفرنا برجل كبير فاضل نبيل الروح يأبى من جميع جهاته إلا شرفاً وكرماً وهمة ومروءة وإحساساً خفاقاً مثل ميشيل لطف الله بك فإنما نظفر بالحجة الدائمة على الطائفة المثرية الدائمة التخريب الجامدة الأثر، التي تتمتع بمناعم الحضارة كلها وتأبى أن تعمل لها شيئاً. فإن قلنا رحم الله ذاك الأديب فإنا نصرخ اليوم بكل قوى العواطف المخلصة الشاكرة - ليحي الرجل العظيم، نصير الآداب المتمرد على المتمولين المشرق الصحيفة بين طائفة كل تاريخها أسود مظلم خبيث. . .

стр. 1660

عالم الحرب الجنرال جوفر قائد جيوش الحلفاء في الميدان الغربي للحرب لئن كان هذا الاسم يغدو كل يوم مع أنباء الحرب وصحفها، ويروح مع بلاغاتها ومنشوراتها، فإن القراء بعد لا يعرفون إلا قليلاً عن قوة هذه الشخصية الكبيرة المدهشة التي يتعلق عليها مستقبل الحلفاء في الساحة الغربية، وبها تتشبث النتيجة الرهيبة لهذه الحرب الفاجعة. ولد هذا القائد العظيم في اليوم الثاني عشر من شهر يناير عام ١٨٥٢، فهو اليوم قد جاز حدود الكهولة، متاخماً أسوار الشيخوخة، في الرابع والستين من العمر، ولعل والدته كانت ملهمة متنبئة، يوم الحت على زوجها - وكان دناناً فقيراً في قرية ريفيزالت من أعمال فرنسا - أن تضيف على اسم المولود الجديد كلمة قيصر وأبت إلا أن ينادي باسم جوزف جاك قيصر جوفر. على أنه وإن كان المعجبون بالقائد المتحمسون له لا ينعتونه بما ينعتون به يوليوس قيصر سميه، من تلك الصفات العظيمة السبرمانية المدهشة، صفة مؤسس الدول، وفاتح الأقطار، وسيد السياسيين، ورأس القواد، فإن المنصفين لا يستطيعون ولا ريب أن ينكروا أن بين القائدين وجوهاً من الشبه عدة، يؤول إليها نجحهما في الحياة، وتحور إليها عظمتهما وبعد ذكرهما، فإن لجوفر ما كان ليوليوس قيصر من هدوء الأعصاب ورباطة الجأش، ورصانة الحزم، وبرودة الحلم، ولد مثله عبقرياً حربياً، منشئاً للجيوش، مهذباً للقوى، مثيراً للأرواح، معبوداً من الجند، ولقد كان المتشائمون يهمسون منذ ثلاث سنين، يوم رفع إلى منصب القيادة العامة للجيش الفرنسي (إن المهمة صعبة شموس. . . إن جوفر ليس من أهلها. .) ولكن وزارة الحربية كانت تثق بالرجل وتعرف قوته وكفايته، فلم تصخ لطيرتهم هنيهة واحدة، بل كان من الجنرال بو، هذا القائد المعبود الأكتع، إن قام في الاجتماع المعقود يومذاك لانتخاب القائد العام فأشار إلى الجنرال جوفر وهو يقول (هذا هو الرجل الوحيد الخليق بالمنصب!) ومنذ ذلك اليوم وهو يدأب على العمل والتأهب ليوم الحرب العصيب، فأصلح من شأن

стр. 1661

الجيش الراجل. وهذب الكتائب الخيالة الراكبة، ونقى القواد من العجزة وغير الأكفاء وأعاد التحسين في التحصينات والمعاقل والاستحكامات. وكان جوفر ثاقب النظر فتنبأ بأن الحرب ستكون على خلاف الحروب السابقة كلها لأنها ستنشب في ميدان متطاول عريض ممتد، يكون فيها الصبر أعظم نفعاً من الإقدام ورباطة الجأش أفعل أثراً من المجازفة، فكان يقول الآن لن يعود القائد العام بعد هو الذي يكسب الموقعة بل سيكسبها منذ الآن صغار القواد والضباط، ومنذ الآن ستقع الوقائع على خطوط تربى في طولها على ثلثمائة ميل، وأين قبضة رجل واحد أن تلم على مسافة هائلة كهذه وستكون الجيوش التي اختلق بالنصر هي التي تكون أطولها صبراً وأشدها احتمالاً، وأرفعها نشاطاً، وأقواها إيماناً بالفوز الأخير. وهو على ما به من دأب وطول عمل، وكثرة مشاغل، تراه في حياته الخصوصية، بين أسرته وأصدقائه وصحبه وديعاً طيب المحضر، عذب المجلس، يميل إلى المشي في دروب حديقته في القرية، يصحب زوجته إلى السوق، ويشارك فتاتيه مارسل وأنيت في التوقيع على المعزف البيانو وينزل على أمرهما فيرفع الصوت صادحاً منشداً، ويركب هو والفتاتان الجياد يروحون النفس في غاب بولون ومسارحها. وأعجب ما في خصاله أنه لا يرضى أن يتداخل أحد في نظامه اليومي الذي اختطه لنفسه، فقد حدث في ذات ليلة من ليالي هذه الحرب، أن ضابطاً من أركان الحرب جاء إلى مضارب الجنرال جوفر بنبأ مستعجل ضروري محتم وكان الجنرال قد أوي إلى فراشه فأخبر الضابط أن القائد لا حاجة إلا إيقاظه، فإنه قد ترك التعليمات اللازمة إذا عرضت أمور في ثلاثة أغلب موضوعة هنا، فاكتفى الضابط بأن فض أحدهما فوجد فيها ما يتعلق برسالته وفي الحال طير التعليمات. وتراه يتبع إلى اليوم أسلوب حياته الذي يعيش عليه منذ زواجه، وذلك منذ ربع قرن مضي، فهو يستيقظ - وذلك قبل نشوب الحرب - مبكراً فيشتمل في ملابسه فيقضي عشرة دقائق في الألعاب الرياضية، يعقبها بالاستحمام بالماء البارد، فإذا مضت ساعة من الزمان رأيته على ظهور الجواد نشيطاً يسير الهوينا بين صفوف الأشجار الفنيانة. عند غابات بولون ورياضها، حيناً في رفقة أصحابه من الضابط، وأكثر الأحيان في صحبة إحدى

стр. 1662

فتياته، يتبعهما عادة جنديه الحارس. وهو لا يحضر المجالس ولا يميل إلى المجتمعات والندوات، وإنما يجنح إلى العزلة فإذا سئم الموسيقى والغناء عمد إلى كتبه وأسفاره. فقضى ساعات في القراءة. أما في الكتب الحربية الفنية. وأما في قراءة روايات هوجو وبلزاك وديماس وزولا وديكنز وأحبهم إليه القصصي الأخير، فإذا نزل بهم ضيف عمد إلى لعبة من ألعاب الأسرة، ولم تكن أبهة المنصب لتغير فيه من شخصيته أو تعدو فيه على طبيعته، بل لا يزال هو جوفر الصغير الوديع، وقد حدثت أخته مدام أرتي عنه فقالت أنه يأبى إلا أن يناديه أصدقاؤه حتى اليوم باسم جوزف جوفر لا غير، وهو لأبني يزور قريته التي ولد فيها، حيث يجد السرور كله في لعب الورق، إذا حان المساء مع أبيه وأصدقائه. جاء إلى مضارب الجنرال جوفر بنبأ مستعجل ضروري محتم وكان الجنرال قد أوي إلى فراشه فأخبره الضابط أن القائد. لا حاجة إلى إيقاظه فإنه قد ترك التعليمات اللازمة إذا عرضت أمور في ثلاثة أغلف موضوعة هنا فاكتفى الضابط بأن فض أحداها فوجد فيها ما يتعلق برسالته وفي الحال طير التعليمات. وتراه ينبع إلى اليوم أسلوب حياته الذي يعيش عليه منذ زواجه وذلك منذ ربع قرن مضى فهو يستيقظ - وذلك قبل نشوب الحرب - مبكراً فيشتمل في ملابسه فيقضي عشرة دقائق من الألعاب الرياضية يعقبها بالاستحمام بالماء البارد فإذا مضت ساعة من الزمان رأيته على ظهر الجواد نشيطاً يسير الهوينا بين صفوف الأشجار الفينانة. عند غابات بولون ورياضها حيناً في رفقة أصحابه من الضباط وأكثر الأحيان في صحبة إحدى فتاتيه يتبعهما عادة جنديه الحارس. وهو لا يحضر المجالس ولا يحضر المجتمعات والندوات وإنما يجنح إلى العزلة فإذا سئم الموسيقى والغناء عمد إلى كتبه وأسفاره فقضى ساعات في القراءة أما في الكتب الحربية الفنية وأما في قراءة روايات هوجو وبلزاك وديماس وزولا وديكنز وأحبهم إليه القصصى الأخير فإذا نزل بهم ضيف عمد إلى لعبة من ألعاب الأسرة ولم تكن أبهة المنصب لتغير فيه من شخصيته أو تعدو فيه على طبيعته بل لا يزال هو جوفر الصغير الوديع وقد حدثت

стр. 1663

أخته مدام أرتى عنه فقالت أنه يأبى إلا أن يناديه أصدقاؤه حتى اليوم باسم جوزف جوفر لا غير وهو لا ينى يزور قريته التي ولد فيها حيث يجد السرور كله في لعب الورق إذا حان المساء مع أبيه وأصدقائه. وأولى ما ظهرت كفاءته في حرب السبعين وكان يومذاك ملازماً ثانياً وقد ألحق بفرقة المهندسين في حصار باريس فلما عقد الصلح عين في اصلاح أستحكاماتها وقد أغتبط المارشال مكماهون يومذاك عند ما جاء لرؤية الأصلاحات الحربية التي قام بها في حصون باريس حتى انه عين من ساعته ضابطاً كبيراً على أن هذه الرتبة وإن كانت قد جاءته وهو في الثانية والعشرين فلم تكن تقنعه إذ جعل يقول إني لا أريد أن أقطع أيامي في بناء الأستحكامات وتشييدها. . . أريد أن أقود الجند وأشهد الحرب وإذ ذاك أنفذوه إلى التونكين وكانت الحرب ناشبة بين الفرنسيين هناك والأهلين وهناك تمت له طلبته فقاد الجند وأمتشق السيف وبلغ قمة النصر وهو جندي صلب العود باسل القلب مستبد الرأي، وقد حدث أنه كان في رحلة إلى تمبكتو في أواسط أفريقية فاصابت عينه اليسرى علة شديدة من أثر لذعة أحدى الهوام السامة وكان يوشك أن يشرف على المدينة ويبلغ مأربه من هذه الرحلة الأكتشافية وكان الطبيب الذي في صحبة الرحالة يخشى أن يفقد القائد جوفر بصره فاشار عليه بضمادة ولكن العليل أبى إلا الرفض قائلاً إني لن أستطيع أن أقود جنودي إذا مشيت معصوب العينفقال الطبيبإذن فيجب عليك أن تلبس منظاراً أزرق ولكن الصحراء لم تكن أرض المنظار ولا مكان الصيدليات وقد بدأت عين الجنرال جوفر تشتد وجعاً وألماً وتنبأ الطبيب بأن عقبى العلة ذهاب ضياء البصر ولكن جوفر لم يستطيع إلى أن يبتسم وهو يقول إن الحظ ولا ريب غير مفارقه ومضت أيام والعلة تشتد والبصر يحسرحتى أذلبهم ذات يوم قد جاء أحدهم طردفي (البريد) ولم يكد صاحبه يفتحه حتى وجد فيه منظاراً أزرق!!! وكذلك شفى الجنرال من علة نظره، توزيع مرتبات الجند البريطانية في الخنادق إن لمرتبات الجند البريطانية في ميدان الحرب ديواناً مخصصاً لها منظماً ولذلك أستطاع الجنود ان يتناولوا مرتباتهم في أوقاتها دون تأخير أو أمهال أو تريث فقد وضعوا في كل

стр. 1664

فرقة من الفرق في الميدان الغربي أدارة لدفع مرتبات جندها يرأسها رئيس مخصوص وتحته عدد كبير من الصرافين يتنقلون محروسين بين الخنادق ليوزعوا المرتبات على أهلها فإذا كانت الفرقة متفانية في القتال طول يومها مشتغلة بالمناجزة طول أسبوعها فهم ينتظرون حتى يفتر اطلاق النار أو تحين فترة فيوزعون المرتبات على المقاتلين وإذا لم يستطيعوا توزيعها نهاراً أستطاعوه ليلاً وكا جندي يحمل دفتراً صغيراً يدون فيه ما يتقاضاه من ديوان المرتبات وديوان المرتبات يقيد مرتبات الجند فيرسل مذكراتها على الأدارة العامة في أنجلترا وتري الجندي البريطاني يحرص على هذا الدفتر الصغير حرصه على أعز الكنوز لانه إن فقده لم يسمح له بتناول شئ من مرتباته السابقة قبل تاريخ أعلانه فقده وترى الجنود يستعينون بدفاترهم هذه في كتابة وصاياهم في ساحات القتال مخافة أن يقتلوا ولهذه الأدارة المنظمة الكبيرة سبعمائة ضابط وسبعة آلاف كاتب من المهرة الحاذقين فن الكتابة والتدوين والحسابات وهذه الأدارة تستطيع أن تدفع إلى زوجات الجنود وأسرتهم ما يريد رجالهم. قائد الجيوش البريطانية في مصر من أكبر القواد الذين يعملون تحت الجنرال جون مكسويل في هذا البلد رجل من كبار الحربيين الذين أزدانت بهم صفحة تاريخ إنجلترا في الحرب وهو الجنرال السير جورج جون يانجهزبند وهو الذي يقود الجنود البريطانية عند قناة السويس وقد قضى هذا الرجل في عالم الحروب نحوا من ست وثلاثين سنة وأول ما تجلت عبقريته الحربية في الحرب الأفغانية حيث ظفر منها بأحد الأوسمة الكبيرة ثم حضر فتح السودان فحرب بورما في الهند فالحرب الأسبانية الأمريكية ثم حرب البوير وقد أبلى في الأخيرة أحسن البلاء حتى حمل من الموقعة جريحاً وأنعم عليه وهو في المستشفى بوسام الملكة. وكان في صباه بين رفقائه الضباط الفتيان يعرف في ندواتهم ومجتمعاتهم (بالمفراح) وذلك لأنه كان مزاحاً من أحسن الناس نكتة وأرقهم مزاحاً ومجوناً ثم أشتهر بأنه من أمهر المصورين الهزليين يضع صوراً حربية هزلية من أبدع الصور وأكثرها إغراء على الضحك والإعجاب وبه ولع بالسياحة حتى أنه قضى ستة أشهر يجوب مقاطعتي برما وسيام في جنوب الهند حتى قطع يومذاك نحواً من ثمانمائة ميل وهو من الكتاب المجيدين

стр. 1665

وضع في رحلته هذه كتاباً التقت فيه الفائدة بالمجون إذ صور أخلاق سكان البلاد أحسن تصوير على أنه ألف كذلك عدة من الكتب الحربية الفنية. وقد وقعت له حادثة في الهند غريبة وذلك أنه كان معسكراً في أحدى القرى فجاءه أهلها وهو في خيمته بقطع كثيرة من الأحجار تشبه الياقوت وهم يقولون أنهم قد عثروا عليها وهم يحتفرون في بقعة لا تبعد كثيراً عن القرية فظن السير جورج أنه وقع على كنز كبير ومنجم عظيم فلم يكن من فرط سروره إلا أن أشترى كل قطعة منهم وأستعلم منهم عن حدود تلك البقعة الجميلة ومواقعها وقد قص بنفسه ما كان يخطر له ساعتذاك فقال. . لقد كنت أحلم يومذاك بالغنى الطائل والثروة العظيمة فاندفعت شاخصاً إلى كلكتا أريد أن أقدم ثمن تلك الأحجار وما كان أشد حزني ساعة دفعتها إلى صيارفة المهرة الحاذقين وسمعتهم يقولون (لون زاه جميل وضياء ساطع ومظهر بهي تستحق كل قطعة منها أن تشتري بخمسين جنيهاً. . ولكن واأسفاه أنها ليست إلا عجينة من خليط المعادن الصناعية المموهة!!) أخاديع الرصاص أن للقذائف التي تخرج من فوهات البنادق العادية ضروباً من الحيل والأخاديع تعد من أغرب الغرائب فقد حدث احد الضباط الذين حضروا حروب السودان أيام الفتنة المهدية عن عدة من هذه الخدع فقال (حدث أن ضابطاً مريضاً نقل قبل واقعة أم درمان في أحدى القوارب على النيل إلى الضفة الأخرى حيث وضع في خيمة تبعد عن حدود ميدان القتال بنحو أربعة أميال وكان في هذه الخيمة ولا ريب بنجوة من كل خطر وفي عاصم من متناول الرصاص ولكن لم يلبث أن انطلقت رصاصة ضالة هائمة فقطعت الأربعة أميال في الصحراء وبلغته نافذة إلى جمجمته فقتلته. . . وأتفق كذلك في واقعة أخرى أن الجنرال السير هنتر من كبار قواد الحملة السودانية وضابطين من ضباطه خرجوا يستكشفون مواقع الأعداء على مسافة بعيدة وقد عمدوا إلى ثغرة في حائط ساقية هناك وأخذوا ينظرون بالمرقب وكانت هذه الثغرة نهاية في الصغر والضيق حتى لم يسع الثلاثة غلا الوقوف الواحد خلف الآخر وكانت الشمس تؤذن بالمغيب وقد استقرت حمرة الشفق على زجاجة المرقب فكان لها وهج مضيء لفت أحد الدراويش وكان يمشي في جماعة معه على شاطئ

стр. 1666

النيل فلم يلبث أن وقف ثم سدد مرماه وكان حسن الرماية إذ انطلقت فنفذت من عدسة المرقب إلى مخ الضابط الأول فقتلته في مكانه ثم خرجت فنفذت إلى كتف الضابط الثاني وأخيراً استقرت في صدر الجنرال هنتر وهي لا تزال فيه إلى اليوم

стр. 1667

مطبوعات جديدة ذكرى الماضي محمد أفندي صبري أديب معروف تخرج من المدارس الثانوية وحصل على شهادتها ويمم أوربا لإتمام الدراسة هناك والتوسع في آداب الغرب ونحن نعرف شاعراً جزلا قوياً مبتكراً وقد علمنا أخيراً كاتباً غزلاً رقيقاً وكذلك يجب أن يكون الكاتب شاعراً وهذا كتابه ذكرى الماضي يشهد له بعلو كعبه في الكتابة على أنه لم يتجاوز الربيع العشرين وذكرى الماضي قصيدة نثرية مؤثرة يصف فيها بعض المشاهد التي رآها في فرنسا - وثمن الكتاب ١٥ مليماً ويطلب من مكتبة البيان.

стр. 1668

العدد ٢٨ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩١٥

стр. 1669

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد فهذا هو العدد السادس من السنة الرابعة لهذه المجلة - وهو العدد الذي يلي العددين السابع والثامن من نظامنا الجديد الذي كنا نحونا بالبيان نحوه وحسبناه أردَّ علينا بالفائدة، وأوفى بحاجة الناس، وأوفق لطلبة القراء على اختلاف طبقاتهم، فأخذنا نُصْدره على ذلك ونتسع فيه نفتنُّ في رسومه ونبْسط له اليدين جميعاً وقلنا لعل الناس يقدرون هذا النحو وعسى يكون من ورائه ما نرجوه ذيوعاً وإقبالاً ولعل ثم لعل وعسى ثم عسى، بيْد أنا رأينا إثم ذلك أكبر من نفعه، والخسارة فيه متحققة بين بصر البيان وسمعه، فكأن باب التجربة في مصر لا يفتح على غير الخسارة، ولا يفضى منه إلى غير النعت، ولا يفصل - كسائر التجارب - بين ما هو حق وبين ما هو باطل ولكنه يفصل بين صاحب الحق وبين حقه لا غير. . ومن هنا انتشر علينا الأمر، وتفرق بنا الحزم، وكادت تعصف الحوادث بالبيان عصفاً لولا أن الله لطف في قضائه، وألهمنا صواب الأمر بعد خطائه، فاعتزمنا أن نرجع بالبيان إلى خُطَّته الأولى فنؤثر به المشتركين، لا المشترين، ونخصه - إلا ما لا حفل له - بالعلم والأدب، لا بالحَرْب والحَرَب، ونجعله للأدباء الأخيار، لا لأهل الروايات والأخبار، ثم تممنا الأمر بأن فصلنا وكلاء البيان جميعاً وهم كانوا أصل البلاء، ولم نرا بداً من التطواف بأنفسنا في البلاد مهما تجشمنا في هذه السبيل من التعب ولو إلى حد الأضناء، وكان مما أفدناه في هذه الفترة أن جُلنا في بعض أنحاء القطر ولقينا طوائف كثيرة من قرائنا الأفاضل فتلقونا بصدور يفيض سرورها، وقلوب يسطع نورها، ووجوه تبسم ثغورها، ولقينا منهم الكرم كله، ومن عوارفهم ما لم نكن لننتظر قُلّه، ومن سجاياهم ما أطلق اللسان، ومن مروءتهم ما مكن البيان، ومن محامدهم ما شد هذا البنيان. ثم كان من ذلك أن علمنا الذين صدقوا من المشتركين وعلمنا الكاذبين وجعلنا الخبيث بعضه على بعض فركمناه جميعاً فبترناه من سجلاتنا بتراً، وحذفناه حذفاً. والله المستعان على ما نلقي في هذا الأمر، وبه سبحانه القوى على ما نضعف عنه، ومنه التوفيق لما نسعى إليه، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.

стр. 1670

روح الطفولة في الأدب المصري إن أخلاق الناس وقوة نفوسهم وأعصابهم وأذهانهم، وأساليب العيش الذي يعيشونه، وروح الفن الذي يحملونه في كل وجوه العمل، ومطالب الحضارة، لا يمكن أن تتجلى في صورة واحدة، إلا في الآداب التي تخرج من الناحية السامية فهيم، وهي كتابهم وشعراؤهم وأهل التفكير منهم. وأنت فإنك تستطيع أن تدرك طرفاً من عواطف الفرنسي ونظام بيته وأخلاقه وقوة الروح الفنية عنده من قراءتك كتب فيكتور هوجو وحدها، وإن لم تنعم برؤية فرنسا آخر حياتك، ولم تتقلب في بلادها وتدخل مغانيها وبيوتها، وتظفر بصداقة جميلة مع طائفة، من أفرادها، وكذلك تستطيع أن تفهم من الأدب العربي أي نفوس كانت تحمل العرب، وأي أعصاب كانت لهم، وأي أخلاق كانت تختلق، بل أنك قادر أن تتبين مثلاً من طرازهم في العمارة وهذه التعاريج والتثنيات والمتداخلات التي كانوا يزينون بها. شرفات قصورهم ومطلاتها وقبابها، روح الجاحظ في ثرثرته وزيغاته، ومعرجاته، واستفاضاته. ومن أدبهم الذي لم يكن يحتوي غير حكايات قصار ونوادر موجزة وأبيات أفذاذ وكلمات طيبة مقتضبة، تستطيع كذلك أن تعلم أنه قد كانت لهم نفوس قلقة، وقلوب وثابة، وأعصاب حارة ملتهبة، فلم يكونوا ليطيقوا الصبر على البحث الأدبي المستفيض والكتابة التفكيرية الممتدة، اللهم إلا في حدود الفقه والحديث وعلوم التربية وأشباه ذلك. وهذه كانت لا يطيقها إلا شيوخ منهم يحسبون فتور العلم ويحملون في أعصابهم العلمية برودة القطب. وإذا تقرر ذلك فإن الأدب المصري الحاضر لا يزال يحمل مفاسد الجيل وطبائعه، وأخلاقه وعوارض الانحطاط السائد في كل ناحية من هذه الحياة المريضة التي نعيشها، ونحن واجدون في كل ما يخرج من أفواه شعرائنا، وتقذفه علينا المطابع من أقلام كتابنا وأدبائنا، صوراً شتى من غرائب الطبائع المصرية التي نشهد أثارها في البيت والشارع والمكتب والديوان، إذ كان أكثر كتابنا وشعرائنا وأدبائنا لا يكادون يمتازون عن سائر الشعب في عامية النفس وجمود الروح وضؤولة التفكير، فكل ما يكتبون وينشئون يجري مع مطالب الجمهور وينزل على حكم السواد الأعظم، ويدخل على قلوب العامة وأشباههم من ناحية ما

стр. 1671

يحبون ويطالعهم من ناحية ما يفكرون ويعتقدون، ومن ثم كان الجمهور العادي في هذا البلد هو الذي يقود الفكر ويسيطر على الذهن ويستبد بكل منتجات القرائح، وثمرات العقول، وما كان الكتاب الذين تأبى عليهم مطالب الربح والذكر والشهرة إلا أن يتابعوا هذا الجمهور الذي لا يزال في طفولة الحياة، ولا يزال يعيش بروح الماضي، ولا تزال تحركه مبادئه وعقائده، إلا أكبر عقبة في سبيل تهذيب الجيل، وقتل حماقات العصر، وهم الذين لا ينون يفسدون على المهذبين العبقريين من أهل الناشئة الجديدة عملهم، وهم الذين أثاروا حقد الجمهور على كل ذهن جديد وعقل متوقد وروح متمردة من آثار الجمود، وهم الذين لا يفتأون يتلطفون للجمهور ويملقونه وينتصرون له، ويهجمون إلباً واحداً على كل كاتب نبيل الروح مفعم الذهن بكل ضروب التهذيب ووسائل الخروج بالحياة من كل غل من أغلال العبودية الاجتماعية، فلا يزالون به أو يفسدوه ويبددوا كل أثر من آثار إخلاصه. ويجتمعوا بعد ذلك على تركته، يتقاسمون الربح ويتشاطرون الابتهاج بالنصر، ولقد تكاثر في هذا العصر جموع هؤلاء الألفاف، وانتشرت زمرهم واستحصد شرهم، فراجت بذلك حالهم وطالت مكاسبهم وهم بعد خلقاء بهذا التشجيع من الجمهور لأنهم قطعة منه وهم ألسنته وصنائعه، ولأن المصانعة والمداهنة والتدليس من الطبائع المصرية العميقة في أرواحنا، الظاهرة في كل وجه من وجوه أعمالنا. ولا يتلجلج في خاطرك أن مجرد وجود لمحة من الآداب في الأمة هو دليل الحياة وأنه أثر من آثار التقدم والانتعاش، وعنوان على روح الحضارة والرقي، فإنك لو عمدت إلى أحط قبائل الزنج وأغلظ أهل الأحراش والغاب إذن لوجدت لهم شاعراً مغلقاً يضج بالقصيد تلو القصيد على أصوات المزمار، ونقرة الدف، ورقصات القيان، ولرأيت لهم خطيباً مصقعاً يصرخ فيهم إذا عرض خطب، ويستنفرهم إذا نشبت حرب، ولأبصرت لهم كتبة ومشايخ جلَّة يعلمون ويؤدبون ويهذبون، وما أنت بمستطيع أن تمنع شاعرهم هذا من أن يشترك في لقب الشاعر مع شكسبير وهوجو والمتنبي، ولا خطيبهم هذا من أن يقاسم في لقب المصقع شريدان وجوريس والحجاج، ولكن هذا بعد ليس مقياساً صحيحاً للآداب، بل إنما تقاس الآداب بقوة ما فيها من روح السمو والنضوج وما نشعر من قوة ذهنية أهلها ومبلغ ما أخذوا من التهذيب والحضارة والعلم، والضروريات الأولى للأدب، وهي روح الفن. وقوة

стр. 1672

الخيال. ودقة الشعور. وقوة الملاحظة. فإذا نحن أردنا أن نتلمس هذه أو بعضها في هذه الطائفة التي اصطلحنا على تسميتها بالأدباء فما نحن واجدون ثمت أثراً لها، بل لرأينا أكثر أدبنا، أو ما نسميه أدبنا، خلواً من روح الفن، وإذا افتقرت الآداب إلى هذه الضرورية الأولى فلن تعد من الآداب في شيء، بل هي في الحقيقة ليست إلا وسائل يستعان بها على العيش، ومطالب الأكل والشراب، للذين خابوا أن يجدوا في الحياة غيرها، وهي إذ ذاك مهنة تسد جوع الجائعين وتطعم أفواه الضعفاء في الحياة العملية والمهزومين، لأن الكتابة والشعر وسائر الفنون الرفيعة ليست تعتمد في كل روحها على مستلزمات الحرف والصنائع من وجوه التعليم والتمرين والحفظ والرياضة وممر الزمن، وإنما هي تتغذى قوتها من إحساس داخلي عميق يولد مع الشاعر والكاتب والأديب والمصور والنحات، وما كان الكتاب والشعراء في هذا البلد إلا يتابعون في افتقارهم إلى روح الفن، سائر أفراد الأمة، لأننا جميعاً مفتقرون إلى روح الفن، فلو أنت زرت قصوراً أكبر أغنيائنا وأهل الرقة والترف فينا ونظرت إلى الصور الأنيقة التي تشرف عليك من جدران حجراتها والنقوش والرسوم والنفائس التي ترنو إليك في مقاصيرها، إذن لأدهشك النُّبُوّ الظاهر في الترتيب وفساد الذوق البادي في التنسيق، على نفاسة الأثاث، وفخامة الرياش، وغلاء أثمان المتاع، وذلك لأن الجمال كما يقول الإفرنج ليس في الصورة وإنما في كيفية تعليقها ووضعها، وكذلك نحن من الغني إلى الفقير فقراء من روح الفن ورفعة الذوق. ثم يلي هذا افتقارنا إلى سمو الخيال، ولا يزال أكثر أدبائنا وشعرائنا يستمدون تخيلهم الشعري من صور الماضي ومحسات العصور الذاهبة ويستعينون بأثر من روح العرب في كل المواقف الشعرية وأشباهها، وليس سمو الخيال إلا دليلاً من دلائل صفاء الذهن وخصوبة الخاطر ونقاء الروح ولطف الشعور ونحن لا ننعم بشيء من هذه لأننا نعيش عيشة مريضة بلهاء فاسدة ونعاني في البيت والشارع ضروباً من الانحطاط والفوضى سائدة، ولأن حياة أدبائنا - صَنَع الله لهم - إنما هي سلسلة متطاولة من معاسف العيش ومنغصات الهم والفقر والتشرد والإهمال، وهذه أدعى إلى أن تبدد صفاء الذهن، وتضعف حاسية الروح، وتفسد صحة الذهن وتطفئ شعلة الإحساس ونحن من جرَاء هذه جميعاً

стр. 1673

فقراء في قوة الشعور والملاحظة. وقوة الملاحظة من أكبر الأسباب التي تعمل على تهذيب الآداب وتقدمها ونمائها لأنها تفتح أبواباً شتى من البحث وتحدو إلى نواح طيبة من التفكير، وتفضي إلى مطارح بعيدة من الاستنباط والاستنتاج، ولهذا كان الأدب المصري خلواً من أسمى فروع الأدب المنتعش الصحي المتحضر، وهو فن الرواية والقصص، وهو قد أصبح في الغرب جماح علومه وأدابه وفلسفاته ومبادئه، لأن فلاسفة العصر وكبار الأدباء والمفكرين من أهل الغرب آثروا اليوم أن يضعوا أفكارهم وفلسفتهم وآراءهم في أساليب حلوة من الرواية وموضوعات سهلة من القصص، حرصاً عليها أن تروح مستثقلة على أذهان الجمهور مستغلقة الفهم باردة الروح، مستكرهة الطعم، فترى أمثال برناردشو وويلز وبورجيه وأنا طول فرانس وأضرابهم يعدون في طلائع الروائيين وهم مع ذلك من أكبر المفكرين والفلاسفة. على أن من طبائع الفوضى التي ركبت في نفوسنا وتأبى إلا أن تظهر كذلك في أدبنا أن أدبائنا وكتابنا ليسوا إلا نَشَراً لا يجمعهم نظام، ولا تحكمهم قاعدة، فهم لا يحورون ناحية من المذاهب المقررة إلى مذهب ثابت، ولا يرجعون إلى منحى معروف وأنت فلا تستطيع أنتحصر من بينهم الفريق الذي يذهب في الكتابة مذهب الرياليزم وهو المذهب التقريري الذي يعمد فيه إلى بسط الحقائق على علاتها دون تحلية أو تهذيب أو تجميل، ولا أن تعرف من بينهم كتاباً إيدياليين، وهم الذين يجنحون إلى السمو في أطباق الإيدياليات، وهي الأمثلة العليا للحياة، وأنك لترى الكاتب منهم إنما يخرج لك في المقال الواحد خليطاً من الجميع، فبينا تلتقي بقطعة من الرياليزم إذ تهاجمك الفقرة التي تليها بروح الإيدياليزم، وهذا ضرب من الفوضى، وعلة من علل التقلب. وعارض من عوارض كراهية المصري لروح النظام. وإذا وعيت هذا ثم علمت أننا لم نأخذ بعد بنصيب من العلم الحديث، وأن نصف أدبائنا وشعرائنا لا يعرفون لغة من لغات الغرب، بل هم يسكنون في دواوين الشعراء الذين تقدموهم ويعيشون في بُرد الكتاب الذين سبقوهم وهم بعد لا يستطيعون أن يستمدوا منها شيئاً غير حظ من الأسلوب، وجملة من موفق اللفظ، وطائفة من بدائع الكلم وهذه ولا ريب لا تخلق الأديب، ولا تنضج الشاعر، ولا تفتق الذهن، ولا تفتح مغاليق الفكر، وإنما هي

стр. 1674

أداة من أدوات الزينة وسيلة من سوائل التجميل، وأن النصف الآخر العارفين بلغة الفرنجة ليسوا صنفاً واحداً في الإطلاع، ولا سماطاً واحداً في الفهم والبراعة والذكاء، بل ما يبرح كثيرون من إغفالهم يهجمون علينا بكل غث وخم من الكتب وكل عقيم تافه الفائدة من الأسفار من كل ما يقع تحت أيديهم أو يعثرون به فوق رفوف المخازن وألواح المكاتب، إذ كان قد قام في أذهانهم أن كل ما يخرج من كتاب الغرب قمين بالقراءة، خليق بالنقل، وكأنهم لم يعلموا أن كل مملكة في الغرب تحوى الألوف المؤلفة بالخلود وعظمة الشأن إلا القليلون. ومن هذه الملايين من الكتب إلا القلائل وإن كان كلهم رائج المكسب في بلهنية من العيش وغفراء من النعم لأن كل ما يخرج للجمهور في تلك البلاد المهذبة لا يلبث أن يلتهم إذ كان كل فرد منهم قارئاً، وكل قارئ منهم يحتفل بمطالب ذهنه احتفاله بمطالب معدته. ومن ثم كان التعريب في هذا البلد كالتأليف لا يزال يجري أكثره في سبل من الفوضى ويطرد في مضطرب واسع من السخف والحمق، وأكثر ما نقل إلينا لا يكاد يجدي علينا في فرع من شؤون التهذيب ولا يقرب لنا طرفاً من علوم العصر في كل أبواب الاجتماع والتربية والفلسفة والأدب والعلوم الطبيعية بأنواعها، هذا على كثرة النافجين منا بمعرفة لغات الغرب والمزهوين بأنهم تلقوا تهذيبهم في جامعاته، وأخذوا آدابهم عن أساتذته، وعاشوا طويلاً بين ظهراني أهله. ولكن أكثر هؤلاء إنما نفقدهم ساعة تحتويهم الباخرة خصة بهم إلى الأرض المقدسة لأنهم يذهبون وهم على شيء من الفطنة والذكاء والتوقد والنشاط فما يلبثون أن يعودوا ضعفاء الأعصاب خامدي الأذهان مرضى الأرواح من أثر إفراطهم في حيوانيات الغرب ومقاتل لذائذه، ثم نحن بعد لا ننال منهم لا كثيراً ولا قليلاً من نتائج العلم الذي درسوه وجملة الآداب التي تلقوها وحلزوا درجاتها، وذلك لأن الجامعة لا تستطيع وحدها أن تخلق كاتباً واحداً أو شاعراً واحداً أو أديباً واحداً، إذ كان التعليم في الجامعة مدرسياً بحتاً لا يدخل في أغراض الحياة، ولا ينفذ إلى صميم العيش، وهو إنما يكون سبيلاً إلى إظهار النبوغ، وتجلى مطالع العبقرية، وفي الغرب ملايين عظيمة من خريجي الجامعات وحملة الشهادات والألقاب العلمية، ولكن ليس منهم إلا قليلون هم الذين استطاعوا أن يكونوا كتاباً ويظفروا بشيء من الذكر في دائرة الكتابة والأدب، وإذا كان ذلك

стр. 1675

فلا عجب إذا رأيت شباننا الذين نالوا بركة الحج بمشاهدة أرضهم المقدسة لا يلبثون أن تشتمل عليهم مكاتب المحامين أو كراسي النيابة أو مقاعد الإدارة. على أنه لا ينبغي أن يتملكنا روح اليأس من انتعاش أدبنا الحاضر وخروجه من حدود الطفولة إلى أدوار الحياة القوية المكتملة. إذ كنا لا نزال نرى جمعاً قليلاً من شباب هذا الجيل قد جاؤوا يدخلون على هذا الأدب الطفولي الضعيف روحاً جديداً من التهذيب وسبلاً عدة من التفكير العميق. وهم، وإن كانوا لم يتحرروا بعد من بعض نقائص العصر وأخلاقه وأعراض انحطاطه وطفراته، لا يخلون - إلا قليل منهم - من دلائل النضوج وسموا الذهن وبواكر العبقرية. ولعلنا مفردون لهم مقالاً طوالاً فنتناولهم جميعاً فيه ونشرح للقراء كل ما نراه في مذهبهم الجديد.

стр. 1676

الإسلام في الصين الحياة مد وجزر. ومستقبل العالم يضطرب الآن في جوف الزمن، والمجزرة المفترسة في الغرب اليوم قائمة، والغربيون يتقاتلون الساعة على الحياة، ويتصارعون على سيادة الأرض، وكل أمة من أممه تسوق أشد فتيانها وأصلح شَبَابها للمذبحة، وتدفع بسلسلة ماضيها ومجهوداتها وأذهانها وحضاراتها وآدابها إلى المقبرة، والحرب ولا ريب طاحنتهم وقاتلة مدنياتهم وملتهمة كل أثر قوي في الحياة عندهم، وسيذبل الغالب والمغلوب، نعم وستبيد الحرب قواهم المنتجة، وستنهك أعصابهم الصلبة، وتذوي أذهانهم المضطرمة الجبارة، وسوف لا تبقي ولا تذر إلا الضعفاء والولدان والشيوخ والمهازيل والأقزام من أهلها، ولن يحدث هذا الجزر المخيف في الغرب إلا مداً طاغياً فياضاً في الشرق، لأن سكون ريح القوى يرسل النشاط والحرارة وأعراض الحياة القوية في الضعيف، وسينهض الشرقيون بعد هذه الحرب الغريبة من ضجعتهم عند أقدام الغرب، وسينتبهون للحياة ويحسونها، وستثور نفوسهم عظمة الماضي المتطاول البعيد، وستشد أعصابهم وأذهانهم التي ابتردت من آثار الخمول والاستنامة والفتور، ومن يدري فلعل هذا الشرق المستضعف الساكن اليوم، المطل من ضجعته على الغرب في مجزرته، مخرج بعد زمان تيمور لنكاً جديداً، وجنكيز خاناً عصرياً، وعمراً ثانياً، وخالداً وعلياً وهاروناً وقتيبة وصلاحاً آخرين، وكذلك تأبى الحياة إلا أن تكون مداً وجزراً، والزمان دول، والمدنيات كمحدثيها يجري عليها من نواميس الطبيعة ما يجري على الناس. وإذا كان كذلك فنحن خلقاء أن نُعني بالبحث في حاضر أمم الشرق وشعوبه، وما يمس الحياة فيها، ولا سيما ما يتعلق بالمسلمين وأحوالهم، ومن هنا فقد عزمنا على أن نجيء في كل عدد من الأعداد القادمة ببحث مستطيل في حاضر إحدى أمم الشرق حتى يكتمل الكلام عليها جميعاً، وحتى يلم القراء بشؤون الشرق وأحواله وأسباب ضعفه واستكانته، والقوة الكامنة في حاضره وما يمكن أن يكون من مستقبله. ونحن اليوم بادئون بالكلام على المسلمين في المملكة الصفراء وحالهم الحاضرة. يقول ستانلي لين بول، وهو من كبار مؤرخي الإسلام والشرق في هذا العصر - وهو الذي نلخص عنه هذا البحث - إن تاريخ الإسلام هو سلسلة مستطيلة من المدهشات، فإنه منذ خرج إلى الأرض وفاض فيضه، حير الألباب وأدهش العالم جميعاً، ولم يفتأ الإسلام منذ

стр. 1677

ذلك اليوم يعمل على إدهاش العقل الغربي وتحييره، ولقد كان الغربيون في السنين الأخيرة يذهبون إلى أن الدين الإسلامي قد أسند في حدود الشيخوخة فلا يرتقب له تقدم جديد، ولكن لم يلبث هؤلاء الذين أغمضوا أعينهم عن هذا الدين من أهل الغرب أن انتبهوا فجأة إلى حقائق مدهشة من أمره فقد دلت الشواهد على أن الدين الإسلامي يتقدم ويخطو خطى واسعة في غرب إفريقية، وهو يزاحم المسيحية ويطاردها في تلك البلاد، وأن المسلمين هناك قد أخذوا يدخلون على البلاد إصلاحاً اجتماعياً جديداً بعد أن عجز رسل المسيحية ومبشروها عن أن يضعوا شيئاً من الإصلاح، وأن جزءاً كبيراً من بلاد الصين قد دان بالإسلام، وأن هناك قري. وبلداناً وأقاليم قد اكتظت بالمسلمين من أهل الصين يعيشون جنباً إلى جنب مع عبدة بوذا وشيعة كونفوشيوس. على أن الذين يعرفونه رسيساً من تاريخ العرب لن يجدوا شيئاً من الغربة في دخول الإسلام بلاد الصين فقد كانت تجارة الصين في أيدي العرب يجيئون بها إلى الشام قبل أن يقوم دين الإسلام بسنين، وقد اتسعت بينهما أسباب التجارة في القرن السادس الميلادي وكانت تأتي عن طريق سرنديب - جزيرة سيلان - ولم يكد يدخل القرن السابع حتى نمت التجارة بين الصين والعرب وفارس، وكانت مدينة سيراف الواقعة على الخليج الفارسي هي محط المتاجر الصينية، إذ كان تجار الصين لا يتعدون هذا الثغر إلى داخلية البلاد، ومن ثم كان تجار العرب من مسقط والشام يلتقون بهم هناك ويحملون بضائعهم إلى أنحاء الجزيرة وبلدانها، وكان من بين الذي جاؤوا الصين في أوائل عهد أسرة تانج المالكة، أي في ذلك العهد الذي كان يدعو فيه محمد العرب بمكة إلى الإسلام، طائفة من أهل المدينة. وإليك ما ذكرت التواريخ الصينية في صدد ذلك - إن مملكة المدينة تقع قريبة من الهند وفي تلك المملكة قام دين هؤلاء الغرباء وهو دين مخالف جد المخالفة لدين فو - أي بوذا - فهم لا يأكلون لحم الخنزير ولا يشربون الخمر ويعدون قذراً غير مبارك كل لحم لم يذبحوه هم بأيديهم، ولهم اليوم معبد في كانتون يسمى معبد الذكرى المقدسة وقد ابتنوه في عهد أسرة تانج وكان لهم بجانب المعبد مأذنة شاهقة تبلغ في ارتفاعها مائة وستين قدماً، وقد اعتاد هؤلاء لغرباء أن يذهبوا كل يوم إلى المعبد فيؤدوا فيه فرائض دينهم، ولما استجازوا الإمبراطور المقام بكانتون فأجازهم، شادوا بيوتاً طيبة ومنازل شاهقة على طراز

стр. 1678

من الهندسة جد مخالف لطراز مملكتنا، وكانوا على أنعم حال من الثراء، وكانوا كُيْراً عديدين، ولهم من ثرائهم نفوذ وسلطان حتى لقد كانوا على أنعم حال من الثراء، وكانوا كُثْراً عديدين، ولهم من ثرائهم نفوذ وسلطان حتى لقد كانوا يستطيعون أن يؤذوا الرجل من أهل المملكة ولا يصيبهم سوء أو عقاب، وكانوا يرجعون في أمرهم إلى وال منهم استعملوه عليهم. يقول ستانلي لين بول - ولكن سلالة هؤلاء الذين حملوا الإسلام إلى الصين لم يستطيعوا أن يدلونا على شيء من أنبائهم، ولكن الذي لا ريب فيه أنهم من العرب، لأنهم تركوا معالم وجوههم في وجوه ذريتهم وأخلافهم، ولكنا عاجزون عن أن نعرف من أية ناحية من العرب جاؤوا، ومن الجائز أن محمداً هو الذي أنفذهم عام أنفذ البعوث والرسل إلى الممالك والأصقاع ليدعوهم إلى الدين الحق، أو لعلهم كانوا طائفة من الهاربين المُشَرَّدين كأولئك الذين هاجروا إلى الحبشة بإذن النبي، ولكن لا شك ثمت في تاريخ دخولهم المملكة الصينية، ولا مراء في أن الصين رأت قوماً من المسلمين في الربع الأول من القرن السابع أي بعد عام الهجرة بعشر سنين. أما عن واليهم الذي كان يقودهم ويحكم فيهم فنحن في ظلمة شديدة من التكهن والريب، ولكن لا شك في أنه كان رجلاً ذا خطر كبير لأنهم حفظوا عنه بعض القصص والأساطير وقد جاء في إحدى المدونات المؤرخة عام ١٣٥١ من الميلاد أنه كان في الصين رسول وفد من العرب، ولكن الاسم الذي جاء في تلك الأسطورة لا يدل على شيء غير أنه كان من الصحابة، ولقد تكهن الكثيرون في أمر هذا الرسول والأسماء العديدة الغريبة التي سمي بها في الأساطير حتى قالوا أنه رجل يدعى وهب أبا كبشه من أخوال النبي. قال المؤرخ - فلما استقر بالإسلام المقام في تلك الأرض لم يلبث أن نما وانتشر وقويت شوكته وتكاثر التجار العرب الذين نزلوا أول أمرهم بمدينة كانتون وزاداد عديدهم بالوفود التي التجأت إليهم من جزيرة العرب وبالتزاوج وأهلَ الصين وبالذين دخلوا منهم في دينهم، وقد جاءهم عام ٧٥٥ من مولد المسيح مدد من الخليفة المنصور في أربعة آلاف مقاتل كان أنفذهم أمير المؤمنين لعون الإمبراطور سوه تيسنج - على الخارجي الذي شق عصا الطاعة عليه، فلما قاتلوا وظاهروا الإمبراطور على عدوه أذن لهم الإمبراطور بالمقام في

стр. 1679

الصين وبالزواج من نساء مملكته، وليس في هذه المحالفة التي قامت بين الخليفة العباسي في بغداد وبين عاهل الصين ما يلوح لأول وهلة من الدهشة والغرابة فقد كانت حدود دولة العرب قد صارت على مسافة غير بعيدة من حدود دولة الصين، إذ كان قتيبة بن مسلم قد اجتاز - وذلك في القرن الأول من الهجرة - نهر جيحون وفتح بخارى وسمرقند وجاوزهما إلى كشغر وغيرها حتى دانى تخوم الصين، وإذ ذاك أرسل نفراً من كبار رجاله إلى الإمبراطور الصيني يعرض عليه ود الخليفة وأمانه، ويخيره بين دفع الجزية عن يد وهو صاغر، وبين السيف والنار وحرق المدائن وقتل لرجال وسبي النساء والأطفال، وقد رفع قتيبة بهذه الرسالة الجريئة الدهشة إلى بُرُده في هدوء العربي ورباطة جأشه، فلما نزلوا على الملك أدهشه لباسهم وملامحهم وأخذت بلبه جرأتهم وفخامة كلامهم فتلقاهم أحسن اللقاء وأغدق عليهم الرتب والألقاب ونزل على دفع الجزية إلى الخليفة ومنذ ذلك اليوم والخليفة وحليفه على أحسن الود وأطيب السلم، يتهاديان الهدايا يتوادان بالتحف والنفائس، ولقد كان الباعث على هذه المحالفة بين هذين الأمير بن المتباعدين ما كان يحدق بدولة كل منهما من غوائل عدوهما المشترك وهم أهل تبيت وغاراتهم على حدود الدولتين. وكذلك أخذ المسلمون يزدادون في الصين ويتكاثرون وزادهم عدداً من كانوا يرحلون إليهم لو إذا من أهل التتر، بعد أن ثار جنكيز خان في الشرق ثورته، ولم يكونوا بحاجة إلى الامتزاج بأي عنصر غير عنصرهم، إذ كانوا في نماء وتناسل مستمرين، وكانوا يتسرون السراري من نساء الصين، ولم يقتصروا في الإكثار من عددهم على ذلك بل كانوا يشترون أطفال الأهلين في زمان القحط والمجاعات والجدب فيدخلونهم في زمرتهم ويقومون على تربيتهم وتهذيبهم وتزويجهم إذا بلغوا حُلُمَهم، حتى كان لهم بعد زمان قرى عديدة من هؤلاء الذين كانوا يشترونهم أطفالاً، وظلوا كذلك أربعة قرون وهم محسودون من الأهلين على نفوذهم وثرائهم. يقول دي تير سانت في كتابه الإسلام والصين، ولم يلبثوا أن أخذوا يفقدون طبائع وجوههم وأجسامهم التي كانت تميزهم عن أهل الصين في أول عهدهم بتلك المملكة، وكذلك خرج منهم جيل مخالف في شكله وهيأته لأهل الصين وليس عليه كذلك سمات العرب الأقحاح الأصليين فمسلمو الصين اليوم خفاف الأجسام صلابها أرفع قامة من الصينين الأصليين

стр. 1680

وأضخم منهم خلقة وأصلب منهم أعصاباً ولهم عيون أهل الصين وإن اختلفت عنها في حدة بصرها، ونساؤهم أصغر منهم جسوماً مكتملات النهود دقيقات الأرجل، يتبعن في ذلك عادات نساء الصين في تصغير أرجلهن، والمسلمون أقرب في ألوان بشرتهم إلى البياض والسمرة من صفرة أهل الصين وشعورهم على الأكثر سوداء، وإن كنت قد تلتقي من بينهم بشعور صفراء. أما عن أخلاقهم فهم أودع من الصينيين وأنعم آداباً وأقرب إلى الصدق منهم، وهم في التجارة أمناء لا ظل للخيانة على معاملاتهم، وهم إذا ارتفعوا إلى منصات القضاء عدول لا يظلمون ولا يتحيزون، وموقرون مبجلون، وهم بطبيعتهم أنشط وأخف إلى العمل، ويؤثرون القتال والتجارة على الصناعة والأدب، وليسوا من المتعصبين بل إنهم ليعدون في التسامح إلى أقصى حدوده فيتركون من سنن الدين ما يغضب أهل الصين أو يصطدم مع أفكارهم وعاداتهم، وهم يعيشون معاً مؤتلفين متضامنين كأهل العشيرة الواحدة، يدافعون بعضهم عن بعض ويحسنون إلى فقرائهم وهم بطبيعة الحال مضطرون إلى أن ينزلوا في بعض الأمور على قوانين البلاد وأن يستمسكوا في غيرها بشرائع الإسلام بعد أن يتمشوا بها كما تتطلبه أديان المملكة وعاداتها، فإن قانون الزواج في الصين لا يعسف المسلمين هناك ولا يرهقهم لأن على المسلم أن يتخذ زوجة واحدة ولكنه يستطيع أن يتسرى - وذلك بعد استئذان الزوجة - بعدد من السراري والإماء، وهن يعملن في الدار كجوار للزوجة ووصائف، ومن أغرب الحقائق أن الزوجة هي التي تستحث الزوج في أغلب الأحيان على تسري السراري واتخاذ الإماء، وذلك لأنها إما تكون عقيماً وأما لأنها تريد أن تزيد في حاشيتها ووصائفها. وقد انتشر الإسلام في الصين انتشاراً لم يظفر به دين آخر غريب في تلك البلاد إلا الديانة البوذية، وليس ذلك يرجع إلى شيء من المقاربة والمماثلة بين الإسلام وأديان الصين كما كان يقول ملوكهم في أوامرهم وقراراتهم إذا أرادوا أن يرسلوا السكينة والود والهدوء بين المسلمين وبين أهل مملكتهم، ولكن لأن المسلمين هناك فهموا واجب الأقلية إزاء الأكثرية، وإنك لتندهش إذ تسمع بأن مسلمي الصين استطاعوا أن ينزلوا عن بعض شعائرهم ويتمشوا مع عادات الوسط الذين يعيشون بين ظهرانيه ويرضوا بآدابه ومصطلحاته

стр. 1681

وقوانينه فهم لم يقتصروا على الأخذ بعادات الصين بل أخذوا كذلك عنها زياها ولباسها وتخلوا عن شيء من عصبيتهم فعاشوا بينهم على محض الحب والسلام والرخاء وأنهم ليشتركون في أعيادهم ومحافلهم ويسلكون سلوك الصينيين بل هم خير منهم في ذلك وأنعم أخلاقاً، وهم يتجنبون بكل حزم وحكمة كل ما يغضب الأهلين كطوال المآذن مثلاً. وقد كانت هذه الطاعة وهذا الإخلاص مدعاة إلى معاملتهم بالحسنى واللين والعرف من ناحية الإمبراطرة - يوم كانت الصين إمبراطورية - وأنك لتلتقي في كل قرارات هؤلاء الامبراطرة وأوامرهم ومنشوراتهم إلى الشعب الصيني بعبارات رفيقة تحث الأهلين على الترفق بالمسلمين والتحبب إليهم وملاينتهم وملابستهم والعمل على الإحسان إليهم واستتباب السلم والسكينة بين الأهلين وبينهم. وأما المشاحنات والمقاتلات والمذابح والثورات التي قامت في خلال القرن الماضي بين المسلمين وبين الصينيين فلم تكن للسلطات العليا في حكومة الصين يد في فيها، ولم تكن هي الباعثة عليها، وإنما هم الموظفون الأصاغر الذين كانوا يوقدون نارها، لأنهم كانوا يكرهون المسلمين وينفسون عليهم حب الحكومة، ولقد كانت نخوة العرب وحميتهم وتمردهم على الضيم والذل وإباؤهم المختفي في أرواح هؤلاء المسلمين أخلافهم وورثتهم، تدفع مسلمي الصين إلى مقابلة الأذاة بمثلها والمذبحة بأشد منها، فكانت المشاجرة التافهة بين الأفراد لا تلبث أن تسوق إلى المذابح المخيفة الموحشة بين الفريقين ففي سنة ١٨٦٠ مثلاً قامت مذبحة كبرى في مدينة كبوتشو ذبح فيها مسلمو المدينة عن آخرهم، ولم يكن الباعث على ذلك إلا قضية شخصية بين أسرة مسلمة وبين أسرة كونفوشيوسية، فلما رأى مسلمو المدينة المجاورة لكيوتشو ما فعل الأهلون بشركائهم في الدين أغاروا على المدينة فذبحوا من سكانها الوطنيين خلائق كثيرة حتى لقد امتلأت الطرق بجثث الموتى وأشلاء الهلكى والقتلى والجرحى فكانوا يحملونها أكواماً وركاماً واختلطت الجرحى بالقتلى فقضت نحبها دون أن يحس بأمرها، وكان من هذه المذبحة أن جاءت في آثارها بمجاعة كانت أشد منها هولاً، فكان الناس يأكلون لحمان البشر ولم يكن يجسر رجل من الفريقين أن يخرج وحده ويبعد في الطريق مخافة أن ينقض عليه الجائعون فيلتهموه التهاماً، وكان أكبر حظ الرجل منهم أن يقع على جثة إنسان فيأخذها إلى مكان قصي وهناك يقطعها إرباً ثم يجففها

стр. 1682

في حرارة الشمس ويختزنها كأحسن ما يختزن من المآكل واللحوم القديدة وكانوا يعملون من عظامها المرق والحُساء، ولقد اشتدت هذه المجاعة المخيفة حتى صاروا يبيعون اللحوم الآدمية جهرة في الأسواق. وكذلك مضى نصف القرن الأخير على هذه الحال من الثورة والمذابح والشحناء حتى فني من المسلمون وباد خلق كثيرون يعدون بالملايين، ثم عادوا آخر الأمر إلى العيش في ظل السكينة والطاعة والسلم، كما يجب على الأقلية إزاء سواد الأهلين.

стр. 1683

آخر زمن - آخر زمن كلمة سيارة بيننا شائعة، ترددها ألسنة الخاصة، وتتشدق بها أفواه السوقة، وتجري كل يوم بين المذهبين، تدور كل حين في حلقات الغوغاء والأميين، وهي تقال في معرض التبرم والتسخط، عند ما يشهد الناس أمراً مستنكراً خارجاً عن سنن المألوف، متمرداً على حكم العرف، منشقاً على مبادئ الأخلاق والآداب، وإذا صح ما يذهب إليه علماء الفيلولوجيا، أي علم اللغات، إن الفكرة تستمد لفظها وأسلوب التعبير عنها من لغة الأمة التي نشأت أول أمرها فيها، فإن كلمة آخر زمن التي خلقتها روح العصر في هذا الجيل الحاضر، هي أكبر دليل على أنا مصابون بالمرض الذي ينطوي تحت معناها، والعلة العُضال التي تدل عليها حروفها، ولكننا في ذلك إنما نتبع أمم العالم وشعوبه، ونئن من الداء المتسود في أقطار الأرض المتحضرة وممالكها، إذ كان الغربيون قد ابتكروا قبلنا للتعبير عن هذا المرض. العصري الذي استبد بكل فروع حياتهم ومدنيتهم كلمة - ومعناها الحرفي (آخر الزمن) ويراد بها في الغرب المعنى الذي يريده المصريون في هذا العصر منها والكلمة كما يتبين للقارئ فرنسية، لأن فرنسا هي التي ظهرت فيها أعراض المرض قبل غيرها، ثم لم تلبث أن انتشرت في أمم الغرب بأجمعها، واجتازت الإقيانوس إلى العالم الجديد ففشت في لغاته، مما يدل على أنها تعبر عن حال المجتمع الإنساني المتحضر في كل بقاع الأرض، ولكن الكلمة في فرنسا مسقط رأسها تتجلى في أتم معانيها وأغراضها، وليست باريس إلا الحاضرة الكبرى لمرض (آخر زمن). ونحن فإذا بحثنا في قيمة التعبير من حيث لفظه ومبناه فلا نلبث أن نتبين خطأه وفساده، لأن القرن من الزمن لا يجري عليه من مراحل العمر وأدوار السن ما يجري على الناس، فهو ليس مثلنا يبدو وضيعاً في العام الأول من مأته، ثم يشب ويترعرع ويمتلئ ويكتمل، ثم يكتهل ويشيخ ويهرم، ثم يحتضر في آخر يوم من العام المتمم للمائة، اللهم إلا في عالم التخيل والوهم والمجاز، ولكن الناس قد اعتادوا أن يحيلوا انحطاطهم وفشلهم وأمراضهم ومصائبهم ونكباتهم إلى الزمن، متنصلين من تبعة أغلاطهم، رداين إلى الزمن جريرة مفاسدهم، فهم في التبرم من انحطاطهم يقولون (آخر زمن) وكان أوجب أن يقولوا (آخر

стр. 1684

ناس). على أنه مهما كان من خطأ التعبير وفساده فإن الغرض الذي يقصد به إليه قد عم العالم وتجلت مظاهره في كل حياة الجيل الحاضر ومعيشته، فقد اشتد الاضطراب بين الناس، وعظم الفساد، واستتب الانحطاط، وفشت المتاعب والهموم، وقست الحياة، حتى ساد الوهم بين الناس، إن العالم موشك على الانطفاء والخمود والفناء وإن العصر الحاضر هو آخر ما يطلع على العالم من العصور، وختام ما يدور به الزمان ومن ثم ترى كلمة (آخر زمن) ليست فقط اعترافاً بفساد الجيل، بل تسخطاً كذلك من هذا الفساد وشكاة وتبرماً. ولكن إشفاق الناس اليوم وتخوفهم من وقوف دورة الزمن، وفناء عالم الأرض، ليس بالأمر المستحدث الجديد، فقد استولى نفس هذا الخوف على الأمم المسيحية عند حلول عام ١٠٠٠ من الميلاد ولكن هناك فرقاً بيناً بين فزع أهل ذلك الزمان وبين فزع أهل (آخر زمن)، فإن قلق أولئك وفزعهم من مقدم ذلك العام لم يثر فيهم إلا لأنهم كانوا يحسون نعمة الحياة وبهجتها وانتعاشها، وكانت لهمه قلوب حساسة خفاقة، وأرواح متوثبة ومناعم حلوة بهيجة، فعز عليهم أن يلقى في روعهم أن الأرض عما قليل مُسفَّة بهم، ولا يزال فيها كؤوس تحتسي، ورضاب شفاه يرتشف، وهم يحسون أنهم لا يزالون قادرين على التمتع بالخمرة والحب، وأما فزع (آخر زمن) فليس فيه شيء من هذا، بل هو يأس رجل مريض، يحس أنه يحتضر ويدنو رويداً إلى الموت، في وسط هذه الطبيعة الجميلة الزاهرة المتفتحة. ونحن نجيء إليك بطائفة من الأمثلة التي تقال فيها كلمة (آخر زمن). . . . ملك يعتزل الملك ويرحل عن بلده فيعيش في باريس في مغنى جميل، ويحتفظ عند الحكومة التي خلفته على الملك ببعض الحقوق والرتب والامتيازات، ثم يمضى زمان فيخسر على مائدة القمار أكثر أمواله، فيقع في معسرة شديدة، فلا يجد مخلصاً له إلا أن يخابر حكومة بلده في أن تعطيه مليوناً من الفرنكات، في سبيل تنازله آخر الدهر عن حقوقه وألقابه وامتيازاته. . . هذا ملك (آخر زمن). قاتل شرير يحكم عليه بالإعدام ثم تشرح جثته بعد الوفاة، فيجيء مفتش الشرطة فيقتطع له قطعة من جلد الجثة بعد تشريحها فيدبغها ويصنع له منها محفظة للفائفه وبطاقاته. . . شرطي (آخر زمن).

стр. 1685

شاب يخطب له عروساً، ثم يأخذها يوم العرس فيزف معها في منطاد. . . زفة (آخر زمن). ثلاث بنات من أسر طيبة، يتحدثن إلى صواحبهن، فتتنهد إحداهن فتسألها الأخرى، ماذا بك؟ فتجيبها - إني أحب فلاناً. . . وفلان يحبني، فتقول لها صاحبتها وهي تحاورها، ما أطيب هذا الحب. إني أعرف فلاناً فهو شاب جميل ورشيق وحلو القوام، ولطيف الحديث، ولكن علامَ إذن هذا الحزن؟ فترد عليها الأولى قائلة، ولكنه فقير لا يملك شيئاً وليس من أسرة مذكورة، وأبواي يريدان أن أتزوج بالباشا الفلاني، وهو بطين، عظيم الكرش، وأصلع، ودميم، وثقيل، ولكنه مع ذلك كبير الغنى، عريض الثراء، وإذ ذاك تقول لها محدثتها، إذن فتزوجي الباشا يا بلهاء دون تأخير، ثم اعملي بعد ذلك على أن يتعرف الباشا إلى حبيبك ويصاحبه يا غبية. . . بنت (آخر زمن). ومن ثم ترى أن كلمة (آخر زمن) في هذه الأمثلة التي ضربناها ليس يراد بها إلا الانحراف عن أحكام العرف والعادة والانشقاق على سلطة الأخلاق والآداب والتحرر من سيطرة القوانين الأدبية التي نعيش عليها، فهي عند الشهواني مطاوعة اللذة إلى أبعد حدودها، والاسترسال مع الشهوة إلى أقصى مطالبها وإطلاق الجزء الحيواني في الإنسان، وهي من ناحية الأناني احتقار كل ما يتعلق بالناس والسخرية من شأنهم، وهدم الأسوار التي تحول بينه وبين طماعيته وشهواته، ولذائذه وحيواناته وهي عند المكذب بصلاحية الحياة المؤمن بسخافتها التمرد على الفضيلة، والسخرية بالآداب، ومتابعة النفس ووساوسها ومختلجاتها، وهي عند الجميع هدم الآداب، وقتل الحاسة الأخلاقية، وتسويد الإباحة في كل معالم الحياة. ولكن عوارض هذا المرض قل ما توجد بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة لأنها لا تتجلى إلا في طائفة قليلة من الناس يرونها في الطريق السوي إلى المستقبل والباعث الأكبر على ترقية الحياة وتهذيبها، والافتتان في إصلاحها والسمو بها، ولكن هذه الطائفة الصغيرة هي التي تنشر ظلها على المجتمع كله، لأنها طائفة الأغنياء الظرفاء، وطائفة المتهوسين، فالأولون يتبعهم من بقية الشعب الأدعياء والمتظاهرون والحمقى والمغفلون، والآخرون يؤثرون في الضعفاء والجهلاء والعجزة والعصبيين والجميع يمشون إلى الانحطاط والفساد.
следующие страницы →