Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
سنة، قدرت النفقات التي صرفتها في سبيل هذا الإنتصار مائة وخمسة وأربعين مليوناً من الجنيهات، ولكنها لم تطالب تركيا إلا بغرامة قيمتها ٣٢ مليوناً وهو وإن كان مبلغاً صغيراً كما يظن، يؤلف تسعة أكوام من الأوراق ذات الخمسة جنيهات، وكل كوم منها أطول من برج لندن.
أما الغرامة التي دفعتها النمسا عندما انتصرت عليها بروسيا عام ١٨٦٦فلم تبلغ أكثر من ثلاثة ملايين، والغرامة التي دفعتها الصين لليابان فكانت ٣٥ مليوناً وقد دفع آخر قسط منها بشيك واحد، ولعله أكبر شيكات الأرض إلى اليوم، إذ كان مقداره ١١. ٠٠٨٠٨٨٧ جنيهاً و١٥ شلناً وتسعة بنسات هذه غرامات الماضي، فماذا تظن أن ستكون غرامة هذه الحرب، وماذا تتوقع المقدار الملائم لها، إذا علمت أن مقدار النفقات التي سينفقها الحلفاء إذا ظلت الحرب ثلاث سنين ما يربي على عشرة بليونات من الجنيهات وهو مبلغ يتطلب لجره ثلاثة آلاف قطار من القطارات السريعة.
(وبعد) فماذا تقول لو أعطيت بنساً واحداً من كل جنيه منها؟؟
مقياس جديد للأمانة
خطر لإحدى المجلات النيويوركية أن تعلم مقدار إحساس الأمانة في نفوس أهل الولايات المتحدة. فاخترعت طريقة تعد من أبدع ما تخيل المتخيلون. وذلك أنها أرسلت مائة خطاب، كل خطاب منها يحتوي ورقة من ذات الريال الواحد، واختارت لهذه المائة رسالة طوائف معينة من الناس وأعدت لكل طائفة خمسة خطابات، ثم أرسلت الرسائل جميعاً إليهم، بحيث تدل المرسل إليهم أن الرسائل قد وقعت إليهم خطأً واتفاقاً، وكانت تريد أن تعلم كم شخص سيرد الرسالة التي أرسلت إليهم غلطاً، فكانت النتيجة إن ٦٠ في المائة هم الذين ثارت في نفوسهم الأمانة، وبلغ منهم الوفاء أن ردوا الرسائل إليها.
وإليك البيان: ـ
قائمة النساء
٥ نسوة من ذوات البسطة في العيش ٤ نسوة هن اللاتي رددن
٥ ممثلات ٣
٥ من العاملات على التايبرريتر ٣
стр. 1892
٥ مدرسات ٤
من أصحاب المحلات التجارية الناجحة ٥
٥ من نساء مختلفات ٣
٥ من فتيات المصانع ٣
٥ من الطبيبات ٣
٥ من المشتغلات بالمحاماة ٣
٥ من المراضع ٣
فتكون النتيجة أن ٣٣ امرأة هن الأمينات من ٥٠ امرأة
الرجال الذين ردوا لم يردوا
خمسة رجال من ذوي البسطة في العيش ٣ ٢
خمسة من المحامين ٤ ١
خمسة من الأغنياء ٤ ١
خمسة خمارين أو أصحاب حانات ١ ٤
خمسة من المرشحين (بالكسر) ٣ ٢
خمسة من أعضاء البرلمان ٣ ٢
خمسة من الصحفيين ٤ ١
خمسة من الأطباء ٢ ٣
خمسة من الشرطة ٣ ٢
خمسة من الممثلين ٤ ١
حقائق غريبة عن الإنسان والبيض
قد دلت الأبحاث الأخيرة على أن ألفاً من البيض ومائتي بيضة تحتوي جميع العناصر الكيماوية الموجودة في الإنسان الذي يزن مائة وخمسين رطلاً، وهو الوزن المتوسط للرجل الكامل، ولكن هذا ليس معناه أنك إذا صنعت قرصاً من ١٢٠٠ بيضة، أحدثت بذلك إنساناً، ولكنا نريد بذلك أن العناصر الكيماوية الموجودة في ذلك القرص تعادل قيمة الموجود منها في الإنسان. فإذا أصر إنسان على أن لا يأكل في حياته إلا البيض استطاع أن يحصل منه
стр. 1893
على الأحماض الكيماوية المطلوبة للحياة ولكن الجهاز الهضمي لا يستطيع أن يهضم طعاماً كهذا دائماً، ولذلك لا يلبث أن يتعثر هذا الإنسان في المرض، ولا يني أن يموت، إذا لم يتغير هذا الطعام.
وإذا تحول الإنسان سائلاً، أمكن لك أن تظفر منه بنحو ٣٦٣٠ قدماً مكعباً من غاز الإستصباح والهيدروجين، أو ما يكفي لأن يملأ بالوناً يحمل ١٥٥ رطلاً.
وإذا أمكنك أن تستخرج كل عنصر من العناصر الموجودة في الجسم الإنساني. استطعت أن تظفر منه بحديد يكفي لصنع عدة من المسامير الكبيرة الحجم، وشحم يصلح لصنع ١٤ رطلاً من الشمع. ومن الرصاص ما تستطيع أن تخرج به ٩٣٦٠ قلماً من الرصاص أو ٦٥ قاروصة - والقاروصة اثنا عشر دوزينة - ومن الفوسفور ما يفي لعمل ٨٢٠ ألفاً من أعواد الكبريت، وفوق ذلك تجد عشرين ملعقة من الملح وخمسين رأساً من السكر و٤٢ لتراً من الماء. وكذلك تعلم أن الجسم البشري ليس إلا معملاً كيماوياً كبيراً. ولكن ١٢٠ بيضة تكفل هذا المقدار، وبعد فإذا علمت أن الدول بحاجة شديدة اليوم إلى الحديد والرصاص والفوسفور والشحم وجميع هذه الأصناف، فأنت ولا ريب ترى أن تستخرجها من البيض - على ارتفاع أثمان البيض في هذه الأيام - خيراً من أن تستخرجها من الناس، أليس كذلك؟؟
стр. 1894
العدد ٣٣ - بتاريخ: ٥ - ٣ - ١٩١٧
стр. 1895
مسكينة مسكينة
قال الشيخ علي: واسمع الآن يا بني ما أقص عليك فإني محدثك بخبر ليتني إذ علمته ما وعيته وليتني إذ هذا الفصل الروائي البديع هو أحد فصول كتاب المساكين للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي - آثر البيان بنشره فرحب به البيان - والكلام كما ترى موضوع على لسان الشيخ على بطل هذا الكتاب، والشيخ على المذكور - كما شرحنا ذلك في آخر عدد من البيان الشهري - رجل مجذوب سعيد بالدنيا والدنيا سعيدة به - وهذا الفصل قائم بنفسه لا علاقة له بما قبله ولا بما بعده. والكتاب سيظهر قريباً وهو يطلب من إدارة البيان وعيته ما أثبته ولا نفذت فيه كما نفذ في.
ولكن الحياة كما تقضي علينا أن نشهد أموات الأحياء ونحملهم إلى أبواب الآخرة من تلك الحفر، تقضي علينا كذلك أن نشهد أحياء الأموات من أهل الرذائل وتحمل من أخبار ضمائرهم الميتة إلى أبواب السماء في أنفسنا.
فواها لك أيتها الحياة الدنيا تقتلين بالشر وتجرحين بأخباره ولا تؤتين عسل الحكمة إلا بعد لسع كثير. . .!
وقد علمنا أن كل شيء يسير فإنما هو يذهب في طريق يهتدي أو بعنف وكأن الأسف على أهل الشر لم يجد له طريقاً في هذه الحياة إلا من ضمائر أهل الخير.
كانت لنا يا بني في هذه القرية النضرة فتاة بائسة ضاق بها العريض من هذا البر فخرجت إلى بعض المدن تستطعم الحياة. فحدثتني أنها استضاقت حتى كأنما كانت تنفذ إلى رزقها من شق في صخرة في غر في جبل. ثم استضاقت فكأنما ولجت هذا الغار فانحدرت تلك الصخرة فسدت عليها عليها فلا وراء ولا أمام وأعجزها حتى المعاش الملفق.
وخرجت يوماً على الناس وكأنها لقذارتها قطعة من الحياة البالية مدرجة في بعض الأطمار، أو روح من الهواء تمشي ساكنة في أردية من الغبار، وما تحصي العين تلك البقع المنتشرة في ثيابها، كأنها أرقام للفقر يعد بها ليالي عذابها، وهي علم الله بقع، أشأم منها أنها في رقع، وقد أغبر شعرها الفاحم وتلبد، فكأنه بعض ما وقع على رأسها من حظها الأسود، ولاح من تحته وجه كالدينار الزائف في صفرته ورده، وكالقمر المحقوق في استطالته تحت الظلام ومده، وهي فتاة عليلة قد أخذ السقام من حجمها، كما أطفأت الأقدار من نجمها، وخفي من المرض في صدرها، أكثر مما خفي بين الناس من قدرها، وما تعرف من أسماء
стр. 1896
الأموات والأحياء غير أسماء أهلها، ولا تملك من الأرض كلها أكثر من غبار نعلها، وقد خرجت تتحامل فكلما خافتت في مشيها قليلاً خافت العثار، فاستندت إلى جدار، فإذا رأيت ثم رأيت صورة البؤس ولكن في غير إطار، وإنها لتمشي وليس فيها دم ينتهي إلى قدميها فهي تجرهما جراً وتقتلعهما بين الخطوة وما تدري من الألم أهما على الأرض أم في الأرض يسوخان، وقد تزايلت أعضاؤها فما تحس أن فيها حياة متماسكة، وهي ما فتئت تحسب أن جسمها قد خلق نعشاً لقلبها فلا هذا القلب يحيا كما تحيا القلوب ولا ذلك الجسم ينمو كما تنمو الأجسام.
وفي رأسها عقل زاد فضل الله ورحمته في جهة منه ونقص عنف الناس وقسوتهم من جهة أخرى، فبينا هي على ذلك نحمد الله إذا هي مع ذلك تلعن الناس. وهي مرة تنظر إلى الحياة فترى كل شيء في الحياة إلا نفسها ومرة تنظر إلى الموت فلا ترى في الموت شيئاً إلا نفسها ولم يكن يمسك روحها بين الإثنين إلا خيطان أحدهما من السماء وهو الأمل في رحمة الله والآخر من الأرض وهو إشفاقها على جدتها التي كانت تكدح منذ الصغر لقوتها. تلك الجدة الفانية التي كبرت وبلغت من الكبر حتى حسبتها الفتاة قد كبرت عن سن الموت. . .
أما الآن فقد تبين لها الخط الأبيض من الخط الأسود وانصدعت حفرة جدتها المسكينة ولم يبق لها إلا رحمة الله.
قال الشيخ علي: وكان خروج هذه البائسة أصيل يوم من أيام الصيف ذهبت فيه طاوية على الجوع كما تغدو الطيور من وكناتها وملء بطونها هواء. غير أن الطيور تهزأ بالناس جميعاً وهي على ضعفها أقوى من الشرائع والقوانين إذ تنبعث وكأن كل طائر منها إرادة متجسمة تقذف بها السماء فما تبالي على أي أرض تقع ومن أي حب تلتقط ولا نعرف إلا أن هذا الإنسان يعمل على السخرة ليخرج لها من الأرض رزقها رغداً.
أما الفتاة فكل الناس يهزأ بها وهي ترى كل إنسان على ملكه كأنه قانون وضع لعقابها إذا حدثتها النفس حديثاً فقد بلغت من الضعف والمرض والفاقة إلى حال لا تجعل يديها تصلحان لعمل غير الأخذ فإن اختلست قيل سارقة فعوقبت، وإن سألت قيل متشردة فكذلك.
ويا ليت في قلب هذا الإنسان من معاني الصفح بعض ما في لسانه من ألفاظ القصاص
стр. 1897
ولكنه حيوان متكلم فتنصرف فطرته الحيوانية أكثر ما تنصرف إلى لسانه كما تتمثل هذه الفطرة من سائر الحيوانات في حواسها التي تبطش بها وكلا النوعين سواء في الإفتراس. والكلب والتوحش فما اللسان إلا حاسة البطش العاقلة. . . وقلما يؤذي الإنسان، قبل أن يؤذي بهذا اللسان.
ولم تر المسكينة أروح لنفسها المكدودة من الإنتحار وكأنما يخال لها أن في الموت عيشاً فخرجت تمشي بين الناس إلى قبرها كأنها فيهم جنازة وهم يعيشونها. ولئن كانت لم تسر بالحياة فلقد سرها أن ترى تشييع جنازتها وهي حية تموت ولا أقول وهي حية ترزق فإن العلة النازلة بها قد أخذت عليها مذاهب الرزق حتى لم تترك لها في الناس وجهاً وقبضت عنها الأيدي إلا تلك اليد الواحدة التي تأخذ ولا تعطي وهي يد الموت.
وإنها لتنفتل وتلتوي على أحشائها من رجفة الجوع وما تأخذ عينها من الناس إلا من يحمل بطنه حملاً من شبع وري فكان نظرها إلى الناس أمض عليها من الفكر في نفسها وكأنها تقتل من وجهين.
وكذلك أخذت سمتها إلى طريق النهر وأمضت نيتها على الموت غرقاً لتموت نظيفة وتكون لنفسها غاسلة وترسل روحها المتألمة إلى السماء في دموع السماء.
ومشت تتساقط كأن الجوع والمرض يهدمان منها في كل عثرة ركناً أو كأنه كتب على كل بائس أن يموت في طريقه إلى الموت. وهي تنتهض من كل عثرة إلى أشد منها كما تتخطى العنكبوت في نسجها من خيط واهن يكاد ينقطع إلى خيط أوهن منه. وقد اجتمعت روحها في عينيها فهي تسيل على نظراتها الشاردة وكلما امتد بها السير قصرت مسافة النظر حتى توهمت أن الموت بادئٌ بها من عينيها. وإنها لكذلك إذ لمحها طفل قروي قد انقلب من المدينة إلى الضاحية التي غادر فيها أمه العمياء وكان يعتمل طوال يومه في بعض المصانع وهو يحمل طعامه الذي لم ينله إلا ببيع نفسه يوماً كاملاً. على أن المسكين لا يحس من الذل أنه اشترى نفسه بمقدار ما يحس من العزة أنه ابتاع أداماً ورغيفين وقطعة من الحلوى.
قال الشيخ علي: وبصر هذا الطفل بالفتاة وأدرك أن روحها تخطو في أنفسها وإنه الجوع لا غير، وهو من أبنائه طالما شد عليه حتى انطوى. ولأن لغمزاته حتى التوى، وما يعرف
стр. 1898
أنه ابن أبيه وأمه، أكثر مما يعرف أنه ابن فقره وهمه، فابتدر إلى المسكينة وكانت حركة الحياة فيها أسرع من حركة أضراسها في طعامه ثم ذهب لا يعرف ما نصنع لأنه طفل أو لأنه فقير. لا أدري. غير أني أعرف أنه لا يسلم من لؤم النفس في صنعة المعروف وتطويل المن به وتعريض الحديث فيه إلا الأطفال وإلا الفقراء. أولئك لأنهم لا يستكثرون الخير، وهؤلاء لأن الخير منهم غير كثير.
وانطلق الطفل وهو يلوي رأسه ويفكر في أي خديه تقع عليه اللطمة الأولى من أمه لأنها لا محالة ستحسبه اقترف إثماً فطرد من عمله، وانقطعت به طريق أمله، وإلى أن يأتي الله بالصباح الذي ينير برهانه، ويثبت لها إحسانه، يكون هذا الليل، قد صب عليه الويل، وهكذا جعل يشهد الله على ما سيلقاه في سبيل الخير بدلاً من أن يشهد الناس على ما لقي غيره منه في هذا السبيل من إحسانه وإيثاره. لأنه طفل أو لأنه فقير؟ لا أدري.
أما الفتاة فأرسلت في أثره نظرة حية ولم تجزه غيرها بل جعلت جزاء عمله من عمله نفسه لأن ثرثرة الفقراء في الشكر على المعروف كهذيان الأغنياء في التبسط على المن به كلاهما لا يكون الأمن خبث أو لؤم وهي فتاة أقدمت على الموت ولم تقدم على السرقة. وإنها لتعلم أن من أحياها فكأنما أحياء الناس جميعاً ولكنها رأت الطفل غير أهل لأن يعرف إحسانه من نفسها. لأنه طفل أو لأنه فقير: لا ادري.
ولما أمسكت عليها النفس وراجعت الحياة بدا لها فيما اعتزمه من الانتحار فترددت وجعلت تساورها الظنون وخلق لها من معدتها عقل جديد يبصرها فرق ما بين الجوع والشبع وكذلك تعرض لبعض الناس حالات من الحرص يعقلون فيها يبطنوهم حتى أن أحدهم لو تحسس رأسه وهو يفكر لحسبه بطناً صغيراً من العظم. . . فأنشأت الفتاة تستقيم على طريقها وهي تؤامر نفسيها على الحياة والموت وقد بدأت تهضم في معدتها الطعام والعزيمة جميعاً.
وبينما هي تسير نظرت في عرض الطريق سيدة لولبس معنى الغنى لفظاً مابس غير اسمها، ولو كان للكبرياء رسم ما رأيته غير رسمها، وقد أورثها الغني ذلك الغرور بنفسها، حتى توهمت أنها في الأرض أخت شمسها، وبلغت في النعمة من الحمق والبطر، بحيث جعلت نفسها كالسماء متى تعبس وجهها استهلت لعنتها المطر، وهي من أولئك اللواتي
стр. 1899
يخرج الغنى معهن في الطريق لا حارساً ولا منعاً ولكن للكيد والفتنة. فتنة المساكين وكيد الحاسدين فخرجت في زينتها وكأنها حانوت جوهري. . . وهي نصف من النساء ولكنها تتصابى فكأن في سامتها وابتسامتها شباب عشر فتيات جميلات. . . وقد ذهبت في أوضاع جسمها مذاهب هندسية بين المستدير والمستقيم والمنحني. . . حتى ظهرت كأن نصفها من الله ونصفها من الخياطة. . . وإذا رأيت جملتها رأيت روضة الجمال بألوانها وأزهارها ولكن. . . مصوره، فإذا انتهيت إلى وجهها رأيت للحسن هناك شهادة على الله ولكن. . مزورة. . . وعلى الجملة فقد جعلها حسنها المالي في رأي نفسها كالشرائع لا جدال فيها إلا من زنديق. . .
ورأتها الفتاة كما تنظر المرأة إلى المرأة بعين جامدة ليس فيها لغة ولا فلسفة ولا شعر، فقالت يا لها سعادة أن تكون هذه العجوز. . . لا تتقدم في عمرها إلى الأمام ولكنها ترجع إلى الوراء، وأن تظهر بين الناس حسناء وإن كانت من القبح بحيث ذهب نصف نهارها في التحسن، وأن لا تجد من هموم الدنيا أكثر من هم الألفاظ أن قال الناس غير حسناء أو قالوا غيرها أحسن منها. ويا له شقاء أن تكون هي كما هي وأكون أنا كما أنا.
ثم رمت بعينيها إلى السماء وانحرفت تواجه تلك السيدة فما تبينتها هذه وألمت بما نفسها حتى انقبضت كأنما أثارت الأرض في وجهها دابة جامحة، وجعلت تتحاماها وتلوذ ههنا وههنا وتحتث قدميها كأنها لقاء خطر شديد. غير أن الفتاة ملأت عليها الطريق بحركاتها فكانت وجهها كيفما يمنة أو يسرة وكأنما تطاردها مطاردةً.
فلما عيت السيدة بأمرها وغاظ الفقر نعمتها وهاج الفضول الفتاة حنقها وكبرياءها. وقفت لها وقفة القضاء عابسة الوجه شامخة الأنف يكاد يستنفض الناس طرفها وتكاد تميز من الغيظ وتدل هيئة وجهها على أن وراء شفتيها المرتجفتين كلمات أحد من أنياب الوحش.
فلم تبال الفتاة وبقيت رئتاها واسعتين للهواء إذ ليس بعد الفقر خوف، ودلفت إليها باسطة اليد وهي تكاد تزلقها ببصرها حتى إذا وقفت بإزائها خفضت رأسها وقالت:
سيدتي! أدام الله نعمته عليك وهنأك هذه النعمة بدوامها.
ـ هي دائمة وما أنت والنعمة؟
سيدتي! وقاك الله ما أنا فيه من بأساء الحياة ولا كتب عليك أن تعرفي ما هي.
стр. 1900
ـ فلماذا أنت وأمثالك في الحياة إذن أيتها الحمقاء وهل يكتب تاريخ البؤس إلا في صفحة من مثل هذا الوجه؟
سيدتي! هبيني خادماً أحسنت إليها.
ـ فلتكوني خادماً طردتها إن بلغت أن تكوني خادماً لمثلنا.
ـ يا ويلتا! إلا رحمة في قلبك فتجودي علي بما لا بأس عليك منه؟
ـ ولماذا أفضلك على سائر الفقراء؟ ينبغي أن أجود عليهم جميعاً إذا أنا وجدت عليك ولو فعلت لطلبت بعد ذلك من يجود علي.
سيدتي! ألا فاجعليني من نصيبك في الإحسان وغيري من الفقراء له غيرك من الأغنياء على الموسع قدره وعلى المقتر قدره.
ـ إذاً فكوني أنت من نصيب غيري ودعي غيرك لي سيدتي! ليس فقري عن خطأ مني وليس غناك عن صواب منك وما الرزق يا سيدتي من فضل الحيلة.
ـ وهل أنا أريد أن أعاقبك فتنتفي من الخطأ.
ـ رجماك واتقي الله في الإنسانية فلعل في قصرك الباذخ كلبة جعلتها أحسن حالاً مني.
ـ حينما تصيرين مثلها فتعالي إلينا ويومئذٍ تعرفين كيف تطرد الكلاب.
قال الشيخ علي: فكبر ذلك على الفتاة وانتبهت في نفسها فضيلة الفقر فرأت أنها تنظر من ضمير تلك السيدة في مرآة مقلوبة من مرائي الإنسانية مهما جهدت أن تستقيم لها لم تزدها إلا مسخاً. هنالك غلبتها عيناها وانطلقت وراء دموعها ولم تجد لها عزماً.
أما السيدة الكريمة - كما يقال فابتلعت ما بقي في فمها من تلك الفلسفة وافتر ثغرها قليلاً عن ابتسامة السخرية وسرها أن يكون في لسانها كل هذا النطق. . . ثم أنغضت رأسها بكبرياء وقالت: مسكينة مسكينة ومرت بعد ذلك لا تلوي.
وسمع الله قولها إذ تجادل الفتاة وقد ربت في ثيابها من الغيظ وتنفشت كالإسفنج فأطلق عليها دموع البائسة وإن هذه لتأنس راحة في البكاء لم تعهدها من قبل فانزوت جانب الطريق وجعلت تبكي ثم تبكي ثم تبكي حتى لو جمعت دموعها لغمرتها وقد جمعها الله وأرصدها من أقداره لتلك الإسفنجة وقضى ربك ألا تعصر بعد اليوم إلا دموعاً.
كانت السيدة فتاة كطلعة البدر في الرابعة عشرة لا تصفها إلا مرآتها وهي الدنيا مجموعة
стр. 1901
في قصرها. وكأنها في النعمة مستقبل نفسها وماضي أمها، وكانت هذه السيدة عقيماً ولكن شذت معها الطبيعة لأمر أراده الله فولدت لها فتاة وكأنما انشق لها القمر. ولم تذكرها في نفسها إذ كانت تحاور تلك المسكينة بل ذكرت خادمتها وأنفت لهذه الذكرى. ومن شؤم الغنى على أله أن لا يذكرهم في الشر إلا بأنفسهم ولا ينسيهم في الخير إلا أنفسهم فلا يعلمون أن الفقر أواع كثيرة وأن الغني نفسه نوع من الفقر إلى الله. وبذلك ينظرون إلى المساكين تلك النظرة التي لا تخلو من بعض معاني القضاء والقدر كأن الألوهية درجات جعلهم الغني في واحدة منها. فما ظنكم أيها الأغنياء برب العالمين؟
وانكفأت السيدة إلى قصرها فإذا فتاتها تنتفض من وعكة الحمى وهي في سريرها كقلب أمها في اضطرابه والتهابه وما تعلم من أين اتصلت بها الحمى ولكن الله يعلم ولئن كان البعوض مما يعد في أسباب هذا المرض فلقد كان كلامها للفتاة ينفر منها كما ينفر البعوض من مستنقع. فخرجت المرأة عن رشدها وضاقت عليها الأرض بما رحبت ولقد تكون المصيبة جنوناً وإن لم يكن من أسمائها الجنون. على أنها لم تر ملجأً من الله إلا إليه فابتدرت تدعوه وضرب الذهول بينها وبين اللعنة فلا تردد غير هذه الكلمات: يا رب. يا رب. ابنتي. ماذا جنت. مسكينة مسكينة.
وجاء الطبيب كأنما أطلق في قنبلة مدفع ضخم. . . . . فأسرعت إليه وهي تقول: ابنتي ابنتي أيها الطبيب مسكينة مسكينة. ثم مرت الأيام وابنتها مريضة وهي مريضة ببنتها فكانت كلما نظرت إليها ملتهبة ذاوية لم يجر الله على لسانها غير هذه الكلمات: أه يا ابنتي مسكينة مسكينة.
قال السيخ علي: وضرب الدهر من ضرباته خرجت الفتاة البائسة ذات يوم وكانت قد أصابت عملاً فتردم جانب من حالها وبينما هي تمشي مطمئنة رفع لها شبح أسود في عرض الطريق فجعلت تدانيه حتى حاذته فإذا هي بسيدة الأمس وقد حال لونها، واستحال كونها، وعادت من الهم كأنها ظل منتصب في سواد، وظهرت من الخزن كأنها تمثال منصوب للحداد، وهي تلوح من الذلة والإنكسار، كأنما مات بعضها، وبقي بعضها، وكأنما كانت حياتها من الأزهار، فذهب ربيعها وروضها، وبقي جذرها وأرضها.
فما تبينتها الفتاة ورأت ما نزل بها حتى نفرت دموعها حزناً ثم رفعت عينيها إلى السماء
стр. 1902
وقالت:
يا رباه مسكينة مسكينة. . . .
اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع من تشاء
ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك
على كل شيءٍ قدير.
стр. 1903
مركز المرأة الإجتماعي
٥
المرأة في أغلب العائلات المتوسطة أسيرة زوجها وخادمه المطيع. تهب واقفة كلما أقبل أو أدبر. ولا تجلس ما دام واقفاً على مقربة منها ولا تخاطبه إلا بخشوع واستكانة وإن نادته فلا تناديه باسمه ولكن تناديه بلفظ السيادة، وكذا هو لا يناديها باسمها ولكن يدعوها بألفاظ لا تدل على الإحترام بل على العكس تدل على الإمتهان وإن كانت دلالتها غير صريحة.
حدثني صديقي بأنه بقي إلى سن العشرة يجهل اسم والدته وذلك لأن الناس ينسبونها إليه ويدعونها بأم فلان ولم يسمع أباه يناديها باسمها وإنما (ياهوه) أو (ياللي هنا).
لا يستشير الرجل زوجته ولا يشركها في الرأي ومن العيب الفاضح أن يقال عنه أنه (مشورة مرة) وإن شاورها فإنه يعمل بضد ما تقول (شاوروهن وخالفوهن).
ولا يخجل الرجل من أن يمد يده إلى المرأة بالضرب ولا يتأفف الجمهور كثيراً من أن يرى رجلاً يضرب امرأة. ولكنه تثور ثائرته حينما يجد امرأة تهين رجلاً أو تضربه.
غير أن عادة ضرب الرجال النساء فاشية على الخصوص بين الطبقات السفلى. وهذه العادة الذميمة لحسن الحظ آخذة في الإنقراض.
أجل. إن الفلاحة مطلقة السراح تخرج حينما تريد سافرة الوجه إلى المزارع والحقول وزيارة جاراتها وتساعد زوجها وتشاركه في الرأي وتؤاكله وتجالسه ولها دراية تامة بمهام الأعمال الزراعية.
غير أنها ما زالت دون الرجل بمراحل في الإحترام، وحظها من الإحتقار الجنسي حظ أي امرأة أخرى.
ومن أكبر المساب وأبلغها في القحة أن يقال لإنسان لأنه امرأة.، اذكر يومأً أني كنت سائراً في شارع شبرا فسمعت حوذياً يحث حصانه على المشي ويبالغ في إذلاله بقوله له (شيه يا مره) إلى هذا الحد بلغ احتقار المرأة بيننا حتى صار اسمها مسبة للإنسان والحيوان.
ولكن مع هذا لا ننكر أن في الأمة المصرية عوامل اجتماعية واقتصادية تعمل ببطء. ولكن باستمرار على رفع شأن المرأة وإعلاء مركزها الإجتماعي وإنالتها الحرية والحقوق التي تصلح لها.
стр. 1904
ومن هذه العوامل جوار الأوربيين لنا في بلادنا واختلاطنا بهم واقتباسنا بعض عاداتهم وسفر بعض الأغنياء مع عائلاتهم إلى أوروبا مدة الصيف وإقبال الشبان على التعلم في الجامعات الأوروبية والمدارس المصرية وتفتح أذهانهم بنور العلم والمدينة بفضل انتشار الكتب والجرائد.
والتعليم الأنثوي من خير هذه العوامل فإنه يرفع من شأن المرأة ويعلي قدرها ويكسبها ثقة نفسها ويفتق ذهنها فتعرف حقوقها فتدافع عنها وتطمح إلى الإستزادة منها وترغم الرجل على احترامها. فأشد ما تكون الحركة الأنثوية وجهاد المرأة في اكتساب حقوق جديدة في البلاد التي بلغ فيها التعليم الأنثوي ذروة الكمال وكادت المرأة تماثل الرجل في قوة المدارك كإنجلترا وأميركا.
غير أن هذا التعليم مازال ضعيفاً بيننا قليل الإنتشار وذلك لحداثة عهده وتسلط الأوهام والخرافات على كثيرين ولكن على الرغم من هذا فإنه سائر إلى الأمام يتخطى هذه العقبات بقدم ثابتة. وأتى بفوائد لا بأس بها وإن كانت لا تزال بذوراً لم تنتج بعد. فمن آن لآخر تسمعنا المرأة صوتها طالبة إصلاح شأنها ومن قبل كانت صامتة لا تنبث بكلمة ولا تجرأ على التذمر. وبدأت تسترجع حريتها وتحمل الرجل على احترامها. ولحسن الحظ لم تجمح ولم تلجأ إلى الطعن وهذا ما يبشر بحسن المستقبل.
غير أن الجمهور لا يرى في النساء المتعلمات هذه الرزانة ويرميهم بالرعونة والخفة وهو معذور في ذلك لأنه لم يتعود بعد أن يرى المرأة عالية الرأس طامحة إلى الحرية وعهده بها الإستكانة والخضوع ولأن بعضهن وهن قليلات جداً أسأن فهم الحرية لحداثة عهدهن بها.
وقد أدى التطور الإقتصادي واستزادة الناس لأسباب الرفاهية إلى تحسين حال المرأة. إذ عدل كثير من رجال الطبقتين العليا والوسطى عن الإكثار من الزواج والطلاق ومن قبل كان الواحد منهم لا يكتفي بزوجة واحدة بل يتخذ عدة زوجات ولأتفه الأسباب يطلق زوجته ليتزوج بغيرها وذلك لأن حاجيات الحياة كانت قليلة جداً. بحيث كان رب العائلة لا يهتم بكثرة أولاده ونسائه أما الآن فحمل الحياة ثقيل لكثرة ما يحتاج إليه الإنسان وما تتطلبه الأطفال من الرعاية والتربية.
ولا ننس ما للإصلاح القضائي خصوصاً القضاء الشرعي من الفضل في وقاية المرأة من
стр. 1905
عبث الرجل. فمن قبل كان يعبث بها طلاقاً وزواجاً ولا ينفق عليها ويتركها هي وأطفالها عرضة للبؤس والشقاء ولا تجد من ينصفها. وقد تغيرت هذه الحال نوعاً ما. وأصبحت المرأة تلجأ إلى المحاكم الشرعية لتقرر لها نفقة ولا يهمل قرار المحكمة مثل الأول بل ينفذ على الزوج بالقوة وإذا امتنع يحبس.
ولابد أن هذه الشدة تحمل الرجل على التردد والتفكير من قبل أن يقدم على طلاق زوجته أو الزواج بإمرأة ثانية. وبعد فإن إصلاح المحاكم الشرعية قد أفضى إلى تقليل الطلاق وتعدد الزوجات.
الدكتور عبده البرقوقي المحامي
стр. 1906
فكاهات ونوادر ومختارات في الأدب والتاريخ
نبل أرواح العرب
كان معن بن زائدة الشيباني من سادات العرب وكان نادرة الفلك في الكرم والجود. وكان في أيام الدولة الأموية يتنقل في الولاية من الآية إلى الأية، وكان منقطعاً إلى يزيد بن عمر الفزاري أمير العراقيين أزمان الأمويين فلما دالت الدولة إلى العباسيين وجرى بين أبي جعفر المنصور وبين يزيد المذكور من محاصرته بمدينة واسط ما هو مدون في كتب التاريخ أبلى يومئذٍ معن مع يزيد بلاءً حسناً فلما قتل يزيد خاف معن من أبي جعفر المنصور فاستتر عنه مدة وجرى له مدة استتارة غرائب فمن ذلك هذه الحكاية التي تشف عن نبل أرواح العرب سواء في ذلك أميرهم وحقيرهم، حدث الشاعر مروان بي أبي حفصة - وكان مروان شاعر معن خصيصاً به - قال: أخبرني معن وهو يومئذٍ متولي بلاد اليمن أن المنصور جد في طلبي وجعل لمن يحملني إليه ممالاً فاضطررت لشدة الطلب إلى أن تعرضت للشمس حتى لوحت وجهي وخففت عارضي ولبست جبة صوف وركبت وخرجت متوجهاً إلى البادية لأقيم بها فلما خرجت من باب حرب - وهو أحد أبواب بغداد - تبعني أسود متقلد سيفاً حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه وقبض على يدي فقلت له وما بك فقال أنت طلبة أمير المؤمنين فقلت ومن أنا حتى أكون طلبة أمير المؤمنين فقال أنت معن بن زائدة فقلت له يا هذا اتق الله وأين أنا من معن فقال دع هذا فإني والله لأعرف بك منك فلما رأيت منه الجد قلت له هذا عقد جوهر بأضعاف ما جعله المنصور لمن يجيئه بي فخذه ولا تكن سبباً لسفك دمي قال هاته فأخرجته إليه فنظر فيه ساعة وقال صدقت في قيمته ولست قابله حتى أسألك عن شيءٍ فإن صدقتني أطلقتك فقلت قل قال إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت مالك كله قط قلت لا قال فنصفه قلت لا قال فثلثه قلت لا حتى بلغ العشر فاستحيت وقلت أظن أني قد فعلت ذلك قال ما ذاك بعظيم أنا والله راجل جندي بياده ورزقي من أبي جعفر المنصور كل شهر عشرون درهماً وهذا الجوهر قيمته ألوف الدنانير وقد وهبته لك ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس ولتعلم أن هذه الدنيا من هو أجود منك فلا تعجبك نفسك ولتحقر بعد هذا كل جود فعلته ولا تتوقف عن مكرمة ثم رمى العقد في حجري وترك خطام الجمل وولى
стр. 1907
منصرفاً فقلت يا هذا والله لقد فضحتني. ولسفك دمي علي أهون مما فعلت فخذ ما دفعته لك فإني غني عنه فضحك وقال أردت أن تكذبني في مقالي هذا. والله لا أخذته ولا آخذ لمعروف ثمناً أبداً ومضى لسبيله فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن يجيئني به ما شاء فما عرفت له خبراً وكأن الأرض ابتلعته.
كيف كانوا يكرمون العلماء ويكافئونهم
حدث النضر بن شميل العالم اللغوي المشهور قال - كنت أدخل على المأمون في سمره فدخلت ذات ليلةٍ وعلي ثوب مرقوع فقال يا نضر ما هذا التقشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان قلت يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف وحسر مرو شديد فأتبرد بهذه الخلقان قال لا ولكنك قشف ثم امتد بنا نفس الحديث فأجرى هو ذكر النساء فقال حدثنا هيثم عن ابن عباس قال قال رسول الله إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز - فأورده بفتح السين - قال النضر فقلت صدق يا أمير المؤمنين هيثم حدثنا عوف ابن أبي جميلة عن الحسن عن علي قال - قال رسول الله: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز - قال. وكان المأمون متكئاً فاستوى جالساً وقال يا نضر كيف قلت سداده قلت لأن ههنا لحن قال أو تلحنني؟ قلت إنما لحن هيثم وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه قال فما الفرق بينهما قلت السداد بالفتح القصد في الدين والسبيل وبالسر البلغة وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد. قال أو تعرف العرب ذلك قال نعم هذا العرجي يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقال المأمون قبح الله من لا أدب له وأطرق ملياً ثم قال أنشدني أخلب بيت قالته العرب قلت حمزة بن بيض يقول في الحكم بن مروان:
تقول لي والعيون هاجعةٌ ... أقم علينا يوماً فلم أقم
أي الوجوه انتجعت قلت لها ... وأي وجه إلا إلى الحكم
متى يقل صاحباً سرادقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... فهات أدخل أو وفني سلمي
فقال أحسن ما شاء. أنشدني أنصف بيت قالته العرب.
стр. 1908
قلت ابن عروبة المدني حيث يقول
إني وإن كان ابن عمي واغراً ... لمزاحم من خلفه وورائه
وممده نصري وإن كان أمرأ ... متزحزحاً في أرضه وسمائه
وأكون وإلي سره وأصوله ... حتى يحين علي وقت أدائه
وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرنت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا دعي باسمي ليركب مركباً ... صعباً قعدت له على سبسائه
وإذا رأيت له رداءً ناضراً ... لم يلفني متمنياً لردائه
فقال أحسن ما شاء. أنشدني أقنع بيت للعرب قلت الحكم ابن عبدل الأسدي حيث يقول:
أطلب ما يطلب الكريم من الرز ... قلنفسي فأجمل الطلبا
وأحلب الثرة الصفي ولا ... أجهد أخلاف غيرها حلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعةٍ رغبا
والنذل لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئاً إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع الظهر لا ... يحسن مشياً إلا إذا ضربا
ولم أجد عدة الخلائق إلا الد ... ين لما اعتبرت والحسبا
فقال المأمون أحسن ما شاء: ما مالك يا نضر، فقد أريض لي بمرو أنصأبها وأمزرها. قال - أفلا تفيدك مع ذلك مالاً - قلت إني إلى ذلك محتاج. قال - فأخذ القرطاس وكتب وأنا لا أدري ما يكتب ثم قال كيف تقول من التراب إذا أمرت أن تترب. قلت أتربه قال فهو ماذا قلت مترب قال فمن الطين قلت طنه قال فهو ماذا قلت مطين. قال هذه أحسن من الأولى ثم قال يا غلام أتربه وطنه ثم صلي بنا العشاء. ثم قال لخادمه تبلغ معه إلى الفضل بن سهل فأتيته فلما قرأ الكتاب قال يا نضر - إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب فأخبرته ولم أكذبه فقال لحنت أمير المؤمنين فقلت كلا إنما لحن هيثم وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه فأمر لي الفضل بثلاثين ألفاً - فأخذت ثمانين ألفاً بحرف استفيد مني.
شيء من نوادر أشعب
كان أشعب بن جبير التابعي المدني من أظرف الناس وأكثرهم نادرة وأبدعهم فكاهةً
стр. 1909
ومجوناً - وكان شرهاً لهماً دباغي المذهب طفيلياً جد بخيل. وكان لذلك كله حبيباً إلى النفوس كأنه مخلوق من كل نفس فكان مقرباً من الخلائف والأمراء وأهل بيت النبوة وأشراف العرب - وكانوا يتنافسون في طلابه والإختصاص بسمره ومجونه ونحن نختار هنا بعضاً من نوادره تفكهةً للقراء - حدث الرواة قالوا - قالت صديقة أشعب مرة لأشعب هب لي خاتمك أذكرك به قال أذكريني أني منعتك إياه فهو أحب إلي: وحدثوا أن أشعب صلى يوماً جانب مروان بن إبان بن عثمان - وكان مروان عظيم الخلق والعجيزة فأفلت منه عند نهوضه بعض ما يقبح. . . وانصرف أشعب من الصلاة فظن الناس أنه هو صاحب تلك الفعلة. . فلما انصرف مروان إلى منزله جاءه أشعب وقال له الدية فقال دية ماذا فقال دية. . . التي تحملتها عنك وإلا شهرتك والله فلم يدعه حتى أخذ منه شيئاً صالحاً. وحدث رجل من الأشراف قال - قلت لأشعب يوماً لو تغديت عندي العشية فقال أكره أن يجيئ ثقيل قلت ليس غيرك وغيري. قال فإذا صليت الظهر فأنا عندك فصلي وجاء فلما وضعت الجارية الطعام إذا بصديق لي يدق الباب فقال ترى قد صرت إلى ما يكره قلت إن عندي فيه عشر خصال قال فما هي - قلت أولها أنه لا يأكل ولا يشرب. قال التسع لك أدخله. . . . وسمع أشعب امرأة تقول اللهم لا تمتني حتى تغفر لي ذنوبي فقال لها يا فاسقة أنت لم تسألي الله المغفرة إنما تسألينه عمر الأبد يريد أن الله لا يغفر لها أبداً. . . وحدثوا: أن لولين بن يزيد بعث إلى أشعب يوماً بعد ما طلق امرأته سعدة فقال له يا أشعب لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي سعدة فقال له أحضر المال حتى أنظر إليه فأحضر الوليد بدة فوضعها أشعب على عنقه ثم قال هات رسالتك يا أمير المؤمنين قال - قل لها يقول لك:
أسعدة هل إليك لنا سبيل ... وهل حتى ألقياته من تلاق
بلى ولعل دهراً أن يؤاتي ... بموت من حليلك أو طلاق
فأصبح شامتاً وتقر عيني ... ويجمع شملنا بعد افتراق
فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه فأمرت ففرش لها فرش وجلست فأذنت له فدخل فأنشدعا ما أمره فقالت لخدمها خذوا الفاسق فقال يا سيدتي إنها بعشرة آلاف درهم قالت والله لأقتلنك أو تبلغه كما بلغتني قال وما تهبين لي قالت بساطي الذي تحتي قال قومي عنه فقامت
стр. 1910
فطواه ثم قال هاتي رسالتك جعلت فداءك قالت قل له:
أتبكي علي لبني وأنت تركتها ... فقد ذهبت لبني فما أنت صانع
فأقبل أشعب فدخل على الوليد فأنشده البيت فقال أوه تلتني والله - اختر إما أن أدليك منكساً في بئر أو أرمي بك من فوق القصر منكساً أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربةً فقال ما كنت فاعلاً بي شيئاً من ذلك قال ولم قال لأنك لم تكن لتعذب رأساً فيه عينان قد نظرتا إلى سعدة فقال صدقت يا بن الزانية أخرج عني.
стр. 1911
أفكار بليدة
لمفكر بليد في أوقات بليدة
الإنقباض
إني أستطيع أن أتلذذ من الحزن. وأجد الإبتهاج في التعب والشقاء، ولكني لا أرى أحداً يحب أن تصيبه نوبة الإنقباض، ومع هذا تأبى هي إلا أ، تصيبهم وتدنو منهم، ولا يستطيع أحد منهم أن يعرف سبباً لها أو تفسيراً، فأنت قد تصيبك النوبة في اليوم التالي لليوم لذى رزقت فيه الثروة الكبرى والغنى العريض، كما قد تنتابك في اليوم الذي تفقد فيه مظلتك في القطار، وترى تأثيرها على مزاجك أشد من التأثير الذي تشعر به عندما تصاب بوجع الأضراس وعسر الهضم ورطوبة الرأس في آنٍ واحد، إذ تصير قلقاً أحمق متهيجاً خشناً مع الأضياف والغرباء. خطراً على الأصحاب والأًصدقاء مشاغباً مشاجراً ثقيلاً على نفسك، وثقيلاً على كل من حولك.
وأنت في هذه الحال لا تستطيع أن تفعل شيئاً ما وتفكر في شيءٍ وأن كنت مضطراً إلى أن تقوم بعملك. ثم أنت لا تستطيع أن تجلس هادئاً، لذلك تضع قبعتك فوق رأسك تهم بأن تتنزه ولكنك لا تكاد تشرف على رأس الشارع، حتى تود لو أنك لم تخرج وإذ ذاك ترجع أدراجك إلى البيت. فتفتح كتاباً تحاول أن تقرأ، ولكنك تجد شكسبير مبتذلاً سوقياً. وترى ديكنز بليداً ثرثاراً. وتكري ثقيلاً، وكارليل متصنعاً متكلفاً. فلا تلبث أن ترمي الكتاب بعيداً وتأخذ في شتيمة المؤلفين. ولمن الكتاب، ثم تطرد الفظه من الحجرة وتغلق الباب في أثرها وعند ذلك يخطر لك أن تجلس لكتابة خطاباتك ولكنك لا تكاد تنتهي من هذه اليباجة. . . عزيزي فلان. . . . من بعد مزيد من السلام والسؤال عن صحتكم التي هي غاية المراد من رب العباد. . .، حتى تمضي نصف ساعة ولم تزد عليها حرفاً واحداً، فتقذف بالخطاب في الدرج وتطرح الريشة الممتلئة بالمداد فوق غطاء المائدة، وتنهض بعزيمة جديدة وهي الذهاب لزيارة آل فلان. . . . ولكنك وأنت تدخل قفازتيك في يديك يخطر في ذهنك أن آل فلان هؤلاء مغفلون ثقلاء، وأن لا عشاء عندهم وأنك ستضطر إلى مناغاة طفلهم الصغير وملاعبته فتلعن آل فلان هؤلاء وتنوي المكث والبقاء.
وعند هذا الحد تحس أنك قد انهزمت، فتدفن وجهك في راحتيك. وتظن أنك تود لو مت
стр. 1912
واسترحت، ولهذا تبدأ تصور لنفسك سرير مرضك والأصحاب وهم حافلون من حولك والأقرباء وهم مجتمعون حول فراشك يبكون جميعاً وينتحبون، وأنت تباركهم أجمعين ولاسيما الأوانس والفتيات منهم وتروح تقول لنفسك أنهم سيقدرونك حتى قدرك إذا أنت ارتحلت، ويفهمون الخسارة العظمى التي خسروها، وتمكث تقارن بألم شديد بين احترامهم إياك ميتاً. وقلة اعتبارهم إياك الآن حياً وتجعلك هذه الخواطر هادئاً بعض الهدوء، ولكن لا يلبث هذا الهدوء أن يذهب، إذ لا يني يدور في رأسك بعد ذلك أنك لا بد أحمق معتوه إذ تتصور لحظة واحدة أن إنساناً سيحزن عليك أو سيتألم لمصابك، وتمضي على هذا تقول لنفسك من ترى يعني بي إذاً أنا: انفلقت: أو: شنقت: أو تزوجت: أو غرقت: لأنك لم تر من احترام الناس ما تستحق، ولم تجد من تقديرهم ما أنت به خليق، وتنطلق تراجع ماضيك وأيامك الأولى: فيبدو لك أنك أسئت من الناس منذ كنت في المهد.
ولا تكاد تمضي نصف ساعة عليك وأنت في هذه الخواطر المحزنة حتى تنهض خائفاً متوحشاً متسخطاً على كل إنسان، ومغضباً من كل شيء، ولاسيما من نفسك، ولو لم تكن الأسباب: التشريحية: تحول بينك وبين رفس نفسك إذن لفعلت، يجئ بعد ذلك أوان النوم فتثب إلى منامتك، فتخلع كل قطعة من ملابسك وتقذف بها في كل ناحية، ثم تطفئ الشمعة وتقفز إلى السرير، وهناك تتلوى وتنقلب ساعتين أو نحوهما، تضع الغطاء حيناً وحيناً ترفسه برجليك، وأخيراً يغلب عليك النعاس. فتحلم أحلاماً سيئة ولا تصحو الغداة إلا متأخراً.
هذا هو ما نعانيه نحن العزاب المساكين على الأقل في مثل هذه الظروف، أما المتزوجون فيهددون زوجاتهم، ويتسخطون على الأكل، ويصرون على ذهاب الأطفال إلى النوم!!
стр. 1913
باب تدبير الصحة
معلومات عامة وضرورية
طول الرجل يقرب كثيراً من طول ذراعيه إذا مدا مضافاً إليهما طول ما بينهما من الجسم أما طول المرأة فأقل من طول ذراعيها وما بينهما وذلك لقصر ساقيها نسبياً.
يبلغ طول الفخذ ٢٨ ر من طول الجسم ويبلغ طول الرجل تسعة عشر مرة طول الإصبع الوسطى ويبلغ طول الذراع من طرف الإصبع الوسطى إلى طرفه عند تثنيه مع الساعد خمسة مرات طول الإصبع المذكور.
ويبلغ طول الطرفين السفليين (الفخذين والساقين) مجتمعين طول الرجل السليم.
التسنين
تظهر أسنان الطفل في المواعيد الآتية
القواطع السفلى الأمامية الشهر السادس
العليا السابع
الجانبية الثامن
السفلى الجانبية العاشر
الأضراس الأولى الرابع عشر
الناب الثامن عشر
الأضراس الثابتة الرابع والعشرين
أما الأسنان الدائمة فتظهر في المواعيد الآتية:
الأضراس الأولى السنة السادسة
القواطع الأمامية السابعة
الجانبية الثامنة
الناب الثانية عشر
الأضراس الثانية الرابعة عشرة
الأضراس الثالثة (ضرس العقل) من الثامنة عشرة إلى الخامسة
والعشرين
стр. 1914
الدكتور محمد عبد الحي
стр. 1915
تفاريق
هل خطر لك أيها القارئ وأنت تبتاع كتاباً جديداً أن تعرف كم أنفق المؤلف من الوقت في وضع كتابه قبل أن تبرزه المطبعة وتذيعه المكتبة بين الناس.
إن مما لا شك فيه أن كثيراً من الكتب التي نقبل عليها ونحتفل بها عند ظهورها ما كانت لتقابل منا بالإحترام لو عرفنا تاريخها الحقيقي. فإذا قيل لنا أن مؤلفاً صرف كذا من السنين يضع رواية أو كتاباً أو تاريخ رجل عظيم فإن الجانب الأكبر من محصولات المطبعة عمل يدوي سخيف ولا أثر فيه للذهن.
لما قضى الملك إدوارد السابع ملك الإنكليز وأذيع الخبر مشى أحد الوسطاء بين المؤلفين والناشرين إلى عدة التلفون وأخذ يتعاقد مع ناشر على وضع تاريخ للملك الراحل
قال الوسيط - ما قولك إذا قدمت لك هذا التاريخ بعد خمسة عشر يوماً.
قال الناشر - أقبله منك.
وأخذ ناشر آخر يتحادث مع مؤلف على أن يقدم له هذا التاريخ بعد أسبوع. وبعد ساعة كان المؤلف يبدأ تاريخه وفي نهاية الأسبوع كانت الأصول بين يدي الناشر. ولا يزال هذا التاريخ رائجاً في السوق.
ولما نشبت هذه الحرب كانت الكتب التي صدرت في الأسبوع الأول أكثر من القنابل التي أطلقت. قال أحد الكتاب قيل أن يستوثق الناس من أن الحرب أعلنت بين إنكلترا وألمانيا أخذ بيت كبير للطباعة يرسل الرسائل التلغرافية والتلفونية إلى المؤلفين والمترجمين فمن مؤلف طلب كتاباً عن الجيش الألماني على أن يقدمه بعد عشرة أيام وطلب من آخر أن يترجم من الألمانية كتاباً عن الأساليب الحربية الألمانية وآخر ليضع كتاباً عن الجيش الروسي. وآخر ليؤلف كتاباً عن الحياة السرية في بلاط الإمبراطور غليوم.
ولا تزال هذه الكتب رائجة ومعدودة عمدة يرجع إليها!!!
إن اكتشاف الحكومات للمؤامرات التي تدبر ضد وزرائها لا يقع صدفة بل هو نتيجة نظام متين ففي كل دار للبريد غرفة خاصة بالحكومة وفيها تفتض رسائل الذين تشتبه فيهم ثم تصدرها إليهم بدون أن تترك عليها أثراً ينم عن عملها وهذه الغرفة في ألمانيا والنمسا وتركيا سوط نقمة هائلة لكثيرين يغيبون في السجون أو يختفون من الوجود بدون أن يعرف مقرهم ويكون هذا العقاب نتيجة عثور الحكومة على رسالة في هذه الغرفة السرية.
стр. 1916
وهذه الغرفة في إيطاليا وروسيا نقمة الفوضويين والنيهليست وقد استخدمها نابليون الثالث قبل سقوطه لمطاردة خصومه فكان يقبض على المئات ويزجهم في السجون لأن حكومته اكتشفت أسرارهم من مراسلاتهم في الغرفة السرية.
وافتضاض رسائل المرتاب فيهم يتم بمهارة ودقة فائقة ويقبض عليهم بدون أن يحذروا أو يعلموا أنهم موضع الظن والريب.
وطريقة فض الرسالة التي من هذا القبيل بسيطة جداً وذلك أن يدخل طرف آلة معدنية دقيقة في زاوية الغلاف اليسرى من وجهه الآخر وتتمشى الآلة ببطء وحذر بين الطرفين المصمغين حتى يفتض الغلاف وتقرأ الرسالة وتعاد ويصمغ الغلاف مرة أخرى.
فإذا وجد القائمون بهذا العمل أن صمغ الغلاف كثير ولا سبيل إلى افتضاضه بدون ترك أثر عرضوا الغلاف لبخار متصاعد من آنية فيها ماء يغلي فيلين الصمغ ويسهل لصق الغلاف مرة أخرى. فإذا وقع ما أفسد هذه العملية يوكل إلى خبير يضع غلافاً مماثلاً نصوص الرسالة تماماً وتختم الرسالة وتسلم إلى المرسلة إليه.
يظن الكثيرون أن بنك إنكلترا تابع للحكومة الإنكليزية والواقع أنه بنك أهلي تديره شركة إنكليزية وقد عهد إليه سنة ١٩٠٦ أن يتكفل بشؤون الدين الأهلي البريطاني وجعلت له عمولة على ذلك قدرها ٣٢٥ جنيهاً عن كل مليون حتى ٥٠٠ مليون جنيه و١٠٠ جنيه عن كل مليون فوق هذا المبلغ وعلى هذه القاعدة يدير شؤون قروض الحرب الحالية فتربح الشركة من مجموع القروض إذا قدرناها بمليارين وخمسمائة مليون جنيه ٢٥٠ ألف جنيه.
لملوك أوروبا اليوم مكاتب صحفية خاصة بهم ففي كل مكتب موظفون يطالعون أكبر صحف العالم ويقطعون منها ما يعجب الملك الإطلاع عليه فملك الإنكليز يحب الإطلاع على الأخبار الخارجية وأخبار الدوائر العليا السياسية. وجلالته من أكثر الملوك إطلاعاً وإلماماً بأخبار العالم. فإذا سافر استصحب هؤلاء الصحفيين. وعنده مجموعات بالأخبار والمعلومات المتقطعة من الصحف للرجوع إليها عند الحاجة.
ونحن نعلم أن عظمة السلطان حسين يتبع هذه الطريقة ففي كل صباح يقرأ إبراهيم بك رمزي رئيس قلم الترجمة الصحف المصرية ويقتطع منها ما يهم عظمته الإطلاع عليه.
يجدر بالقارئ أن يلم بهذه المعلومات عن الولايات المتحدة.
стр. 1917
ـ تضم ٤٩ ولاية مستقلة استقلالاً داخلياً.
ـ نيويورك يقطنها ٥ ملايين وهي ثاني مدينة في العالم.
ـ يقدر سكان الولايات المتحدة بمئة مليون منهم ١٦ مليوناً من أصل ألماني.
ـ هي الدولة البحرية الثالثة في العالم وسفنها الحربية أربع مدرعات كبيرة من الطبقة الأولى وعشر نسافات مسلحة و٢٥ نسافة من الطبقة الأولى والثانية والثالثة.
ـ الجيش الأميركي العامل لا يزيد عن ربع مليون ولكن الحكومة تستطيع أن تستخدم احتياط وافر العدد.
ـ لما شبت الحرب بين الولايات المتحدة وإسبانيا طلب رئيس الجمهورية المستر مانكلي ٣٠٠ ألف متطوع فلبى طلبه مليون رجل.
ـ الرئيس ويلسون يعد قائد الجيش العام وهو الذي يعين القواد والضباط.
ـ في حالة الحرب تتألف رئاسة الجيش بعد الرئيس ويلسون من وزير الحربية ومساعد له ورئيس أركان الحرب.
ـ لا يجوز للرئيس ويلسون أن يعلن الحرب وإن كان هو صاحب الكلمة العليا في شؤون البلاد الخارجية وله أن يعقد المعاهدات مع الدول الأجنبية. ولا بد لإعلان الحرب من موافقة الكونجرس وهو المجلس النيابي الأميركي.
ـ يعد الضباط الأميركيون في مقدمة ضباط العالم كله من جهة عظمة المرتب فالميجر جنرال ينقض ١٧٠٠ جنيه في السنة والكولونيل ٨٠٠ جنيه والضابط ٥٠٠ جنيه وفي صفوف الضباط يدفع للأنباشي ٦ جنيهات وللجندي جنيه أسبوعياً.
ـ جلبت إنكلترا من الولايات المتحدة منذ أن نشبت الحرب ذخائر حربية بمبلغ ١٠٠ مليون جنيه.
ـ يقدر عدد الذين يشتغلون في صنع الذخائر في الولايات المتحدة بخمسة ملايين عامل وعاملة.
ـ يؤخذ من الإحصاء الأخير أن ثروة أمريكا تبلغ ٣٠. ٤٥٩ مليون جنيه.
يشتغل من سكان الولايات المتحدة في الزراعة عشرة ملايين ونصف مليون وأكثر من سبعة ملايين في الأعمال الصناعية.
стр. 1918
تمد الولايات المتحدة العالم بثلث مقطوعيته من القطن وبلغت قيمة ما جلبته إنكلترا من أمريكا في سنة ١٩١٥ - ما قيمته ٤٥ مليون جنيه ويزيد.
صحيفة المتسولين
ولم لا يكون للمتسولين صحيفة يومية خاصة بهم. إذا جئت باريس أيها القارئ وحمل إليك البريد رسائل كثيرة كلها مطالب قوم محتاجين فاعلم أن اسمك الكريم قد دون في صحيفة المتسولين. فإن متسولي باريس ككل هيئة منظمة في العالم يصدرون جريدة يومية خاصة بهم وحدهم يوزعونها على كل متسول في المدينة.
هذه الجريدة مقصورة على نشر أخبار الوفيات والمواليد والأفراح والولائم والزيارات الكبيرة والحفلات الخاصة ولا يطبع منها إلا عدد محدود فيستطيع المتسول أن يقصد المصادر التي يستجدي منها بدون أن ينفق الوقت عبثاً. ولا تكون هذه المصادر إلا عرماً أو مأتماً أو مسكن رجل غريب عرف بالإحسان وإسداء الخير.
الملوك يشغلون أموالهم
ويفتح أحدهم محلات للحلاقة
يظن أكثر الشرقيين أن الملوك لا عمل لهم في هذه الحياة إلا التربع في أريكة الملك والتحكم في رقاب العباد وأكل أطيب الأطعمة والتمتع بكل ما لذ وطاب ولكن الغربيين يعلمون الكثير عن ملوكهم ولا تفوتهم حركاتهم، وكما خلق الغربي ميالاً بطبعه إلى العمل وكسب المال كذلك لا يأنف أن يعمل ويتاجر ويضارب ويرابي ويفتح الأرض وغير ذلك من الوجوه التي تواتيه بالأرباح والمكاسب.
فملك إسبانيا صاحب مصنع للدراجات والسيارات وإمبراطور ألمانيا يملك قهوة في بوتسدام قريبة من قصره الملكي وجلالته يخصه حظ وافر من أرباح معمل الجعة في هانوفر وهو الصاحب الوحيد لدار صنعة الصيني الموجودة في كادنين وربحه منها ٩ في المائة لرأس مال قدره ١٠٠٠٠٠ جنيه وبطرس ملك الصرب صاحب صالون للحلاقة وإجزاخانة في بلغراد وكان جلالته قبل الحرب عميلاً لمصنع فرنسي شهير يصنع السيارات وملكة هولندا تحصل من معمل اللبن على كميات عظيمة تبيعها لبائعي أمستردام وملك ورتنبرج يستثمر فنادقه في (بيتس فورست) بما يجاوز ١٠٠٠٠ جنيه في السنة الواحدة.
стр. 1919
أما ملكة رومانيا الحسناء فإنها شرعت منذ سنين قليلة في فتح معمل لصنع الخلال وقد راجت هذه الصناعة قبل الحرب حتى كان ربح الملكة عظيماً مستغرباً وقيصر روسيا تاجر أخشاب شهير ودون ساكس جزار وهو كأغلب بني جنسه يعمل ويستثمر.
أما الأرشيدوق فريدريك ملك النمسا فإنه أوقف للفائدة المالية مبلغ ٥٠٠٠. ٠٠ جنيه فتح بها داراً لعمل الشمع وملك الدنمرك تقتصر أعماله على المضاربات وملك أسوج يأخذ في مائدة عظيمة من معمل الجعة في استوكهلم وقد أغنت صناعة تقطير المشروبات الروحية امبراطور النمسا السابق فوضع مقداراً عظيماً من المال أدار هذه الصناعة وكان يربح منها قبل موته ربحاً طائلاً في هذه الأيام العصيبة.
وألبرت ملك البلجيك كان يربح ربحاً مضطرباً لا يزيد عن ثلاثة جنيهات في الأسبوع من مكاتبته لجريدة أمريكية أما ملك بلغاريا فهو أمهر وأقدر الملوك الذين يعملون ويربحون فهو صاحب ملاعب ودور صور متحركة ومعامل الدخان ومعمل للبن وقد ربح ربحاً عظيماً في الأيام الأخيرة من مضارباته في بورصة النمسا ـ
стр. 1920
العدد ٣٤ - بتاريخ: ٢٠ - ٣ - ١٩١٧
стр. 1921
كتاب القرن العشرين
أو
كتاب مصر والمصريين
كتاب تربية الإرادة
كان يشكو ضعف الإرادة، وكما ألب على أن هذا المرض الذائع الخبيث هو علة العلل والكل في الكل وإليه يحور كل خلق مرذول فينا، وقضيتنا تصدي العلماء للبحث في هذا الموضوع، ونقبوا وأمعنوا في البحث ووضعوا المقالات والرسائل والأسفار فما قاربوا وقد جهدوا، ثم جاء المتأخرون وزادوا عليهم وأبروا مستظهرين يعلم النفس، وغيره من العلوم التي لم يكد يعرفها المتقدمون وحلموا حول الحمى، وأوشكوا أن يصيبوا الغرض وما زالوا حتى قام أخيراً العالم البسيكولوجي جول بابو رئيس كلية شامبيري بفرنسا ووضع كتاباً سماه تربية الإرادة وما كاد هذا الكتاب يفلت من المطبعة حتى طار في الآفاق كل مطار ونقل إلى أكثر اللغات الأوروبية كالألمانية والروسية والبولونية والسويدية والإسبانيولية وكثير من اللغات الأخرى وقابلته صحف الغرب بما يستأهله من الإحتفاء والترحاب وكتبت عليه الفصول الصافية وأثنت على واضعه الثناء اللائق بمثله وتهافت عليه القراء تهافتاً شديداً حتى أعيد طبعه في غضون ثلاثة عشر عاماً سبعاً وعشرين مرة وقد أبت الأقدار لا أن لا تحوم لغتنا العربية من هذا الكتاب القيم الذي نحن أحوج الناس إليه ونحن أولى به وهو أولى بنا فقد فطن إلى هذا الكتاب وضرورة نقله إلى العربية أربعة من أفاضل المصريين أحدهم وقف عن تمام العربية بعد أن علم شروع الآخرين والثاني لخصه تلخيصاً أما الثالث والرابع فقد عالجا ترجمته كله وقد أهدياه إلينا قصد أن نقوم بنشره بين قراء العربية بيد أن أحدهما لم يتمه والثاني أهداه إلينا مترجماً كله.
تصفحنا هذا الكتاب وأخذنا في قراءته فلم نكد نقرأ منه بضع صفحات حتى اضطرينا إلى قراءته كله فقلنا هذا هو الكتاب هذا هو كتاب القرن العشرين هذا خير ما يهدى إلى المصريين ولاسيما شباب اليوم ورجال المستقبل ولاسيما (طلبة المدارس العالية وسائر المشتغلين بأشغال عقلية) كما قال الأستاذ بايوه نفسه. والكتاب إذا نظر فيه الناظر منا خيل إليه أن واضعه إنما وضعه لشبابنا اللذين نال منهم ضعف الإرادة وملك عليهم أمرهم
стр. 1922
وسبب لهم هذه الفوضى الأخلاقية المخيفة التي حار أمامها الكتاب والمصلحون حتى لم يجدوا ملجأ إلا هذا السكوت الأخوف. وقد كفانا مؤونة الإفاضة في هذا المعنى مؤلف الكتاب وتلك الشروح المستفيضة التي أتى عليها في مقدماته وفي القسم النظري من مؤلفه فقد شطر المؤلف كتابه هذا إلى شطرين فشطر نظري تمهيدي وآخر عملي تحقيقي هو بيت القصيد في الكتاب - وأن كان كل ما فيه بيت قصيد - ووضع للجميع ثلاث مقدمات كما سترى، هذا وقد نهج مترجم الكتاب بلغته منهجاً سهلاً عادياً يتفق وموضوع الكتاب ومباحثه العلمية فلم يحفل بالتنوق في العبارة ولا باختيار الألفاظ التي هي أليق ما تكون بموضوع أدبي. ومن هنا مضافاً ذلك إلى سهولة طريقة المؤلف في أبحاثه كان الكتاب قريب التناول جداً بحيث لا يدق عن فهم الجمهور، وقد رأينا خير وسيلة إلى تقديم هذا الكتاب للناطقين بالضاد أن ننشره تباعاً في مجلة البيان مستقلاً بنفسه على أن ننشر منه في كل عدد ست عشرة صفحة وقبل أن نختم هذه الكلمة نقول أن مترجم الكتاب هو من أفضلنا المضطلعين باللغة الفرنسية الدقيقين في الترجمة وقد طلب إلينا أن لا نذكر اسمه الآن. وقد نشرنا مع هذا العدد ملزمتين من الكتاب مبتدئين بمقدمات المؤلف مرجئين كلمة المعرب وكلمتنا نحن وفهرس الموضوعات إلى ما بعد تمام الكتاب - سدد الله خطانا إلى الخير أجمعين.
стр. 1923
مركز المرأة الإجتماعي
ـ ٦ ـ
النتيجة
مما تقدم يتضح جلياً أن المرأة في جميع أنحاء العالم أحط قدراً وأقل حقوقاً من الرجل غير أنها في الأمم المتمدنة أحسن حالاً وأكثر حرية منها في القبائل المتوحشة. وفي مصر لا تزال العادات القومية آخذة بعنق المرأة مانعة إياها من الرقي والوصول إلى الدرجة التي تليق بوظيفتها الإجتماعية ولا يكفي لتحريرها خروجها سافرة الوجه فإن أمامها عقبات كثيرة خلاف الحجاب. وليس بكافٍ لتذليل هذه العقبات جيل أو اثنان بل لا بد لذلك من أجيال عديدة. فإن المرأة لا تعاني فقط ظلم الرجل واستبداده بها بل تعاني أيضاً جهلها واحتقارها لنفسها واستخفافها بحقوقها.
لا يكفي السجين الذي أقام جل حياته في السجن والأغلال أن تفك قيوده ويخلى سبيله بل يجب مع هذا مساعدته بالتعليم والتهذيب ورفع شأنه في نظره ومحو الأثر الذي علق بنفسه من جراء السجن والإذلال.
فالواجب علينا إزاء المرأة أن نعيد إليها كبرياءها ونبدد غياهب جهلها وننتشلها من الأوهام والخرافات الآخذة بتلابيبها وسواء علينا أخرجت المرأة بعد ذلك سافرة الوجه أو مؤتزرة بالسواد إذا كان هذا بمحض إرادتها وكانت مصونة الجانب رفيعة القدر.
إنا لا نحارب الحجاب لذاته فإنه لا يعنينا كثيراً وإنما نحاربه لأنه عنوان ذل المرأة والعلم الذي يستظل به الرجال وتجتمع حوله اللافتيات على حرية النساء.
لا يقتتل الجنود من أجل علمها لذاته فإنه خرقة يمكن الإستعاضة عنها بأخرى كلما بلى أو فقد. وإنما يذبون عنه لأنه عنوان الأمة ومثال قوتها وعظمتها ففي الدفاع عنه دفاع عن بيضة الأمة وصون لمجدها ومحافظة على حقوقها.
كذلك شأن خصومنا مع الحجاب فإنهم يدافعون عنه لأنه علم على قوتهم ومثال تسلطهم على المرأة وسيادتهم عليها. فإن فقدوه تلاشت قوتهم وذهب بأسهم مع طول الزمن. وما دام باقياً فهم مطمئنون على مجدهم الذي قد دبت في عظامه عوامل الفناء من زمن غير بعيد ولكنها لا محالة ستقضي عليه ولا يبقى لهم منه إلا إطار فارغ لا يحوي شيئاً.
стр. 1924
لا تبتكر النظريات الإجتماعية ولا تخترع ولا تخلق من عدم وإنما تتنبت عن جذور لها في الأمة. هذه الجذور هي الحوادث التي تمر على الهيئة الإجتماعية والتقلبات التي تصيبها في طريقها. ولا تقف الأمة إزاء هذه الحوادث والتقلبات جامدة ساكنة بل لابد أن تغير من نظامها وتعدل من سيرها بحيث تصبح على وفاق مع هذه الحوادث. وهذا ما يسمون بالتطور الاجتماعي. فمعنى التطور الاجتماعي ترك نظام قديم غير ملائم لما أصبحت عليه الأمة بسبب ما أصابها من الطوارئ والسير نحو نظام جديد يلائم الحالة الجديدة التي صارت بها الأمة.
والعالم البصير الذي يرقب هذه الحوادث ويحلل أجزائها ويعرف كنهها يمكنه أن يقف على مجرى طريقها فيرسمه سلفاً ويحث أمته على إتباعه كالرياضي حينما يقع نظره على قوس يعرف مركز القوس بعد الاختبار والامتحان ثم يطيل القوس ويمد حتى بصير دائرة. وما يستخلصه العالم الاجتماعي من الحوادث وما يرسمه قياساً على ما مر فيها هي نظريته الاجتماعية التي إن جاءت الحوادث مصدقة لها كانت صحيحة والتف حولها الأتباع وتوافر المدافعون وإن كذبتها الأيام تخاذل عنها أعوانها وتلاشي أمرها.
ونظرية السفور هي بنت الزمان ووليدة الحوادث أظهرها قاسم أمين بقوة فكره وبعد نظره. ومن ثم أخذت تنمو وتشتد ويتهافت عليها المتعلمون من كل حدب ويفر أمامها أعداؤها لائذين بالعادات القديمة مستصرخين إياها مستنجدين بها طالبين المعونة من كل شارد ووارد ولم يجدهم الاستصراخ شيئاً فإن الطبيعة قاسية القلب تجهز على الضعيف ولا تبقى لا على القوي الصالح. والسفور خير نظام يكفل للأمة الهناء والسعادة في حيانها المنزلية. وستنتهي إليه الأمة ولو كره أصار الحجاب.
ومن العبث أن يعارضوا حركته أو يناهضوها أو يعرقلوا من سيرها فإنهم لن يفوزوا بغرضهم ولن يرجعوا بطائل إذ من المحال أن يسبق الإنسان الحوادث ويقف في وجهها ومن الهذيان أن يعترض عليها فإنها لا تصغي لأحد.
وإذا كان مآل المرأة المصرية إلى الحرية والسفور كما هو واضح من استقراء أحوال الأمم التي سبقتنا في الحضارة ومن مجرى الحوادث بيننا فما الداعي إلى الكتابة في هذا الموضوع وسيتم التاريخ دورته من غير احتجاج إلى معونة إنسان.
стр. 1925
أجل سيتم التاريخ دورته من غير معونة ولكن لو وقف الإنسان على سير التاريخ وأدرك حقيقة الحوادث ونبه الأفكار إليها لتكون في علم واستعداد لملاقاتها فقد دفع عن أمته ألم البغتة والمفاجأة وقصر عليها زمن الانتظار ولطف ما تعانيه من المتاعب والآلام أبان التطور والانتقال، ومن عارض التاريخ فحاول الوقوف في وجه الحوادث استفز غضبها وأزكى أجيجها وضاعف من أتعابه وآلامه. وهذه حال أنصار الحجاب فكل ما فعلوه أن استشاطوا غضباً وألماً غيظاً وحرقوا علينا الأرّم.
الدكتور عبده البرقوقي
стр. 1926
صور هزلية
من أخلاق الناس
أنا
هل سمعتم أيها القراء بنبأ رجل نصفه من الفخار الذي صنعه الله منه، ونصفه الآخر عفريت من شر ما جاء في دفاتر مواليد العفاريت، عفريت ملتهب الرأس تتطاير منه نار ساطعة تتطاول إلى السماء، وإن كان نصفه الأسفل، هذا النصف الذي تجتمع فيه فضيلة الأنبياء برذيلة المجرمين، يجر نفسه على الأرض، ويمشي بين الناس، بيناً نصفه الأعلى، هذا النصف الناري الملتهب، يطل من عالم الجان والملائكة، على عالم الطين والوحل.
وهذا التركيب الذي ركب به هذا المخلوق العجيب هو الماركة المسجلة التي طبعها الله فوقه ليدل مخلوقاته على أنه قادر على أن يجعل من الكائنات مزيجاً واحداً، ويخلق من جميع العقاقير والعناصر والسموم - التي يركب منها في معمله أجزاء كونه - مادة مفردة، وإن مثل هذا المخلوق هو ضرب من السلطة التي صنعتها القدرة الإلهية للناس لتكون وسيلة لأجل فتح نفسهم قبل أن يأكلوا الحياة أكلاً، وهو من مقويات الشهية، لأن كثيرين من الناس خلقوا في هذه الحياة ليكونوا لها فاكهة ونقلاً، ولعل الأولين خير للناس من الآخرين، لأن الذي يبدأ بأكل الفلفل والحريف يستطيع أن يلتهم طعامه ويئنيه بالفاكهة، ولكنه إذا بدأ بالفاكهة لم يستطع أن يستمرئ طعامه، أو ينال منه المقدار الكبير، لأن الفاكهة في نفسها مغذية، وكل فصيلة التوابل في مرارتها، وكل ما اشتدت لذعتها في الفم، وحرارتها في المعدة. اشتد هجوم الآكل على الطعام، وفتك بجميع ما في خوانه من المخلوقات التي لا يزال كل فخره وزهوه في أنه فضلها بقوة النطق، ومن الأعواد الخضراء التي وثبت من المصدر الذي وثب هو منه - وهو التراب!
أيها القراء إنكم لم تسمعوا ولا ريب بخبر هذا المخلوق الخرافي، ولم تقعوا على فتوغرافيتهفي معروضات الصور، ولم تروه في صندوق الدنيا الذي يطوف في الأزقة لفرجة الصبية والأولاد، وتودون ولا ريب أن تسمعوا طرفاً من أخلاقه، وتقرأوا نزراً من مزاياه وخصائصه، وتفهموا شيئاً عن هذه المناقضة الغريبة التي جاءت لتعارض قوالبكم الجميلة التي خرجت من يد الطبيعة في كل هدوء ولين - إذن فليكن ما تريدون أيها القراء
стр. 1927
إن هذا العفريت الإنساني هو أنا - أنا الذي أعيش الآن معكم وأكلمكم، وأخرج بعض الأحيان في الظلام لتخويفكم، وأختفي حيناً عن أنظاركم، حتى لا تروا سر التركيب الذي ركبت، والهيئة التي فيها صورت، وكثيرون منكم رأوني وشهدوا دلائل كثيرة من عفريتيتي. وبينات واضحة من إنسانيتي، ولكنهم يصرون مع ذلك على إنكاري، ويمرون مغمضي الجفون بقوتي، ويقولون إنني تزوير على الطبيعة، وأكذوبة على الحياة، وإنني رسم فقط لا حقيقة، وتسويدة لصورة بني آدم، وإنني مصور بمقياس ١ من الطبيعة
١٠٠٠
البشرية الصحيحة، إلى آخر ما يقولون من الأقاويل التي يسمع أمثالها العفاريت في الليل من أفواه العجائز عند ما يجلسن حول الموقدة مع الأصبية الصغار يلقين إليهم حواديت الغول وأبو رجل مسلوخة. . . فلا يسع العفاريت إلا أن تضحك، لأنها تعرف نفسها أكثر من العجائز.
وأنا أيها الناس أحدثكم الآن عن نفسي فأقول إنني خلقت بكل سرعة، ولم يكن هناك وقت كاف لتنظيف قالبي منعكارة الطين الذي صنعت منه، فخرجت يفوح مني - كما يقول ابن الرومي - الحمأ اللازب. وربما تراني يوماً أهب عليك بشذى الملائكة، وأنت واجدني تارةً أسموا إلى مقام سكان الدور الأعلى من الجنة، وطوراً أنحط فأكون من أسفل أضياف جهنم.
ولعل هذا التناقض هو السبب الذي جعلني عن الناس غامضاً، وتركني في الحياة أدق سراً منها.
أنا أيها الناس سيد الكفار، ومع ذلك أنا رأس المؤمنين، وأنا لم أدخل في حياتي مسجداً، ولم أهبط يوماً مصلى أو معبداً، ولكن لي صلاة وحدي، وعبادة بمفردي، وهذه الصلاة هي خلاصة الصلوات الخمس، واختصار جميع كتب الأديان. وهي ضرب من الصلاة الإختزالية التي يراعى فيها الحرص على الوقت، والسرعة في التناول. وقد ترونني يوماً متسخطاً متمرداً على الشرائع متطاولاً على سكان السموات، غير راضٍ بحظي في الدنيا. ولا مبال بالأوصاف المخيفة التي ذكرتها الأديان عن نار جهنم ووقوها، فتظنون ذلك مني كفراً، وتحسبونه مروقاً وزيغاً، ولكن ما يدريكم لعلها كما يقول الشاعر موسيه نوع آخر من أنواع العبادات، وصيغة أخرى من صيغ الصلوات، لأن تسخط المؤمن في بعض الأحيان
стр. 1928
قد يكون عند الله نوعاً من غضب العاشق، وانحرافاً من انحرافات المتيم العابد، وعارضاً من حسن النية وبلاهة القلب، واذكر أنني يوماً تسخطت وتمردت، فشاءت الأقدار إلا أن أقع في المرض غداة الغد، وأخذت الحمى مني مأخذها، ورأيت طائف الموت يدنو من فراشي، فهجمت عيني الدموع، وتحدرت مني العبرات، وصحت بجميع قوتي. . . يا رب. أنا صغير. أنا أحبك كل الحب. وإنني كنت من أقبل أمزح فقط. أنا ا، بك ولكني لا أريد أن أترك دنياك الآن. أي ربي. اصفح عن عبدك الذي شاءت نزعة المجون التي خلقتها معه. إلا أن يستعملها معك أيضاً، ولعل ملائكة السموات ضحكت إذ ذاك من هذه الهزيمة السريعة التي انهزمتها، وصفح الله عن مجوني، لأنني شفيت في اليوم التالي من المرض!
وأنا أيها القراء أحياكم جميعاً، ومع ذلك أنا أشدكم قحة وجرأة، ولعل فيكم من رآني وأنا في نوبات حيائي، فعدني المثل الأعلى للحياء النسائي وود لو كان نصف هذا الحياء في زوجته أو عشيقته، ثم لم يلبث أن شهدني بعد ساعة أسلط لساناً من نسوة الزرائب، وأحد لفظاً من الحطيئة، ولكن حيائي لا يزال حياء حراً لا صنعة فيه، وقحة نقية لا تعمل فيها، وليست جرءتي وقحتي إلا لغة العفريت الذي يكمن في عواطفي، وأسلوب الشيطان الذي يمرح في ذهني، وأما حيائي فهو صفة من صفات الجزء النقي من وجداني، وهما أبداً في حرب، ودائماً في تنازع، وكثيراً ما يغلب الشيطان، لأنه يحمل علم الشر، والشر أقوى جنوداً، وأشد ساعداً، وأمتن عضلاً من الخير، لأن الخير رجل متسامح، مستضعف، يتمسك أبداً بالمبدأ القائل إذا لطمت على خدك اليمين فأدر خدك اليسار، وقد انتهز الشر هذه الفرصة فألهب خد الخير ضرباً ولطماً!
وكثيراً ما يتفق حيائي مع جزائي، فيضع كلٌ يده في يد صاحبه، ويعقدان الهدنة، ويرضيان بالسلام، وهما لا يظهران متصاحبين مختلطين إلا في رسائلي وخطاباتي، وأنا أرجو الله أن لا يصاب أحد القراء بأن يكون لي حق أو حاجة لديه. لأنه إذا نكب بهذه النكبة، رأى من مذكراتي ورسائلي ما يرى على المجلدات الضخمة، والدفاتر العريضة.
وأنا أشد الناس افتتاناً بالنساء، ومع ذلك أراني أجبن المغازلين وأخوف ما أكون من النظر إلى عيني امرأة.
ولا أعرف لماذا كلفتني شياطين الجن والإنس أن أحمل عنها جميع غرورها، وأتكبد نفقات
стр. 1929
هذا الغرور وخسائره، لأن الغرور كالشراب يعطيك طرفاً من حلاوة النشوة. ثم هو يثأر بعد ذلك لنفسه منك فيأخذ من عرضك ومالك وبدنك، ويأبى أخيراً إلا أن تعترف له بأنك تحبه ولا تستطيع له سلوا - والغرور في نفسه فضيلة. ولكنها فضيلة تسكن في كوخ صغير على حدود الشر، وقد يطغى عليها مد الشر يوماً فيسحبها إلى ساحله، ويسكنها طابقاً عالياً في أسمى منازله القائمة على ضفافه والحق أقول لكم أيها الناس أنا أشد الشياطين غروراً وغروري يمتاز بأنه غرور فلسفي مبتكر قوي المنطق، ولكنه بعد غرور صخاب أجش الصوت، ولعله خلق معي في يوم راعد، لأنه كثيراً ما يصطدم مع سحابة كبيرة من غرور رجل آخر، فيكون منه دوي شديد ثم ينجلي الصوت عن ماء منبثق كالمطر بعد الرعود، وهذا الماء الغزير هو دموع صاحبي الذي صادم غروري غروره فصرعه.
وأشد ما يكون غروري وأنا في صرعة الشراب وحميا الكأس إذا أصبح بأهل البيت، وأنا أقذف بالحذاء في ناحية وبالطربوش في ركن، والبنطلون في زاوية انظروا إلى أيها السفلة الجاهلون هذا أنا الأديب العظيم، أنا من سادة من حمل الريشة. . . . أنا نابليون القلم. أنا ابن شكسبير وجوت وينتشه. . أنا. . أنا الأديب العظيم!!. . . .
وهنا تثور نزعة الدعابة والتهكم بعمتي العجوز عند سماع كلمة أديب لأنها تظنني أريد بها التربية والتأدب والأخلاق الجميلة. وفي بعض الأحيان تخطئ سماعها، فتظنني أقصد أن أقول أدباتي فيضج الجميع بالضحك.
ولكنهم لا يلبثون أن يجدوا هذا الأديب العظيم غداة الغد ملقي طريحاً، نصفه فوق السرير، ونصفه الآخر مدلى تحته!!
وأما فؤادي أيها القراء فمختلف التربة، متنوع الأديم، منه أقليم قد تعثر فيه بمناجم الذهب والألماس، وأقاليم باردة متجمدة كبحر البلطيق، وفيه قطع متجاورات خصيبة الأرض يانعة الثمر، فارغة الأزاهر، ومنه جزء صخري، حجري، قد لا تعمل فيه المطارق، ولا تستلين منه الفؤوس، ولا تؤثر فيه المعاول، ولكنه قد يلين يوماً فتكون منه دموع سخية وعبرات متحدرة، ولعل الله لم يخلق هذا الجزء الصخري في فؤادي إلا ليكون مصداقاً لقوله جل شأنه وإن من الحجارة لما يشق فيخرج منه الماء.
ع. ح.
стр. 1930
حديقة أبيقور
أبيقور فيلسوف يوناني قديم، مات عام٢٧٠ قبل مولد المسيح، وكانت فلسفته تدور حول اللذة، وأنها أكبر غرض في الحياة، وأن إشباع الشهوات يجب أن يكون أول مقاصد الناس، وأن الحياة حلم وأنها وهم الأوهام، وقد كان يسكن أبيقور هو وتلاميذه وأشياعه في حديقة ناضرة، وحائط بديع الأزهار، وقد ابتاعه هو بنفسه، وانطلق يزرعه ويفلحه ويحرثه بيده وجهده، ويقوم على تعليم تلاميذه الحكمة، وتدريس الفلسفة.
وقد استعار كاتب عصري من أكبر كتاب الجيل الحديث وأديب من أقدر أدباء فرنسا، ونعني به أناتول فرانس، العضو بالأكاديمية، هذا الإسم حديقة أبيقور عنواناً لكتاب ممتع من كتبه، وضع فيه طائفة من خواطره السامية، وحشد فيه جماعة من آرائه ومبادئه، وألقى فيه زروعاً فارغة من الأفكار الجميلة وأفناناً من الفلسفات البديعة.
ونحن نختار للقراء شيئاً من هذا الكتاب.
فضيلة الشر
لا بد من وجود الشر في العالم، ولا غناء للأرض عنه، وإذا لم يوجد الشر، لم يوجد الخير، والشر هو السبب الوحيد الذي يحث الناس على الخير، وليت شعري ماذا تكون الشجاعة إذا لم يوجد الخطر، وما الرحمة إذا لم يكن ثمت حزن ماذا تصبح التضحية، ويحدث للإيثار وإنكار الذات إذا كان العالم في سعادة عامة وشاملة، وهل تستطيعون أيها الناس أن تتصوروا فضيلة ولا شر بجانبها، وحباً ولا بغض إزاءه، وجمالاً ولا قبح.
حمداً للشر والعذاب والآلام والهموم، لأنها جعلت المقام في الأرض ممكناً محتملاً، وتركت الحياة تستحق أن تعاش، ثم ألا يجب علينا أن نشكر للشيطان شيطانيته، لأنه فني من أكبر أهل الفنون، وحكيم من أبلغ الحكماء ولأنه هو الذي صنع نصف العالم وهذا النصف لا يزال مندمجاً في النصف الآخر بحيث يستحيل عليك أن تحطم الأول دون أن تسئ إلى الثاني، وكل رذيلة تقتلها تجد أمامها فضيلة قتلت معها.
إننا عندما نقول أن الحياة طيبة، وعندما نقول أن الحياة رديئة، إنما ننطق بكلمات لا معنى لها، إذ يجب أن تقول أن الحياة طيبة ورديئة في آنٍ واحد، لأننا منها وحدها وبفضلها استطعنا أن نستمد فكرة الطيب والرديء، والحقيقة أن الحياة جميلة ومخيفة وفاتنة ومريعة
следующие страницы →