← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وقوانينه فهم لم يقتصروا على الأخذ بعادات الصين بل أخذوا كذلك عنها زياها ولباسها وتخلوا عن شيء من عصبيتهم فعاشوا بينهم على محض الحب والسلام والرخاء وأنهم ليشتركون في أعيادهم ومحافلهم ويسلكون سلوك الصينيين بل هم خير منهم في ذلك وأنعم أخلاقاً، وهم يتجنبون بكل حزم وحكمة كل ما يغضب الأهلين كطوال المآذن مثلاً. وقد كانت هذه الطاعة وهذا الإخلاص مدعاة إلى معاملتهم بالحسنى واللين والعرف من ناحية الإمبراطرة - يوم كانت الصين إمبراطورية - وأنك لتلتقي في كل قرارات هؤلاء الامبراطرة وأوامرهم ومنشوراتهم إلى الشعب الصيني بعبارات رفيقة تحث الأهلين على الترفق بالمسلمين والتحبب إليهم وملاينتهم وملابستهم والعمل على الإحسان إليهم واستتباب السلم والسكينة بين الأهلين وبينهم. وأما المشاحنات والمقاتلات والمذابح والثورات التي قامت في خلال القرن الماضي بين المسلمين وبين الصينيين فلم تكن للسلطات العليا في حكومة الصين يد في فيها، ولم تكن هي الباعثة عليها، وإنما هم الموظفون الأصاغر الذين كانوا يوقدون نارها، لأنهم كانوا يكرهون المسلمين وينفسون عليهم حب الحكومة، ولقد كانت نخوة العرب وحميتهم وتمردهم على الضيم والذل وإباؤهم المختفي في أرواح هؤلاء المسلمين أخلافهم وورثتهم، تدفع مسلمي الصين إلى مقابلة الأذاة بمثلها والمذبحة بأشد منها، فكانت المشاجرة التافهة بين الأفراد لا تلبث أن تسوق إلى المذابح المخيفة الموحشة بين الفريقين ففي سنة ١٨٦٠ مثلاً قامت مذبحة كبرى في مدينة كبوتشو ذبح فيها مسلمو المدينة عن آخرهم، ولم يكن الباعث على ذلك إلا قضية شخصية بين أسرة مسلمة وبين أسرة كونفوشيوسية، فلما رأى مسلمو المدينة المجاورة لكيوتشو ما فعل الأهلون بشركائهم في الدين أغاروا على المدينة فذبحوا من سكانها الوطنيين خلائق كثيرة حتى لقد امتلأت الطرق بجثث الموتى وأشلاء الهلكى والقتلى والجرحى فكانوا يحملونها أكواماً وركاماً واختلطت الجرحى بالقتلى فقضت نحبها دون أن يحس بأمرها، وكان من هذه المذبحة أن جاءت في آثارها بمجاعة كانت أشد منها هولاً، فكان الناس يأكلون لحمان البشر ولم يكن يجسر رجل من الفريقين أن يخرج وحده ويبعد في الطريق مخافة أن ينقض عليه الجائعون فيلتهموه التهاماً، وكان أكبر حظ الرجل منهم أن يقع على جثة إنسان فيأخذها إلى مكان قصي وهناك يقطعها إرباً ثم يجففها

стр. 1682

في حرارة الشمس ويختزنها كأحسن ما يختزن من المآكل واللحوم القديدة وكانوا يعملون من عظامها المرق والحُساء، ولقد اشتدت هذه المجاعة المخيفة حتى صاروا يبيعون اللحوم الآدمية جهرة في الأسواق. وكذلك مضى نصف القرن الأخير على هذه الحال من الثورة والمذابح والشحناء حتى فني من المسلمون وباد خلق كثيرون يعدون بالملايين، ثم عادوا آخر الأمر إلى العيش في ظل السكينة والطاعة والسلم، كما يجب على الأقلية إزاء سواد الأهلين.

стр. 1683

آخر زمن - آخر زمن كلمة سيارة بيننا شائعة، ترددها ألسنة الخاصة، وتتشدق بها أفواه السوقة، وتجري كل يوم بين المذهبين، تدور كل حين في حلقات الغوغاء والأميين، وهي تقال في معرض التبرم والتسخط، عند ما يشهد الناس أمراً مستنكراً خارجاً عن سنن المألوف، متمرداً على حكم العرف، منشقاً على مبادئ الأخلاق والآداب، وإذا صح ما يذهب إليه علماء الفيلولوجيا، أي علم اللغات، إن الفكرة تستمد لفظها وأسلوب التعبير عنها من لغة الأمة التي نشأت أول أمرها فيها، فإن كلمة آخر زمن التي خلقتها روح العصر في هذا الجيل الحاضر، هي أكبر دليل على أنا مصابون بالمرض الذي ينطوي تحت معناها، والعلة العُضال التي تدل عليها حروفها، ولكننا في ذلك إنما نتبع أمم العالم وشعوبه، ونئن من الداء المتسود في أقطار الأرض المتحضرة وممالكها، إذ كان الغربيون قد ابتكروا قبلنا للتعبير عن هذا المرض. العصري الذي استبد بكل فروع حياتهم ومدنيتهم كلمة - ومعناها الحرفي (آخر الزمن) ويراد بها في الغرب المعنى الذي يريده المصريون في هذا العصر منها والكلمة كما يتبين للقارئ فرنسية، لأن فرنسا هي التي ظهرت فيها أعراض المرض قبل غيرها، ثم لم تلبث أن انتشرت في أمم الغرب بأجمعها، واجتازت الإقيانوس إلى العالم الجديد ففشت في لغاته، مما يدل على أنها تعبر عن حال المجتمع الإنساني المتحضر في كل بقاع الأرض، ولكن الكلمة في فرنسا مسقط رأسها تتجلى في أتم معانيها وأغراضها، وليست باريس إلا الحاضرة الكبرى لمرض (آخر زمن). ونحن فإذا بحثنا في قيمة التعبير من حيث لفظه ومبناه فلا نلبث أن نتبين خطأه وفساده، لأن القرن من الزمن لا يجري عليه من مراحل العمر وأدوار السن ما يجري على الناس، فهو ليس مثلنا يبدو وضيعاً في العام الأول من مأته، ثم يشب ويترعرع ويمتلئ ويكتمل، ثم يكتهل ويشيخ ويهرم، ثم يحتضر في آخر يوم من العام المتمم للمائة، اللهم إلا في عالم التخيل والوهم والمجاز، ولكن الناس قد اعتادوا أن يحيلوا انحطاطهم وفشلهم وأمراضهم ومصائبهم ونكباتهم إلى الزمن، متنصلين من تبعة أغلاطهم، رداين إلى الزمن جريرة مفاسدهم، فهم في التبرم من انحطاطهم يقولون (آخر زمن) وكان أوجب أن يقولوا (آخر

стр. 1684

ناس). على أنه مهما كان من خطأ التعبير وفساده فإن الغرض الذي يقصد به إليه قد عم العالم وتجلت مظاهره في كل حياة الجيل الحاضر ومعيشته، فقد اشتد الاضطراب بين الناس، وعظم الفساد، واستتب الانحطاط، وفشت المتاعب والهموم، وقست الحياة، حتى ساد الوهم بين الناس، إن العالم موشك على الانطفاء والخمود والفناء وإن العصر الحاضر هو آخر ما يطلع على العالم من العصور، وختام ما يدور به الزمان ومن ثم ترى كلمة (آخر زمن) ليست فقط اعترافاً بفساد الجيل، بل تسخطاً كذلك من هذا الفساد وشكاة وتبرماً. ولكن إشفاق الناس اليوم وتخوفهم من وقوف دورة الزمن، وفناء عالم الأرض، ليس بالأمر المستحدث الجديد، فقد استولى نفس هذا الخوف على الأمم المسيحية عند حلول عام ١٠٠٠ من الميلاد ولكن هناك فرقاً بيناً بين فزع أهل ذلك الزمان وبين فزع أهل (آخر زمن)، فإن قلق أولئك وفزعهم من مقدم ذلك العام لم يثر فيهم إلا لأنهم كانوا يحسون نعمة الحياة وبهجتها وانتعاشها، وكانت لهمه قلوب حساسة خفاقة، وأرواح متوثبة ومناعم حلوة بهيجة، فعز عليهم أن يلقى في روعهم أن الأرض عما قليل مُسفَّة بهم، ولا يزال فيها كؤوس تحتسي، ورضاب شفاه يرتشف، وهم يحسون أنهم لا يزالون قادرين على التمتع بالخمرة والحب، وأما فزع (آخر زمن) فليس فيه شيء من هذا، بل هو يأس رجل مريض، يحس أنه يحتضر ويدنو رويداً إلى الموت، في وسط هذه الطبيعة الجميلة الزاهرة المتفتحة. ونحن نجيء إليك بطائفة من الأمثلة التي تقال فيها كلمة (آخر زمن). . . . ملك يعتزل الملك ويرحل عن بلده فيعيش في باريس في مغنى جميل، ويحتفظ عند الحكومة التي خلفته على الملك ببعض الحقوق والرتب والامتيازات، ثم يمضى زمان فيخسر على مائدة القمار أكثر أمواله، فيقع في معسرة شديدة، فلا يجد مخلصاً له إلا أن يخابر حكومة بلده في أن تعطيه مليوناً من الفرنكات، في سبيل تنازله آخر الدهر عن حقوقه وألقابه وامتيازاته. . . هذا ملك (آخر زمن). قاتل شرير يحكم عليه بالإعدام ثم تشرح جثته بعد الوفاة، فيجيء مفتش الشرطة فيقتطع له قطعة من جلد الجثة بعد تشريحها فيدبغها ويصنع له منها محفظة للفائفه وبطاقاته. . . شرطي (آخر زمن).

стр. 1685

شاب يخطب له عروساً، ثم يأخذها يوم العرس فيزف معها في منطاد. . . زفة (آخر زمن). ثلاث بنات من أسر طيبة، يتحدثن إلى صواحبهن، فتتنهد إحداهن فتسألها الأخرى، ماذا بك؟ فتجيبها - إني أحب فلاناً. . . وفلان يحبني، فتقول لها صاحبتها وهي تحاورها، ما أطيب هذا الحب. إني أعرف فلاناً فهو شاب جميل ورشيق وحلو القوام، ولطيف الحديث، ولكن علامَ إذن هذا الحزن؟ فترد عليها الأولى قائلة، ولكنه فقير لا يملك شيئاً وليس من أسرة مذكورة، وأبواي يريدان أن أتزوج بالباشا الفلاني، وهو بطين، عظيم الكرش، وأصلع، ودميم، وثقيل، ولكنه مع ذلك كبير الغنى، عريض الثراء، وإذ ذاك تقول لها محدثتها، إذن فتزوجي الباشا يا بلهاء دون تأخير، ثم اعملي بعد ذلك على أن يتعرف الباشا إلى حبيبك ويصاحبه يا غبية. . . بنت (آخر زمن). ومن ثم ترى أن كلمة (آخر زمن) في هذه الأمثلة التي ضربناها ليس يراد بها إلا الانحراف عن أحكام العرف والعادة والانشقاق على سلطة الأخلاق والآداب والتحرر من سيطرة القوانين الأدبية التي نعيش عليها، فهي عند الشهواني مطاوعة اللذة إلى أبعد حدودها، والاسترسال مع الشهوة إلى أقصى مطالبها وإطلاق الجزء الحيواني في الإنسان، وهي من ناحية الأناني احتقار كل ما يتعلق بالناس والسخرية من شأنهم، وهدم الأسوار التي تحول بينه وبين طماعيته وشهواته، ولذائذه وحيواناته وهي عند المكذب بصلاحية الحياة المؤمن بسخافتها التمرد على الفضيلة، والسخرية بالآداب، ومتابعة النفس ووساوسها ومختلجاتها، وهي عند الجميع هدم الآداب، وقتل الحاسة الأخلاقية، وتسويد الإباحة في كل معالم الحياة. ولكن عوارض هذا المرض قل ما توجد بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة لأنها لا تتجلى إلا في طائفة قليلة من الناس يرونها في الطريق السوي إلى المستقبل والباعث الأكبر على ترقية الحياة وتهذيبها، والافتتان في إصلاحها والسمو بها، ولكن هذه الطائفة الصغيرة هي التي تنشر ظلها على المجتمع كله، لأنها طائفة الأغنياء الظرفاء، وطائفة المتهوسين، فالأولون يتبعهم من بقية الشعب الأدعياء والمتظاهرون والحمقى والمغفلون، والآخرون يؤثرون في الضعفاء والجهلاء والعجزة والعصبيين والجميع يمشون إلى الانحطاط والفساد.

стр. 1686

أعراض المرض ومظاهره أدخل قصور الأغنياء وذوي البسطة في العيش، والمترفين من سكان الحواضر والمدن، وأخطر في دروبها ومنافذها وحجراتها، ونبئني. ماذا نجد؟ أن أول ما يهجم عليك من مظاهر هذا المرض، أزياء النساء والرجال والأطفال، هذه الأثواب الغريبة الأشكال والألوان، هذه الحواشي والقُوارات والمزركشات والمتعرجات، وهذه الشرائط والأكمام والمخرمات، وهذه الربْطات التي تظهر لك ألوان الطيف الشمسي ومخاليطها وأصباغها، وهذه الأفرع المعقوصة والذوائب المرسلة، والسوق السمينة اللطيفة، والنحور الناصعة الجميلة، وهذه الحواجب المزججة المكتحلة، والخدود الأرزية الطلاء، والوجنات الوردية الدهان، والشفاه المحمرة المصبوغة، ثم دع ثياب النساء وبزاتهن، وانظر إلى الأطفال وهم في غرائب أثوابهم وفساتينهم بين سترة حمراء كسترة الجلاد في القرون الوسطى إلى سترة مذهبة كسترة القائد العظيم، وبعد ذلك تحول إلى بزات الرجال تر العجب العجاب، تشهد ضروباً شتى من الغرائب والمضحكات، بينا ترى السترة المتقاصرة لا تكاد تحجب الإعجاز، إذ تصدمك السترة الطويلة تنزل إلى أسفل من الركبة، ثم لا تنس الشعور الملواة، والمفروقة والمدهونة، والمفرق المقصوص، والطرة المسترسلة، والفود المتأود، والمنديل المطل من الجيب، والعصاة الذهبية، والمنشة البيضاء العاجيَّة. وهذا وأنت إذا دققت البصر رأيت أن كل فرد من هؤلاء يحاول بما يبتكر من الأغراب في التفصيل والتقطيع والخياطة واللون، أن يهتاج التفات الناس واندهاشهم وإن كل فرد منهم - الرجل سواء في ذلك والمرأة - يريد أن يحدث للناس ضرباً من التهيج العصبي الشديد، وغاية الجميع من هذه البزات الغريبة أن يحدثوا تأثيراً ما، مهما كان الثمن، ومهما كانت التضحية. ثم يأتي من بعد ذلك نظام البيت وأثاثه ورياشه، فإن كل شيء في هذه المغاني والقصور بهيج الأعصاب، ويذهل الأبصار، ويزيغ الحواس، فإن هذا التنافر الظاهر في كل نفائس الحجرات وطرائفها، وهذه المعارضة البينة في الألوان والأشكال والترتيب والوضع والتنسيق - كل ذلك يراد به إدهاش الناس وتهييج أعصابهم، وتضليل أبصارهم وحواسهم. ثم تعال نلتمس أصحاب هذه البيوت في مجتمعاتهم وملاهيهم والأمكنة التي يختلفون إليها،

стр. 1687

ويطلبون فيها اللهو والمسرة والمراح، نجدهم في دور الأوبرا والمراقص ومسارح الغناء لا يصفقون إلا للشهوى من الأغنيات، والمهيج من الأناشيد، والعارية من الراقصات، والمومس من المغنيات، ولا يضجون بالمديح والإعجاب إلا للرواية السخيفة الغرض، والقطعة التمثيلية البلهاء القذرة العفنة، ولا تؤثر الموسيقى في أعصاب أحدهم إلا إذا اختلطت نغمات الأوتار كلها وامتزجت أصواتها، فاستحالت زوبعة من النغم صخابة داوية، ولا غرض له من اللهو ولا مأرب إلا أن تهتاج أعصابه، وتتبعه حيوانيته، ويستعيد في منتصف الليل شبابه ونشاطه وقوته. وأعمد بعد ذلك إلى تصفح الكتب التي يطالعها سواد الجمهور بطبقاته ومراتبه ليجد فيها مسرته وتهذيبه فإنك ولا ريب ستحمي أنفك أن تؤذي من هذه الرائحة المستنكرة الدفرة التي تتصاعد منها، إذ لست واجداً غير كتب فاسدة عن النساء والعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة، وعن اللصوصية وغرائبها والشرطة وأسرارها، وحوادث الزنا ووقائعه، والكتاب الذي يريد أن يكون محبوباً من الجمهور، جارياً مع روح العصر، متمشياً مع مودة الجيل، يجب أن يكون قبل كل شيء حيوانياً والجمهور يميل إلى الأقاصيص، على شريطة أن تطبع بطابع العلوم العصرية، كالتنويم المغناطيسي ومناجاة الأرواح، واستحضار الموتى، وأصابع اليد، والحركة في النوم، وقراء الكتب ينتشون اليوم من الشعر الرمزي المظلم المختنق بالاستعارات والرموز والكنايات والمجازات، وإن لم ينطو تحت هذا شيء من الغرض الشريف، أو مسحة من المعنى النبيل فإذا خرج من بين هذه العاصفة الكتابية كتاب فلسفي ممتع، عليه كل ظواهر الصحة والقوة والسلامة، أو رسالة نقية الروح، كبيرة المقصد، أو ديوان شعر حار القصيد، ملتهب الشاعرية، جديد المنحى، فلا يكون نصيبها إلا البقاء فوق رفوف المكاتب، وفي مخازن المطابع، وفي بيوت أصحابها، وعند طائفة معدودة من المهذبين، ومن ثم كان الأصحاء المبدعون من الكتاب والأدباء والشعراء لا يجدون من الإقبال والمكانة والرواج ما يجده السخفاء والزمني والحمقى والأدعياء، وليس ذلك إلا أكبر دليل على أن أعصابنا وأذهاننا لا تقبل إلا السخيف والحيواني والغامض والمظلم والبليد. وصف المرض وأسبابه أما وقد وصفنا لك طائفة من الوجوه التي تلتمس فيها أعراض آخر زمن ومظاهره، فنحن

стр. 1688

منتقلون إلى تشخيص المرض، ثم إلى العوامل التي أحدثته وعملت على نمائه وانتشاره. أنا نعيش الآن ضعاف الأعصاب، مرضى الأذهان، خائري القوى، مفقودي الرَوْح والنشاط، مخدرين بكل أنواع التخدير، مقتولين بكل ضروب الضعف والزمانة والذهول والفتور، والعالم يئن اليوم من مرضين عضالين يريدان أن يستبدا بكل مظاهر الحياة، ويفتكا بالجيل والناشئة وينحدرا إلى السلالة والذرية، وهما يزدادان كل يوم شرة وتفاقماً وخطراً، وهذان المرضان هما الانحطاط والهستيريا بمراتبهما، ولا نريد بالانحطاط إلا الأمراض العقلية المختلفة التي تدخل في حدود الجنون، وقد عرف الأطباء هذا الضرب من الانحطاط بأنه اختلال في الأجهزة المخية وانحراف فيها عن مستوى العقل الصحيح، وليست الهيستريا وغيرها من الأمراض العصبية بأقل في أحداث آخر زمن من الانحطاط الذهني ودرجاته، ولا يذهبن أحد إلى أن الهيستريا لا توجد إلا بين النساء فإنك لتلتقي بها أحياناً بين الذكران، وهذان المرضان الخطيران سائدان بين الجمهور في البلاد المتحضرة ذائعان، يطبعان أعراضهما على كل عمل يعمل، وكل أسلوب من الحياة يعيش، ويمتزجان بأكثر ما يكتب ويقرأ ويقول. وقد أرجع أكبر أطباء الغرب هذا الانحطاط إلى التسمم، فإن جيلاً قد اعتاد سواده أن يلح على المخدرات والمنبهات المختلفة الوسائل والأنواع، كالخمور والتبغ والأفيون والحشيش والمورفين، ويكون عرضة للسموم العضوية كالحمى والزهري والسل الرئوي والحنجري وغيرها، سينزل ولا ريب منها حيل منحط مريض، وإذا ظل هذا الجيل المنحدر يأخذ من هذه المخدرات ما أخذ الجيل الذي كان قبله، فأنت واجده ولا شك هاوياً إلى أحط أنواع الانحطاط الذهني، إلى البلاهة والحماقة والعته والذهول وأشباهها، ولو اطلعت إلى الإحصائيات لعرفت مبلغ التسمم الذي يجري كل عام في أجسام الشعوب المتحضرة، ولا تزال المقادير التي يتناولها العالم من المخدرات والمنبهات كل عام في ازدياد مطرد وارتفاع مستمر، ولاسيما الحشيش والأفيون وإن كانت مصيبة مصر وبعض أمم الشرق منهما أشد من مصيبة الغرب. والعامل الثاني الذي عمل على إنماء مرض الانحطاط، وهو أكبر أسباب مرض العصر - آخر زمن - هو سكنى العواصم والمدن الكبرى، فإن ساكن المدينة الكبيرة - حتى الغني

стр. 1689

العريض الثراء في قصره الفخيم، محوطاً بكل وسائل الترف والنعمة - لا يزال دائماً معرضاً للمؤثرات الخطيرة التي تنقص من حيويته ومقدار قوته ونشاطه، فهو يتنفس هواء مشبعاً بالجراثيم، ويأكل طعاماً فاسداً ملوثاً مغشوشاً ويحس أنه أبداً هدف للاضطرابات العصبية المختلفة، حتى لا تكاد حاله تفترق عن حال ساكن المستنقعات ومغاشي الحمَّى، ومن ثم كانت درجة الوفيات في المدينة الكبيرة تزيد بمقدار الربع عن باقي سكان المملكة وهي ضعف ما هي عليه في الريف والبلاد الخلوية، وكان ينبغي أن تكون أقل منها، لأن درجة الوفيات في المدينة الكبيرة من الشباب والفتيان ومتوسطي الأعمار أقل منها في الأطفال والشيوخ، هذا وأنت تجد أطفال المدن الكبرى يترعرعون وينمون ويخرجون من أكمامهم حتى الربيع الخامس عشر وتظهر إذ ذاك عليهم علائم النشاط والفتوة والمستقبل. الزاهي المجيد. ولكنك لا تلبث أن ترى أن ذلك النماء قد وقف وأن ذلك الذهن المتوقد السريع البديهة والفطنة قد بدأ يفقد توقده وسرعة بديهته، ويعود متراخياً بارداً بليداً وإذا بك ترى الصبي الذي كان بالأمس مثال النشاط في المدرسة قد أصبح أحمق مفلول القريحة غبي الذهن متكاسلاً. ونحن نعلم أن الولع بسكنى المدائن والعواصم قد اشتد في هذه السنين بالناس وأنه قد أصبح ضرباً من المرض، حتى أصبحت المدن اليوم غاصة بالسكان مختنقة بالوافدين عليها من القرى والبلاد، ومن ثم أصبح جزء كبير من سكان المملكة هدفاً لهذا التأثير الخطير الذي يسوقه الولع بالمدن، ولم تكن الحال كذلك منذ خمسين عاماً، ومن هنا جعل عدد الضحايا يزداد في كل سنة زيادة جلية فاحشة مخيفة مدهشة، واطرد معها الزيادة المستمرة في عدد المرضى المصابين بالأمراض العقلية، كالمجرمين والمعتوهين والمجانين وسكان مستشفيات المجاذيب. هذا ولا يزال هناك سبب ثالث أعم من السبب الذي قدمنا، وهو سبب وإن كان غير كاف وحده لإحداث مرض الانحطاط، إلا أنه سبب كاف لأن يبعث على تفشي الأمراض العصبية الخطيرة كالهيستيريا والنيروستانيا وأضرابهما، وهذا السبب الثالث هو التعب الذي يستشعره أهل الجيل الحاضر من قسوة الحياة وتكاثر مطالبها ومشاغلها، والعالم المتحضر يشكو من هذا التعب منذ نصف القرن الأخير، فقد كثرت المخترعات

стр. 1690

والمكتشفات وتغلغلت جميعها في حياة كل فرد منا ونفذت إلى صميم عيشه، وأثرت أكبر الأثر في أعصابه وقواه، فإن البخار والكهرباء في أيامنا هذه قد غيرا حياة الفرد كل التغيير وطمسا معالم العيش الذي كان يعيشه آباؤنا وأجدادنا، والآن دعنا نقارن بين حال العالم منذ أكثر من سبعين سنة ثم حاله منذ عشرين سنة. فقد كان في أوروبا عام ١٨٤٠ ثلاثة آلاف كيلو متر من السكة الحديد فأضحت في سنة ١٨٩١ ٢١٨ ألف كيلو متر وكان عدد المسافرين في هذه السكك الحديدية عام ١٨٤٠ مليونين ونصف المليون فلم تكن سنة ١٨٩١ حتى أضحي ٦١٤ مليوناً، وكان مجموع الخطابات التي دارت بين ممالك الغرب في سنة ١٨٤٠ هو ٩٢ مليوناً من الرسائل، وذلك بخلاف الرسائل الداخلية التي دارت بين سكان المملكة الواحدة، فلم تكد تقبل سنة ١٩٠٩ حتى صارت ٢٧٥٩ مليوناً، وكان في ألمانيا ٣٠٥ من الصحف اليومية سنة ١٨٤٠ فصارت ٦٨٠٠ في سنة ٩١، وكان منها في فرنسا ٧٧٦ فصارت ٥١٨٢، وكان في انجلترا منها سنة ١٨٤٦ ٥٥١ صحيفة فأضحت ٢٢٥٥، وناهيك بعد هذا بإحصائيات المطبوعات والمؤلفات وحركة المطابع والمكاتب، فإذا كان ذلك كذلك منذ أكثر من عشرين عاماً فليتصور القارئ مقدار النمو المدهش الذي حدث في هذه الأرقام إلى يومنا هذا، ولا يفوتنه أن يتبين لنفسه النسبة بين حال الغرب من هذه الوجوه وبين حال مصر، فليست هذه إلا صورة مكبرة لازدياد نسبها عندنا، فقد كادت السكة الحديدية اليوم تشبه في هذه البلاد خيوط الشباك ونسيجها، وأضحت مصلحة البريد أكبر من قبل وأكثر عملاً وفروعاً وحركة ونشاطاً، وكثرت عندنا كذلك المطابع والصحف والكتب والمطبوعات. ومن ثم كان هذا النمو المدهش المسرع وهذا التغير المطرد في وسائل الحياة يتطلبان من الفرد في هذا العصر نشاطاً أشد من قبل، وحركة أكبر، وعملاً أكد، ونصباً أطول، لأن هذه الصحف المتكاثرة تريد كلها أن تقرأ، وهذه المجلات والكتب والمؤلفات ومستخرجات المطبعة والمكتبة تريد أن تطالع، وهذه الرسائل العديدة يجب أن تكتب، ومصالح السكة الحديد والبريد والتلغراف تريد كلها أن تأتي بإيرادها وأرباحها، ثم أن للفرد فوق هذه مشاغل العمل الذي يرتزق منه ومطالب الأكل والنوم وجميع حاجيات العيش، حتى لقد أصبح لساكن القرية الصغيرة في الغرب اليوم من مشاغل السياسة وموضوعات الصحف

стр. 1691

والتجارة ما يزيد على مشاغل حاكم ولاية من الولايات الكبرى منذ مائة عام، فهو يريد أن يفهم مجاري السياسة في مملكته وفي كل دول العالم وأقطاره، ويهتم بآلاف الحوادث التي تجري في أنحاء الأرض وأركانها، يهتم بالقراءة عن ثورة في تشيلي، أو تمرد في إفريقيا، أو مذبحة في الصين أو مجاعة في روسيا، أو مظاهرة في إسبانيا، وقد أصبح الطاهي في الغرب يرسل من الخطابات والرسائل أكثر مما كان يفعل الأستاذ في الجامعة قبل هذا العهد، وأصبح التاجر الصغير يسافر أكثر مما كان يفعل الأمير. وهذه المشاغل الكبيرة، حتى التافه منها، تجهد ولا ريب الجهاز العصبي وتضعف الأنسجة وتنحلها، فإن كل سطر نقرأ أو نكتب، وكل وجه نبصر، وكل حديث نتحدث، وكل منظر نشهد من خلال نوافذ القطار الطائر، تحرك فينا أعصابنا وتؤثر في مراكز مخنا، بل إن أقل هزة من القطار - وإن لم نشعر بها - والضوضاء الدائمة المستمرة، والمناظر المتتابعة التي تأخذ أعيننا في شوارع المدينة الكبيرة، وترقبنا للحوادث الهامة الخطيرة، وتلهفنا الدائم على موعد ظهور الصحف، ومجيء ساعي البريد، وقدوم الأضياف والزائرين تكد في أذهاننا وأعصابنا وتهيجها وتضعفها، ولقد أصبح الرجل المتحضر اليوم يؤدي من العمل أكثر مما كان يطلب إليه أن يعمل منذ قرن بمقدار يتراوح بين خمسة أضعاف وخمسة وعشرين ضعفاً. وأنت ترى أننا على فرط ما نتعب وننصب ونجهد أعصابنا وأذهاننا لا نتناول من الطعام ما يزيد في كميته وجودته عن مقدار طعامنا منذ خمسين سنة إلا الشيء اليسير ولكن هذا المقدار لا يكاد يوازي المتاعب التي تتطلب منا اليوم، ولو أنا عنينا بالطعام واحتفلنا له وأخذنا منه أجوده نوعاً وأكثره مقداراً، لما أغنى عنا ولا أفادنا لأننا لا نستطيع له هضماً، فإن معدناً لا نستطيع أن تمشي مع متاعب أذهاننا وأعصابنا، ومن ثم كنا نسوق بأنفسنا إلى عسر الهضم وأخطاره. وكان من هذا التعب الذهني والإجهاد العصبي أننا اكتشفنا في السنين الأخيرة عدة من الأمراض العصبية وسميناها بأسماء محدثة، ولا يذهبن أحد إلى أن هذه الأمراض الجديدة كانت موجودة في العالم قبل أن يهتدي إليها وأننا إنما كنا عُمي البصائر عنها، فإننا إذا كنا لم نعثر بها فإنما لأنها لم تكن قد وجدت من قبل، ولأنها من نتائج العصر وويلات الجيل

стр. 1692

وأمراض المدنية الحاضرة، وكثير من هذه الأمراض يحمل اسم العوامل التي أحدثتها، وهنا نعود فنقول أن ازدياد المقادير التي تناولها الجيل الحاضر من الشراب والمخدرات لا منشأ له في الحقيقة إلا أن الجيل متعب منهوك القوى خائر الأعصاب، ولذلك راح كثير من أهله يتلمس في الكأس طيف الراحة والخمود والهروب من المتاعب والآلام، ويطلب روح النشاط والانتعاش والمراح، حتى إذا وجدوا أن الشراب لا يزيدهم، إلا تعباً وخوراً واهتياجاً للأعصاب، عمدوا إلى متابعة الشراب والإلحاح على الكأس، وهذا هو السبب الذي يجعل من أهل الشراب مدمنين وسكيرين ومخمورين. وقد دلت الملاحظات على أن هذا التعب اللاحق بالإنسانية في هذا العصر يعمل على تعجيل المشيب وبكور الشيخوخة فقد كان الشيب لا يأتي قبل الآن إلا إذا ألمَّ الإنسان على الخمسين ولكنك لو درت بعينيك في حلقات أصحابك لرأيت أن من بينهم كثيرين قد وخط الشيب مفارقهم وأفوادهم وهم في الثلاثين ومنهم من شاب وهو قبل هذه السن، وقد قرر كبار أطباء العيون أن الناس كانوا قبل اليوم يبدأون بوضع المناظر في الخمسين فأصبحوا يضعونها اليوم في الخامسة والأربعين، وذكر أطباء الأسنان أن أسنان الناس تسقط في هذا العصر أو تختل قبل السن التي كانت تختل فيه في الجيل الماضي. والخلاصة أن الإنسانية منتهكة القوى، ضعيفة الأعصاب، مريضة الأذهان وأن هذا المرض المخيف يبعثنا على التمرد على الآداب، والهزوء بما يسمونه أحكام العرف والأخلاق، وأن كلمة أخر زمن هي الطابع الذي نطبعه على كل قطعة من مدينتنا الحاضرة.

стр. 1693

التصوير في الإسلام لعل تاريخ فن التصوير في الإسلام موضوع من أحدث الموضوعات وأروحها للقراء إلا أنه وعر شاق يبهظ من يتصدى للكتابة فيه لقلة مصادره وضياع أخباره وتجنب بعض قدماء المؤرخين والكتاب البحث فيه لعد بعضهم إياه مكروهاً أو على الأقل غير مستحب للاختلاف في تحليله وتحريمه، ومن هنا وهم كثير الباحثين في المدنية الإسلامية حتى العصر السابق فصاروا يعجبون من أن الحضارة بلغت عند المسلمين شأواً بعيداً على حين أنهم لم يهتموا بالتصوير ولم يكن لهم هوى فيه كما لأهل أوروبا الآن فيحكم أولئك الباحثون ضرورة أنهم لم يستقصوا ضروب المدنية الإسلامية بأن هذا الفن (أي التصوير) كان من الفنون المهملة في الإسلام للسبب المتقدم، مع أن الإسلام لم يحرم التصوير المعروف الآن كالتصوير بالزيت والأصباغ والصور المنقوشة على الورق وتصوير الكتب وكل الصور التي ليس لها ظل، وإنما حظر الإسلام صنع التماثيل ورسم الأشخاص مجسَّمة على الأحجار وغيرها خشية أن يرجع العرب إلى الوثنية وعبادة الأصنام التي قضى عليها الإسلام، فهذا الخطر كان لحكمة سامية في ذلك الوقت، أما التصوير والرسم الذي يمثل الأجسام إلى حد ما هو مباح فلا حظر فيه ولا وزر على فاعله وسنبين ذلك بعد. فترى مما تقدم صعوبة هذا البحث ووعورته، بيد أن العلماء في هذا العصر غيروا نظرهم ورجعوا عن ما كان شائعاً في العصر الماضي من القول بأن المسلمين لم يحفلوا بفن التصوير بتة وتبين لهم المخطوطات وتفقد الآثار أنهم عنوا به بعض الشيء. إلا أننا إذا تعمقنا في البحث ودققنا النظر فيما كتب العرب ووقفنا على كل أقوال فطاحل مؤرخيهم المبعثرة في بطون مؤلفاتهم تبين لنا أكثر من ذلك وعلمنا أنهم عنوا به العناية كلها وسنثبت في هذا المقال إجادتهم لهذا الفن وبلوغه عندهم مبلغاً عظيماً من الإتقان وكثرة المصورين منهم وتنافسهم في صنع أنفس الصور واحتفال أمراء الإسلام وعظمائه بها كما هي الحال في أوروبا وأمريكا الآن إلى مثل ذلك من الأبحاث، وسنمهد بلمحة في تاريخ فن التصوير في الإسلام والاستشهاد بما يثبت استعماله في العصور الأولى أي قبل أن نضج عندهم هذا الفن فنقول: التصوير من الفنون الجميلة التي كانت تعرف عند العرب (بالآداب الرفيعة) وهي ثلاثة: التصوير والشعر والموسيقى، فالتصوير كان معروفاً عند العرب ولم يكونوا يتأثمون في

стр. 1694

صدر الإسلام اقتناء الصور والدليل على ذلك أنه كان يرد على الصحابة أقمشة من بلاد الروم وفارس رسمت عليها صور أشخاص وغيرهم فاستعملوها في لباسهم وفرشهم وأثاثهم، بل قد استعمل في صدر الإسلام الأثاث والرياش المزركش وعليه الصور والرسوم ومن جملة ذلك أبسطة عليها صور ملوك وحوادث تاريخية إسلامية، ذكر المسعودي في كتابه مروج الذهب أنه كان في دار الخلافة ببغداد في أيام المنتصر العباسي المتوفى سنة ٢٤٨ بساط عليه صور ملوك شتى في جملتهم يزيد بن الوليد وشيرويه بن أبرويز، وقد كتب تحت صورة الأول: صورة يزيد بن الوليد بن عبد الملك، قتل ابن عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ملك ستة أشهر وتحت صورة الثاني: صورة شيرويه القاتل لأبيه أبرويز الملك ملك ستة أشهر. التصوير على الأبنية بالألوان وكان في القصر العظيم الذي بناه أحمد بن طولون في القطائع وزاد فيه ابنه خمارويه مجلس اسمه (بيت الذهب) طلى خمارويه حيطانه كلها بالذهب المجاول باللازورد المعمول من أحسن نقش وأظرف تفصيل وجعل فيه على مقدار قامة ونصف. صوراً في حيطانه بارزة من خشب معمول على صورته وصور حظاياهُ والمغنيات اللاتي تغنينه بأحسن تصوير وأبهج تزويق وجعل على رؤوسهن الأكاليل من الذهب الخالص الإبريز الرزين والكوادن المرصعة بأصناف الجواهر في وآذانها الأجراس الثقال الوزن المحكمة الصنع وهي مسمرة الحيطان ولونت أجسامها أشباه الثياب من الأصباغ العجيبة. هذا ومما يثبت اشتغال العرب بالتصوير إبان التمدين الإسلامي ما روته مجلة لغة العرب عن تنقيب الدكتور هرسفيلد في سامرّا (سر من رأى) وما عثر عليه من الصور البارزة والملونة في آثارها فقد ذكر هذا الدكتور أنه وجد على جدران الجامع الأعظم الذي بناه المتوكل على الله نقوشاً مطبوعة وتصاوير ملونة وفسيفساء وأنه وجد في جملة تنقيبه غرفاً وحجراً وردهات قد زينت جدرانها وغشيت حيطانها بتصاوير شرقية منقوشة نقشاً بارزاً أو غائراً في الجص وهي في غاية البهاء والجمال، وكلها محفوظة أحسن الحفظ كأن البناة قد غادروها قبل أن يدخلها أهل البحث، هذا ولا ترى النقش على الجص. فقط بل أنك تشاهد تصاوير ملونة في مواضع الجص الفارغة من النقوش، وهناك أيضاً تصاوير

стр. 1695

مختلفة الألوان وصور أناس كلها ملونة على أبدع مثال وهو أمر في غاية الندرة في تاريخ الصناعة الإسلامية إن فنية أو بنائية وقد عدوا هذا الاكتشاف خطوة واسعة في معرفة تاريخ فن التصوير عند العرب، والراجح أن هذه الرسوم من صنع القرن الثالث للهجرة عند بناء سامرا لأن هذه المدينة أهملت في زمن المعتضد بالله سنة ٢٨٩ وخربت من ذلك الحين وغشيها التراب حتى أخذ أهل هذا العصر في التنقيب عن أطلالها. المصورون وارتقاء فن التصوير في العراق ومصر فمنذ أواخر القرن الثالث للهجرة نضج فن التصوير عند العرب ولاسيما التصوير على الأبنية بالألوان فقد أجادوه وانتقلوا به من طور التقليد إلى طور الابتكار والإبداع سواء أكان في المشرق أم في الأندلس، ففي المشرق امتاز العراق ومصر بمشهوري المصورين وإجادة فن التصوير في عهد حضارة الدولتين العباسية ببغداد والفاطمية بالقاهرة أما العراق فاشتهر بنبوغ كثير من المصورين والمزوقين الذين صنعوا أنفس الصور وأفخر الصنائع ومن أشهرهم (ابن عزيز) المصور الكبير وقد كان في العراق مثل القصير في مصر وسنقص حكايتهما بعد. (أما البصريون) فكانت صنعتهم مشهورة في ذلك العهد لا يضارعها شيء من صنائع سواهم وقد اشتغل منهم كثير في مصر التي كانت وقتئذ كعبة الطلاب والقصاد يتبارى فيها رجال هذا الفن الجميل فيجدون من يعضدهم ويعجب بأعمالهم من المغرمين بفن التصوير من كبار رجال الإسلام، وقد اشتهر فيها (بنو العلم) شيوخ هذا الفن وشيوخ أشهر مصوري عصرهما أعني (الكتامي) و (النازوك) ثم (القصير) وقد كان في التصوير كما ذكروا عنه مثل ابن مقلة في الخلط أما ابن عزيز فكان كإبن البواب، هؤلاء بعض مشهوري المصورين في الإسلام وكلهم كانوا في مصر أو جاءوا إليها. وقد وضع لهؤلاء المشهورين وغيرهم من المصورين كتب طبقات مثل طبقات الفقهاء والشعراء والأدباء والأطباء وغيرهم وذلك مثل كتاب طبقات المصورين المسمى ضوء النبراس وأنس الجلاس في أخبار المزوقين من الناس فهذا يدل ولا شك على كثرة المصورين في الإسلام والاهتمام بهمه حتى وضعوا فيهم كتب طبقات، نعم ومما يدل على شغف الناس ولاسيما الخاصة بالتصوير ما سنورده من وصف بعض صنائع هؤلاء المصورين أمثلة لنبوغهم وصورة مصغرة لعصرهم ذلك العصر الذهبي للتصوير، ليقف القارئ بنفسه على

стр. 1696

مبلغ رقي هذه الصناعة عندهم، وقد وقفت على هذه الأوصاف الهامة عرضاً في المقريزي فقد ذكر مناظرة القصير وابن عزيز ومنافستهما في التصوير أيام وزارة البازوري سيد الوزراء الحسن بن علي بن عبد الرحمن وزير المستنصر الفاطمي فقد كان كثيراً ما يحرض بينهما ويغريهما بعضاً ببعض لأنه كان أحب شيء إليه كتاب مصور أو النظر إلى صورة أو تزويق، ولما استدعى ابن عزيز من العراق فأفسده - وكان قد أتى لمحاربة القصير كان يشتط في أجرته ويلحقه عجب في صنعته وهو حقيق بذلك، وكان الباروزي قد أحضر مجلسه القصير وابن عزيز فقال ابن عزيز أنا أصور صورة إذا رآها الناظر ظن أنها خارجة من الحائط فقال القصير لكن أنا أصورها فإذا نظرها الناظر ظن أنها داخلة في الحائط فقالوا هذا أعجب ثم أمرهما الوزير البازروي أن يصنعا ما وعدا به فصورا صورة راقصتين في صورة حنيتين مدهونتين متقابلتين هذه ترى كأنها داخلة في الحائط وتلك كأنها خارجة من الحائط، فصور القصير راقصة بثياب بيض في صورة حنية دهنها أسود كأنها داخلة في صورة الحنية، وصور ابن عزيز راقصة بثياب حمر في صورة حنية صفراء كأنها بارزة من الحنية، فاستحسن البازوري ذلك وخلع عليهما ووهبهما كثيراً من الذهب. أما صنعة (البصريين وبني المعلم) في التصوير والتزويق فقد وصفهما المقريزي عند كلامه على أبواب جامع القرافة قال: وعدتها أربعة عشر باباً. . . . أمام كل باب قنطرة قوس على عمودي رخام ثلاثة صفوف وهو مكندج مزوق باللازورد والزنجفر والزنجار وأنواع الأصباغ وفيه مواضع مدهونة والسقوف مزوقة ملونة كلها والحنايا والعقود التي على العمد مزوقة بأنواع الأصباغ من صنعة البصريين وبني المعلم المزوقين. . . وكان قبالة الباب السابع من هذه الأبواب قنطرة قوس مزوقة في منحني حافتيها شاذروان مدرج وآلات سود وبيض وحمر وخضر وزرق وصفر إذا تطلع إليها من وقف في سهم قوسها رافعاً رأسه إليها ظن أن المدرج المزوق كأنه خشب كالمقرنص وإذا أتى إلى أحد قطري القوس نصف الدائرة ووقف عند أول القوس منها ورفع رأسه رأى ذلك الذي توهمه مسطحاً لا نتوء فيه، وهذه من أفخر الصنائع عند المزوقين، وكانت هذه القنطرة من صنعة بني المعلم وكان الصناع يأتون إليها ليعملوا مثلها فما يقدرون.

стр. 1697

أما (الكتامى) فأنفس ما صنعه صورة يوسف ﵇ في الجب وهو عريان والجب كله أسود إذا نظره الإنسان ظن أن جسمه باب من دهن لون الجب وكانت هذه الصورة بدار النعمان بالقرافة. ومما يدل كذلك على تفننهم في التصوير إبان حضارتهم واهتمام الخلفاء أنفسهم به في هذا العهد ما جاء في المقريزي عن الآمر بأحكام الله الخليفة الفاطمي أنه لما بنى المنظرة على بركة الحبش جعل فيها دكة من خشب مدهونة فيها طاقات تشرف على خضرة البركة صور فيها كل شاعر وبلده واستدعى من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح كتبها عند رأس ذلك الشاعر. وبجانب صورة كل شاعر رف لطيف مذهب. فلما دخل الآمر وقرأ الأشعار أمر أن يحط على كل رف صرة مختومة فيها خمسون ديناراً وأن يدخل كل شاعر ويأخذ صرته، ويشبه ذلك الرفرف الذي بناه الأشرف خليل بن قلاوون وكان عالياً يشرف على الجيزة كلها وصور فيه أمراء الدولة وخواصها وعقد عليه قبة على عمد وزخرفها وكان السلطان يجلس فيها. وكان الحكام يستعملون التصوير بمثابة المنشورات الآن لتحذير الناس من عمل أو لحضهم عليه فمن ذلك ما رواه المقريزي عن نساء القاهرة من استعمالهن طرزاً جديداً من الثياب (مودة) كن يسمينهه البهطلة وكان فاضحاً جداً فأسرفن في عمله حتى كان يبقى من القميص كثير على الأرض وسعة الكم ثلاثة أذرع فيكلفهن مبالغ فاحشة، فأمر الوزير منجك بقطع أكمام النساء وقبض على جماعة منهن وركب على سور القاهرة صور نساء لابسات (مودة البهلطة) بهيئة نساء قد قتلن عقوبة. أما الأندلس فكان التصوير فيها زاهياً شأنه في المشرق. وأقدم ما وقفوا عليه من الصور الآدمية على الأبنية صورة مجلس قضاء وجدوه مصرواً على جدران قصر الحمراء في غرناطة ويظن أنه من صنع القرن الثامن للهجرة. أما تصوير الكتب ورسم المسائل العلمية كالنبات والبيطرة والحيوان والهندسة وغيرها فقد استعمله المسلمون حسب الحاجة إليه. نرى مثلاً من إجادتهم في هذا الشأن من صور ورسوم كتب أبقتها لنا الأيام. وهذه الصور تختلف باختلاف موضوعات الكتب فمن ذلك الصور التاريخية والأدبية. وأقدمها كتاب كليلة ودمنة الذي عرب في القرون الأولى وشاع

стр. 1698

بين الطبقات كافة مزيناً بصور الأشخاص. ثم مقامات الحريري ومنها ثلاث نسخ مصورة: الأولى في مكتبة باريس وهي مصورة بأبدع الصور وكتبت في القرن السادس للهجرة: الثانية في المتحف البريطاني وفيها ٨١ صورة ملونة وكتبت سنة ٦٥٤ هـ. أما الثالثة فمسوداتها في مكتبة المستشرق شيغر. ويضاهي هذه المقامات في القدم مخطوطة عربي في مكتبة شلومبرجر من القرن السابع للهجرة (١٣ للميلاد) فيه عدة صور تاريخية بينها صورة جنود عربية خارجة إلى الحرب بجمالها وأفراسها وأبواقها. ويلي ذلك صور كثيرة في كتب المخطوطات بعد هذا التاريخ بينها صورة حصار بني النضير مرسومة في القرن الثامن للهجرة في كتاب مخطوط في المتحف البريطاني وهناك غير الصور التاريخية والأدبية الصور الطبية - كما فعل رشيد الدين الصوري المتوفى سنة ٦٣٩ بتصوير الحشائش في كتابه الأدوية المفردة. وأقدم الصور التشريحية صورة تشريح العين لحنين بن إسحق مرسومة في كتابه المسمى تركيب العين وعللها وعلاجها على رأي أبقراط وجالينوس وفي في الخزانة التيمورية وفيه بضع صور ملونة تمثل أشكال العين. الصور الجغرافية - أي الخرائط ورسوم تخطيط الأقاليم والبلدان وهي كثيرة في مؤلفات العرب فقد استعملوها في أقدم مؤلفاتهم الجغرافية كما في كتاب الأقاليم للاصطخري. ويدخل في هذا النوع من الصور تصوير الحركات الحربية وغيرها. الصور الميكانيكية - وهي كثيرة في كتب الميكانيكا التي كانت تعرف عندهم بكتب الحيل وفيها صور الآلات الرافعة أو المحركة بين ملونة وغير ملونة كما في كتاب الحيل الروحانية وميخانيقا الماء الذي نشره المستشرق كارداي فو عن نسخة مخطوطة في مكتبة باريس فيها كثير من الرسوم تمثل آلات مدهشة كالتنين الصناعي والطيور الصافرة، إلى غير ذلك من الصور العديدة في أصناف الكتب العربية مما يضيق المقام عن سردها إذ ليس قصدنا في هذا المقال أن نفصل الكلام على تصوير الكتب عند العرب وسرد أسماء مؤلفاتهم المصورة فإن لها مجالاً آخر وفي دور الكتب في مدائن العالم الكبرى أمثلة كثيرة من هذه الصور ملونة تلويناً بديعاً تشهد بإجادة العرب لهذا الضرب من التصوير وبكثرة

стр. 1699

استعمالهم له حتى استعملوه في تمثيل بعض الرسوم الخيالية أو الدينية كصورة المعراج وصورة الصراط وغيره من الصور التي أتى بها الشعراني في كتابه الميزان. (وبعد) فإنك متحقق مما أجملناه هنا رقي فن التصوير عند المسلمين وتفوقهم فيه على أنواعه على خلاف ما كان يظن قبلاً ونزيد على ذلك الآن أنهم قد أثروا في أهل هذا الفن في هذه العصر وما قبله ونعني بهم الطليان فإنه نظراً لاحتكاك أهل إيطاليا بالعرب وقد كانت لهم مدنية عظيمة في إيطاليا وصقلية اقتبسوا عنهم كثيراً من المجهودات والمبتكرات العربية في التصوير والرسم والحفر وقد كان الطليان في ذلك العهد متخلفين في المدنية. وما زالت الآثار التي أقاموها هناك مثاراً لإعجاب علماء الآثار والفنون وقد قال بعض علماء أوروبا أن الفن العربي على أنواعه الذي دخل إلى بلاد ايطاليا وغيرها من أوروبا إنما كان من جملة العوامل المؤثرة في ترقية فنونهم الجميلة. هذا وسنعود إلى طرق هذا الموضوع ثانياً فنتمم الكلام في الأعداد القادمة من البيان على تاريخ فن التصوير في الإسلام عند المغول والفرس والأتراك وسائر الأمم الإسلامية إن شاء الله. عبد الفتاح عبادة البيان زارنا منذ شهرين صديقنا عبد الفتاح أفندي عبادة صاحب هذه الكلمة وكان فيما جرى بيننا من الأحاديث أن له كلمة متسلسلة على التصوير في الإسلام وأنه يود لو نشرت في البيان فلم نر بأساً من ذلك. إذ أن مثل هذه المباحث مما يُعنى به البيان وإذ أن البيان يرحب بكل كاتب. ولكنا أخذنا ميثاقه أن لا ينشر كلمته هذه في غير البيان لأن خطة البيان أن لا ينشر إلا الجديد فلا ينشر شيئاً قد نشر في كتاب أو في صحيفة أو في مجلة أو ألقي في نِدى ثم تسلمنا منه هذه الحلقة الأولى من كلمته وقدمناها فيما قدمنا من الموضوعات إلى المطبعة: بيد أنا لم نطبع منها نصفها حتى علمنا أنها نشرت في أحد المجلات العربية فأدهشنا هذا الأمر ونال منا كل النيل فسألنا عبادة أفندي في ذلك فاعتذر إلينا أنه إنما أقدم على ذلك حين رأى البيان قد تأخر ظهوره، أما وقد ظهر البيان فإنه لا محالة مختصه بما بقي من هذه الكلمة. ومن هنا نعتذر إلى قرائنا الأفاضل عن نشر هذه الكلمة في البيان مع أنا سُبقنا إليها وإن

стр. 1700

كنا نظن أن قراء البيان كلهم أو جلهم غير قراء المجلة التي نشرت فيها هذه الكلمة.

стр. 1701

جوسلان أو صفحة من الحياة العصر الثاني في الدير . . . مضت ستة أعوام وجوسلان لم يكتب في خلالها حرفاً واحداً. . . قضى هذا الدهر وراء حائط الدير متوفراً على العبادة والتفكير والدرس. . . . إذا امتد ظل الليل، وانتشرت في أركان الدير ظلمته، وفرغنا نحن سكان المعبد من طعام العشاء، وانتثرنا ملتمسين المقاعد في رحاب الدير وأفنائه، كل يطلب من الجمع صاحبه، وكل يبحث فيه عن رفيقه، يتهامسون في هدأة الليل ويتناجون، حيث يفيض القلب، ويتفتح الضمير، ويتدفق الحب، إذ ذاك أروح أنا الغريب الذي لم يجد بعد من أهل المعبد صديقاً، المنقطع الذي لم يجن له منهم وليّاً ولا خليلاً، لأن القلب المترع المفعم لا يميل إلى بعض الحب ولا يرتضي منه نصفه أو قليلاً، أنطلق منتبذاً مجالس القوم أطلب قرب الصديق العظيم ونجوي الوليّ السامي الأشم، باب معبده الخفي، ألقي عند قدميه حبي في وحشه الليل وهجعته. أي أو سْيَان. . أوسيان لطالما زرت لأجلك سحائب أنيستور وأجبالها أحمل في قلبي شعرك، وفي يدي قيثارتك ممعنا في صميم الشتاء، أضرب في قلب الغابة الكثيفة العذراء لشدَّ ما استمعت لأنين الشمأل، وحشرجة الريح الباردة وهي تحف بفروع الشجرة الفنيانة المورقة، ولطالما مست طرة شعري جبيني المتبلل المتدفق، ولكم رأيت الريح العاصفة هاربة متولية، كأنما من خوف ورعب، إلى حدود الوهاد البعيدة المترامية، تجري من السماء مذعورة عاجلة هوجاء، تضرب وجه الصخرة الغضبى المزبدة، حاملة إلى أذنيّ صيحاتها وعولاتها وزبدها وعزيفها، فإذا انتفضت جذوع السرحات وأفنانها، كما تنتفض في ملعب الريح القصبة الجوفاء، وثارت الزوبعة المثلجة فنالت من أعاليها الشم الموحشة، وخفضت من رأسها المشرف المتطاول، وأنا أمشي مشتملاً في بُردَة العاصفة، مؤتزراً إزاره العاتية، وإني لأنظر فإذا شعاعة متوثبة تبدد غيم النوء المتكاثف، تمشي في أثرها

стр. 1702

الشمس مشرقة من مكمنها، تنظر إليّ وتطالعني في إشراق وانتعاش وبهجة، تفتح لي طريقي بين المنحدر والهاوية. . . إن قلبي ليخفق إذ ذاك في ناحيته، وإن دموعي لتطفر من مختزنها، وإني لأسير متفتح الأذن، منتشر الذراع، مسرعاً كالمجنون موسع الخطى، أسير كأني أبصر ظل الله في ظل العاصفة، وكأني أسمع العظيم في زفيف الريح ورجع أصدائها، وما أشدني إذ ذاك بهجة وما أحرني حباً للطبيعة ووجداً، وما أبعدني إمعاناً في قلبها وصميمها. تلك كانت لحظات نعمة أين لي بوصفها، تلك كانت برهات غبطة أدمع الله كأسها، أشعة مراح، وظل نعيم، يخلطان بين الحياة وبين الأبد. . . أن روحنا لتذكرها فتمر بنا الذكرى كخطرة مسرعة في حلم مسرع مبعد. . . يا الله. . . لقد ذقتها فما شككت في أن نبعة من نبعات الأبدية ما أن تزال تتدفق في هذه الأرض وتسح وتفيض. والآن. . وقد قامت بيني وبين العالم تلك الجدران الشاهقة، التي شادها الإيمان ورفعتها القرون والأجيال، والآن وأنا أطوف في رفق وصمت بأجنحة الدير البعيدة. . . هذه الجدران المعتزلة الجامدة الصليبة، بيت الله ومسكنه ومقامه، حيث يعيش السكون والرهبة والجلال والأبد، وضياء المساء ينتشر فوق زجاج النوافذ آخر أشعته، وفي المحراب نار مشبوهة تسطع كالعين المشرقة في ظلمة الليل، وصوت الناقوس يتبدد في نعومته ويتشتت، وأنا أعتمد جبيني بعامود من أعمدة الدير فأسمع من جوفه صدى متردداً فيه متمشياً يهتز كما يهتز مفتاح العود الطروب الشجي، وإني لأرسل بصري في فضاء هذه الدار فأحس في فراغها كأن أذنا تصيخ إليّ وتستمع، وكأن صديقاً خفياً يشارفني في صحن الدير وباحته، يستهويني إليه ويجتذبني، وإنه ليكلمني في لغة غريبة، لا يقع معناها إلا للروح، ولا يدركها إلا القلب، وأنه ليخاطبني في أعماق صمت مرسل منشور وأنه ليحتويني في صدره ويواريني، وركبتاي عاطفتان على أرض الدير راكعتان وأنا أنشر على عيني طرف قبائي كالمبهوت المذعور، أسكن إلى ظل الرحمن العظيم، أنصت له واستمع، حديثاً روحانياً لا تستطيع كنهها لغات هذه الأرض، ولا تعيها بابل ألسنتها. وكذلك يسلخ الليل ساعة فساعة. . والآن وقد أقفلت أبواب هذا البيت المقدس ومنافسه، وأنا أبتعد عن موقفي في رفق وتؤدة، أمسح بيدي الباردة القطرة المتحيرة فوق جبيني من دموع

стр. 1703

السماء. . . الآن قامت الثورة. . . وقد بلغت أخبارها الدير فضج لها أهله، وتولى الجميع الرعب والخوف، وراع قلب جوسلان مقتل الملك ومذابح سنة ١٧٩٣، ثم انتهى إليه أن بيته الذي درج فيه وليداً قد أحرق واندكت جدرانه، وإن والدته وأخته قد ركنتا إلى الهرب، ثم سمع بعد ذلك بأيام أنهما قد هجرتا أرض فرنسا، ولكن لم يلبث الدير كذلك أن انقض عليه الغوغاء فذبحوا من سكانه من ذبحوا، واعتصم الآخرون برؤوس الجبال ومعاصم الكهوف، وقدر لجوسلان النجاة من شر الثوريين وجنتهم، فلاذ بقمة مهجورة متناهية في وهاد الألب، عند كهف هناك يسمى كهف النسور دل عليه كان شيخاً متهدماً، وكان مكمناً لا يقتحم ولا يدانى، ينفذ إليه فوق هاوية متحدرة غائرة الأعماق، تشقها قنطرة من الصخر المعشوشب، وفي ذلك المكان الموحش الجليل قدر لجوسلان أن يقضي بقية عيشه، منقطعاً عن العالم مقصياً. . . العصر الثالث جوسلان ولورانس في الجبل . . . لئن كان مشهد المكان رائعاً جليلاً يأخذ على اللب نواحيه، ولئن كان قلب جوسلان مفعماً بسكون المؤمن وتقواه، إلا أن وحشة المعتصم لم تلبث أن نزعت من فؤاده مراحه وبهجته، وأنه لفي ذات يوم خارج الكهف، إذ لمح عن كثب منه سجينين، رجلاً وفتى، يعدوان وفي أثرهما جنديان، متدانين جميعاً إلى الهاوية يطلبون طريقاً ومخلصاً، فصرخ جوسلان، وقد ثار في روحه إحساس طبيعي غريب، صرخة عالية، وأشار يدل السيجينين المطارَدين على القنطرة الصخرية، فعمدا إليها فاقتحماها مخاطرين مجازفين، والجنديان في آثارهما يعدوان، وإذا ذاك ضج في الفضاء من الناحيتين دوي الرصاص، فنهادي الجنديان مرتطمين في الهاوية، وأما أكبر الطريدين فأصيب بجرح بالغ شديد فلم يكد يحمل إلى الكهف حتى جاد بأنفاسه بين ذراعي جوسلان، بعد أن أوصاه الخير بفتاه. وكان الغلام يدعى لورنس، في الربيع السادس عشر، وكان وحيداً في العالم، لا نصير له بعد أبيه ولا كفيل، فلم يلبث جوسلان أن فتح لرفيقه الصغير قلبه، وأحله منه محل العطف والحب والحنان، وكذلك اقتسما وحشة العزلة في الجبل، فأضحت عند جوسلان حلوة

стр. 1704

المبتسم طيبة الجناب. . . . . في الكهف ٢٥ سبتمبر سنة ١٧٩٣ وكنت إذا عدت أدراجي عند المغيب منحدراً من مقانصي المتجافية النائية، كليل القدمين، مجروح الأصابع من أثر الثلوج، محتقباً الظبي الأرن، أو الشاة الجبلية، وأنا مشرف من الرابية في أبعد حدود البصر على البحيرة الزرقاء المتصاغرة، كالقطرة المرتجفة المتحيرة في راحة الطفل الغرير، والعشب الأخضر المزهر يحف بساحلها الصلد، والسنديانات من حولها مائلة الأعناق ذابلتها، وألمح سطع الموقدة المشبوبة متوهجاً من ناحية الكهف البعيد، وإذ ذاك يطير لبي في عالم التفكير ومسارح الخاطر، أسير أقول لنفسي. . . . . هناك عند هذه الناحية المستنيرة التي لا تبلغها عين الفهد، هناك تقيم القطعة الطاهرة مني، هناك الجزء الآخر من روحي ومهجتي. . .، هناك العين المشرقة تتشوف مقدمي، والأذن المنصتة تتسمع مقتبلي، والذاكرة النقية التي تحبني، هناك الصديق الذي يخفق فؤاده لموقع قدمي، والمخلوق الذي أرسلتني السماء لحمايته ورعيه، وهناك الإنسان الذي أرى فيه كل شيء في الحياة، ويراني عنده كل شيء في الأرض، كل منا عند صاحبه الوطن والصحابة والأحباب والأب والأم والأخ والأخت، هو الذي يعد خطواتي بخفقات فؤاده، ويطالعني وأنا أنحدر إليه فكأنما اليوم المستطيل الذي قضى بعيداً عني كان برهة من الزمن، وطرفة من العين، وأنه ليقبل علي إذ ذاك متشبثاً بنحري متوثباً، باسطاً ذراعيه إلى محاضنتي، عادياً كالرشأ من مرح، طافراً من بهجة، يجري أمامي إلى الكوخ وأنا في أثره. . . . فإذا فرغت من تفكيري، أسرعت الخطى في طريقي الثلجي الأشهب، وأنا أتبع ببصري الممر الذي يفضي إليه، نافذاً من بين ربي الثلج أجباله، منزلجاً مع المنحدر هاوياً، وإذ ذاك أجد لورنس عند سفح الجبل مرتقباً رؤيتي مستطلعاً، وأنه ليأخذ ذراعي الضعيف في ذراعه، وأروح أقص عليه حديث يومي وخبره، ويتلو عليّ هو وقائع نهاره ونبأه، ونعود أدراجنا يحدثني كيف أن يماماتا نقفت البيض تحت أجنحتها وكم أعطت العنزة من لبانها، وكم من السمكات اصطادت حبائلها، ثم يأخذني فيريني ما جمع من أوراق الطحلبات وأغصانها، وما ركم من غثاء الأشجار ولحائها، يفرش به أرض الكهف قبل وفدة الشتاء وقرسة الزمهرير، وما اقتطف من أبّ الغابة وفاكهتها وما شاك أصابعه الدامية من إبرها

стр. 1705

وأشواكها، وما مَد ولوى من دوالي الكروم، وعواسج اللبلاب، فوق جوانب المغارة وجدرانها، وما أمسك من العصافير بمخادعتها بالحبوب ومداعبتها، والظباء الجائعة يلقطها الحب بيده ويؤكلها، لأن كل شركائنا في عزلتنا، ظباء الجبل وأيلها، وعصافير الغابة وأطيارها، أما من حب له، وأما من رضي واعتياد، تتسابق عند رؤيته، وتجتمع لمطلعه، وتطير على صوته ومشيئته. . وكنا نأكل ما أصبناه في نهارنا، تحلو لنا الألبان وتوافه الطعام وتطيب، ونلتهم بعدها غرائب الفاكهة، ونوادر الثمر، وحينا نشرب ماءها، ونؤثر عليها عصيرها، وتختزن للفصل المحتضر ما تجفف الشمس ويحفظ الزمن، وينوه أحدنا بفكرة أخيه ويصفق لمبتكره، ويطفر لأملوحته، ونقتل السماء المتطاول في النادرة أثر النادرة والطريفة تتلوها الطريفة، والضحكة الحلوة في أعقاب الضحكة، وحينا نشهد القمر في صميم الليل بازغاً مستهلاً، ساطعاً على صفحة البحيرة منبسطاً، فنسجد فوق الصخر إلا هم خاشعين ضارعين، نستقبل مطلع ذلك النور، ومتألق ذلك الضياء وقد أمال لورانس جبينه المؤمن الطاهر فوق الضريح متفجرة عينه بالعبرة المهراقة، ندية وجنته بالدمعة المسفوحة، نشكر الله اليوم الذي أعطانا، ونحمد له الليلة التي وهبنا، ونسأله الشمس تطلع علينا بالغد الهنيء، والأيام الحلوة الراغدة، ونرسل ضراعاتنا ودعواتنا للذين على الأرض، مبتهلين للمتوسدين بطونها ولورانس يجاهد الدمع ويغالبه، متهدج الصوت في حزن، ناشجاً في شجن، يرسل من عينه ما بقي من عبرات الابن لذكرى الوالد، ويروي يديه المشتبكتين فوق صدره من شؤونه ودموعه. . . . . . كذلك نختم يومنا، نمضي في سلام لنهجع في رفق، ملتحفين كثيف اللحاء متوسدين غليظ أوراق الشجر، حتى يصدح صوت الذي يصحو قبل رفيقه مع نشائد القنبرة، ويمتزج بأغاني البلبل، فيطرب أذن صاحبه، ويوقظه من هجعته. هذا ولورانس ينمو ويفرع، ويزداد في كل يوم روعة وجمالاً، وفتنة ونضرة شباب، وتشتد بينهما أواصر الود والحب والعطف والإعزاز. العصر الرابع الشتاء في الجبل

стр. 1706

مضى عام. . . والفصول تتابع هنا هبط الشتاء متعجلاً باكراً قل زمن مهبطه، وقد انتشرت فوق جسم الأرض أكفانها، والرياح من حولنا ترمي بآكام من الثلج الأشهب. . . الله لنا، ورعيا للصخرة التي تضمنا، وبركة للثغرة الت تكنفنا وتعصمنا، فالآن لم نعد نستطيع أن نخرج من ظلمة كهفنا ومنفنانا، ولم نعد نتبين الوديان من القمم التي كانت تعلوها، والذوائب التي كانت تزينها، ولا جسور الصخر التي كانت تحوطها، ولا الروابي التي كانت تسامي وهادها ونجادها، وقد حجب الطوفان المتجلد مناحر الجبل ومنافسه، وعواليه ورؤسه، وسهوله وحزونه، وأن الظبي ليرتجف مثلنا ويرتعش، لا يفارق الكهف ولا يخرج إلى الجبل كما كان يفعل متوثباً ممراحاً لاعباً، وقد سمت على القنطرة التي تعوج بالجبل إلى الوادي ركام من الثلج شماء عالية، ونحن الآن في جزيرة لا تبلغها العين، ولا يشارفها البصر، مسجونين حتى مرحل الشتاء وهجرته. . . يا الله لشد ما أحييت أيام الشتاء وأشهره، إنه لتذكرني بحال الأرض وتعلّمني أن القلب لينزوي وينكمش إلى دفئه، ويمسك عليه في هذا الموت الأصغر مهجته، وعصارة قوته، مقتصدها للربيع الرنوان الجميل، وعلائل نسيمه السجسج الساكن، ليجري فيه أخف من قبل نشاطاً وأشد روحاً، أن الروح المنزوية في خلاله المنقبضة من جهامته لتخرج عند الربيع من حجبها ووسائدها هاربة من هدأة المشتى وظلماته ومحازنه وما الشتاء للروح إلا كالملح للطعام يرفع شهوتها ويصلح مذاقها ولقد كنا ننعم إذ نحس بأننا نحب، ونشعر بأنا نعيش، بينا كل شيء في الطبيعة يحتضر تحت الجليد ويموت. . . ولكن ما لبث أن عدا على هذه السعادة المعسولة ظل من الحزن. . . إذ وقع للورانس حادث مزعج ألقاه جريحاً مريضاً، فدأب جوسلان على تطبيبه والعناية به، وأسكنه لم يلبث أن اكتشف أن لورنس ليس إلا فتاة، فثار فيه عند ذلك إحساس مخيف، يمتزج فيه الرعب بالخجل، وكان إخفاء لورانس جنسها عن أمر من أبيها، واشتدت الحيرة بجوسلان، وتملكه الاضطراب، ولكنه ظل يحوط لورانس بالحب والعطف والإجلال. . .

стр. 1707

الطلاق تمهيد أحب شيء إلى الإنسان حريته والمثل الأعلى للحياة أن يكون الإنسان مطلق السراح لا يصده عن أغراضه صاد. ولو تقطعت الأوصال الاجتماعية وعاش كل إنسان في عزلة لتمتع الناس بنصيب وافر من الحرية لا يعوقهم شيء غير العقبات الطبيعية وما يعتو نفوسهم وجسومهم من النقص والفساد، ولو كان الزواج لا يهم غير الزوجين لترك كل إنسان وشأنه في الطلاق، متى أحب امرأة وأحبته تزوجا، ومتى دَبّ بينهما الشقاق أو مال قلب كل منهما عن الآخر أو انتفت بينهما عاطفة الحب افترقا ولكان الاقتران الحر خير كفيل لسعادة النوع الإنساني. الحب عماد العائلة والأساس الذي يجب أنا يبني عليه كل زواج، وعلى قدر حرارته وفتوره يكون نصيب الزوجين من السعادة والشقاء، غير أنه يشيخ مع الزمن ثم يلحقه الموت فيفنى، ومهما اشتد كلف الزوجين فسيتلاشى حبهما طال الزمن أو قصر، ويحسن بهما حينذاك أن يفترقا ليبحث كل منهما عن عشيق يسكن إليه. قد لا تتفق أخلاق الزوجين ويشجر بينهما الخلاف وتصبح الحياة سلسلة نزاع يفوت معها غرض الزواج، وما أشد تعرضنا لهذا الخطر لما في الخطبة عندنا من المقامرة بالمستقبل والمقامر على حافة الإفلاس إن لم يدركه حسن الحظ هوى به سوى البخت إلى حضيض الشقاء، ودين القمار لا يلزم المدين كذلك زواج القمار لا يرتبط به الزوج الذي لو أراد ألقى حبل زوجته على غاربها، فالطلاق والحال هذه خير دواء لفوضى الزواج ومتى كان الزواج فوضى فأخلق بالطلاق أن يكون فوضى. هذا هو ملخص ما يقول حماة الطلاق تأييداً ولكنه قول بعيد عن الصحة، ومنشأ الخطأ عدم الاعتداد بالتاريخ في تعليل الأمور والاعتقاد بأن القوانين صنع الروية والعقل، والحقيقة أن الضرورات والطقوس والعادات والأوهام والخرافات هي الموجدات للقانون بفعل الأجيال فيها وتأثيرها عليها وصياغتها إياها في قالب كيماوي. فيجب إذن على من يحب الوقوف على حقية قانون أن يرجع إلى نشأة هذا القانون ويعرف تاريخه فإن وجد العناصر المكونة له باقية على حاله لم تتغير حكم بأنه صالح وإن رأى أنها اندرست حكم بأنه ضار يجب

стр. 1708

العدول عنه إلى قانون آخر يتفق والعادات الحديثة. وإذا رجعنا إلى العصور القديمة نجد أن الزواج كان ضرباً من ضروب الرق إذ كان الرجال لا يتزوجون إلا من النساء اللاتي كانوا يسبونهن من القبائل الأخرى أو من اللائي كانوا يشترونهن، وما زال لكل من هاتين الطريقتين في الزواج أثر بيننا وأن كان هذا الأثر ضعيفاً، ففي بعض القرى إذا خرجت عروس لقرية أخرى ففي الغالب يحدث شجار بين القريتين كأن أهل الزوج يحاولون سبي المرأة فيدافع عنها أهلوها، وما حفلة الزفاف في بعض القرى ولدى البدو وما فيها من ضرب على الطبول وسباق خيل كراً وفراً ولعب بالحطب وطلقات البارود وإحاطة العروس برجال أشداء إلا تمثيل للحفلة التي يدخل بها المنتصر دياره بالغنائم والأسرى، والمهر الذي يدفعه الزوج لزوجته أثر لشراء النساء ليكن زوجات. والمهر في عرف الفقهاء ثمن لبضع المرأة، وكما ينعقد الزواج بالإيجاب والقبول ينعقد أيضاً بلفظ البيع والشراء. ولما كان الزواج مرتبطاً بالطلاق ارتباطاً متيناً وقد أبنَّا أن الزواج كان نوعاً من الرق فمن المعقول أن ينفرد الرجل بالطلاق دون المرأة كما انفرد السيد بالعتق دون العبد والطلاق كالعتق تسريح للمرأة وتمليكها حريتها أما الآن فقد تغيرت الحال وأصبح مركز المرأة الاجتماعي أحسن نوعاً وفقد الزواج صبغة الرق والاستعباد وصار عقداً لا يتم إلا بالإيجاب والقبول كبقية العقود الأخرى، وإتباعاً لهذا التطور لا يستحسن بقاء الطلاق على حاله وإرخاء العنان لشهوات الرجل كلما عاف امرأته نبذها كما ينبذ نعله القديم بل يجب أن يكون بحال تتفق وأخلاقنا وعاداتنا الحاضرة. على أن ذبول الحب وحده غير كاف لتبرير الطلاق فإن طول المعاشرة وإن يطفئ من شعلة الوجد إلا أنه ينشئ بين الزوجين جملة عواطف لا تقل قوة وصلابة في شد أزر العائلة، إذ بعض مضي زمن من الزواج بألف الزوجان بعضهما البعض ويعتاد كل منهما معاشرة الآخر وتندمج مصالحهما في مصلحة واحدة فيتعاونان في المشورة والعمل ويأتمن كل منهما الآخر على سره ويخلصان النصيحة وجملة القول يتحول الوجد إلى عاطفة أخرى لذيذة، عاطفة الصداقة والصحبة، وما أعز على النفس من فراق صديق حميم فما بالك إذا كان هذا الصديق ربة بيتك وشريكتك في أطفالك.

стр. 1709

لا شك عندنا في مشروعية الطلاق وضرورته للهيئة الاجتماعية ولكن لا شك أيضاً في أنه من كبريات المصائب التي تنزل بالعائلة فيفصم عراها ويدك أركانها ويفك روابط الألفة والوداد ويغرس بين الناس بذور الحقد والضغينة فلا يحسن الالتجاء إليه إلا إذا استفحل الشقاق بين الزوجين واستحال التوفيق بينهما، ألا ترى أن الجراح لا يقدم على بتر عضو مريض إلا إذا استعصى الداء ويئس الطبيب من معالجته وخاف على بقية الجسم من الهلاك. وإذا لم نتقصد في الطلاق جهد الاستطاعة اختل ميزان الأمة واعتلت صحتها، وإذا لم يكن الجراح ماهراً أنزل بمرضاه مصائب جمة وأودى بحياة كثيرين منهم. ولو كان الطب مباحاً لجميع الناس يحترف به من أراد وإن كان جاهلاً لفتكت الأمراض بالنفوس وحصد الجهل حياة كثيرين من الأقوياء. ومتى كان الطلاق فوضى يقع بمجرد صدور لفظه من أي إنسان بقصد وبغير قصد فأخلق بالأمة أن تكون هزيلة القوى مفككة الروابط. الطلاق شر عوامل الفساد وتحليل للعائلة. والعائلة للأمة بمثابة الخلاية للجسم الحي. وإن يكن في الخلاية قوة تدفع بها عادية الفساد عن نفسها غير أنه يستحسن اتقاء الخطر قبل وقوعه واستئصال جذوره قبل أن تنمو وتشتد. والقوة الحافظة لكيان العائلة الأطفال وتحاب الزوجين وتقاربهما في الأخلاق والمشارب. ولكن السآمة وإتباع الهوى وضعف الأخلاق والوقوع في حب شخص غريب عوامل حرب وتفريق إن لم نقطع عليها طريقها ولم يقلم الشارع من أظفارها فإنها قد تتغلب على عوامل الألفة وتقتلع الروابط العائلية فتذر العائلة أنقاضاً وتمسي الأمة واهية القوى. يقول أحد الفقهاء الطلاق سم قليله دواء وكثيره قتال وأول ما يقتل نفوس الأطفال ينتزعهم من أحضان أمهاتهم ويلقبهم بين مخالب الضرات فينشبن فيهم أظفارهن. ويمزقن قلوبهن الصغيرة ويقتلن أخلاقهن الطاهرة بما يرهقن به أجسامهن من الضرب المبرح والكلام القارص وسوء الغذاء وقذارة الثياب وحقارتها. ولا أضر على الأفراد والأمم من تربية الذل والإرهاق ولا أدعي إلى الجبن والكذب من القسوة مع الأطفال. والحسد أشد ما يكون بين الأقارب وكلما دنت القرابة ازداد سعيراً فهو بين الأخوة فيما لو وجدت أسبابه على قمة غليانه، وهل يثير الأحقاد مثل التفرقة في المعاملة؟ يشقى أولاد المطلقة وينعم أولاد الأخرى.

стр. 1710

(لهذا الموضوع بقية)

стр. 1711

نصيحة شاعر إذا درس المرء التاريخ ونظر في حياة الأمم التي بادت ولم يبق منها غير أسمائها وجد في الطور الأخير من أطوارها والعصر الأخير من عصور حياتها صفات معروفة ذا رآها في أمة حية علم أن مصيرها مصير تلك الأمم التي بادت وانقرضت وليس انقراض العناصر البشرية مما يستدعي الدهشة فإن ذلك سنة لا مناص منها وإذا نظرنا في حياتنا وجدنا في أمتنا تلك الصفات التي تبدو في حياة كل أمة قبيل انقراضها مثل العجز والملل والكسل والتوا كل والضعة. والزمان وحده هو الذي يحكم على صفات أمتنا أهي عوارض تزول أم عوامل تؤدي إلى الهلاك. لا الدهر غر ولا الأيام ظالمة ... وإنما العيش فينا والردى علل كل له أجل يسعى ليبلغه ... وليس يفلت أمَّأ جاءه الأجل لولا التنافس في الدنيا لما صلحت ... ولا الحضارة والأيام والدول زاوين إلا عن الفحشاء أنفسهم ... وفوقهم من بوادي خزيهم حُلَلُ يا بارك الله مقدروا يعاجلهم ... فتطهر الأرض لا رجس ولا خطل ما باشروا الصديق في قول ولا عمل ... فكُذبَ الأصدقان القول والعمل إذا أصيبوا بشْر هيّن خنعوا ... وإن أصابوا منالاً هيّناً جذلوا ويغضبون على من رام نفعهم ... فما يشجعه في السعي محتفل فلا حكيم ولا نَدْب ولا فَطِن ... ولا عظيم ولا ثَبْت ولا بطل إذا هممتم بأمر نفعه عممِ ... ألهاكم العجز والذلات والملل وإن بدهتم بخطب ضره أمم ... ضاقت لديكم به الغايات والسبل وصاحب الجهل فيكم آمن فَرح ... وصاحب العقل فيكم حاذر وَجِلُ إذا نطقتم بحق فيكم حَصَر ... والبُطْل مبتدر منكم ومرتجل فإن رقدتم فإن النوم عادتكم ... وليس تصحو لكم روح ولا مقل تهافتون على الأدناس ما نتنت ... مثل الذباب على الأدناس ينتقل أفهامكم مثل أفهام الفراش إذا ... حام الفراش على مصباحِ يشتعل فإن دعيتم إلى خير ومكرمة ... حكيتم البُهْم لا عقل ولا حيل

стр. 1712

فما طبيب يداوي داءكم أبداً ... إلا الهلاك وهذا ريثه عجل ومن دلائل هذا الهُلْك أن لنا ... فخرا فنحسب أن الفضل متصل إذا خُشِيتم فأنتم مشعر جبُن ... وإن رُجِيتُم فأنتم معشر خُذُل كم من نصيح لكم بالرشد ينصحكم ... كأنما حظه من نصحه الصَّحلُ كلوا وناموا ونالوا حظكم أبداً ... من التثاؤب لا لوم ولا عَذَل وعاقروا الخمر والأفيون في دعة ... فعيشكم مثل ظل سوف يرتحل واستخبروا عن هوى اللذات قاطبة ... أمَّا عن العز والعليا فلا تسلوا وملء أشداقكم ضحك أأسكركم ... من حسن حالكم خمر هي الجذل أم ضحكة الرجل المجنون من حَزَنٍ ... لشد ما نال منك البؤس يا رجل أم ضحكة الخنث الموهون أضحكه ... أمر معيب فلا تقوى ولا خجل أنا النذير إليكم والنصيح لكم ... وليس يؤثر نصحاً عاجز مَذِل يمضي الزمان فلا عزم فيُسْعِدكم ... وليس يزداد إلا العجز والخبل وفيكم من صفات السوء أخبثها ... حتى لقد صار فيكم يضرب المثل أشعلتم نار يأسي وهي خابية ... وقد قتلتم ذكائي وهو مشتعل هيهات هيهات إني مِقْول أبداً ... حلق الزمان به الناس يرتجل أنتم بفيّ كطعم المر أمضغه ... حتى تساوى لديّ الصاب والعَسَلُ فإن فهمتم فمالي فيكم أرب ... وإن جهلتم فشر العادة الجهل إذا هجوت فما أهجوكم أبداً ... إلا ودمع على الخدين ينهمل أنتم أحق بتأبين ومرثية ... والرزء بالحي جرح ليس يندمل أنتم عليّ وإن طالت مهانتكم ... أعز ذي قدم يسعى وينتعل فنحن في أمرنا طرا سواسية ... وأن تفاوتت الأخلاق والنّحَلُ ليس لي فيكم حظ ولا أمل ... وليس لي في الورى من دونكم بدل إني رأيت حياة الناس أولها ... يدعو لآخر ما يأتي ويُقْتَبَلُ لقد ورثنا كلها كمد ... مور على القلب مثل النار يشتعل فنحصد الشوك مما ذَرّ أولنا ... لقد ورثنا عن الأسلاف ما فعلوا

стр. 1713

فمن خمول ومن جهل ومن كسل ... وأعظم الخطب ما يأتي به الكسل ثقل على النفس نُمضيه ونصرفه ... حتى يصح وحتى يصدق العمل ونجتني العز غضا كله ثمر ... ونشرب العيش ريا كله جذل أن الأماني دون القلب ما برحت ... في القلب منزلها مُسْتَمْرأ خَضِل نستخبر القوم أني وجهة سلكوا ... فبلغتهم إلى عليائها القلل هم زاولوا الجد قد دانت تجاربه ... لهم فعزوا بها والدهر مقتبل قوموا اجعلوا السعي في الأطماع رائدكم ... ما أضيع المرء لولا السعي والأمل بعض العلوم إلى الأعمال منتسب ... وأحسن العلم ما يجدي به العمل هذا السلاح الذي يدع لهم سبلا ... في مجدهم لا ألقنا الخطية الذُبُل يا قوم هذا سبيل لا خفاء به ... فيه الحياة لأقوام إذا عقلوا أنا بمنزلة الفصل يتبعها ... أما الحياة وأما الموت والأجل حتام ننكر حقاً غير مشتبه ... لا يكره الحق إلا من به دخل لا يصلح العلم مضنوناً به أبداً ... فأين شؤبوبه إلا ينفع البلل هذا الذي يدعى الأقوام قادرة ... فكل فرد كعضو ما به شلل أذلك المال مضنون به أبداً ... إن العزيز لدى الأوطان مبتذل والعلم مثل عصا السحار يبسطها ... فيصبح المال قد ضاقت به السبل والعلم والمال مقرونان في قَرَن ... لا نجتني المال حتى يصدق العمل وإنما لغة الأقوام مِيْزَتُهُمْ ... فإن تولت فمجد القوم مرتحل قد أصبح العلم والآداب ضائعة ... وأصبح الشعر فوضى كله ذلل يرقى الوجود بعيش الصالحين له ... من ليس يدركهم عجز ولا كلل ليس الحياة بمستشفى لمن سَدِكَت ... به الزمانات والأمراض والعلل بل الحياة جهاد لا خفاء به ... فليس يفلح إلا الأغلب البطل إن الحياة كَتَنُّور ومعركة ... يَصْلَى الشجاعُ ويصلى العاجز الوكل وكلكل الدهر لا يُبْقي على ضَرع ... وليس يخدعه جود ولا بَخَل نلهو عن العيش والأقدار نافذة ... كأنهن مطايا تحتنا ذُلُلُ

стр. 1714

إن المقادير أجناد مُجَنَّدة ... تصول بالحق لا ظلم ولا خطل لا رحمة عندها ترجي ولا مِقة ... ولا الشفاعة تُقْصيها ولا الخَوَل عبد الرحمن شكري

стр. 1715

أفكار بليدة لمفكر بليد هذا اسم كتاب بديع حلو الأماليح يمتزج فيه الجلد باللهو وتختلط الفلسفة فيه بالدعابة، يحتوي طائفة من الأفكار الجديدة والآراء الصائبة المستملحة، وقد اشتهر مؤلفه الكاتب الانجليزي الماجن جيروم. ك. جيتروم بأنه من أبدع الكتاب الفكاهيين في العصر الأخير، ونحن نقتطف منه قطعاً صالحة لتفكهة القراء. ١ - الغرور إن الرجل الطيب في نظرنا هو من كان طيباً لنا، والرجل السيء هو الذي لا ينزل على ما نريده منه، والحق الذي يقال إن كل إنسان منا يحمل في قلبه عقيدة ثابتة راسخة، هي أن هذه الدنيا العريضة كلها بناسها وجماداتها ما خلقت إلا له وحده فرجال الأرض ونساؤها لم يخلقوا إلا ليعجبوا بنا وليشبعوا شهواتنا وليسدوا مطالبنا، وأنا وأنت أيها القارئ العزيز كل منا يعتقد أنه مركز الكون كله وقطب رحاه، فأنت - كما أفهم - جئت إلى هذا الوجود لكي تقرأني وتدفع ثمن ما قرأت، وأنا - في نظرك - لست إلا شيئاً أرسل إلى هذا العالم لكي يكتب لك شيئاً تقرأ. والنجوم لم تنتثر في صفحة السموات إلا لتجعل منظر السماء في الليل مبهجاً لنا جميلاً، وهذا القمر البازغ الحلو لم يطلع إلا لكي نتحاضن تحته ونقبل ونعانق ونشاغل. وإني لأخشى أن نكون مثل ديك جارتنا إذ ظن أن الشمس تطلع كل صبح لكي تستمع لصيحاته، بل إن الغرور هو الذي يحرك هذا العالم ويسيره، وما أظن أنه عاش على هذه الأرض إنسان واحد لم يكن مغروراً، ولو وجد إذن لكان يكون رجلاً لا قبل لنا به ولا طاقة لأحد منا على احتماله، ولقد كان يكون ولا شك رجلاً طيباً جداً، رجلاً يوضع في زجاجة ويطاف به على الناس للفرجة والمشاهدة، رجلاً يوضع فوق قاعدة تمثال ونلتف به نرسمه كما يفعل التلاميذ في كراسات الرسم. نعم إنه ليظفر منا إذن بالاحترام ولكن لن يظفر بالحب، لن يكون عندنا الأخ الآدمي الذي نأخذ يده في أيدينا ونشد عليها في حرارة ود وحب، وذلك لأن الملائكة قد تكون في نفسها حلوة المحضر طيبة ولكنا نحن بني الموت لعلنا وأجدوها غير لذيذة العشرة ولا رقيقة السمر، بل إن الرجال الطيبين طيبة مجردة لا

стр. 1716

يشوبها شيء من نقائص البشر ثقال الظل ولا مؤاخذة، لأن عيوبنا ونقائصنا - هي التي تمزجنا بعضنا ببعض وتجعلنا نتواد ونتحاب، ونحن نتباين كثيراً في سجايانا ومحاسننا ولكننا مجتمعون مشتركون في مساوينا، فمنا البررة الأتقياء، ومن الأكرمون الأجواد، وقليلون فينا الأمناء، والأقلون بيننا الصادقون، ولكنا جميعاً والله الحمد مغرورون، والغرور هو ولا ريب من مراحم الطبيعة التي تؤلف ما بيننا وتقرب مسافة الفروق، فنحن بجمعنا من الهندي الفارس المزهو بحزامه ومنطقته إلى الجنرال الأوروبي المنتفخ تحت نجومه وأوسمته، ومن الصيني الفَرح بضفائره الصفراء إلى الحسناء المتكلفة تتحمل العذاب والآلام لكي تعجل خصرها أشبه بحلقة الكعكة، ومن المرأة الفقيرة تخطر في الشارع تحت مظلتها المتخرقة البالية إلى الأميرة وهي تتثنى في حجرة الاستقبال تجر وراءها ذيلاً يربي في طوله على أربعة أمتار، كلنا نعيش ونتشاجر ونجرح وندمى ونموت تحت علم الغرور المرفرف الخفاق. نعم. إن الغرور هو ولا شك القوة الدافعة التي تحرك الإنسانية وتجرها والملق هو الشحم الذي تدهن به عجلاتها، فإذا كنت تريد أن تغنم الحب والاحترام في هذا العالم فأنت خليق أن تملق الناس وتمتدحهم، إذن فأملق الرفيع والوضيع والغني والفقير والمغفل والعاقل والأحمق والرزين فأنت ولا ريب ظافر بحياة بين الناس حلوة راغدة أمدح فضائل هذا ونقائص ذاك، وحي كل إنسان وأمدحه على كل شيء، ولاسيما على ما لم يؤتَه وما ليس فيه، أمدح المشوهي الخلقة القباح الوجوه الملعوني الشبه بالجمال والرشاقة والحسن واستحسن من الحمقى ذكاءهم وأبد إعجابك من الوقحاء الأراذل لتربيتهم وكرم أدبهم، وإذ ذاك يرفعون دقة بصرك وذكاءك ولطافة ذوقك إلى السموات. ثم إن للملق طرقاً مختلفة وأساليب عدة، وأنت ولا ريب حري بأن تتخذ لكل موضوع الأسلوب الذي يلبسه، فكثيرون يحبون أن يقدم الملق إليهم بالمعالق وهذا النوع لا يطلب شيئاً من البراعة والتفنن، وهناك جماعة من العقلاء يحبون أن يكون التملق لهم بالإشارة لا بالكناية والعبارات، وآخرون يحبون أن يكون ملفوفاً في غطاء من الشتيمة كأن تقول لأحدهم - يا لك من أحمق مغفل، إنك لترمي بآخر قرش معك لأول سائل يلقاك! - ثم إن هناك جمعاً غير هؤلاء لا يتذوقون الملق إلا إذا قدم إليهم عن يد رجل ثالث فإذا أراد أحمد

стр. 1717

مثلاً أن يستأسر لب علي - على شريطة أن يكون على هذا من هذه الماركة نفسها - فعلى أحمد أن يسر إلى أحد أصدقاء عليّ أنه يرى في علي هذا رجلاً بديع الخلق كريماً طيب القلب ويأخذ عليه إلا ما كتم عن هذا عن الناس ولاسيما عن صديقه علي، ولكن المتملق أن يحذر أن يكون هذا الوسيط الذي ألقى إليه الملق رجلاً موثوقاً به كتوماً وإلا خابت الحيلة. وأما هؤلاء الأكياس الصلاب العود الذين يقولون لك أبداً إننا نكره الملق والمديح يا سيدي وإننا لا نسمح لمخلوق أن يتغلب علينا بالملق الخ. . الخ. . فلا تخفنك منهم هذه الطنطنة الحلوة. . . أمدحهم أملقهم فقط على فقدانهم حب الملق والمديح. ثم افعل بهم بعد ذلك ما شئت. وأخيراً أن الغرور فضيلة. . . ولكنك تستطيع بكل سهولة أن تجيء بكراسة طويلة في ما قيل ضدها من الأمثال السائرة، ولكنها بعد عاطفة وثابة تدفعنا إلى المحامد كما تدفعنا إلى المذام، ثم أليست الآمال الكبيرة إلا ضرباً مهذباً من الغرور، ونحن نريد أن نظفر من الناس بالإعجاب والاستحسان أو بالشهرة كما تحبون أنتم أن تسموها، ومن ثم نكتب كتباً ممتعة طيبة ونرسم صوراً فخمة جميلة ونغني أغنيات لذة مطربة، ونكد ونتعب ونعمل بأيدينا وأجسامنا في المكتب والمعمل والمصنع. نحن نود أن نكون أغنياء، لا لكي ننعم بالراحة ورغد العيش ونعومة الحياة فهذه كلها يمكن أن تشتري بثمن بخس حسب الصنف والمقدار، وإنما لكي تكون بيوتنا أبر من بيوت جيراننا وأفخم رياشاً وأجمل مظهراً، ولكي تكون جيادنا وغلماننا أكثر عدداً من جيادهم وغلمانهم، ولنستطيع أن نكسو أزواجنا وبناتنا ثياباً ليست بالفخمة وإن كانت الثمينة الغالية، ولكي نؤدب المآدب الكبرى وإن كنا نحن لا نأكل من أطعمتها ما يساوي خمسة قروش، وبهذا نعين متاجر الدنيا ونصرفها، وننشر التجارة ونروجها على أهلها، ونمد في المدينة إلى أبعد حدودها وتخومها. لا تسخطوا إذن على الغرور، ثم لا تسيئوا استعماله، وخير لكم أن تحسنوا القيام عليه، بل إن الشرف نفسه هو أبدع وجوه الغرور وأسمى نواحي الزهو. نعم إن الأدعياء مغرورون ولكن لا تنسوا أن الأكفاء والأبطال أيضاً مغرورون. إذن تعالوا أيتها الطواويس الصغيرة الحسناء نكن معاً مغرورين. هلموا نتعاون وننمي غرورنا. لنكن إذن مغرورين ولكن ليس

стр. 1718

بسراويلنا وفروع شعْرنا ولكن بالأفعال الكبار والمحامد العظام، وبالحق والجمال والطهر والشرف. تعالوا نزهى بأننا لا ننحني لأي أمر حقير خسيس، وإننا لا نقول لأحد كلمة قاسية ولا لفظة خشنة. دعونا نزهى بأنا نعيش قوماً مهذبين في وسط من اللصوص والإخساء والأشرار، ولنفخر ونعتز بأننا نفكر أفكاراً حلوة، ونعمل أعمالاً ونعيش عيشة باردة راغدة. . ٢ - القناعة إن أهل الطيبة والخير هم على الباطل - وهم أبداً كذلك عندي لأنني لم أتفق يوماً معهم في شيء - إذ يقولون أن الطمع من أكبر الشر. ولكن ماذا كان يكون أمر الدنيا بغير أهل الطمع أكثر الله منهم. إذن لما عدت أن تكون في رخوتها ونعومتها ولينها كعجين العجانة. ثم أليس أهل الطمع هم الخميرة التي ترفع العجين حتى يخرج منه خبز جيد صالح وبغير ذوي الأطماع لا ينهض العالم ولا ينمو ولا ينتعش. باطل أن نكون من أهل الأطماع! يا حلاوتكم أهل الخير. .! أيكون أهل الأطماع على الباطل وهم بظهورهم المنحنية وجباههم المتصببة عرقاً يوطئون الطريق للإنسانية لتسير فيه جيلاً بعد جيل، وهم لا ريب يطلبون النفع لأنفسهم ولكنهم في طلبهم نفعهم يعلمون لنفعنا. لأننا مرتبطون ببعض حتى لا يستطيع أحدنا أن يعمل لخيره وحده دون خيرنا، إن النهر في تدفقه ومسيله متصاعداً فياضاً يدبر طواحين الدقيق ويسقي الزرع ويصل ما بين الأرض والأرض والبلد والبلد، وكذلك الرجل المطماع في إقامته تمثالاً لنفسه يترك أثراً صالحاً للجيل المنحدر بعده، وإن الإسكندر وقيصر قد حاربا لأغراضهما وأمانيهما بذلك قد مدا أنطقة من المدنية حول هذه الأرض، وإن ستيفنسن أراد أن يكسب له رزقاً طيباً فاخترع الآلة البخارية وشكسبير لم يكتب رواياته إلا لكي يملك بيتاً أنيقاً دافئاً لمسز شكسبير والشكسبيرات الصغار. إن القانعين الراضين هم محمودون نوعاً ما. . هم يصلحون ليكونوا في هذه الدنيا ألواحاً ترسم فوقها الصور الفخمة العظيمة. وإني أعدهم إني لن أتكلم عنهم أبداً ما داموا معتصمين بالسكوت، ولكن بحق السماء لا تدعوهم يمرحون في الأرض - كما يحبون أبداً أن يفعلوا - صارخين إنهم الأسوة الحسنة التي يؤتسى بها والمثال الحق الذي يحتذى، لأني لا أراهم

стр. 1719

إلا كذكور النحل في الخلية الكبرى، والغوغاء في الشارع يتلكؤون وينظرون في الحوانيت إلى الذين يعملون ويكدون. ثم لا تدعوهم كذلك يتوهمون - كما هي عادتهم - إنهم عقلاء وفلسفيون وإن من أكبر الحزم أن يكونوا راضين قانعين، فقد يكون الذهن القانع الراضي سعيداً في أي الأحوال كذلك الحمار الأورشليمي، والنتيجة من ذلك أن كليهما يوضع حيث تضعه ويرضى حيث تعامله. فإذا كنت من الحماقة بحيث ترضى بالرضى والقناعة فبالله عليك لا تظهرها، ولكن تسخط مع المتسخطين ووسوس بالشكوى مع الشاكين وإذا استطعت، أن تعيش على القليل فلا تطلب إلا الكثير، لأنك إن لم تفعل فلن تظفر إلا بالقليل ولا بالكثير إذ ينبغي في هذا العالم أن تسير على المبدأ الذي يسيطر عليه المطالبون بالحق المدني في ساحات القضاء تعويضاً عن الخسائر التي لحقتهم إذ يطلبون عشرة أضعاف ما يظنون أنه يرضيهم، فإذا أحسست من نفسك أن مائة فلست بظافر إلا بعشرة. وهذا ما وقع فيه المسكين جان جاك روسو، فقد حدد أوج سعادته الأرضية بأن تمني أن يعيش في بستان أغن وأن تكون إلى جانبه امرأة محببة وأن يكون له جاموسة. . . فلم يظفر حتى بهذه نفسها، فقد أحرز البستان، أو ما يجوز أن يسمى بستاناً، ولكن المرأة التي وجدها لم تكن محببة، ولكي تكون المصيبة تامة جاءت معها بوالدتها، ثم لم يظفر بالجاموسة، ولو كان روسو المسكين أقر في ذهنه أن يكون رب ضيعة واسعة في الريف وبيت حافل بالظباء العين ومعرض من البقر والجاموس، إذن لما عتم أن عاش لكي ينعم على الأقل بقطعة من الأرض، وبرأس واحد على الأقل من الماشية، ولعله كان واقعاً على ممر الزمن بأندر النادر. . . وهي المرأة المحببة حقيقة. هذا وما أبلد ما تكون الحياة لهؤلاء القانعين الراضين، وما أثقل عبء الوقت على رؤوسهم وأكتافهم، ثم أية خواطر وأفكار بعيشك تجول في أذهانهم، إذا فرضنا أن لهم خواطر وأفكاراً، وما أظن إلا أن قراءة الصحف وتدخين اللفائف هي كما يلوح لي الغذاء الذهني الذي يزدرده سوادهم، وأما الباقون وهم أقل بلادة وخمولاً وفتوراً فيضيفون إلى هذه التوقيع على القيثار والكلام في حق الجيران!

стр. 1720

أفيقو إذن أيها الناس. . أفيقوا. . أفيقوا. أيتها السيدات، أيها السادة أفيقوا انهضوا يا رجال ويا أطفال ويا بنات، اظهروا براعاتكم وكفاآتكم وجربوا قواتكم ومجهوداتكم، أن معرض الحياة مفتوح ولعبة الحياة أبداً قائمة، أفيقوا يا سادة وضعوا أيديكم في أيدي رفقائكم الناس، إن لألعاب الحياة جوائز أيها الناس ومكافآت للجميع، والجميع يستطيعون أن يلعبوا ويتسابقوا، الذهب للرجل يا سادة والشهرة والمجد للشاب، والحب للعذراء، والراحة واللذة للأحمق، إذن أفيقوا، جوائز ومكافآت، القليلون يربحون وأما الباقون فيتمتعون بلذة السعي والكد.
следующие страницы →