Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
من سيرة غيره إلا القبيح معتقداً أن الحط من قيمة رفعة له وإعلاء لشأنه. ولولا الأشرار ما وجد الأخيار.
إن اللغات البشرية لغات شعور وإحساس وليست بلغات علم وفلسفة. وإذن فليس من المستغرب القول بوجود إدانة ومسؤولية ولا نسبة العقاب والجزاء إلى العدل ولا تسمية الأفراد بأسماء لا تفارقهم طول الحياة وإن كانت الحقيقة خلاف ذلك فإن اللغات لا تعبر عن الحقيقة وإنما تعني بالإفصاح عن علاقات الناس بعضهم ببعض ومن العبث بل من الحمق أن تكون هذه العلاقات قائمة على الحقيقة وإنما تعني بالإفصاح عن علاقات الناس بعضهم ببعض ومن العبث بل من الحمق أن تكون هذه العلاقات قائمة على الحقيقة فإن قوامها الأغلاط والأوهام.
وخليق بمن ينكر المسؤولية أن ينكر الثواب ولا يدعي لنفسه فضلاً ما. ولكن أني لنا ذلك وقد فطرت نفوسنا على العكس ويتضح مما مر من تاريخ الإنسانية أننا بعيدون جداً عن الحكمة والفلسفة.
إن الناس ليسو بحكماء وقد يكون هذا من حسن حظهم فإنهم لو كانوا كذلك لكانت الحياة مملة.
стр. 1962
الحرب
كلمة شعرية نثرية بديعة في وصف الحرب الحاضرة
من كتاب المساكين
رقعة من الأرض كأن فيها شيئاً من الطينة التي خلق منها الإنسان، فهي تمطر من دمائه، وكأنما عرفته في سماء الله فلا يكاد ينزل بها الجيشان. حتى تعيد أرواح أكثرهم إلى سمائه، ينجذب إليها الجندي لأن فيها ترابه بل لأن فيه من ترابها، وينطرح عليها لأن اقتراب منيته في اقترابها، ولا تزل تصرعه وكأنها من شوقها تضمه. وتلقيه على صدرها ميتاً أو جريحاً كأنها تعلمه بذلك أن الأرض أمه. وهي مزرعة الموت نباتها الرؤوس، فمنها قائم وحصيد، وثمراتها النفوس، فمنها داني القطاف ومنها بعيد، وقد رواها بالدم الحي فنبت فيها العظم وأثمر فيها الحديد.
بل هي ساحة لحرب ترفع عليها القوة راية وتنزل راية، ويحشر في مسرحها الناس لتمثيل لهم الموت كل يوم رواية، وقد اضطربت فيها الآجال فكأنها أمواج في بحر القدر ناخره، وتناثر فيها الرجال فكأنهم عظام في بعض المقابر ناخره. وظهرت تلك الساحة وقد كشرت عن أنياب من السيوف وأسنان من الأسنة كأنها لأهل الدنيا فم الآخرة أما الجنود فإذا رأيتهم يلتحمون قلت زلازل الأرض قد خلقت على ظهرها، وإذا شهدتهم يقتحمون خلت نفوس الكرام قد حملت على دهرها، وقد أيقنوا أنهم إن لم يكونوا للموت كانوا للأسر، ومن لم يبن منهم على الفتح بنى على الكسر وما منهم إلا من يحمل رأساً كأنه لا يمكنه على عنق لا يدري كيف يمسكه، في بدن لا يعرف أيأخذه الموت أم يتركه، فهو لا يبالي أظلته الشمس. أم أظلم عليه الرمس، ونهض للتاريخ مع الغد أم ذهب في التاريخ مع الأمس، وإذا كان من صفة الميت أنه اسم في الحياة بغير جسم، فمن صفة هذا الحي أنه جسم يعيش بغير اسم. وما الجندي إلا عدد في حساب الحرب، فسيان قطعه الطرح أم أخذه الضرب وإنما هو حيث يتهيأ له انتظار الأقدار، فليس إلا الصبر، ولو في بطن القبر، وحيث يطبخ له النصر على النار. فثم المكان ولو في جوف البركان، وآية عقله أن يكون كالآلة المتقنة تعمل بلا عقل فلا يخشى الحيف، ولا يسأل لماذا ولا كيف، ومن ذكائه أن يكون من صحة الذهن. . . بحيث لا يفرق في الموت بين الجمر والتمر، وأن يكون من خفة الروح بحيث تحمله
стр. 1963
اللفظة الخفيفة على جناح الأمر.
وما الحرب إلا أن يتنازع الناس على الحياة فيقيموا الموت قاضياً، ويطلبوا من الشريعة المدونة في صفائح السيوف حكماً على الحياة ماضياً، فكلا الفريقين يقدم الحجج، من المهج، ويأتي من بلاغة الموت في خصامه بكل ضرب ويجري الحياة مجرى الإستعارة في بيان الحرب.
وقد توقف الرجال في يوم أطول من يوم العرض، وتقاذفوا بالآجال حتى أوشكت السماء لكثرة ما ينزل منها أن تقع على الأرض، فالخيل منقضة كأنها صواعق أرسلها الموت في أعنه، أو نوازع من السحاب بروقها الصورم والأسنة، مسرعة كأنها تسابق تلك المنايا التي جرت بها الأقدار، جائلةً كأنما تحيرت كيف تفر من ساحة الموت بما حملت من الأعمار، وعلى ظهورها كل فارس كأنه بين الرماح أسد في غاب، وكأن الموت من سيفه سم خلق في ناب، وكان العنان في يده سوط ولكنه سوط عذاب، لم يعد في الفرسان، حتى لم يعد من الإنسان، فإذا صاح بقرنه عرفت وحوش ذلك الصوت، وإذا هاجته الحرب لم يفته من ضروب النقمة فوت، وإذا نظر إلى مقتل عدوه حسبت عينيه نقطتين على تاء الموت.
وقد ثار الغبار كآفة طريق يمتد من الأرض إلى السماء، أو كأنما أراد أن يمثل السحاب وقد رأى المطر تمثله الدماء، أو كأنه لما رأى الحرب تتوقد هب مستجيراً من الرمضاء، أو هو قد فر من الأرض لما خشي أن تنفلق الأرض من حوافر الخيل، أو كأنه أنف أن يأتي الناس أعمال اللصوص في نور الشمس فضرب عليهم قبة من الليل، أو حسب عقول الجند في أيديهم وأرجلهم. . . فطار ينظر أين تلك الهام، أو هو لما رأى المطر أحمر خشي على الأرض فثار ينظر ماذا دهى الغمام.
والمدافع قد رمت الأرض بزلزالها، وألقت على الجند من شر أفعالها، فتركنهم كالغابة الملتفة إذا استطار فيها الحريق وانحط فريق من أشجارها على فريق، وكأنما انقض عليهم من قنابلها جدار من الجحيم. وكأن كل مدفع في صيحة الحرب إنما هو عنق شيطان رجيم.
تحمل في بطونها أجنة من النار ترتعد الحصون لهول ميلادها، وتنحني القلاع مخافةً منها على أولادها، ولها صوت بعيد كأنها تنادي به السماء لترسل المنايا الطارقة، أو لتستقبل الأرواح المفارقة، أو كأنه نشيد فخم تفتخر به الأرض على الرعد والصاعقة، وهي القارعة
стр. 1964
وما أدراك ما القارعة، أما يومها فيوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش، وهو إن لم يكن يوم النفخ في الصور. فإنه يوم تحصيل ما في الصدور، وإن لم يكن يوم يبعثر من في القبور فإنه يوم يبعثر الناس في القبور. وهو المدفع حسبه قوة أنه من الحديد، وحسب ما يحويه قول الله فيه بأس شديد، وحسبه رعباً أنه شكل عصري من عذاب الخف القديم أعده الله لهذا الإنسان الجديد، فكم من حصن منيع إعتزبه أهله اعتصاماً، فتركهم فيه تراباً وعظاماً، وكم من قلعة شامخة اغتر الجند بقواها، فدمدم عليهم بذنبهم فسواها.
وأما الرصاص فهو من سماء الموت حب غمامة، وله صفير كأنه ترنم الشيطان ببعض أنغامه، ولو أن عاصفة كنست أرض الجحيم لما شوت الوجوه بأشد من ناره. ولا حملت من من هناك إلا ما تحسب هذا الرصاص من حصاره وغباره، يثور كما تثور الأعاصير، ويندفع كما تندفع المقادير، ويقع على الأجسام بالأجل أو يطير، ويتناثر كأن في السماء نجماً تفتت فسقط، أو كأن قطعة ذابت من الشمس فألقت على وجوه الناس هذه النقط، أو هو فوج من ذباب النار، هبط إلى هذه الدار، فلا هم له إلا الجلود وإنضاجها بلذعه، والعيون وإخراجها بنزعه، والعروق واستخلاصها، والدماء وامتصاصها، والأرواح بعد ذلك واقتناصها. وكأنه زفرات غير أنها لا تخرج من الصدر بل تنزل فيه، ولولا أنها تشويه ولا تشفيه، وهو أوقع في الرؤوس من الأوهام، وأنفذ في الأغراض من مكائد الأفهام، وأحر على الأكباد من كل ما يضرم غضب الجبار المغيظ، وما هو إلا العذاب الرفيع إن كان المدفع هو العذاب الغليظ. . .
وهناك من الروع ما لا يحصيه الوصف ولا يحصله، وإن عرفت آلة التصوير كيف تجمله فليس يعرف القلم كيف يفصله، ولعمري لو كان البحر الأسود في المحبرة، لما بلغ في وصف هذه المقبرة، غير أنها الحرب التي ابتدعها العلم لهلاك الإنسان، والقوة التي رزقها العقل فكانت بلاء على الأبدان. قوة المعجزات التي أركبت هذه الذبابة الإنسان على متن الغمام، وطوت لها من السماء بين جناحي النور والظلام، فإذا سمت الطيارةخفض لها السحاب جناح الذل، وأقبلت الملائكة تسأل ربها ما هذا الجزء من العالم بل ما هذا الكل، وما هذه الجرادة التي رأسها في ظهرها، وسرها في جهرها، بل ما هذه الحياة الأرضية
стр. 1965
التي عرجت في السماء فخرجت من حدود دهرها، وماذا العقل الإنساني الذي لا يوزع جأشه، والذي يرفعه إلى السماء ارتعاشه، وهو مع ذلك يندفع على أهله بالويل اندفاع السيل، ويطلع نصفه كالبور على الأرض ليطلع نصفه الآخر كالليل؟
وهي الحرب العامة كأنها ثورة الدهر وقد ضجر من هذا العالم وطغيانه، ومل من سماجة إنسانه، واشتاق إلى عصر حيوانه، فزفر زفرةً أيقظت الموت وكان نائماً، وتركت هذا الإنسان من الفزع لجنبه أو قاعداً أو قائماً، واستنزلت من القضاء ما كان في علم الله غيباً، واشتعل من هولها رأس الأرض ببياض السيوف شيباً، وجعلت من البيوت قبوراً لأهلها، وساوت في معايش الناس بين صعبها وسهلها، وأظهرت لعقول العلماء أن أكثر علمها من فنون جهلها. . . فالأرض في بلاء منتشر لا يعرف له حجم، والشعوب في ظلام من اليأس ملتهب النجم، والدول في عصر كليل الشياطين كله رجم. .!
تلك هي الحروب القائمة اليوم وليكن كما ترى خيال النار في الماء، أما الحقيقة فكل حرف منها جيش وكل كلمة أمة، ووراء ذلك معنى رائع هو استجماع الحياة الأرضية لمقابلة الموت. ولو أن لهذا الكون مرضاً يعتريه كما نعتري الناس أمراضهم لقلت إن شق الأرض قد ضرب بالفالج فأصبح شقها الآخر لا يكاد يجر ظله حول الشمس لأن الحركة مقسومة بينه وبين ذلك النصف الميت، فقد اشتبكت العلائق بين دول الأرض جميعاً إذ لا تعرف دولة بين الناس ترعى شعباً من البهائم، ولما بدأ الإنسان يعرف نفسه في عصر العلم والمدنية عرف أخاه لأن أكثر حقيقته الإنسانية فيه ومن ثم اتصل به اتصال اليد بأختها في المعاونة على ما يسرت له كلتاهما، وجمع العلم بين هذه الأمم لأنه لا ينتسب لواحدة منها وليس له في الأرض خال ولا عم ولا يعرف شيء يقول للعلم يا بني ويقول له العلم يا أبت إلا التاريخ الإنساني.
ولهذا سفر بين أمم الأرض كل من يخرج من رأس الإنسان وما ينتج من يده واتصل ذلك واستفاض حتى كأنما دارت الأرض دورة جديدة من داخلها فما إن يقع الإضطراب في ناحية منها إلا دخلها من الأثر في سائر نواحيها من هزة ترجف إلى زلزلة تهدم إلى الخسف الذي يجعل عاليها سافلها.
وإني باسط لك شيئاً من الرأي في كلمات قليلة ولكنها كالمعركة الأخيرة التي يحق بها
стр. 1966
النصر فتكون هي تاريخ الحياة ولا يكون ما سبقها إلا تاريخاً للموت.
ألا فلتعلم أنه لو كان لحوادث الدهر منذ نشأ الدهر تاريخ صحيح يصف لنا ما كان سبباً في كل حادثة وما صارت كل حادثة سبباً فيه لأثبت يقيناً أن ليس في الأرض شيء من خير أو شر غير ما يلزم لبناء هذا التاريخ الأرضي على الوجه الذي يتفق مع بناء الإنسان، والتاريخ يطرد حيناً ثم يعطف ههنا وههنا في مجراه من الغيب فلا يتحول إلا انشقت له ناحية من العالم. فإن خربت دولة أو سقطت أمة فما هي بصاحبة الدهر كله وقد كان لها قسمها منه ثم عاد الدهر يطلب قسمه منها. ولن يجدد البناء القديم حتى يكون الهدم أول العمل في تجديده.
فالحرب شر لا بد منه لأنها من عوامل التحليل والتركيب في تاريخ الإنسانية وهي بذلك سبب من أسباب استمراره، وكل شر لا بد منه فهو خير لا غنى عنه. وهل يبتغي الإنسان أن تضرب العصور والدول كما تضرب الدنابير والدراهم من معدن معروف على وجه معروف ولغاية معروفة! وإذا لم يكن لنا مستقبل التاريخ وكنا في عمر محدود فما نحن والرأي في بناء هذا المستقبل، وكيف نقدم لله آلات البناء ثم نحكم الشرط أن لا يكون في هذه الآلات ما يحتفر أو يكسر أو يرض!
أنما يجعل للحرب ذلك الوصف الذي يطير لها في كل أرض صوتاً بالذم والسوء أنها لا تأتي إلا بغتةً ولا تطبق إلا في غفلات العيش وأنها تثور في بياض الأمن حمراء من لون الموت وتطلع في خطب النعمة سوداء من لون القحط وتنبثق بالشر مأموناً وتصب المحنة على من لا يطيقها ثم لا تصيب الذين ظلموا خاصة بل تلف من جانبي الحياة لفاً، وهي في كل ذلك الليلة المكشوفة التي تشتهرها الأحاديث وتضرب فيها الألسنة وتسيل عليها الأوهام بما في طباع الناس من طبقات الأخلاق ضعفاً وشدة وخوفاً وطمعاً وبخلاً وكرماً وحذراً واندفاعاً بحيث تصبح وكأنما ترتمي على رأس كل إنسان بالموت أو بالخوف من الموت أو بالخبر عن الموت أو بما يشبه الموت أو بما يكون الموت خيراً منه. وإلا فكم يترضرض الناس كل يوم وكم يجدون من صنوف الدمار، في الأعمار، ومن ضروب الأرزاء في الأرزاق، ما لو جمع بعضه إلى بعض في نسق واحد لطم على هذه الحروب كلها ولا ظهر لك أن في السلم ما هو شر من الحرب وإن لم يصرخ به صوت الموت.
стр. 1967
وما البغي والظلم والكيد والفتنة والإستبداد ونحوها مما يشمل أكثر وسائل الحياة الإنسانية إلا ضروب من القتل الخفي وربما عد الموت في بعضها راحة من الموت. . ولكن ذهب باثمها في اصطلاح الناس أنها خطط موضوعة للمغالبة على الحياة وإنها لا تنالهم إلا فرداً فرداً، وكأن بطل الأمم غير باطل الأفراد لأن الإجتماع قضى منذ أول العهد به أن تكون الأمة مظهر الشرع وأن يكون الفرد مظهر العقاب. ولكن ليت شعري لم يكون الفرد كذلك من الأمة ولا تكون الأمة كذلك من أمة غيرها!
فالحرب هي عقاب الجماعات وهي كذلك ضرورة اجتماعية ولن يخلو منها تاريخ الإنسان إلا إذا رجع الناس أمة واجدة في تركيب مستحيل لا يتهيأ معه أبد الدهر ما يقسم هذه الأمة على نفسها، ولعمري أن ذلك التركيب الإجتماعي الذي يخلو من الحروب لزهد الناس في جنة الله ولا يدع للأديان محلاً على الأرض، يحسبون أنه صلاح في الطبيعة وهو يفسد الطبيعة كلها فما هو إلا خيال خيال شعري في تاريخ الحقيقة الإنسانية وما أرى الحرب إلا البرهان الذي تقيمه الطبيعة أحياناً على فساد ذلك الخيال كلما أوشك الضعف الإنساني أن يتوهمه حقيقة. وإذا كان الله لم يخلق إنساناً من النور فلا تظلم نفسه ولا من الثلج فلا يحمى دمه ولا من الصخر فلا يهن كاهله ولا من الحق فلا يحيد على غيره ولا من الرضى فلا يطمع في سواه ولا من السكون فلا يتحرك في نزاع، فكيف لعمري يخلق بعض الكتاب والفلاسفة هذا الإنسان الجديد من عناصر السلم وحدها؟
إلا أن الإنسان لا يولد ساكناً ولا نظيفاً وإنما يخرج من بطن أمه في ثورة دموية تتفجر من حوله ههنا وههنا وما أرى الحرب أكثر ما تكون إلا ولادة للتاريخ على هذا الأسلوب فكأن من التاريخ ما يولد على أسلوب الأحياء في ثورة من الدم ومنه ما يوجد على أسلوب النبات في تحول ساكن غير منظور.
والحركات المجهولة في نظام الأرض كثيرة بعضها يجري على الطبيعة وبعضها يجري على الإنسان، فكما يدك الجبل وتخسف الأرض ويطغي الماء وتثور العواصف وتنفجر الباراكين يجري على الإنسان من مثل ذلك في القحط والوباء والحروب وغيرها، لأن الإنسان في الحقيقة هو الطبيعة الرفيعة وما القوة المركبة فيه التي تخرج من مجموع غرائزه إلا تهيئة حربية في نفسه، فلولا أن هذا الإنسان مهيأ للحروب بأدواتها الطبيعية
стр. 1968
وأن هذه الأدوات هي كذلك من أسباب بقاءه اللازمة له لما قامت في الأرض حرب أبداً، ولو أبعدنا في مطارح الفكر ونظرنا من وراء النفوس الإنسانية إلى ميادين الحروب لرأينا أن الحرب التي تقوم بين الأحياء إنما هي حروب قائمة بين مذاهب الحياة.
وكما يجتمع العلماء وأهل السياسة لتنقيح الأنظمة والقوانين تجتمع الأمم المتحاربة لتنقيح الطباع والعادات وما أعجب أن يكون القتل تنقيحاً في قانون الحياة. . . فلا تنظر من الحروب إلا هؤلاء المساكين والمتوجعين والمحزونين فذلك كله إلى نهاية ولا يبقى منه على الأرض شيء قل أو كثر، ولا أحمق ممن ينظر ساعة الهدم إلى آثار الهدم ولا يعلم أن ذلك سبب لما بعده وأنه إذا لم يهلك يوم في سبيل الغد هلك المستقبل كله.
ولكن متى تكون الحرب حقاً ومتى تكون باطلاً فهذا ما لا سبيل إلى وجه الرأي فيه وربما كان الجواب عليه سؤالاً آخر، وهو متى تعرض في حياة الناس تلك المسائل التي لا يصلحون هم أنفسهم لحلها. ومتى تكون الحركة العنيفة التي يتحول بها التاريخ الإنساني كلما وجب أن ينحرف ليتبع مجراه من الغيب؟ أليس ذلك هو السبب في أن العقل أحياناً يكون أول من ينهزم في الحرب كما نراه اليوم فيصبح الفلاسفة والعلماء والمتفننون ولاهم لهم إلا إدارة حركة الموت هجوماً ودفاعاً وترى الصلوات والأدعية تتصاعد إلى الله وفيها ريح الدم والنار كأنها قنابل صنعت من العواصف؟
وقد يقول بعضهم أن في الحرب إسرافاً اجتماعياً بما تأخذ من الموتى وما تترك من المرضى ولكن كم من الإسراف الطبيعي والأخلاق في بقاء الناس موفورين بعلومهم وفنونهم وشهواتهم ونعمهم ومصائبهم ونحوها مما يؤدي إلى انطواء هذا المجتمع الإنساني في الأدمغة والقلوب بما تبعث عليه تكاليف الحياة الإجتماعية السامية التي تحاول أن تجعل الإنسان حيواناً على شكل مخترع. .؟ فلا ترين هذه الوحشية التي تعتري الناس في حروبهم إلا سبباً في رجوعهم بعد ذلك إلى الإنسانية الخالصة التي أفسدوها بحضارتهم وضربوا عليها الحدود من مصطلحات التمدن ومن أصول المعاملة فأصبح الإنسان منهم يقضي العمر وهو يتعلم كيف يصير إنساناً. .!
هو أنا ففي خاصة نفسي أكره الحرب لأني أراها تصور بكل ألوان الهلاك والخراب فكرة العدم المبهمة على قطعة من أديم الأرض، وأمقتها لأنها تلوث الحياة بدماء الرجال ثم لا
стр. 1969
تغسلها إلا بدموع النساء والأطفال، وأبغضها لأنها تدفن تاريخها الصحيح للمستقبل ولا تترك للحاضر إلا تاريخها المشوه في أعضاء الجرحى، ولكن البغض يا بني لا ينفي الحكم مما تبغضه وما سرور نصف الناس إلا بما يكره النصف الآخر.
وأكبر شخص اجتماعي وهو الأمة كأصغر شخص اجتماعي وهو الطفل كلاهما يبكي ويتألم حين يضرب لتأديبه.
стр. 1970
حديقة أبيقور
نعود في هذا العدد فنقتطف ثماراً حلوة من حديقة أبيقور للكاتب الذائع الذكر أناتول فرانس.
فصل الجهل
لا أقول لكم أن الجهل هو الضرورية الأولى للسعادة بل أقول كذلك أنه شيء لا بد منه للوجود، لأننا لو عرفنا كل شيء لما استطعنا أن نتحمل الحياة ساعة واحدة، والباعث على احتمالنا الحياة هو مجرد أكذوبة. والحياة لا تغتذي الأمن عصارة الوهم.
فلو أننا ظفرنا بالحقيقة، وامتلكنا علم السماء، لهوت الحقيقة من بين أيدينا، وإذن لهبطت على العالم فدمرته تدميراً، وتقلص الكون أسرع من تقلص الظل، ولو سقط العلم الإلهي على الأرض لجعلها رماداً يذروه لريح في كل مكان.
لذة الألم
كنت أقرأ منذ أيام كتاباً لشاعر فيلسوف يريد أن يصور مجتمعاً من الناس خلوا من الفرح، متخلصاً من مادة الحزن، بعيداً عن عنصر الألم والقلق، ولكن كيف نحتمل أن نخرج من هذا العالم الذي ترى فيه الناس يتقاتلون ويحبون ويتألمون، فنحب حبهم، ونرضى بالألم معهم - هذا هو الفرح الحقيقي، وتلك هي اللذة الصادقة، لأن اللذة لا تزال في صميم الألم، كما يكون بلسم الجراح في جوف الشجرة الفينانة الكريمة.
إن قراءتي هذا الكتاب قد جعلتني أرتضي هذه الحياة الحزينة السوداء الأليمة. وأغرتني على الرضى بالناس والشعور بالرحمة لهم، بل قد أحسن إلي هذا الكتاب إذ حببني إلى الحقيقة وحضني من الوهم، فقد دلنا من مجتمعه الخالي من الشرور والآلام على أن أهله السعداء لا يشبهوننا وإنه من الحماقة الكبرى أن نفارق أرديتنا لندخل في أرديتهم، ونخف من حياتنا لنستبدلها بحياتهم.
لعمري ما أسوأها من سعادة،. . إننا إذا تجردنا من المشاعر تجردنا من الفن، وإذن كيف يكون من أمرهم. أنهم إذ ذاك لا يتذوقون الشعر الرهيب الفخم الرائع الذي يثير الخوف والبغض والحب، ولا الشعر الفرح البهيج الذي يضحك من شرور الناس، ويهزأ بنقائصهم، ويداعب آلامهم.
стр. 1971
إن أهل ذلك المجتمع الخيالي عمى البصائر عن جلال هذا الشعر الذي لا يزال المادة المقدسة في الأرض، والعناصر الإلهي في العالم، وهذا المجتمع ليس لديه فرجيل وصحابة، وإنما لديه كل مخترعات العالم ومبتكراته، ولكن من يدري لعل بيتاً واحداً جميلاً من الشعر قد أحسن إلى العالم أكثر من كل علم المعادن ومستخرجاته.
يا له من تقدم. . . ويا لها من سعادة. هذا المجتمع المؤلف من المهندسين والمخترعين لا يحمل شيئاً من العواطف، ولا الشعر، ولا الحب، وا أسفاه. . . وكيف يعرفون الحب، إذا كانوا في ظلال السعادة يعيشون. إن الحب لا يزهر ولا ينمو إلا في كنف الألم والحزن. ثم ما هي أقسام العشاق والمحبين ونجواهم لحبائبهم إلا أن يقال عنها صرخات حزن، وصيحات عذاب فلقد صرخ شاعر يوماً وهو في ثورة من ثورات الحب وهو إلى جانب حبيبته لو كان في مكاني هذا إله من الآلهة لأصبح شقياً حزيناً معذباً. إن الآلهة يا فاتنتي لا تتألم، ولا تستطيع أن تموت لأجلك. .!.
إذن فمغفرة للحزن، ورضي بالألم، وصفحاً عن العذاب ولنؤمن بأنه من المستحيل أن تكون هناك سعادة هي أكبر من التي نملكها في هذه الحياة الإنسانية، الحلوة المريرة، الحسناء الدميمة، الخيالية الحقيقية، هذه الحياة التي تحوي كل شيء، وتضم كل الفروق والمتناقضات - هذه هي حديقتنا، ففيها يجب أن نعيش، وفيهل يجب أن نزرع ونحرث!
стр. 1972
مصر
منذ مائة وأربعة وخمسين عاماً
قطعة مجهولة من التاريخ
ظفرنا في هذه الأيام بكتاب غريب نادر الوجود، يربى عمره على المائة والعشرين عاماً، إذ كان طبعه عام ١٧٩٢ أي يوم جن جنون الثورة الفرنسية واحتدمت نارها، والكتاب مترجم إلى الإنكليزية عن الألمانية وهو غريب الأسلوب، قديم التراكيب، تخالف لهجته ونطق حروفه اللغة الإنكليزية الحديثة، ولعل ذلك لأن اللغة الإنكليزية قد تنقلت في أدوار عدة وتطورت أطواراً شتى، ومشت في قوانين الطبيعة التي تأبى إلا التجديد، وليس تقدم الكتاب في العمر، وتراخيه في السن، هو الذي استأثر بدهشتنا، وامتلك عجبنا، ولكنا كنا بموضوعه أشد دهشةً، وأكثر عجباً، وذلك أن الكتاب يدور حول سياحة غريبة خطيرة قامت بها بعثة علمية في عدة أنحاء من الشرق، فجاءت إلى مصر عام ١٧٦١ من الميلاد أي منذ ١٥٤ سنة. ثم واصلت المسير إلى جزيرة العرب حتى بلغت الهند، وتفصيل الخبر أن فريدريك الخامس، ملك الدانيمارك في ذلك العصر - وكان للدانيمارك في العصور الماضية شأن وأي شأن - أنفذ طائفة من العلماء المقربين إليه، والسائحين المشهورين في ذلك العهد، واختار لهم رجلاً من كبار أهل الرياضيات والعلوم الهندسية لمرافقتهم وإعانتهم على استكشاف تلك البلاد، ومسح أراضيها، وتعرف طبائع ترتبها وجوهاً، وعادات أهلها وهذا الرياضي هو العالم الألماني نيبور جاء به من ألمانيا لهذا الغرض خاصة، فبدأت الرحلة عام ١٧١٦ من كوبنهاجن. عاصمة الدانيمارك فانحدرت إلى مرسيليا، ثم عرجت على القسطنطينية فأقامت فيها أياماً واجتازت البحر الأبيض إلى الإسكندرية.
وقد آثرنا أن ننقل طرفاً من هذا الكتاب الغريب، وهو من قلم نيبور نفسه، ولعله كان على شيء كثير من الأدب والبحث ودقة الملاحظة والإستنساج، لأننا نشتم من مؤلفه روحاً أدبية خفيفة الظل، ولعل الذي أعانه على تفهم غرائب البلدان التي احتوته في سفرته. هو أنه قبل قيام البعثة، توفر على تعلم العربية وإتقان الكلام بها، واعرف ما في أمره أنه هو الفرد الوحيد الذي واصل الرحلة إلى بومباي في الهند، ولقى في سبيل ذلك الأهوال والمخاوف وعانى التهلكات والمخاطر لأن افراد البعثة جميعاً قضوا في الطريق، عندما اشتملت عليهم
стр. 1973
بلاد العرب بحرها ووقدة شمسها وغرابة جوها، فلم يبق منهم حي غير نيبور هذا، وليس ذلك إلا لأنه عرف كيف يتحصن من الجو، ويأخذ لنفسه الحذر من أثر المناخ الغريب عن مناخه، إذ كان يرتدي اللباس العربي، ويتخذ الأثواب الملائمة لزي البلاد التي كان ينزل بها.
وفي هذا الكتاب شذوذ من التاريخ المعروف، والوصف الجغرافي العادي الذي نعرفه نحن أكثر من نيبور، ومن ثم قد آثرنا أن نمر بذلك مراً، ونتحاشى نقله، ونأخذ في كل ما يفيد القارئ، ويبعث على الفكاهة والغرابة.
بعد أن وصف الإسكندرية وآثارها القديمة المعروفة، استطرد يصف كنيسة الأقباط فقال وللأقباط كنيسة مقامة للقديس مرقس، وفيها قبره، ولكنها لا تفتح ولا تدخل، لأن بعض قساوسة الروم حاولوا أن يسلبوا رأس هذا القديس، وإن كنت أعلم أن أهل فينيسيا البندقية يدعون أن لديهم هذا الرأس المقدس. ولا أعرف أي الخبرين أصح وأقبل للتصديق، وقساوسة الكاثوليك يفخرون دائماً بأنهم استطاعوا أن يخدعوا العرب والأقباط بأن قطعوا الرأس وشحنوه في طرد سميك، ونجحوا في تسفيره بصفة طرد يحوي لحم خنزير. لأنهم عرفوا أنهم عندما يصفونه بأنه لحم خنزير لا يستطيع أن تدنوا منه الضباط الأتراك الموظفون في الجمرك، والأتراك يحرمون تصدير الجثث أو الموميات إلى الخارج، ولهذا كان من الصعب أن تنقل الجثث القديمة التي يعثر بها في أرض مصر، ولكن كانت الجمارك وشؤونها الكبرى إذ ذاك في أيدي اليهود، وبذلك استطعنا أن ننقل مومياء وجدناها في الإسكندرية على ظهر سفينة إيطالية، بعد أن رشونا عمال الجمارك، وحاولنا ترحيلها إلى أوروبا، ولكننا لم نلبث أن أعدناها على الرغم منا، لأن جميع البحارة الطليان في تلك السفينة هددونا بتركهم السفينة، إذا لم تقذف هذه المومياء بعيداً، إذ توقعوا أنها ستجر الشقاء عليهم.
وقد كانت الإسكندرية تستطيع أن تكون أحسن حالاً من حالها الحاضرة لو لم تنتابها النكبات والعوائق من كل سبيل، لأن أهل الإسكندرية يحملون استعداداً طبيعياً كبيراً للتجارة، ولكن تأثير الحكومة يحول دون ذلك، ولم ألتق في أسفاري ببلد أهله أعرف باللغات الأوروبية من أهل الإسكندرية بل إنهم ليحسنون التكلم بلغات شمال أوروبا كذلك،
стр. 1974
مثل الألمانية والدانيماركية والسلافية وغيرها، وكثيرون من الإسكندريين يشتغلون تراجمة، واللغة الأجنبية شائعة على ألسنة الإسكندريين هي الطليانية.
ولكن جهل المسلمين فيها وبلاهتهم عاقتني عن كثير من أبحاثي وملاحظاتي، فقد حدث أن تاجراً تركياً شهدني وأنا أوجه أداة المساحة التي كانت معي ناحية المدينة، فثار في نفسه الفضول، ودنا فنظر إلي من خلال الزجاجة وإذ رأى البرج من خلالها عاليه سافله، تملكه الخوف، وذهبت نفسه شعاعاً من الفزع، فانطلق هارباً، وراح ينشر في المدينة خبراً غريباً مؤداه أنني أريد أن أقلب المدينة، وانتهى الأمر إلى الحاكم، ومنذ ذلك اليوم امتنع خادمي التركي عن المشي معي.
واتفق مرة أنني وأنا في إحدى قرى الدلتا كنت أقيس بعض الزوايا وكان أحد الفلاحين واقفاً عن كثب مني فردت أن أمتحن شجاعته فجعلته ينظر من خلال الزجاجة، فراعه أن يرى قريته المحبوبة عاليها سافلها، فاشتدت رعدته، وزاد خوفه عندما أشرت إلى الخادم أن يقول له أن الحكومة قد غضبت على هذه القرية فأرادت أن تدمرها تدميراً، وقد جئت لهذا الغرض، ففزع الرجل، وتوسل إلي أن أنتظر بضع دقائق فقط حتى يستطيع أن ينقذ زوجته وبقرته، وإذ ذاك أفلت تاركاً ساقيه للريح يريد بيته قبل أن يخر عليه السقف وعدت أنا ثانية إلى الزورق الذي جئت فيه.
وبعد أن أقامت الجماعة بالإسكندرية قليلاً سافرت إلى رشيد وقد وصفها نيبور وصفاً يكاد يجعل رشيد اليوم نجعاً صغيراً بجانب رشيد الأمس، إذ كانت في ذلك العهد ثغراً من أكبر ثغور البلاد المصرية - قال نيبور وقد حدث أن فرداً منا يسمى فورسكال، أبى إلا أن يسافر إلي عن طريق البر، وكان المسافر عرضة لسطوا العرب الأفاقين المتجولين في ذلك الإقليم، وقد كان من هذه المخاطرة أن جاء زميلنا وليس عليه إلا بنطلونه فقط، لأن العرب باغتته في الطريق فسلبته كل ما يملكه، ولكن هزتها أريحية الكرم، فأبقت له بنطلونه.
وانحدرت البعثة بعد ذلك إلى القاهرة، فبعد أن وصف كثيراً من آثارها وأحوالها وموقعها وقلعتها قصر الباشا والإنكشارية قال كثيراً ما يخطئ السائحون في تقدير عدد سكان المدن في الشرق، وكذلك القاهرة لأن ضيق شوارعها وطرقها تدعو إلى التوهم أنها آهلة بالسكان مزدحمة بالأهلين، وفي عدة من الأحياء دروب ضيقة طويلة لا تنتهي إلى شارع. ولا
стр. 1975
تحور إلى غاية ولا ترجع إلى طريق معين، وسكان هذه الأحياء يستطيعون أن يتحدثوا خلف بيوتهم، ولكنهم يمشون ميلاً كاملاً قبل أن يلتقوا، وهذه الحواري يسكنها الصناع، وهم يتركونها نهاراً إلى مصانعهم في الشوارع الكبرى ويغادرون نسائهم وأطفالهم في البيوت، ولهذا يندهش أهل الحارة وينزعجون عندما يرون رجلاً يمر بين بيوتهم ويظنونه قد ضل طريقه ويجتمعون حوله يمنعونه من المرور.
والقاهرة حافلة بالبرك وتكثر عند فيضان النيل، فتكون بساتين ناضرة، وفيها يسكن أكابر البلد، وليست قصور الكبراء والذوات في شيء من الفخار والرواء وإنما تمتاز بجدرانها العالية، وحيطانها التي تخفي ما ورائها.
يتلي - ومزايا الكتاب ستتجلى فيما يأتي
стр. 1976
صور هزلية
من أخلاق الناس
عمتي
جئت أصف لكم الآن غريبة من غرائب الدنيا لعلها تعد الثامنة بعد العجائب السبع، ولكن تمتاز عنها جميعاً بأنها عجيبة حية متنقلة، تأكل وتشرب، وأما الأهرام وأخواتها فعجائب صامتة ميتة جامدة، لا تأكل وإنما تحطم أسنان الزمن عندما يريد أن يعضها، ولا تشرب اللهم إلا من أفواه السماء، ولكنه لا يدخل في فمها، وإنما يدهن ظاهر جسمها دهناً، ولعل الملك المتولي شؤون الرعد في السماء، والقربي الخازن للماء المقدس الذي تغتسل منه الملائكة، عندما يصدر إليه الأمر بترك حبال القرب ليهبط ماؤها على أهل الأرض، يكتب على القرب الواقعة على الأهرام وأمثالها يستعمل من الظاهر!.
وأنا أخشى الآن أن يقع هذا العدد في يد كاتب من كتبة الفنادق فيدلي بأمر هذه العجيبة إلى النزلاء والسائحين والمنحدرين من العالم الجديد للفرجة فلا نلبث أن نرى بيتنا متحفاً من المتاحف، وأخشى أيضاً أن تصدق الحكومة فتكبس بيتنا بحثاً عن هذه الغريبة الطريفة، لكي تضمها إلى آثار مصر المعروفة.
إن عمتي، أو العجيبة الثامنة، تعيش الآن، على التقدير الجغرافي في المنطقة المعتدلة الشمالية، ولكنك لو وضعت مقياس فارنهايت عند قلبها، تجمد الزئبق في الحال لأن لها فؤاداً جليدياً مقتطعاً من ثلوج جرينلاند أو الأرض الخضراء فظاهرها يشاركنا في حرارة المنطقة المعتدلة ولكن باطنها مع الأسكيمو في برودة القطب، ولهذا أعد نفسي أكبر من الكبتن سكوت، وأعظم من الكولونل بيري، لأنني استطعت أن أصل إلى فؤادها، وأغرب ما في سياحتي القطبية أنني استطعت أن أتحمل العيش في جو بارد مثل هذا، لأنها تأبى دائماً إلا أن أعيش في قلبها!!
وأشد ما تظهر برودة فؤادها في معاملتها للأطفال، ولا أظن أن أجن أطفال الدنيا كلها يستطع أن يبقى على جنونه ساعة واحدة إذا جئت به إليها، وهي تكلم الرضيع الذي لم يحل الحول على تاريخ هبوطه إلى العالم كما تكلم رجلاً في الأربعين تهديداً ووعيداً وإنذاراً، وكثيراً ما سمعتها تخاطب طفلة لا تتجاوز سنها الأشهر في وجوب النظافة بكلمات
стр. 1977
وعبارات يدق علي أن افهم نصفها، ولا يكون من الطفلة إذ ذاك إلا الصمت من الدهشة والذهول، ولكنها تسمي هذا الصمت من الأطفال إدراكاً وفهماً، فتنظر إلينا وعلى وجهها كل هلائم الإنتصار والإبتهاج، ولا أظن أن أحداً منا نجا وهو في طفولته من أسلحتها وهي الششم والفلفل والويل للطفل الذي يمرض في بيتنا، إذا لم ينته في توه وساعته عن مرضه، ويفارق الفراش في يومه، وإلا رأى من أساليب مداواتها كل ضروب القسوة والعذاب، وكثيراً ما يخفي الأطفال مرضهم، ويذهبون إلى المدرسة في الصباح، وهم أحوج إلى النوم في السرير خشيةً من البعبع وأنا لا أدري لماذا لا تأخذها وزارة المعارف فتجعلها مفتشة في الكتاتيب، فننقذ سيدنا من المتاعب التي يعانيها من أولاد كتابه، وكثيراً ما فكرت في أن أفتح لها مدرسة، وأقيمها معلماً ولكني خشيت من قضايا الجنح التي قد يرفعها علينا بعض الآباء من جراء قسوتها في تربية أولادهم، ولعل الباعث الأكبر على هذا النظام الإسبارطي في التعليم هو أنه لا بلد لها ولا بنين، وقد رزقت مع ذلك طفلاً منذ ثلاثين عاماً أو تزيد، ولكنه أحسن إلى نفسه بالموت قبل عمره، لأنه تنبأ بلذة الشطة وآلام الششم والقطرة، وهي منذ وفاة طفلها تعتقد أن لها آثاراً عن كل طفل، وترة عند كل والدة، ولعلها تود لو يخرج الناس كباراً من بطون أماتهم حتى ينسى العالم لفظة أطفال فتزول من ذاكرتها ذكرى طفلها.
وهي أشد الناس كراهية للحب وتندهش كل الدهشة أن ترى في العالم شيئاً يسمى غناء وموسيقى وخمراً. وأغرب ما أقصه من أمر كراهيتها للحب إنا نسكن في شارع شعري ساكن هو خير ما يرتاده العاشقون.
وكثيراً ما يختلف إليه الشباب وفتياتهم ليذوقوا من ثمرة الحب. وإنها لتبصر بهم يمشون في رفق وهدوء فلا تني تأخذ في اللقاء محاضرة طويلة تريد بها أن تثبت أن الحب لا يوجد في الدنيا وتحشد في سبيل ذلك حججاً وبراهين وتختلق حوادث وقططاً وتلفق كلمات وأموراً لا يستطيع أن يقف أمامها الفرد دي موسيه رئيس نقابة العشاق في العالم كله.
وعمتي تدعي الخبرة الكبرى بالطب وترجع نسبها إلى أبقراط، ثم تقول أن الله لم يخلق إلى الآن طبيباً يستطيع الإنسان أن يسلم إليه حياته ولو في أتفه الأمراض. ولا تتكلم عن الأطباء إلا كما تتكلم عن القتلة والجزارين وقطاع الطرق وهي لا تضن على الناس
стр. 1978
بنصائحها الطبية وتتنقل في منازل أقاربنا وأصدقائنا مدلية بالوصفات واللزقات والدهانات والمراهم وكل ما في جعبتها من أسلحة الموت، ثم تحرض الناس على أن لا يسمحوا لطبيب أن يدخل دورها وأن يكتفوا باتباع آرائها في علاج مرضاهم ولكن المرض لا يلبث أن يشتد بالعليل بفضل أدويتها ولا يجد إذ ذاك أهله مناصاً من استدعاء الطبيب وتكون عمتي بذلك قد أضافت عشر فوزيتات إلى حسابه قبل مجيئه. وأنا أنصح للأطباء أن يرشوها بمقدار من المئة من مجموع المبالغ التي يكسبونها بواسطتها، ولكني أخشى أن يزداد بهذه الطريقة عدد الوفيات في السنة فيكسب معهم الحانوتية والفقهاء والمكفنون والتربية وزملاؤهم.
وهي أجهل ما تكون بالقانون، ومع ذلك تدعي أنها لو امتنحت في الليسانس لكانت الأولى في الإمتحان، وهي كثيراً ما تقسم أن سعد زغلول لا يكسب منها قضية لو كانت هي التي ترافع إزاءه ولكنها بعد هذا أشد الناس خوفاً وفزعاً من مواقف القضاء والتحقيق ولشد ما ترتعد فرائص هذه الأستاذة القانونية لأبسط سؤال يلقى إليها في ساعة المحكمة لو دعيت إلى الشهادة وقد حدث أن وقعت سرقة في بيتنا إذ ضاع لأحد الساكنين في طابق من طباق منزلنا ثوب فألقى الشبهة على الخادم ورفع الأمر إلى الشرطة فأنفذت جاويشاً لتحقيق القضية فجاء الرجل وسألها شهادتها مع بقية الشهود فكان من تلعثمها ورعدتها واضطرابها ما خفت أن يظنه الجاويش دليلاً على أنها السارقة!!!
стр. 1979
متفرقات
دائرة المعارف الصينية
كل شيء في الصين غريب، حتى دائرة المعارف، فإن في القسم الصيني من المتحف البريطاني كتاباً واحداً يشتمل على خمسة آلاف مجلد وثمانية وعشرين مجلداً، وهذا الكتاب الصيني العجيب الذي خرج من المطابع الصينية ابتاعته الحكومة الإنكليزية منذ أعوام بنحو من ألف وخمسمائة جنيه، ولا يوجد منه الآن إلا نسخ معدودات، والكتب دائرة معارف أدبية تحتوي آداب الصين منذ ثمانية وعشرين قرناً وابتدأت من عهد الإمبراطور كنغ هي الذي كان على عرش الصين من عام ١٦٦٢ إلى عام ١٧٢٢ وكان مولعاً بالأدب مفتوناً بالعلم، فرأى فيما رأى في أبحاثه ودراسته الأدب الصيني القديم أن شيئاً كثيراً من التحريف والفساد وقع في النسخ الحديثة الطبع، ففكر في أن يعيد طبع الأصل ويحفظ في مجلد واحد، فجمع كنغ هي طائفة من العلماء ليختاروا ويفحصوا القطع التي يراد إعادة طبعها واستعان بالمرسلين الجزويت على سبك حروف من النحاس لجمع هذه الكتب، فلبثت الجماعة في سبيل إخراج هذه الدائرة فأوصى خلفه بأن يعمل على إتمامه فأنفذ الإمبراطور الجديد وصاة سلفه، والكتاب مقسم إلى ستة أبواب، وكل باب منها يختص بفرع من فروع العلم.
المتسولون المتنعمون
لعل البلد الوحيد الذي فشى فيه المتسولون حتى أصبحوا طائفة يعتد بها في تعداد السكان، هو مملكة هولانده، ويظهر أن للمتوسلين في هذه المملكة تاريخاً وماضياً، لأن الحكومة اضطرت منذ عشرين سنة إلى وضع قوانين صارمة في معاملتهم وقد أفردت لهم مستعمرات لنفيهم إليها وتشغيلهم في زرع أرضها وحرثها، وهذه المستعمرات مجدبة، قاحلة، تطلب جهداً وتستلزم الدأب والعناء الشديد، ولكن وباء التسول قد أصبح الآن أشد خطراً وأكثر تفشياً منه منذ عشرين عاماً، فإن الحرب قد ساقت ألوفاً من التجار الألمان إلى المملكة الهولندية وجمعاً كبيراً من الزوار والهاربين واللاجئين، جاؤوا يهربون بأنفسهم من مآثم الحرب في مملكهم ومجازر القتال في ديارهم، فعلمت الأطفال صناعة الحاويوبيع أوراق اللعب الكوتشينا والرقص والغناء فاكتسب المتسولون من ذلك مئات من الجنيهات،
стр. 1980
وأصبحت أسرة المتسول منهم تعيش الآن في أرغد نعمة وأحسن حال، حتى عادت الحكومة فسنت قانوناً جديداً يعد بموجبه إعطاء المتسول شيئاً من الحسنة مخالفة من المخالفات المعاقب عليها في المحاكم وأصبح يقبض الآن على المتسول والمتصدق معاً.
ونحن نقول إن ما وقع في هولانده لا يكاد يختلف في شيء عما يقع الآن في مصر، فقد غصت الطرق بالمتسولين من الأطفال والفتيات والشيوخ والشباب وأصبح الإنسان لا يطيق الجلوس في قهوة أو منتزه، فهل يرضى الجمهور أن يذعن إلى قانون مثل هذا يغل يده عن إعطاء المتسولين وتشجيع البلادة والكسل ويمسكه عن الإفراط في القروش التي تخرج من جيبه لتجعل من المتسول رجلاً مثرياً من أصحاب الأموال، أم تتنازعه الرحمة الشرقية التي أكثر ما تكون شراً وويلاً وضراً فيأبى إلا أن يكون في الدنيا سائلون ومستجدون ويصبح السؤال صناعة من الصنائع الفنية الناجحة؟؟.
جريدة شفوية
إن الشرط الأول في الجريدة أن تكون مكتوبة ومطبوعة، وموزعة في الطرق لتأدية مطالب الباحثين عن الأنباء والمشغوفين بتتبع شؤون المدينة وأحداثها وأخبارها، وهذا هو المبدأ الذي سارت عليه جميع صحف الأرض، وأكن في الولايات المتحدة الأمريكية الآن صحيفة غير مطبوعة قد أغنت عن وجود الجرائد والصحف السيارة، وهذا النظام هو بواسطة التليفون، وذلك أن شركة التليفون توزع نشرة شفهية على جميع خطوطها للمشتركين وغير المشتركين. ففي ساعة معينة من النهار يفتح المركز الرئيسي للشركة جميع خطوط التليفون في المدينة من أقصاها إلى أقصاها ويستدعى المشتركين فيدلى إليهم بجميع الأخبار الجديدة الخاصة بالولاية والأنباء السياسية والشؤون الدولية وكل ما يهم السكان من أحداث العالم، وكذلك الوفيات في الولاية والأعراس والطلاق والمواليد والملاهي وأحوال الجو وما إلى ذلك، وبذلك عطلت شركة التليفون على الصحفيين، وجعلت من بنات التليفون سياسات كبيرات.
الساعات الخطرة من النهار
اكتشف منذ أيام عالم من كبار علماء الجراثيم الذين قضوا أكثر دهرهم في دراسة الجراثيم وكل ما يختص بعلم البكتريولوجيا. . إنه في الساعة التاسعة من الصبح وفي مثلها من
стр. 1981
الليل يكون عدد الميكروبات المتطايرة في الهواء أكثر من أية ساعة أخرى من ساعات اليوم، وإن مقدار الميكروبات في الساعة الثالثة من الصباح والساعة الثالثة من المساء (بعد الظهر) أقل من أية ساعة أخرى وطريقة ذلك أنه أخذ عينات من الهواء في ساعات مختلفة من النهار وأجرى فحصها أدق الفحص، واستطاع بالدقة أن يعرف مقدار الميكروبات الموجودة في كل بوصة مكعبة منها، وسرميل الجراثيم إلى الساعة التاسعة في الصباح وحبها للساعة التاسعة من الليل هو حركة الناس في هاتين الساعتين إذ يبدأ القوم في الخروج من بيوتهم من الساعة السادسة إلى التاسعة ويعودون في مثلها من المساء إلى دورهم من أعمالهم أو يمرحون في الشوارع بحثاً عن اللهو والرياضة وترويح النفس. وقد لاحظ أنه لا تكاد الساعة السادسة من الصباح أو المساء حتى تبدأ في الجو أعراض تنبئ بحلول هجوم الميكروبات، ثم تأخذ كتائبها في الزيادة، والازدحام حتى تملأ الفضاء في الساعة التاسعة وفيها الكتيبة الصالحة، وفيها الشرادم الخطرة المخيفة ثم تأخذ بعد ذلك في الإختفاء والغروب حتى تكون الساعة الثالثة.
القرائح الفياضة والقرائح الناضبة
من الكتاب والمؤلفين كثيرون مقلون، لا يكاد الكاتب منهم ينتهي من السطر الثالث أو الخامس حتى يتصبب جبينه عرقاً، وتنضب قريحته، ولعله لا يعاود الكتابة إلا بعد حين، وكثيرون مثلهم يستغرقون وقتاً طويلاً في التأنق وإكراه المعاني على الحضور إلى أذهانهم والتجويد في انتقاء اللفظ الفخم والعبارة الرقيقة، وقد يرتحلون عن الدنيا ولم يستطيعوا أن يخرجوا للعالم غير كتاب واحد أو نصف كتاب، ولعل القراء يذكرون الآن كتاب (عيسى بن هشام) فهو على تفاهته لا يزال الجزء الأول، وسيمضي هذا القرن، وتتتابع مراحل المستقبل، ولا يزل على حاله الأولى من النقص، وكثيرون من كتاب هذا البلد يعدون في الأدباء الكبار والكتاب المعروفين، ولم يكتبوا في حياتهم أكثر من بضع صفحات، ومنهم من لا يعرف إلا بقطعة واحدة، لا يزال الحكم فيها كذلك متبايناً، ولعلها أقرب إلى السخف والركاكة وبرودة المعنى، وأغرب منه أن رجلاً يعده الملتفون حوله أديباً وهو لم يكتب إلا قطعة صغيرة تافهة منذ خمسة عشر عاماً، وهو يقرؤها الآن على الناس من ذاكرته ويتلوها غيباً كما يقوا العامة. على أن هناك كتاباً كثراً لا تستطيع أن تحصي عدد ما خرج
стр. 1982
لهم من المقالات والموضوعات لأنها تربي إذا جمعت على المجلدات الضخمة، ولكنك لا تظفر منها جميعاً بأكثر من أسطر قلائل تستطيع أن تقول عنها لا بأس بها.
ولكن ماذا تقول إذا علمت أن السير كونان دويل، الروائي الإنكليزي الطائر الذكر، بلغ من سرعته في الكتابة أنه وضع رواية تحتوي ١٢٠٠ كلمة، في جلسة واحدة ولا يفارق مكتبه، وإن ستيفلسون، وهو من كبار الروائيين، وضع رواية كبيرة من روايته في سبعة أيام. وإن الكاتب الكبير هول كيل أتم أكبر كتاب له وهو حياة الشاعر كول ريدج في عشرين يوماً، أما الرجل الإيديالي المفكر المشهور
هـ. ج. وويلز، فيكتب عشرة آلاف كلمة بين الصبح والعصر وإن مسز ميد أتمت عشرين ألف كلمة في يوم واحد ولكن أسرع من كل هؤلاء ولعله أشد كتاب الأرض فيضاً، وأطولهم نفساً في الكتابة هو ديماس الكبير. فقد لبث سنة كاملة يكتب في كل أسبوع مجلداً كاملاً.
стр. 1983
باب تدبير الصحة
ينتشر الآن في القاهرة أنواع جمة من الحميات فتجد في الأطفال الحصبة والقرمزية والتهاب الغدة النكفية والحميات المتقطعة وفي غيرهم حمى تمكث ٢٤ ساعة ليس هناك من الأطباء من يجرأ على تسميتها أو تشخيصها وحمى تمكث ثلاثة أيام وأخرى تمكث سبعة أيام وليس في الأطباء من يمكنه الجزم بحقيقتها اللهم إلا جماعة من المطلعين يعدونها من قبيل حمى الثلاثة الأيام التي تنتشر في الصين وحمى السبعة الأيام التي تنتشر في الهند وهكذا نحن إزاءها لا نقطع بشيء لأنا غير واثقين لأنها حميات وافدة لم ترها بلادنا غير هذا العام بهذه الكثرة غير أنه مع انتشار هذه الحميات الحميدة العاقبة دائماً ينتشر التيفود والتيفوس ولذا أريد أن أنبه إلى طرق الوقاية من كل هذه:
(١) غسل الأيدي جيداً مرات متعددة في النهار وكلما سنحت الفرصة وعلى الأخص قبل الأكل وبعدة.
(٢) غلي ماء جيداً لاسيما إن كان مما ينقله السقاؤون.
(٣) غلي اللبن جيداً أيا كان مصدره.
(٤) غسل الفواكه في ماء مغلي وتقشيرها.
(٥) وضع اللحم والحمض في ماء مغلي مدة دقيقتين أو ثلاث دقائق.
(٦) غسل الصحون والأطباق في ماء مغلي مضاف إليه حمض كبريتيك بنسبة ٣ إلى المائة.
(٧) غسل الشوك والسكاكين والملاعق في ماء مغلي مضاف إليه قليل من بوتسا الغسيل حتى لا تصدأ.
(٨) مسح الأرجل جيداً قبل دخول المنزل وترك الأحذية خارج محلات النوم والغداء.
(٩) لا تصافح إلا للضرورة.
(١٠) لا تطل في عيادة المريض أو المصاب بالحمى.
(١١) لا تجلس في مجتمعات عمومية أو في القهوات ولا تشرب شيئاً يقدم لك لا تثق بالأيدي العاملة فيه.
(١٢) لا تعامل باعة الشوارع.
(١٣) لا تضع الثلج على الماء.
стр. 1984
(١٤) احترس من أكل الجلاطا والدندرمة.
(١٥) نبه أولادك لخطر البسبوسة والهريسة والجرانيطة وكل ما تلمسه أيدي الباعة والصناع.
(١٦) قصر ملابسك حتى لا تلامس الأرض.
(١٧) امنع السيدات منعاً قهرياً من الذهاب للمآتم.
(١٨) طهر المرحاض بماء الجير أو الفنيك.
(١٩) لا تأكل ما يعسر هضمه.
(٢٠) لا تعرض نفس للرطوبة.
(٢١) لا تأخذ مسهلاً أبداً إلا بأمر الطبيب.
(٢٢) احترس من الذباب وضع الحواجز دونه.
(٢٣) احترس من البراغيث والقمل والبق ما استطعت.
(٢٤) استحم بالماء الدافئ كل يوم وغير ملابسك كذلك.
الدكتور محمد عبد الحي
стр. 1985
طرفة أدبية
وفاء المرأة العربية
حكي أن معاوية جلس بمكان بدمشق مفتح جوانب الأربع يدخل منها النسيم فبينما هو جالس في يوم قيظ وهو صاحي النهار ولفح الهجير إذ نظر إلى رجل يمشي وهو يتلظى من حر التراب ويحجل في مشيته رجلاً حافياً تتأمله ثم التفت إلى جلسائه وقال هل خلق الله أشقى ممن يحتاج إلى الحركة في مثل هذا الوقت فقال بعضهم لعله يقصد أمير المؤمنين فقال والله لئن كان قاصدي سائلاً لأعطيته ومستجيراً لأجرته أو مظلوماً لنصرته، يا غلام قف بالباب فإن طلبني هذا الإعرابي فلا تمنعه الدخول فخرج الغلام فوافى الإعرابي فقال له ما تريد فقال أمير المؤمنين. فقال له ادخل فدخل وسلم على معاوية فقال له من أين الرجل فقال من تمين فقال له ما جاء بك في هذا الوقت قال جئتك شاكياً وبك مستجيراً فقال ممن فقال من مروان بن الحكم عاملك ثم أنشأ يقول:
معاوي يا ذا الجود والحلم والفضل ... ويا ذا الندى والرشد والعلم والنبل
أتيتك لما ضاف في الأرض مذهبي ... فيا غوث لا تقطع رجائي من البذل
سباني سعدي وانبرى لخصومتي ... وجار ولم يعدل وغاضبني أهلي
فلما سمع معاوية إنشاده والنار تتوقد فيه قال له مهلاً يا أخا العرب اذكر قصتك وأفصح عن أمرك قال كانت لي زوجة وهي ابنة عمي وكنت لها محباً وبها كلفاً وأنا قرير العين طيب العيش وكانت لي قطعة من الإبل أستعين بها على قيام حالي وكفا أودي فأصابتني سنة شديدة أذهبت الخف والظلف وبقيت لا أملك شيئاً قلما قل ما بيدي وذهب مالي بقيت مهاناً ثقيلاً على وجه الأرض أبعدني من كان يشتهي قولي وأزور عني من كان يرغب في زيارتي فلما علم أبوها ما بي من سوء الحال وقلة المال طردني وأغلظ علي فأتيت الملك مروان مستصرخاً به راجياً لنصرته فأحضر أباها وسأله عن حالي فقال لا أعرفه قبل اليوم فقلت أصلح الله الأمير أحضر ابنته واسألها عن حالي فبعث إليها فأحضرها مجلسه فلما وقعت بين يديه وقعت منه موقع الإعجاب وصار لي خصماً وعلي متكبراً ونهرني وأظهر لي الغضب وبعث بي إلى السجن وبقيت كأنما خررت من السماء بمكان سحيق ثم قال لأبيها هل لك أن تزوجني منها على ألف دينار وعشرة آلاف درهم لك وأنا ضامن
стр. 1986
خلاصها لك من هذا الإعرابي فرغب أبوها في البذل وأجاب سؤاله لذلك فلما كان من الغد بعث إلي من السجن وأوقفني بين يديه ونظر إلي كالأسد المغضب وقال يا إعرابي طلق سعاد، فقلت متى قلت لا يسلط علي جماعة من غلمانه يعذبونني بأنواع العذاب فلم أجد بداً من ذلك ففعلت فأعادني إلى السجن حتى انقضت عدتها ثم تزوج بها ودخل عليها وقد أتيتك راجياً وبك مستجيراً وإليك ملتجئً ثم اضطرب واصطكت لهاته وخر مغشياً عليه فلما رأى حاله وسمع كلامه قال تعدى وظلم ابن الحكم ثم كتب إليه يقول قد بلغني أنك اعتديت على رعيتك وانتهكت حرمة من حرم المسلمين وينبغي لمن كان والياً أن يغض بصره عن شهواته ويزجر نفسه عن لذاته ثم كتب تحت ذلك يقول:
فعلت ويلك أمراً لست تدركه ... فاستغفر الله من إمرءٍ زني
أعطي الإله يميناً لا أكفرها ... نعم وأبرأ من ديني وإيماني
إن أنت خالفتني فيما كتبت به ... لأجعلنك لحماً بين عقباني
طلق سعاد وجهزها معجلةً ... مع الكميت ونصر بن ذبيان
ثم طوى الكتاب وطبعه بخاتمه واستدعى الكميت ونصر بن ذبيان وكان يرسلهما في المهمات من حوائجه فأخذاه وسارا حتى أتيا المدينة المنورة فدخلا على مروان وسلما عليه ودفعا له الكتاب فجعل مروان يقرأه ويبكي ولم تسعه المخالفة فطلقها بحضرة الكميت ونصر بن ذبيان وكتب إليه يقول:
لا تجعل أمير المؤمنين فقد ... أوفي بنذرك في حسن وأحسن
وما أتيت حراماً حين أعجبني ... فكيف أدعى بلفظ الخائن الزاني
فسوف تأتيك شمس ليس يعدلها ... عند الخليفة من أنس ومن جان
ووقع الكتاب فأخذه الرسولان وسارا به حتى دخلا معاوية فدفعا إليه كتابه فقرأه وقال أحسن مروان في الطاعة ثم أحضر الجارية فلما رآها رأى منظراً عجباً من الحسن والجمال والقد والإعتدال فلما خاطبها وجدها عذبة الألفاظ شيقة الكلام فقال علي بالإعرابي فأتوا به وهو على غاية من سوء الحال فقال هل في سلوة عنها وأعوضك ثلاث جوار مع كل واحدة ألف دينار وأقيم لك في بيت المال ما يكفيك ويعينك على صحبتهن فلما سمع الإعرابي مقالة معاوية شهق شهقة ظن معاوية أنه فارق الحياة فقال له معاوية ما بالك قال شر بالي
стр. 1987
وأسوأ حالي، استجرت بعدلك من جور ابن الحكم فبمن أستجير من جورك ثم قال لو أعطيتني ما حوته خلافتك ما اعتضت بها بدلاً فقال معاوية أنت مقر يا إعرابي بأنك مطلقها ومروان مقر بأنه طلقها ونحن نخيرها فإن اختارت سواك زوجناها منه وإن اختارتك أعدناها إليك فقال افعل فقال معاوية ما تقولين أيما أحب إليكي أمير المؤمنين في عزه وسلطانه وشرفه أم مروان في عسفه وجوره أم هذا الإعرابي مع جوعه وفقره وسوء حاله فقالت منشدة:
هذا وإن كان ذا بؤس وإقتار ... أعز عندي من أهلي ومن جاري
وصاحب تاج أو مروان صاحبه ... وكل ذي درهم عندي ودينار
ثم قالت ما أنا بخاذلته لحادث الزمان ولا لغدر الأيام وإن لي عنده صحبة لا تنسى ومحبة لا تبلى وأنا أحق بصبري عنده في الضراء كما نعمت معه في السراء قال فتعجب معاوية من قولها ومودتها وأمر لها بعشرة ألاف درهم وردها إلى الإعرابي بعقد جديد صحيح.
стр. 1988
في شؤوننا المصرية
الأكذوبة الكبرى
المتاجرة بدعوى الإصلاح الديني
ليس هناك أوقح ممن يفتري على الموتى. ويكذب على المضطجعين في مراقد الآخرة. لأنه يعلم أن الموتى لا يستطيعون كلاماً. ولا يصدرون دفاعاً. وإن الحجة صامتة. والفرصة سانحة. وأغرب ما في فريتهم أن تكون مقصداً من مقاصد التجارة وضرباً من ضروب الربح والإثراء. وأشد من ذلك أن تكون هذه الأكذوبة التجارية في سبيل من الدين والإصلاح وأن تروج عند بعض الناس. وتجد القبول عند طائفة من الجمهور. ولعل ذلك لأنها تجري على طريقة الأوكازيونات والفرص العظيمة والإعلانات الكبيرة والضوضاء العالية. مثل أستين وشيكوريل وتيرنج وإخوان شملا وهلما جر. وإن صاحب هذه الفرية أصبح من المتمولين وله أطيان وعقارات في هذا البلد. ولذلك يريد أن ينازع المصريين في التلقب باسمهم. أي - بوضع اليد - أو بموجب الأوراد التي في يده عن الخراج الذي يدفعه للحكومة. كأن كل بربري أو سيامي أو مالطي يشتري له في مصر قطعة من أرضها. يشتري معها جميع حقوق أبنائها. أصبح اسمه في دفاتر حساب البنوك والمصارف وكان من قبل في أول صفحة من صفحات كتاب الفقر!.
ولكن إذا كان الموتى لا يتكلمون. فإن في الأحياء من يستطيعون كلاماً عنهم. ودحض أكاذيب اللذين يعيشون الآن على حسهم وإذا كان العالم المبجل. والفيلسوف النادرة في هذا العصر المادي المخيف. والكاتب المخلد الذي أعجز الأولين والآخرين السيد محمد رشيد رضا قد لزق نفسه بالإمام الأستاذ الشيخ محمد عبده لزقاً وادعى أنه هو الذي خرجه وأعطاه الشهادة وإنه كتب له وصية وقف له فيها الحق في اسم المصلح الديني وإن المرحوم الإمام ذهب عن الدنيا. وعلى وجهه ظل ابتسامة حلوة لأنه قضى مطمئناً على تفسيره للقرآن واثقاً من أن العم رضا تربيته سيأخذ في التفسير ويواصل الشرح على النحو الذي نحا، والسنن الذي استن فنحن نقول له ولمن يجهلونه - غير قاصدين إلى تحقيره عند بني وطنه لأن السكتة بيننا وبينهم مقطوعة - إن هذا التفسير الرشيدي إنما هو على الطريقة الجربية وإنه من أكبر الفضيحة لهذا العصر المهذب أن يفسر القرآن الكريم
стр. 1989
بذهنية لا تفترق عن أذهان الأطفال والتلاميذ. وبأسلوب متهدم مريض يحمل جميع أعراض الهستريا أو التشنج العصبي. ولا يكاد يرتفع عن لغة المحضرين وكتبة العرائض ومترجمي إعلانات السينماتوغرافات. وإن روح الأستاذ الإمام لتخجل الآن أن ينسب إليها مجموعة من أبدع مجموعات السخف والركاكة واللغو وإنها أكبر إهانة لرجلٍ نقي الصفحة. جبار الذهن. عميق التفكير. مخلص النية. خرج من الدنيا فقيراً. شأن المصلحين والعظماء. ولكن لم يلبث المدعي التلمذة عليه أن أصبح بنكيرا ومن وراء الإصلاح الديني الذي يزعم أنه قائده الفرد. ووليه الأوحد كأن للإصلاح الديني أسهماً وسندات كالبنك العقاري اشترى السيد رشيد رضا منها ثلاثة أرباعها، وترك الربع في السوق لعلماء الأزهر. على حين أن في علماء الأزهر الشريف سادة أجلاء ومصلحين كبار الأذهان. يكاد يكون رشيد رضا إزاءهم بكل مجلدات مجلته في الصف الأول من الأميين.
وجملة القول ليس لنا إلا أن نقول كما قال الفيلسوف نيتشه هو المنار الأعلى لإقيانوس الكلام الفارغ!!. . كاتب
البيان كتب هذه الكلمة التمهيدية أحد كبار الكتاب بمناسبة تلك الضجة الكبرى التي أحدثها ذلك الشيخ زيادة في الإعلان عن نفسه - كتبها على الهامش تمهيداً لسلسلة كلمات يأتي فيها على منزلة هذا الرجل الحقيقة وسائر أعماله وما خفى من شؤونه والموعد قريب.
стр. 1990
جمعية المواساة الإسلامية
ومبرات الإسكندريين
من المشاهدات الطبيعية في الكثير الغالب أن سكان السواحل وأهل المدائن الواقعة على ضفاف البحار أنقى قلوباً وأرق نفوساً وأقرب إلى الخير من البلدان الداخلة في صميم المملكة ولعل ذلك لأن أمواج البحر تغسل عن أفئدتهم عيوبها، وتطهر وجدانهم مما يعرض لها من نقائص الأرض ومعايب الطبيعة البشرية الضعيفة، وعلى هذه القاعدة كان أهل الإسكندرية عظماء النفوس، يستمدون عظمتهم من عظمة البحر الضخم الكبير الذي يلعب عند مربض مدينتهم، وهم أشد حمية وأكبر نهضة. وأكثر براً وأنبل إحساساً من جميع سكان القطر، ولا نعلم كيف يقع القاهريون في الميزان إذا هم وزنوا بأهل الإسكندرية، وأين تكون مبراتنا وجمعياتنا ونوادينا بالقياس إلا مثلها عندهم، وهم لا يألون جهدهم في تهذيب مدينتهم ورفع شأنها، وإصلاح أمرها. ونحن أكسل ما نكون إذا دعينا إلى الخير. أو سؤلنا البر. وقد اقتنعنا من مفاخر المدن بأننا الحاضرة. واكتفينا بأننا العاصمة. وسرنا أننا التخت كأن البلاد الأخرى التي وراءنا فقط في تعداد السكان دكك بالنسبة إلى تختنا المطرب الشجي. وكأننا لم ننسى أننا عجزنا على أن نقيم نادياً واحداً لموظفينا. ونمده بما يطيل عمره. ويثبت قدميه. فلم يلبث شبه النادي الذي ألبسناه - على غير التقوى - أن وأدناه وشيعناه إلى المقبرة التي قبرنا فيها كثيراً من أعمالنا الخيرية ومبراتنا وجمعياتنا. إذ بيعت مقاعده وأثاثه في المزاد. على مرأى المشتركين والأعضاء. على حين لا يني النادي الإسكندري المزهر الكبير يعدو مسرعاً في التوسع والنماء والرسوخ والرقي. حتى أصبح ندوة علمية. وجمعية خيرية. ومدرسة عالية. ومجتمع خير وأدب وصلاح في آنٍ واحد وذلك لأن إخواننا الإسكندريين أشد منا تمسكاً وتلازماً ووحدة، وأندى منا يداً وكفاً، وأرق منا أفئدةً وأرواحاً.
وهذه جمعية المؤاساة الإسلامية، لا تكاد نرى لها أختاً في بلدنا، ولا نشهد لها شقيقة في أي بلد آخر من بلاد القطر، كأن جمعية واحدة لمواساة المساكين اللذين تقطعت بهم أسباب الحياة في مصر، تكفي لأن تطل من ساحل البحر الأبيض على مسكين في الحدود الأخرى من القطر، مع أننا بحاجة إلى جمعيات كثيرة للمواساة، لأننا شعب نصفه من المساكين
стр. 1991
والفقراء، ولكن حسب الإسكندرية فخراً أنها قامت وحدها بفضيلة المواساة، وتفردت بمحمدة التعزية، وليس ذلك إلا أن ليس بيتنا نحن القاهريين عظماء نفوس وكبار أفئدة، لأن كبار العاصميين مشغولون عن كل شيء بشؤون الحكومة وأحداثها، وأما كبار الإسكندريين فشغلهم الأكبر صالح المدينة، وخير الشعب وهم على رأسهم أمير جليل لا يزال اسمه في الخير والنيل والبر يعدل اسمه العظيم في سجل الإمارة وهو سمو الأمير الجليل عمر بن طوسون فهو لا يفتأ يمد الجمعية بالعون. ويشملها بالرعاية. بعد أن أوقف لها سبعة عشر فداناً من أجود أرضه تربة. ورجل عظيم مثل هذا في بلد واحد يكفي لان يجعل كل سكانها عظماء ثم لا يزال في رئاستها حضرة صاحب العطوفة الإسكندري الصميم محمد سعيد باشا. وهو خير خليق برعاية جمعية طيبة في مدينته التي ولد فيها لمواساة جيرانه ومواطنيه. ولعل أعضائها أبدع عقد من عقود الفضل وأروع قلادة من قلائد الكرم والحمية والغيرة. ووساطة هذا العقد والحبة الساطعة في هذه القلادة رئيسها العامل حضرة إبراهيم بك سيد أحمد وهو رجل خير محمود العاطفة. فياض الروح بمشاعر الرحمة والشفقة والغوث وإلى جانبه رجلٌ من أرق الناس حاشيةً وأعطفهم على الفقراء ومفتقدي العزاء والعون كبداً يكاد يذوب خفة روح، وكرم شمائل، ونعني به وكيلها الفاضل صاحب العزة محمد بك. لك رئيس كتبة الجمرك الإسكندري من قبل ثم هم جميعاً الأسماء الكبيرة المتألقة في الحياة الإسكندرية والشخصيات الظاهرة المتجلية في الشؤون العمومية ولذلك استطاعت جمعية المؤاساة بالإسكندرية أن تعيش وتتقدم وتزكوا ثمارها، بجانب أخواتها الجمعيات الخيرية الأخرى، لأن كل اسكندري كبير هو في نفسه جمعية بر كبرى.
стр. 1992
العدد ٣٦ - بتاريخ: ٢٠ - ٥ - ١٩١٧
стр. 1993
إيمان الملحدين
خاتمة الشاعر هايني
لا يزال العالم حافلاً بالملاحدة، ولكنهم لا يزالون منتشرين في الأرض متفرقين في رحاب الدنيا، لا تجمعهم جامعة، ولا تؤلف بينهم وحدة، ولا يحتويهم معبد يعبدون فيه الصورة الجديدة التي يريدون أن يضعوها إزاء صور السماء، ولو اجتمعوا فرقة واحدة، والتأموا طائفة منظمة، لشهدت الأرض مرة أخرى حرباً مخيفة من حروب الأديان، ولحشد أهل الملل التي تحمل ألوية الأنبياء، وتعيش على شعائر السماء، كل قوة لقتالهم، وجاؤوا بكل سلاح لإبادتهم، ولكن المؤمنين والمتدينين يعتصمون بالصبر، ويرتضون وجود الملاحدة بينهم، لأنهم يعلمون أن الملاحدة لا يستطيعون لقلتهم ضراً، ولا يحدثون خطراً ولا ويلاً، وهم لا يكادون يظهرون في الجماعات إلا فرادى. ولا يخرجون إلا متباعدين، وقد تلتقي أنت في الطريق برج منهم وأنت تعلم في نفسك أن الإيمان راسخ في فؤادك وأن الدين هو قبلتك، فتشعر بشيء من الدهشة والفكاهة والروح عند رؤيته، وتروح تجيل البصر في هذا المخلوق الصغير الذي يهزأ بعشرة آلاف سنة من الدين، ويتطاول هذا القزم الضعيف، الذي لا يكاد يبلغ في طوله ركبة أحقر عفريت من عفاريت العالم الأسفل، إلى عرش الملكوت الأعلى، وتندهش أن ترى هذه الآنية الفخارية التي تتحطم من أقل عارض من عوارض الجو، تريد أن تنسى الصانع العظيم الذي أخرجها قالباً جميلاً من الطين، وقد يدخل عليك السرور كله أن تستمع إلى حديث هذا المتمرد الفار من الخدمة الإجبارية لله، هذا الجندي الضعيف الذي يريد أن يعصي أوامر القائد الجبار الذي يحرك خطواته في معركة الحياة، وإنك لتصغي إليه فتحس الإيمان الذي في فؤادك يريد أن يغضب ويخرج لمعارضته ومجادلته، ولكنك تعود فتشعر بأن هذا الملحد الذي أمامك خليق بالرحمة، قمين بالرثاء، لأنه في مرحلة قاسية من مراحل الفكر لا يستطيع أن يخرجه منها إلا الله نفسه، ولا يستطيع أحد إقناعه إلا الذي أرسل في فؤاده من قبل فكرة إنكاره، فتتولى عنه، وأنت حزين النفس لأنك لم تستطع أن تربط السلك الكهربائي بين فؤاده وفؤادك، حتى تصل إليه حرارة إيمانك، ونور يقينك، وأغرب ما في الإلحاد أنه لا يقع إلا عند أهل الفكر، ولا تجد جاهلاً في الملاحدة، لأن الجاهل لا يستطيع أن يناقش الإحساس العميق المؤمن الذي يجري
стр. 1994
في فؤاده، وحسبه أن يشعر بروح الله فيه وهو لا يريد أن يكذب الملايين الكبرى التي سبقته وعرفت منشىء الأكوان قبله، ولكن المفكر الملحد ليس إلا رجلاً مزهواً بنفسه، معجباً بفكره، مغتراً بقوته، وهو يأبى إلا أن يعيش على المنطق، ولا يقبل أي فكرة أو إحساس إلا إذا جاءت في قطار العقل، وإكسبريس المرئيات، كأن هذا العقل هو الذي اخترع نفسه، وكأنه هو الذي وضع الكواكب، وكأنه هو الذي سن القوانين التي يكره على الخضوع لها، وكأن هذا العقل هو الذي ينطفئ بنفسه عندما تأتي ساعة الخمود الأبدي على أن هذا الزهو الذي يعيش إلى جانب الإلحاد ليس بعد إلا زهواً إنسانياً، وهو لذلك قليل العمر، متغير اللون، ضعيف الأعصاب، مريض القلب، ولا يلبث أن يسقط مغشياً عليه عندما تريد الطبيعة أن تداعبه، ولشد ما يفرح المؤمنون عندما يرون ملحداً مؤمناً، لأنهم يعلمون إذ ذاك أن الطبيعة قد انتقمت لنفسها ولهم، والرجل الملحد ينتهي دائماً برجل أعمق إيماناً من الذي عاش دهره في الحياة مؤمناً، وإيمان الملحدين لا يزال إيماناً قوياً مؤيداً بالإعتراف. قائماً على الإذعان والإستسلام أشبه بإيمن الرجل بقوة عده الذي حطمه في المعركة تحطيماً، ونكل به نكالاً أليماً، ولكنه وا أسفاه إيمان متأخر، كثيراً ما يجيء بعد الأوان، لأنه أغلب ما يكون على فراش المرض، أو في اللحظة التي يتشاجر فيها الأحياء والملائكة على جثته فيظفر بها مندوبهم، وهو صديقنا عزرائيل الكريم وينهزم الأحياء باكين معولين.
كان هنريك هايني، الشاعر الألماني الكبير. ملحداً في رأس الملحدين، وكان زعيم الشعراء المزاحين الماجنين، لأنه يأبى إلا أن يرسل النكتة ولو في أحرج مواقف الحزن والألم - وفي تلك اللحظة التي يجهد الإنسان ذاكرته الذابلة المضمحلة لتلاوة اسم من أسماء الله، ويحاول بكل قوى الدرجة الأخيرة من الصحو واليقظة أن يستعيد آية من آيات الكتب السماوية - كان هايني لا يزال على شفتيه غمغمة نكتة حلوة من نكته، وهذا خلق غريب يكاد يكون لا مثيل له في تاريخ المحتضرين، ولكن هذا الملحد المزاح الذي لم يشأ أن تفلت السماء من مزاحه ودعابته، هذا الشاعر المتهكم بكل من حوله، الهزاء بكل صفة من صفان الحياة - الضاحك من أعدائه، الساخر من أصدقائه عاد آخر أيامه فأذعن إلى القوة العظيمة التي تركته في سريره لا يبرحه - وذهبت بنور عينيه، وأرسلت المرض يأكل سلسلة
стр. 1995
فقاره، فأصبح مؤمناً بها، منهزماً إزاء جبروتها، وأغرب ما في الطبيعة المزاحية التي خلقتها معه، واكتفت منه بالإعتراف بها والإنقياد لسلطانها، وتركته يمزح ما شاء وهو مريض ويمجن ما أحب، وهو في الساعة الأخيرة من حياته، ولهذا كان إيمانه لا يزال ممزوجاً بالنكتة، مختلطاً بالدعابة، ولكن حسبه أنه إيمان فرح بهيج، بعد أن كان كافراً موحشاً قاسي المجون رهيب المظهر.
وتفصيل قصة هذا الشاعر أنه أقام في باريس ستة عشر عاماً من سنة ١٨٣١ إلى سنة ١٨٤٧. وكان يعيش أبهج العيش، ويمرح في الحياة الباريسية. محبوباً مصفقاً له، معجباً به، يكتب تهكماته الحلوة، ويضع شعره العذب الجميل، ولكن ما كاد يحل عام ١٨٤٧ حتى بدأ يشعر بدنو مرض السلسلة الفقارية، وقد لبث بعد ذلك سبعة أعوام محبوساً في سريره، سجيناً في فراشه من أثر هذا المرض المخيف، وآخر مرة خرج فيها من البت كانت في مايو عام ١٨٤٨. وقد وصف ذلك فقال جعلت أجر نفسي بعد لأيٍ وجهد إلى متحف اللوفر، وقد كدت أسقط عياءً وضعفاً عندما دخلت القاعة الفخيمة حيث تجلس الآهة الجمال العزيزة، سيدة ميلو المحبوبة، فوق عرشها، فسقت نفسي وحملت ساقي إليها فجلست عند قدميها، وانطلقت أبكي بكاء مراسخينا يشفق الصخر منه، فنظرت إلي الإلاهة في رحمة ورثاء ورفق. ولكن في يأس وحيرة واضطراب في الوقت نفسه، ولعلها كانت تريد أن تقول لي ألا ترى أيها الإنسان المعذب أنني ليس لي ذراعان، فأحتضنك فيهما، ولهذا لا أستطيع أن أمد إليك يد العون! ومنذ ذلك التاريخ لم يخرج هذا الشاعر الجميل من بيته، في الطابق الأعلى من منزل باريسي، وأصبح هذا الرجل الجائع الذهن المتطلب معرفة علم الكون محبوساً في حجرة صغيرة، بعيداً عن مراقبة الحياة، رهين محبسين مظلمين، إذ كان مرضه العصبي قد عدا إلى عينيه فذهب بلمعة يمناهما، وكان يرفع غطاء الأخرى بإصبعه ليرى العالم الذي حوله. وكان الأفيون هو النعمة الوحيدة التي ترسل إليه النوم، وتبعث إليه طائف الراحة والسكون. ولكن الغريب من أمره أن مرضه لم يستطع أن يؤثر على نزعته الشعرية، أو يعدو على شيءٍ من بهجة روحه.
قال يصف نفسه إذ ذاك هل أنا حقاً أعيش، وهل أنا موجود. . .، لقد ذبل جسمي وتلاشى، حتى لست الآن إلا صوتاً. وفراشي قد أعاد إلي ذكري قبر الساحر مرلين، الواقع في غابة
стр. 1996
بريتانيا تحت السروات الباسقات التي تحلق رؤوسها في الهواء كلهب خضراء متطولة في بهرة السموات. وا حزناه. يا صديقي مرلين إنني أحسدك على هذه الأشجار الناضرة، والنسيم البليل الذي يهز أغصانها وأفانينها، إذ لا شجرة ناضرة تنثني حول قبري أو وسادتي التي أضطجع فوقها في باريس، وإذ لا أسمع أبداً غير دحرجة العجلات ومطارق السنديان، وخفقات المعازف والعيدان، قبر ولا سكون، وضريح ولا راحة، وموت ولا مزايا الموتى وحقوقهم - ومنذ زمن طويل جاؤوا فأخذوا القياس لإعداد أكفاني وصندوقي، وتدوين اسمي في دفتر الوفيات. ولكني أموت بكل بطء، حتى أصبحت عملية موتي مملة لي ولأصدقائي ولكن صبراً يا صحابتي. كل شيء سينتهي، وستجدون يوماً الخميلة التي طالما لعبت أمامكم فيها عروسة مزاحي قد أقفلت أبوابها!.
وهنا بدأت ثورة الإيمان تهب في فؤاده، ولعل ذلك راجع إلى شدة وطأة المرض، لأن كل لذعة من لذعات الألم تغسل قطعة من الإلحاد عن قلبه، وكل عضة من عضات العذاب تأخذ بين أسنانها جزءاً من طبقات الشك، وكذلك استطاعت الآلام أن تهضم كل فؤاده، ثم خلق الله له فؤاداً غيره، ولكنه أراد إلا أن يكون قليل المقام في جثمانه، فلم يلبث أن أخذه إلى جواره.
قال هايني: - ماذا يفيدني من أن يتوج الشباب المفتونون بحبي، والعذارى المعجبات بي تمثالي الرخامى بأكاليل الغار، وتيجان الزهر، وأنا أرى يد الممرضة العجوز المهزولة تطرد الذباب عن وجهي وعيني، وماذا يغني عني أن تكون جميع ورود شيراز تعبق شذاها، وترسل أنفاسها وبخورها حولي. لا أشم بخوراً ولا عبقاً، غير رائحة المناشف الدافئة الموضوعة عن رأسي. أواه. . إن تهكم الله يحطمني: إن مؤلف الكون العظيم. أريستفانيس السماء قد أجمع نيته وحشد كل قوته على أن يفضح أريستفانيس الأرضي الصغير. إن أحسن مداعباتي وأبدع أمازيحي لم تكن إلا تجارب صغيرة لتعلم فن التنكيت، إذا هي قورنت بنكته ومداعباته، أنا دونه في صناعة المزاح وصغير بجانبه في فن السخرية!!.
فماذا يقول المؤمنون عن هذا المؤمن الجديد الذي يعترف بضعفه واستخذائه ويقر بإيمانه بوجود الله وقوته، ولكنه مع ذلك يأبى إلا أن يكون مزاحاً حتى مع خالقه، ولكن الله أعرف
стр. 1997
بفؤاده وسلامة مزاحه مع الناس، وقد نزع عنه روح الإلحاد وأبقى فيه على روح المجون، ثم ماذا هم قائلون إذا قرأوا الشذرة الآتية التي جعل يصف فيها اعتقاده في وجود الآخرة.
قال يخاطب قراءه عزاء يا قرائي وسلوى، فسنلتقي ثانيةً في عالم أحسن من هذا. هناك حيث في نيتي أن أكتب لكم كتباً أبدع مما كتبت - إني آخذها قضية مسلمة، إن صحتي ستتحسن هناك وإن العم سويدنبرج لم يخدعنا. إذا أنبأنا بكل توكيد وثقة أننا سنسترسل في علمنا القديم الذي كنا نزاوله في ذلك العالم الآخر كما كنا نفعل هنا، حذوك النعل بالنعل، وإننا سنحتفظ هناك بشخصياتنا، فلا تتغير ولا تتبدل، وإن الموت لن يحيل شيئاً من نظامنا. إن سويدنبرج رجل شريف، طيب القلب، ولا يسعنا إلا أن نصدق كل ما قاله عن العالم الآخر الذي أبصر فيه بعيني رأسه الأشخاص الذين لعبوا دوراً كبيراً في الأرض، وقد قال عنهم أن أكثرهم ظل على حاله لم يتغير، ولكنهم أصبحوا هناك مودة قديمة وأصبحت طبعتهم متأخرة. فمثلاً الدكتور مارتن لوتر ظل متمسكاً بعقيدته التي لبث ثلاثمائة سنة يكتب عنها كل يوم الحجج والبراهين، ولكن كثيرين منهم لم ينجحوا ولم يبقوا على شخصيتهم، بل تهذبوا كثيراً وتحسنوا، وتطوروا إلى الشر أو الخير، ففريق منهم كانوا في الأرض أبطالاً وصناديد وقديسين فتدهوروا هناك فصاروا فجرة فسدة سفهاء لا يصلحون لشيء، وفريق آخر من الذين كانوا هنا أقوياء الإرادة، صارمي العزيمة، عادوا فأصبحوا الآن أشراراً مجرمين، وبالعكس صارت بنات لوط على ممر الزمن من بنات الفضيلة وعدت في العالم الآخر الأمثلة العليا للعفاف والحشمة والأدب.
وكان هايني في أيام شبيبته لا يترك صديقاً أو عدواً إلا سخر منه وأخذه بمجونه ولكنه عاد فرأى خطأه، وتبين سوء ما فعل، فكتب قطعة تعد أحسن وصف للدنيا، فقال. . وا أسفاه الحق أقول لكم لا ينبغي أن يسئ إنسان إلى أحد في هذا العالم. كل منا مريض في هذا المحجر الصحي، ولكل منا علته في هذا المستشفى. ولقد ذكرتني تهكمات الكتاب بشجار غريب وقع في مستشفى كراكاو، وكنت أنا شاهده. وذلك أن المرضى انطلقوا يتهكمون بعضهم ببعض ويتباهلون ويتعايبون بأمراضهم وعللهم، فسمعت المسلول الذي أكل السل رئته وهضم لهاته يسخر من آخر أهزله الإستسقاء، وهذا ينكت على مريض بالسرطان، وصاحب السرطان يعيب على صاحب الجذام. حتى وثب أخيراً مريض محموم في أشد
стр. 1998
صرعات الحمى طافراً من سريره فمزق كل الضمادات المقطعة الحاجبة جروح رفاقه وعللهم، فبدت السوءات والشناعات وكل أنواع الدمامة والقبح!!. . . .
стр. 1999
الجنون والعبقرية
إن الطبيعة كثيراً ما تعمل على مبدأ الحرمان والتعويض، وكثيراً ما تهب النعمة، ثم تسترد من صاحب الهبة في سبيلها ثمناً غالياً، وتلزمه رهناً باهظاً، وتأخذ من سمسرة فاحشة وأنت لا تجد امتيازاً حبته الطبيعة، إلا رأيت وراءه تضحية، ولا تشهد الطبيعة حارمة من ناحية، إلا ألفيتها معوضة مجزية من الأخرى، وهذه الفلسفة الإلهية لا تزال السر الأكبر في بقاء الكون، وهي ضرب من التوازن حتى تتكافأ القوات التي تحمل الأرض، ولولاها لتحطمت الكواكب، وهوت الأفلاك وتدمرت الخليقة، ولعل الطبيعة أرادت بذلك أن لا تثير نزعة التحاسد بين الكائنات، وشاءت أن لا تهتاج الغيرة في الخلائق، فجعلت من الكواكب القصير الرأس - لأنه كان لا بد في الكواكب من قصار الرؤوس - ولكنها أشفقت أن يحزن الكوكب لقصر رأسه. وينظر إلى ضخامة هام أخوته. فجعلت له ذنباً مستطيلاً يجي وراءه في بهرة السموات، ويوم يتفاخر كوكب عليه بعظمة رأسه ويدل عليه سيار بشدة عدره، يوليه ظهره مزهواً متكبراً، باسطاً إليه ذنبه الجميل كأفخر ما تكون الطواويس بأذنابها.
وإذا كان هذا هو القانون العام الذي تجري عليه كل العوالم التي خرجت من يد الصانع الأكبر. فلا تعجب إذن من أن يكون في الناس الجهلة وهم أغنياء، والبله وهم ناعمو البال والعقلاء وهم المحزونون المتعبون، والمرأة الشوهاء الطلعة ووراء لسانها قلب ملائكي مشرق الصفحة، ثم الحسناء المعارف، الصبوح المحيا. مندوبة. . القمر في الأرض وخلف هذا الحسن نفس ملوثة خبيثة يأخذ عنها الشيطان أوامره، في مصطبخ كل يوم، ويعود إليها بدفتر اليومية عند مغيب كل شمس!!.
وعلى هذه القاعدة، لماذا يندهش الناس إذ يسمعون أن كثيراً من النوابغ، وطائفة كبرى من العظماء. وجيلاً عديداً من كتاب الدنيا وشعرائها وفلاسفتها وقوادها وأهل الذكاء المتوقد المفرط فيها، كانوا في حياتهم أحق بسكنى مستشفيات المجاذيب من كثير من البله والمجانين العاديين الذين دخلوها، ولماذا يأخذ المجتمع العجب، وتقع في قلوبهم الحيرة، إذ يرون رؤوسهم والصفوف الأول الصاعدة في طلائعهم، والأدمغة الجبارة الخصيبة التي تطل عليهم، أكثر ما يغلب عليها المرض، وتنتابها العلل، كأنهم لا يعلمون أن العظماء إنما يدفعون إلى الطبيعة ثمن أذهانهم الجميلة على طريقة التقسيط، وكثيرون منهم لا يزالون
стр. 2000
يواصلون دفع هذه الأقساط من أجسامهم وعيشهم وكل ما حولهم، حتى يستنفذوا جميع ذلك. ولا تزال الطبيعة تطالبهم بالباقي، فلا ينون يأخذون من الهبة نفسها وهي أذهانهم ويعطون الطبيعة صاغرين، لأنهم يخشون من فضيحة الديون، ولا يحبون أن يكسر عليهم شيء من أقساطهم، وعندما ينقص العظيم من أطراف البقية الباقية لديه وهي ذهنه، يراه الناس مجنوناً ويعده المجتمع المتطلع إليه، مريضاً مأفوناً، ويأنفون أن يعيشوا وراء مجنون، ويتبعوا ظل رجل مريض، فيطرحونه، ويذهبون عنه متفرقين، ليبحثوا عن ذهن جديد يركعون عنده وإذ يرون النتيجة أبداً واحدة، ونوابغهم دافعين إلا أقلهم إلى هوة الجنون أو المرض، يعودون فيصلحون ما أفسدوا في عهد حياتهم، فينصبون لهم التماثيل، ويقيمون الأضرحة، ويضعون الكتب البديعة عنهم، ويود أكثرهم أن يصابوا بنعمة هذا الجنون الطيب الذي ينتهي بهذه الخاتمة المرضية، ولكنهم لا يعلمون أن جنوناً عن جنون يفترق، لأن جنون ألف معتوه في دار المجانين لا يكاد يعدل جنون رجل عبقري واحد. لأن هؤلاء الألف إنما يحطمون زجاج النوافذ، وينطحون الأبواب والجدران، ولكن جنون العبقري إنما يحطم الآداب القديمة، ويمزق الكتب العتيقة، وينسخ كل ما في المكاتب، ويترك لكل كلمة يقولها ألف ذهن حائراً، وألف فؤاد مذهولاً. وهكذا يصلون عدواهم إلى الذين يقرأونهم، وينقلون قطعة من هذا الجنون المبارك إلى أذهان الذين يعيشون وراءهم، وكل قارئ من القراء المعجبين برجل نابغة مريض، إنما يحترق تحت تأثير ذلك السيال الكهربائي النافذ إلى ذهنه. وإذا كان أغلب الناي يتبعون النوابغ على حسب ذهنياتهم واختلاف مشاربهم، فلك أن تقول أن السواد الأعظم من العالم مجانين وإن الأرض قد أصبحت صورة مكبرة من السراي الصفراء.
إذن فليكن النوابغ مرضى، وليعش العبقريون على الجنون، فليس بضائر العالم جنونهم، ولعل جنونهم ومرضهم خير للناس وأبقى على نظام الأرض ولو كانت هذه القوة الجبارة تمشي على قانون منظم، ولو كانت عقول النوابغ تضطرد في مضطرد رقيق هادئ متناسق، إذن لطاحوا بالناس، وملكوا الدنيا أو قلبوها رأساً على عقب وإذ ذاك لا يسع القطعان الإنسانية إلا أن تهرب من وجوههم هروب الجرذان من أظلاف القطط. . ويومذاك يقفز هذا الكوكب ولا يبقى فيه إلا عفاريت آدمية تتضارب وتتجالد وتتنازع على
следующие страницы →