← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

صور هزلية من أخلاق الناس أنا هل سمعتم أيها القراء بنبأ رجل نصفه من الفخار الذي صنعه الله منه، ونصفه الآخر عفريت من شر ما جاء في دفاتر مواليد العفاريت، عفريت ملتهب الرأس تتطاير منه نار ساطعة تتطاول إلى السماء، وإن كان نصفه الأسفل، هذا النصف الذي تجتمع فيه فضيلة الأنبياء برذيلة المجرمين، يجر نفسه على الأرض، ويمشي بين الناس، بيناً نصفه الأعلى، هذا النصف الناري الملتهب، يطل من عالم الجان والملائكة، على عالم الطين والوحل. وهذا التركيب الذي ركب به هذا المخلوق العجيب هو الماركة المسجلة التي طبعها الله فوقه ليدل مخلوقاته على أنه قادر على أن يجعل من الكائنات مزيجاً واحداً، ويخلق من جميع العقاقير والعناصر والسموم - التي يركب منها في معمله أجزاء كونه - مادة مفردة، وإن مثل هذا المخلوق هو ضرب من السلطة التي صنعتها القدرة الإلهية للناس لتكون وسيلة لأجل فتح نفسهم قبل أن يأكلوا الحياة أكلاً، وهو من مقويات الشهية، لأن كثيرين من الناس خلقوا في هذه الحياة ليكونوا لها فاكهة ونقلاً، ولعل الأولين خير للناس من الآخرين، لأن الذي يبدأ بأكل الفلفل والحريف يستطيع أن يلتهم طعامه ويئنيه بالفاكهة، ولكنه إذا بدأ بالفاكهة لم يستطع أن يستمرئ طعامه، أو ينال منه المقدار الكبير، لأن الفاكهة في نفسها مغذية، وكل فصيلة التوابل في مرارتها، وكل ما اشتدت لذعتها في الفم، وحرارتها في المعدة. اشتد هجوم الآكل على الطعام، وفتك بجميع ما في خوانه من المخلوقات التي لا يزال كل فخره وزهوه في أنه فضلها بقوة النطق، ومن الأعواد الخضراء التي وثبت من المصدر الذي وثب هو منه - وهو التراب! أيها القراء إنكم لم تسمعوا ولا ريب بخبر هذا المخلوق الخرافي، ولم تقعوا على فتوغرافيتهفي معروضات الصور، ولم تروه في صندوق الدنيا الذي يطوف في الأزقة لفرجة الصبية والأولاد، وتودون ولا ريب أن تسمعوا طرفاً من أخلاقه، وتقرأوا نزراً من مزاياه وخصائصه، وتفهموا شيئاً عن هذه المناقضة الغريبة التي جاءت لتعارض قوالبكم الجميلة التي خرجت من يد الطبيعة في كل هدوء ولين - إذن فليكن ما تريدون أيها القراء

стр. 1927

إن هذا العفريت الإنساني هو أنا - أنا الذي أعيش الآن معكم وأكلمكم، وأخرج بعض الأحيان في الظلام لتخويفكم، وأختفي حيناً عن أنظاركم، حتى لا تروا سر التركيب الذي ركبت، والهيئة التي فيها صورت، وكثيرون منكم رأوني وشهدوا دلائل كثيرة من عفريتيتي. وبينات واضحة من إنسانيتي، ولكنهم يصرون مع ذلك على إنكاري، ويمرون مغمضي الجفون بقوتي، ويقولون إنني تزوير على الطبيعة، وأكذوبة على الحياة، وإنني رسم فقط لا حقيقة، وتسويدة لصورة بني آدم، وإنني مصور بمقياس ١ من الطبيعة ١٠٠٠ البشرية الصحيحة، إلى آخر ما يقولون من الأقاويل التي يسمع أمثالها العفاريت في الليل من أفواه العجائز عند ما يجلسن حول الموقدة مع الأصبية الصغار يلقين إليهم حواديت الغول وأبو رجل مسلوخة. . . فلا يسع العفاريت إلا أن تضحك، لأنها تعرف نفسها أكثر من العجائز. وأنا أيها الناس أحدثكم الآن عن نفسي فأقول إنني خلقت بكل سرعة، ولم يكن هناك وقت كاف لتنظيف قالبي منعكارة الطين الذي صنعت منه، فخرجت يفوح مني - كما يقول ابن الرومي - الحمأ اللازب. وربما تراني يوماً أهب عليك بشذى الملائكة، وأنت واجدني تارةً أسموا إلى مقام سكان الدور الأعلى من الجنة، وطوراً أنحط فأكون من أسفل أضياف جهنم. ولعل هذا التناقض هو السبب الذي جعلني عن الناس غامضاً، وتركني في الحياة أدق سراً منها. أنا أيها الناس سيد الكفار، ومع ذلك أنا رأس المؤمنين، وأنا لم أدخل في حياتي مسجداً، ولم أهبط يوماً مصلى أو معبداً، ولكن لي صلاة وحدي، وعبادة بمفردي، وهذه الصلاة هي خلاصة الصلوات الخمس، واختصار جميع كتب الأديان. وهي ضرب من الصلاة الإختزالية التي يراعى فيها الحرص على الوقت، والسرعة في التناول. وقد ترونني يوماً متسخطاً متمرداً على الشرائع متطاولاً على سكان السموات، غير راضٍ بحظي في الدنيا. ولا مبال بالأوصاف المخيفة التي ذكرتها الأديان عن نار جهنم ووقوها، فتظنون ذلك مني كفراً، وتحسبونه مروقاً وزيغاً، ولكن ما يدريكم لعلها كما يقول الشاعر موسيه نوع آخر من أنواع العبادات، وصيغة أخرى من صيغ الصلوات، لأن تسخط المؤمن في بعض الأحيان

стр. 1928

قد يكون عند الله نوعاً من غضب العاشق، وانحرافاً من انحرافات المتيم العابد، وعارضاً من حسن النية وبلاهة القلب، واذكر أنني يوماً تسخطت وتمردت، فشاءت الأقدار إلا أن أقع في المرض غداة الغد، وأخذت الحمى مني مأخذها، ورأيت طائف الموت يدنو من فراشي، فهجمت عيني الدموع، وتحدرت مني العبرات، وصحت بجميع قوتي. . . يا رب. أنا صغير. أنا أحبك كل الحب. وإنني كنت من أقبل أمزح فقط. أنا ا، بك ولكني لا أريد أن أترك دنياك الآن. أي ربي. اصفح عن عبدك الذي شاءت نزعة المجون التي خلقتها معه. إلا أن يستعملها معك أيضاً، ولعل ملائكة السموات ضحكت إذ ذاك من هذه الهزيمة السريعة التي انهزمتها، وصفح الله عن مجوني، لأنني شفيت في اليوم التالي من المرض! وأنا أيها القراء أحياكم جميعاً، ومع ذلك أنا أشدكم قحة وجرأة، ولعل فيكم من رآني وأنا في نوبات حيائي، فعدني المثل الأعلى للحياء النسائي وود لو كان نصف هذا الحياء في زوجته أو عشيقته، ثم لم يلبث أن شهدني بعد ساعة أسلط لساناً من نسوة الزرائب، وأحد لفظاً من الحطيئة، ولكن حيائي لا يزال حياء حراً لا صنعة فيه، وقحة نقية لا تعمل فيها، وليست جرءتي وقحتي إلا لغة العفريت الذي يكمن في عواطفي، وأسلوب الشيطان الذي يمرح في ذهني، وأما حيائي فهو صفة من صفات الجزء النقي من وجداني، وهما أبداً في حرب، ودائماً في تنازع، وكثيراً ما يغلب الشيطان، لأنه يحمل علم الشر، والشر أقوى جنوداً، وأشد ساعداً، وأمتن عضلاً من الخير، لأن الخير رجل متسامح، مستضعف، يتمسك أبداً بالمبدأ القائل إذا لطمت على خدك اليمين فأدر خدك اليسار، وقد انتهز الشر هذه الفرصة فألهب خد الخير ضرباً ولطماً! وكثيراً ما يتفق حيائي مع جزائي، فيضع كلٌ يده في يد صاحبه، ويعقدان الهدنة، ويرضيان بالسلام، وهما لا يظهران متصاحبين مختلطين إلا في رسائلي وخطاباتي، وأنا أرجو الله أن لا يصاب أحد القراء بأن يكون لي حق أو حاجة لديه. لأنه إذا نكب بهذه النكبة، رأى من مذكراتي ورسائلي ما يرى على المجلدات الضخمة، والدفاتر العريضة. وأنا أشد الناس افتتاناً بالنساء، ومع ذلك أراني أجبن المغازلين وأخوف ما أكون من النظر إلى عيني امرأة. ولا أعرف لماذا كلفتني شياطين الجن والإنس أن أحمل عنها جميع غرورها، وأتكبد نفقات

стр. 1929

هذا الغرور وخسائره، لأن الغرور كالشراب يعطيك طرفاً من حلاوة النشوة. ثم هو يثأر بعد ذلك لنفسه منك فيأخذ من عرضك ومالك وبدنك، ويأبى أخيراً إلا أن تعترف له بأنك تحبه ولا تستطيع له سلوا - والغرور في نفسه فضيلة. ولكنها فضيلة تسكن في كوخ صغير على حدود الشر، وقد يطغى عليها مد الشر يوماً فيسحبها إلى ساحله، ويسكنها طابقاً عالياً في أسمى منازله القائمة على ضفافه والحق أقول لكم أيها الناس أنا أشد الشياطين غروراً وغروري يمتاز بأنه غرور فلسفي مبتكر قوي المنطق، ولكنه بعد غرور صخاب أجش الصوت، ولعله خلق معي في يوم راعد، لأنه كثيراً ما يصطدم مع سحابة كبيرة من غرور رجل آخر، فيكون منه دوي شديد ثم ينجلي الصوت عن ماء منبثق كالمطر بعد الرعود، وهذا الماء الغزير هو دموع صاحبي الذي صادم غروري غروره فصرعه. وأشد ما يكون غروري وأنا في صرعة الشراب وحميا الكأس إذا أصبح بأهل البيت، وأنا أقذف بالحذاء في ناحية وبالطربوش في ركن، والبنطلون في زاوية انظروا إلى أيها السفلة الجاهلون هذا أنا الأديب العظيم، أنا من سادة من حمل الريشة. . . . أنا نابليون القلم. أنا ابن شكسبير وجوت وينتشه. . أنا. . أنا الأديب العظيم!!. . . . وهنا تثور نزعة الدعابة والتهكم بعمتي العجوز عند سماع كلمة أديب لأنها تظنني أريد بها التربية والتأدب والأخلاق الجميلة. وفي بعض الأحيان تخطئ سماعها، فتظنني أقصد أن أقول أدباتي فيضج الجميع بالضحك. ولكنهم لا يلبثون أن يجدوا هذا الأديب العظيم غداة الغد ملقي طريحاً، نصفه فوق السرير، ونصفه الآخر مدلى تحته!! وأما فؤادي أيها القراء فمختلف التربة، متنوع الأديم، منه أقليم قد تعثر فيه بمناجم الذهب والألماس، وأقاليم باردة متجمدة كبحر البلطيق، وفيه قطع متجاورات خصيبة الأرض يانعة الثمر، فارغة الأزاهر، ومنه جزء صخري، حجري، قد لا تعمل فيه المطارق، ولا تستلين منه الفؤوس، ولا تؤثر فيه المعاول، ولكنه قد يلين يوماً فتكون منه دموع سخية وعبرات متحدرة، ولعل الله لم يخلق هذا الجزء الصخري في فؤادي إلا ليكون مصداقاً لقوله جل شأنه وإن من الحجارة لما يشق فيخرج منه الماء. ع. ح.

стр. 1930

حديقة أبيقور أبيقور فيلسوف يوناني قديم، مات عام٢٧٠ قبل مولد المسيح، وكانت فلسفته تدور حول اللذة، وأنها أكبر غرض في الحياة، وأن إشباع الشهوات يجب أن يكون أول مقاصد الناس، وأن الحياة حلم وأنها وهم الأوهام، وقد كان يسكن أبيقور هو وتلاميذه وأشياعه في حديقة ناضرة، وحائط بديع الأزهار، وقد ابتاعه هو بنفسه، وانطلق يزرعه ويفلحه ويحرثه بيده وجهده، ويقوم على تعليم تلاميذه الحكمة، وتدريس الفلسفة. وقد استعار كاتب عصري من أكبر كتاب الجيل الحديث وأديب من أقدر أدباء فرنسا، ونعني به أناتول فرانس، العضو بالأكاديمية، هذا الإسم حديقة أبيقور عنواناً لكتاب ممتع من كتبه، وضع فيه طائفة من خواطره السامية، وحشد فيه جماعة من آرائه ومبادئه، وألقى فيه زروعاً فارغة من الأفكار الجميلة وأفناناً من الفلسفات البديعة. ونحن نختار للقراء شيئاً من هذا الكتاب. فضيلة الشر لا بد من وجود الشر في العالم، ولا غناء للأرض عنه، وإذا لم يوجد الشر، لم يوجد الخير، والشر هو السبب الوحيد الذي يحث الناس على الخير، وليت شعري ماذا تكون الشجاعة إذا لم يوجد الخطر، وما الرحمة إذا لم يكن ثمت حزن ماذا تصبح التضحية، ويحدث للإيثار وإنكار الذات إذا كان العالم في سعادة عامة وشاملة، وهل تستطيعون أيها الناس أن تتصوروا فضيلة ولا شر بجانبها، وحباً ولا بغض إزاءه، وجمالاً ولا قبح. حمداً للشر والعذاب والآلام والهموم، لأنها جعلت المقام في الأرض ممكناً محتملاً، وتركت الحياة تستحق أن تعاش، ثم ألا يجب علينا أن نشكر للشيطان شيطانيته، لأنه فني من أكبر أهل الفنون، وحكيم من أبلغ الحكماء ولأنه هو الذي صنع نصف العالم وهذا النصف لا يزال مندمجاً في النصف الآخر بحيث يستحيل عليك أن تحطم الأول دون أن تسئ إلى الثاني، وكل رذيلة تقتلها تجد أمامها فضيلة قتلت معها. إننا عندما نقول أن الحياة طيبة، وعندما نقول أن الحياة رديئة، إنما ننطق بكلمات لا معنى لها، إذ يجب أن تقول أن الحياة طيبة ورديئة في آنٍ واحد، لأننا منها وحدها وبفضلها استطعنا أن نستمد فكرة الطيب والرديء، والحقيقة أن الحياة جميلة ومخيفة وفاتنة ومريعة

стр. 1931

وعذبة ومريرة وأنها كل شيء، وهي في ذلك أشبه بالثوب الكثير الرقع، المختلف الألوان، الذي يلبسه البهلوان المهرج، فمنا من يرى من الحياة الجزء الأحمر، ومنا من يرى الجزء الأزرق وهم جميعاً يرون الحياة كما هي، لأنها حمراء وزرقاء وجميع الألوان الأخرى، وقد كان هذا أدعى لنا إلى أن نتفق ونتهاون ونعيش على الوئام ونرضى بحظوظنا وأقدارنا، ولكنا قد فطرنا على أن نريد أن نكره غيرنا على أن يفكر فكرنا ويحس إحساسنا ولا نسمح لجارنا بأن يكون فرحاً مسروراً عندما نكون نحن متألمين محزونين. عناد الشيخوخة الشيوخ يصرون دائماً على رأيهم، ويستبدون بفكرتهم، ولهذا قد اعتاد سكان جزر فيجي أن يذبحوا آباءهم عندما يصيرون شيوخاً، وبذلك يمهدون سبيل التطور ويسهلون طريق الإرتقاء. وأما نحن فنؤخر أنفسنا بأن نلقي جميع مقاليد أمرنا في أيدي الشيوخ! غرض الأدب ليست الحقيقة مقصد الفنون، ونحن يجب أن نطلب الحقيقة من العلوم، لأنها غرضها الأول، ولكن لا يجب أن نطلبها من الأدب، إذ لا غرض للأدب غير الجمال.

стр. 1932

الإدانة والمسؤولية مبحث قيم جليل للعالم دانتك يقوم بترجمته للبيان الدكتور عبه البرقوقي المحامي. من كتاب اسمه آثار السلف. ـ ١ ـ من الأمور الهامة المطروحة على بساط البحث والمناقشة صفة العقوبة وشدتها وذلك أنه إذا كان الإنسان حراً في اختيار أفعاله فالأمر سهل لا يحتاج إلى مناقشة وإن كان الأمر على العكس وكان الإنسان مقيداً لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فيجل بنا أن نبحث عن المسؤولية وكنه أمرها وهل هي موجودة حقيقة أم غير موجودة من قبل أن نبدي رأينا في وصف المجرمين بالعنف واللين. الإنسان صنع الورثة والتربية. وأعني بالوراثة مجموع خواص وصفات البويضة التي خلق منها الإنسان وبالتربية مجموع الظروف والحوادث التي مرت بهذه البويضة منذ أن نشأت وتكونت إلى الآن. ومن المسؤول عن الوراثة؟ الصدفة، فإن البويضة وإن كانت ترث عن الأب والأم معاً إلا أنهما لا يمكنهما أن يعرفا سلفاً نتيجة امتزاجهما بعض ببعض فإن صفات البويضة لا تتوقف على ما ترثه من الأب والأم بل تتوقف أيضاً على طريقة امتزاج الميراثين بعض ببعض ونسبة ما تأخذه عن كا منهما. تزوج رجل بامرأة فولد لهما طفل حائز جميع الميزات الجميلة. فلهما أن يلدا أخاً له. هذا الأخ لو أتى ربما يكون دميم الخلق أو أبله وعلى الرغم من أنه ليس لهما ضلع ولا إرادة في كلتا الحاليتن فإنهما يتيهان عجباً وافتخاراً بابنهما الأول ويذوبان خجلاً ومعرة من الثاني، وهذا غريزي في الإنسان. ومن المسؤول عن التربية؟ التربية هي مجموع الظروف التي مرت بالبويضة منذ تكوينها كثيرة التعقيد والتركيب بحيث يستحيل تحليلها ومعرفة جميع أجزائها. وهي تتكون من تأثير الكائنات الحية وغير الحية في الإنسان. ولا تقل الكائنات الثانية عن الأولى أهمية فلو جلست بجانب حائط فسقط منها حجر على رأسك فأدماه كان هذا درساً نافعاً لك.

стр. 1933

ومن البديهي ألا يسأل أحد عن فعل هذا الحجر ولو كان بالقرب منك إنسان يمكنه أن يلفت نظرك ويحذرك من سقوط الحجر عليك. ولما كانت قوة التقليد في الإنسان عظيمة كان تأثير الكائنات الحية في تربيته عظيماً وكلما كان أقرب الشبه ببعضها كان تأثير هذا البعض فيه أشد وأعظم حيث يسهل عليه التقليد والتشبه. لهذا كان الفضل الأول في تربية الناس راجع إلى تأثير بعضهم في بعض ولقصور اللغات البشرية عن التعبير بدقة وإيثار السهولة والإيضاح على الحقيقة غالينا في تقدير فضل الإنسان على الإنسان وقصرنا لفظ التربية على ما يكتبه المرء من الناس وأغفلنا ذكر العناصر الأخرى وتناسينا فضلها. وهذا خطأ فاحش يؤسف له ولا يسع العلم أن يغض الطرف عنه كل قرين بالمقارن يقتدي مغالاة كبيرة في فضل الإنسانية على تربية الإنسان ونكرات لفضل العوامل الأخرى التي من بينها الوراثة. من شابه أباه فما ظلم مثل يقرر الوراثة وأثرها الهائل في الإنسان ولكن من غير دقة ولا تحقيق كما هي الحال في المثل الأول. وعلى الرغم من تضارب المثلين وتناقضهما بعضهما لبعض لا نفتر عن التمثل بهما واستعمال الواحد تلو الثاني حسب الظروف والأحوال. لا تتوقف أفعال المرء على الوراثة والتربية فقط بل تتوقف أيضاً على مزاجه والظروف المحيطة به، والبيئة العائش فيها وهو غير مسؤول عن كل هذه الأمور لأن البيئة والظروف خارجة عن إرادته ولأن الأمزجة نتيجة الوراثة والحوادث التي مرت بحياته وإذن فلا مسؤولية ولا إدانة. بيد أني لو عثرت بقدم إنسان سهواً أو خطأ لا ينظر إلي بالعين التي يرمقني بها فيما لو كنت متعمداً فإنه في الحالة الأولى لا يحفظ لي في قلبه ضغينة ما حتى ولو أصابه أذى عظيم وفي الحالة الثانية مهما كان ألمه تافهاً يستاء مني ويعتبر أني مذنباً ويعاملني معاملة المذنبين مع أن الحالتين سواء لأني في كلتيهما مقود بقوة خارجة عن طوق إرادتي. إذا رآني قادماً عليه وشاهد مني أني ذاهل عنه ولم يسحب قدمه من طريقي فهو المخطئ فإن لم يرني هو أيضاً فكلانا غير مخطئ ولكن مع هذا هناك أذى قد وقع. وفي حالة تعمدي نظرته عن بعد وكنت إذ ذاك مدفوعاً برغبة خفية إلى المشي على قدمه

стр. 1934

وقد توالدت هذه الرغبة عن العوامل المكونة لتربيتي. فقد أحفظ له ضغينة في قلبي وبمجرد ما لمحته عيني تحركت الضغينة ودفعتني إلى الإساءة إليه والإنتقام منه بالمشي على قدمه. وقد أكون لا أعرفه ولم أقابله من قبل ولكن سحنته لم تعجبني ودمه لم يتفق مع دمي بحيث أن جهازي العصبي ساقني إلى إهانته بالمشي على قدمه. ولو سرنا في هذا التعليل إلى النهاية وهو تعليل صحيح لحكمنا بأنه مخطئ مثلي لو فرض وكنت أنا مخطئاً حقيقةً لأنه لو ابتعد عن طريقي لما وقعت له إهانة غير أنه قد يلطمني على وجهي عقاباً لي على ما آتيته معه. وقد تنفعني هذه اللطمة فتمنعني من أن أناله بأذى فيما لو تقابلت معه مرة ثانية وكان أثر الحزن الذي أصابني من جراء اللطمة باقياً في ذاكرتي. ولو كان غرضه من هذه اللطمة تهذيب أخلاقي وتقويم معوجي فقد أحسن إلي. ولكنه على الأرجح لا يرمي إلى هذا الغرض الفلسفي السامي وإنما ينبغي الإنتقام وأن يشفي غليلي كأني مسؤول عن عملي ولكن لم أكن مثله قصير النظر قليل الحكمة في المشي على قدمه كراهة مني لسحنته وهو غير مسؤول عن قبح خلقته. إن المجتمع الإنساني سائر في ضلال وبغير هدى ولا حكمة فإنه يعاقب المجرمين انتقاماً منهم لا تهذيباً لنفوسهم وتقويماً لجهازهم العصبي الفاسد. بيد أن بين الغرضين الإنتقام من المجرمين وإصلاح نفوسهم صلة تقارب وتشابه. إذا سقط رجل من أعلى فقتل أحد المارين من غير أن يصاب هو بأذى فلا نعاقبه لأنه غير مسؤول. وبعبارة أخرى لأنه لم يرد القتل ولم يكن لجهازه العصبي ضلع فيه إذن فلا معنى لإصلاح هذا الجهاز بالعقاب والتعذيب لأنه لم ينم عن فساد واعوجاج - إذا كان ولا بد من الإصلاح والمعالجة فلنعالج ثقل الرجل حتى يكون خفيفاً بحيث لو سقط مرة أخرى فلا يؤذي أحداً. وإذا ارتكب مجنون القتل فلا نعاقبه لأنه غير مسؤول عن عمله ونكتفي بوضعه في مستشفى المجانين حتى نأمن شره ونمنعه من أن يصيب نفسه بضرر. وبعبارة أخرى إن العقاب لا يقوم جهازه العصبي وإن جنونه لا يسمح له أن يتخذ من العقاب رادعاً يزجره عن الإجرام. وكذلك حاد المزاج غير مسؤول. فإنه لو أقدم على القتل إبان ثورته فذلك لأنه لم يكن لديه

стр. 1935

العقل ما يكفي لردعه. ومن الحمق أن نعاقبه قانوناً لأن القانون لا يكبح جماحه ولا يأخذ بشكيمته. إني أعرف كلباً وديعاً ساكناً غير أنه يحمل لكلب آخر حقداً لا يغلب وضغينة لا تنتزع كلما رآه ثب عليه ليفتك به. ولم يردعه عنه زجر ولا رهب ولا أي نوع من أنواع التعذيب والتأديب وأخيراً قرر رأي صاحبه على تأديب الكلب الآخر بمنعه من الإقتراب منه وبذا استقر السلام بينهما. هذه هي الأحوال التي يسمونها باللامسؤولية وحكم القانون فيها هو نفس الحكم الذي فرغنا الآن من شرحه غير أن الأسلوب القانوني يخالف الأسلوب الذي اتبعناه فالقانون يذكر دائماً الإدانة والمدانين والإجرام والمجرمين ولا يجد في الأحوال التي سردناها إدانة تستحق العقاب وحيث قد انتهينا من هذه الأحوال فلنبدأ بسرد أحوال الذين يقال عنهم أنهم مسؤولون عن أفعالهم وبعبارة أخرى الذين لا عيب في جهازهم العصبي.

стр. 1936

تفاريق ثمن السكوت ليس السكوت كبير القيمة غالي الثمن في الروايات فقط وفي الحكم والأمثال والمواعظ. بل إن كثيراً من أكبر مخترعات الدنيا قد اضطرت الحكومات إلى ابتياعها من أصحابها لكي لا تذيع أسرارها بين الناس. من ذلك إن حكومة الولايات المتحدة تدفع عشرة آلاف جنيه في كل عام إلى أسرة حقيرة تسمى أسرة فرانكس، وتفصيل الأمر أنه كان منذ عشرين سنة رجل منها يدعى جوستاف فرنكس استطاع أن يخترع طريقة يتمكن بها من إزالة الأثر الذي يتركه خاتم مصلحة البريد على الطوابع الموضوعة فوق الرسائل والخطابات بدون أن يفسد الطوابع نفسها، بل يردها جديدة كأن لم تختم بخاتم البريد، وكان هذا المخترع كافياً لأن يجلب لهذا الرجل أكبر مقدار من الثراء، وكان يكون له مادة واسعة للربح والإغتنام. وذلك بأن يجدد الطوابع المستعملة ثم يعود إلى بيعها، ولكن لحسن حظ الحكومة أنه كان رجلاً أميناً. وكان ثمن أمانته عشرة آلاف جنيه في السنة. وذلك أن الحكومة دفعت إليه هذا المقدار لكي يعدم هذه الأداة التي اخترعها ويظل على سكوته ويبقى صامتاً جامداً على سره، وسيكون هذا المبلغ معاشاً لأولاده من بعده. وهناك حادث شبيه بهذا جرى للحكومة الإنكليزية وذلك أن رجلاً يدعى بلدوين طلب منذ سنين أن يجتمع بمدير بنك إنجلترة فلما أدخل عليه قدم له ورقتين من الأوراق المالية متفقتي الشكل، متماثلتي الصورة، وأنبأه بأن البنك لم يصرفهما خطأ ولكنه هو الذي اخترع آلة تستطيع أن تقشر من الورقة المالية ورقة مثلها على الرغم من ضعف سمكها المتناهي فيكون من ذلك ورقتان ماليتان متشابهتان أتم الشبه، فلم يسع مدير البنك إلا أن يشتري السر منه، ولم يخرج الرجل من حجرة المدير إلا مالياً متمولاً من كبار الأغنياء. ومنذ عشرين ستة استطاع كيماوي يدعى سويريدج أن يخترع مفرقعاً أسماه الفولمنيت، استطاع به أن يمد مسافة مرمى المدفع إلى نحو خمسة أميال، ولكن الحكومة الإنكليزية لم تشتر منه المخترع، لأنها لم تكن تفكر يومذاك في فائدته، وقد حاولت ألمانيا أن تشتري من الرجل سره بأي مبلغ من المال يطلب، ولكنه ظل على رفضه، وشاءت الأقدار إلا أن

стр. 1937

يطير جسم هذا المخترع بدداً صغيرة من أثر انفجار مخترعه وهو يشتغل في معمله، فمات السر، ولم يستطع العلماء أن يعرفوا له أثراً. ثرثرة البرلمانات كثرة الثرثرة ولا ريب في مجالس البرلمان في هذه الأيام، واشتدت حرارة الأسئلة، وحمي الإستفهام بأذهان الأعضاء، فقد دل الإحصاء البرلماني لا خير عن محاضر جلساته أن مستر جنيل العضو المعروف سأل الوزراء ٨٦٩ سؤالاً في ثلاثة أشهر فقط، ويليه في كثرة الأسئلة مستر هوج فقد سأل ستمائة سؤال وستة أسئلة، وإذا علمت أن مندوب وزير الحربية في المجلس هو الهدف الأول لهذه الرمايات العديدة، فلا تعجب إذا علمت أن مستر تيانت الذي كان مندوباً للوزير الحربي في المجلس أجاب في دور واحد من أدوار إنعقاد البرلمان ٢١١١ سؤالاً ثم ناب بعده مستر فورستر فكان عدد الأسئلة التي وجهت إليه١٦٨٥ سؤالاً ثم ناب بعدهما مستر اسكويث فأجاب على ١٦٥٢ سؤالاً. ولعل أكثر المتكلمين ثلاثة في البرلمان الإنكليزي أولهم مستر والترلونج فقد تكلم في دور واحد بما ملأ ٢٢٩ عموداً من محاضر الجلسات ثم مستر هوج بنحو ٢١٩ نهراً ومستر اسكويث ٢٠٢ غني كبير واشتراكي متطرف في آنٍ واحد أغرب ما يمكن من متناقضات الحياة أن يكون الإشتراكي هذا الرجل الرحيم القلب الذي يدافع عن العمال الفقراء، ويناضل في سبيل إصلاح شأن المساكين والصغار والقاعدي الحال، متمولاً يربح المقدار الطائل من الجنيهات، وأغرب منه أن يكون أديباً، وأن يكون كاتباً. إذن فهل تعرف من هو هذا الإشتراكي المتمول، هو برنارد شو الروائي المشهور فهو يكسب الآن من كتبه ورواياته والضرائب التي يضربها على المطابع وشركات التمثيل أربعمائة جنيه في الأسبوع!! ولكن يجب أن لا يحسد مثل برناردشو على مقدار مثل هذا وهو الآن قد بلغ الستين، وكان في أول حياته يعاني أشد ضروب الفقر، ونكد الطالع إذ بدأ حياته العملية محصل ضرائب

стр. 1938

أو (جابياً) كما نسميه نحن. وإن كان الآن من ذوي الأطيان والعقار، ويدفع للحكومة في السنة أكثر مما كان يجنيه لها من قبل، ثم لم يجد حظاً في الجباية فانحدر إلى لندن واشتغل عاملاً بسيطاً في شركة التليفون، ولكنه لم يلبث أن سئم هذه الصناعة، فكان بعد ذلك أول عهده بالكتابة، ولكن أول كتابته كانت شؤماً على الصحيفة اليومية التي نشرت مقاله فإن جميع المشتركين والقراء رفضوا الصحيفة، ولم تلبث أن أفلست بفضل قلم برناردشو، ثم بدأ يكتب في نقد الموسيقى فأقفلت عدة مراقص في المدينة، ثم صادفه بعد ذلك حسن الطالع فأصبح اشتراكي اليوم يكسب ٤٠٠ جنيه من الورق. كيف تكتب معاهدات الصلح عندما ينتهي عمر هذه الحرب، ويتبدد في الفضاء صدى آخر قنبلة، سيكتب المتحاربون بينهم معاهدات الصلح ولا ريب وسيكون هذا الكونتراتو الدولي غريباً في نوعه، مدهشاً في قيوده، والمتفق عليه في كتابة عقود الصلح أن يكتب العقد بخط اليد من أوله لأخره ثم يختم بأختام كثيرة ثم يجلد ويلف في لفائف وأشرطة من الحرير الأخضر وهم قد اصطلحوا على أن يبدأوا العقد بهذه الكلمات باسم الثالوث الأعظم المقدس! ولعل ذلك ضرب من التناقض المضحك الغريب. إذ يعودون آخر أمرهم إلى أوامر الدين وكلماته بعد أن أساؤوا إليه بالدماء التي سفحوها والنفوس التي طاحوا بها. والشباب والولدان والأيامى واليتامى الذين مضوا إلى الله في سبيل وحشية السياسة. ولما كانت تركيا ستدخل نهاية لحرب ضمن المتهادنين، فسيكتب لها في نسختها بدلاً من هذه الفاتحة بسملة السلام وتوضع بسم الله الرحمن الرحيم في رأس العقد. ويكتب من العقد صور بعدد الدول التي ستضع إمضاآتها في ذيله ثم تحفظ الصور الأصلية في دفتر خانات الحكومة وتؤخذ منها صور أخرى للرجوع إليها ونشرها بين الناس. وهذه العقود لا تكتب كما تكتب العقود الإعتيادية، أعني على طول الصحيفة، وإنما في أنهار متوازية، وبعدد اللغات التي تتكلمها الدول المتصالحة، ويراعى في الترجمة كل مجهودات الذكاء اللغوي في تقريب اللفظ والمعنى المرادفة في اللغة الأخرى. أسرة تتألف من ٦٦ فرداً يفخر الصينيون بكثرة عدد أهل الأسرة الواحدة، والأسرات الكبيرة العدد هي التي تظل

стр. 1939

رافعة الرأس، تياهة العطف، لأنهم يعدون وجود أفراد كثيرين تحت سقف واحد، يحتويهم بيت واحد، دليلاً على سلامة القلوب، وحسن التربية ومن أكبر فخرهم أن يكون في البيت الواحد خمسة أجيال من الأسرة أعني أن يكون هناك أجداداً وآباءً وأحفاداً وأحفاد الأحفاد، وقليلون من يظفر بهذه المزية. وهم على نقيض ذلك يعدون الأسرة التي تتألف من أربعة أفراد أو خمسة دليلاً على الفساد والسوء والشؤم، وإن كانت من أغنى أغنياء المملكة كلها، أو من أكبر أصحاب السلطة فيها. وفي مستعمرة واى هاي واى امرأة عجوز تتألف أسرتها من ستة وستين شخصاً، وأعجب من ذلك أن ليس لهؤلاء الستة والستين إلا خادم واحد يخدمهم، ولعل هذا الخادم أشقى جميع خدم الأرض حظاً، وأنكدهم حياةً. الأيتام في أوستراليا يصح لنا أن نقول أنه لا يوجد في أوستراليا أيتام. وذلك ليس لأن هناك آباء يموتون، ولكن لأن كل والد يموت ويترك وراءه يتيماً لا نصير له، تتقدم الحكومة فتتبناه، فالأيتام إذن أولاد الحكومة، إذا لم يكن هناك أقارب لهم يأخذون على عاتقهم رعايتهم. والحكومة الأوسترالية تأخذ الطفل اليتيم فتعهد به إلى مصلحة تسمى مصلحة الأيتام، وهذه توجد له مكاناً في بيت من بيوت الريف، وتدفع بهم إلى المربين، وتنتقي له أحسن المواقع هواء وجوا وأوفق للصحة حتى إذا بلغ الثالثة عشرة ورأت أنه قد أصبح صالحاً للعمل، أجرته لمربيته، وأخذت هي أجوره، فوضعت ثلاثة أرباعها في صندوق التوفير وأعطت إليه الربع ليأكل منه، وعندما يتقدم في سني الشباب، تعطيه جميع ما وفرته له، ليتحصن به في حياته المستقبلة، وإذا كان الطفل بنتاً كفلت الحكومة لها بائنة أو دوطة جميلة لأنها تعتبر نفسها إذ ذاك حماة العريس. وطوبي لمن تكون الحكومة حماته!!. السجون البديعة لعل حكومة نيوزيلنده أرفق الحكومات بالمساجين ففي سجون الجزيرة الجنوبية يسمح للمسجون أن يكون لديه جواد من جياد السباق وأن يراهن في الحلبة إذا أحب رهاناً، وفي سجون أخرى من المملكة يؤذن للودعاء من المساجين أن يخرجوا يوماً في الأسبوع للرياضة في المكان الذي يشاءون، وأصحاب السلطة في الحكومة النيوزيلندية يؤمنون

стр. 1940

بتأثير الهواء الطلق على الأخلاق. ومن ثم كل رجل يحكم عليه بالسجن يخيرونه بين أن يعيش داخل السجن أو أن يكون خارجه، وهم يضربون وراء السجون خياماً، وقد حدث مرة أن ظهر خطر هذه الفكرة إذا اتفق أن غضب المساجين من سجانيهم فعمدوا إلى سجنهم فضربوا جدرانه وانطلقوا هاربين بالخيام إلى صميم الغابات. وفي بعض السجون مدرسة ليلية لتعليم المساجين العلوم العصرية. وهم ينتخبون الأساتذة من المساجين أنفسهم. حب المشي كان شارلز دكنز القصصي الإنكليزي الكبير من أكبر المشاة وكان يمشي عشرين ميلاً في اليوم وولترسكوت اعتاد أن يمشي في النهار ٣٠ ميلاً على الرغم من عرجه، أما الشاعر وردسورث فكان يستطيع أن يمشي على قدميه ٢٠ ميلاً بعد أن بلغ الستين من عمره وقد حدث للفيلسوف الطائر الصيت هربرت سبنسر وهو في الثالثة عشرة أن مشى ثمانية وأربعين ميلاً في اليوم. ثم سبعة وأربعين في اليوم التالي. وقد رؤوا أن الفيلسوف تولستوى مشى وهو في الخامسة والخمسين ١٣ميلاً في ثلاثة أيام وكان هؤلاء العظماء يسمون أمثال هذه المشيات البعيدة، كما يسميها أهل الصعيد في مصر (فركة كعب!).

стр. 1941

باب تدبير الصحة تعاطي المسهلات كثير جداً من يتعاطى المسهلات (الشرب) بسبب وبغير سبب وأكثر منهم من يتعاطاها عند الشعور بأي مرض وهذا نظام لا يخلو من خطر على المتعاطي قد ينتهي معه الأجل ولذلك أريد أن أنبه إلى الأحوال التي يجب انتظار رأي الطبيب فيها دون سواه منعاً لهذا الخطر. (١) كل حمى تبتدئ بألم في الرأس والمفاصل والظهر مع بطء في السير سواء أصبحت بإمساك أو إسهال تفادياً من أن تكون الحمى تيفودية أو باراتيفودية حيث الخطر أكيد لا يمكن دفعه إلا بشق الأنفس. (٢) الآلام بطنية حيث يخشى من وجود التهاب الزائدة الدودية (الأعور) أو من التواء الأمعاء وانسدادها إذ المسهل في هذه الأحوال خطر مدلهم. (٣) الضعف العمومي حيث يخشى على المريض من الإغماء أو خمود القلب. (٤) والحمل - حيث يخشى من الإجهاض فالنزيف. إهمال الجروح (١) كثير من الناس من يهمل إصبعه إذا جرح وذقنه إذا أدمتها الموس وقدمه إذا قرحها الحذاء اتكالاً على أن الأمر ليس بذي بال ولو علم المجروح أن جرحه الصغير الضئيل الهين ربما جر عليه ما لا يستهان به كالحمرة ومرض التيتانوس حيث يدخل مكروبهما من ثغرة الجرح مهما صغر. والحمى مرض يأتي بقشعريرة وحمى واحمرار وورم حول الجرح أو قريباً منه ولو كانت في الوجه لكان أمرها في غاية الخطورة والتيتانوس مرض تشنجي تتوتر معه العضلات الجسمانية كلها مبتدئة بعضلات العنق مع صعوبة في الإزدراد وتخشب في الجسم يصبح معه المريض كتلة جامدة لا حراك بها وهو من أشد الأمراض خطراً وفتكاً فيجب العناية بالجروح عناية تامة كإدمائها قليلاً عند حصولها وغمر الجرح في الكؤل النقي أو صبغة اليود ووضع شاش معقم عليها وتغطيتها من الملامسة والهواء. البول البول في حالة الصحة يكون مقداره في مدى أربع وعشرين ساعة شتاءً من ١٢٠٠جرام

стр. 1942

إلى ١٤٠٠ وصيفاً أقل من ذلك بكثير بسبب العرق ولونه يضرب إلى الصفرة رائقاً خالياً من الأوساخ والرواسب. أما في الأحوال المرضية فإما أن يزداد مقداره وإما أن ينقص فيزيد في الأحوال الآتية: - البول السكري - البول العصبي - بعض أمراض الكلى والإمساك والخوف - الإدمان على الخمر. ويقل في الأحوال الآتية: - الحميات - الإسهال - أكثر أمراض الكلى - أمراض القلب - أمراض الرئتين - أمراض الجلد العامة - بعض الأمراض العصبية - التأثرات النفسانية. الأمراض تصل الأمراض إلى جسم الإنسان بطرق مختلفة أهمها كما يأتي: (١) بواسطة الماء: - الكوليرا - الحمى التيفودية - البلهارسيا - الديدان. (٢) الهواء: - السل الرئوي - القرمزية - الجدري - الحصبة - التيفوس - الدفتيريا. (٣) الغذاء: - التيفودية - الدفتيريا - الديدان - الدوسنطاريا - التدرن المعوي. (٤) الحشرات (الناموس - البق - البراغيث - الذباب) الحمى الراجعة - الحمى الصفراء - داء الفيل - الملاريا - التيفوس - الطاعون - مرض النوم. (٥) الملامسة: - أكثر الحميات - الحمرة - التيتانوس - الأمراض الجلدية - الزهري - السيلان. الطفل وفساد الهضم من أسباب فساد الهضم عن الأطفال الرضع الفطامة المعجلة (قبل ١٤ شهراً) وحمل الأم أثناء الإرضاع والرضاعة الصناعية والتعرض للبرد وسوء خلق المرضع وعد انتظام الرضاع وأيام التسنين وإطعام الطفل أي طعام غير لبن الأم ويبتدئ المرض عند الطفل بتكرار الفواق الزغطة فالميل إلى القيء فالقيء فعلاً فتشنجات موضعية عامة والقيء يحتوي عادةً على لبن متجمد وتنتفخ البطن ويحصل إسهال أخضر رائحته منتنة كريهة ويحصل للطفل مغص يجعله يصيح من آنٍ لآخر. العلاج - يرجع الطفل للرضاعة إن كان اسبب الفطام وتنظم مواعيد التغذية إن كان السبب

стр. 1943

عدم نظامها بأن يرضع الطفل في الأشهر الثلاثة الأولى كل ساعتين وفي الليل مرتين وفي الثلاثة الثانية كل ثلاث ساعات وفي اللي مرة ثم كل أربع ساعات إلى الفطام. ويعطى مسهلاً من الزئبق الحلو إن كان من التسنين وإذا لم يتحسن يكره الطفل على الحمية الإمتناع عن الأكل ولا يعطى له غير ماء الشعير مدة يومين فإذا لم يتحسن يعرض على طبيب.

стр. 1944

باب النقد حوال الشيخ الدباغ لعل قراءنا يذكرون أنا أتينا على شيءٍ من نوادر أشعب الماجب المشهور في العدد الخامس عدد ٥ مارس وقلنا ثمت في سياق وصفه أنه كان دباغي المذهب وفسرنا هذه النسبة بأنه كان طفيلياً وعلقنا على هذه الكلمة دباغي بهذا - نسبة للدباغ المشهور في عصرنا هذا بنوادره الطفولية ولكن أين نجوم الغبراء من نجوم الزرقاء. هذا ما جاء بالحرف في ذلك الموضع ولكن لم يكد يظهر هذا العدد ويذيع بين قرائنا حتى جاء إلينا هذا الخطاب ـ. . . . صاحب البيان تحية طيبة. وبعد فقد قرأت في باب النوادر والفكاهات من مجلتكم الكريمة عدد ٥ مارس عند شيءٍ من نوادر أشعب تعريضاً بالشيخ الدباغ إذ قرفتموه اتهمتموه بالتطفل وقلتم فيما قلتم ولكن أين نجوم الغبراء من نجوم الزرقاء فحدا بي حب الإستطلاع إلى أن أستعلم هل قصدتم بذلك إلى اللف والنشر فعنيتم أشعب بنجوم الغبراء والشيخ الدباغ بنجوم الزرقاء فإذا كان ذلك هو ما تقصدون إليه فقد نصرتم الحقيقة فإن الناس ليعلمون من أشعب من سوء المع وقبح التطفل ما لا يمحو ذكراه ويشفع له أدبه ومجونه أما دباغنا الظريف فما علمنا عليه من سوء وما أطلعنا منه على شيءٍ من خلائق الطمع والتطفل وإنما هو تظنن واقتيات من بعض الوريقات السوقية تلقفها بعض الهازلين من أولئك الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين بذوهم وأبروا عليه بأدبهم وكياستهم - وإني لأشهد بين الله والناس - وأنا أحد عارفيه - إني لم أرى طوال حياتي - وقد أربيت على الخمسين وقتلت البحث في أخلاقنا علماً - أعف ولا أمراً أكرم نفساً من هذا الشيخ الذي لا عيب فيه سوى أنه لا يجيب دعوة الداعين كبراً مآبه كبر ولكنه الشمم وإباء النفس. وكفى بهذا الخلق مدحضةً لما يزعمون والسلام عليكم ورحمة الله. المخلص محمود صادق ونحن فنقول أنا قبل كل شيءٍ لم نقصد التحرش بصديقنا الأديب الشيخ إبراهيم الدباغ ولا أن نصفي إناءه وننتقضه لأنا نعرف منه ماجناً ظريفاً حلو الفكاهة والمحضر فضلاً أنه أديب لا يتخلف عن كثير من أدبائنا المعروفين أما قولنا أنه مشهور بنوادره الطفولية فإن

стр. 1945

كلمة مشهور ليس معناها كذلك على الحقيقة ولكن هذا مما شاع عنه وإن كان غير مطابق للواقع وقصدنا بذلك تقريب أشعب إلى أذهان القراء بضرب الشيخ الدباغ مثلاً له وحسب دباغنا فخراً أن يلز مع أشعب في قرن فإن أشغب بن جبير فضلاً أنه ماجن في طليعة مجان العرب كان إماماً من أئمة الحديث وكان في الغناء في طبقة معبد والغريض وكان فقيهاً وكان أديباً ومن هنا قلنا ولكن أين نجوم الغبراء من نجوم الزرقاء لأن الشيخ الدباغ مهما علت منزلته في الفضل والأدب فلن تبلغ منزلة أشعب وهو من علمت وبعد فهذا هذا وقبل أن نختم هذه الكلمة يجمل بنا أن نقدم صاحب هذا الكتاب إلى حضرت قرائنا حتى يعرفوا مقدار نبله ولطف إحساسه وغيرته على الأدب والأدباء فصاحب هذا الكتاب هو محمود صادق بك بن المرحوم محمد صادق باشا ومن ثم ترى أنه رجل جمع بين الغني الكبير والمجد التليد وأمثال محمود صادق بك في بلدنا هذا أبعد الناس عن الأدب والأدباء كأنهم وإياهم أبناء علة فإذا رأينا اليوم محمود صادق بك يعني بالنصح عن أديب كان ذلك دليلاً محساً على نبل إليك وإحساسه المتفضل وعطفه على الأدباء وتوفره على القراءة والإطلاع وجملة القول على أنه غني منقطع النظير ولهذا اغتبطنا بدفعه هذا كل الإغتباط وكدنا اخرج من أديمنا فرحاً بهذا الرجل الكبير الروح فنشكر له هذا الصنيع الجميل ونعتذر إلى أديبنا الدباغ عن طغيان القلم.

стр. 1946

موت رجل كبير وفاة عمر سلطان باشا في شهر فبراير الماضي، مات رجل كبير من الأفراد الذين هم في التعداد التاريخي بألوف من الناس، وفي تقدير الحياة أفضل من ربع سكان المملكة، مات عظيم من المصريين كانت له نفس كبيرة، وروح كريمة، وأثر مذكور، وسكن نبض خفاق في جسم أمة هامدة، وتعطلت حياة نشيطة نبيلة من صور مختلفة من الموتى، مات رجل بكل معنى الرجولة، في زمن نحن فيه أحوج إلى نصف رجل، لأن الفرد النافع في أمة مثل أمتنا يعد عنصراً غريباً ظاهراً بينا إذ كنا لم نعتد بعد أن نكون على شيءٍ من النفع، مات المرحوم عمر سلطان باشا وهو اسم مجيد من الأسماء الكبيرة التي تطل صورتها من مجموعة صور الماضي، وسلسلة ذهبية من أسرة معروفة في تاريخ هذه البلاد. بل هو ذكرى حلوة عظيمة الأثر في نفوس المصريين هو نسخة أخرى من رئيس أول مجلس من مجالس النواب في تاريخ هذا البلد لأن كلمة سلطان باشا لا تزل تهز فؤاد كل مصري، لأنها تعود إلى ذكرى سلطان باشا الكبير، والد فقيد اليوم، رئيس مجلس النواب القديم. ومن ثم كان سلطان باشا الصغير يحمل في نفسه دستورية سلطان الكبير وعظمته وفضله إذ كان اسمه في تاريخ المآثر الأهلية والمكرمات العمومية في رأس القائمة، وطليعة الصحيفة، ونحن نعد موته خسارة كبرى، ونكبة عظيمة للفقيرين والمعوزين، وضربة للخير، ومصاباً نزل بالرحمة، لأن كل ثروة في الأمة من ثروات الأفراد الكبار هي حجر صلب متماسك في بنائها. وركن متين من أركانها، لأن حياة الأمم الجيوب، وفي المصارف وفي الخزائن. ثم هي بعد ذلك الأيدي، ثم في الأعمال الكبيرة والمفاخر العظيمة. لأن كل رجل غني ينفق من ماله على غير مناعمه يعد رجلاً نادراً ملائكي النزعة، لأن للغني عدة من الطبائع يكتسبها صاحبها من ورائه، وكل ورقة مالية تدخل في جيب الغني الحريص تنزع ورقة من صحائف كتاب الشفقة، حتى لقد كاد كتاب الشفقة لا يبقى منه إلا غلافه، ولعل الأقدار تهب بعض الناس نعمة الغنى، ثم تصيبهم بعدها في قلوبهم بكل مادة القسوة لكي يمشوا في الدنيا بقلوب ذهبية. وإذا كان ذلك كذلك فحليقٌ بكل مصري أن يحزن لفقد هذا الرجل التقي الصفحة، في وسط

стр. 1947

كثيرين سود الصحائف.

стр. 1948

استدراك جاء في صفحة ١٦ سطر ١١ من كتاب تربية الإرادة الذي نشرنا منه ملزمتين في هذين العددين ويهجمون منه على حين طيب وصحتها ويهجمون منه على جني طيب

стр. 1949

العدد ٣٥ - بتاريخ: ٢٠ - ٤ - ١٩١٧

стр. 1950

أمس واليوم مقال بديع للكاتب الأشهر السيد مصطفى لطفي المنفلوطي كتبه خصيصاً لهذه المجلة ووعد أن سيوالي البيان بكل ما يكتب من الآن. . عندي أن الفضيلة والرذيلة كالجمال والقبح أمرين اعتباريين يختلفان باختلاف الأمكنة والأزمنة. فكما أن الجمال في امة قد يكون قبحاً في أمة أخرى. كذلك الفضيلة في عصر، قد تكون رذيلة في عصر آخر. ليست الرذائل والفضائل أسماء توقيفية كأسماء الله لا يمكن تغييرها ولا تبديلها. وليست الفضيلة إلا لأنها طريق السعادة في الحياة ولا الرذيلة رذيلة إلا لأنها طريق الشقاء فيها. فحيث تكون السعادة في صفة فهي الفضيلة وإن كانت رذيلة اللؤم. وحيث يكون الشقاء في صفة فهي الرذيلة وإن كانت فضيلة الكرم. لقد اعتاد علماء الأخلاق في كل زمان زفي كل مكان من عهد آدم إلى اليوم أن ينشروا لنا في كل كتاب يؤلفونه أو رسالة يدونونها جدولين طويلين ثابتين لا ينتقلان ولا يتحلحلان. . يكتبون على رأس أحدهما عنوان الفضائل وتحته كلمات الجبن والبخل والخيانة والغدر والطمع والدناءة والكذب والظلم والقسوة. وأرى أنه قد آن لهم أن يعلموا أن الناس اليوم غيرهم بالأمس. وأن أساليب الحياة الحاضرة غير أساليب الحياة الماضية وأن كثيراً من الصفات التي كانت في عهد البداوة والسذاجة رذائل يجتويها الناس ويتبرمون بها ويستثقلون مكانها قد أصبحت في هذا العصر عصر المدنية المادية المؤسسة على المنافع والمصالح حالة واقعة مقررة في نظام المجتمع البشري. وأسساً ثابتة تبنى عليها جميع أعماله وشؤونه فلا بد للناس منها. ولا غناء لهم عنها. ولا مندوحة لهم أن أرادوا أن يخضوا معترك الحياة مع خائضيه من أن يتعلموها تعلماً نظامياً ويدرسوها مع ما يدرسون من علوم الحياة التي يتوقف عليها نظام عيشهم ويتألف منها شأن سعادتهم وهنائهم. كان الكرم فضيلة يوم كان الناس يحفظون الجميل لصاحبه ويعرفون له يده التي يسديها إليهم. فإذا هوى به كرمه إلى هوة من هوى الشقاء وجد من بين الذين أحسن إليهم أو جل في نفوسهم شأن إحسانه من يمد إليه يد المعونة ليستنقذه من شقائه أو يرفهه عليه. أما اليوم وقد أنكر الناس الجميل واستثقلوا حملهعلى عواتقهم بل أصبحوا يشتمون بصاحبه يوم تزل به قدمه ويصفونه بجميع ما ورد في كتب المترادفات من أسماء الجنون وألقابه فليس الكرم

стр. 1951

فضيلة وليس من الرأي الدعاء له والحض عليه. وكانت الرحمة فضيلة يوم كان الناس صادقيين في أحاديثهم عن أنفسهم فلا يعترف بالبؤس إلا البائس. ولا يلبس الأطمار إلا من يعجز عن لبس الجديد. أما اليوم وقد ذلت النفوس وسفلت المروءات فلبس ثوب الفقير غير الفقير. وانتحل البؤس غير البائس. وأصبح نصف الناس كسالى متبطلين لا عمل لهم إلا التلجوأ إلى ظلال القلوب الرحيمة يعتصرونها ويحلبون درتها حتى تجف جفاف الحشف البالي فالرحمة هي الفقر العاجل والخسران المبين. وكانت الشجاعة الأدبية فضيلة يوم كان الناس ينصرون الشجاع ويؤازرونه. ويتتبعون خطواته في جميع مذاهبه التي يذهبها. فلا ينقطعون عنه حتى يظفر أو يموتوا من دونه. أما اليوم وقد ضعفت همم الناس ووهنت عزائمهم. وماتت في نفوسهم الحفائظ والغير. ووكل بعضهم أمره إلى بعض. فإن رأوا قائماً يمينهم بدعوة أغروه بالمضي فيها ثم وقفوا على كثب منه ينظرون ماذا يفعل فإذا ظفر قاسموه غنيمته وإن فشل خذلوه وتنكروا له فالشجاعة جنون لا يجد صاحبها من ورائها إلا التهلكة والشقاء. وكانت القناعة فضيلة يوم كان الفضل هو الميزان الذي يزن به الناس أقدار الناس وقيمهم وكان الفقر مفخرة للشريف إذا عفت يده. والغني معرة للدنيء إذا سلفت مساعيه وأغراضه أما اليم وقد مات كل مجد في العالم إلا المجد المالي وأصبح الناس يتعارفون بأزياءهم ومظاهرهم. قبل أن يتعارفوا بصفاتهم وأعمالهم. فالقناعة ذل الحياة عارها وبؤسها الدائم وشقاؤها الطويل. وكان الغضب رذيلة يوم كان الناس يعرفون فضيلة الحلم ويقدرونها قدرها. ويطأطئون رؤوسهم بين أيدي صاحبها إجلالاً وإعظاماً. أما وقد أصح الناس أشراراً يحملون شرورهم على أيديهم ويدورونبها في كل مكان يطلبون لها رأساً يصبونها عليه ولا يجرؤون على غير الرأس الضعيف اللين. فلا خير في الحلم والخير كل الخير في الغضب. الحياة معترك أبطاله الأشرار وأسلحتهم الرذائل. فمن لم يحاربهم بمثل سلاحهم هلك عن الصدمة الأولى. يجب أن يكون الناس جميعهم فضلاء ليسعدوا بفضيلتهم فإن عجزوا عن ذلك فليكونوا

стр. 1952

جميعاً أدنياء ليتقي بعضهم بأس بعض. أما أن يتقلد سوادهم سلاح الرذيلة والنزر القليل منهم سلاح الفضيلة وهو أضعف السلاحين وأوهمهما فليس لذلك إلا معنى واحد. وهو أن يهلك أشراف الناس وفضلاؤهم في سبيل حياة أدنيائهم وأنذالهم. إن الدعاء إلى البر والإحسان والرحمة والشفقة والعدل والإنصاف والصدق والإخلاص في هذا العصر إنما هو حبالة ينصبها الدهاة الماكرون للضعفاء الساذجين لخدعوهم بها عن مائدة الحياة التي يجلسون عليها. فيستأثروا بها من دونهم. فلا يدعو الداعي إلى الكرم إلا لينل ما في جيوب الناس إلى جيبه. ولا إلى العفو إلا ليصيب بشره من يشاء دون أن يناله من الشر شيء. ولا إلى القناعة إلا ليتعلل من سواد المزاحمين له على أغراض الحياة ومطامعها. ولا إلى الصدق إلا ليستمتع وحده بثمرات الكذب ومزاياه. كلنا يكذب فلم يعيب بعضنا بالكذب بعضاً. وكلنا يبسم لعدوه وصديقه ابتسامه واحدة فلم نستنكر الرياء، وكلنا يطمع في أن تكون له وحده جميع خيرات الأرض وثمراتها من دون الناس جميعاً فلم نستفظع الطمع. وكلنا يتربص بصاحبه الغفلة ليختتله عما في يده فلم نشكو من الظلم؟ إنا لا نفعل ذلك إلا لأنا نريد أن نستخدم الفضيلة في أغراضنا ومآربنا كما استخدم رؤساء الدين الدين في العصور الماضية. وكما استخدم رجال السياسة الوطنية في العصر الحاضر. يجب أن يتعلم الطفل من أول يوم يجلس فيه أمام مكتب مدرسته أن الموجود في الحياة غير الموجود في الكتب وأن قصص الفضائل التي يقرؤها ونوادر المروءات والكرم والإيثار وأحاديث الشهامة والشجاعة وعزة النفس وإبائها إنما هي روايات تاريخية قد مضت وانقضى عهدها حتى لا يصبح ناقماً على العالم يوم ينكشف له وجهه ويرى سوآته وعوراته. وحتى لا يضيع عليه عمره بين التجارب والإختبارات. ولو كنت أعلم من أصول الرذائل وقواعدها فوق القدر الذي أعلم منها لألفت للناشئ كتاباً دراسياً أبين له فيه كيف يكذب التاجر. ويغش الصانع. ويلفق المحامي. ويدجل الطبيب. ويختلس المرابي. ويرائي الفقيه. ويصانع السياسي. ويتقلب الصحفي. ثم أقول له هذه هي الحياة وهذا سبيل العيش فيها إن أردتها. فإن لم تردها فدونك مغارة موحشة في قمة من قمم

стр. 1953

الجبال العالية فعش فيها وحدك بعيداً عن العالم وما فيه. وكل مما تأكل حشرات الأرض واشرب مما تشرب منه حتى يوافيك أجلك. أنا لا أدعو إلى الرذيلة بل إلى سعادة الحياة وهنائها وهو ما أسميه الفضيلة. لأني أعتقد أن الشر لا يقاوم في العالم إلا بالشر. وإن حامل السيف لا يغمده إلا أمام حامل سيف مثله. والسيل الجارف لا يقف عن جريانه إلا إذا وجد في وجهه سداً يدفعه. وإن الظالم لا يظلم إلا إذا وجد بين يديه ضعيفاً. والمحتال لا يحتال إلا إذا وجد أمامه غبياً. وأن الناس لا يتحامون ولا يتحاجزون ولا يأمن بعضهم بأس بعضهم إلا إذا برزوا جميعاً في ميدان واحد يتقلدون سلاحاً واحداً في فضاء واحد. ما أجمل الفضيلة وما أعذبها. وما أجمل العيش في ظلالها لولا أن شرور الأشرار قد حالت بيننا وبينها. فرحمة الله عليها. ووا أسفا على أيامها وعهودها.

стр. 1954

الآداب وتطورها للكاتب الاجتماعي الدكتور عبده البرقوقي اختلف العلماء والفلاسفة في تعريف الآداب. وسبب الخلاف راجع إلى أنهم غير متفقين على معرفة الأصل الذي نشأت عنه وتشعبت منه. وقبل أن ندلي بتعريفنا يجب أن نتساءل عن منشأ الآداب وكيفية وجودها. وهل هي غريزية في الإنسان أو اكتسابية، وإن كانت إكتسابية فمن الذي أكسبه إياها؟ الدين أو الإجتماع أو هو الذي اخترعها من نفسه تسهيلاً لأعماله؟ يرى فريق من العلماء أن الآداب غريزية في النفس وأن الإنسان مفطور على تمييز الخير من الشر وأن الآداب قائمة بذاتها غير متصلة بالدين ولا متفرعة عن الصالح العام. فالخير خير لذاته لا لأنه نافع أو لأن الدين أمر به والشر شر لذاته لا لأنه ضار أو لا لأن الدين نهى عنه. ولو كان هذا الرأي صحيحاً للزم أن تكون الآداب جامدة ولا يعتورها التغيير والتبديل مهما تغيرت الأحوال وتبدلت الشؤون. فالشر شر والخير خير منذ وجد الإنسان إلى ما شاء الله. بيد أن الواقع يخالف ذلك. والمشاهد أن الآداب مختلفة باختلاف الأزمنة والأمكنة والشعوب وإن كان اختلافها بطيئاً لا يلحظ إلا إذا كان المدى بعيداً. أما إذا كانت المسافة قصيرة فيخيل إلى الناظر أن الآداب ثابتة لا تتغير. ويرى العلماء الروحانيون ومن على شاكلتهم أن مصدر الآداب الدين. فإن الدين هو الذي أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وأعد للمتقين جنات النعيم وللأشرار عذاب الجحيم. ولولا الدين لكان الإنسان كالعجماوات خلوا من كل فضيلة يرتكب المنكرات من غير حياء ولا جزع ومن لا دين له لا يرتجى منه خير ولا يتقي شره. غير أن من بين المتدينين الذين لا يتطرق الشك إلى يقينهم ولا يتوانون في تأدية واجباتهم الدينية من يرتكب الشر ويقترف الجرائم من غير أن يكون لديه سلطان عليه. يذوب أسى وخشوعاً إذا ذكر الله وإذا فرغ من صلاته هب إلى خطف الأرواح واختلاس الأموال ونهش الأعراض مستعيناً بالله وملائكته ورسله على تحقيق آماله. وهل يصعب على الإنسان أن يوفق بين دينه وشهواته ويتلمس لجرائمه ما يبررها في نظره ويخلق لنفسه

стр. 1955

المعاذير التي تطمن باله وتريح ضميره. وجدت الآداب ممتزجة بالدين امتزاج الماء بالعود فلا ترى ديناً خلوا من الحث على الفضيلة والنهي عن الرذيلة ولا تجد آداباً قائمة بذاتها منفصلة عن الدين إلا في الندرة. ولقد اختلطت الآداب بالعقائد حتى تشاكلت وتعذر التمييز، ومن هنا نشأ القول بأن الدين هو أصل الآداب - ومن أمد غير بعيد كانت القوانين متصلة أيضاً بالدين فانفصلت عنه فهل تنفصل الآداب عن الدين أيضاً وهل امتزاج القوانين فيما مضى يسمح لنا بأن نقول أن الأديان أصل للشرائع والقوانين. إن منشأ الدين الإجلال والإعظام وشعور القلب بالرهبة والخوف. ومنشأ الآداب كما سنبينه بعد هو الإجتماع وحب الذات وضرورة التوفيق بينهما، ولقد وجدت الآداب والدين معاً فامتزجت الآداب بالدين والإنسانية في أول عهدها لا تعرف توزيع الوظائف على الأعضاء وقسر العضو على وظيفة واحدة بل كان للعضو الواحد عدة وظائف فكان من شأن الدين أن يراقب الآداب ويسن القونين ويستخلص النظريات العلمية ولكن سارت الإنسانية بعد ذلك بأزمان بعيدة استقل القانون واختلاف الدين والآداب في الأصل والمنشأ يوضح لنا جلياً ما أشكل علينا في أول الأمر من وجود أناس متدينين وهم في الوقت نفسه قارورة خبث وبؤرة فساد. وهناك رأي آخر يقول بأن الإنسان هو الذي أوجد الآداب وأنه هو الذي اخترع الخير والشر تسهيلاً للعلاقات الإجتماعية وتحديداً لها فسمى ما يفيده خيراً وما يضره شراً وفي الواقع وننفس الأمر لا خير ثمت ولا شر. حقاً لا خير ولا شر فإن الأمور كلها لسببه مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد وما هو خير عندنا قد يكون شراً لغيرنا وما نعتبره أدباً ربما اعتبره سوانا سفالةً ولكن لا تصدق بأن هذا محض اختراع من الإنسان. يعتقد الإنسان وجود خير وشر ويحكم على بعض الأمور بأنها خير وعلى البعض الآخر بأنها شر ويجوز أن يكون مخطئاً في حكمه أو واهماً في اعتقاده ولكنه وهم طبيعي منشأه حياة الإنسان الأولى وتداول النفع والضر عليه مما يحيط به وارتكازهما في جهازه العصبي.

стр. 1956

ولقد لبثت البيئة الأولى التي كان الإنسان عائشاً فيها قروناً عديدة لم تتغير تغيراً محسوساً فأكسبته آداباً مخصوصة لازمته طوال هذه القرون فارتكزت في أعضائه وصار لها في بنيته جهاز خاص فتوارثها عنه أعقابه وأصبح الإنسان يعتقد بحق أنها آداب مطلقة. فطر الإنسان على الأثرة وحب الذات حفظاً لحياته وبقاء نوعه، والأثرة خميرة صالحة لكثير من المزايا الإنسانية غير أنها قد تلقي بالمجتمع الإنساني إلى التهلكة لو أطلق لها العنان وتجردت من كل قيد. وهو من جهة أخرى مدني بالطبع يجب الإجتماع ولا غنى له عن الوئام والإتحاد مع العائلة أو القبيلة التي كان عائشاً بينها ليكون قادراً على درء الخطوب ومقاتلة الأعداد والتغلب على الوحوش الضارية التي تنازعه البقاء خصوصاً إذا كانت العائلة أو القبيلة قليلة العدد كما كانت الحال في مبدأ الإنسان ولم يسد الإنسان على العالم ولم يتغلب على أعدائه إلا بعد جهاد طويل نشأ عنه حب الغير وتآخي الناس واعتبار كل منهم للباقين بمثابة حلفاء تحافظ على حياتهم ويحافظون على حياته وإذا حميت الأثرة الفردية بأحدهم ودفعته إلى التعدي على آخر فقد أخل بالمجتمع كأنه تعد على المجموع مهما كان تعديه تافهاً واعتبر عمله مخلاً بالآداب، فالآداب قواعد اجتماعية أوجدتها ضرورة الإجتماع منعاً للأثرة الفردية من الجموع وحثاً للناس على عمل النافع والإمتناع عن المضار، وبعبارة أخرى قواعد اجتماعية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وهذا الحد واسع جداً غير قاصر على الآداب بل يشمل أيضاً القوانين ولتصحيحه يجب أن نخرج منه القوانين التي لا يدخل في دائرتها الأكل تعد يظنه المجتمع الإنساني بليغاً ومهدداً لكيانه ويفرض لمقترفه عقاباً زاجراً. وكانت الهيئة الإجتماعية في أول الأمر قاصرة على أعضاء العائلة أو القبيلة لا تتعدى ذلك إلى غيرهم من الأجانب الذين كانوا معتبرين كأعداء ألداد لا يرعى لهم ذمار ولا يعترف لهم بحق بل يجب مقاتلتهم أينما وجدوا فالآداب إذ ذاك كانت قاصرة على حماية العائلة أو القبيلة فقط ومن عداها فهو مهضوم الحقوق. ولم يكن الإنسان عائشاً في سلام واطمئنان بل كان قلق البال على حياته يكافح الوحوش الضارية التي كانت تنازعه البقاء والسيادة ويقاتل القبائل الأخرى إما دفاعاً عن نفسه أو

стр. 1957

طلباً للسلب والنهب فالخطر المحدق بالقبيلة كان عظيماً جداً ولا طاقة لها على دفعه إلا إذا كانت قوية ولا تكون قوية إلا إذا كان الأمن مستتباً بين أفرادها فكان كل ما من شأنه أن نحل بهذا المر يقع بالقوة مهما كان تافهاً ويعاقب مقترفه عقاباً صارماً لخطورة الحال كما بينا. فكانت الآداب إذ ذاك صارمة والقوانين قاسية وحرية الفرد معدومة ودائرة العقاب واسعة تشمل تقريباً كل شيء، قل أن توجد هفوة ولو تافهة ولا يكون لها عقاب، وجملة القول أن أسلافنا كانوا لا يميزون بين الآداب والقوانين وكانت قوانينهم كلها جنائية وكانت العقوبات شديدة للغاية. ولم تتلطف الآداب ولم تنقشع عنها غياهب القوة ولم تتهذب القوانين ولم تستنشق الأفراد الحرية إلا بعد أن قلت الغارات والحروب وأمن الناس جيرانهم واندمجت القبائل في بعضها وصارت أمماً - أما القبائل التي لبثت على حالها ولم يصادفها هذا التطور لفقدان أسبابه بينها فلا تزال شديدة البطش بأفرادها تأخذهم بالقوة والقسوة محافظةً على كيانها وليس للفرد إزاءها شخصية بالمعنى الذي نفهمه نحن الآن. وكلما ارتقت الأمة في مدرج الحضارة والمدنية ارتخت قيود الأفراد وزاد نصيبهم من الحرية الأدبية واتسع لهم المجال في القول والعمل وقل افتيات المجموع وتعرضه للفرد لها بقية.

стр. 1958

الإدانة والمسؤولية ـ ٢ ـ إن سليم العقل من يقدر على فهم الأمور ولا يشذ في عمله عن دائرة الحكمة. وبعبارة أخرى من كان له في سلوكه قائد من التروي يتبصر في الأسباب ويوازن بين العلل التي تدفعه إلى العمل وتنهاه عنه ليختار لنفسه الطريق الذي ينبغي له أن يسير فيه. غير أن اختياره هذا متوقف على الظروف والمؤثرات وعلى طبيعته وتركيب جسمه الذي يتأثر بعلة دون أخرى. ولكن أليس التركيب الجثماني نتيجة الوراثة والتربية، وعلى ذلك يكون سليم العقل هذا غير مسؤول أيضاً عن عمله. إن الغرض الذي تنشده القوانين وتسعى إليه الشرائع هو تربية صحاح العقول وتهذيب نفوسهم وحملهم على التأني والتروي وزنة الأعمال بالحكمة حتى تكون على وفق ووئام مع صالح الهيئة الإجتماعية. ولو كان المرء خالياً من كل شيء ماعدا خوفه من القانون واحترامه إياه لكان الناس جميعاً كالمعتوهين الذين مر ذكرهم آنفاً. ولو كانت القوانين صالحة لكانت معرفتها وراثية ولصار المجتمع الإنساني كخلايا النحل يؤدي كل وظيفة بدون ملل ولا ضجر. غير أنا لم نصل إلى هذه الدرجة ولم نزل بعيدين عنها بمراحل عديدة. وكل فرد يتخذ من تربيته ووراثته (خصوصاً وراثته فإنه يوجد كثيرون متفقون في التربية غير أنهم مختلفون) محكمة باطنية يسميها بالضمير ويحكمها في كل شيء. قال حكيم إذا أردت ألا تقاضي فلا تقض على أحد غير أن هذا الحكيم نفسه لم يسعه أن يتبع حكمته وينهي نفسه عن مقاضاة الناس والحكم عليهم بل استمر في محاكمتهم بدون هادة ولا انقطاع حيث وعد الذين يتبعون حكمته ويسيرون على مقتضاها بخير الجزاء ولكن ألم يأت دوره أيضاً في المحاكمة وحكم عليه بالصلب. أما نحن فلا ندعي أننا أعقل منه أو أكثر منه حكمة ولذلك لم نفتر عن مقاضاة الناس والحكم عليهم فإن هذا طبيعي في النفس. يقضي العدل بمكافأة كل إنسان على قدر قيمته. ولكن أليست ضمائرنا هي الميزان الوحيد الذي نزن به أقدار الرجال ونحكمها في أعمالهم، وحكمها بات لا يقبل نقضاً؟ ومن المحال

стр. 1959

أن نرضي الناس جميعاً والمحاكم الباطنية أي محاكم الضمير والوجدان مختلفة غير متماثلة. وجدير بهذه الحقيقة أن تحملنا على عدم التعويل على ضمائرنا وعدم الإعتداد بأحكامها ولكن أنى لنا ونحن لا نذعن إلى الحق بسهولة. العدل أجمل وأرقى شعور في الإنسان. وقد ألبسنا الإله ثوباً نفيساً من هذا العدل غير أن الإله بدأ عمله بتفضيل هابيل على قابيل. وهذا هو عين الجور الظلم فإنه هو الذي خلق الإثنين بما فيهما من فضل ونقص وخير وشر. إلا أن هذا لبشري محض. يرشدنا المنطق إلى أن المسؤولية غير موجودة وإن الأولى والأعدل محو العقاب والثواب من معجمات لغاتنا وكتب شرائعنا غير أنا نحب أفراداً ونمقت آخرين وشعورنا أعز لدينا من العقل يقول أن طول فرانس لو كنا نعقل أو نفهم لكانت النفوس البشرية لدينا كالأشكال الهندسية لدى الرياضيين فلا نبغض إنساناً لقصر عقله وخبث طويته كما لا يكره الرياضي الزاوية إذا قل انفراجها عن الزاوية القائمة أو زاد عنها ومع هذا تنطوي قلوبنا على الحب والكراهة وهذا ألد عدو للحكمة. يحاول بعض الفلاسفة ذوي العواطف الشريفة والإحساسات الرقيقة أن يلينوا من قلوب القضاة ويحملوهم على أخذ المجرمين الرأفة والشفقة بأن يقولوا أن المجرمين غير مدانين فيما اقترفوه من الإثم والعدوان. وإنما الهيئة الإجتماعية هي المذنبة الأثيمة وهي المسؤولة عن إجرام هؤلاء المساكين وإن هؤلاء الفلاسفة لمحقون في رأيهم غير أهم لا يريدون الإستمرار فيه إلى النهاية وليسوا بالمثال الصالح ولا الأنموذج الحسن في أحكامهم لأنهم يحتقرون القضاة قساة القلوب ويسلقونهم بألسنة حداد مع أن هؤلاء القضاة لا يخرجون عن كونهم مجرمين كالمجرمين الآخرين غير مسؤولين عن أعمالهم ولقد يمكن معالجة هؤلاء الفلاسفة وإرجاعهم عن خطئهم لو لم يكن نتائج رأيهم (وهذه النتيجة طبيعية ولكنهم لا يقبلونها) اعتبار القاضي طيب القلب كالقاضي القاسي لا يفضله في شيء ولا يستحق مدحاً ولا ثناء، يريدون إلغاء العقاب ولكنهم يحتفظون بالأجر والثواب وهذا لا يمكن إزالته من النفوس إلا بإزالة الإنسانية نفسها. وهل هذا غير منطقي! أو هل المنطق الذي أضلنا عن الحق! وهل لم يكن رائدنا الدقة! أو هل هذه الدقة وهم وخيال.

стр. 1960

لا ينفك الإنسان عن التغير والتبدل في كل آونة ولحظة. وما الإنسان إلا سلسلة تراكيب جثمانية مختلفة يأتي بعضها في تلو بعض ويعقب أحدها أثر لآخر ولا يمكن سرد أعمال إنسان من غير أن نلاحظ أنه في هذه اللحظة غيره في اللحظة التي سبقتها وأنه ليس هو الآن نفس الرجل الذي كان منذ هنيهة مضت. وإذن فمحال على المنطقي المدقق أن يشكر إنساناً على عمل اشترك في تركيب جثماني غير تركيبه الحالي. نحب قائداً ونجله ونغدق عليه الألقاب والنياشين فنسميه البطل المقدام والقائد العظيم لأنه انتصر على أعدائه وأنزل بهم المحن ولا نذكر المدفع الذي حاز به الفخر ونال بواسطته النصر مع أن المدفع أقل تغيراً من القائد وأدوم على كيانه منه. إن الأسماء التي تعطى للأفراد وتلازمهم طول الحياة من تغيير ترابط أعمال الفرد بعضها ببعض ماضيها وحاضرها ومستقبلها بحبل متين لا تنفك عقدته أبداً. ولكن من منا لم يشعر بألم عظيم وحزن عميق حينما سيق فرديند ديلاسبس العظيم إلى محكمة الجنايات بصفة منهم أثيم. هل من كان يوماً عظيماً يبقى دائماً عظيماً! وهل من أجرم ولو مرة يصير طول الحياة مجرماً أو هل من المحال أن ينقلب اللص القديم رجلاً نزيهاً! إن هذا ينبغي أن يكون لو كانت القوانين لا ترمي إلى معاقبة المجرمين وإنما تقويم نفوسهم قدر المستطاع. إن اللص الذي يعود إلى الإجرام بعد ما اقتص منه القانون على جريمة سابقة يظهر للملأ ننقص هذا القانون وعواره. ولا يكون القضاء حسناً - قلت حسناً ولم أقل عادلاً لأنه لا وجود للعدل والظلم ولا أساس لهما من الصحة - أقول لا يكون القضاء حسناً إلا إذا كان غرضه مداواة المجرمين مما ألم بهم وأضر بجهازهم العصبي فأفسده. ولكن القضاء للأسف لا يعني بهذه المسألة ولا يعتبرها التفاته بل يعاقب المجرمين باسم العدل الذي لا وجود له ولا أثر له من الصحة وإنما هو محض خيال ووهم ويترك في نفوسهم ذكرى قد تزيد من شرهم وترصد في وجوههم باب الأمانة فيما لو حدثتهم نفسهم يوماً بالتوبة. ولكن من منا يقبل على نفسه أن تكون شخصيته متغيرة غير ثابتة على حال وأن يكون أعجوبة غريبة لا تنفك عن التلون والتبدل. ينسى المرء سيئاته التي تزري بشرفه ويذكر دائماً حسناته التي ترفع من قدره. ولا يحفظ

стр. 1961

من سيرة غيره إلا القبيح معتقداً أن الحط من قيمة رفعة له وإعلاء لشأنه. ولولا الأشرار ما وجد الأخيار. إن اللغات البشرية لغات شعور وإحساس وليست بلغات علم وفلسفة. وإذن فليس من المستغرب القول بوجود إدانة ومسؤولية ولا نسبة العقاب والجزاء إلى العدل ولا تسمية الأفراد بأسماء لا تفارقهم طول الحياة وإن كانت الحقيقة خلاف ذلك فإن اللغات لا تعبر عن الحقيقة وإنما تعني بالإفصاح عن علاقات الناس بعضهم ببعض ومن العبث بل من الحمق أن تكون هذه العلاقات قائمة على الحقيقة وإنما تعني بالإفصاح عن علاقات الناس بعضهم ببعض ومن العبث بل من الحمق أن تكون هذه العلاقات قائمة على الحقيقة فإن قوامها الأغلاط والأوهام. وخليق بمن ينكر المسؤولية أن ينكر الثواب ولا يدعي لنفسه فضلاً ما. ولكن أني لنا ذلك وقد فطرت نفوسنا على العكس ويتضح مما مر من تاريخ الإنسانية أننا بعيدون جداً عن الحكمة والفلسفة. إن الناس ليسو بحكماء وقد يكون هذا من حسن حظهم فإنهم لو كانوا كذلك لكانت الحياة مملة.

стр. 1962

الحرب كلمة شعرية نثرية بديعة في وصف الحرب الحاضرة من كتاب المساكين رقعة من الأرض كأن فيها شيئاً من الطينة التي خلق منها الإنسان، فهي تمطر من دمائه، وكأنما عرفته في سماء الله فلا يكاد ينزل بها الجيشان. حتى تعيد أرواح أكثرهم إلى سمائه، ينجذب إليها الجندي لأن فيها ترابه بل لأن فيه من ترابها، وينطرح عليها لأن اقتراب منيته في اقترابها، ولا تزل تصرعه وكأنها من شوقها تضمه. وتلقيه على صدرها ميتاً أو جريحاً كأنها تعلمه بذلك أن الأرض أمه. وهي مزرعة الموت نباتها الرؤوس، فمنها قائم وحصيد، وثمراتها النفوس، فمنها داني القطاف ومنها بعيد، وقد رواها بالدم الحي فنبت فيها العظم وأثمر فيها الحديد. بل هي ساحة لحرب ترفع عليها القوة راية وتنزل راية، ويحشر في مسرحها الناس لتمثيل لهم الموت كل يوم رواية، وقد اضطربت فيها الآجال فكأنها أمواج في بحر القدر ناخره، وتناثر فيها الرجال فكأنهم عظام في بعض المقابر ناخره. وظهرت تلك الساحة وقد كشرت عن أنياب من السيوف وأسنان من الأسنة كأنها لأهل الدنيا فم الآخرة أما الجنود فإذا رأيتهم يلتحمون قلت زلازل الأرض قد خلقت على ظهرها، وإذا شهدتهم يقتحمون خلت نفوس الكرام قد حملت على دهرها، وقد أيقنوا أنهم إن لم يكونوا للموت كانوا للأسر، ومن لم يبن منهم على الفتح بنى على الكسر وما منهم إلا من يحمل رأساً كأنه لا يمكنه على عنق لا يدري كيف يمسكه، في بدن لا يعرف أيأخذه الموت أم يتركه، فهو لا يبالي أظلته الشمس. أم أظلم عليه الرمس، ونهض للتاريخ مع الغد أم ذهب في التاريخ مع الأمس، وإذا كان من صفة الميت أنه اسم في الحياة بغير جسم، فمن صفة هذا الحي أنه جسم يعيش بغير اسم. وما الجندي إلا عدد في حساب الحرب، فسيان قطعه الطرح أم أخذه الضرب وإنما هو حيث يتهيأ له انتظار الأقدار، فليس إلا الصبر، ولو في بطن القبر، وحيث يطبخ له النصر على النار. فثم المكان ولو في جوف البركان، وآية عقله أن يكون كالآلة المتقنة تعمل بلا عقل فلا يخشى الحيف، ولا يسأل لماذا ولا كيف، ومن ذكائه أن يكون من صحة الذهن. . . بحيث لا يفرق في الموت بين الجمر والتمر، وأن يكون من خفة الروح بحيث تحمله

стр. 1963

اللفظة الخفيفة على جناح الأمر. وما الحرب إلا أن يتنازع الناس على الحياة فيقيموا الموت قاضياً، ويطلبوا من الشريعة المدونة في صفائح السيوف حكماً على الحياة ماضياً، فكلا الفريقين يقدم الحجج، من المهج، ويأتي من بلاغة الموت في خصامه بكل ضرب ويجري الحياة مجرى الإستعارة في بيان الحرب. وقد توقف الرجال في يوم أطول من يوم العرض، وتقاذفوا بالآجال حتى أوشكت السماء لكثرة ما ينزل منها أن تقع على الأرض، فالخيل منقضة كأنها صواعق أرسلها الموت في أعنه، أو نوازع من السحاب بروقها الصورم والأسنة، مسرعة كأنها تسابق تلك المنايا التي جرت بها الأقدار، جائلةً كأنما تحيرت كيف تفر من ساحة الموت بما حملت من الأعمار، وعلى ظهورها كل فارس كأنه بين الرماح أسد في غاب، وكأن الموت من سيفه سم خلق في ناب، وكان العنان في يده سوط ولكنه سوط عذاب، لم يعد في الفرسان، حتى لم يعد من الإنسان، فإذا صاح بقرنه عرفت وحوش ذلك الصوت، وإذا هاجته الحرب لم يفته من ضروب النقمة فوت، وإذا نظر إلى مقتل عدوه حسبت عينيه نقطتين على تاء الموت. وقد ثار الغبار كآفة طريق يمتد من الأرض إلى السماء، أو كأنما أراد أن يمثل السحاب وقد رأى المطر تمثله الدماء، أو كأنه لما رأى الحرب تتوقد هب مستجيراً من الرمضاء، أو هو قد فر من الأرض لما خشي أن تنفلق الأرض من حوافر الخيل، أو كأنه أنف أن يأتي الناس أعمال اللصوص في نور الشمس فضرب عليهم قبة من الليل، أو حسب عقول الجند في أيديهم وأرجلهم. . . فطار ينظر أين تلك الهام، أو هو لما رأى المطر أحمر خشي على الأرض فثار ينظر ماذا دهى الغمام. والمدافع قد رمت الأرض بزلزالها، وألقت على الجند من شر أفعالها، فتركنهم كالغابة الملتفة إذا استطار فيها الحريق وانحط فريق من أشجارها على فريق، وكأنما انقض عليهم من قنابلها جدار من الجحيم. وكأن كل مدفع في صيحة الحرب إنما هو عنق شيطان رجيم. تحمل في بطونها أجنة من النار ترتعد الحصون لهول ميلادها، وتنحني القلاع مخافةً منها على أولادها، ولها صوت بعيد كأنها تنادي به السماء لترسل المنايا الطارقة، أو لتستقبل الأرواح المفارقة، أو كأنه نشيد فخم تفتخر به الأرض على الرعد والصاعقة، وهي القارعة

стр. 1964

وما أدراك ما القارعة، أما يومها فيوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش، وهو إن لم يكن يوم النفخ في الصور. فإنه يوم تحصيل ما في الصدور، وإن لم يكن يوم يبعثر من في القبور فإنه يوم يبعثر الناس في القبور. وهو المدفع حسبه قوة أنه من الحديد، وحسب ما يحويه قول الله فيه بأس شديد، وحسبه رعباً أنه شكل عصري من عذاب الخف القديم أعده الله لهذا الإنسان الجديد، فكم من حصن منيع إعتزبه أهله اعتصاماً، فتركهم فيه تراباً وعظاماً، وكم من قلعة شامخة اغتر الجند بقواها، فدمدم عليهم بذنبهم فسواها. وأما الرصاص فهو من سماء الموت حب غمامة، وله صفير كأنه ترنم الشيطان ببعض أنغامه، ولو أن عاصفة كنست أرض الجحيم لما شوت الوجوه بأشد من ناره. ولا حملت من من هناك إلا ما تحسب هذا الرصاص من حصاره وغباره، يثور كما تثور الأعاصير، ويندفع كما تندفع المقادير، ويقع على الأجسام بالأجل أو يطير، ويتناثر كأن في السماء نجماً تفتت فسقط، أو كأن قطعة ذابت من الشمس فألقت على وجوه الناس هذه النقط، أو هو فوج من ذباب النار، هبط إلى هذه الدار، فلا هم له إلا الجلود وإنضاجها بلذعه، والعيون وإخراجها بنزعه، والعروق واستخلاصها، والدماء وامتصاصها، والأرواح بعد ذلك واقتناصها. وكأنه زفرات غير أنها لا تخرج من الصدر بل تنزل فيه، ولولا أنها تشويه ولا تشفيه، وهو أوقع في الرؤوس من الأوهام، وأنفذ في الأغراض من مكائد الأفهام، وأحر على الأكباد من كل ما يضرم غضب الجبار المغيظ، وما هو إلا العذاب الرفيع إن كان المدفع هو العذاب الغليظ. . . وهناك من الروع ما لا يحصيه الوصف ولا يحصله، وإن عرفت آلة التصوير كيف تجمله فليس يعرف القلم كيف يفصله، ولعمري لو كان البحر الأسود في المحبرة، لما بلغ في وصف هذه المقبرة، غير أنها الحرب التي ابتدعها العلم لهلاك الإنسان، والقوة التي رزقها العقل فكانت بلاء على الأبدان. قوة المعجزات التي أركبت هذه الذبابة الإنسان على متن الغمام، وطوت لها من السماء بين جناحي النور والظلام، فإذا سمت الطيارةخفض لها السحاب جناح الذل، وأقبلت الملائكة تسأل ربها ما هذا الجزء من العالم بل ما هذا الكل، وما هذه الجرادة التي رأسها في ظهرها، وسرها في جهرها، بل ما هذه الحياة الأرضية

стр. 1965

التي عرجت في السماء فخرجت من حدود دهرها، وماذا العقل الإنساني الذي لا يوزع جأشه، والذي يرفعه إلى السماء ارتعاشه، وهو مع ذلك يندفع على أهله بالويل اندفاع السيل، ويطلع نصفه كالبور على الأرض ليطلع نصفه الآخر كالليل؟ وهي الحرب العامة كأنها ثورة الدهر وقد ضجر من هذا العالم وطغيانه، ومل من سماجة إنسانه، واشتاق إلى عصر حيوانه، فزفر زفرةً أيقظت الموت وكان نائماً، وتركت هذا الإنسان من الفزع لجنبه أو قاعداً أو قائماً، واستنزلت من القضاء ما كان في علم الله غيباً، واشتعل من هولها رأس الأرض ببياض السيوف شيباً، وجعلت من البيوت قبوراً لأهلها، وساوت في معايش الناس بين صعبها وسهلها، وأظهرت لعقول العلماء أن أكثر علمها من فنون جهلها. . . فالأرض في بلاء منتشر لا يعرف له حجم، والشعوب في ظلام من اليأس ملتهب النجم، والدول في عصر كليل الشياطين كله رجم. .! تلك هي الحروب القائمة اليوم وليكن كما ترى خيال النار في الماء، أما الحقيقة فكل حرف منها جيش وكل كلمة أمة، ووراء ذلك معنى رائع هو استجماع الحياة الأرضية لمقابلة الموت. ولو أن لهذا الكون مرضاً يعتريه كما نعتري الناس أمراضهم لقلت إن شق الأرض قد ضرب بالفالج فأصبح شقها الآخر لا يكاد يجر ظله حول الشمس لأن الحركة مقسومة بينه وبين ذلك النصف الميت، فقد اشتبكت العلائق بين دول الأرض جميعاً إذ لا تعرف دولة بين الناس ترعى شعباً من البهائم، ولما بدأ الإنسان يعرف نفسه في عصر العلم والمدنية عرف أخاه لأن أكثر حقيقته الإنسانية فيه ومن ثم اتصل به اتصال اليد بأختها في المعاونة على ما يسرت له كلتاهما، وجمع العلم بين هذه الأمم لأنه لا ينتسب لواحدة منها وليس له في الأرض خال ولا عم ولا يعرف شيء يقول للعلم يا بني ويقول له العلم يا أبت إلا التاريخ الإنساني. ولهذا سفر بين أمم الأرض كل من يخرج من رأس الإنسان وما ينتج من يده واتصل ذلك واستفاض حتى كأنما دارت الأرض دورة جديدة من داخلها فما إن يقع الإضطراب في ناحية منها إلا دخلها من الأثر في سائر نواحيها من هزة ترجف إلى زلزلة تهدم إلى الخسف الذي يجعل عاليها سافلها. وإني باسط لك شيئاً من الرأي في كلمات قليلة ولكنها كالمعركة الأخيرة التي يحق بها
следующие страницы →