Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
بريتانيا تحت السروات الباسقات التي تحلق رؤوسها في الهواء كلهب خضراء متطولة في بهرة السموات. وا حزناه. يا صديقي مرلين إنني أحسدك على هذه الأشجار الناضرة، والنسيم البليل الذي يهز أغصانها وأفانينها، إذ لا شجرة ناضرة تنثني حول قبري أو وسادتي التي أضطجع فوقها في باريس، وإذ لا أسمع أبداً غير دحرجة العجلات ومطارق السنديان، وخفقات المعازف والعيدان، قبر ولا سكون، وضريح ولا راحة، وموت ولا مزايا الموتى وحقوقهم - ومنذ زمن طويل جاؤوا فأخذوا القياس لإعداد أكفاني وصندوقي، وتدوين اسمي في دفتر الوفيات. ولكني أموت بكل بطء، حتى أصبحت عملية موتي مملة لي ولأصدقائي ولكن صبراً يا صحابتي. كل شيء سينتهي، وستجدون يوماً الخميلة التي طالما لعبت أمامكم فيها عروسة مزاحي قد أقفلت أبوابها!.
وهنا بدأت ثورة الإيمان تهب في فؤاده، ولعل ذلك راجع إلى شدة وطأة المرض، لأن كل لذعة من لذعات الألم تغسل قطعة من الإلحاد عن قلبه، وكل عضة من عضات العذاب تأخذ بين أسنانها جزءاً من طبقات الشك، وكذلك استطاعت الآلام أن تهضم كل فؤاده، ثم خلق الله له فؤاداً غيره، ولكنه أراد إلا أن يكون قليل المقام في جثمانه، فلم يلبث أن أخذه إلى جواره.
قال هايني: - ماذا يفيدني من أن يتوج الشباب المفتونون بحبي، والعذارى المعجبات بي تمثالي الرخامى بأكاليل الغار، وتيجان الزهر، وأنا أرى يد الممرضة العجوز المهزولة تطرد الذباب عن وجهي وعيني، وماذا يغني عني أن تكون جميع ورود شيراز تعبق شذاها، وترسل أنفاسها وبخورها حولي. لا أشم بخوراً ولا عبقاً، غير رائحة المناشف الدافئة الموضوعة عن رأسي. أواه. . إن تهكم الله يحطمني: إن مؤلف الكون العظيم. أريستفانيس السماء قد أجمع نيته وحشد كل قوته على أن يفضح أريستفانيس الأرضي الصغير. إن أحسن مداعباتي وأبدع أمازيحي لم تكن إلا تجارب صغيرة لتعلم فن التنكيت، إذا هي قورنت بنكته ومداعباته، أنا دونه في صناعة المزاح وصغير بجانبه في فن السخرية!!.
فماذا يقول المؤمنون عن هذا المؤمن الجديد الذي يعترف بضعفه واستخذائه ويقر بإيمانه بوجود الله وقوته، ولكنه مع ذلك يأبى إلا أن يكون مزاحاً حتى مع خالقه، ولكن الله أعرف
стр. 1997
بفؤاده وسلامة مزاحه مع الناس، وقد نزع عنه روح الإلحاد وأبقى فيه على روح المجون، ثم ماذا هم قائلون إذا قرأوا الشذرة الآتية التي جعل يصف فيها اعتقاده في وجود الآخرة.
قال يخاطب قراءه عزاء يا قرائي وسلوى، فسنلتقي ثانيةً في عالم أحسن من هذا. هناك حيث في نيتي أن أكتب لكم كتباً أبدع مما كتبت - إني آخذها قضية مسلمة، إن صحتي ستتحسن هناك وإن العم سويدنبرج لم يخدعنا. إذا أنبأنا بكل توكيد وثقة أننا سنسترسل في علمنا القديم الذي كنا نزاوله في ذلك العالم الآخر كما كنا نفعل هنا، حذوك النعل بالنعل، وإننا سنحتفظ هناك بشخصياتنا، فلا تتغير ولا تتبدل، وإن الموت لن يحيل شيئاً من نظامنا. إن سويدنبرج رجل شريف، طيب القلب، ولا يسعنا إلا أن نصدق كل ما قاله عن العالم الآخر الذي أبصر فيه بعيني رأسه الأشخاص الذين لعبوا دوراً كبيراً في الأرض، وقد قال عنهم أن أكثرهم ظل على حاله لم يتغير، ولكنهم أصبحوا هناك مودة قديمة وأصبحت طبعتهم متأخرة. فمثلاً الدكتور مارتن لوتر ظل متمسكاً بعقيدته التي لبث ثلاثمائة سنة يكتب عنها كل يوم الحجج والبراهين، ولكن كثيرين منهم لم ينجحوا ولم يبقوا على شخصيتهم، بل تهذبوا كثيراً وتحسنوا، وتطوروا إلى الشر أو الخير، ففريق منهم كانوا في الأرض أبطالاً وصناديد وقديسين فتدهوروا هناك فصاروا فجرة فسدة سفهاء لا يصلحون لشيء، وفريق آخر من الذين كانوا هنا أقوياء الإرادة، صارمي العزيمة، عادوا فأصبحوا الآن أشراراً مجرمين، وبالعكس صارت بنات لوط على ممر الزمن من بنات الفضيلة وعدت في العالم الآخر الأمثلة العليا للعفاف والحشمة والأدب.
وكان هايني في أيام شبيبته لا يترك صديقاً أو عدواً إلا سخر منه وأخذه بمجونه ولكنه عاد فرأى خطأه، وتبين سوء ما فعل، فكتب قطعة تعد أحسن وصف للدنيا، فقال. . وا أسفاه الحق أقول لكم لا ينبغي أن يسئ إنسان إلى أحد في هذا العالم. كل منا مريض في هذا المحجر الصحي، ولكل منا علته في هذا المستشفى. ولقد ذكرتني تهكمات الكتاب بشجار غريب وقع في مستشفى كراكاو، وكنت أنا شاهده. وذلك أن المرضى انطلقوا يتهكمون بعضهم ببعض ويتباهلون ويتعايبون بأمراضهم وعللهم، فسمعت المسلول الذي أكل السل رئته وهضم لهاته يسخر من آخر أهزله الإستسقاء، وهذا ينكت على مريض بالسرطان، وصاحب السرطان يعيب على صاحب الجذام. حتى وثب أخيراً مريض محموم في أشد
стр. 1998
صرعات الحمى طافراً من سريره فمزق كل الضمادات المقطعة الحاجبة جروح رفاقه وعللهم، فبدت السوءات والشناعات وكل أنواع الدمامة والقبح!!. . . .
стр. 1999
الجنون والعبقرية
إن الطبيعة كثيراً ما تعمل على مبدأ الحرمان والتعويض، وكثيراً ما تهب النعمة، ثم تسترد من صاحب الهبة في سبيلها ثمناً غالياً، وتلزمه رهناً باهظاً، وتأخذ من سمسرة فاحشة وأنت لا تجد امتيازاً حبته الطبيعة، إلا رأيت وراءه تضحية، ولا تشهد الطبيعة حارمة من ناحية، إلا ألفيتها معوضة مجزية من الأخرى، وهذه الفلسفة الإلهية لا تزال السر الأكبر في بقاء الكون، وهي ضرب من التوازن حتى تتكافأ القوات التي تحمل الأرض، ولولاها لتحطمت الكواكب، وهوت الأفلاك وتدمرت الخليقة، ولعل الطبيعة أرادت بذلك أن لا تثير نزعة التحاسد بين الكائنات، وشاءت أن لا تهتاج الغيرة في الخلائق، فجعلت من الكواكب القصير الرأس - لأنه كان لا بد في الكواكب من قصار الرؤوس - ولكنها أشفقت أن يحزن الكوكب لقصر رأسه. وينظر إلى ضخامة هام أخوته. فجعلت له ذنباً مستطيلاً يجي وراءه في بهرة السموات، ويوم يتفاخر كوكب عليه بعظمة رأسه ويدل عليه سيار بشدة عدره، يوليه ظهره مزهواً متكبراً، باسطاً إليه ذنبه الجميل كأفخر ما تكون الطواويس بأذنابها.
وإذا كان هذا هو القانون العام الذي تجري عليه كل العوالم التي خرجت من يد الصانع الأكبر. فلا تعجب إذن من أن يكون في الناس الجهلة وهم أغنياء، والبله وهم ناعمو البال والعقلاء وهم المحزونون المتعبون، والمرأة الشوهاء الطلعة ووراء لسانها قلب ملائكي مشرق الصفحة، ثم الحسناء المعارف، الصبوح المحيا. مندوبة. . القمر في الأرض وخلف هذا الحسن نفس ملوثة خبيثة يأخذ عنها الشيطان أوامره، في مصطبخ كل يوم، ويعود إليها بدفتر اليومية عند مغيب كل شمس!!.
وعلى هذه القاعدة، لماذا يندهش الناس إذ يسمعون أن كثيراً من النوابغ، وطائفة كبرى من العظماء. وجيلاً عديداً من كتاب الدنيا وشعرائها وفلاسفتها وقوادها وأهل الذكاء المتوقد المفرط فيها، كانوا في حياتهم أحق بسكنى مستشفيات المجاذيب من كثير من البله والمجانين العاديين الذين دخلوها، ولماذا يأخذ المجتمع العجب، وتقع في قلوبهم الحيرة، إذ يرون رؤوسهم والصفوف الأول الصاعدة في طلائعهم، والأدمغة الجبارة الخصيبة التي تطل عليهم، أكثر ما يغلب عليها المرض، وتنتابها العلل، كأنهم لا يعلمون أن العظماء إنما يدفعون إلى الطبيعة ثمن أذهانهم الجميلة على طريقة التقسيط، وكثيرون منهم لا يزالون
стр. 2000
يواصلون دفع هذه الأقساط من أجسامهم وعيشهم وكل ما حولهم، حتى يستنفذوا جميع ذلك. ولا تزال الطبيعة تطالبهم بالباقي، فلا ينون يأخذون من الهبة نفسها وهي أذهانهم ويعطون الطبيعة صاغرين، لأنهم يخشون من فضيحة الديون، ولا يحبون أن يكسر عليهم شيء من أقساطهم، وعندما ينقص العظيم من أطراف البقية الباقية لديه وهي ذهنه، يراه الناس مجنوناً ويعده المجتمع المتطلع إليه، مريضاً مأفوناً، ويأنفون أن يعيشوا وراء مجنون، ويتبعوا ظل رجل مريض، فيطرحونه، ويذهبون عنه متفرقين، ليبحثوا عن ذهن جديد يركعون عنده وإذ يرون النتيجة أبداً واحدة، ونوابغهم دافعين إلا أقلهم إلى هوة الجنون أو المرض، يعودون فيصلحون ما أفسدوا في عهد حياتهم، فينصبون لهم التماثيل، ويقيمون الأضرحة، ويضعون الكتب البديعة عنهم، ويود أكثرهم أن يصابوا بنعمة هذا الجنون الطيب الذي ينتهي بهذه الخاتمة المرضية، ولكنهم لا يعلمون أن جنوناً عن جنون يفترق، لأن جنون ألف معتوه في دار المجانين لا يكاد يعدل جنون رجل عبقري واحد. لأن هؤلاء الألف إنما يحطمون زجاج النوافذ، وينطحون الأبواب والجدران، ولكن جنون العبقري إنما يحطم الآداب القديمة، ويمزق الكتب العتيقة، وينسخ كل ما في المكاتب، ويترك لكل كلمة يقولها ألف ذهن حائراً، وألف فؤاد مذهولاً. وهكذا يصلون عدواهم إلى الذين يقرأونهم، وينقلون قطعة من هذا الجنون المبارك إلى أذهان الذين يعيشون وراءهم، وكل قارئ من القراء المعجبين برجل نابغة مريض، إنما يحترق تحت تأثير ذلك السيال الكهربائي النافذ إلى ذهنه. وإذا كان أغلب الناي يتبعون النوابغ على حسب ذهنياتهم واختلاف مشاربهم، فلك أن تقول أن السواد الأعظم من العالم مجانين وإن الأرض قد أصبحت صورة مكبرة من السراي الصفراء.
إذن فليكن النوابغ مرضى، وليعش العبقريون على الجنون، فليس بضائر العالم جنونهم، ولعل جنونهم ومرضهم خير للناس وأبقى على نظام الأرض ولو كانت هذه القوة الجبارة تمشي على قانون منظم، ولو كانت عقول النوابغ تضطرد في مضطرد رقيق هادئ متناسق، إذن لطاحوا بالناس، وملكوا الدنيا أو قلبوها رأساً على عقب وإذ ذاك لا يسع القطعان الإنسانية إلا أن تهرب من وجوههم هروب الجرذان من أظلاف القطط. . ويومذاك يقفز هذا الكوكب ولا يبقى فيه إلا عفاريت آدمية تتضارب وتتجالد وتتنازع على
стр. 2001
كرسي جمهورية العفاريت في الأرض!
نقول هذا غير قاصدين إلى معارضة الأستاذ سيزار لومبروزو في أبحاثه التي بسطها في كتابه الرجل العبقري ولا ذاهبين إلى إنكار مذهبه من أن ليس بين الجنون والنبوغ إلا خيط ضعيف وإن أعراض العبقرية لا تكاد تختلف كثيراً عن مظاهر الجنون. ولكنا بعد نعدها حقائق مرة أليمة، ولكن العلم لا يسأل عن الألم، ولا يكترث بالعواطف، وإنما هويتهم بالنتيجة، وينظر إلى الغاية، وقد سرنا من لومبروزو أنه لم يستطع أن ينكر أسفه لهذه النتائج الخطيرة التي أنزلت أكبر مظاهر القوة الإنسانية إلى مستوى البلاهة والمرض والإنحطاط ولكن لا ترى الطبيعة نفسها أبت إلا أن ينبت الياسمين بجانب القراص، ويطلع الورد على مقربة من خانقة الذئب. وهل ترون العالم النباتي يستحق اللوم والتأنيب أن اهتدى إلى هذه النتائج، وهل تعد جريمة منه أن ينهي إلى الناس أمرها.
وقد كان المؤرخون إلى هذا العهد قصاصين فقط ومحدثين، وكانوا مزامير ليس غير للأمراء والملوك وقادة الحروب، ومضرمي نيران القتال، ولم يهتموا بتحليل نفسيات النوابغ وتشريح أرواح العبقريين، فلم ينقلوا إلينا شيئاً عن اضطرابهم وأمراضهم وأعراض انحطاطهم. وأبت نزعة الكبرياء والزهو والغرور على هؤلاء النوابغ أن يبسطوا للعالم أسرارهم، اللهم إلا قليلون منهم كاردان وروسو وستورات ميل وموسيه ولامارتين، ولعمري من كان يظن أن ريشيليو كان مريضاً بالصرع، لو لم تزره النوبة، وهو في مجلس من مجالسه ومن كان يعلم أن كافور الطلياني الكبير حاول الإنتحار مرتين، لو لم يضع برتي ومايور كتابيهما عنه، ومن كان يعرف جنون كارليل لو لم تئن بالشكوى زوجته.
ونحن هنا نقول أن كثيراً من أمراض النوابغ وجنونهم يرجع إلى الوراثة، وذلك في الذين ينحدرون من آباء سكيرين أو مزهورين أو معتوهبن أو مصدورين، وغير ذلك، أو من أسباب عارضة مختلفة، والأعراض التي ترى عليهم هي في الغالب فقد الحاسة الأدبية، والتجرد من العاطفة، والنزاع إلى الشك والوسوسة وفقد التوازن إما بزيادة في قوة من قوى العقل (كالذاكرة مثلاً أو الذوق الفني أو غيرهما) أو ينقص في غيرها (كقوة الحساب مثلاً) والتناهي في الصمت أو المغالاة في الثرثرة، والغرور، وتقلب الشخصية، والأنانية، وجعل
стр. 2002
الأهمية الكبرى لأتفه المسائل واتخاذ ألفاظ خاصة يخرجونها عن معانيها إلى معاني أخرى يريدونها منها.
هذه هي الأغراض الأخلاقية، أما الأغراض البدنية فمنها كبر حجم الآذان وقلة شعر اللحية وعدم انتظام الأسنان وفقد التناسب بين الوجه والرأس، بأن تكون الرأس في نهاية اصغر أو مفرطة الحجم، ونضوج الشهوة قبل أوانها، وصغر البدن أو ضخامته واستعمال اليد اليسرى دون اليمنى، واللعثمة والكساح والسل الرئوي والشهوانية المفرطة التي تخف حدتها بالعقم.
ونحن هنا نذكر عدة من أسماء العظماء والعبقريين الذين ظهرت عليهم هذه الأعراض.
أما صغر الجثة، وضؤولة البدن، فقد اشتهر بهما كثيرون مثل اسكندر الأكبر وأرسطو وأفلاطون وأبيقور وأرخميدس وديوجنيس والقائد تيلا. وبقطيط الذي كان يقول أبداً من أنا. . أنا لست إلا رجلاً صغيراً ومن المتأخرين جبون المؤرخ المشهور، وأسبينوزا ومونتان والموسيقي موزار والموسيقي بتهوفن والشاعر جولد سمث والشاعر الألماني هايني والكاتب شارلزلام وبلزاك الروائي العظيم ودي كونسي وأبسن والكاتبة القصصية العبقرية المعروفة باسم (جورج أليوث).
ومن بين الذين كانوا طوال القامة مشذبي الأعواد، الشاعر جوت، والشاعر شيللر، والإمبراطور شارلمان، وبسمارك ومولتكي والخطيب ميرابوديماس الكبير وشوبنهور ولامارتين وفولتير وبطرس الأكبر وواشنطن وكارليل وترجنيف.
ومن بين الذين كانوا مقعدين أو عرجاً أو حدباً أو حنفاً الشعراء بوب وليوباردي وولتر سكوت وبيرون والمؤرخ جبون وكثيرون من العبقريين وجبابرة العقول عاشوا وماتوا عزاباً وآخرون تزوجوا ولكنهم لم يتركوا نسلاً ولا جاءوا بذراري ولا بنين وفي ذلك يقول الفيلتوف ببكون. . أن أنبل الأعمال وأخطر الفعال إنما جاءت من رجال عقيمين وقد أرادوا بها أن يظهروا للعالم الصور الجميلة التي في أذهانهم بعد أن عجزوا عن إظهار صور أخرى من أبدانهم، وكذلك كان الإهتمام بالذرية والجيل المستقبل أشد ما يكون في قلوب من لا ذرية لهم. . ويقول لابريير إن هؤلاء الناس - يعني العبقريين - لا سلالة لهم ولا أعقاب. هم وحدهم ينشؤون من المستقبل المنحدر بعدهم ذراريهم وأطفالهم. .
стр. 2003
وأغرب ما في ذلك أن جميع كبار شعراء الإنكليز لم يتركوا أولاداً ونحن هنا نذكر أسماء الشعراء الآتين - شكسبير. ملتون. دريدن. أديسون. بوب. سويفت. جونسون. جولد سميث. وكثيرون غيرهم اجتنبوا الزواج لكي يتفرغوا إلى الدراسة والأدب. وقد قال المصور العظيم ميشيل أنجلو يوماً إن لي في فني بعيشة الأسرة - كنت - ماكولي - بنتام - شوبنهور - فولتير - شاتوبريان - فلوبير - ماسيني، وهناك مجمع من النوابغ أقدموا على الزواج، ولكنهم عانوا منه العذاب، وساءت به حالهم، وأظلم عيشهم ومنهم شكسبير ودانتي وبيرون وكولوريدج وأديسون وكاريل وأوجست كونت وديكنز، وقد كتب فلوبير يوماً إلى الكاتبة القصصية الطائرة الصيت جورج ساند أن بنات الشعر أخف رحمة، من بنات حواء وقال شامفور لو عقل الرجال لما بقي في الأرض جميعاً رجل يتزوج، وأما عني أنا فإنني لا شأن لي بالزواج لئلا يخرج مني ولد مثلي!!
وهناك عارض آخر يشترك فيه الجنون والعبقرية، ولاسيما الجنون الأخلاقي ونعني به النضوج قبل الأوان. فإن الشاعر دانتي كتب أول قصيدة في الحب وهو في التاسعة وكان باسكال وكونت مفكرين كبيرين رائعي التفكير وهما في الثالثة عشر، وكان فولتير كذلك وهو في هذه السن. وكتب الشاعر جوت قصة بسبع لغات، ولم يكن قد جاز بعد العاشرة، والروائي التمثيلي كوتزبي جعل يكتب كوميديات للمسارح وهو في السابعة، ونظم بيرون عدة أبيات وقصائد وهو في الثانية عشر، ونشر في الثانية عشر أول قطعة من ديوانه ونعني بها - عات الفراغ وأعجب من جميع ذلك أن ميرابو الخطيب العظيم خطب وهو في الثالثة ونشر مؤلفات له في العاشرة وإن موزار جعل يقيم الحفلات لكي يوقع موسيقاه الجديدة وهو في السادسة. ولكن هذا النضوج المبكر لا يزال بعد نضوجاً مريضاً عارضاً غير طويل العمر، وكثيراً ما يظهر في المتوحشين والبيئات التي تعيش على الغريزة، وهناك مثل سائر يقول إ، الذي يكون عبقرياً في الخامسة يصير مجنوناً في الخامسة عشر!. . .
وقد يعترض بعض الناس على هذا العارض فيقولون إن هناك كثيرين من النوابغ والعبقريين لم تظهر عبقريتهم ولم يتجلى ذكاءهم المتوقد إلا بعد دهر طويل. وبعد أن جازوا من عمرهم سنين عدة، وهؤلاء يجاب عليهم بأنه لم توجد ثمت ظروف صالحة
стр. 2004
مواتية لظهور ذكائهم، أما إن يكون ذلك راجعاً إلى جهل المعلمين والآباء إذ يحسبون العبقرية وهي في دور الذهول والبلادة في الطفل بلاهة أو غباء وحمقاً، وكثيرون من الأطفال كانوا يعدون في المدرسة أغبياء أو حمقى أو طائشين ثم أصبحوا بعد ذلك عظماء ونوابغ، ولم تلبث أن ظهرت عبقريتهم عندما سنحت الفرصة لإظهارها أو عندما اهتدت أذهانهم إلى الطريق الملائمة لعبقريتهم، ونذكر من هؤلاء بلزاك وديماس الكبير والدوق ويلنجتون القائد الإنكليزي العظيم والروائي الخطيب شريدان والشاعر بيرنز، وكان نيوتن مكتشف قانون الجاذبية آخر أقرانه في الفرقة، يوم كان تلميذاً، وكان ولتر سكوت غبياً مكسالاً في المدرسة، ولكنه ظهر بعد ذلك أكبر الروائيين، وأما جوستاف فلوبير فتعلم القراءة في طفولته بكل مشقة وجهد، ولكنه في الوقت نفسه كان يضع في ذهنه روايات تمثيلية كثيرة، وكان لا يستطيع كتابتها، فاجتزأ عن ذلك بأن أخذ يمثلها بنفسه ويقوم هو بجميع أدوارها.
ويجئ بعد ذلك الذهول أو الغيبوبة، وقد وصف كثيرون من العبقريين أنفسهم وهم تحت تأثير الإلهام فقالوا أن حالتهم إذ ذاك تشبه حمى بهيجة مفرحة. تثير تفكيرهم وتبعث أذهانهم على التخيل والغياب في أبعد مراحل التصور والفكر. ومن ذلك يقول بول ريختر إن الرجل العبقري في نظري هو رجل منوم، يرى في حلمه الهادئ أكثر وأبعد مما يراه في صحوه ويقظته، وهو في هذا الحلم يبلغ أسمى جبال الحقيقة والرجل العبقري في ذلك مدفوع بإحساس لا يستطيع رده، وكما تدفع الغريزة الحيوان إلى إتيان عمل قد يكون فيه موته، تجد العبقرية كذلك عاجزة عن مدافعة ما يثيرها من الإحساس الداخلي الغريب. وقد غزا نابليون غزواته، وأغار الإسكندر غاراته. لا حباً في المجد ولا رغباً في الشهرة والفكاهة. ونما إطاعة إلى غريزة قوية ل قاهر لها، وكذلك العبقرية تخلق وتبتكر لا رغبة في الإيجار ولكن لأنه يجب أن تخلق وتبتكر.، حتى لقد قال نابليون إن نهاية وقائعه كانت نتيجة لحظة واحدة من التفكير، إذ تظهر اللحظة القاطعة، فتسطع شعلة الفكرة، فإذا به يرى نفسه منتصراً، وقال لامارتين لست أنا الذي أفكر، إن أفكاري، إن أفكاري هي التي تفكر عني وكثيراً ما كان يقول الشاعر جوت أنه لا بد للشاعر من التهاب الذهن، وقد نظم جوت أكثر شعره وهو في حال بين النوم واليقظة، وكتب فولتير جزءاً كاملاً من كتاب الهنريات
стр. 2005
وهو نائم.
ولعل أقرب ضروب الشبه بين العبقريين والمجانين، لا يقع لا عندما يكون أهل العبقرية تحت تأثير الإلهام، والأعراض التي تبدو على الرجل العبقري عندما يكون في هذه الحال هي سرعة النبض وإصفرار المحيا وبرودة الجلد والتهاب الرأس من الحمي وزيغ البصر من ظهور بريق موحش مخيف في العينين، وكثيراً ما يحدث أن الشاعر أالكاتب لا يدري ماذا كان يكتب أو ينظم عندما يفيق بعد ذلك من الحمى التي انتابته. فقد كان الشاعر تاسو نظهر عليه كل عوارض الجنون، عند ما كان يأخذ في نظم قصائده. . ومنهم من يضطر إلى إحداث الإلتهاب في ذهنه بأية وسيلة وسبيل لكي يقع له التفكير، ويواتيه الشعر والخيال، فكان شيللر يضع رجليه في الثلج، وروسو لا يفكر إلا إذا عرض رأسه لأشعة الشمس وهي في أشد وهجها، وكان الشاعر شللي يرقد ورأسه على مقربة من الموقدة وقد يتحول الإلهام في بعض الأحايين إلى الهذيان. فقد كان ديكنز وكليست يحزنان على الأبطال الذين يضعانهم في روايتهما، وقد شوهد الشاعر كليست باكياً متحدر العبرة، جازعاً كاسف البال، بعد انتهائه من كتابة إحدى رواياته التراجيدية، وهو يقول صارخاً لقد ماتت. لقد ماتت! وأشد ما يتجلى في النوابغ والعبقريين شدة الإحساس، حتى إن كارليل وموسيه وفلوبير كانوا لا يستطيعون احتمال ضوضاء الشوارع وأصوات النواقيس، ولهذا كانوا لا يقيمون في منزل واحد، وإنما يتنقلون من شارع إلى شارع، ومن مسكن إلى مسكن، هرباً من الأصوات. وقد تشنج الشاعر بيرون عندما رأى الممثل كين يمثل فوق المسرح. وقد رأى المصور فرانسيا يوماً صورة من صور روفائيل، فمات لساعته من شدة الفرح وتبدو لهم طعنات خناجر ومدى وسكاكين، ما يبدو لغيرهم وخزات الإبر، فإن الشاعر شاتو بريان لم يكن يحتمل أن يسمع مديحاً موجهاً إلى إنسان ما، ولو صانع أحذيته، دون أن يثور ثائره، ويهتاج حنقه، وقد شوهد الشاعر الروسي بوسكن في دار التمثيل والجمهور منصرفون في ختام الرواية، متزاحمون عند الباب يعض من الغيرة والحنق كتف إحدى السيدات، وكانت تمشي إلى جانب زوجها، وذلك لأنه كان إذ ذاك يميل إليها. وإن الفيلسوف شوبنهور كان رفض أن يدفع للدائنين الديون التي عليه إذا كتبوا اسمه بالباء المشددة بدلاً من باء واحدة وآخر ما نذكره من الأعراض التي تظهر على النوابغ السخافة،
стр. 2006
وكثيراً ما توجد دلائلها في كتبهم وأحاديثهم فقد جمع جوستاف فوليير طائفة منها في كتاب أسماه ملف البؤساء وكانت لا تعرف اللاتينية، ولكنها كانت تفهمها جيداً، أو كلمة برناردان دوسان بيير صاحب الرواية الطائرة الصيت بول وفرجيني وهي أن الطبيعة قسمت البطيخة إلى شقق لكي تؤكل في العائلة ولما كانت القرعة أو اليقطينة أكبر حجماً، فإنها خلقت لكي تؤكل مع الجيران!!.
стр. 2007
الآداب وتطورها
ـ ٢ ـ
الأثرة الذاتية وحب الغير
جبلت الكائنات الحية على الأثرة وحب النفس فالنبات يمد جذوره في الأرض إلى مسافات بعيدة ويخص نفسه بأوفر نصيب من الغذاء الضروري لحياته ويمانع غيره من أن يقتات بجانبه أو يعيش معه في بقعة واحدة، وإذ كانت المادة المغذية غير كافية للاثنين حاول كل منهما قتل الآخر، وتقتتل الحيوانات فيما بينها طلباً للحياة فتعدوا الضاريات على آكلة النباتات لتقتات بلحومها فتدافع هذه عن نفسها، وينشب بينهما القتال أو تطلق لساقيها العنان، وتتناجز الضاريات فيما بينهما للإنفراد بالبقاء، وكذلك تتناطح آكلة النباتات لتستأثر بالأعشاب وورق الأشجار.
والإنسان مع كل هذه الكائنات في حرب عوان لا يفتر عن مقاتلها ليأمن شر بعضها وليستخدم البعض الآخر في منفعته، وهو مع بني جنسه في عرك مستمر أيضاً ليستقل بخيرات الأرض ونعيمها.
فالأثرة الذاتية أساس كل حياة والعالم قائم على جهاد وقتال، القوي فيه فائز والضعيف مخزوم، وإذا لم يكن بد من أن يكون بعض الناس آكلاً والبعض الآخر مأكولاً فلتكن من الصنف الأول لا الثاني إن أمكن.
ومحبة الغير وهي عاطفة طبيعية في النفس فرع من محبة الإنسان لذاته. فالمرء لا يريد لغيره الخير إلا إذا ناله أو ظن أن يناله خير من جراء ما أصاب هذا الغير. ولا يحافظ المتوحش على حياة أخيه المتوحش إلا لأن أخاه يذب عنه ويعينه على أعدائه.
ولا يقف الإنسان إزاء مصائب غيره جامداً بل يحزن ويتألم، إن وقع نظره على جريح أو مبتور اقشعر بدنه وانتفضت أطرافه، ولو رأى مريضاً توجع له ورثى لحاله ويفزع من أخبار الموت ويجزع منها وذلك لأنه يتمثل نفسه في الحالة التي رأى غيره فيها فتطير نفسه شعاعاً من الألم وتنتابه هذه الحركة القسرية المسماة بالقشعريرة والتي كانت في الأصل حركة اختيارية يراد بها درء الألم. ألا تجد أنك لو رأيت إنساناً مبتور أحد الأعضاء سرت القشعريرة في العضو المقابل له من جسمك وربما تلمست هذا العضو
стр. 2008
لتطمئن عليه. وأشد ما يكون فزع الإنسان من ذكر الموت حين مرضه وأيام الأوبئة المعدية.
ولو مر بك فقير يقطر ذلاً ويتساقط جوعاً انقبض صدرك وانفطر قلبك ومددت يدك إليه بالصدقة لترد إليه مسغبته وفي الحقيقة لتدفع عن نفسك الألم الذي شعرت به حينما رأيته ووضعت نفسك مكانه فمثل الصدقة كمثل القشعريرة وانقباض اليد حينما نشعر بقرب النار منها تنزل إلى القلب الراحة والسكينة وتبعد عنه الألم. والمتصدق في الواقع ونفس الأمر إنما يحسن إلى نفسه من قبل أن يحسن إلى غيره.
والفقير أبر الناس بالفقراء وأشفقهم عليهم ومعظم دخل الشحاذين من جيوب المعوزين الذين يتوقعون الفاقة من وقت لآخر وذلك لأنهم واقفون على حافة العدم ومهددون بالفقر فكل مظهر من مظاهر الفاقة يخيفهم ويهوي بمخيلتهم إلى جحيم الحاجة وسرعان ما يجدون أنفسهم مكان الشحاذ يستعطون، فيمدون أيديهم بالصدقة ليبعدوا عن أنفسهم هذا الخيال المفزع ولا يمكن أن يقال أن منظر المرض أو الفقر في حد ذاته مؤلم فكثيراً ما يمرض بعض الناس به ولا تجد الشفقة إلى قلوبهم سبيلاً ولا يتأثر الإنسان من التمثيل مهما كان متقناً والممثلون بارعين في محاكاة الطبيعة إلا إذا نسي الإنسان نفسه وظن التمثيل حقيقة وامتزج بأبطال الرواية. أما إذا أقام بمعزل ورجع إلى نفسه وأدرك أن ما يمر به محض تمثيل سخر منه وضحك في المواقع التي تستوجب البكاء.
يجمع الإنسان بين جوانحه كثيراً من المتناقضات فبينما نجده شغوفاً بالعدل وحب الغير إذ تجده يحب نفسه حباً جماً ويؤثر مصالحه على مصالح غيره وتعترك في نفسه أميال شتى يرجع بعضها إلى حب الذات ويرجع البعض الآخر إلى محبة الغير. والإنسان بين هذين الفريقين مع الغالب فتارةً تفوز الأثرة الذاتية وطور ينتصر العدل الذي هو محبة الغير. وفوز أحد الجانبين على الآخر متوقف على مزاج الإنسان وبنيته وما ورثه عن أسلافه من القوة والضعف والشدة واللين وعلى ما يحيط به من الظروف والأحوال. وهذا العراك في أغلب الأحايين فاتر لحسن الحظ ولا يدوم طويلاً.
غير أنه قد تصيب الإنسان في بعض الأحايين أزمة شديدة تتماثل فيها الأميال وتتساوى القوى المعارضة ويحار في الأمر فلا يدري ماذا يفعل ولا لأي الجانبين ينحاز.
стр. 2009
أمر المؤمنين عمر بن الخطاب بجلد ابنه ولكن هل تظن أن هذا الأمر كان سهلاً عليه! وهل صمم عليه من أول وهلة حينما ظهرت له إدانة ابنه!
إن دون الوصول إلى هذا الحل عراكاً شديداً بين حب الإبن وحب العدل وحاد للغاية، لا يصبر عليه إلا كل بطل شجاع كعمر بن الخطاب والفضل في فض الخلاف وترجيح إحدى الكفتين راجع إلى يقين عمر وإيمانه العظيم وإيثار الآخرة على الدنيا واعتقاده بأن العقاب يطهر النفس ويشفع في غفران الذب وبعبارة أخرى خوفه من الله وعذابه وإلى حبه لابنه وتوخيه الأنفع والأصلح بأن اختار له نعيم الآخرة لأنه أعظم وأبقى.
وحب الإنسان لابنه شكل من أشكال حب الذات بل هو بعينه إلا أنه أوسع وأعم وكذا الخوف من الله نوع من أنواع الحب الذاتي. فالحب الذاتي هو الذي هيج عواطف عمر وأثار أشجانه وهو الذي هدأ روعه وأنزل السكينة وأملى عليه الواجب.
وهو الذي حمل السمو أل على الوفاء بعهده وتضحية ابنه وإيثار الثكل على أن يشوه سمعته ويسلم شرفه ويسلم سلاح امرئ القيس لأعدائه.
وهو الذي يحمل الجندي على الإستماتة في الدفاع عن بلده والاحتفاظ بترث أسلافه. إن منشأ حب الوطن آتٍ من تمتع الإنسان بخيرات بلاده ونعيمها - ووجود مصالحه فيها فهو إن دافع عنها فإنما يدافع عن نفسه وأهله وقوته وماله.
وكلما كانت المصالح الشخصية أكثر التئاماً مع المصالح العمومية كانت الأمة أقدر على الدفاع عن نفسها والأفراد أشد تفانياً في حبها يدافعون عنها وكأنهم يدافعون عن أرواحهم ويلقون بأنفسهم في غمار الحرب لا طلباً للموت وإنما حباً في البقاء واحتفاظاً بحريتهم وحقوقهم.
يقول جوستاف لوبون إن وطنية الإنكليز والأمريكان والألمان قوة عظيمة دونها قوة المدافع وكل أمة فقدت وطنيتها فعن قريب تفقد كل شيء.
نسي جوستاف لوبون أمته ولكن نحن لا ننساها فإنها في طليعة الأمم التي تتقد حمية وتشتعل وطنية فقد دكت المدافع الألمانية حصون فردان وصيرتها أطلالاً بالية وغيرت معالم أرضها وجعلت عاليها سافلها ولكن فردان لم تؤخذ لأن الأمة الفرنساوية أبت أن تسلمها واستعاضت عن الحصون بصدور أبنائها الأبطال فثبتت هذه حيث لم تثبت تلك لأن
стр. 2010
حشوها الغيرة والحماسة والوطنية وهل للمدافع سلطان على هذه العواطف.
ولا غرو أن يكون الإنكليزي والفرنساوي بهذه الوطنية فإن حكومتيهما من خير الحكومات حرية وعدلاً وأكثرها عطفاً على أبنائها ورعاية لمصالحهم.
لا توجد الوطنية إلا حيث توجد الحرية والعدل ولا يدعو إلى انقسام البلد وتفرقها أحزاباً وطوائف إلا اختلاف المصالح ولا تنشأ الثورات والفتن إلا عند وجود هيئة حاكمة متمتعة بخيرات البلد وهيئة محكومة تتقلب على الذل والفقر. وإذا ثبت أن الحب الذاتي أثاث كل عاطفة شريفة وإحساس راق كما أنه جرثومة الشرور ومدعاة الفساد فمن الحمق إبادته وإزالة أثره من النفس ومن المحال نزعه إلا بنزع الحياة ولولاه لما نشطت الهمم وتسابقت الأمم والأفراد في مضمار المدنية بل لماتت الإنسانية في مهدها وكل ما يستطاع عمله ويحسن بنا أن نفعله هو أن نتوخى له سبيل الرشاد قدر الإمكان ونبتعد به عن مهاوي الفساد، أما تطهير النفس منه فمحال وضار للغاية.
وقد حاولت الإشتراكية من أول وجودها أن تبني نظامها الإجتماعي والإقتصادي على مبدأ نكران الذات فأخفقت إخفاقاً تاماً لا لأن مبادئها لم ترق في أعين الجمهور بل هي بالعكس خلابة تبهر الأبصار وتستهوي العقول وإنما لأنها لم تهتد إلى دافع غير الحب الذاتي يدفع الأفراد إلى العمل ولهذا رجعت بعض الفرق الإشتراكية عن مبدأ المساواة التي بدأت منه واعترفت بالحب الذاتي وإنما تحاول فقط تنظيمه وتنسيقه وتطهره من الشرور، وقد سعت الإنسانية إلى هذه الغاية بأديانها وقوانينها وشرائعها وما زالت تسعى فهل تصل إلى بغيتها وهل يصبح الإنسان ملكاً لا يتقاسمه الخير والشر! ولا تخالج نفسه الأفكار السيئة! لا أظن.
عبده البرقوقي
المحامي
стр. 2011
مختارات
أدب الملوك
من الكلمات المتداولة الكثيرة الذيوع والإنتشار قولهم كلام الملوك ملوك الكلام، وإن هذه الكلمة لتصدق على كثير من كلام الملوك ومن إليهم من الأمراء والعظماء وذوي السلطان ونحن ننشر هنا شيئاً مما عثرنا عليه من الكلمات الحكيمة والآداب الرفيعة التي أثرت عن بعض الخلائف والملوك والأمراء والعظماء من المتقدمين عسى أن يكون فيها لمن بقي اعتبار. حدث الأصمعي قال: لما عزم الرشيد على الأنس بي قال لي في أول يوم أحضرني للأنس والمحادثة يا عبد الملك أنت أحفظ منا ونحن أعقل منك، لاتعلمنا في ملأ، ولا تسرع إلى تذكيرنا في خلوة واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال فإذا بلغت من الجواب قدر استحقاقه فلا تزد، وإياك والبدار إلى تصديقنا وشدة التعجب مما يكون منا، وعلمنا من العلم ما نحتاج إليه على عتبات المنابر وفي أعطاف الخطب وفواصل المخاطبات، ودعنا من رواية حوشي الكلام وغرائب الأشعار وإياك وإطالة الحديث إلا أن نستدعي ذاك منك، ومتى رأيتنا صارفين عن الحق فأرجعنا إليه ما استطعت من غير تقرير بالخطأ ولا إضجار بطول الترداد - قال الأصمعي: فقلت يا أمير المؤمنين. إني إلى حفظ هذا الكلام أحوج مني إلى كثير من البر - ونهض هشام بن عبد الملك يوماً من مجلسه فسقط رداؤه من منكبه فتناوله بعض جلسائه ليرده إلى موضعه فجذبه هشام من يده وقال مهلاً إنا لا نتخذ جلساءنا خولاً - وقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه: إن قوماً صحبوا الملك بغير ما يحق لله عليهم فأكلوا بخلاقهم وعاشوا بألسنتهم وخلفوا الأمة بالمكروه والخديعة والخيانة، كل ذلك في النار، ألا فلا يصحبنا من أولئك أحد. فمن صحبنا بخمس خصال فأبلغنا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ودلنا على ما لا نهتدي إليه من العدل وأعاننا على الخير وسكت عما لا يعنيه وأدى الأمانة التي احتملها عامة المسلمين فحيي هلاً به. - وتناظر المأمون ومحمد بن القاسم في شيء ومحمد يغضي له ويصدقه فقال له المأمون أراك تنقاد إلى ما تظن أنه يسرني قبل وجوب الحجة عليك ولو شئت أن أقتسر الأمور بفضل بيان وطول لسان وأبهة الخلافة وسطوة الرآسه لصدقت وإن كنت كاذباً وصوبت وإن كنت مخطئاً وعدلت وإن كنت جائراً ولكني لا أرضى إلا بإزالة الشبهة وغلبة الحجة،
стр. 2012
وإن أضعف الملوك رأياً وأوهنهم عقلاً من رضي بصدق الأمير - وسخط الرشيد على حميد الطوسي فدعا له بالسيف والنطع فبكى فقال ما يبكيك قال والله يا أمير المؤمنين ما أفزع من الموت فإنه لا بد منه وإنما بكيت أسفاً على خروجي من الدنيا وأمير المؤمنين ساخط علي فضحك وعفا عنه وقال: إن الكريم إذا خادعته انخدعا: وكتب علي بن عيسى الوزير عن المقتدر كتاباً إلى ملك الروم فلما عرض على المقتدر قال فيه موضع يحتاج إلى إصلاح فسألوه عن ذلك فكان قد كتب في الكتاب أن قربت من أمير المؤمنين قرب منك وإن بعدت عنه بعد عنك فقال ما حاجتي إلى أن أقرب منه. اكتبوا إن قربت من أمير المؤمنين قرب وإن بعدت عنه أبعدك - وقال أبو عبد الله ابن حمدون النديم: لقد رأيت الملوك فما رأيت أغزر أدباً من الواثق، خرج علينا يوماً وهو ينشد لدعبل بن علي الخزاعي:
خليلي ماذا أرتجي من غد امرئ ... طوى الكشح عني النوم وهو مكين
وإن امرأ قد ضن عني بمنطق ... يسد به من خلتي لضنين
فانبرى أحمد بن أبي دؤاد كأنما انشط من عقال فسأله في رجل من أهل اليمامة فأطنب وأسهب وذهب في القول كل مذهب فقال له الواثق يا أبا عبد الله لقد أكثرت في غير كثير فقال يا أمير المؤمنين إنه صديقي:
وأهون ما يعطى الصديق صديقه ... من الهين الموجود أن يتكلما
فقال الواثق وما قدر اليمامي أن يكون صديقك، ما احسبه إلا من عرض معارفك فقال يا أمير المؤمنين إنه قصدني في الإستشفاع إليك وجعلني بمرأى ومسمع من الرد أو القبول فإن أنا لم أقم له هذا المقام كنت كما قال أمير المؤمنين آنفاً:
خليلي ماذا أرتجي من غد امرئ ... طوى الكشح عني اليوم وهو مكين
فقال الواثق لمحمد بن عبد الملك الزيات أقسمت عليك إلا عجلت لأبي عبد الله بحاجته ليسلم من هجنة الرد وكدر المطل.
ـ ولما ولي أبو جعفر المنصور الخلافة نهد إليه إبراهيم بن هرمة الشاعر ممتدحاً فلما دخل عليه أنشده شعره الذي يقول فيه:
له لحظات عن خفاء سريرةٍ ... إذا كرها فيها عقاب ونائل
стр. 2013
فأم الذي آمنت آمنة الردى ... وأم الذي حاولت بالشكل ثاكل
فاستحسن المنصور شعره وقال له سل حاجتك قال تكتب إلى عامل المدينة أن لا يحدني إذا أتى بي إليه وأنا سكران وكان ابن هرمة مولعاً بالشراب كثير السكر - فقال له المنصور هذا حد من حدود الله وما كنت لأعطله قال فاحتل لي يا أمير المؤمنين فكتب أبو جعفر إلى عامله بالمدينة من أتاك بإبراهيم بن هرمة وهو سكران فاجلده مائة واجلد ابن هرمة ثمانين فكان الشرطي يمر به وهو سكران فيقول من يشتري ثمانين بمائة ويمضي لطيته ولا يعرض له بشيء.
ليلة أكتوبر
بقلم شاعر الشبيبة الخالد الفرد دي موسيه
الشاعر
لقد طار العذاب الذي عانيته طيران الحلم، وتبدد ألمي كالطيف. ولست مستطيعاً تشبيه ذكراه اليغيدة، وآثاره المتنائية، إلا بالسحائب الخفية، الرقيقة الوشائح والحجب إذ يرفعها الفجر، ويزيحها السحر، فتهرب مع الندى، وتختفي مع القطر.
إلاهة الشعر
ولكن أيها الشاعر أنبئني قبل أن تبسط لي ألمك، هل أنت منه أبللت، وهل أنت من الأسى قد تعافيت. ليكن كلامك الآن بلا حب ولا بغض، واذكر أنك أسميتني من قبل معزيتك، ومنحتني الاسم العذب الجميل وهو أنيستك إذن فلا تجعل مني شريكة في العواطف التي أساءت إليك ولا تحملني تهمة جرم الجانحة التي أضاعتك.
الشاعر
لقد شفيت من المرض، وخرجت من العلة، حتى لقد أشك في أنني كنت بها يوماً مريضاً، ولبثت دهراً بها عانياً مهموماً، وإذ أنا أفكر في الأماكن التي جازفت فيها بحياتي، والعهود التي خاطرت عندها بعيشي، لا أتصور في مكاني إلا رجلاً غريباً عني لا أعرفه، ووجهاً عني مجهولاً لم أنظر إليه. فلا تخافي إلاهة الشعر ولا تجزعي. وهلمي على خفقات أنغامك التي توحي إلي بها، وأنفاس لحنك التي تنفخينها، نتجاذب في هدوء أطراف الحديث
стр. 2014
ونتسار بلا خشية أسرار الأفئدة ونبكي لذكرى الهموم، إذ البكاء جميل، ونبتسم لحديث الأحزان، إذ الإبتسامات عذبة مروحة مطهرة.
إلاهة الشعر
إني لأحتضن قلبك الذي أغلقته دوني، وأميل على هذا الفؤاد الذي حجبته عني، كالأم الرؤوم الحنون، تسهر عند مهد ابنها المحبوب، وسرير طفلها المعزز. تكلم يا صديقي وأفض. إن قيثاري المتنبه المستمع سيتبع نبرات صوتك في لحن خافت أجش حزين، حتى تتولى ظلمات الماضي في ظل خيط من الضياء أشبه شيءٍ بشبح عارض يمضي مسرعاً هارباً
الشاعر
أي أيام العمل. . . أي زمن الجهد والدأب أيتها الأيام التي أحسست فيها وحدها أنني أعيش، وحقاً أحيا. أيتها العزلة العزيزة المحببة، حمداً لك الله وشكراً، إذ عدت إلى حجرتي المهجورة، ورجعت إلى معهد درسي القديم المنبوذ، أيها المكان الفقير المعتزل الساكن، يا جدران بيتي الصامتة الفريدة المقفرة. يا مقاعدي التي عدا عليها التراب، يا مصاحبي الصادق المخلص الأنيس. . أي قصري وعالمي الصغير وأنت يا ربة الشعر. يا رفيقتي الأبدية الصغيرة، حمدك رب وشكرك، ها نحن عدنا نتغنى سوية ونصدح، وجئنا معاً نتباكى ونترنم. إذن فإليك الآن أفتح مغاليق فؤادي، وأمامك أرفع الحجب المخطرفة فوق جانحتي. وستعلمين كل شيء، وتعرفين أي ألم تستطيع المرأة أن تضرم ناره، وأي شر تستطيع أن تحدثه، لأن مصابي، يا صحابتي، كما تعرفون، من امرأة. امرأة واحدة صغرت لها وخضعت، صغار العبد لسيده، وخضوع الرقيق لمولاه. أيها السلطان المستبد. أيها النير المطلق، أيها السيد اللعين الجبار، إنه منك وحدك قد فقد فؤادي قوته، وأضاع لديك شبابه، وأسرف على نفسه. ولكن لا أكتمك إني قد رأيت السعادة على مقربتها، وشهدت البهجة في جنابها، وكنا عن كثب من الجدول الفضفاض نسير معاً، في هدأة المساء، فوق الرمل الفضي، نستهدي أشباح الحور البيضاء سنن الطريق، ونسترشد بها عن بعد منحدر السبيل، وإذ أرى على ظل القمر وخيوط البدر هذا البدن الجميل متثنياً بين ذراعي. ولكن حسبي وكفى كلاماً. . . . . . . . . . . . إنني لم أتنبأ بالخاتمة، ولم أكن
стр. 2015
أعلم الغاية. ولم أتصور في أضعاف القدر خفي النية. إن غضب الآلهة ولا ريب كان يطلب فريسة، وحنقها كان يسأل فدية، إذا عاقبتني وعدتني مجرماً إن حاولت أن أكون سعيداً.
إلاهة الشعر
إن صورة الذكرى الحلوة قد عادت تتفتح لذهنك، وتتجلى لخاطرك. فعلام تخشى أن تعود إلى الأثر التي تركته في نفسك، والجزء الجميل الذي أحدثته في فؤادك. أإنكاراً للأيام الجميلة، وكفر بالعهود الناضرة، وأنت تريد أن تقص القصة صادقة، وتشرح همامة نفسك إخلاصاً وأمانة، أيها الإنسان الفتي الصغير إذ كان حظك قاسياً، ونصيبك محزناً آسياً. إذن فابتسم لحبك الأول، وليومض ثغرك للهوى القديم.
الشاعر
كلا. إنني أتباسم لآلامي، وأتضاحك لعذابي يا إلاهة الشعر. إني أريد أن أقص عليك خيبتي وأحلامي وهذياني، بلا تأثر ولا حزن، غير ذكر الزمن، ولا شارح المكان، ولا باسط الفرصة والعهد. . . في ليلة من ليالي الخريف، في ليلة قرة متجهمة، أشبه بليلتنا هذه وإليها أقرب، وأنة الريح، وحشرجة الهواء في رأسي الملتهب. وذهني المتعب. تشق صميم همي، وتنفذ إلى جوف حزني، وكنت لدى الناقدة على مرتقب عشيقتي، أتسمع في هذه الظلمة المنتشرة السائدة خفق قدمها وحفيف ثوبها وأنا أحس في نفسي حزناً غريباً. ومصاباً أليماً، إذ ثارت ريبة الخيانة في خاطري، ووسوسة الغدر في ضميري، وكان الشارع الذي أسكنه قفراً مظلماً. ورأيت أشباحاً تروح، وأبصرت أشباحاً تمر، وريح الصبا تنفذ من بين شقتي الباب، وكأن في عزيفها أنة إنسانية، وفي زفيفها آهة نفسانية، ولا أدري لماذا أحسست روحي تجري في سبيل الشك، وتندفع إلى توقع الشر، وأنا أجاهد شجاعتي، ولكن لم ألبث أن شعرت بالرعدة تسري في جميع بدني، إذ الساعة آذنت، وإذ دقات الزمن توالت، وهي بعد لم تعد، وطلعتها لم تقتبل، وجعلت أجيل البصر وحيد، مطرق الرأس، منكس الجبين إلى فسحة الطريق، ومرمى السبيل. وأنا لم أنبئك بعد أي هيام مجنون أرسلت هذه المرأة في نفسي، وأي نار طائشة هوجاء أضرمت في وجداني. ولم أكن أحب غيرها في نساء الدنيا، وكنت أتصور اليوم الذي أعيشه بدونها قدراً أروع من الموت،
стр. 2016
وفاجعة أشد إرعاباً من الفناء وإذ ذاك جعلت أجهد نفسي إن أقطع بيننا الرابطة، واستحث فؤادي على أن أبدد العلاقة، ورحت في ضميري أدعوها مائة مرة الفاسدة، ونعتها الغادرة الخائنة، ورجعت إلى سجل آلامي التي عاينتها منها. أستعيدها ألماً ألماً، وأذكرها عذاباً عذاباً، واأسفاه!. . عند ذكرى جمالها المشؤوم. وحسنها المميت، أي ألم لم يهدأ، وأي حزن لم يسكن وأي غضبة لم تفتر وتهن. . .!
وبدأ الصبح، وأشرق النور. . . وأنا لا أزال عند الشرفة متعباً من الإنتظار، ذابل الجفن من أثر التهويم، ففتحت عيني أستقبل بها الفجر الوليد، ورفعت محجري أشهد اليوم الواثب من مهده، وتركت بصري الزائغ يمرح في الطريق ويدور، ولكني لم ألبث أن سمعت وقع أقدام عند منعطف السبيل، وملتف الشارع الصغير. أي إله السموات. أي رب العظيم. إذ بي أراها هي بنفسها. أواه هذه هي قد دخلت بيتها. . . من أين كانت قادمة. . . ماذا كانت تصنع الليلة. . . أجيبي من الذي يقودك هذه الساعة، في أي مكمن رقد لي الصباح هذا البدن الجميل. وفي أي فراش امتد هذا الجسم البض الناعم وأنا عند الشرفة مسهد العين، وحيداً، ندي الجفن. أنبئيني في أي سرير، وأي خلوة، وأي مضطجع. من كان الساعة يشهد ابتساماتك، ويرى مشرفة أساريرك، إلى أي رجل كنت تضحكين، وأي فتى كنت تقبلين، أيتها المرأة الملوثة. أيتها الوقاح الفاسدة. أتراك جئت تعرضين فمك للثماتي، ورضابك لرشفاتي. . . ماذا تريدين مني، وماذا تسألين. أي ظمأ مخيف بعثك الآن على أن تأخذيني بين ذراعيك العاطشتين، وتحتضنيني بين ساعديك الظامئين الناضبين. أيتها المرأة الخائنة اذهبي عني. . . ويا شبح عشيقتي انطلق مبعداً قصياً. ادخل قيرك الذي منه نشرت، وحفرتك التي منها بعثت. دعني أنسى إلى أبد الأبدين شبابي، وإذا أنت يوماً هجت بي الذكرى، وعدت إلى الفكرة، فلا تصور أنني تصور أنني في منام، ولا تخيل إنني في حلم.
إلاهة الشعر
هون عليك يا شاعري إني استحلفك، ورفقاً بنفسك إنني أتوسل إليك. لقد أرعدني كلمك وأزعجني حديثك: حديثك. أي فتاي المحبوب. إن جرحك لا يزال يريد أن ينتقض. ولا يزال يطلب أن ينفتح. وا أسفاه. إنه جرح ولا ريب عميق، وطعنة ولا شك نجلاء وكذلك
стр. 2017
جراحات الحياة ما إن تزل بطيئة البرء، وهموم هذه الدنيا متوانية الشفاء، فعليك إذن بالنسيان واطرد من روحك اسم هذه المرأة، وامح من صفحة نفسك أثر هذه الغادرة.
الشاعر
اللعنة عليك أيتها المرأة الأولى التي علمتني عذاب الهجر، ولقنتني نقيضة الخيانة والغدر. وذهبت بعقلي رعباً، وأطارت لبي حنقاً وغضباً، خزياً لك وعاراً يا ذات العين الظمياء التي قبر حبها المشؤوم فصل الربيع من حياتي - ودفن أيامي الحلوة الحسناء، يا من صوتها وابتسامتها ورنوتها الخادعة، ونظرتها الغاوية علمتني أن أذم السعادة، وألعن الراحة والهناء، ويا من شبابها ومفاتنها بعثتني على اليأس، إذا كنت الآن أشك في صدق الدموع وأستريب لغة العبرات، فذلك أني رأيتك تبكين وألفيتك تذرفين ماء الشؤون وتجهشين. خزياً وعاراً أيتها المرأة. إذ كنت أشد بلاهة من الطفل، وأنقى ذهناً من الوليد، وإذ كان فؤادي متفتحاً لحبك كالزهرة للفجر،. . . بعداً لك أيتها المرأة وضلة. . . أنت أم أحزاني وأنت والدة همومي أنت جعلت جفني للدموع عيناً وجعلت عيني للبكاء مصباً ومصدراً ولكن ثقي أنها الآن تسح وتنهمل، لا حاجز يحجزها، ولا مانع يكفكفها. إنها تخرج من جرح عميق لااندمال له، ولكني من هذه العين الثرة، والصدر المنهمر، والسيل السخين المر، سأغتسل الآن وأتطهر، ثم أنفض عني ذكراك المرعبة، وأنطلق من أثرك الكريه المرذول.
إلاهة الشعر
حسبك أيها الشاعر حسبك. إذا كان وهمك في هذه الخائنة لم يلبث إلا يوماً واحداً، فلا تفسده إذ تتكلم عنها، ولا تشنه إذ تنبئني نبأها.
أيها الشاعر، أحترم حبك إذا أردت أن تكون محبوباً وإذا عز على الضعف الإنساني أن يغفر عن الآلام التي نالته من غيره، ووقعت به عن يد سواء، إذن فأغن عن نفسك ألم الحقد، وتحرج من الضغينة.
وإذا لم تجد في نفسك القدرة على العفو والغفران. فاستقبل عنه العزاء والنسيان. إن الموتى يرقدون بسلام في جوف الأرض، ويضطجعون في أحشاء الغبراء، إذن فلترقد كذلك عواطفنا المنطفئة، وليدفن جبنا الخامد، فإن لرفات القلوب ترابها. ولأشلاء الأفئدة رغامها،
стр. 2018
وخليق بنا أن لا نمس مضاجعها المقدسة أو نلمس بأيدينا مواقدها المباركة.
أيها الشاعر، لماذا تريد، أن لا ترى في قصة عذابك الأليم إلا حلماً موهوماً، وحباً مخدوعاً، وهوىً كاذباً، أتظن العناية الإلهية لا غرض لها من تعذيبك، ولا باعث لها على ألمك، وهل ترى في نكبتك مسرة لله الذي نكبك، ألا تعلم أيها الطفل أن الضربة التي منها تشكو وتئن قد أفادتك وحفظتك، لأن فؤادك من الضربة تفتح، ومن العذاب نضج.
أيها الشاعر. إن الإنسان طفل والحزن معلمه، ولن يتهذب حتى يحترق بنار الألم، ويخبز في موقدة العذاب، تلك شريعة صلبة قاسية، ولكنها سنة عالية سامية، قديمة كالعالم، عتيقة كالقدر، وكما ترى الحبوب لا تنضج إلا بالري والسقاء، تشهد الإنسان لا يعيش ويحس إلا بالدموع والبكاء.
أيها الشاعر ألم تقل أنك من جنتك قد أبللت ومن نزقتك قد أثبت، ألست فتى في مطارف الشباب، ومنعماً في إبراد الهناء، ومحبباً مكرماً في كل مكان، فهل كنت تعرف هذه المباهج الناعمة، والمسرات الرفيعة، لو أنك لم تذرف قبلها دمعاً، وتسكب أول أمرك عبرات وشؤوناً. لعمرك نبئني، هل كنت من فرح ترفع الكأس المترعة إلى شفتيك، عند منحدر النهار، على ضفاف النهر، بجانب صديق قديم، في مائدة خمر وشراب، لو لم تدفع من قبل ثمن هذا الفرح، وتقضي حق هذا السرور، خبرني هل كنت ستحب الأزاهر وتهوى الحقول النواضر، وأناشيد بترارك وأغنيات الأطيار، وصور ميشيل أنجلو، والفنون الرفيعة، وشكسبير والطبيعة، لو لم تجد في خلالها أنات قديمة وشهيقاً، وتشهد في أضعافها نحيباً وعويلاً، وهل كنت مدركاً من طلعة السموات الإنسجام المعجز، والإئتلاف المدهش وسكون الليل، وخرير الموج، لو لم تسهد عينك ليلة فبت للنجوم راعياً، ولم لم تصبك الحمى فبعثتك على تخيل الراحة الأبدية.
ليت شعري. أليس لديك الآن عشيقة حسناء، وخليلة فاتنة، وإذ تشد على يدها. عند الوداع، ألا ترى ذكرى آلام شبابك الأول تجعل ابتسامتها المقدسة أشد روعة، وأعذب تأثيراً، وأفتن نعمة، ألا تذهبان في أعماق الغابات المزهرة متنزهين، ألا تنطلقان الآن ذراعاً لذراع في صميم الأحراش اليانعة متصاحبين، ألا تمشيان فوق الرمل الفضي مختليين، ألست الآن وعشيقتك الحاضرة تسيران معاً وكما كنت العشيقة الأولى - في هذا الصرح الأخضر
стр. 2019
الناضر، تستهديان أشباح الحور البيضاء سنن الطريق، وتسترشدان بها عن منحدر السبيل، ألا ترى الآن، كما كنت من قبل، على ظل القمر وخيوط البدر، بدناً جميلاً متثنياً بين ذراعيك، إذن فعلام الشكوى، ولم الصراخ والأنين وقد نشر بفضل العذاب أملك الخالد، وأبل على يد العذاب رجاؤك الأبدي، وعلام إذن تحقد على التجربة الأولى، وتكره شراً جعلك خيراً مما كنت، ومصاباً هذبك وسما بك.
أي بني العزيز. لتشكر هذه الخائنة الحسناء التي أرسلت عبراتك، واحمدها أن أسالت ماء فؤادك. ألا أشكرها إنها امرأة، وقد قربها الله إليك لتحسن بعد العذاب سر العداء، وكان واجبها شاقاً، ومهمتها معذبة مؤلمة، ولعلها كانت تحبك، ولعلها كانت مولعة بك، وكانت تعرف الحياة، فعلمتك، وكانت بها خبيرة، فلقنتك، ثم جاءت امرأة أخرى فقطفت ثمر ألمك، وحظت منك بنتاج حزنك. أي طفلي العزيز. أشكرها. فإن حبك المحزن المخيب قد زال كالحلم، وثق أن دموعها لم تكن كذباً، وعبراتها لم تكن خدعة، أشكرها يا بني إنك تعرف إذ ذاك تحب. . . .
الشاعر
لقد قلت حقاً، إلاهة الشعر، ونطقت صواباً، إن الحقد شر، والبغضاء إثم، تثير رعدة مخيفة، ورجفة مرعبة، إذ ينتشر في الفؤاد دخانها، ويتصاعد في أعشار القلب بخارها، إذن فاستمعي إلي أيتها الإلهة وأنصتي، ثم لتقومي شهيداً على قسمي، عيناً ليميني.
أقسم يا ربة الشعر بعيني عشيقتي الزرقاوين، ولون السماء المصحية، بتلك الشعلة المتوهجة، والشرارة الساطعة التي يسمونها نجمة الزهرة. . . بعظمة الطبيعة، ورحمة الخالق، بالضياء النقي الطاهر الذي يرسله النجم لهدى الساري، ومفتقد الطريق بأعشاب المرعى، وسرحات الغاب، بالحقول الخضراء، والمروج الفيحاء، بقوة الحياة، وجلال الكون،. . . . أقسم يا أشلاء حبي القديم، وبقية غرامي الطائش المجنون. إني سأباركك في ذاكرتي، ويا أيتها القصة المظلمة الموحشة الراقدة في مضاجع الماضي المنسي الذاهب، إني سأقدسك في ثنايا ذهني وخاطري ومخيلتي، وأنت يا من حملت من قبل اسم العشيقة، ولقبتك لقب الحبيبة الصديقة، لتكن اللحظة السامية التي فيها أنساك، لحظة العفو والغفران.
إذن إلى الغفران، إذن إلى العزاء والصفح، إني الآن، أقطع رابطة الفتنة التي ربطتنا معاً
стр. 2020
أمام الله. وبدمعة متحدرة، دمعتي الأخيرة، أقرئك الوداع المستديم، وأتلقى منك الفراق الخالد.
والآن هلمي يا ربة الشعر، وتعالي أيتها الشاعرة الحسناء، نعود إلى الحب، ونتطارح ذكر الهوى. . . . وأسمعيني أغنية منك بهيجة مفرحة، كما كنت تطربينني في أيامي الأولى الراغدة، وزمني الماضي الجميل. وهذه نفحات الحقول، وعقبات الأزاهر، تنم عن مقرب الصباح، وتكشف الغطاء عن مطلع الضياء.
تعالي يا ربة الشعر أيقظي الحبيبة الجديدة من منامها، واجمعي أزهار الحديقة، واقطفي ورود البستان، تعالي انظري الطبيعة الخالدة تخرج من كلة النوم. تعالي نعود إلى الحياة في منبثق أول خيط من خيوط الشمس.
نصيحة
للشاعر محمود باشا البارودي
بادر الفرصة واحذر فوتها ... فبلوغ العز في نيل الفرص
واغتنم عمرك إبان الصبى ... فهو إن زاد مع الشيب نقص
إنما الدنيا خيال عارض ... قلما يبقى وأخباراً تقص
تارةً تنجو وطوراً تنجلي ... عادةً الظلل سجا ثم قلص
فابتدر مسعاك واعلم أن من ... بادر الصيد مع الفجر قنص
لن ينال المرء بالعجز المنى ... إنما الفوز لمن هم قنص
يكدح العاقل في مأمنه ... فإذا ضاق به الأمر شخص
إن ذا الحاجة ما لم يغترب ... عن حماه مثل طير في قفص
وليكن سعيك مجداً كله ... إن مرعى الشر مكروه أحص
واترك الحرص تعش في راحة ... قلما نال مناه من حرص
قد يضر الشيء ترجو نفعه ... رب ظمآن لصفو الماء غص
ميز الأشياء تعرف قدرها ... ليست الغرة من جنس البرص
واجتنب كل غبي مائق ... فهو كالعير إذا جد قمص
إنما الجاهل في العين قذي ... حيثما كان وفي الصدر غصص
стр. 2021
واحذر النمام تأمن كيده ... فهو كالبرغوث إن دب قرص
يرقب الشر فإن لاحت له ... فرصة تصلح للختل فرص
ساكن الأطراف إلا أنه ... إن رأى منشب أظفور رقص
واختبر من شأت تعرف فما ... يعرف الأخلاق الأمن فحص
هذه حكمة كهلٍ خابر ... فاقتنصها فهي نعم المقتنص
طرفة تاريخية
المساواة في الإسلام
حديث جبلة بن الأيهم
حدث المؤرخون قالوا: لما أسلم جبلة بن الأيهم الغساني - وكان من ملوك آل جفنه - كتب إلى عمر ﵁ يستأذنه في القدوم عليه فأذن له عمر فخرج إليه في خمسمائة من أهل بيته من عك وغسان حتى إذا كان على مرحلتين كتب إلى عمر يعلمه بقدومه فسر عمر رضوان الله عليه وأمر الناس باستقباله وبعث إليه بأن زال وأمر جبلة مائتي رجل من أصحابه فلبسوا السلاح والحرير وركبوا الخيول معقودة أذنابها وألبسوها قلائد الذهب والفضة ولبس جبلة تاجه وفيه قرطة مارية وهي جدته ودخل المدينة فلم يبقى بها بكر ولا عانس إلا تبرجت وخرجت تنظر إليه وإلى زيه فلما انتهى إلى عمر رحب به وألطف وأدنى مجلسه ثم أراد عمر الحج فخرج معه جبلة فبينما هو يطوف بالبيت وكان مشهوراً بالموسم إذ وطئ أزاره رجل من فزارة فانحل فرفع جبلة يده فهشم أنف الفزاري فاستعدي عليه عمر رضوان الله عليه فبعث إلي جبلة فأتاه فقال ما هذا قال نعم يا أمير المؤمنين إنه تعمد حل أزراري ولولا حرمة الكعبة لضربت بين عينيه بالسيف فقال له عمر قد أقررت فإما أن ترضي الرجل وإما أن أقيده منك قال جبلة ماذا تصنع بي قال آمر بهشم أنفه كما فعلت قال وكيف ذاك يا أمير المؤمنين وهو سوقة وأنا ملك قال إن الإسلام جمعك وإياه فلست تفضله بشيء إلا بالتقي والعافية قال جبلة قد ظننت يا أمير المؤمنين أني أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية قال عمر دع عنك هذا فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك قال إذن أتنصر قال إن تنصرت ضربت عنقك لأنك قد أسلمت فإن ارتددت قتلتك فلما رأى جبلة الصدق من عمر قال أنا ناظر في هذا ليلتي هذه وقد اجتمع بباب عمر من حي هذا
стр. 2022
وحي هذا خلق كثير حتى كادت تكون بينهم فتنة فلما أمسوا أذن له عمر في الإنصراف حتى إذا نام الناس وهدأوا تحمل جبلة بخيله ورواحله إلى الشام فأصبحت مكة وهي منهم بلاقع فلما انتهى إلى الشام تحمل في خمسمائة رجل من قومه حتى أتى القسطنطينية فدخل إلى هرقل فتنصر هو وقومه فسر هرقل بذلك جداً وظن أنه فتح من الفتوح عظيم وأقطعه حيث شاء وأجرى عليه من النزل ما شاء وجعله من محدثيه وسماره.
ثم أن عمر ﵁ بدى له أن يكتب إلى هرقل يدعوه إلى الله جل وعز وإلى الإسلام ووجه غليه رجلاً من أصحابه وهو جثامة بن مساحق الكناني فلما انتهى إليه الرجل بكتاب عمر أجاب إلى كل شيء سوى الإسلام فلما أراد الرسول الإنصراف قال له هرقل هل رأيت ابن عمك الذي جاءنا راغباً في ديننا قال لا قال فألقه قال الرجل فتوجهت إليه فلما انتهيت إلى بابه رأيت من البهجة والحسن والسرور ما لم أرى بباب هرقل مثله فلما أدخلت عليه إذا هو في بهو عظيم وفيه من التصاوير ما لا أحسن وصفه وإذا هو جالس على سرير من قوارير قوائمه أربعة أسد من ذهب وإذا هو رجل أصهب ذو سبال وعثنون وقد أمر بمجلسه فاستقبل به وجه الشمس فما بين يديه من آنية الذهب والفضة يلوح فما رأيت أحسن منه فلما سلمت رد السلام ورحب بي وألطفني ولامني على ترك النزول عنده ثم أقعدني على شيء لم أثبته فإذا هو كرسي من ذهب فانحدرت عنه فقال مالك فقلت إنا رسول الله ﷺ نهى عن هذا فقال جبلة أيضاً مثل قولي في النبي ﷺ حين ذكرته وصلى عليه ثم قال يا هذا إنك إذا طهرت قلبك لم يضرك ما لبسته ولا ما جلست عليه ثم سألني عن الناس وألح في السؤال عن عمر ثم جعل يفكر حتى رأيت الحزن في وجهه فقلت ما يمنعك من الرجوع إلى قومك والإسلام قال أبعد الذي قد كان قلت قد ارتد الأشعث من قيس ومنعهم الزكاة وضربهم بالسيف ثم رجع إلى الإسلام فتحدثنا ملياً ثم أومأ إلى غلامٍ على رأسه فولى يحضر فما كانت إلا هنيهة حتى أقبلت الأخونة يحملها الرجال فوضعت وجيء بخوان من ذهب فوضع أمامي فاستعفيت منه فوضع أمامي خوان خليج وجامات قوارير وأديرت الخمر فاستعفيت منها فلما فرغنا دعى بكأس من ذهب فشرب منه خمساً عدداً ثم أومأ إلى غلام فولى يحضر فما شعرت إلا بعشر جوار يتكسرن في الحلى فقعد خمس عن يمينه وخمس عن شماله ثم سمعت وسوسة
стр. 2023
من ورائي فإذا أنا بعشرٍ أفضل من الأول عليهن الوشي والحلي فقعد خمس عن يمينه وخمس عن شماله وأقبلت جارية على رأسها طائر أبيض كأنه لؤلؤة وفي يده اليمنى جام فيه مسك وعنبر وقد خلط وأنعم سحقهما وفي اليسرى جام فيه ماء ورد فألقت الطائر في ماء الورد فتعك بين جناحيه وظهره وبطنه ثم أخرجته فألقته في جام المسك والعنبر فتمعك فيها حتى لم يدع فيها شيئاً ثم نفرته فطار فسقط على تاج جبلة ثم رفرف ونفض ريشه فما بقي عليه شيء إلا سقط على رأس جبلة ثم قال للجواري أطربنني فخفقنا بعيدانهم يغنين:
لله در عصابةً نادمتهم ... يوم بجلق في الزمان الأول
بيض الوجوه كريمةٌ أحسابهم ... شم الأنواف من الطراز الأول
يغشون حتى ما نهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
فاستهل واستبشر وطرب ثم قال زدنني فاندفعنا يغنين:
لمن الدار أقفرت بمعانٍ ... بين شاطئ اليرمول فالصمان
فحمى جاسم فأبنيةالصف ... رمغنى قبائل وهجان
فالقريات من بلاس فداريا ... فكاء فالقصور الدوان
ذاك مغنى لآل جفنة في الدار وحق تعاقب الأزمان
قد دنا الفصح فالولائد ينظم ... ن سراعاً أكلة المرجان
لم يعللن بالمغافير والصم ... غ ولا نقف حنظل الشريان
قد أراني هناك حقاً مكيناً ... عند ذي التاج مقعدي ومكاني
فقال أتعرف هذه المنازل قلت لا قال هذه منازلنا في ملكنا بأكناف دمشق وهذا شعر ابن الفريعة حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ قلت إما أنه مضرور البصر كبير السن قال يا جارية هات فأتته بخمسمائة دينار وخمسة أثواب من الديباج فقال ادفع هذا إلى حسان وأقرئه مني السلام ثم راودني على مثلها فأبيت فبكى ثم قال لجواريه أبكينني فوضعن عيدانهن وأنشأن يقلن قوله:
تنصرت الأشراف من عار لطمةٍ ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني فيها لجاج ونخوة ... وبعت بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى القول الذي قال لي عمر
стр. 2024
ويا ليتني أرعى المخاض بدمنةٍ ... وكنت أسير في ربيعةٍ أو مضر
ويا ليت لي بالشآم أدنى معيشةٍ ... أجالس قومي ذهب السمع والبصر
ثم بكى وبكيت معه حتى رأيت دموعه تجول على لحيته كأنها اللؤلؤ ثم سلمت عليه وانصرفت فلما قدمت على عمر سألني عن هرقل وجبلة فقصصت عليه القصة من أولها إلى آخرها فقال أورأيت جبلة يشرب الخمر قلت نعم قال أبعده الله تعجل فانية لإشتراها لباقية فما ربحت تجارته فهل سرح معك شيئاً قلت سرح إلى حسان خمسمائة دينار وخمسة أثواب ديباج فقال هاتها وبعث إلى حسان فأقبل يقوده قائده حتى دنى فسلم وقال يا أمير المؤمنين إني لأجد أرواح آل جفنة فقال عمر ﵁ قد نزع الله ﵎ لك منه على رغم أنفه وأتاك بمعونة فانصرف عنه وهو يقول:
إن ابن جفنة من بقية معشر ... لم يغذهم آباؤه باللوم
لم ينسني بالشآم إذ هو ربها ... كلا ولا متنصراً بالروم
يعطي الجزيل ولا يراه عنده ... إلا كبعض عطية المذموم
وأتيته يوماً فقرب مجلسي ... وسقي فرواني من الخرطوم
فقال له رجل أتذكر قوماً كانوا ملوكاً فأبادهم الله وأفناهم فقال ممن الرجل فقال مزني قال أما والله لولا سوابق قومك مع رسول الله ﷺ لطوقتك طوق الحمامة وقال ما كان خليلي ليخل بي فما قال لك قل قال إن وجدته حياً فادفعها إليه وإن وجدته ميتاً فاطرح الثياب على قبره واتبع بهذه الدنانير بدناً فأنحرها على قبره فقال حسان ليتك وجدتني ميتاً ففعلت ذلك بي.
قطعة من فلسفة شوبنهور
(١)
الإستقلال الذهني
مكتبة صغيرة منظمة خير من عظيمة مشوشة وكذلك مقدار صغير من الأفكار قد نظم وركب في ذهن صاحبه خير من أكبر كمية من أفكار مشوشة قد جيء بها من ههنا وههنا.
الإنسان قادر باختياره على القراءة والتحصيل ولكنه غير قادر على التفكير. وإنما يشعل
стр. 2025
التفكير ويشب كما توقد النار بتيار من الوحي وزكي لهيب التفكير بالرغبة كما يزكي لهيب النار بمنفاخها. وهذه الرغبة إما أن تكون خارجية أي غير ذاتية (ويراد بهذا النوع من الرغبة ذلك الذي يبعث الإنسان على الإهتمام بكل شيء خارج عن نفسه لاستطلاعه وبحثه والتفكير فيه والكتابة عنه) أو تكون رغبة باطنية أي ذاتية (وهي التي تغذي الإنسان بالتفكير في ذاته وأحواله الشخصية والكتابة عن تجاربه وأحواله وعواطفه) وهذه الرغبة الثانية هي التي عنها يكتب معظم الكتاب. أما الأولى فهي مزية الفئة القليلة منهم أعني الفحول الذين هم مفكرون بالفطرة فالتفكير فيهم غريزة كالتنفس لكل ذي رئتين.
القراءة تدفع في الذهن أفكاراً قد تكون منافية لحالته أثناء القراءة منافية طابع الحديد للشمع اللين الذي يطبع بذلك الطابع. فترى أن الذهن يكابد في هذه الحالة أشد الإكراه والضغط من الخارج. وذلك أنه يرغم على التفكير في هذا المعنى ثم في ذلك مما لا رغبة له في ساعته.
وعلى العكس من ذلك إذا شرع الإنسان يفكر لنفسه فإنه لا عدو مجاراة خاطرة ومسايرة وجدانه مما قد أثاره في نفسه إذ ذاك شيء من الأشياء المحيطة به أو هاتف من هواتف الذكرى. ونحن لا ندعي أن المناظر المحيطة بالإنسان قادرة أن تنقش على صفحات ذهنه فكرة واحدة معينة محدودة كما تنقش القراءة ولكننا نقول أن المناظر المحيطة تمده بالمواد والبواعث على أجله الفكر فيما هو مجانس لطبيعته مؤتلف مع مزاجه في تلك اللحظة وهذا هو السبب في أن كثرة القراءة تسلب الذهن كل ما به من صفات المرونة واللين والرخاوة التي تجعله طيعاً في قبضة صاحبه يصرف عنانه كيف يشاء وكالعجينة يكيف شكلها كما يريد. ويكون الذهن في حالة إدامة القراءة وعد التفكير كاللولب الذي تبقيه مضغوطاً على الدوام تحت ثقل عظيم وعلى ذلك فإذا كان أحد الناس لا يريد التفكير فأحسن طرقة هو أن يتناول كتباً فيقرأ كلما وجد نفسه خلواً من العمل.
وهذا هو السبب في أن العلم يجعل أكثر أربابه أشد بلادة وحمقى مما كانوا بفطرتهم ويكلل مؤلفاتهم بالخيبة ويحرمها النجاح ويجعلهم كما قال الشاعر بوب لا يزالون يقرأون ثم لا تقرأ لهم كلمة.
العلماء هم الذين أطلعوا على محتويات الكتب أما المفكرون والنوابغ والأعلام الذين قادوا
стр. 2026
وأرشدوا فهم الذين قرأوا كتاب الكون وقلبوا صحائف الوجود.
وواقع أنه لا صدق ولا روح إلا في الأفكار التي نشأت واختمرت في ذهن الإنسان نفسه. إذ أن هذه الأفكار وحدها هي ما يفهمها المرء تماماً ويحيط بكنهها. فأما قراءته أفكار غيره فهي كتناوله بقايا طعام غيره أو لبسه منبوذ ثياب شخص سواه.
وأن نسبة الفكرة التي تقرأ إلى الفكرة التي تنبع من تلقاء ذاتها في ذهننا لهي كنسبة الأثر المتحجر من نبات كان في جاهلية الزمن (العصور السابقة للعصور التاريخية) إلى النبات الذي نراه بأعيننا غضاً مورقاً مونقاً.
هذا وأن كثيراً من الكتب لا تعدوا كونها مجاهل ومتائه وأن من عمل بها فإنما يركب متن الضلال ويلج في سبل الباطل، أما من استرشد بعقله أعني من فكر لنفسه وكان ذا بصرٍ فذلك يملك البوصلة التي تهديه المنهج القويم فيجب على المرء أن يقرأ إلا إذا غاض ينبوع فكره. وهذا كثير الحدوث حتى لأكبر المفكرين.
(٢)
المرأة
قد قلدت الطبيعة المرأة وظيفة تربية الأطفال لأن المرأة بفطرتها صبيانية الذهن قصيرة النظر حمقاء. أو بعبارة أخرى هي طفلة طول حياتها - هي شيء بين الطفل والرجل (صاحب الرجولة التامة). انظر إلى الصبية كيف تقضي اليوم أثر اليوم في ملاعبة طفل صغير ترقص معه وتغني له. ثم تصور لو أن صبياً كان مكانها مع الطفل فماذا كان يصنع؟ أكان يصنع مثلها؟
الطبيعة تهب الفتاة حظاً وافر من الحسن والملاحة لمدة بضعة أعوام قلائل أثناء الشباب ثم تسلبها بعد ذلك الجمال والسر في ذلك هو أن الطبيعة تمد الفتاة في تلك البرهة بالسلاح اللازم لاقتناص رجل يكون عائلاً لها وقائماً بشؤونها وحافظاً لحياتها. حتى إذا تم لها ذلك نزعت الطبيعة عنها ذلك السلاح. فالطبيعة تبدي في ذلك مبدأها الإقتصادي المعهود. وهو تقديم ذخائرها لأبنائها وقت الحاجة فقط. فشأنها في ذلك كشأنها مع النملة الأنثى متى حملت الجنين فقدت أجنحتها إذ لا لزوم للأجنحة بعد ذلك بل ربما كانت عقبة لها في سبيل تربية النسل. وكذلك تفقد المرأة جمالها بعد ولادتها مرة أو اثنتين لعله لعين ذلك السبب.
стр. 2027
وكذلك نرى أن الفتاة تعتقد أن شؤونها المنزلية والعائلية إنما هي مسائل ثانوية بل ربما عدتها تافهات يسخر منها ويهزأ أما المسائل الجوهرية والأمور الأساسية لديها فهذه هي الحب والمغازلة واقتناص القلوب وكل ما يدخل تحت ذلك من ضروب الحلى والزخرف وصنوف اللهو والرقص وما شاكلها.
لا يخفى أنه على قدر عظم الشيء وشرفه وكماله يكون بطء تكونه وطول مدة نمائه فالرجل لا ينضج عقله قبل الثامنة والعشرين من عمره. أما المرأة فتبلغ ذلك في الثامنة عشرة. ولكن عقلها ضيق النطاق قريب النظر. وهذا هو السبب في أنها تبقى طفلة طول عمرها لأنها لا ترى من الأمور إلا ما بين يديها ولا تتعلق إلا بالحاضر وتغتر بالظواهر فتحسبها حقائق وتؤثر الحقير على العظيم والتافه على الجسيم. وإنما بفضل العقل الراجح ترى الرجل لا يقصر نظره على الحاضر بل يمده إلى المستقبل والماضي ومن ثم ينشأ الحزم والتبصر والتدبير مما يمتاز به الرجال على النساء. وقلة اهتمام المرأة بالمستقبل هي التي تغريها بالتبذير المجاوز كل حد - المشرف على الجنون. فهي تحسب أن الرجل ما خلق إلا ليكسب لها المال وإنها لم تخلق إلا لتبدده.
المرأة مجردة من صفة العدالة والإهتداء إلى الحق ولذلك سببان - الأول هو ضعف الإدراك وقلة التبصير اللذان أشرنا إليهما آنفاً. والثاني هو أن الطبيعة لما وهبتها الضعف والوهن جعلت سلاحها المكر لا القوة. وهذا سبب ما ترى للمرأة من الكيد والحيلة وتأصل رذيلة الكذب في طباعها. وكما أن الأسود قد زودت بالمخالب والفيلة بالأنياب والثيران بالقرون فكذلك المرأة قد زودت من الطبيعة سلاحاً تدافع به عن نفسها - هذا السلاح هو الرياء - فالرياء في المرأة يقوم مقام قوة الجسم والعقل في الرجل. ولذا فالرياء هذا خلق غريزي في المرأة تستوي فيه الذكية والبليدة. فمن البديهي إذن أن تلجأ المرأة إلى الرياء عند الحاجة مثلما تلجأ الحيوانات الآنفة الذكر إلى أسلحتها التي أشرنا إليها عند الضرورة. ومن ذلك ينتج أن المرأة الصادقة التي لا ترائي هي إحدى المستحيلات. وينتج أيضاً ما قد عرف عن المرأة من سرعة استكشافها خلق الرياء في الرجل. ولا عجب فإن من يحاول إجازة الرياء على معدن الرياء لكمن يهدي المطر إلى السحاب فمن الحماقة والأمر هكذا أن يسلك الرجل مع المرأة سبيل الرياء ومن هذا الخلق (أعني الرياء) ينشأ ما يعرف عن
стр. 2028
المرأة من صفات الكذب والغدر والخيانة ونكران الجميل وهلم جرا. وقد ثبت في سجلات المحاكم أن النساء أكثر ارتكاباً لجريمة الحنث من الرجال ومما يشك فيه جواز تحليفهن اليمين وقبول شهادتهن وتشهد سجلات القضاء أيضاً أن قد يصادف من حين إلى آخر المرأة الغنية الممتعة بكل ما تشتهي وهي مع ذلك تعمد إلى الأمتعة في حوانيت الباعة فتسرقها.
وما كان قط لمن له مسكة من العقل أن يسند ذلك الإسم الجميل الجنس اللطيف لذلك الجنس الدميم الضئيل الضيق المنكبين العريض الكفل القصير الرجلين. فإن هذه المقابح هي جل محاسن ذلك الجنس. وأقرب إلى الحقيقة أن يسمين الجنس المعادي للجمال لجهلهن بالفنون الجميلة - الشعر والموسيقى وما يجري مجراهما. فإنهن لا طبيعة لهن البتة ولا استعداد ولا ميل ولا إدراك لشيء من هذه الفنون. فإن رأيت منهن تعلقاً بشيء منها فما هو إلا إدعاء باطل إذ يتخذن إحدى هذه الفنون ذريعةً للتقرب من الرجال قصد اصطيادهم. والحقيقة أن المرأة لا يهمها شيء سوى الرجل فميدانها الرجل وغايتها الرجل. والقلعة التي تريد مهاجمتها والإستيلاء عليها هي الرجل. ولذا فالرجل يجوز العلوم وهي تحوز الرجل. فإذا رأيتها تحاول إحراز شيء من الفنون فإنما تفعل ذلك لإحراز الرجل. فاشتغالها بالطلب والدراسة نفاقٌ ورياء ومن ثم قال روسو المرأة بوجه عام لا رغبة لها في الفنون ولا تفهم العبقرية ولا تملكها. . والذي لا يغتر بالظواهر لا بد أن يكون قد عرف ذلك في النساء. ومن لم يكن قد أطلع على ذلك الخلق فيهن فما عليه إلا أن يراقب حركاتهن في دار التمثيل أو في دار الموسيقى. فإنه إذا رأى اشتغالهن أثناء أبدع الفصول وأعجبها وطربها وأغربها بصنوف الأحاديث الصبيانية من فصول القول ولغو الكلام علم مقدار فهمهن للفن. . ولنعم ما كان قدماء اليونان يصنعون من منع النساء حضور التمثيل. فإن ذلك السبيل الوحيد لاستطاعهم سماع الموسيقى وألفاظ الممثلين. ولعله قد يحسن في أيامنا هذه أن يكتب على ستار المسرح ممنوع الكلام بحروف كبيرة.
ولا عجب فيما قد أوردناه ههنا من سوء انصراف النساء عن محاسن الفن إذا ذكرنا أن أعظم مشاهير النساء لم يخرجن قط للعالم من المؤلفات ما هو حقيق أن يعد في الطبقة الأولى من نتائج الذهن البشري وأبين ما يشاهد هذا في فن التصوير الذي قد عرف أن
стр. 2029
جزأه العملي هو سهل التناول على المرأة والرجل على حد سواء. فهن لهذا يتهافتن على الإشتغال بالتصوير. ومع ذلك فلست ترى لأنثى قط صورة مشهورة يصح مقارنتها بثمرات أنامل كبار الفن من الرجال. وذلك لتجردهن من الملكة التصويرية التي هي أس النجاح في ذلك الفن وإنما أقوى الملكات فيهن هي الملكة الوجدانية أي المنصرفة إلى ذاتية الإنسان ومتعلقاتها - وليس إلى تأمل الأشياء الخارجة عنه وتصورها (وهي ما قد سميناه بالملكة التصويرية). ولذا فالمرأة العادية لا إدراك عندها قط لمعاني هذا الفن (التصوير). وقد قال هويارتي في كتابه الذي لم يزل مشهوراً منذ ثلاثمائة عام أن النساء مجردات من الكفاءات العليا. على أن لكل قاعدة شواذ. ولكن النادر لا حكم له. فلا جرم إذا قلنا أن النساء بوجه الجمال ما زلن ولم يزلن سوقيات الأذواق (نسبة إلى السوقة وهم العامة) سخيفات الآراء ولذا لم يزل منهن محرضات لأزواجهن على كل خطة دنيئة وغاية سافلة. وكونهن سوقيات وسخيفات مع مالهن من السلطة والنفوذ في المجتمع هو سبب انحطاط المجتمع في هذا العصر الدنيء وفساده وما أصدق ما قاله شامفورت حيث قال إنما وظيفتهن العبث بحماقتنا وسفاهتنا وليس بعقولنا وأذهاننا فلا جدال في أنهن الجنس المؤخر. والذكور هم الجنس المقدم. فأقصى حقهن علينا هو أن نرمقهن بعين الصفح والتجاوز عن ذلاتهن. فأما إجلالهن واحترامهن فهذا بله منا وسخف وسفاهة لا ثمرة منه إلا أن يحقرنا في نظرهن والرجل مقدم على المرأة وهو أعظم شأناً منها وأرجح وزناً. وقد أحسن الشرقيون والقدماء في تفضيلهم الرجال على المرأة. لله درهم إنهم أنفذ بصيرة وأصح رأياً. وقبحنا الله إذ نقتدي بقدماء الفرنسيس في تقديسنا المرأة اتباعاً لمذهب الفروسية. . أسوأ العصور الوسطى وأسود بصماتها. وهل كان لهذا المذهب الفاسد - مذهب تقديس المرأة - من فائدة سوى أنه ملأ علينا ذلك المخلوق الضعيف خيلاء وغطرسة وطغياناً وعتواً. حتى صرنا يشبهن آلهة الهنود القردة المقدسة التي لشعورها بمنزاتها السامية عند عبادها قد أصبحت تظن أنها قادرة أن تفعل ما تشاء كما تشاء.
أما مركز المرأة أعني السيدة في أوروبا مركز كاذب لأنها لا تصلح - وهذا رأي القدماء وما أصحه - لما أصبحنا نخصها به من آيات التشريف والتقديس حتى عادت تشمخ على الرجل أنفاً وتقعد فوقه وتقدمه إلى صدور الحفلات والمجالس وتنافسه في حقوقه
стр. 2030
وامتيازاته. فحالتنا هذه قد أصبحت موضع استهزاء الشرق وسخريته. وأصبحنا نحن في نظر سكان آسيا أعجوبة وأضحوكة ولو بعث الله يونان وروما القديمتين لنظرتا إلينا كما ينظر الشرقيون الآن.
وخلاصة القول أنه لا بد من إنزال المرأة السيدة عن منزلتها الباطلة المكذوبة إلى مكانها الحقيقي. أجل إذا كان هناك مخلوق يجب محوه من الكون فهو السيدة الأوروبية لأنها خارجة عن نظام الكون. نحن لا نريد السيدة وإنما نريد ربة البيت الخبيرة بشؤونها العلمية بطرق تدبيره، المأدبة المتواضعة الخاضعة العارفة وظيفتها ومنزاتها وقدر نفسها. غير الشامخة ولا المتغطرسة ولا المتكلفة ولا السخيفة التي أضحكت منا أهل العالم بالحمق والجهل والإدعاء الكاذب. ويعجبني ما قال اللورد بيرون في هذا الصدد وهو من بعض رسائله مركز المرأة في يونان القديمة معقول مستصوب - مركزها الحالي بقية من وحشية العصور الوسطى - عصور الإقطاعيات والفروسية - وذلك أنه مركز كاذب مصطنع - الواجب عليهن الإهتمام بشؤون البيت - وأن يطعمن الطيب ويكسين الجديد - ولكن لا ينبغي إختلاطهن بالرجال أو دخولهن في حومة المجتمع ويجب تعليمهن الدين ومنعهن من الشعر والسياسة - وأن لا يصل إلى أيديهن من الكتب إلا ما كان خاصاً بالفقه والطبيخ. وقد أبصرتهن يشتغلن في إصلاح الطرق في بلدة إيبيراس فرأيتهن يجدن هذا العمل أهم.
(البيان) فماذا يقول دعاة السفور بعد كلمة هذا الفيلسوف الألماني الكبير؟
стр. 2031
باب تدبير الصحة
فرس الليل
أو الكابوس
كثير من الناس يعرفون ما هو الكابوس وهو المعروف عند الإفرنج بفرس الليل وكثير من العامة عندنا يسمونه حمار الليل ويقولون لمن تملكه الأرق ركبه حمار الليل ولعله من الأمثال الحكيمة وخدمة لمن كانوا سعداء ولمن يزورهم فرس الليل أشرح لهم حقيقة غابت عن الكثيرين.
فرس الليل هي حلم مزعج يصحبه إحساس بانقباض كأنه نشأ عن حمل ثقيل معيق للتنفس ومهدد بالإختناق ورغماً من جهاد النائم للتخلص من هذا الحمل وذلك الإختناق فإنه لا يقوى على التخلص ولكنه بعد جهاد عنيف يطول ويقصر تدركه رحمة فيستيقظ وكأنما أزيح عنه أثقل ما حمل الإنسان ثم يتمالك قواه ولكنه عادة يصاب بعرق غزير وخفقان في القلب وألم في الرأس وميل للنعاس. .
ويرى العلماء أن هذا الطارئ ينتج عن اضطراب في الدورة الدموية الرئوية والحشوية (البطن) أكثر من اضطراب في المخ أما أنا فأقول وعن اضطراب في الدورة المخية أيضاً ويأتي عادة في الساعات الأولى للنوم أكثر مما يأتي في الساعات المتأخرة. - أما أسبابه فالنوم قبل تمام الهضم والنوم والوجه مغطى والأنف مسدود وعدم راحة الرأس على الوسادة وامتلاء المعدة بالأدوية المختلفة الضارة - ولعلاج هذا الأمر يبحث عن السبب ويزال.
الجولان النومي
الجولان النومي كثيراً ما يصيب بعض الأفراد ويكون مصدر انزعاج للمريض وعائلته وهو عبارة عما يحصل للنائم من استيقاظه وقيامه وعيناه مغمضتان أو مفتحتان (وفي كلتا الحالتين لا يبصر) بأعمال غاية في المهارة والدقة إما عقلية أو يدوية وعند استيقاظه تماماً لا يذكر شيئاً مما حصل على الإطلاق ولا يجب إيقاظ المتجول على هذا الشكل وهو سائر خوفاً من سقوطه ولا يترك المريض بهذا النوع ينام منفرداً إذ ربما قام وجال على عادته ودخل من نافذة على أنها باب فسقط وكثيراً ما يحصل هذا ويجب إغلاق أبواب الحجرة
стр. 2032
والنوافذ جيداً خوفاً من هذا العارض.
ولعلاج هذا الأمر تقوية المريض بكل الوسائل وعدم السماح له بامتلاء المعدة عند النوم والتبرز قبله مباشرة ولو بالوسائل الصناعية (الحقن الشرجية).
الحمل ومدته
مدة الحمل عند المرأة ٢٧٢ إلى ٢٧٣ يوماً هذا إذا عرف تاريخ بدأ الحمل بالدقة كأن كان ناشئاً على الوطء مرة واحدة أما إذا جهل فيحسب من آخر عادة ٢٨٠ يوماً والمفهوم أن الحمل يحصل عادة قبل العادة دم الحيض بأيام أو بعدها ببضعة أيام وإذا عرف تاريخ آخر حيض أمكن معرفة يوم الوضع في الجدول الآتي:
يناير
٣١ يوماًفبراير
٢٨ يوماًمارس
٣١ يوماًأبريل
٣٠ يوماًمايو
٣١ يوماًيونيو
٣٠ يوماً٧٧٥٥٤٧أكتوبر
(نوفمبر) نوفمبر
(ديسمبر) ديسمبر
(يناير) يناير
(فبراير) أكتوبر
(مارس) مارس
(أبريل) يوليو
٣١ يوماًأغسطس
٣١ يوماًسبتمبر
٣٠ يوماًأكتوبر
٣١ يوماًنوفمبر
стр. 2033
٣٠ يوماًديسمبر
٣١ يوماً٧٦٧٧٧٦أبريل
(مايو) مايو
(يونيو) يونيو
(يوليو) يوليو
(أغسطس) أغسطس
(سبتمبر) سبتمبر
(أكتوبر)
ولعمل الحساب يؤكد من السيدة تاريخ آخر يوم انتهاء الحيض الأخير وعلى هذا التاريخ يضاف العدد المذكور بالجدول المبين أعلاه أسفل الشهر الذي انتهى فيه الحيض أخيراً.
والعد الناتج يعطي التاريخ من آخر الأشهر الموجودة بأسفل كل عامود الذي فيه تضع المرأة فمثلاً - آخر حيض للمرأة انتهى في ١٤ يناير فيضاف ٧ على هذا التاريخ أي ١٤ + ٧=٢١ فإذن المرأة تضع في ٢١ أكتوبر.
مثل آخر - لنفرض أن تاريخ آخر حيض انتهى في ٢٩ يناير فيضاف سبعة على هذا التاريخ ٢٩ + ٧=٣٦ أي في ٥ نوفمبر.
وهذا الجدول مؤسس على فرض أن الولادة تحصل بعد انتهاء عشرة أدوار حيض كل واحدة ٢٨ يوماً وعلى ذلك يكون الحساب تقريبياً والفرق لا يتجاوز الخمسة أيام زيادة أو نقصان.
وعلى ذكر الحمل والولادة أقول أن كثيراً من إخواننا علماء الدين سألوني رأيي في مسألة مدة الحمل وهل يمكن أن تطول أكثر من الزمن المعلوم فأقول بياناً لذلك أن الحمل بمعناه الحقيقي أي بوجود الجنين في حالة حيوية لا يمكن بحال من الأحوال إنما يمكن أن يحصل إجهاض في بحر مدة الحمل وعوضاً عن أن يقذف الجنين خارج الرحم يستمر في الرحم ويمتص أو تتكمش أجزاؤه وتتكلس وتبقى ما بقية المرأة إلا أن يزول بعملية جراحية أو خلافه وكذلك في الحمل خارج الرحم قد يقذف الجنين في البطن ويمتص أو تتكلس أجزاؤه أيضاً ويبقى في البطن في حالة غير حيوية بالمرة سنين طويلة ربما بلغت ثلاثين عاماً أو
стр. 2034
أكثر.
من ذلك يرى أن الحمل الحقيقي لا يستمر أكثر من الميعاد القانوني إلا في ظروف استثنائية لبضعة أيام أو لسنين عديدة ولكن في حالة غير حيوية بالمرة.
стр. 2035
تفاريق طبية
(١) أسرع السموم فعلاً حمض الهيدروسنيك إذ ربما قتل في بضع ثوان.
(٢) الأطباء أقل الناس أعماراً.
(٣) الصداع من أسبابه الشائعة الإمساك.
(٤) إذا أردت أن لا تصاب بمرض الكاتب فعود نفسك أن تكتب معتمداً على كتفك أو على منتصف الساعد وإياك أن تعود نفسك الكتابة معتمداً على إصبعك الخنصر أو على الرسغ ومعنى ذلك إلا تجعل محل التثبيت الخنصر أو الرسغ ومرض الكاتب مرض ينتاب الكاتب وسائر ذوي الحرف اليدوية وله أدوار تبتدئ بارتعاش اليد وعدم القدرة على إمساك الآلة (القلم مثلاً) ثم الارتجاف ثم التراخي والشلل والعلاج الوحيد الذي توصل إليه الطب إلى الآن هو الراحة من العمل المسبب والكهرباء بقيود مخصوصة.
(٥) المراحيض على الطريقة الإفرنجية لها فوائد جمة منها الراحة المطلقة للجالس عليها حتى يمكنه أن يقرأ كتاباً بدون ملل أو كلل وهي في الواقع تعلم الأمعاء أن تؤدي وظيفتها بدون مساعد لها لا كما هو الحال في الكنف المصرية التي بضغط الفخذين والركبتين على البطن تساعد على التبرز ولتلك أيضاً ميزة هي أن تجعل المرء أقل عرضة لمرض الفتاق لأن الرجلين بتدليتهما تشدان جدر البطن فلا تسمح باتساع الحلقة الأوربية على عكس الجالس القرفصاء فإن العضلات ترتخي ويسهل تمدد هذه الحلقة وهي التي عادة يسقط فيها الفتق.
(٦) كثيرون يحبون الدوش بالماء البارد الآن - لا بأس به ولكن بشرط أن لا يكون بعد مجهود مباشرة أو عقب تناول الغذاء. أو قبل الخروج للرياضة.
الدكتور محمد عبد الحي
следующие страницы →