Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
وأين - لا أين - تبتغون الجدوى من غير متطلبها، إن الذي يسره أن يصلح من حال أمته وينشؤها نشأة فاضلة كريمة يعمل على أن يغرس الفضيلة في الأمهات اللواتي يربين شبان الغد في حجورهن، ويخلق التهذيب في تلك المدارس الأولى لنشأتنا المرجوة المخائل، هناك فلتقرّ عينه بأمة رشيدة عاقلة، وشعب سامٍ نبيل، والله المستعان.
стр. 2312
جولة في الأصيل
معربة عن الانكليزية بقلم حضرة الكاتب الشاعر الأشهر محمود أفندي عماد:
أعط الفكر هدنة، ودعنا نخب في أحشاء هذه المروج الخضر، ونتسنم متن ذلك الساحل الرملي، أو ننحدر إلى مسارب تلك الغابة الغلباء، طائرين بأجنحة الخيال بين مجاهلها الموحشة لنشهد الطبيعة تختال في ثوب عرسها القشيب.
اطرح آنة ما صحفك الميتة التي كنت تقرؤها في ليالي الشتاء لترى فيها وصف غيضة أو غدير، وحسبك فاقرأ هذه الصحيفة الحية، صحيفة الطبيعة الحكيمة ن واجمع من أساطرها نخبة صالحة من العظات البالغات، فما أرى كل نجم أو شجر أو ورقة أو زهرة غضة كانت أو يابسة ألا تحتوي على سفر ضخم مكتظ بالحكم الرائعة، والطرف المستملحة فلنقرأ ثم لنقرأ، ولننهب بالعين مخبوءات هذا السفر القيّم.
رويدك وانظر قبل أن نغادر عتبة الدار هذه الزهرة التي يسمونها (فلة الوادي) واقرأ طرفتها المعلقة بأجراسها المتدلية البيضاء، أنها لا تنبت على جوانب الطرق العامة حذراً من أن تلهبها شمس الظهيرة المحرقة، وهي ليست على شيء من حب التبرج المكذوب والظهور الخادع، بل تراها قانعة بقميصها الأبيض العادي الذي يتضوع من أردانه ريحها الطيب فيرشد المعتسف إلى منبتها الخفي البعيد.
وفي الوقت الذي تطأطئ فيه أترابها الشامخات رؤوسهن أمام سلطان النسيم القاهر تتنفس هي بسكينة ورفق في مخبئها الوادع الأمين، وسواء عليها مرت الريح رخاء تتخلل ثنايا الكروم الدانية أو نكباء تنطح هامات أشجار الحور والبلوط العالية فتحطمها بشراسة وبأس:
وكذلك النفوس المتواضعة لا تشعر كثيراً بضربات القضاء المتوالية التي تهز بقوة عرش الملك العظيم.
وليست العلياء على منعتها إلا رصداً للمهالك، فلنقنع ولنتواضع نعش في سكينة وسلام، ولكن هلمّ، فقد أبطأنا، وتسلّل برشاقة وحذر لئلا توقظ زهر (الزعفران) النائم أو يراك (الأقحوان) اليقظ الذي يولي وجهه دائماً شطر قرص الشمس، وانظر على كثب منه (زهرة الربيع) التي كأنما أضناها الحب فنكست رأسها لتخفي صدرها المجروح أو زهرة (الدمروز) الملساء ذات الطرف الساجي، وإلى جانبها زهرة (الهندبا) التي تذكرني بالتلميذ يمرح زماناً في ثوب المدرسة الذهبي، ثم تمسه يد القسيس فإذا هو في ثوب روحاني
стр. 2313
ساذج.
أو هل بصرت بتلك الزهرة الحزينة، زهرة (الهيكنت) التي يقولون إنها تحيا الليل باكية والنهار منكسة الجبين؟
لله ما أنضر هذا الحقل، وأبهج منظره الذي ترتاح إليه النفوس، إنه كصبي غض الصبا يخب لاهياً في طيلسان من حرير وقد تهدلت على كتفيه خصل شعره الناعم الأثيث ولكأني بالنجوم التي تنتثر في زرقة السماء أقل عدداً من زهرات (كأس الملك) المنتثرة في خضرة هذه الأرض وقد تخللتها زهرات الأقحوان، لشد ما عانى الفلاح الماهر في تهذيب هذه الغروس وتشذيبها وأخص من بينها أشجار (التنوب) الصلبة فنشطت تحمل سلالها الذهبية.
على رسلك يا صاح، ولا تدن منها، فإني لأشفق عليك من نصالها المشحوذة التي تدب بحماس عن زهراتها المتدلية.
لقد زعموا أن (الأرواح) يألفن كثيراً هذه الأشجار ويهرعن إليها إذا جن الليل جماعات جماعات، وفي يد كل واحدة منهن زهرة من زهرات (كأس الملك) تحتسي بها سلسال النسيم العليل، ثم يأخذن في الرقص والطفر على وقع النغمات البعيدة التي ترويها الريح عن تلك القرى، أو سجعات البلابل الأنيقة التي ترددها عند انتصاف الليل.
وما أحسب هذه الدائرة الصغيرة إلا مكان التئام الحفلة، فهنا أتى أبيرون (ملك الأرواح) يقود رهطه على ضوء مشعلته الكبيرة وأخذ معه في اللهو والمرح ولعل ذلك هو سر ما نراه من احتشام الشاة هذه النواحي الخصبة، وتهيبها مراعيها على ما بها من نضارة وإيناع.
ويقولون إن هذه الأرواح لا يزلن على حالهن تلك إلى أن ينشطر الليل نصفين ويصيح الديك صيحته المعهودة، فيقفن رقصهن وزمرهن ثم ينصرفن أسرع من سنحات الفكر، ويتبعن (نصف الليل) أينما حل في أنحاء الأرض!!
هكذا ينسج الخيال نسيجه الشفاف، ويعجب العقل بهذا الصنع الدقيق، فيفلت من أسره، ويطير بجناحي النسر، محلقاً فوق الشمس.
ألم تر إلى تلك الغابة التي تكسو هذا المنحدر كيف تتموج أوراق أشجارها عندما يحركها النسيم فتعكس لوناً فضياً بهيجاً؟ خذ بنا إليها، ولنسلك هذا الدرب الأرنّ، ولنلقف بأسماعنا
стр. 2314
بعض ما يساقط علينا من الأنغام المطربة التي تعجز عن أن تخرجها الصنعة الموسيقية الحديثة.
أو تدري ما الذي يلقى إلينا بهذه الأنغام؟ أنها آلة دقيقة تطير حول الشمس يسميها الناس البلبل.
إن الطبيعة كثيراً ما تصر آلاءها في دائرة ضيقة!!
أنصت! ها هي البلبل تغنينا، ولا أحسب كل من لعب على سمعه شيء من غنائها بقادر على أن يفلت منه.
إنها لطائر ذات مروءة، تسعى دائبة في سرور غيرها، وليست كأولئك المغنيات اللائي يغريننا بأصواتهن المصقولة حتى إذا ما استعدناهن أشحن عنا متدللات متكبرات وتركننا بين الراحة والألم!!
وهذا هو (الحسون) الصغير، ذو الريش الجميل، يلتقط حبات (البابونج) ثم يقفز برشاقة على فروع (التفاح) المزهرة، فيتأنق في جلسته ما يشاء، ويحيينا بصوته الأغن.
ولا أراني ممارياً إذا قلت أني أضن به على القفص ولو أعطيت الدنيا وما فيها.
على أني أستميحك وقفة لدى هذا العش الصغير، أو إذا شئت ذلك البناء الحصين وأرجو أن تستظهره ببصرك وتستنبطه، ثم تفضي إليّ بما عساه أن ينالك من الدهش عندما تعرف أن (العصفور) لم يستعن على بنائه بآلة من آلات البناء!! فلا أثر لقاطعة تشذب شواذه، أو مسمار يربط أجزاءه، أو مبرد يصقل خشونته، أو غراء يلصق جوانبه، بل تراه غني عنها جميعاً بمنقاره الصغير!! وبناؤه مع ذلك آية في الدقة والأحكام!
فأية يد ماهرة تستخدم كل أسباب العمل، وتفرط فيه عقدين من السنين، ثم تغدو علينا بآخر يحكيه متانة وإتقاناً؟؟
ألا أن حقاً علينا أن ندهش ونعجب من هذه المهارة التي تفضل مهارتنا الفطرية أو لست ترى (النحلة) تلك الصناع الحاذقة، كيف تهزأ بالإنسان الذي يعمد إلى النماذج والأدوات عندما يراد على صنع جرم سداسي بينما هي لا تعمد في صنعه إلا إلى النظر؟ إنها لمهندس داهية كبير، أما رأيت كيف تبدأ بناءها بالسقف عندما نبدؤه نحن بالأساس؟؟
على أنها رغم ما تصرفه في هذا البناء من الجهد تظل هائمة بياض يومها بين الأشجار
стр. 2315
متنقلة من زهرة إلى أخرى بعزمة لا يتطرق إليها الملل.
فقل لأولئك (الكسالى) الذين حق عليهم القول إنهم يسرقون قوتهم هلموا فانظروا كيف تبتغي الحياة الشريفة من طريق الكد والعمل!!
لقد انكشفت حكمة الحياة لجماعات النحل فانطلقن يكدحن بعزم ومضاء، ولا قوت لهن إلا ما يصدفنه من المن، فإن العالم النباتي - ذلك الكيماوي الكبير - يقطر لهن الذهب فيستحيل إلى سائل عسليّ سائغ الطعم سهل المزدرد.
ولكن حسبك وانظر إلى الشمس، إنها تطرق أبواب المغرب تتهادى في غلالة ذهبية آية في الوراء، وتتسلل متباطئة خلف السحب المتقطعة القانية، وإن في فتور حرارتها وانحدار قرصها الأحمر ما ينذرنا بهجوم الليل.
رويدك أيتها الفارّة الحسناء، إن الأزهار الحزينة تنكس رؤوسها بوهن وخور فمديها بروح من عندك. .
أما وقد أظلنا المساء فلنعد أدراجنا ولنمر من بين تلك الأغصان المشتبكة لنلمح من خلالها الفضاء الأزرق المهيب الذي يسقف الوادي الفسيح المزدحم بالأكواخ وقد تكدست حولها كومات الأعشاب الذابلة، وإلى جانبها ينساب ذلك الغدير الفضيّ في حلة فضفاضة من حقول (البرّ وحشيشة الدينار) وهنالك على مدى البصر ترى غابات البلوط الكثيفة متلعة رؤوسها إلى السماء.
كل ذلك قد نسق بمهارة تنسيقاً يعجب الطبيعة.
فلله ما أسعد الرجل يشرب قلبه حب بلاده فلا يبتعد عن داره إلا بمقدار جولتنا هذه وهو لا يعدم خلالها وحشة تجذبه إليها حتى إذا عاد فوطئ عتبتها استشعر فرحاً وسروراً يحمد معهما العودة كما نحن الآن.
ذلك مثال مما يستقبل به الغربيون ربيع بلادهم، وهو وإن لم يخل من إبداع إلا أنه لا يعادل إبداع الطبيعة عندهم، فلقد خلعت على نواحيهم حللاً مفوّفة عريت من مثلها نواحينا، وصار حقاً على شعرائهم أن يبزوا شعراءنا في الإبانة عن خوالجهم كلما طلع عليها الربيع، فما صحيفة الشاعر إلى صورة لصحيفة الطبيعة في بلاده.
وذلك مصدر ما نراه من التباين في خيال الشعراء الغربيين والشرقيين، ولو أن لنا ما لهم
стр. 2316
من الغابات المرنة التي انفصلت عن الجنة لكان للخيال في نواحينا شأن آخر.
فلا يكونن هذا التباين مدعاة لتحقير الشاعر في الشرق، فهو إنما ينطق بما توحيه إليه طبيعة أرض وسمائه، وإذا كان ثمة تقصير فمرجعه إلى الوحي لا إلى الشاعر.
وما عسى أن يقول المسكين في ربيع لو لم تشعره به التقاويم السنوية لحسب أنه لم يطلع عليه بعد؟؟ فإن للربيع آثاراً واضحة لا تكاد تري العين بعضها في هذه البلاد إلى بمنظار يقيها (رياح السموم) التي تبث فيها (الصحراء الكبرى) تحياتها السنوية المعهودة إلى مصر والمصريين. .
فحسب الشاعر المصري في مثل هذا الفصل أن يشغل شعره بأكبار الطبيب الذي أبرأه من الحمى والرمد، لا أن يشغله بأكبار شيء لم تعرف له نفسه إلا النقمة الخالدة واللعنة المؤبدة. . . وهل الشعر إلا ما تعرفه النفس؟؟
يقولون إن ربيع هذا العام قد أظلنا، فهل هذا صحيح؟؟ إني لا أكاد أومن بما يقولون وإلا فأين ما قرأناه عن جوّه السجسج ونسيمه العليل؟؟
لا عهد لنا بشيء من ذلك، وكل ما في الأمر أنا انتقلنا حقاً من برودة حادة جمدت الدم في عروقنا إلى حرارة قاسية غلته فجأة فانبعث من مسام أجسامنا عرقاً حاراً صبيباً. . .
وليس ذلك إلا كناية عن خروجنا من الشتاء ودخولنا في الصيف، فأين الربيع؟
هذا هو السؤال الذي اختلج في نفسي عندما قرأت في (تقويم الأوقاف) خير حلول الربيع فنظمته في هذين البيتين.
يقولون بين الشتا والمصي ... ف ربيع أنيق اللباس خليع
وهذا الشتاء تولي حميداً ... وجاء الصيف فأين الربيع؟
وهما كل ما قلته في الربيع. . .
стр. 2317
اللغة العربية
لحضرة الأديب الكبير العالم المفضال الشيخ فؤاد الخطيب أفندي
لا جرم أن اللغة العربية أجزل اللغات السامية وأوسعها مجالاً وأحكمها استعمالاً.
لا يذهب مر العشي بسلاستها ولا يعبث كر الغداة بطلاوتها، ولقد طاحت دول وبادت ملل فاستسرت لغاتها وعفت آياتها، وتلك اللغة تدور مع الأحقاب في غلائل الآداب وغلواء الشباب، لا يرهقها هرم ولا يخلقها قدم، فكأنها وهي ابنة القرون الخالية والأمم الماضية، نشأت في اليوم الحاضر أو أمس الدابر، فجاءت دفعة واحدة مستوفية أقسام جمالها وصحة أبنية أسمائها وأفعالها، تجول بها أسلات الألسنة وأطراف اليراع، في صدور المحافل وبطون الرقاع، فتنتظم فوائدها وتعقل شواردها فلا تشذّ نادرة ولا تند بادرة.
أجل، إن السيف الباتر والجبروت القاهر والمكاتب المتماوجة بالزحام والمدارس المكتظة بالطلاب والصحف الذائعة في الآفاق والوفود الضاربة في الأصقاع - لم تحول لغة عن أصلها ولم تجذب أمة بحبلها، فأين ذلك مما وقع للعربية مع تلك الشراذم البدوية، فإنها لم تنهب الأرض في قطار ولم تجزع الفضاء في منطاد ولم تمخر البحار بالبخار بل جابت المسارح ورادت المكامن وطافت المجامع، فولجت كل مصر وسكنت كل نفس وقالت لكل شيء: حسبك فإنك عربي منذ اليوم.
فسقى الغيث ذلك العهد القديم، ورعى الله ذلك العربي الصميم فلقد كان نوراً في الظمات وهدىً في الشبهات، إذا جال في مضمار الفكر، وراوح بين النظم والنثر، صور على الطرس حقيقة النفس فناجتك بأسرارها، وحدثتك بأخبارها، فإذا الغيب تكاد تراه عيناك، وإذا الوهم تكاد تلمسه يداك.
فهكذا الأدب وكذلك العرب، فلقد سبروا غور العلم ومشوا إلى أعماق الفهم.
فانتزعوا العقول من عقالها واستلوا الوجود من العدم واستخرجوا اليقين من الريب وتغلغلوا بين الذرة وأجزائها، وتسربوا بين العصا ولحائها، وكانوا وكل سحر غير سحرهم باطل، وكل بلد خيموا فيه بابل.
اللهم سبحانك، أينطق العربي بالحكمة الناصعة ويهتف بالقافية الرائعة، فتكاد لحلاوة أبياتها تقبل أفواه رواتها - وهو في ذلك المنقطع من الأرض، يهيم في ظلمات بعضها فوق
стр. 2318
بعض، إذا مشت عيونه ففي صميم القفز وإذا وقفت به فعلى أديم الصخر.
فلا يزال في الوجود كالمثل الشرود، تتلقفه الأقطار وتتخطفه الأسفار، فمن هضاب يحوم فيها كالعقيان إلى بطاح يعسل فيها كالسيدان، ومن مجالدة زعزع نكباء تنسف التلال، إلى مكابدة هاجرة سجراء تأكل الظلال.
فما ثم مرتع شائق فيستمد من جماله البيان، وما ثم مورد رائق فيمتح من عذبه اللسان، وإنما هي أرجاء عابسة وبيداء طامسة، تجول فيها الأفكار فتكل وتدور فيها الأبصار فتضل.
فسلام على تلك الجزيرة الجرداء ومرحى لتلك المجاهل الخلاء فوالله ما تعوزها الرياض مبثوثة الزرابي والأنماط، ولا الحقول مبسوطة البرود والرياط، ولا النمير يترقرق على حصباء تتألق، فقد نبتت فيها حسنات الزمان، وتفجرت منها ينابيع العرفان، فغنيت بنضرة الآداب عن بهجة الأعشاب، وبكمال السكان عن جمال المكان، بل كانت مسبح الروح الأمين وموئل الدنيا والدين فتبارك الله أحسن الخالقين.
فأي نياط لا يتقطع، وأية مهجة لا تتصدع، فقد أودى أولئك الكرام، وتنكرت تلك الأيام، حتى تبازى الرهام، واستنسر الحمام، ولم يبق غير أمة مكسال، لا تتحرك إلا بزلزال، ولا تقطع من أشواط الدهر، إلا مسافة العمر إلى القبر.
فأين بنو قحطان، وفتيان عدنان، فيهبوا بالنفوس من غمرتها، وينهضوا باللغة من كبوتها، فتلك مفاخر بلادهم ومآثر أجدادهم، ملء الأنجاد والأغوار وطلاع الدفاتر والأسفار، وأنها لتنطوي بالمرء مراحل العصور والأجيال، وتطل به على عالم الحقائق من ملكوت الخيال.
أما والله لولا تنطس بعض المتزمتين وسدهم على اللغة أبواب التعريب والاشتقاق فحجروها في الحواشي وأقبعوها في المتون، لما ازورّ الطلاب عنها وامتلأوا نفوراً منها وكأن العلم كل العلم أن يمضغ المرء كلام غيره ويلوك أقوال سواه، فيتشدق بالمذاهب العقيمة ويتبجح بالأمثال السقيمة، وإن قعد به العجز عن إنشاء فقرة وتصوير فكرة، ولم يغن عنه سواد الحدود والمصطلحات، وما أفتن فيه من الشواهد والنكات.
ولا بدع فإن الأصول وسيلة والأنشاء غاية، ولشد ما بينهما من شاسع الفرق وواسع البون وكم بين الماء والسراب، والقشور واللباب.
стр. 2319
وأما من رزق قريحة وقادة وبصيرة نقادة وأحاطة بما لا مندوحة عنه من قواعد اللغة وأصول العربية، ثم راض نفسه على مزاولة أساليب العرب ومناحيهم وتوفر على مطالعة تراكيبهم ومراميهم، فقد اكتسب من ملكتهم ما أخرجه إلى لهجتهم، فبات وما يعترضه عيّ ولا ترتهنه لكنة ولا تتحيف بيانه عجمة.
وهل البلاغة لعمري إلا بصقال الديباجة ومتانة الأسلوب وحلاوة الأداء، لتكون المعاني أعلق بالخاطر وأسرع في السمع وأفعل في النفس، أرأيتك وقد ثقفت الألفاظ المتخيرة وعرفت أين تضع يدك في سبكها وتأليفها، كيف تهز القلوب وتخلب الألباب وتملك قياد الأهواء.
ولله در أبي هلال العسكري إذ قال في الصناعتين إن مدار البلاغة على تحسين اللفظ، وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صواباً وقال ابن الأثير أن اللفظة الواحدة تتنقل من هيئة إلى أخرى فتحسن أو تقبح، هذه كلمة (الأرض) فإنها لم ترد في القرآن الكريم إلا مفردة سواء أفردت بالذكر عن السماء كما في قوله تعالى (والله أنبتكم من الأرض نباتاً) أو قرنت بالسماء مفردة كما في قوله تعالى: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) أو مجموعة كما في قوله تعالى (الله الذي خلق السموات والأرض)، ولو كان استعمالها بلفظ الجمع مستحسناً لكان هذا الموضع أو شبهه أليق به، ولما أراد أن يأتي بها مجموعة قال: (لله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن)، وكذلك قول أفصح الخلق لبعض النساء (ارجعن مأزورات غير مأجورات)، وحسبك أن المعاني المنقولة من لغة إلى أخرى تفقد ماءها وتفارق صفاءها، وما ذلك إلا لأنها انسلخت من برودها المعلمة وانخلعت من قوالبها المحكمة فكانت شبحاً ناحلاً وخيالاً ماثلاً.
وليت شعري ماذا يضر المعاني إذا أجيدت لها المباني، فكانت شرعاً في المتانة وسواء في الصياغة ولاسيما وقد جاشت غوارب العجمة وفشت لوثة اللحن، ومست الحاجة إلى شد أواصر اللغة وتقويم منآد اللسان.
إلا وأنه لمن البر بالأدب والغيرة الصادقة على العرب، أن ينسج المتأدب على منوال الفصحاء ويطبع على غرار البلغاء فذلك تاريخ آبائنا يصيح بنا من ورائنا وكله دموع تترى لا ألفاظ تتلى (وما يذكر إلا أولو الألباب) والله الموفق إلى الصواب.
стр. 2320
شبابنا والإسلام
ترى الرجل المتدين - وأكثر ما يكون من المتقدمين في السن - فتسر، ثم
(البيان) بين شباننا اليوم أفراد مهذبون مستقلوا الفكر ذوو شجاعة أدبية اهتدوا بفطرتهم القوية إلى المنهج القويم في تربية أنفسهم فانتهجوه وأصبحوا قرة أعين أهليهم وأصدقائهم والغيورين على رجال المستقبل. . .
نعرف من هؤلاء الشباب الصالح - الشاب الفاضل محمد بك جلال نعرف منه شاباً يتقد ذكاء جمع بين حرارة الشباب ورصانة الشيوخ وقد أردناه على أن يكتب في البيان كلما بداله أن يكتب تشجيعاً له وانتفاعاً بمواهبه، وهذه هي الباكورة الأولى من ثمرات فضله.
لا تلبث حتى ترى أنه يعوزه شيء من نور الحقائق العلمية الحديثة فتأسف.
وترى الرجل الذي أصاب حظاً وفيراً من العلوم العصرية - وأكثر ما يكون من الشباب - فتطرب لحديثه، ونفاذ بصيرته واستنارته، ثم تلاحظ حاجته الشديدة إلى شيء من الدين فتألم.
تسر من الأول لأن تدينه يضمن بدرجة ما، تقدمه الخلقي واحتفاظه بالكمال ثم تأسف لجموده وعدم وقوفه على شيء من أسرار العلوم الحديثة، لأنه لو وفق بين الأمرين لا شك يجد مجالاً أوسع لخدمة بلده وعشيرته.
وتسر من الثاني، لأنه شاب في مقتبل عمره ومع ذلك تراه ملماً بكثير من أسرار العلوم مما يزيد أملك في نفعه، وتتألم لأن نقص دينه نقص في دوافعه إلى الخير، وفي زواجره عن الرذيلة، وتأسف ثانياً وتعجب أكثر، لأنك ترى تقدمه في العلم فتقرر النتيجة المنطقية الواضحة وهي أن استعداده الفكري الذي أهله لدرجته العلمية كفيل بأن يفهمه الحقائق الدينية ولكنك لا ترى ذلك في الواقع.
تلك هي حالنا اليوم يضحك الفريق الأول من الثاني ويسخر هذا من ذاك يظن الأولون أن العلوم الحديثة مؤثرة على العقيدة، نزاعة بالمرء إلى الخروج عن أوامر دينه ونواهيه، ويرى الآخرون أن لا طائل تحت التمسك بالدين، وبعضهم يظن أن الدين لا يساعد على الرقي وخصوصاً المادي منه.
أن أنس ما أنس كلمة سمعتها من ناشئ لم يتجاوز الخامسة عشر بعد، زرت أخاه، فاجتمعت به، ثم أخذت أسأله عن سيره في دروسه، فما لبث أن قال: إني لا أبغض من بين الدروس
стр. 2321
غير درس الديانة لأنه ثقيل وقد أخذت فيه درجة أقل من العلوم الأخرى.
علقت هذه الكلمة بذاكرتي علوق الدرن بالرئة فأخذت أفكر في سبب بغض الطلبة تعلم دينهم وأبحث في سبب بعدنا عن الفكرة الدينية.
إنا لا نتلقى في عهدنا الأول، أيام تثمر التعاليم أي في دور التربية المنزلية شيئاً من أركان الدين وقواعده، حتى نصل إلى سن (الكتاب) فنتلقى شيئاً، بطرق عقيمة، على فقهاء من الطراز القديم، فلا نخرج من المكتب إلا ونحن ناسون.
أما في المدرسة، فالحصة المقررة للديانة لا تكون إلا بعد انتهاء الدروس وهذا أمر يؤثر على الطلبة من جهتين.
أولاً: يجعلهم ينظرون إليها نظرة ثانوية ويعتقدون أنها ليست على شيء من الأهمية.
ثانياً: يكون قد مضى على الطلبة وقت كبير يشتغلون أشغالاً عقلية، فلا يستطيعون فهمها كما يجب.
هذا النظام شائع في مدارس الحكومة والمدارس الأهلية اللهم إلا مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية.
وليس من العدل أن ننسب بعدنا عن الفكرة الدينية إلى طريقة تعليم الدين في المدارس فقط بل إن المرء لينشأ في أسرته فلا يرى أثراً للتعاليم الإسلامية فإما يرى أسرته قد مسخت وتطرقت إليها التعاليم الافرنجية مشوهة أو لا يرى فيها غير تعاليم إسلامية محرفة عن أصلها ففي الأولى يخلب لبه بتلك التعاليم التي تتبعها الأمم المتمدينة ظاناً أن ملأه خير ملأ يتبع نظام التطور والارتقاء ولو عرف الحقيقة لعلم أنهم ما أخذوا إلا سفاسف المدينة ونفاياتها.
وفي الحالة الثانية يرى ما يبغضه في دينه ويدعوه إلى التمرد عليه ولو علم حقيقة دينه لاستسهل أن يفدى تعاليمه الصحيحة بالروح.
حالان كلتاهما خطر على الدين وتشويه للحقيقة أما سفور وتبرج محرمان يظنهما المرء أشهى ثمار المدنية الغربية وأما جمود وتحريف في الأمور الشرعية نزاعان بالمرء إلى المروق من دينه.
يسمع من عشيرته أن من قرأ دعاء نصف شعبان مرت عليه السنة قبل أن يموت، يري أن
стр. 2322
هذا أمر لا يقبله العقل ومع ذلك رواته مسلمون فيظن أن هذا من الإسلام فيزري على هذا الدين لأنه لو قام حقيقة على مثل هذه التقاليد لكان هناك مجال للظنون.
يرى أن رأس أسرته يبرم الأمر دون استشارة محقراً رأي الأفراد الآخرين ويرى أن روح الصراحة معدومة بينه وبين أبيه وأبوه مسلم فينسب هذا إلى الدين مع أن الإسلام هو الدين الذي يعضد الشورى ويحض عليها.
ثم يظهر التحريف والخطأ المحض في الخطبة والزواج فيتم هذان الأمران دون استشارة مع أنه محور الأمر وإليه يرجع الرأي وهو الذي سيجني الفائدة إن وجدت ويحمل الضرر إن حدث فيظن أن هذا ناشئ من الدين.
ولا أبالغ إذا قلت أن سلطة الآباء ورؤساء الأسر في مصر وعلى الأخص في الأرياف تقرب مما كانت عليه في العهد الروماني.
وتظهر هذه المخالفات بل الطعنات التي يطعنها في الدين أهله منذ الصغر منذ توضع التمائم والأحجبة، عندما يتذكر المرء ذلك بعد أن يكبر يراه منافياً للشريعة.
مع أن الإسلام في حقيقته دين الفطرة دين التقدم والرقي وقد قص علينا التاريخ ما بلغ أسلافنا من الرفعة حين اتبعوا صحيح تعاليمه.
ويظهر الفرق بين الأسر المسلمة وغير المسلمة في اختيار المدارس فترى المسيحي واليهودي كل يختار لابنه مدرسة تكون بقدر الإمكان موافقة لروح ديانته، وتراهم يختارون المدارس ليهذبوا أبناءهم لا ليضعوهم بعد في الوظائف فتجد الرجل على فقره يعد ابنه للأعمال ذات الكسب فيعرف مثلاً أن اللغة الفرنسية مفيدة في التجارة فيدخله مدرسة فرنسية فإذا تعلم أخذه بجانبه فيساعده في أعماله ويتمرن عليها وينتهز فرصة خلو ابنه من المشاغل في المساء فيدخله إحدى المدارس الليلية كالقسم التجاري مثلاً أو الحقوق فلا يحرم نصيبه من عمل ينفعه في عمله أيضاً فيما بعد، أما نحن والحمدلله فلا أمل لنا إلا وظيفة في الحكومة كذلك علمنا آباؤنا قلا يهمنا إذا تربية كفاءتنا الشخصية ما دمنا سنصبح مرؤوسين نأتمر بأوامر سوانا.
وأقرب طريق لهذا المستقبل الباهر مدارس الحكومة حيث لا نتعلم شيئاً عن الإسلام.
وهنا أبين كيف تسلط على عقول البعض أن الإسلام لا يساعد على الرقي المادي.
стр. 2323
إننا نتربى كما بينت سابقاً على النحو الذي يرسمه لنا آباؤنا، لا يبلغنا شيء من حقيقة ديننا لا في البيت ولا في المدرسة، ونوع تعليمنا يقتل كفاءتنا وحب العمل على الاستفادة فلا ننجح ونحن مسلمون أستغفر الله مسلمون اسماً فقط ثم إذا قارنا بين أسرنا والأسر المسيحية نجد الثانية مرتقية، وحيث إن الآباء ليسوا على شيء من حقيقة الدين ولكنا نعتقد أنهم يعرفونه حق المعرفة لا نلبث حتى نعزي إلى الدين هذا التأخر والدين من ذلك كله براء. . ورحم الله الشاعر عمر الخيام إذ يقول يخاطب حضرة المصطفى ﷺ بما معناه - لقد زخرفوا لك دينك وقلبوه ظهراً لبطن حتى لو عرضوه عليك أنت لأنكرته - فاللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون.
محمد محمود جلال
стр. 2324
حفلة تكريم البيان
في أواخر شهر مارس الماضي - بعد ظهور العدد الرابع من بيان هذا العام ارتأى جماعة من أهل الفضل الغيورين على العلم والأدب أن يقيموا حفلة تكريمية لهذه المجلة لمناسبة مرور سبعة أعوام عليها، والحرى لذكرى ظهورها في مثل هذه الأيام من سنة ١٩١١ وأخيراً اعتزموا أن يكون برنامج هذه الحفلة كما ترى (١) أن تقوم جوقة الأستاذ عبد الرحمن رشدي الممثل المصري المشهور بتمثيل رواية جديدة توضع أو تترجم خصيصاً لهذا الغرض وتكون ذات مغزى مفيد (٢) أن يطرب حضرات المحتفلين أحد مشهوري المغنين (٣) أن يخطب في الحفل حضرات أصحاب العزة والفضل ابراهيم بك الهلباوي ومحمد أمين واصف بك وخليل أفندي مطران وحفني بك ناصف والدكتور محمد حسين هيكل والدكتور منصور فهمي والأستاذ سليم أفندي سركيس وحسن بك الشريف والدكتور عبده البرقوقي (٤) أن يطبع عدد ممتاز من مجلة البيان يكون فيه أثر لكل كاتب عصري معروف ويوزع ليلة الحفلة على المحتفلين، ثم شرعوا في إنجاز الفكرة وإبرازها من خدرها فاتفقوا مع جوقة الأستاذ رشدي ووكلوا إلى حضرة الأديب عباس أفندي حافظ ترجمة رواية فرنسية بديعة للغاية آثرها الأستاذ رشدي واستحسنها ورآها موافقة فأخذ الأستاذ عباس في ترجمتها ثم مصرها وأصارها بلباقته المعروفة رواية مصرية آية في الإبداع، بيد أن طوارئ خاصة ألمت بالأستاذ رشدي بعد ذلك حالت دون تمثيل هذه الرواية ولاسيما أنها جاءت بعد البرح البارح الذي عرا جوقته من جراء تمثيل روايات عدة جديدة في هذا العام فكان ذلك سبباً في إرجاء الحفلة وتغيير برنامجها إذ كانت النية أن تكون الحفلة في أواخر شهر إبريل. . . وإذ أن المراسح التي اعتاد الأستاذ رشدي التمثيل فيها كانت في ذلك الوقت مشغولة اضطر القائمون بأمر الحفلة أن يولوا وجوههم شطر جوقة أخرى ومرسح آخر فكان أن اتفقوا مع الأستاذ جورج أبيض على أن يمثل رواية عطيل لأن الوقت لا يتسع لتمثيل رواية جديدة وأن يكون الاحتفال في كازينو الكورسال عصر يوم الجمعة الموافق ١٧ مايو.
في أثناء الاشتغال بأمر الحفلة كتبنا إلى كثير من الكتاب أن يكتب كل منهم في أي موضوع يختاره هو وتجيش به نفسه فوعدوا جميعهم، غير أن أكثرهم طال علينا طوله حتى سبب ذلك تأخر العدد وعدم ظهوره ليلة الاحتفال. . .
стр. 2325
أما الخطباء فقد تأهبوا جميعهم للخطابة - ولكن لأن الصيف اشتدت وقدته، واحمرت حمارته، فأرغم أكثرهم على مزايلة القاهرة والهرب من هجيرتها ثم ألم بساحة بعضهم ما لم يمكنه معه أن يحضر الحفلة بتة - هذا إلى أن رواية عطيل استوعبت لطولها الوقت المقرر للحفلة على الرغم من أنهم حذفوا منها نحواً من الفصلين - كل ذلك لم يترك مجالاً لحضرات الخطباء أن يخطبوا حتى الذين حضروا الحفلة منهم لأن خطبهم كان أولى بها أن تلقى في حفلة قاصرة على الخطب لا يشركها في الوقت شيء آخر لأنها خطب مستوفاة لا كلمات مقتضبة مخطوفة، أما صاحب هذه المجلة فقد قام آخر الحفلة على الرغم من ضيق الوقت وألقى شيئاً من كلمته التي يراها حضرات القراء بعداً، وقد ألقى بعده حضرة الأديب الشاعر مجدي أفندي ناصف نجل حضرة صاحب العزة حفني بك ناصف بيتين نالا من الاستحسان ما يستأهلان، من هنا يدرك قراؤنا الأفاضل سر تأخر عدد إبريل إلى اليوم، أما من جهة حضرات المدعوين لمشاهدة الحفلة فقد كانوا من خيرتنا علماً وفضلاً وجاهاً إذ كان في طليعتهم حضرة صاحب المعالي عدلي يكن باشا وحضرة صاحب المعالي سعد زغلول باشا وحضرة صاحب السعادة محمود فخري باشا وحضرة صاحب السعادة أحمد زكي باشا وحضرة صاحب السعادة الحسيب النسيب سيد العراق السيد طالب النقيب وحضرة الأديب الكبير الشيخ فؤاد الخطيب أفندي وحضرة صاحب العزة العالم الفاضل الجليل نور الدين بك مصطفى وحضرة صاحب العزة الأصولي المفضال حلمي بك عيسى وحضرة صاحب العزة القاضي الفاضل السيد بك فوده والقاضي المبجل علي بك جلال وحضرة صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى عبد الرازق وكثير من أعيان المحامين والأطباء والأدباء والعلماء والوجهاء وأساتذة المدارس وطلبتها، مما دل على عناية القوم بكل ما هو بسبيل من العلم والأدب، والمطلع على هذين العددين يرى آثاراً طيبة لبعض علمائنا وأدبائنا مما وضعوه خصيصاً لهذين العددين لمناسبة هذه الحفلة وكلهم على أن سيوافوا البيان دائماً بما سيرضي قراءنا الرضا كله إن شاء الله.
أما كلمة صاحب هذه المجلة فها هي تي:
سادتي:
إني لأرى أن لكل منكم على ديناً من الفضل يجب أداؤه، وحقاً من الشكر يلزمني وفاؤه،
стр. 2326
فقد والله سقيتم بنداكم من هذا الضعيف أرضاً، وجعلتم عليه بهذا التكريم نافلة من الشكر وفرضاً، وحقق الله بكم أمل الآملين، وجعل رضاكم من ثواب العاملين، غير أني وإن بالغت في الثناء فما يحسن اللسان، أن يكافئ بعض ما قدمتم من الإحسان، ولو كنت صاحب ألف بيان. . .
علم الله يا سادتي أن هذا الضعيف الواقف أمامكم قد صارع الدهر في سبيل خدمته الأدبية فلم أزل أثير في وجهه غبار العزيمة، حتى ثار من خلفه غبار الهزيمة وكم أشرعت في نحره القلم وكم براه، ولكن الله أجارني وأجاره، وكم أوتر هذا الدهر قوسه ونبل، ورماني من أحداثه بعدد الحصى ورميته من نفسي بجبل.
يكاد صاحب المجلة العربية في بلادنا أيها السادة فيما يكابد من الناس وما يلقى من الأرزاء والإزراء في سبيل الإصلاح وما يجب عليه من الثبات لقاء ذلك - أن يكون كصاحب الكتاب المنزل في أول دعوته وفاتحة نبوته وهيهات يفلح إلا إذا صبر على المكاره كما صبر أولو العزم من الرسل فلو أني حدثتكم بما لقيت في سبيل هذه المجلة وما ألقى الله عليّ من عنت الدهر لرأيتم من أمري كأنما أهدم نفسي أمامكم قطعة قطعة حتى لا يبقى مني إلا هذا القلب وحده وليس فيه غير اليقين بعون الله والثقة بأهل الفضل.
ولو كنت أرمي بعملي هذا إلى الريح لكان أمساكي عن الإنفاق وترك المجلة من السنة الأولى ربحاً كبيراً، فما كانت تلك السنة إلا صدمة زلزلت فيها أركان ثروتي زلزالاً جعلها لا تتماسك فيما بعد! أقبل عليّ الناس بالطلب يتساقط كالمطر وأقبلت عليهم بالثقة فكنت أرسل أعداد البيان في مهاب الرياح الأربع وكان يخيل إليّ أنه يطير في الآفاق على أجنحة الملائكة ولما تم الحول رأيت أن الرياح لا ترجع بشيء وأن الملائكة لا يحصلون قيمة الاشتراك وأن الفساد في أكثر الناس يرجع سببه إلى النية الصالحة في بعض الناس.
يريد الأكثرون عندنا أن يقرأوا وأن يتأدبوا أن يجدوا في خدمتهم عقولاً كبيرة ونفوساً الهية من الشعراء والكتاب والفلاسفة ولكن على شرط أن يكون ذلك كله أو أكثره بلا ثمن بل سلف لله تعالى فإن انخدع بهم صاحب المجلة وذهب يؤاتهم على هذه الرغبة لم تكن الأسنة أو بعضها فإذا هو قد شقي بمجلته وأصبح يقلّب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية لا على عروشها، ولكن على غروشها، وما زال الفقراء عندنا يريدون أن يقرأوا ولا يستطيعون أن
стр. 2327
يدفعوا والأغنياء يستطيعون أن يدافعوا ولا يريدون أن يقرأوا، فمجلة البيان لبثت في حياتها تقاتل الموت ولولا ذلك لماتت.
لم أقصد أيها السادة إلى الربح من عملي ولا فكرت فيه ولا عملت له فإني أرى أن النفس المادية لا تستطيع أن تتصل حق الاتصال بمجموعة الروحانية التي تتألف منه جمهرة القراء وبالتالي فهي لا تستطيع أن تنبسط على هذه المجموعة شعاعاً ولا أن تخطر عليها نسيماً ولا أن تترقرق فيها ندى فإن غذاء الأرواح كغذاء الأزهار - بالنّير النّير والرقيق الرقيق، ولهذا كان كل أهل الإصلاح من الأنبياء فمن دونهم لا يبالون بالمال ولا بالغنى لمكان الاتصال منهم بتلك المجموعة ومكان الإفاضة عليها، ولهذا أيضاً قنعت قناعة الزهاد، ووقفت نفسي على ما قدّر لها من الجهاد وأبيت أن يكون اتصالي بالقراء من هذا النوع السوقي الذي يشبه اتصال البائع بالمشتري، وأنا أعلم يقيناً أن هذا غرض تتزلزل النفس من دونه ولا يثبت عليه إلا من كان حجراً تحت ضرس الدهر لا يقضمه ولا يهضمه.
فعلت كل ذلك لأنه مبدأ نشأت عليه في صحبتي للأستاذ الإمام حكيم الشرق وأكبر المصلحين فيه المرحوم الشيخ محمد عبده، فقد صحبته وأخذت عنه تسع سنوات كاملة بعد أن قطعت عمراً قبلها في الأزهر وكنت من الذين يدرسون وأخلاق الأستاذ ونفسيته العالية ويستمدون من روحه العظيمة ويقدّرون مستقبلهم على ما يرون من حاضره، ولو أنه ﵀ تفرغ لإنشاء مجلة لكان له منها أعظم الربح أو أعظم الخسار لأنه لا يبالي بكليهما ولا يسعى لأحدهما وإنما يكون الأمر صورة لذمم القراء. . .
ولما استأثرت رحمة الله بالأستاذ جعلت همي أن أستثمر أدبه فيّ فانصرفت نفسي إلى منزع من الإصلاح أتأتى إليه بعمل ينفع الناس ولم أر إلا الأدب واللغة والرقائق النفسية ففرغت للامتلاء من آثار الأولين والآخرين وما زلت أرصد في مراقب الأيام حتى خرجت من صحف الغيب في أوائل سنة ١٩١١ صحيفة البيان.
ولا أراني في حاجة أن أبسط لكم خطة المجلة ولا ما وقفتها عليه فقد مرّ على ذلك سبع سنوات وهي ربما أغنت في شرح ذلك عن سبعة السن ولكني أشهدتكم على قليل مما لقيت في سبيلها وما أنا بآسف ولا نادم ولا متبرم لأني جد واثق أنه لا يوجد اليوم في مصر المحبوبة رجل مفكر ولا أديب بليغ ولا عالم محقق ولا متأدب يتهيأ لمستقبله العالي إلا وهم
стр. 2328
يقرؤون البيان ويحرصون عليه ويكرمون صاحبه بمودتهم وانعطافهم عدا طائفة كبيرة من أمثالهم في أقطار المشرق، فالبيان والحمدلله بعناية هؤلاء قائم على بنيان متين من عقول سامية يقوم عليها كذلك بناء الأمم.
نعم إننا لا نزال نشكو مطل كثير من قومنا في حقوق الأدب وبخاصة طوائف من الأغنياء بلغ بهم الانصراف عن معنى الأمة ومقوماتها التي من أهمها نشر اللغة والأدب وما يعين على تهذيب الطباع إلى أنها عفا الله عنهم ولم يعودوا يرون أن في الإسلام زكاة إلا ما يدفعونه بقوة المحصل وكثرة الإلحاح اشتراكاً في مجلة أو صحيفة.
نشكو من هؤلاء وهؤلاء ومن طائفة ثالثة هم من أهل العلم والفكر ولكنهم يكرهون ما كان عربياً، ولا يقرأون ما هو عربي ويأنفون أن يشتركوا في مجلة عربية كأن هذه اللغة ليس في أفواه آبائهم وأهليهم وجميع قومهم ولم ذلك؟ لأنهم تعلموا في أوروبا، أفترى كل من تعلم في أوروبا لا بد أن يصير أوروبياً في لغته ومنزعه ومذهبه واحتقاره للشرق.
وهب ذلك صحيحاً وحقاً وضرورياً لهذه الأوروبية، أفلا تعلمهم أوروبا أن لكل أمة حقوقاً على أبنائها ولكل شعب لغة وعادات ومذهباً خاصاً في التاريخ وأن كل فرد من الأمة يجب عليه أن يحتفظ بمجد تاريخها ويبالغ في إظهاره والتعلق به ويزيد فيه بما يقتبس لأمته من محاسن غيره من الأمم.
وبالاختصار ألا تعلم أوروبا أن من كان مصرياً وجب عليه أن يبقى مصرياً مصرياً مصرياً ولو انتقل إلى القمر؟
أيها السادة - إني أعد من سعادة مصرنا المحبوبة أن نشأنا الجديد المبارك الذين يتخرجون من المدارس العليا سنة فسنة أخذوا يدركون أن من أجل الأعمال في خدمة الأمة مساعدة المصلحين ممن تفرغوا لخدمتها، وكنا قديماً نحسب أن شمس بلادنا الحارة تقضي بأن يكون لنا من شباب وشيوخ كثير من الأعمال الباردة ولكن هذه الآية قد الزمان إلى الأمام وأخرجت التربية الحديثة جيلاً مباركاً ميموناً يرى أن هذه الشمس الحارة تقضي عليه بأن يكون حارّ النفس والفكر والرغبة في التقدم والإصلاح والأعمال الجدية، فعلى هذا النشء الصالح الذي أدعو له من صميم قلبي أعلق مستقبل البيان. . .
ولهذه المناسبة كتب حضرة الشاب المهذب ناجي أفندي البرقوقي الذي اختار الله له أن
стр. 2329
يشركني في هذا العمل غيرة منه على البيان واحتفاظاً به وخشية أن يصيبه لا سمح الله ما يلتاث معه أمره - كلمة هي عنوان الوفاء والنبل والإخلاص - قال حفظه الله:
الكتاب والشعراء هم عندي أنبياء هذه العصور، وما الكتب والمطبوعات النافعة إلا معابد متنقلة - معابد يجتلي فيها القارئون أسرار هذا الوجود وسر عظمة مبدعه، وليس بخاف أن المجلات والجرائد اليوم قوة لا يستهان بها، قوة لها أكبر الأثر في الجماعات والشعوب - فلا صولة الملوك، ولا سطوة الجيوش، ولا فعل القوانين ببالغة شيئاً لقاء هذه القوة التي يصل لنا أن نسميها قوة القوى، وبقدر نصيب الأمة من الحضارة والتمدين يكون تأثير صحافتها ومكانة كتابها وأدبائها.
ونحن إذا ألقينا نظرة على أدبائنا والمفكرين فينا وجدنا حالهم مما يؤسف له، وجدنا أمتنا المحبوبة مهملة شأنهم معرضة عنهم غافلة عن قيمتهم وتقديرهم وتقدير ما يعانون، ويمين الله لأهون عندي أن أمسك الفأس أحفر بها الأرض تحت حرارة الشمس شهراً كاملاً من أن أتناول القلم أخط به مقالاً في ساعة أو ساعتين أجهد فيهما ذهني وأعتصر أعصابي واحترق دمي ثم لا أحظى بعد ذلك كله بطائل، فليت شعري ماذا يلاقي أولئك الذين وقفوا حياتهم على الكتابة والوضع والتأليف ووصلوا الليل بالنهار، وضحوا كل مرتخص وغال في سبيل خدمة الأمة، وما هو جزاؤهم منها وماذا بعد ذلك؟ إن أمثال هؤلاء العاملين إما أن يكونوا من طينة غير طينة الناس العاديين.
ناجي أفندي البرقوقي هو شقيق الدكتور عبده البرقوقي وابن المرحوم الشيخ عبد الله البرقوقي ابن عم صاحب هذه المجلة - شاب فاضل مهذب حصل على الشهادة الابتدائية وتلقى جميع دروس القسم الثانوي - ثم حبب إليه أن ينقطع لثروة أبيه يديرها وينميها ولم يهمل مع ذلك واجبات الذهن فلا يكاد يمر عليه يوم دون أن يقرأ ويطالع ويدارس، فنعم الشاب هو.
فهم سائرون في طريقهم بقوة غير عادية فلا يثني عزائمهم ثان، وهذا ما لا يدركه تصوري، وإما هم - إذا نحن استرسلنا في غفلتنا عنهم وتركنا حبالهم على غواربهم - صائرون إلى اليأس والانثناء والخمود ضرورة أنهم بشر مثلنا وإذ ذاك نردد قول أبي العلاء المعرّي:
стр. 2330
نلوم على تبلّدها قلوباً ... نعاني من معيشتها جهاداً
إذا ما النار لم تطعم وقوداً ... فأوشك أن تمر بها رماداً
ظهر تحت سماء مصر منذ سبعة أعوام على حين حاجة منا إلى ذلك - مجلة البيان مجلة قيّمة امتازت بصفاء لغتها وطلاوة موضوعاتها وعنيت كل العناية بنشر آثار سلفنا الصالح وترجمة أطيب ما أنتجته عقول الغربيين وبالجملة سدت فراغاً كنا كلنا نشكو منه ونألم له - ولعل كثيراً من قراء البيان يعرفون مقدار الضحايا التي ضحّاها حضرة الأستاذ في سبيل هذا البيان، وأنه أوذي بسبب إيذاء لو أن بعضه أصاب شركة غنية مؤلفة من عدة أفراد من ذوي الثراء الطائل لكانت قد نفضت يداها من هذا العمل بمجرد شعورها به ولكن الأستاذ قد أشرب قلبه حب هذا العمل وامتزج منه باللحم والدم إذ قد فطره الله على حب العلم والأدب وعلى ذلك نشأ وفي هذا السبيل قضى زهرة شبابه بين دراسة وقراءة وترجمة وتأليف.
مضى الأستاذ في سبيله وما بالى بالمصاعب التي اعترضته ولا بالخسائر المادية التي أصابته، ولقد كانت هذه العزيمة الثابتة القوية كافية في أنت تصبح مجلة البيان في مقدمة المجلات العربية نظاماً وأكثرها انتشاراً لولا ما نشأ عن هذه الحرب من غلاء الورق إلى الدرجة القصوى التي قضت على كثير من المجلات والجرائد.
وهذا ما حملني على أن أبادر بوضع يدي في يد الأستاذ وأن أحتمل عنه شيئاً من أحماله كما هو الواجب على كل من آتاه الله بسطة في الرزق أن ينصر العاملين على خدمة المصلحة العامة ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وهنا أتقدم إلى جميع الناطقين بالضاد ولا سيما المصريين منهم وعلى الأخص قراء البيان أن يؤازرونا بأن يقدروا هذا العمل حق قدره وأن يعذروا الأستاذ عما أرغم عليه في الماضي إرغاماً من اضطراب المجلة في ظهورها وأن يكونوا على يقين من أنا لا نألوا جهداً ولا ندخر في سبيل الإبقاء على البيان سدد الله خطانا إلى الخير أجمعين.
стр. 2331
العدد ٤٢ - بتاريخ: ١ - ٦ - ١٩١٨
стр. 2332
سنة ٢٩٠٠
هذا مقال فكاهي طريف، نقدمه للناس لكي يتكهنوا هم في أنفسهم عن حال الدنيا يوم تدور دورة الدهر ألفاً، وتجري عجلة القرون عشراً، ويتخيلوا مصير الأرض في المستقبل البعيد والزمن الرخيّ القادم، ويتفكهوا بخيال كاتب من كبار كتاب الملح والنقد المضحك والفلسفة البهيجة، ويذكروا ما قد رأوه له في أعداد البيان السابقة من أفكاره البليدة وآرائه الممتعة التي يلبسها ثوب التهكم والأضحوكة العذبة، ونعني به الكاتب الروائي المشهور جيروم. ك، جيروم الذي وسم نفسه بلقب المفكر البليد.
وقد عثرنا بهذا المقال في كتاب من كتبه الفرائد، ومقالاته المبدعة، فآثرنا أن نسوقه إلى القراء، لأننا أحوج إليه في زمن يظن أهله أنهم قد لمّوا على المرقاة الأخيرة من مدارج الحضارة.
كنت ليلة الأمس في سمر طيب، ومحضر جميل، إذ جلست إلى العشاء في ناد يجمع طائفة من أصحابي الراقين على الاصطلاح الجديد، وكنا جلوساً أمام عشاء فاخر، يحتوي صحافاً عذبة المذاق، وألواناً من الطعام متعددة، فلما نهضنا إلى جلسة التدخين، لم نلبث أن سقطنا في جدل طويل عن موضوع المساواة القادمة بين الناس، وتوحيد الثروة، وإبطال الغنى الفردي.
ولم أكن أستطيع أن أسهم في هذا الجدل، أو أهجم مع صحبي في مثل هذا الحديث، لأنني لم أجد فرصة من زمني مذ كنت صبياً تؤاتيني على أن أذاكر هذه الأبحاث، إذ كنت فقيراً أسعى إلى الرزق طفلاً.
على أنني لبثت أستمع إليهم، وهم يشرحون كيف أن الدنيا قد ظلت منذ آلاف من الأجيال، قبل أن ينحدروا إليها، تسير على خطأ، وتدور دورة شمالية وكيف أنهم يستطيعون في بضع سنين أن يصلحوها ويردوها إلى مدارها المضبوط.
وكان محور حديثهم المساواة العامة، المساواة في كل شيء، في الثروة والامتلاك والعمل، والمساواة في الرضى والسعادة، وكيف أن الدنيا حق للجميع، وخلقت للجميع، ويجب أن تقسم القسمة العدل على الجميع، وأن عمل الفرد ليس له ولكنه حق المجموع، وعليه أن يطعمه ويكسوه، ويجب أن يكون هذا العمل يقصد به إسعاد الجنس الإنساني كله، لا إسعاد صاحبه.
стр. 2333
أما الثروة الفردية - هذه السلسلة الاجتماعية التي ربط فيها القليلون الكثيرين، هذا المسدس الذي يحمله بضعة من اللصوص فيسرقون به ثمرات أتعاب الجميع فينبغي أن ينتزع من الأيدي التي ظلت تقبض عليه كل هذا الزمن الطويل.
إن ثدي أمنا الأرض يجب أن يرضع جميع أطفالها بالسواء، فلا يجوع أحد، ولا يبشم بالغذاء آخر، وليس للقوى أن ينال نصيباً أكثر من الضعيف، ولا للذكي أن يظفر بما لا يستطيعه المغفل الأبله.
ولم يكد ينتهي صحبي من حديثهم الحار، حتى رفعنا الكؤوس عالية فشربنا في صحة المساواة، المساواة المقدسة الجميلة، ونادينا غلام النادي فاستزدناه شراباً وتبغاً.
وانطلقت آخر السهرة إلى البيت مفكراً متعب الذهن. ولم تغمض لي جفن ساعة طويلة، بل أمسيت أتقلب في الفراش، أفكر في هذا العالم الجديد الذي فتح أصحابي مغاليقه لعينيّ.
ورحت أقول لنفسي ما ألذ الحياة لو يتحقق مشروع أصحابي فلا يعود في الدنيا كل هذا التنازع وكل هذا التقاتل، ولا يصبح ثمة غيره ولا تنافس ولا مخافة فقر، ولا يشتغل الإنسان في اليوم إلا ثلاث ساعات - هذا على تقدير أصدقائي، فلا يطلب مني أن أشتغل بعد ذلك - وهذا هو الفرح الأكبر من ناحيتي، ثم لا فقراء فيحسن إليهم، ويرثي لأمرهم، ولا أغنياء فيحسدون ويلعنون.
وإذ ذاك نسيت نفسي فانحدرت في سبات عميق لا يعرف غوره. . . . ونمت!.
فلما أفقت وجدتني نائماً ممدداً في تابوت زجاجي، في حجرة عالية السقف، ساكنة، لا يسمع فيها صوت ولا حس، وفوق رأسي يافطة معلقة، فالتفت لأقرأ، فإذا هي بهذا النص:
إنسان - نائم
التاريخ - القرن التاسع عشر
وجد هذا الرجل نائماً في بيت بلندن سنة ١٩٠٠، ويلوح من أقوال صاحبة البيت أنه يوم العثور عليه كان نائماً نحو عشر سنوات (ويظهر أن صاحبة البيت نسيت أن توقظه) ولهذا تقرر إذ ذاك لغرض علمي أن لا يحاول أحد إيقاظه، حتى يعلم كم مدة يظل فيها نائماً، ولذلك نقل إلى متحف الغرائب لحفظه، وتاريخ دخوله المتحف هو ١١ فبراير سنة ١٩٠٠.
ملحوظة: الرجا من حضرات الزائرين أن لا يسكبوا ماء من خلال فتحات الهواء حتى لا
стр. 2334
يستيقظ.
ورأيت رجلاً أشيب تلوح عليه مخائل الذكاء، يرتب بضعة ضباب في تابوت قريب من تابوتي، فلما لمحني دنا مني ورفع الغطاء عني وهو يقول ماذا حدث، هل أزعجك شيء.
قلت - كلا، هذه عادتي عندما أفيق من النوم، بعد تعب شديد، وسبات ولكن في أي قرن نحن الآن؟.
فأجاب الرجل - نحن في القرن التاسع والعشرين، وقد نمت ألف سنة!
قلت - لا ضرر عليّ من ذلك، فقد شبعت من النوم، وليس أعز لديّ من إخراج كل مادة النوم التي كانت مختزنة في أعصابي وبدني.
ولم أكد أتم القول حتى قفزت من التابوت.
فأنشأ الرجل يقول وقد لمحني وأنا أشتمل بأثوابي وكانت موضوعة في التابوت بجانبي أظن أنك كالعادة ستطلب إليّ أن أجول جولة معك في المدينة، وأشرح لك التغييرات التي طرأت عليها، وتنطلق تسألني أسئلة طائشة، وتبدي أموراً ودهشات سخيفة.
قلت - هو ذلك، وهذا ما يجب عليّ أن أفعل. .
فتمتم يقول: ليكن ما تريد، هلم بنا إلى التجوال، ومشى أمامي يدلني على الطريق.
فلما نزلنا السلم رحت أقول - أبخير الآن؟
قال - أي شيء بخير تعني؟
أجبت - الدنيا، فقد كان جماعة من أصحابي يفكرون قبل أن يضرب الله على أذني ويرسل النوم إلى عينيّ في أن يفكوا القطع المركبة منها ماكينة الدنيا، فيركبوها كما يجب، فهل استطاعوا تصليحها الآن، هل الناس متساوون اليوم، وهل انتهى عهد الآلام والأحزان وأشباهها؟
فأجاب دليلي، نعم بالتأكيد، وستجد كل شيء الآن بخير، لقد اشتغلنا كثيراً وأنت نائم، ويمكنني أن أقول لك أن الدنيا قد تحسنت الآن. .
وانطلقنا نسير في مناكب المدينة، فإذا بها آية النظافة والسكون وإذا الطرق متشعبة بعضها من بعض على شكل زوايا قوائم وعلى نظام واحد، وطريقة مفردة، ولم أجد بها من جياد ولا مركبات، بل تسير حركة الطرق فيها بالكهرباء، وكان جميع الناس الذي تمر بهم على
стр. 2335
سمت واحد، وغرار متساوٍ حتى ليخيل للرائي أنهم أهل عشيرة واحدة وكان الجميع يرتدون كدليلي سراويل سوداء، وسترة سوداء كذلك تمتد حتى العنق ولها منطقة في خصرها وكل رجل منهم حليق اللحية والذقن، والكل سود الشعر فحمه.
قلت لصاحبي - أيكون هؤلاء الناس جميعاً توائم؟
فصاح الرجل: أتقول توائم؟ لك الله من ماجن، كلا، كلا، وماذا بعثك على هذا الظن؟
قلت: وكيف لا والجميع متشابهون، وكلهم سود الشعور، فأجاب الدليل: هذا هو اللون الرسمي القانوني للشعر، إذ ينبغي أن يكون الجميع كذلك، فإذا ولد رجل بطبيعته غير ذلك فعليه أن يصبغه صبغة سوداء.
قلت - ولماذا؟
فأجاب الرجل - وفي لهجته دليل الغضب والاهتياج من كثرة أسئلتي، أتسألني لماذا، لقد كنت أظن أنك قد أدركت أن الناس قد أصبحوا الآن متساوين، فماذا لعمرك الله يكون مصير مساواتنا إذا سمحنا لرجل أو امرأة أن تخطر بيننا إعجاباً وإلالاً بشعر ذهبي إزاء آخر بشعر كلون الجزرة، فنحن بإكراهنا الجميع نساء ورجالاً على أن يكونوا حليقين وأن يكونوا سود الشعور وأن تكون شعورهم متساوية الطول، نصلح بعض أغلاط الطبيعة.
قلت: ولم اخترتم اللون الأسود؟
فأجاب بأنه لا يعرف السبب ولكنه اللون الذي أقروا عليه.
قلت: ومن الذي أقر عليه؟
فرفع الرجل قبعته وحسر عن رأسه وأطرق بعينيه خاشعاً كأنه في موقف من مواقف التسبيح والعبادة، وقال: الأغلبية!.
وانطلقنا حتى إذا بلغنا جمعاً كثيراً من الرجال، أنشأت أقول: ألا يوجد في هذا البلد نساء؟.
فأجاب الرجل وهو في أشد الدهشة: أتقول نساء، بلا ريب، لقد مر بنا مئات منهن. . .
قلت: يلوح لي أنني أعرف النساء إذا أنا لمحتهن، ولكني لا أذكر أنني أبصرت امرأة واحدة في طريقي. . .
قال: وهو يشير إلى شخصين يمشيان على مقربة منا، وهما في الثوب العادي، السراويل والسترات السوداء انظر هاك امرأتين تسيران هناك!.
стр. 2336
قلت: وكيف عرفت أنهما من النساء!.
فأجاب الرجل: كيف لا أعرف ذلك، ألا ترى القطعة النحاسية المرقومة بنمرة التي يلبسها كل شخص في عنقه؟. .
قلت: نعم، لقد رأيت ذلك وجعلت منذ لحظة أفكر كيف جعلتم هذا العدد العظيم من رجال الشرطة، وإذا كان كل هؤلاء من البوليس فأين أذن الناس؟. .
أجاب صاحبي: لا حاجة بنا إلى شرطة ولا إلى بوليس، بل إن أهل القطع النحاسية المكتوب فوقها نمر زوجية هم النساء وأما النمر التي بالفرد فهم الرجال.
قلت: وقد مشينا قليلاً، ولم وضعتم لكل امرأة ورجل نمرة.
فأجاب: لنميز كلاً منهما بها.
قلت: إذن أليس لكل اسم يعرف به؟
قال: كلا.
- ولماذا؟
- لك الله، لقد كان في الأسماء ظلم أي ظلم، فقد كان قوم من قبل يسمون أنفسهم عبد العزيز ولطيف وكانوا بهذه الأسامي ينظرون نظرة احتقار وازدراء إلى الذين يدعون زعرب وجحلش وهؤلاء بدورهم يهزأون بالذين يلقبون أنفسهم زعزوع وحجلوف فلكي نمنع هذا الهزء ونريح الجميع قررنا أن نلغي الأسماء بتة ونضع لكل إنسان نمرة!
قلت: ولكن ألم يحتج على ذلك عبد العزيزيون واللطيفيون؟
قال: نعم، ولكن الزعربيون والجحلشيون كسبوا منهم القضية، لأنهم كانوا الأغلبية!.
قلت: ثم ألم يصبح حملة نمرة ١ ونمرة ٢ يحتقرون نمرة ٣ ونمرة ٤؟
قال: نعم، كان ذلك في أول الأمر، ولكن عندما ألغيت الثروة، فقدت الأرقام قيمتها، ولم تصبح لها قيمة إلا في الصناعة فقط، ولكن الآن نمرة ١٠٠ لا يعد نفسه أسمى أو أكبر مكانة في شيء عن نمرة مليون.
ولم أكن اغتسلت منذ خرجت من التابوت، إذ لا سبيل إلى الاستحمام في المتحف وأحسست الألم من حرارة الجو، وما عراني من الأوساخ، فقلت ألا سبيل إلى الاستحمام الآن؟.
قال: كلا، فليس لنا أن نستحم بأنفسنا وعليك الصبر حتى تأذن الساعة الخامسة من المساء،
стр. 2337
فيذهب بك إلى الحمام!. . لكي. . يحموك؟
قلت في دهشة يحموني؟ ومن ذا الذي يقوم بذلك.
قال: الحكومة!
ومضى يحدثني كيف أنهم لم يستطيعوا أن يحتفظوا بمساواتهم إذ أذنوا للناس أن يستحموا بأنفسهم، فقد كان فريق يدخل الحمام ثلاث مرات أو أربعاً في اليوم وآخرون لم يمسوا الصابون والماء من أول السنة إلى آخرها، حتى انقسم القوم إلى طبقتين، الطبقة النظيفة، والطبقة القذرة، وعادت إلى الظهور مناوءات الأحزاب، ومنافسات الطبقات فالفريق النظيف جعل يزدري الفريق القذر، وهؤلاء جعلوا يكرهون الأولين، فلكي نقطع هذا الخلاف، ونذهب بأمر هذا العداء، أقرت الحكومة أن تقوم هي بنفسها بعملية الاستحمام، وأصبح كل فرد من أهل المدينة ملزماً بالحضور إلى الحمام مرتين في اليوم، وأبطل الاستحمام الخصوصي.
ولاحظت ونحن مغذان في المسير أننا لم نقف ببيوت، ولم أشهد منزلاً واحداً، بل لم أر إلا أبنية شاهقة عظيمة أشبه بشيء بالقلاع والثكنات، والجميع على نظام واحد، وسمت واحد، ولكني بين آونة وآونة كنت أمر بأبنية صغيرة موسومة بكلمة متحف مستشفى قاعة المناظرة، الحمام، مجمع العلوم، معرض الصناعة، مدرسة الكلام الخ ولكني لم أجد بيتاً.
قلت: ألا يسكن أحد في هذه المدينة؟
فأجاب الرجل في حنق: إنك لتسألني أسئلة حمقاء، أين إذن يسكنون؟، إذا لم يقيموا بالمدينة؟
قلت: هذا ما أحاول الاهتداء إليه، لأني لا أجد أمام عيني منازل ودوراً.
فأجاب: لسنا بحاجة إلى المنازل والدور، نحن نعيش اليوم على الاشتراكية، ونقيم معاً في ظلال المساواة والأخوة العامة، ونسكن في تلك الأطواد الشامخة التي ترى فكل بناء منها يحتوي ألفاً من أهل المدينة، وألفاً من السرر والمهاد الموطأة وفي كل قاعة مائة منها، ثم فيها الحمامات وقاعات الملابس، وقاعات الطعام والمطابخ، فإذا أذنت الساعة السابعة من الصبح دق الناقوس فنهض كل نائم فأصلح ما اضطرب من أفراشه ثم ينحدر الجميع إلى قاعات الملابس فينظمون من زينتهم، وفي الساعة الثامنة يطاف عليهم بطعام الفطور، وقد
стр. 2338
أصبحنا اليوم جميعاً نباتيين، نعيش أكثر غذائنا الخضر والبقل، فإذا أقبلت الساعة الأولى من المساء نفخ في الصور مرة أخرى فهرع الجميع إلى الطعام، وإذ تدق الساعة العاشرة من المساء تطفأ الأنوار والمصابيح، ويذهب كل إلى مضجعه، وكذلك نعيش سوياً في إخاء تام، الكاتب بجانب الكناس، والسمكري بجانب الصيدلي، أما الرجال فيسكنون في الأبنية القائمة في هذا الجانب من المدينة، وأما النساء ففي الناحية الأخرى.
قلت: وأين يسكن إذن الأزواج؟
فأجابني: لا أزواج بيننا ولا زيجات، فقد أبطلنا الزواج منذ مائتي عام أو تزيد فإن العيشة الزوجية لم تنجح معنا البتة وألفينا الحياة البيتية نقيضة الاشتراكية، لأن الرجال في شغل إذ ذاك بأزواجهم وعشائرهم عن التفكير في الأمة، وكانوا يجنحون إلى العمل والدأب للإجداء على أحبابهم القلائل ونسوا صالح المجموع، واحتفلوا بمستقبل أصبيتهم وذراريهم أكثر من احتفالهم بمستقبل الإنسانية العامة، وكان من روابط الحب والدم أن جعلت في الناس عشائر وأسرات صغيرة، ولم تؤلف بينهم فتجعلهم جميعاً عشيرة واحدة وأثار الحب رذيلة الطمع في قلوب الناس، فلكي يظفروا بابتسامات النساء اللاتي يحبونهن، ولكي يتركوا وراءهم اسماً مذكوراً وأحدوثة طيبة يحملها أبناؤهم من بعدهم، تدافع الناس جميعاً وراء البحث عن السمعة والرفعة، وكان دأب الرجال أنهم إذا أحبوا امرأة حسبوها أسمى من أية امرأة سواها وأعلنوا ذلك على رؤوس الأشهاد، واعتقدت البعولات أن أزواجهن أسمى وأعقل وأروع من أزواج غيرهن، والأمهات يؤمنّ بأن أبناءهن لا يدانيهم في الفضل والحسن أحد، وتعلم الأطفال من آبائهم أن أمهاتهم وواديهم هم أفضل الأمهات، وأعظم الوالدين، في العالم كله.
وكذلك رأينا الأسرة من كل وجه عدوة المساواة ورأينا في الحي الواحد الرجل يعيش في ظل زوجة حسناء فاتنة وله ولدان جميلان، وفي البيت المجاور لداره رجل يبني بامرأة دميمة وقاح، تخرج له ذراري سوء، بالعشرات، فهل كنت ترى ذلك في شيء من المساواة.
ثم لا تزال الأسرة قائمة، يرفرف عليها ملك الأحزان وملك الفرح، فإذا أدجنت السماء، وأرخي الليل سدوله، ألفيت زوجين مكدودين ينتحبان في الكوخ، وفي الناحية الأخرى من المدينة يخطر حبيبان يضحكان من آلام الناس، ويرتشفان كؤوس النعمة والحب.
وكذلك رأينا الحب عدونا اللدود، لأنه قتل روح المساواة، وجاء إلى العالم بالألم والفرح،
стр. 2339
وساق الدموع والعبرات، وجلب النعمة والهموم، فحذفناه من الحياة حذفاً، ومحوناه محواً، وطمسنا على آثاره وآثار ما فعل.
ولم يعد الآن في العالم زيجات، ولذلك لم تعد الآلام تزور الناس، ولم يبق في الدنيا دموع ولا قبلات.
قلت: يخال إلي أنها نعمة الطريقة، ويا حبذا المذهب، ولكني أسألك ولي معذرة في هذا السؤال، إذ لا باعث عليه إلا الغرض العلمي، وكيف تحتفظون بالنسل؟
قال: ما أبسط الوسيلة، وما أسهل السبيل، وكيف كنتم في زمنكم تحفظون نسل الخيل والبقر، أم يكن ذلك بالتعشير والتنطيط كذلك نحن، فإذا أقبل الربيع، وضعت الحكومة تقديراً لميزانية الأطفال الذين يلزمون لها، وأخذت العدة لذلك، وأجرت الترتيب، فإذا ولدوا أخذوا من أحضان أمهاتهم (حتى لا يعتدن على حبهم) وربوا ونشأوا في المستشفيات العمومية وفي مدارس الأمة حتى يبلغوا الربيع الرابع عشر، وإذ ذاك يفحصهم رجال يعينون لهذا الغرض، ليعلموا الصناعة التي تلائمهم في الحياة، فإذا اختاروا لهم السبيل، وربوهم على الصناعة، ولقنوهم العلم والفن، وألموا على العشرين، ظفروا بحق الانتخاب ذكوراً وإناثاً على السواء.
وسرنا كذلك بضعة أميال، فلم أرَ غير أبنية شاهقة، وصروح عالية، فقلت: أليس في المدينة حوانيت للبيع والمخازن وأسواق؟
أجاب: كلا، ما حاجتنا إلى الحوانيت والمخازن، إن الحكومة تطعمنا وتكسونا وتكننا وتطببنا وتحمينا وتزيننا وتحصد غلاتنا وتواري سوءاتنا، فما حاجتنا إذن إلى الحوانيت.
قلت وقد أحسست تعباً من أثر المسير، ألا نستطيع أن نجلس في أي مكان ونلتمس شراباً؟
قال: شراباً! ماذا تقصد بكلمة شراب إننا نتناول مقداراً طيباً من الكاكاو في جلسة العشاء، هل تريد ذلك، فلم أشأ أن أشرح له وأفسر، إذ أدركت أنه لم يكن ليفهم لو شرحت له.
قلت: نعم، هذا ما أردت.
ومر بنا رجل حسن الخلقة، وشاب جميل السمت، ليس له إلا ذراع واحدة، فلفت إليه نظر الدليل وطلبت الشرح.
قال: نعم، إننا إذا وجدنا رجلاً فوق المسوى العادي، قطعنا ذراعه، أو ساقاً من ساقيه،
стр. 2340
لنجعل كل شيء متساوياً، لأن الطبيعة كما ترى، أبداً في اختلاف وخطأ، فنحن محاولون دائماً أن نصلح سيرها، ونهذب من شأنها.
قلت: فماذا تفعلون لو خرج إليكم رجل ذكي أوى من النبوغ وتوقد الذهن ما لم تؤتوا.
قال: لسنا نجد ذلك الآن، ولو يخرج لنا منذ زمن طويل قوة ذهنية خارقة للعادة حتى الآن، ولكن لو عرض إنسان له مثل ما وصفت من حدة الذهن، فليس علينا إلا أن نؤدي له عملية جراحية في مخه حتى تجعل ذهنه يبرد وبهذا يكون في مستوى الأذهان العادية.
وانطلقنا.
حتى إذا مشينا قليلاً قلت: ثم ألا يؤذن لكم بقراءة الكتب.
أجاب: أما عن الكتب فإني أقول لك أن ليس لدينا الكثير منها، إذ كنا نعيش الآن عيشة كاملة، خلوا من المظالم والآلام والفرح والأمل والحب والحزن، فلم بعد لنا ما نكتب عنه!
قلت وماذا صنعتم بالكتب القديمة، وماذا كان مصير شكسبير وسكوت وملتون وغيرهم من سادة كتاب العهد القديم، وماذا صنعتم بالكتاب أو الكتابين اللذين وضعتهما أنا في زمني، ماذا جعلتم من كل هذه الكتب والتواليف البديعة؟
فأجاب الرجل: لقد أحرقناها جميعاً، فقد كانت كلها مفعمة بوصف الآلام القديمة، يوم كان الناس دواباً كدواب الحمل.
فسألته: أليس لكم دين تدينون به.
قال: نعم.
قلت: ألكم إله تعبدونه.
قال: نعم.
قلت: وماذا تسمونه.
قال: الأغلبية!.
قلت: دعني أسألك السؤال الأخير، وأرجو أن تغفر لي كل جرأتي هذه.
هل كثيرون منكم يرتكبون جريمة الانتحار؟
فأجاب: كلا، لم يكن هذا ليوجد لدينا.
فنظرت إلى الوجوه التي أمر بها، وجوه النساء وملامح الرجال فرأيت في معارفها هيئة
стр. 2341
صامتة هادئة، فجعلت أسائل النفس حائراً، أين رأيت مثل هذه الوجوه، لأنها لاحت لي كأنني كنت أعرفها من قبل.
ولكني لم ألبث أن تذكرت، لقد كانت بعينها الهيئة الهادئة المذهولة الحائرة التي كنت ألمحها في وجوه الخيل والثيران التي كنا نرعاها ونربيها في عالمنا القديم.
نعم، بلا ريب، أمثال هؤلاء الناس لا يستطيعون أن يفكروا في الانتحار!. . . .
يا الله! لقد أمست الوجوه مظلمة والأشباح معتمة في ناظري، وأين دليلي، لقد ضللته، ولماذا أنا الآن جالس فوق أفريز الشارع، آه، ماذا أسمع! هذا ولا ريب صوت مسز بجل صاحبة البيت الذي أنا فيه، هل كانت في سبات مثلي ألف عام، إنها تقول لي الآن أن الساعة الثانية عشر صباحاً، الثانية عشر فقط، هالوا!. . . .
هذا أنا في فراشي، أكان كل ذلك حلماً! وهل عدت إلى القرن التاسع عشر؟
فتحت النافذة فإذا بي أسمع حركة معركة الحياة القديمة، والناس يتقاتلون ويدأبون ويكدون والناس ضاحكون وباكون ومبتئسون ومبتهجون، يفعلون السوء، ويؤدون الخير، ويقعون وينهضون.
إذن إلى العمل، إلى العمل، فقد تأخرت في النوم، وليتني لم ألح على كؤوس الوسكي ليلة الأمس!
стр. 2342
حالة الأدب اليوم
أيها السادة:
ما دمنا نحتفل اليوم بمجلة البيان فلا شك في أنا نحتفل بالأدب والأدباء، فقد أخذت هذه المجلة من أول عهدها إلى اليوم بناصر الأدب، مقدمة إياه على كل فن أو باب آخر، جاعلة له المقام الأسمى في كل ما تعنى به من اجتماعيات وتواريخ وغيرها، بل أنا لا أغالي إذا قلت أن مجلة البيان قصرت نفسها على نصرة الآداب والكتابة حيث جعلت جل همها بل كل همها النظر إلى ما يختص بالأدب من جهة ما تعالجه من سواه من الموضوعات، كما أنها جعلت غرضها الإصلاحي الذي ترمي إليه - ولكل منا نحو الإصلاح غرض - جعلته إعلاء شأن الأدب وإدخال الإصلاح إليه.
لهذا كانت تعني بنشر ما يظهر من آي الأدب وبدائع الشعر عنايتها بنقدهما جميعاً واسمحوا لي أيها السادة أن أقول أني لست أقصد بالنقد ما يسرع إلى ذهن الكثيرين تصوره من البحث وراء عيوب الشيء واستظهارها واتخاذ ذلك وسيلة للطعن على الشيء والانتقاص منه، ولكني أقصد بالنقد تمحيص الشيء والنظر إليه بعين نافذة وعادلة معاً واستظهار الحسن منه والسيء، وتلك هي وحدها الطريقة المثلى، وهي الطريقة التي اتبعها كبار كتاب الغرب، وهي أيضاً الطريقة التي عالج البيان الأخذ بها في كل ما تعرض لنقده من أعمال الأدب ورجاله.
على هذه الطريقة في النقد أيها السادة، على هذه الطريقة الحيادية التي لا تعرف التعصب المذموم ولا تهتم إلا بقول الحق، أريد أن ألقي على حضراتكم كلمة موجزة في حال الأدب عندنا اليوم، وقبل أن أتقدم بشيء منها أتقدم بالاعتذار إليكم عنها، أتقدم بنقدها على هذا الأساس، وهو أنا نعيش في زمن توترت فيه أعصاب العالم كله واتجهت نظراته نحو نقطة غامضة يريد أن يجد حولها شعاعاً يبصره بما تحتويه، هذه النقطة الغامضة هي المستقبل، ولقد بلغ من توتر الأعصاب أن نسيت الأذهان التفكير فيما سواها إلا ما تعلق بالحياة المادية حياة البطون والأبدان، والأدب أبعد الفنون عن التفكير في حياة البطون والأبدان، كما أنه لا يستطيع أن يتمركز حول هذه النقطة الغامضة السوداء لأن من أهم خواصه التوسع والانتشار في كل نواحي الحياة من إحاطة بظواهرها وامتداد إلى خوافيها وهجران إياها للهيام وسط الأجداث والتسرب بين الرفات وارتفاع عن هذا وذاك إلى أجواء الحزن
стр. 2343
والسرور والحب والكراهية واللذة والألم والترف والزهد والنعيم والبؤس وسائر ما في الحياة عذا ذلك من إحساسات ومشاعر ومظاهر ومناظر وعادات وأخلاق وعواطف ومنافع وما في الموت من سكينة ووقار ومن جمود وفناء وما بعد الموت من عوالم تملؤها الأرواح في سعادتها وتعسها وفي هيمنتها وتسبيحها وفي بقائها وتطورها، فمهما كان الاضطراب الذي يهز جوف العالم اليوم عظيماً فإنه منبع لأدب عظيم قوي في الغد، ولكنه فيما يتعلق بالحاضر وفيما يتعلق بنا نحن مخفت صوت الأديب المترنم فلا تسمعه الآذان المأخوذة بأرعاد المدافع وهزيم الطيارات ولا تهتز له القلوب الواجفة أمام الأخطار المحدقة من كل صوب وحدب.
لهذا كان الكلام في حال الأدب اليوم عرضة لأن يقع فيه شيء من الاضطراب ولأن ينسي صاحبه كثيراً من الأشياء المتعلقة بهذا الفن لأنه كما قدمت لحضراتكم مأخوذ بغيره، فإذا تكلمت أنا اليوم ووقعت فيما أخشاه فأرجوكم المعذرة، وما كنت لأقف وأتكلم في مسألة شأنها ما ذكرت إلا لما على كل محب للأدب من واجب نصرة مجلة البيان وتعضيدها.
الأدب في مصر اليوم أيها السادة خافت الصوت معقول اللسان، لعل صوته أشد خفوتاً في بلادنا منه في كل بلد آخر، بل ربما كان الخفوت في وصفه غير كاف لأنه في الحقيقة مختنق الاختناق كله، فلا نكاد نسمع بعمل يظهر من أعمال الأدب ذي قيمة، ولا أحسب ذلك شخصياً بالنسبة لي وراجعاً لأني لا أقرأ ما يظهر، بل أحسبه حقيقة واقعة، ولا شيء أدل على ذلك من أن جرائدنا - حتى الأسبوعية منها - مجلاتنا لم تتناول بالنقد إلا رواية ماجدولين التي استنبطها قلم الأستاذ السيد مصطفى لطفي المنفلوطي من رواية (تحت ظلال الزيفون)، وإلا قصيدة حافظ بك ابراهيم في مناقب عمر، أما ما سوى ذلك من المؤلفات والقصائد في الأدب فلم ينل من حق البقاء أكثر من يوم نشر، اللهم إلا بعض دواوين شعرية جمع فيها أصحابها المقطوعات التي كانوا قد نشروها من قبل في الصحف ويعثر الإنسان في بعضها على شيء جيد.
والسبب في هذا الخفوت، أو الاختناق، ووجوده عندنا أضعاف ما هو عند غيرنا أن أدبنا كان ولا يزال إلى اليوم صحافياً، أقصد أنه أدب قصير النفس غير مكتمل مواد الحياة، أدب هو ابن ساعته أو يومه، فكانت تروجه الصحافة التي كانت تعنى به عناية غير قليلة،
стр. 2344
وكانت تسمح له أن يلبس صفات حياتها هي، وصفاتها الانتشار والرواج على ألسن العامة والخاصة كل فيما يروق في نظره، فلما احتبست الصحف المصرية الكبرى احتبس هذا الأدب في صدور أصحابه، ولقد ظلوا بدأ هذه الحرب ولا تزال تجول في خواطرهم هواجس منه أظهرها بعضهم على صفحات بعض الصحف السيارة ثم أخمدت جذوتها فيهم نيران أقوى منها تلتهم العالم بأسره.
لكن بعض الكتاب استمر يثمر، لم تجمد قريحته أمام الجمود العام الذي أصابنا بل رأيناه مستمراً في طريقه، على أنه لم يستطع أن يتخلص من التأثر بالجمود العام بل سرت إلى روحه الكتابية ريح من النفس العامة فصرت ترى الآنسة مي وقد عرفناها فيما مضى ذات قلم عصبي مرتعش كله الصور والإحساسات والمشاعر والخيالات تدخل بنا في جمود الفلسفة الناشفة معظم الأحايين، والآنسة مي سيدة، أي يجب أن يفيض قلمها بالعواطف الناطقة لا بالصور المبهوتة ولا بالفلسفة الناشفة.
ذكرت لحضراتكم أن أحسن ما ظهر في عالم الأدب أخيراً أو بالأحرى أكثر ما نال شهرة، ماجدولين والعمرية، وماجدولين مستنبطة، والعمرية قصة شعرية تنقصها الروح الشعرية، ولهذا يجب أن نفتش في غير عالم الشعر والنثر علنا نجد روحاً غير الروح الجامدة المتأثرة بالحرب المذهولة أمام فظائعها.
الكتاب الذين استمروا يثمرون هم من الكتاب الذين ظهروا إبان هذه الحرب أي الذين كانوا قبلها مكتفين بعجالات يدرجونها في الجرائد، أو كانوا مشغولين بأشياء أخرى غير الأدب، هؤلاء الأشخاص جميعاً بقيت متغلبة عليهم فكرة الكتابة للنشر قبل الكتابة للأدب، فلما لم يجدوا في الصحف معينهم حولوا نظرهم شطر مسارح التمثيل فكتبوا روايات لا شك أن من بينها ما يغتبط المصري له، ولسنا ندعي أن غبطتنا ناشئة عن أنا وجدنا بين هؤلاء نابغة كشكسبير أو راسين أو موليير أو جيت وأضرابهم من كبار كتاب الأمم الأخرى، وإنما اغتباطنا لأن فكرة الظهور أمام الملأ المصري بالرأي والفكر لم تخمد من نفوس الشباب المصري، فأدى ذلك بأحسن ما تهيئه له ملكته وتمليه عليه موهبته، والنبوغ يستلزم الجمع بين بذل الجهد وحسن الملكة فإذا قدم إخواننا الشباب المثل لبذل الجهد فربما كانوا السبب في ظهور النابغة عاجلاً أو آجلاً ومن بينهم هم أو من بين جيرانهم.
стр. 2345
هؤلاء الكتاب التمثيليون وضعوا نصب أعينهم معالجة أمراض اجتماعية متفشية في البلاد بالطعن عليها أو الاستهزاء بها أو إظهار أصحابها مظهر السخرية، وقد نجحت بعض القطع التي وضعوها، ولكن لم يكن نجاحها ناشئاً عن اعتبار السامعين بالمثل الذي يقدم ولكن لأن في هذه القطع أجزاء حازت الصفات اللازمة في القطع التمثيلية، أي حازت روعة المظهر ودقة الوضع وحسن الأداء من الممثلين.
نعم أيها السادة، فليس التمثيل مدرسة كما يزعمون، ولكنه سلوة النفس المتعبة عن بعض نصبها، والنفس المتعبة لا تتسلى بالنصيحة ولكن بالعاطفة القوية ظاهرة أمامها تذكرها شيئاً من عظمة النفس الإنسانية فتتسلى بذلك عما تلاقي في الحياة من الصغائر، أو رقة العواطف فترجع إلى ماضي الشباب أو تترنم بحلو حاضره، أو مضحكات الحياة فتتسلى بذلك عن محزناتها، التمثيل سلوة للنفس كما أن الغناء والموسيقى سلوة لها، كلاهما ينسيها هم الحاضر ويحملها على جناح الخيال والعاطفة والأمل إلى حيث ترى خيراً مما كان أمامها فتبيت مغتبطة مسرورة.
لهذا أيها السادة كان أحسن وقت يسمع فيه المغني أو الموسيقي أو التمثيل أول الليل حين نرجع متعوبين من عملنا وفي أشد الحاجة إلى ما يسلينا، حين نكون مستعدين لنسيان أنفسنا لنذهب مع صوت الكمنجا أو ترنم المغني أو حماس الممثل إلى أبعد الغايات.
ولهذا وجب أن يعني الكاتب التمثيلي بأثر روايته من هذه الجهة جهة استفزاز العاطف لينسى السامع نفسه ويذهب مع الممثل إلى حيث يشاء غير مهتم بإهداء النصيحة للنصيحة.
على أنا مهما قلنا في هذا الباب وسابقه فإنا لا نزال نتكلم عن الأدب الصحيح، الأدب الذي نحترمه ونعني بالإشادة به وإعلاء شأن ما يروقنا منه، ولكن هناك نوعاً جديداً من التمثيل الهزلي أبدعته الحرب الحاضرة لتسلي به النفوس المثقلة بكل شيء والمتقززة من كل شيء، نوعاً تعيساً، نوعاً قذراً، ولكنه يستهوي بقذارته مع عظيم الأسف نفوساً كثيرة جداً ونفوساً لا تكتفي بما يجب من مشاهدة ما يظهر منه مرة ولكنها تستظهره وتتغنى به أغنيات العرب بأشعار أصحاب المعلقات هذا النوع الجديد هو ما يسمونه الكوميديا فرانكو أراب، أو إذا أردنا أن نطلق عليه اسم كبراء رجال الفن من أهله فهو أدب كشكش
стр. 2346
والبربري.
ربما يكون خطأ مني ذكرى هذا النوع حين التكلم أمام حضراتكم عن الأدب ولكن ساقني لذلك ما أرى من تهافت كثير من شبابنا الراقي عليه، وتهافت الشباب الراقي من شأنه أن يبعث إلى هذا النوع حياة لا شك ستنتهي بانتهاء الحرب التي كانت سبباً في قيامه ولكنها تكون إلى ذلك الحين حياة قوية تؤثر في أعصاب المجموع القاهري ومن يلجأ إليه تأثيراً سيئاً.
من ذلك ترون أيها السادة حال الأدب اليوم، اختناق الأنواع المهمة منه، وجمود ما يظهر أو ضعفه، وفوق هذا وذاك انصراف الجمهور عنه، ولا شيء أتعس على الأدب والأديب من انصراف الجمهور.
إنا لم نتعود في هذه البلاد تقدير أعمال الأدب تقديراً عالياً، ولذلك لم يخرج أدبنا يوماً عن أن يكون أدباً صحافياً، لم يستقل بذاته ولم تتكون له حياة خاصة، ولا عجب فحياة الأدب مرآة حياة الأمة، ولكنا كنا إلى زمن أخير نهتم لهذا الأدب الصحافي ونعني به ولو بعض العناية، وكان هذا الأدب الصحافي نفسه يقوم أساساً لبعض أعمال أدبية وأخرى أدبية اجتماعية لا بأس بها، ولكنا اليوم قد فقدنا حتى هذا الأدب الصحافي ولم يبق لنا إلا مقاطيع الشعراء وبعض قطع كتاب التمثيل.
ولست أريد أن أظهر أسفاً على هذه الحال فالأسف لا يجدي نفعاً، ولكني أريد أن أقول أن هؤلاء الذين استمروا يثمرون يستحقون كل إعجاب، لأنهم ظلوا لم يغيرهم التيار العام تيار اليأس الروحي والأمل المادي، ومن هؤلاء كتاب مجلة البيان، فليحيى البيان.
стр. 2347
الرئيس ويلسون
وأمريكا الحديثة
لقد كانت أمريكا ابتكاراً من ابتكارات أوروبا، وخلقاً من خلقها، وهي اليوم من حدود المكسيك إلى رأس هورن في أقصى جنوبها أشبه شيء بإسبانيا والبرتغال لأنها تتكلم بلسانيهما، وتتخلق بأخلاقهما، وتحوي سلالات وذراري من أحفادهما وأما الولايات المتحدة وكندا فصورة من بريطانيا وفرنسا.
على أن أمريكا ليست نسخة حقيقية أصلية من أوروبا، فإن أولئك الطلائع الغربيين الذي انحدروا إليها بقلوب مخاطرة، وأرواح وثابة جريئة، ومادئ جليلة صادقة، لم يفروا من أوطانهم لكي يؤسسوا بناء الاستبداد في الناحية الأخرى، فإن الانكليز البيوريتان وإخوانهم الإيقوسيين الأولين كانوا على جانب عظيم من الشعور بالواجب وتقديس الحقوق الدينية والسياسية، فلم يعانوا المشقة في إبدال الحكومة الملكية القائمة على أساس من قوة الماضي والتاريخ والبطش ديمقراطية جميلة، وشادوا بناء حكومة الأمة وراء نوابها المختارين، وأصبحت أمريكا حكومات جمهورية وشعوباً من الجمهوريين.
بينما أوروبا تنظر إلى هذا التطور الغريب، والانتقال المدهش، إذ بالحرب الكبرى قد نشبت في العالم المتحضر بأسره، فأثارت مبدأين متعارضين، متقابلين، هما الحق والقوة، ولم يلبث أن قامت الحرب النفسية في قلوب الأمريكيين، بين الدولار - الريال - وبين العقيدة الروحانية القديمة، مبدأ واشنطن وبن، ولبث حزب الحق ينتظر الموقف الذي ستقفه أمريكا في هذه الحرب، ولكن ذلك الرئيس الذي ألقى إليه تقاليد العالم الجديد نهض أمام شعبه فأعلن الحيدة في الحرب ورفض أن يدلي بسهم في تلك المجزرة، لأن هذا الرئيس ودرو ويلسون رجل ثاقب الرأي، بصير بالأمور، ولم تستطع الأحداث يوماً أن تسوقه إلى مخاطرة مجازفة، لأنه انحدر من أسرة كان مبدأها الاحتفاظ بالمشاعر الدينية منذ القدم، ثم نشأ نشأة علمية، وغذى من القانون، ولذلك لم يسلك نفسه وأمته في سلك المحاربين.
والرئيس ويلسون ولد عام ١٨٦٥ في ولاية فرجينيا، من والدة إيرلندية المنبت وأب إيقوسي المحتد، وكان أبوه قسيساً فدفعه إلى الجامعة إذ شب عن الطوق، وأتم تعليمه الابتدائي والعالي ووضع كتابه الذي ظفر من أجله بشهادة الدكتوراه ووسمه بعنوان
стр. 2348
الحكومة المؤتمريةعام ١٨٨٥ ثم عين أستاذاً للتشريع في إحدى الجامعات حتى كان عام ١٩٠٢ وإذ ذاك أسندت إليه رئاسة تلك الجامعة، ونهض به الحزب الديمقراطي فتقلد وظيفة محافظ نيويورك في اليوم الثاني من شهر نوفمبر سنة ١٩١٠ ولم يمض عامان حتى سما إلى رئاسة جمهورية الولايات المتحدة، وأعيد انتخابه عام ١٩١٦.
ولعل أكبر المهام التي يعانيها رجل واحد أن يعهد إليه الحرص على مستقبل مائة مليون، وأن يجد أمامه قرنين عنيدين، وعدوين لدودين وهما روزفلت وتافت الرئيسان السابقان وكان من ذلك أنه في عام ١٩١٤ فقد شيئاً كثيراً من أصوات أنصاره، ثم ألفى نحو عشرة ملايين من أهل جمهوريته يمتون إلى الألمان بالود أو القرابة ولكن روزفلت جعل يقول إن لأمريكا معدة قوية وستهضم بسرعة الأغذية الغريبة عنها ولم تلبث الولايات المتحدة أن انقسمت أقساماً واختلفت في الحرب شيعا، ولكن الرئيس ويلسون أبى إلا أن يحاول إلى النهاية الحرص على الحيدة الدائمة، فوقف في نادي الصحافة يخطب قائلاً: إن هذا الشجار قد ساق المتشاجرين المسهمين به إلى حدود نسوا فيها واجب المسؤولية، وقد جعل قوم يقولون لي إذا كان نصف الدنيا قد جن جنونه، فلماذا نأبى أن نندفع وراءهم، ولماذا لا ندخل في صميم الزوبعة ثم نعود إلى الإصلاح والبناء إذ تمر العاصفة، ويسكن الريح!.
ولكن ألمانيا أرادت إلا أن تكون هذه الحيدة مستحيلة الإنفاذ، بذلك الحصر البحري الذي قامت به في أول الحرب، إذ أغرقت الباخرة لوزيتانيا، وكانت تقل بين مسافريها ١٢٤ أمريكياً.
وإذ بلغ هذا الحادث أسماع الأمريكان ضجت الولايات المتحدة، وقامت المظاهرات والجلبة والصياح، فلم يكن من الرئيس ويلسون إلا أن أخرج شعبه من هذه الفتنة سالماً، لأنه علم أن ليس الغضب المؤقت هو الذي يستطيع أن يحل عقدة تلك الحرب، ولكن توقع الفائدة الكبرى هي التي يريدها هذا الشعب المختنق بالتجار وأهل الأدب والمزارعين وكان مبدأ ذلك الرجل العظيم الذي حررهم من الأسر، ونعني به جورج واشنطن مقدساً لديهم، معبوداً في قلوبهم، إذ علمهم أن لا يعقدوا محالفة ما بينهم وبين أية دولة غربية.
وظلت عقيدة مونرو عزيزة لديهم، وهي تقضي بالامتناع عن التداخل في شؤون الغرب، وهذه العقيدة نشأت منذ عام ١٨٢٣ يوم كان مونرو رئيساً للجمهورية فأدرك ويلسون كل
стр. 2349
ذلك وجعل يضرب على نغمته حتى استطاع أن يسود على العواطف، ويمتلك في قبضة يده مشاعر الشعب، حتى أقبل عام ١٩١٦ بانتخاباته، إذ كان قد مضى عليه في الرئاسة أربعة أعوام وهو الزمن المحدد لبقاء الرئيس، والانتخاب للرئاسة في الولايات المتحدة حادث عظيم، وشان مذكور، يعدون له العدة أشهراً، ويظلون يهيئون له واجبه ليالي وأياماً، ويشترك كل فرد من الأمة فيه اشتراكاً عملياً محسوساً ولا يفتأ الشعب في سعي متواصل، وتحت تأثير عظيم، من شهر مايو حتى أوائل شهر نوفمبر.
أما الحزب الجمهوري، فكان تحت زعامة روزفلت، وقد بايع رجلاً يسمى هيو، وأما الحزب الديمقراطي، فظل على مبدئه الذي سنه لنفسه منذ عام ١٩١٢ فاختار ودرو ويلسون، وكذلك بقيت الولايات المتحدة تلك المدة في نزاع وجدل، وتصويت حتى كان اليوم الثامن من نوفمبر إذ بويع ويلسون ظافراً بأصوات تبلغ ٢٥١ صوتاً إزاء ٢٤٢ لمنافسة، وإذ ذاك أظهر الرجل نفسه، وكشف الحجب عن مضمره، فكتب دعوة عامة إلى الشباب الأمريكيين يقول فيها: إن الذين ينظرون إلينا من مسافة بعيدة، لا يشعرون بما يخفق بين جوانحنا من هزة المبدأ الروحاني الحار الذي يثب في أعماق نفوسنا، إنهم لا يدركون أننا وراء نشاطنا المادي الذي شدنا بفضله بناء سامياً شامخاً من المجد الصناعي المزهر لا زلنا أمة من الإيدياليين طلاب الكمال الإنساني، نبذل الحياة مسترخصة في سبيل الفكرة، كما نبذلها في سبيل الريال!.
فلما كان اليوم الرابع من شهر فبراير سنة ١٩١٧ أطارت أسلاك البرق في العالم كله النبأ بأن الولايات المتحدة موشكة أن تقطع علاقاتها وألمانيا وأن ويلسون قد دفع بجواز السفر إلى الكونت برنستورف سفير الألمان في جمهوريته وبعث أمراً إلى مسيو جيرارد سفيره في برلين أن يقفل عائداً إلى أمريكا.
ومضى ويلسون إلى مقر الحكومة لكي يقرأ على المؤتمر إعلان قطع العلاقات وكانت الحجرة غاصة بالقوم، وقد جلس جميع النواب في مقاعدهم، وساد السكوت، فلما أقبل يخطر في المجلس نهض الجميع فصفقوا له أحر تصفيق فلم يكد يفه بالكلمة الأولى من خطابه حتى عاد السكون إلى نصابه، وكان من قوله: لقد ساقتنا الظروف إلى تأكيد حقوقنا تأكيداً فعلياً حاراً صريحاً ولعلنا مشتركون في هذه المجزرة بأشد ما يكون من قوتنا على
стр. 2350
الرغم منا.
على أن استمرار الاعتداء على السفائن الأمريكية في عرض البحار من غوائل الغواصات، ولاسيما السفينة فيجلانسيا والسفينة ممفيس وغرق عدد عظيم من الأمريكيين جعل إعلان الحرب مؤكداً لا ريب فيه، وكذلك كان شهر فبراير عام ١٩١٧ تاريخاً مشهوداً في سجل الولايات المتحدة منذ حرب الاستقلال، إذ أعلن ويلسون الحرب على ألمانيا، وهو يقول: إنه لأمر رائع مخيف أن يساق هذا الشعب العظيم الهادئ إلى الحرب، بل إلى أكبر حروب الدنيا هدماً وتخريباً ولكن الحرص على الحق أثمن من الحرص على السلم.
следующие страницы →