← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

والبربري. ربما يكون خطأ مني ذكرى هذا النوع حين التكلم أمام حضراتكم عن الأدب ولكن ساقني لذلك ما أرى من تهافت كثير من شبابنا الراقي عليه، وتهافت الشباب الراقي من شأنه أن يبعث إلى هذا النوع حياة لا شك ستنتهي بانتهاء الحرب التي كانت سبباً في قيامه ولكنها تكون إلى ذلك الحين حياة قوية تؤثر في أعصاب المجموع القاهري ومن يلجأ إليه تأثيراً سيئاً. من ذلك ترون أيها السادة حال الأدب اليوم، اختناق الأنواع المهمة منه، وجمود ما يظهر أو ضعفه، وفوق هذا وذاك انصراف الجمهور عنه، ولا شيء أتعس على الأدب والأديب من انصراف الجمهور. إنا لم نتعود في هذه البلاد تقدير أعمال الأدب تقديراً عالياً، ولذلك لم يخرج أدبنا يوماً عن أن يكون أدباً صحافياً، لم يستقل بذاته ولم تتكون له حياة خاصة، ولا عجب فحياة الأدب مرآة حياة الأمة، ولكنا كنا إلى زمن أخير نهتم لهذا الأدب الصحافي ونعني به ولو بعض العناية، وكان هذا الأدب الصحافي نفسه يقوم أساساً لبعض أعمال أدبية وأخرى أدبية اجتماعية لا بأس بها، ولكنا اليوم قد فقدنا حتى هذا الأدب الصحافي ولم يبق لنا إلا مقاطيع الشعراء وبعض قطع كتاب التمثيل. ولست أريد أن أظهر أسفاً على هذه الحال فالأسف لا يجدي نفعاً، ولكني أريد أن أقول أن هؤلاء الذين استمروا يثمرون يستحقون كل إعجاب، لأنهم ظلوا لم يغيرهم التيار العام تيار اليأس الروحي والأمل المادي، ومن هؤلاء كتاب مجلة البيان، فليحيى البيان.

стр. 2347

الرئيس ويلسون وأمريكا الحديثة لقد كانت أمريكا ابتكاراً من ابتكارات أوروبا، وخلقاً من خلقها، وهي اليوم من حدود المكسيك إلى رأس هورن في أقصى جنوبها أشبه شيء بإسبانيا والبرتغال لأنها تتكلم بلسانيهما، وتتخلق بأخلاقهما، وتحوي سلالات وذراري من أحفادهما وأما الولايات المتحدة وكندا فصورة من بريطانيا وفرنسا. على أن أمريكا ليست نسخة حقيقية أصلية من أوروبا، فإن أولئك الطلائع الغربيين الذي انحدروا إليها بقلوب مخاطرة، وأرواح وثابة جريئة، ومادئ جليلة صادقة، لم يفروا من أوطانهم لكي يؤسسوا بناء الاستبداد في الناحية الأخرى، فإن الانكليز البيوريتان وإخوانهم الإيقوسيين الأولين كانوا على جانب عظيم من الشعور بالواجب وتقديس الحقوق الدينية والسياسية، فلم يعانوا المشقة في إبدال الحكومة الملكية القائمة على أساس من قوة الماضي والتاريخ والبطش ديمقراطية جميلة، وشادوا بناء حكومة الأمة وراء نوابها المختارين، وأصبحت أمريكا حكومات جمهورية وشعوباً من الجمهوريين. بينما أوروبا تنظر إلى هذا التطور الغريب، والانتقال المدهش، إذ بالحرب الكبرى قد نشبت في العالم المتحضر بأسره، فأثارت مبدأين متعارضين، متقابلين، هما الحق والقوة، ولم يلبث أن قامت الحرب النفسية في قلوب الأمريكيين، بين الدولار - الريال - وبين العقيدة الروحانية القديمة، مبدأ واشنطن وبن، ولبث حزب الحق ينتظر الموقف الذي ستقفه أمريكا في هذه الحرب، ولكن ذلك الرئيس الذي ألقى إليه تقاليد العالم الجديد نهض أمام شعبه فأعلن الحيدة في الحرب ورفض أن يدلي بسهم في تلك المجزرة، لأن هذا الرئيس ودرو ويلسون رجل ثاقب الرأي، بصير بالأمور، ولم تستطع الأحداث يوماً أن تسوقه إلى مخاطرة مجازفة، لأنه انحدر من أسرة كان مبدأها الاحتفاظ بالمشاعر الدينية منذ القدم، ثم نشأ نشأة علمية، وغذى من القانون، ولذلك لم يسلك نفسه وأمته في سلك المحاربين. والرئيس ويلسون ولد عام ١٨٦٥ في ولاية فرجينيا، من والدة إيرلندية المنبت وأب إيقوسي المحتد، وكان أبوه قسيساً فدفعه إلى الجامعة إذ شب عن الطوق، وأتم تعليمه الابتدائي والعالي ووضع كتابه الذي ظفر من أجله بشهادة الدكتوراه ووسمه بعنوان

стр. 2348

الحكومة المؤتمريةعام ١٨٨٥ ثم عين أستاذاً للتشريع في إحدى الجامعات حتى كان عام ١٩٠٢ وإذ ذاك أسندت إليه رئاسة تلك الجامعة، ونهض به الحزب الديمقراطي فتقلد وظيفة محافظ نيويورك في اليوم الثاني من شهر نوفمبر سنة ١٩١٠ ولم يمض عامان حتى سما إلى رئاسة جمهورية الولايات المتحدة، وأعيد انتخابه عام ١٩١٦. ولعل أكبر المهام التي يعانيها رجل واحد أن يعهد إليه الحرص على مستقبل مائة مليون، وأن يجد أمامه قرنين عنيدين، وعدوين لدودين وهما روزفلت وتافت الرئيسان السابقان وكان من ذلك أنه في عام ١٩١٤ فقد شيئاً كثيراً من أصوات أنصاره، ثم ألفى نحو عشرة ملايين من أهل جمهوريته يمتون إلى الألمان بالود أو القرابة ولكن روزفلت جعل يقول إن لأمريكا معدة قوية وستهضم بسرعة الأغذية الغريبة عنها ولم تلبث الولايات المتحدة أن انقسمت أقساماً واختلفت في الحرب شيعا، ولكن الرئيس ويلسون أبى إلا أن يحاول إلى النهاية الحرص على الحيدة الدائمة، فوقف في نادي الصحافة يخطب قائلاً: إن هذا الشجار قد ساق المتشاجرين المسهمين به إلى حدود نسوا فيها واجب المسؤولية، وقد جعل قوم يقولون لي إذا كان نصف الدنيا قد جن جنونه، فلماذا نأبى أن نندفع وراءهم، ولماذا لا ندخل في صميم الزوبعة ثم نعود إلى الإصلاح والبناء إذ تمر العاصفة، ويسكن الريح!. ولكن ألمانيا أرادت إلا أن تكون هذه الحيدة مستحيلة الإنفاذ، بذلك الحصر البحري الذي قامت به في أول الحرب، إذ أغرقت الباخرة لوزيتانيا، وكانت تقل بين مسافريها ١٢٤ أمريكياً. وإذ بلغ هذا الحادث أسماع الأمريكان ضجت الولايات المتحدة، وقامت المظاهرات والجلبة والصياح، فلم يكن من الرئيس ويلسون إلا أن أخرج شعبه من هذه الفتنة سالماً، لأنه علم أن ليس الغضب المؤقت هو الذي يستطيع أن يحل عقدة تلك الحرب، ولكن توقع الفائدة الكبرى هي التي يريدها هذا الشعب المختنق بالتجار وأهل الأدب والمزارعين وكان مبدأ ذلك الرجل العظيم الذي حررهم من الأسر، ونعني به جورج واشنطن مقدساً لديهم، معبوداً في قلوبهم، إذ علمهم أن لا يعقدوا محالفة ما بينهم وبين أية دولة غربية. وظلت عقيدة مونرو عزيزة لديهم، وهي تقضي بالامتناع عن التداخل في شؤون الغرب، وهذه العقيدة نشأت منذ عام ١٨٢٣ يوم كان مونرو رئيساً للجمهورية فأدرك ويلسون كل

стр. 2349

ذلك وجعل يضرب على نغمته حتى استطاع أن يسود على العواطف، ويمتلك في قبضة يده مشاعر الشعب، حتى أقبل عام ١٩١٦ بانتخاباته، إذ كان قد مضى عليه في الرئاسة أربعة أعوام وهو الزمن المحدد لبقاء الرئيس، والانتخاب للرئاسة في الولايات المتحدة حادث عظيم، وشان مذكور، يعدون له العدة أشهراً، ويظلون يهيئون له واجبه ليالي وأياماً، ويشترك كل فرد من الأمة فيه اشتراكاً عملياً محسوساً ولا يفتأ الشعب في سعي متواصل، وتحت تأثير عظيم، من شهر مايو حتى أوائل شهر نوفمبر. أما الحزب الجمهوري، فكان تحت زعامة روزفلت، وقد بايع رجلاً يسمى هيو، وأما الحزب الديمقراطي، فظل على مبدئه الذي سنه لنفسه منذ عام ١٩١٢ فاختار ودرو ويلسون، وكذلك بقيت الولايات المتحدة تلك المدة في نزاع وجدل، وتصويت حتى كان اليوم الثامن من نوفمبر إذ بويع ويلسون ظافراً بأصوات تبلغ ٢٥١ صوتاً إزاء ٢٤٢ لمنافسة، وإذ ذاك أظهر الرجل نفسه، وكشف الحجب عن مضمره، فكتب دعوة عامة إلى الشباب الأمريكيين يقول فيها: إن الذين ينظرون إلينا من مسافة بعيدة، لا يشعرون بما يخفق بين جوانحنا من هزة المبدأ الروحاني الحار الذي يثب في أعماق نفوسنا، إنهم لا يدركون أننا وراء نشاطنا المادي الذي شدنا بفضله بناء سامياً شامخاً من المجد الصناعي المزهر لا زلنا أمة من الإيدياليين طلاب الكمال الإنساني، نبذل الحياة مسترخصة في سبيل الفكرة، كما نبذلها في سبيل الريال!. فلما كان اليوم الرابع من شهر فبراير سنة ١٩١٧ أطارت أسلاك البرق في العالم كله النبأ بأن الولايات المتحدة موشكة أن تقطع علاقاتها وألمانيا وأن ويلسون قد دفع بجواز السفر إلى الكونت برنستورف سفير الألمان في جمهوريته وبعث أمراً إلى مسيو جيرارد سفيره في برلين أن يقفل عائداً إلى أمريكا. ومضى ويلسون إلى مقر الحكومة لكي يقرأ على المؤتمر إعلان قطع العلاقات وكانت الحجرة غاصة بالقوم، وقد جلس جميع النواب في مقاعدهم، وساد السكوت، فلما أقبل يخطر في المجلس نهض الجميع فصفقوا له أحر تصفيق فلم يكد يفه بالكلمة الأولى من خطابه حتى عاد السكون إلى نصابه، وكان من قوله: لقد ساقتنا الظروف إلى تأكيد حقوقنا تأكيداً فعلياً حاراً صريحاً ولعلنا مشتركون في هذه المجزرة بأشد ما يكون من قوتنا على

стр. 2350

الرغم منا. على أن استمرار الاعتداء على السفائن الأمريكية في عرض البحار من غوائل الغواصات، ولاسيما السفينة فيجلانسيا والسفينة ممفيس وغرق عدد عظيم من الأمريكيين جعل إعلان الحرب مؤكداً لا ريب فيه، وكذلك كان شهر فبراير عام ١٩١٧ تاريخاً مشهوداً في سجل الولايات المتحدة منذ حرب الاستقلال، إذ أعلن ويلسون الحرب على ألمانيا، وهو يقول: إنه لأمر رائع مخيف أن يساق هذا الشعب العظيم الهادئ إلى الحرب، بل إلى أكبر حروب الدنيا هدماً وتخريباً ولكن الحرص على الحق أثمن من الحرص على السلم.

стр. 2351

الأيدي القارئة كيف استطاع العلم الوصول إلى تعليم العميان القراءة والكتابة ما أثقل عبء الحياة، وما أعتم الكون، إذا عاش الإنسان في ظلام دامس، ومر بالعالم مروراً، ولم ير الشمس، إلا حرارة في اليدين، ولم يحس منها إلا دفئاً في البدن، ولكن ليس نور الشمس هو الذي يبدد وحده ظلام الحياة، فكثيرون من المبصرين، يعيشون في حلكة شديدة في أعمق مخابئ العيش، لأنهم أوتوا البصر، ولم يؤتوا البصيرة، ولم ينالوا حظاً من العلم، ولم يضربوا بسهم في التهذيب. ولذلك جاهد العلم في خلال القرن الماضي وخاتمة القرن الذي جاء قبله ليرسل نوراً ساطعاً يغني عن نور الشمس، إلى عين الأعمى، ليبدد حزنه، ويفتح إزاء روحه مغاليق الفكر، ويلهمه التأمل والابتهاج بأنه يعيش في قلبه، ويحيا في صميمه، والقراءة للأعمى هي البلسم العذب لجراح عينيه، والكتاب لديه هو الخدن الذي لا تمل عشرته والولي الذي لا يبرم بولائه ورفقته، أنه يعلمه وينسيه آلامه، وهو الذي يزكي روحه ويطهر فؤاده وينير بصيرته، وقد كتب رجل أعمى إلى صديق له إن لديّ كتباً أقرأها، هذا هو البعث، هذا هو الرجوع إلى الحياة، إلى النور، إلى حرية الفهم والإدراك. ونحن نذكر هنا تاريخاً موجزاً للعلم من هذه الناحية، ونبسط للقراء نبذة عن أولئك العظماء من سادة أهل العلم الذين وقفوا حياتهم على الوصول إلى الطرائق الميسرة لتعليم العميان كيف يكتبون ويقرأون، ولعلهم في التقدير الإنساني يقومون في الصف الأول من أبطال العلم الذين خدموا الإنسانية، وكفكفوا دموعها وآسوا جراحها. إن الرجل الذي مهد السبيل ووقف في الطليعة، هو العالم فالنتان هوى، فقد أوحي إليه في عام ١٧٧١ أن يخرج الفريق الأعمى من الإنسانية من آلامهم بتعليمهم العلم، إذ كان مقتنعاً بشدة ذكائهم ففكر في وضع كتب لهم بحروف بارزة، وفعلاً قام بعمل حروف طبوغرافية عادية ولكنها كانت كبيرة الحجم، وظاهرة التعاريج بحيث لا توجد أي صعوبة في معرفتها باللمس. على أن هذه التجربات الأولى التي قام بها ذلك الرجل لم تكن إلا تجربات طويلة ذات نتيجة ضئيلة، وأكبر عيوب الطريقة التي ابتكرها هي أن الكتاب الصغير يستلزم حجماً

стр. 2352

عظيماً، وسفراً كثيفاً ثقيل الوزن، لأنه لا يمكن طبع حروفها، لشدة نتوءها، إلا على وجه واحد من الصفحة، وكذلك تجد القراءة على تلك الطريقة بطيئة لأن الحروف لا تتميز بسرعة وقد استطاع بها فالنتان هوى أن يجعل العمي يقرأون، ولكنه لم يجد الطريقة التي بها يكتبون على أنه ولا ريب كان ممهد السبيل وكان الغازي الذي فتح طريقاً جديداً في العلم. ولكن مجد هذه الخدمة الجلية للإنسانية لم يقع إلا للعلامة لويس براي، ولد عام ١٨٠٩ وكان تلميذاً في معهد الشبان العميان وقد اخترع الطريقة التي سميت بعد ذلك باسمه عام ١٨٢٥. وأهمية طريقته أنه ابتكر أحرف هجاء خاصة، مدارها الرموز على شكل نقط أفقية وموازية، وأعطاها الأحجام المناسبة والنتوء الواجب بحيث لا يتكلف القارئ إلا تحريك أنامله تحريكاً منتظماً لملاحظة الخطوط وبهذه الطريقة استطاع العميان قراءة ١٥٠ كلمة في الدقيقة وهو المقدار الذي يقرؤه المبصر عادة، بصوت جهوري في نفس الوقت. وكان من هذه الطريقة كذلك أن تمكن العمي من الكتابة وهذا بإحداث نتوء الخطوط والنقط بواسطة مخراز على الورق، ولكن الصعوبة الأولى في ذلك هو إيجاد وسيلة للمحافظة على اطّراد الخطوط والكلمات وسيرها على الورق بنظام، دون أن يقوم بعضها فوق بعض، ويختلط الكلام بالكلام، ولكن العلامة لويس براي، أزاح تلك الصعوبة، فوضع جدولاً على شكل لوحة من المعدن الرقيق محفورة خطوطاً متوازية، توضع فوقها صفحة من ورق خاص. وفي هذا الإطار الذي يحتوي اللوحة النحاسية والورق توجد مسطرة صغيرة مثقوبة ثقوباً على شكل مربعات مستطيلة قائمة الزوايا كل منها في حجم الحرف، وفي هذه المربعات يخط مخراز الأعمى بواسطة هذه المسطرة النقط التي يريدها. والرموز التي وضعها العلامة براي للكتابة هي نفسها التي وضعها للطبع، ولكن الأعمى يستخدم في الطبع حروفاً متحركة ويصف هذه الحروف في لوحات، كالمتبع في الطبع عادة، وكثيرون من العمي يحترفون الآن حرفة الطباعة وصف الحروف، ويشتغلون بجانب زملائهم المبصرين، ولا يقل عملهم في الإحسان والإتقان عن عمل رصفائهم،

стр. 2353

ولكنهم لا يستطيعون مساجلتهم في السرعة، لأن الصفاف الأعمى يضطر إلى قراءة الحروف بملمس أصابعه قبل أن يشرع في جمعها. حتى إذا انتهى الأعمى من رص حروفه، في اللوحات المعدة لها أخذت هذه اللوحات وهيئت للطبع، والورق الخاص به عادة يختار من النوع الكثيف الخشن ولذلك يبل قبل إعداده للطبع ثم ينشر على اللوحات ويضغط عليه بواسطة قطعة ناعمة من الجلد بشدة حتى تنقل الحروف على الورق دون أن تثقبها، ثم يسحب الورق إذ ذاك وينشر لتجفيفه، وقد اخترع العلامة باري بعد ذلك آلة تسمى الأستروميت وهي في غاية البساطة، واستعيض بها عن وضع صفحات الورق فوق اللوحة، وذلك أن ليس على الصفاف الأعمى إلا أن يكتب مباشرة بمخراز من الصلب فوق صفحة من الجلد أو الزنك، وهذه الطريقة تشبه طريقة حفر الكليشيهات ولكن هذه الآلة لا تزال ناقصة من ناحية، إذ من الصعب تصحيح الحروف، وتستلزم نفقات كثيرة لشراء لوحات من المعدن، ولكنها حسنة مغنية من ناحية السرعة في العمل. وأصعب ما في الطباعة العمياء موضوع الورق فإن الكتاب يستلزم مقداراً عظيماً منه لأن كل حرف ٧ ملليمترات طولاً و ٥ ملليمترات سعة ولا مقدرة على تصغيره دون هذا الحجم ثم ليس في الاستطاعة طبع الحروف على ظهر الصحيفة، ولا بد أن يكون الورق من الغراء الخشن والضرب الكثيف ولذلك كانت الكتب الأولى التي طبعت على طراز براي نادرة جداً وغالية الثمن، وعظيمة الحجم. ولكن مهارة العميان وذكاءهم وقوة تفكيرهم استطاعت التغلب على هذه العيوب إذ اخترعوا طريقة الكتابة بين السطور وبها تمكنوا من الطبع على وجهي الصحيفة. وقد أدخلت على هذه الطباعة ضروب كثيرة من التحسينات، ولا يزال العلماء المشتغلون بتهذيبها يفكرون في الإكثار من وسائل التحسين، ولكن لا تزال الكتب التي تخرج للعميان عظيمة الحجم، غالية الثمن، والكتاب الواحد المؤلف من مائتي صحيفة يزن كيلو غرام، وقد طبع كتاب العلامة سورل للعميان وهو أوروبا والثورة الفرنسية، فاستغرق ١١٤ مجلداً، وكان ثمن الجزء الواحد منها قبل الحرب ثمان فرنكات، ولهذا كان تأسيس مكتبة صغيرة منزلية من هذه الكتب يكلف صاحبها مالاً طائلاً، ولا تجد كثيرين من العميان

стр. 2354

يتيسر لهم ابتياعها ثم هي كذلك تتطلب مكاناً رحيباً لكي يسعها. ولهذا كسدت الكتب التي طبعت على طريقة براي في السنين الأخيرة لأنها تكلف الناشرين مبالغ عظيمة ولا تجد قراء وطلاباً عديدين. ومثل هذه الكتب لا تطبع في فرنسا إلا بفضل مجمع الشبان العميان والعميان التابعين لجماعة القديس بولص. على أنه سيبقى عدد الكتب المطبوعة منها محدوداً، ولكن بفضل الكتب الخطية، يجد جمع كبير في فرنسا من العميان ما يسد حاجتهم إلى القراءة والتعلم والاطلاع، فإن جمعية فالنتان هوي التي تأسست عام ١٨٨٣ في باريس قد أنشأت للفريق الأعمى من أهل فرنسا مكتبة تحتوي كتباً خطية مفتحة الأبواب للجميع، وهي اليوم غنية بالكتب وإن كانت لا تكفي وحدها لسد الحاجة فقد كان لديها في أول الأمر مائة مجلد فصارت إبان الحرب خمسين ألفاً تحتوي اثني عشر ألف كتاب، وهذا العدد لا يزال آخذاً في التكاثر والنماء. وهذه الكتب تعار للجميع الراغبين في استعارتها، وترسل إليهم في الولايات والريف وفي المستعمرات، بل وفي كندا، وهي متعددة الفنون، مختلفة الأنواع، ولا تزال قائمة كتبها تحتوي ما يوافق أذواق الجميع، والعميان يقبلون على قراءة الروايات، ولكنهم أشد ما يكونون إقبالاً على كتب التاريخ والفلسفة والعلوم، وفي المكتبة كتب للشباب والأطفال، من كل نوع وفي كل فن. والشعراء المختلفون إلى تلك المكتبة يقرأون جزأين عادة في الأسبوع، ولكن منهم من يقرأون مئات في العام وكانت المكتبة تعير قبل الحرب ثلاثة آلاف مجلد في الشهر. ولعل السبب في تكاثر عدد الكتب الخطية، هو بفضل أهل القلوب الرحيمة، والإحساس الحار المتوقد، وذلك أن الجمعية لا تكاد تنشر في الناس الدعوة إلى من يتطوعون من المبصرين إلى نسخ مجلدات للعميان على طريقة براي، حتى يتبرع الكثيرون، رجالاً ونساءً وشباباً، بل وأطفالاً إلى الخدمة، لكي يتعلموا الحروف الهجائية التي ابتكرها براي ويتمرنوا على الكتابة بها، ولا تستغرق مدة التمرين زمناً طويلاً، بل من هؤلاء المتطوعين الكرماء من يقدمون للمكتبة خمسة وعشرين مجلداً منسوخاً من مؤلفات الكتاب على الطريقة العمياء، في العام.

стр. 2355

تلك خدمة جليلة قدمتها الإنسانية البصيرة إلى الإنسانية العمياء، في قطعة متحضرة من الدنيا، فلماذا لا ندرس هذا الموضوع ونهيئ له الأسباب في هذا البلد الذي يبلغ فيه العميان عدداً عظيماً مذكوراً، ولماذا لا تعمد جمعية تحسين حال العميان إلى إنفاذ هذه الطريقة في مصر، فتؤدي أكبر خدمة للذين تأسست من أجلهم.

стр. 2356

مطالعات نوادر العميان حدث بعضهم قال: نزلت في بعض القرى وخرجت بعد هدأة من الليل لأقضي حاجة فإذا أنا بأعمى على عاتقه جرة ومعه سراج فقلت له: يا هذا، أنت والليل والنهار عندك سواء، فما معنى السراج؟ فقال: يا فضولي، حملته معي لمن كان أعمى البصيرة مثلك، يستضيء به فلا يعثر بي فأقع أنا وتنكسر الجرة، وقال بعضهم: يقال أن أهل هيت يكون أكثرهم عوراً، فرأيت رجلاً منهم صحيح العينين، فقلت له: إن هذا لغريب! فقال: يا سيدي إن لي أخاً أعمى قد أخذ نصيبه ونصيبي، وتزوج رجل أعمى من امرأة قبيحة، فقالت له: رزقت أحسن الناس وأنت لا تدري فقال لها: يا بظراء أين كان البصراء عنك قبلي؟ وكان بحرم سيدنا الخليل ﵇ شخصان أعميان أحدهما ناظر الحرم والآخر شيخه فأراد الناظر عزل الخطيب فعارضه الشيخ ومنعه فقال له الناظر كأنك قد شاركتني في النظر فقال له، لا بل في العمي فاستحى واستمر الخطيب، وجاء رجل بشار بن برد الشاعر الأعمى فسأله عن منزل رجل ذكره له فجعل بشار يفهمه ولا يفهم فأخذ بشار بيده وقام يقوده إلى منزل رجل وهو يقول: أعمى يقود بصيراً لا أبالكم=قد ضل من كانت العميان تهديه فلما وصل به إلى منزل الرجل قال له: هذا منزله يا أعمى، وإذ جر الحديث إلى ذكر بشار فلنورد شيئاً من نوادره عامة، أنشد بشار يوماً أبياته التي يقول فيها: جفت عيني عن التغميض حتى ... كأنّ جفونها عنها قصار إلى أن قال: كأن فؤاده كرة تنزى ... حذار البين أن نفع الحذار يروعه السرار بكل أمر ... مخافة أن يكون به السرار فقال له رجل: أظنك أخذت هذا من قول أشعب، ما رأيت اثنين يتساران إلا ظننت أنهما يأمران لي بشيء: فقال بشار: إن كنت أخذت هذا من قول أشعب فإنك أخذت ثقل الروح والمقت من الناس جميعاً فانفردت به دونهم، وحدث بعض الشعراء، قال: أتيت بشار الأعمى وبين يديه مائتا دينار فقال لي خذ منها ما شئت أو تدري ما سببها قلت لا، قال:

стр. 2357

جاء فتى فقال لي أنت بشار فقلت: نعم فقال إني آليت أن أدفع إليك مائتي دينار وذلك أنى أحببت امرأة فجئت إليها فكلمتها فلم تلتفت إليّ فهممت أن أتركها فذكرت قولك: لا يؤيسنك من مخدرة ... قول تغلظه وإن جرحا عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعد ما جمحا فعدت إليها فلازمتها حتى بلغت منها حاجتي، ولولا أن الفسوق قد استشرى في عصرنا هذا، وأن شبابنا حرسهم الله قد سبقوا بشاراً في معنى بيتيه هذين وأمعنوا إلى ما لا يخطر على بال بشار وتكشفوا عن أقصى غايات الصفاقة ورقاعة الروح لكنا اختشينا ذكر مثل هذين البيتين في البيان، وإلا فإن المهدي الخليفة العباسي لما بلغه عن بشار هذا الشعر ثم قدم عليه بشار فاستنشده إيه فأنشده طار الغضب إلى رأسه - وكان المهدي غيوراً - وقال لبشار: تلك أمك يا عاض كذا وكذا من أمه؟ أتحض الناس على الفجور وتقذف المحصنات المخبآت والله لئن قلت بعد هذا بيتاً واحداً في النسيب لآتين على روحك، ثم إن بشاراً لم يحظ من المهدي بعد ذلك بشيء على الرغم من ائتماره بأمر المهدي وإقلاعه عن النسيب وإكثاره من تمداحه حتى أن بشاراً لما ضاقت عليه الدنيا من جراء ذلك هجا المهدي أقذع الهجاء فسعى به يعقوب بن داود وزير المهدي، وكان يعقوب هذا مضصغنا على بشار إذ هجاه بقوله: بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الزق والعود فدخل يعقوب على المهدي فقال له يا أمير المؤمنين إن هذا الأعمى الملحد الزنديق قد هجاك فقال بأي شيء فقال بما لا ينطق به لساني ولا يتوهمه فكري فقال له بحياتي إلا أنشدتني فقال والله لو خيرتني بين إنشادي إياه وبين ضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي فحلف عليه المهدي بالإيمان التي لا فسحة فيها أن يخبره فقال أما لفظاً فلا ولكني أكتب ذلك فكتبه ورفعه إليه فكاد ينشق غيظاً، وعمد على الانحدار إلى البصرة للنظر في أمرها فلما بلغ البطيحة سمع أذاناً في وقت ضحى النهار فقال انظروا ما هذا الأذان فإذا بشار يؤذن وهو سكران فقال له يا زنديق عجبت أن يكون هذا من غيرك أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران ثم دعا بابن نهيك فأمره بضربه بالسوط فضربه بين يديه على

стр. 2358

صدر الحراقة سبعين سوطاً أتلفه فيها فكان إذا أوجعه السوط يقول حس - وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع، فقال له بعضهم انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين يقول حس ولا يقول باسم الله فيقول بشار ويلك أطعام هو فأسمي الله عليه فقال آخر أفلا قلت الحمد لله قال أو نعمة هي حتى أحمد الله عليه فلما ضربه سبعين صوتاً بأن الموت فيه فألقى في السفينة حتى فاظ مات.

стр. 2359

تفاريق لماذا نكبر؟ سؤال صعب، وموضوع خطير، لا يزال العلماء يحاولون له جواباً، ويلتمسون له حلاً، ومنهم أكبر علماء هذا العصر، وسادة فلاسفته، ويلوح لهم أن السبب الأكبر في الشيخوخة هو تجمع مقدار معين من الفضلات الحية في الجسم على مدى العمر، والجسم يتخلص من كثير من هذه الفضلات بكل سهولة، ولاسيما من الغازات كحامض الكربونيك، ولكن منها ما لا يستطيع البدن أن يتخلص منه كل التخلص ويؤول به الأمر إلى تسميم الأجهزة وتصلب الشرايين والمفاصل، وإسقاط الشعر أو تشييبه، وإحداث الغضون والمكاسر في البشرة، والناس هم الذي يعجلون إحداث هذه التغيرات أو يبطئون أثرها في أبدانهم بحسب لون الحياة التي يحيونها، وسبل المعيشة التي يسلكونها. وقد ترى رجلاً في الأربعين يلوح أهرم وأكثر شيباً في المفارق، وأظهر شيخوخة من رجل في الستين، وليس كر الغداة ومرّ العشي هما وحدهما اللذان يحدثان الشيخوخة، ولكن ما يحدث في أجهزتنا على ممر أعمارنا، فأما اللذين يعيشون عيشة رزينة عاقلة، ولاسيما الذين لا يسرفون على أنفسهم شراباً وطعاماً وينامون النوم الذي يكفي جسومهم ويعدم أو يطرد السموم التي حدثت لها في يومهم، لا تعجلهم الشيخوخة كما تعجل الذين لا يعيشون عيشة منظمة، ومن الناس قوم خلقت لهم أرواح هادئة وطبائع ساكنة وهؤلاء تبطئهم الشيخوخة، ويمهلهم الهرم، والناس مصيبون في الاعتقاد بأن الهموم والأحزان تكبر الناس قبل أعمارهم، والحقيقة أن هذه الآلام النفسانية تضعف القوة التي في البدن على قتل السموم، وكذلك ترى ذوي الطبائع المضطربة العصبية يموتون قبل أهل الطبائع الهادئة الساكنة. وجملة القول أنا نستطيع أن نقول إن اللذين لا يهرمون سريعاً هم الذين يرعاهم الأطباء الثلاثة، الهدوء والحمية والعقل. لماذا يعد العيش في الريف أصح من عيش المدن؟ ليس هناك في الحقيقة إلا سببان يرجحان بعيش الريف على أخيه عيش المدن، ولكنهما لا يزالان من الخطورة بمكان عظيم فأولاً الهواء الذي نتنفسه دافعاً إلى اللهي والرثات من

стр. 2360

الحقول هو بلا ريب أنقى من الهواء الفاسد الذي نعيش في صميمه في المدينة، ولا يحتوي ما يحتويه عيش المدن من الأتربة التي أكثر ما تكون خطرة فاسدة، ولأنه غير مفعم بالغازات السامة التي يحملها هواء المدينة، ثم إن فعل أشعة الشمس أشد أثراً في الريف منه في المدينة حيث الناس مختنقون في الدور المظلمة والمساكن البعيدة عن مهبط الشمس، والشمس من أكبر معدمات الجراثيم والنور من أشد أعداء القذارة والتعفن. ونستطيع كذلك أن نزيد على هذا أن السكون والهدوء المستتب في القرى والريف يسكن الجهاز العصبي، وإن الإنسان في الريف أبعد ما يكون من الملاهي والملذات ووسائل الفساد والترف ويستطيع في الريف أن يتلهى برياضات تحصن الجسم وتنقي الروح، ولا يتيسر ذلك في المدائن. على أننا لا نستطيع أن نجزم بأن المعيشة الريفية بريئة من العيوب من ناحية قانون الصحة، بل هناك ضرران عظيمان، ومنقصتان كبريان، إحداهما من ناحية المياه الصالحة للشراب، وثانيتهما المجاري والمصارف والبالوعات، إذ لا تجد في كثير من بلدان الريف ماء للشراب غير ماء الآبار ويجب اتخاذ الحيطة من هذا الضرب من المياه، لأن الآبار من العادة أن تحفر في أراضي متخللة كثيرة المنافس والنبعات قريبة من المساكن ولذلك قد تمتزج المياه القذرة والمياه الراسبة الآسنة بمياه الآبار وتفسدها وتلوثها بجراثيم أمراض خطيرة معضلة، وكذلك عدم وجود المجاري والمصارف التي تسوق هذه الرواسب والمواد البرازية التي تخرجها الحيوانات والناس إلى مسافات بعيدة عن الدور قد تحدث أضراراً لا يستهان بها ولو كان في مكنة الإنسان إذا أراد أن يجعل في الريف مقامه أن يجعل داره على منال ماء ظاهر متدفع غير آسن أو آبار صخرية عميقة الغور تخرج مياهاً نقية، لتحصن من شر هذه الآفة الضارة، وعندما يدور الزمن دورته ويتبين للشعوب الفوائد الجلى التي تعود على الناس من الهواء الطلق الطاهر والنور قد يجمعون الرأي على أن يكون بناء القرى الريفية على حال بريئة من هذه المضار. ويجب على الحكومات أن تعمل على أن لا يلوث الهواء في المدينة بهذا الدخان الكثيف والروائح الكريهة والغازات والأبخرة الضارة التي أكثر ما تخرج الآن من البيوت المتجاورة المختنقة في المدينة ويجب أن لا تكثر هذه البيوت الصغيرة المعتمة القاتمة، بل

стр. 2361

يحسن أن يكون لكل بيت حديقة وأن يكون مرتفعاً ارتفاعاً متناسقاً مع البيوت المجاورة له، ويجب أن يعمل على قتل هذه الضوضاء الصخابة في الطرق بأن يغشي أديم الطريق بطبقة تجعل حركة العجلات المتدحرجة فوقها هادئة ساكنة لا يسمع لها هذه القعقعة المزعجة.

стр. 2362

الصحيفة النقية البيضاء صحيفة الحساب الختامي لوقف المغفور له أحمد منشاوي باشا لعل أعدل السنن التي استنها الناس للتوريث أن تنحدر الثروات والأملاك إلى الوارثين أوقافاً ثابتة، في نجوة من شر البيع وغوائل التبديد، وكثيراً ما ضاعت ثروات عظيمة، وباد وفر طائل، لم يحرص عليه صاحبه فأرسله إلى ورثته إرسالاً وبسطه لهم بسطاً ولم يقيدهم به ويقيده بهم، وكثيراً ما يقذف المورث بتراثه فلا يدع لهم فيه متنفساً للزكاة والخير والبر وإيتاء المعروف فينطلق من بين أيديهم لا بركة فيه. نقول ذلك وقد وقع لنا منذ أيام صحيفة الحساب الختامي للعام المنصرم لوقف من أكبر أوقاف مصر وأذخرها بالحسنات والصدقات والمبرات، تركة رجل من أعرق أهل هذا البلد أرومة وأكرمهم عنصراً، من أولئك الذين ودّوا لو يملأون الأرض بهجة ونعمة وبراً، وينضبون مادة الدموع من الحياة، ويقتلون الحزن الإنساني قتلاً، ويرسلون النور في الأكواخ والكهوف والدور، ونعني به الرجل العصامي المعطاء المحسن المرحوم أحمد باشا المنشاوي، فقد مات ذلكم الرجل عن وقفه العظيم الحافل بالبنود والنصوص البارة بالفقراء، الضاربة بأسهم في البر وفعل الخير، فما عتم أن وقع في يد رجل من غرسه، وزرع من زرعه، فاحتفظ بالتراث وأزكاه، ونهض بالوقف وأنماه، والرجل العظيم الذي يكل إليه عظيم مثله البصر بأمر عظيم مثلهما خليق بان ينهض به، ويقوم عليه أحسن القيام لأنه لا يلاقي في ذلك من الجهد غير ما ينبعث من طبيعته النقية وضميره الحي وخيمه الصالح ونشاطه المتوثب، فلا غرو أن يحرص على فضل ذلك الوقف وإنفاذ وصاية الواقف، الناظر الفاضل الشريف الذي ظل أعواماً يدير شؤونه وينظر في أموره ونريد به حضرة بسيوني بك الخطيب، فقد ملأ قلوبنا فرحاً وأثلج منا الصدور إذ قرأنا صحيفة ذلك الحساب فألفيناها مفعمة بالأدلة الجلية الساطعة تشهد على فضل ذلك الرجل الحازم البصّار بالأمور المضطلع بعظائمها، ورأينا الحسنات فيها تتلاقى بالصدقات، والمبرات تزدحم والمكرمات، بين مساجد تعمر، ومعاهد علم تعضد، ومستشفيات تأسو الجراح، وتفتك بالأمراض، وفقراء يطعمون، وعشائر يكسون ويرعون إلى ما في شروط الوقف من خير، وما في فؤاد الناظر من وجدان يتعرف أقوم السبل لصلاح أمر الوقف وإنعاشه، وتثمير الثروة واتساعها،

стр. 2363

وكذلك أراد الله للمنشاوي البار الرحيم العاطفة رجلاً حفظ له الذكرى الجميلة، وناب عنه في الحرص على مواضع الخير فارتحل المنشاوي عن الحياة، وقام بعده في الفضل فضل مثله، فنعم الرجلان، المورث والقائم على التراث.

стр. 2364

العدد ٤٣ - بتاريخ: ١ - ٩ - ١٩١٨

стр. 2365

أناطول فرانس ومختارات من كتبه يعيش اليوم في العالم شيخ أربى على السبعين، ولا يزال يشارك الدنيا في شؤونها بنشاط الفتيان، ويعني بالبحث في أسرار الحياة وفلسفتها بحدة الشباب، وهمة الأقوياء، وقد ظفر بالسيادة في الأدب، وامتلك القمة العالية في التفكير، وأصبحت كتبه وتواليفه فرحة رواد الأدب وعشاقه، وأفكاره وخواطره حديث أهل الفكر وسادته، إذ جاء بآراء جديدة، وانحرف في الفلسفة عن سبيل الفلاسفة الذين تقدموه فقذف إلى الدنيا بنظريات طلية طريفة، وهو محبوب من كل قارئ متأدب، أصاب الإعجاب عند كثير من المهذبين، ذلكم هو أناتول فرانس، الكاتب الذائع الذكر في فرنسا، الطائر الشهرة في كل مملكة يفتح فيها كتاب، ويدرس فيها أدب. وهو اليوم قد بلغ صميم الشيخوخة، وانتهى إلى سن القعود والوهن، ولكنه لا يزال يكتب ويفكر ويسهم في كل ما يشغل أذهان الكتاب، إذ كان مولده عام ١٨٤٤ ولعل الفضل في نبوغه أنه منذ طفولته وعهد شبيبته كان يعيش بين المجلدات الضخمة والتواليف العظيمة، محاط في كل مكان بالكتب والأسفار، فقد كان أبوه ورّاقاً كتبياً يصيب رزقه من بيع الكتب، فنشأ أناتول مجلداً صغيراً متحركاً في المكتبة، ينقل الكتاب من الدرج إلى الدرج ويحمل السفر الممتع من ناحية إلى ناحية ولا يفوته أن يلقى نظرة على عنوان الكتاب ليعرف اسم المؤلف، حتى إذا شب عن الطوق جعل يوغل في فهم الكتاب أثر الكتاب، فكان كل ذلك غذاءً طيباً لذهنه الخصيب زاده نبوغاً ومدى فسيحاً تجري فيه عبقبريته، ونحن نقتطف قطعاً قصيرة مختلفة من طائفة من تواليفه. مختارات من كتاب صديقي بين كتب أناتول فرانس مؤلف وسمه بهذا العنوان كتاب صديقي وهو تاريخ أناتول فرانس، ووصف لحياته، وأغرب ما في كتب هذا الفيلسوف الغريب أن بطل كل كتاب من كتبه وقصة من قصصه، كأنه صورة من أناتول فرانس نفسه، ورسم حقيقي لخلقه، وكتاب صديقي هذا سفر بديع رائع تلتقي فيه الفلسفة الفكهة، بالأدب المطرب الخفيف الروح. ١

стр. 2366

الكوكب أتمت ابنتي سوزان في هذا المساء اثني عشر شهراً من عمرها وقد امتلأت في الاثني عشر شهراً هذه التي عاشتها في هذه الدنيا القديمة والكوكب العجوز المسن، بالشيء الكثير من علم الحياة، وخبرت العالم، ولو أن رجلاً استطاع أن يكشف في مدى اثني عشر عاماً الحجب عما اهتدت إليه ابنتي سوزان في اثني عشر شهراً، إذن لكان رجلاً إلهياً مقدساً خالداً، والأطفال الصغار لا تزال لهم عبقرية مجهولة لا تدركها الأبصار، وهم يصلون إلى إدراك الحياة بنشاط يفوق طاقة القوة الإنسانية، وخفة لا تزال تقرب من الخفة الشيطانية. فهلا تعتقدون أيها الناس أن هؤلاء المخلوقات الدقيقة تنظر وتحس وتتكلم وتقارن وتفكر وتتذكر، هل ترونهم وهم يمشون ويدرجون ويغدون ويروحون، أتشهدونهم وهم يلعبون ويلهون، بل أعجب أمورهم، وآخذها باللب، وأبعثها على الحيرة والذهول أنهم يلعبون، لأن اللعب هو أساس جميع الفنون، هو المادة التي استمد منها العالم جميع الآداب والعلوم، أليس شكسبير عمركم الله إلا لعباً وعرائس، وأغاني وأناشيد ولسوزان سلة كبيرة مفعمة باللعب، منها لعب من صنع الطبيعة، وأخريات من صنع الصانع، ومن يد العامل، بين حيوانات من الخشب وأولاد من المطاط، ومنها كثيرات لم تخلق لتكون لعباً فأسعدها الحظ أن أصبحت على يد سوزان كذلك، فمن أكياس نقود قديمة ومن صندوقات محطمة، ومن مساطر ومن مقصات ومن دليل من دلائل السكة الحديد ومن كراسة بالية ممزقة، وفي كل يوم تخرجها سوزان فترتبها فوق مخدتها وتدفعها إلى أمها، ولا تعلم لها شكلاً، ولا ترى فارقاً بين هذه الأشياء الصغيرة، وبين الأشياء الأخرى التي في العالم، وعندها إن العالم بأجمعه ليس إلا لعبة عظيمة مقطوعة ومرسومة. فلو أننا تعمقنا في نظر هذه الفكرة التي تجول في تلك الروح الصغيرة، وهذه العقيدة في الطبيعة وفي الحياة، إذن لا عجبنا هذا المنطق، ولكن نحكم عليها من ناحية أفكارنا، لا من ناحية أفكارها هي وخواطرها، ولأنها لا تملك العقل الذي لنا نحن نحكم بأن ليس لها عقل، فياللظلم وياللجور وياللطيش، ولكني أنا الذي أعرف كيف أنظر إلى الأمور من ناحية حقائقها أرى روحاً وعقلاً حيث لا يرى الناس إلا ثرثرة وغرائب لا اتصال بينها ولا رابطة.

стр. 2367

على أنني لا أحب أن أروح طائشاً أمامكم وأرمى بالغلو في حب ابنتي إلى حد العبادة فلست عابد أطفال، ولست أقول أن ابنتي أجمل وأذكى من أية طفلة أخرى، ولست أغالي وأذهب بعيداً في الوصف، بل أقول لأمها صديقتي العزيزة ها نحن قد ظفرنا بطفلة جميلة ذكية. قالت زوجتي: حمداً لله أنه خلقها كذلك وراحت تعد الفراش لرقاد الطفلة وجاءت تأخذها إلى النوم ولكن سوزان أصرت بعناد شديد على أن تظل يقظى، ولا تأوى إلى المهاد المعد لها، لأنها جعلت تغيب يديها الصغيرتين في جوف دولاب في الحجرة مفعم بالأمتعة. قلت لزوجتي انظري ما أجملها في هذا الدولاب أن سوزان ليست بديعة فيما تعرف فقط بل إنها لأبدع فيما لا تعرف، إن جهلها بالأشياء مع اهتمامها بها، لا يزال يدل على أنها أوتيت روحاً من الشعر! فلم أكد أفه بهذه الكلمات حتى التفتت إلى زوجتي ضاحكة ساخرة مني وأنشأت تقول، لك الله! أتقول أن سوزان شاعرة! أتتكلم عن شاعرية طفلتك! ولكن ابنتك لا تتلهى إلا في المطبخ بل لقد رأيتها منذ أيام مشرقة الوجه متهللة الوجه وهي في وسط الزبالة وكناسة المطبخ، فهل تسمي هذا منها شعراً؟ قلت: بلا ريب يا زوجتي، بلا ريب أن الطبيعة بأسرها تلوح لديها طهارة تامة كاملة حتى لا نرى في العالم شيئاً قذراً مطلقاً، حتى ولا في مقطف الزبالة ولهذا ترينها غائبة مضطجعة بالأمس وهي فرحة مسرورة في وسط أوراق القرنبيط وقشور البصل وشراشير الجزر، تلك مسرة عظيمة لها لأنها تغير الطبيعة عندها بقوة ملائكية وكل ما تلمسه بيدها يشعرها بفكرة الجلال والجمال،. . . وبينا نحن في هذا الحديث إذ تركت سوزان الدولاب ودنت إلى النافذة فتبعتها أمها وأخذتها بين ذراعيها، وكان الليل ساجياً دافئاً والسكون سائداً، فصمتنا نحن الثلاثة. ففي هذه الهدأة الساحرة رفعت سوزان ذراعيها عالية بقدر ما استطاعت، وبطرف أصبعها أشارت إلى كوكب هناك في بهرة السماء، وهذا الإصبع الدقيق جعل يتلوى بين الفترات كأنما ينادي أحداً. وكذلك راحت سوزان تكلم الكوكب. . .!

стр. 2368

وأما حديثها الذي طارحته النجم فلم يكن كلمات وألفاظاً، بل كان حديثاً غامضاً ساحراً، بل أنشودة غريبة، فلم يسع أمها إلا أن قالت وهي تحتضنها حقاً إن الطفلة لشاعرة!. آراء مسيو جيروم كونيارد مسيو جيروم كونيارد اسم كتاب وضعه أناتول فرانس ليرسم فيه صورة من صور رجال الدين وآرائهم في الحياة وقصد به إلى التهكم عليهم والسخرية من مذاهبهم في الحياة ونحن نقتطف آراء مسيو جيروم في العلم. ٢ الفلسفة والعلوم إن الإنسان يا بني ليس إلا حيواناً أحمق وليس تقدم روحه إلا نتيجة من نتائج ضلاله واضطرابه ونزقه، ولهذا تراني يا بني أهزأ بذلك الذي يسمونه العلم وتلك التي ينعتونها الفلسفة فهما ليسا عندي إلا صوراً متناقضة وخيالات طائشة وهما فتنة من فتن الشيطان يغوى بها الأرواح، وضلة يستهوي بها النفوس، وأنت فإنك تراني في نجوة من الاعتقاد بتلك الشيطانيات التي تغلب على أذهان العامة، وتسيطر على رؤوس السوقة، وأنا لا أزال مع سادة رجال الدين في أن الشيطان لا يزال في قلوبنا ودمنا، بل نحن عفاريت الشر في صميم وجداننا، وما أشد غضبي من ذلك الذي يدعونه الفيلسوف ديكارت وجميع الفلاسفة الذين سلكوا مسلكه وجروا وراءه في طريقه، فأرادوا أن يجدوا في الطبيعة نظاماً للحياة، وسنناً للوجود، إذ ما هو علم الطبيعة يا بني إلا خيالات تتوارد على مشاعرنا وعواطفنا وماذا عمرك الله قد أحدث العلم، وماذا جاء به كل هؤلاء العلماء، وجميع أولئك الفلاسفة من ديكارت وشيعته إلى هذا الرجل الأحمق الجميل البديع مسيو فونتنل، لم يحدثوا يا بني إلا نظارات يضعونها فوق أعينهم، كتلك التي أضعها الآن فوق أنفي، أجل، ليس تلك المناظير التي يسمونها الميكروسكوبات والتلسكوبات وأخواتها ويغترون بها ويتفاخرون إلا نظارات لا تفترق عن نظاراتي هذه، بل يا فتاي ما تلك الآلات والأدوات التي يملأ بها العلماء مكاتبهم ومعاملهم وخزائنهم؟ ما تلك المناظير والاسطرلابات والبوصلات؟ أليست هي وسائل تعين العواطف على أوهامها، وتمدها في طغيانها وتزيد في الجهل، وتقربنا من الطبيعة وفي معرفة أسرارها كل الأذى والضر بل أن أكبر هؤلاء العلماء الجلة وأولئك

стр. 2369

المشيخة العظماء لا يختلفون عن العامة في شيء إلا في مقدرتهم على التلهي بأوهامهم التي يهيمون فيها وأغلاطهم المعقدة المتفاقمة التي يصيبونها، إنهم ينظرون إلى الكون من وراء زجاجات متشعبة المناظر، منعكسة الصور، بدلاً من أن ينظروا إليها بأعينهم نفسها خلواً من تلك المناظر، ويشهدوها بأبصارهم كما خلقها الله لهم، ولكنهم يمين الله لا يغيرون من جوهر العين باستخدام نظاراتهم، ولا يبدلون طبيعة الأحجام باستخدام تلك المقاييس ولا يغيرون الأوزان باستعمال تلك الموازين، بل إنهم ليكتشفون من وراء ذلك صوراً ظاهرة ليس غير، إن كراهتي للعلم لتشتد وتثور كلما رأيته بين الناس محبوباً معززاً مكرماً!! حديقة أبيقور هذا هو الكتاب البديع من بين كتب أناتول فرانس وتواليفه، لأنه ليس إلا خواطر متفرقة غير موصولة، وآراء منثورة متتابعة في شؤون شتى وموضوعات متباينة، على نحو تواليف نيتشه وخواطره، ولعل أمثال تلك الكتب أخف مساغاً على الروح وأقرب منالاً من النفس. ٣ كثير من الناس في هذا العصر تغريهم الحياة بالإيمان بأنا قد بلغنا نهاية الحضارة، وألممنا على خاتمة الدنيا، ووصلنا إلى الدرجة الأخيرة من المدنية، وإن العالم بعدنا سينساق إلى خاتمته، ويهوي إلى الهاوية، ويسرع إلى الفناء والانقراض، وهم في ذلك أشبه بسادة المسيحية القديمة إذ ظنوا أن الدنيا لا تستطيع أن تجوز العام الألف من تاريخ مولد سيدهم ولكنهم لا يزالون متكهنين عصريين، أوتوا ذوق الجيل والمدنية، ولعل ذلك باعثه العزاء والزهو كأنهم يريدون أن يقولوا أن الكون لا تطاوعه نفسه أن يعيش بعدهم. أما أنا فلست ألمح في الإنسانية أي دليل أو نذير للانقراض، ولست بنهاية الحياة مؤمناً، ولست لها مصدقاً، بل لا أعتقد أننا بلغنا شيئاً عظيماً من المدنية، وجزنا الخطى إلى نصيب وافر من الحضارة بل أرى أن ترقى الإنسانية نهاية في التراخي والبطء والمهل، وإن الفروق والاختلافات التي تبدو بين الجيل والجيل في الأخلاق والآداب من الضؤولة والدقة بحيث لا يكاد يلمسها الحس، ويشعر بها الذهن وإن كانت تدهشنا وتبغتنا وتقع منا على غرة على أننا قلما نلاحظ مظاهر الآداب وفروع الحياة التي لا نزال نجمد عليها كما عض

стр. 2370

آباؤنا من قبل، ولا تختلف في شيء عن آداب العصور القديمة، بل إن قطار الحياة بطيء، ومركبات المدنية متراخية، والإنسان دأبه الاحتذاء وعبقرية التقليد، وندر ما يحدث، وقل ما يكتشف، وضؤل ما يخترع ويبتكر بل إن قانون الثقل الذي ننسبه إلى الأرض إذ تجتذب إليها الأشياء الصغيرة الحجم عنها لا يزال يطرد في الحياة وفي كل أنواع العلم والحضارة ولقد كنت أجتاز أمس عرض الطريق فرأيت بناة يهدمون داراً قديمة مهجورة وأطلالاً بالية فشهدت الفعلة يحملون الصخر كما كان يحمله من قبل عبيد طيبة ونينوى ورأيت أزواجاً وبعولاً يخرجون من المصلى والمعبد القائم في ناحية من الشارع فيدخلون ألحان الواقع في الناحية الأخرى منه طلباً لأقداح الشراب والتماساً للكأس يلحون عليها ولا أزال أشهد الدنيا تتبع شرائع وقوانين قديمة يوم كان قيصر رومة شاباً يانعاً، فلذلك لا أنى أقول. . . لا شيء جديد تحت الشمس.

стр. 2371

فتاوى في الحب والزواج وضعت إحدى المجلات الانكليزية المشهورة عدة أسئلة خطيرة في الحب وألقتها إلى جمع من أكبر كتاب العصر في انجلتره، وآثرت منهم الروائيين على سائر الكتاب، لأنها علمت أن الروائيين هم كتاب العواطف، وأساتذة علم النفس، وهم أخبر بأسرار النفوس، وأوسع علماً بأفانين الحب من غيرهم، فجاءت أجوبتهم غريبة في بابها، لا تخلو من تناقض، ولا تزال متعارضة متباينة، ونحن ننقل إلى قراء العربية جملة من هذه الآراء بعد أن نبسط لهم هذه الأسئلة بترتيبها: الأسئلة السؤال الأول - أي الحبين أقوى من صاحبه، حب المرأة، أم حب الرجل؟ السؤال الثاني - هل ينبغي للمرأة أن تظهر حبها؟ السؤال الثالث - هل يجوز أن يحب المرء أكثر من شخص واحد في آن واحد؟ السؤال الرابع - هل يحدث الحب يوماً بمجرد النظرة الأولى؟ السؤال الخامس - أترون الزيجات القائمة على الحب خير ضروب الزيجات؟ السؤال السادس - هل يجوز أن تحب المرأة ذات الوجه الدميم كما تحب الحسناء؟ السؤال السابع - هل يمكث الحب إلى الأبد؟ الأجوبة فأجاب على هذه الأسئلة الكاتب الطائر الصيت والروائي المبدع هوراس انسلي فاتشل فقال: ١ - حب المرأة أقوى من حب الرجل عامة لأنها ترى في الحب معنى غير ما يرى فيه الرجال ويشغل الحب في فؤادها جميع أفكارها ووحي نفسها. ٢ - أعتقد أن الحب باعث الحب والهوى وليد الهوى والعالم ممتلئ بالنساء النصف والسيدات اللاتي اجتزن حدود الصبا يعشن وحيدات مبتردات العاطفة مريرات العيش لأنهن في بعض أدوار أعمارهن لأمر عظيم أو حادث تافه في تيار الحياة وآذيها، أخفين عواطفهن عن الرجل الذي كن يحببن حياء منهن وخجلاً أو كبراً وعزة أو تيهاً ودلالاً. ٣ - بلا ريب فإن متعددي الزيجات يؤكدون جواز هذا الحب وإني لأذكر رجلاً أخلص في

стр. 2372

حبه لزوجتين في عصمته إذ جعل يقسم بينهما بالسواء زمنه وماله وعواطفه ولم يعرف المرأتان قدر هذا الحب إلا بعد وفاة الرجل فراحتا تخلصان إحداهما إلى الأخرى وتحملان الحب الذي كان في جانحة الرجل لكل منهما. ٤ - لا شك في ذلك فقد حدث أن رجلاً من كبار القواد التقى بفتاة في صبيحة يوم فتزوجها في مسائه وعاشا على محض الحب والوفاء. ٥ - لا مشاحة في ذلك لأن زوجاً بلا حب إذا راح موفقاً مسهماً في النجح فإنه أشبه شيء باشتراك في متجر وتضامن على عمل. ٦ - أتظنون أن المرأة الدميمة تلوح كذلك في عيني الرجل الذي يحبها؟ فلكم من نساء قبيحات أرسلن وحي الحب في أفئدة على مر الزمن وكر الغداة والعشي. ٧ - هذا سؤال صعب الاهتداء إلى حله ولا يستطيع إنسان أن يجيب عليه ولكن لنتوقع أن يزهر الحب في تأثيره العظيم فيبقى آخر الحياة فكذلك يعتقد الروحانيون. آراء البارونه اورسازي وقالت البارونه اورسازي، وهي من أكبر الروائيات في العصر الحديث، وأخبر الكاتبات بالحب، وقد وضعت عدة من الروايات في الثورة الفرنسية، بذت فيها ديماس وأبدعت الإبداع كله، وقد اختلفت آراؤها في بعض النقط عن آراء الكاتب الذي بسطنا أجوبته: ١ - يصعب في المسائل التي تمت إلى علم النفس بسبب أن يرسل الإنسان القول عامة، ويعمم في رأيه، ولكن لنا أن نذهب إلى القول بأن حب المرأة أقوى من حب الرجل، لأنه أجلد منها على المقاومة والمغالبة، وأقدر على الاستمرار والبقاء، والحب عند الرجل - ونعني بالحب أسمى مراتبه وأطهر أنواعه، ولا نقصد بذلك إلى الحب الجنسي وإن كان قوياً شديداً - يجب دائماً أن يكون مقروناً بالاحترام والإعجاب بالخلق أو الذكاء النسائي - والرجل لا يستطيع أن يطاوع النفس فيتزوج بالمرأة التي لا يشعر من ناحيتها بشيء من الاحترام، ولذلك كان خليقاً بنا أن نذهب إلى أن في حب الرجل للمرأة تقديراً وتفكيراً معيناً إذ يحسب لحبه حساب الشرف والنبل وفضل المرأة التي يحب ومحاسنها، ولكن حب المرأة نقيض هذا الحب، إذ المرأة لا تحب الرجل لنبل قدره وفضله، ولكن كثيراً ما يكون حبها إياه على الرغم من ذلك، فإنها قد تخف إلى بذل مهجتها وسويداء قلبها طوعاً

стр. 2373

وبإخلاص نية إلى مخلوق حقير، خفتها إلى بذلها لرجل عظيم، وتمنح فؤادها مجرماً شنيعاً إذا وقعت في هواه، كمنحه البر الطاهر أخا الفضل، والرجل دائماً يقول في أعماق نفسه إذ يحس عيباً من العيوب، أن هذه المرأة ليست خليقة بأن تكون والدة لبني وأطفالي: وإن كان يحس نفسه أسيرة تلك المرأة ومفتونة بشخصها، ولكني أشك في أن تاريخ هذه العاطفة العظيمة كلها يحوي ذكر امرأة واحدة من نساء الدنيا قاطبة قالت في ظروف شبيهة بتلك. . كلا، إن هذا الرجل ليس خليقاً بأن يكون لأطفالي أباً، ولأسرتي رأساً!. . ٢ - إذا أحبت المرأة حقيقة فستجد نفسها لا تطاوعها على مغالبة كتمان حبها فإن هذا الحب سينم عن نفسه في مئات من السبل وألوف من الظروف التافهة الصغيرة، ولعل حبيبها لا ينتبه لذلك وإن كان يعمل على أن يجتذب حبه إليها إذ ليس في الحياة ما هو أشد من الحب الكامل الحقيقي مغناطيساً. ٣ - لا يقع ذلك مطلقاً، إذا كنا نقصد بالحب إلى الحب الحقيقي التام، حب الروح، أو القلب أو النفس أو أي اسم تختار للتعبير عن الجزء السامي في الإنسان إذا امتزج بحب البدن، وإنما قد يجوز أن يروح حب الرجل أو المرأة أسير شخص آخر بالحواس بينما يحتفظ بعاطفة عميقة نحو شخص غيره، ولكن هاتين العاطفتين في نفسهما لا تسميان حباً. ٤ - ليس الحب نباتاً ينمو وزرعاً يزكو، بل الحب قوة عنصرية روحانية تخلق خلقاً. ٥ - بلا شك، فليس أكره لنفس المرأة الحساسة، من زواج بلا حب، فإذا لم تكن امرأة ذات جانحة حساسة، بل كانت عروساً خشبية لا أقل ولا أكثر وكانت مادة بلا روح، ومدراً من الآجر الجميل، أو مخلوقاً بلا تفكير، يرضيها أن تكون فقط في بيت رجل، أو ذات مكان اجتماعي، فلا يرتقب من مثلها أن تجعل الرجل سعيداً، وهذا من ناحية المرأة، أما الرجل الذي يتزوج لسبب غير الحب، للمال أو للمركز أو لسبب من الأسباب المادية التجارية فليس إلا مخلوقاً أبله ضعيفاً لا يستطيع أن يجعل أية امرأة سعيدة. ٦ - تحب المرأة الدميمة أكثر من المرأة الحسناء، وفي أغلب الأحيان، لأن الرجل يحبها أولاً بجزئه السامي فإذا نجحت بعد ذلك في فتنة حواسه كذلك فلا يلبث حب الرجل لها أن يكون أشد وأروع وأثبت على البقاء من الحب الذي تظفر به المرأة الحسناء بكل سهولة، واعلم أن الرجل الذي يحب امرأة ليست جميلة لا بد أن يكون أرق طبعاً، وألين روحاً،

стр. 2374

وأقوى أعصاباً، وأشد وفاء من الرجل الذي يقع فريسة سهلة ذلولاً لفتنة امرأة حسناء، وهنا لا بد أن نقصد كذلك بالحب في أرق جوهره وسلطانه ونعني به العاطفة الكبرى، لا الرغبة الشهوانية الجسدية ليس غير. ٧ - الحب الحقيقي التام يبقى بلا ريب آخر الحياة، ولا يستطيع شيء في الأرض أن يقتله أو يذهب به ويبلى جدته، وقد تسأمه الحواس، ولكن الرابطة الروحانية تظل باقية بعد أن خطت يد الزمن خطوطها ووضعت طابعها وغضونها ومكاسرها في وجه الحبيب، والحب التام معناه الإيمان التام والثقة التامة والرفقة التامة للذهن والبدن، والاشتراك التام في المصالح والأفكار والخواطر والمطامع والأماني، وجميع قوى الظلام من حزن ومتعبة وسآمة وضجر وإغراءات نفس لا تستطيع أن تحدث أثراً في تلك القوة. ومثل هذا الحب الطويل العمر يوجد فعلاً، أكثر مما يتوهم الناس ولكنه لا يريد أن يعلن عن وجوده أمام عالم شهواني وقح. أجوبة وليام لكيه ورد وليام لكيه وهو من أكبر الروائيين في العصر، وتعد رواياته بالعشرات، ولا يزال اسمه كل يوم يدور في صحف الغرب فقال: ١ - المرأة عادة هي التي تقوم بتضحيات أكبر من تضحيات الرجل وكل امرأة تحن إلى الحب، على حين ترى الرجل كثيراً ما يعد قلب المرأة صغيراً ويستخف بعاطفته والرجل الكبير لا يلبث أن يروح عند المرأة معبوداً، وعبادة البطولة وهي إعجاب يكاد يكون حباً، لا تزال في جانب المرأة. ٢ - إن إظهار المرأة حبها قبل أن تستوثق من أن الحب بينهما مبادل، قد يصغر في بعض الأحيان من قدرها في نفس الرجل فلعله قد يقرفها بالطيش ويرميها بخفة الحلم، ويتهمها بالتسرع، فينبغي للمرأة أن تحاذر من إظهار حبها وعليها أن تأخذ بالثبات وتتظاهر بعدم الاكتراث وتبدو في سكون وصبر حتى يعلن الرجل أولاً عن حبه. ٣ - كلا، ولا ريب، فإن الحب الصادق هو عاطفة موقوفة على شخص واحد، والعلم بعده ضئيل في النظر، والناس دونه تافهون، على أن الحب الأفلاطوني - وهو لا يزال يختلف عن الحب الحقيقي - قد يجوز للرجل أو المرأة أن تستشعر عاطفة عميقة لأشخاص

стр. 2375

متعددين ولكن الحب الروحاني السماوي بين الرجل والمرأة لا يتقبل أكثر من شخص واحد يمنح العبادة كلها. ٤ - توجد هناك جرثومة معينة تصيب أهل الشباب ولم يستطع العلماء المحدثون أن يضعوا لها اسماً، ولكن اسمها هو، مكروب الحب! وهذه الجرثومة كثيراً ما تلتقي بها في قاعات الرقص ودور الملهى وفي المصطاف والمتربع، والذين تصيبهم يقعون في الحب للنظرة الأولى، وهذا الضرب من الحب هو عرض من الأعراض المعدية المريضة التي يأتي بعدها في مستقبل الحياة الحب الحقيقي. ٥ - لا مشاحة في أن زيجات الحب خير الزيجات، ولكن في هذه الأيام التي أصبحت لوازم الحياة غالية، وحاج العيش باهظة الثمن، قد أصبح الحب في كوخ أكثر نفقة من الحب في دار فسيحة منذ سنين عديدة مضت وعندي أن لا يحب الإنسان مطلقاً خير له من أن يحب لأجل المال وأنا لم أشهد في حياتي مثلاً واحداً من هذه الزيجات المالية دامت بعد وقوعها هانئة سعيدة مطلقاً. ٦ - بلا ريب، إن أكبر نساء عصرنا هذا وأكبر بطلات التاريخ كن عادة نساء دميمات، ولكن اعلم أن الرجل المفكر الثابت الراجح اللب يعرف جيداً أن الجمال ليس إلا حلاوة جلد وعذوبة مظهر، وإن أجمل الأزهار، ما كان أشد سرعة إلى الذبول وأقصر نضرة، والرجال ذوو القلوب المليئة بالحب الحقيقي لا يحفلون بنظرات النساء الحسان، والرنوات الفاتنة من محاجرهن بل هم يأبهون باستعدادهن وطبائعهن وحلاوة خلقهن، وعذوبة حديثهن، وأما الذين يطلبون الوجه الجميل فكثيراً ما يهتدون إلى الخبث كميناً وراءه، ولا أريد بقولي هذا إن النساء الجميلات جميعاً شريرات خبيثات ولكن الجمال البهي الفاتن وا أسفاه كثيراً ما يكون باعثاً على الخفة والطيش وحب اللهو، وتحبباً وتدللاً لا يلبث الرجل أن يجد منه السآمة القاتلة. ٧ - نعم، فقد كان لي عمة ذات بعل تزوجا وبقيا في ظل الزواج سبعة وخمسين عاماً، فإذا أقبل المساء جلسا حول الموقدة كعاشقين مفتونين بعضهما بالبعض، إذ يمسك الزوج بيد زوجه فيلاطفها بين راحتيه في رقة وعطف، وقد اعتادا أن يعلنا للناس أنهما لم يتشاجرا في حياتهما اللهم إلا لأمر تافه، لفتح نافذة، أو إغلاق شرفة، فإذا حان موعد النوم أخذ

стр. 2376

الزوج وقد بلغ التاسعة والثمانين يد زوجته الضامرة المهزولة فينحني إليها ويطبع فوق تلك اليد الذاوية قبلة حارة، وقد ماتا معاً في مسافة قصيرة، واستيقا إلى مضاجع الأبدية في خلال شهر واحد وقد ظلا حبيبن إلى أنفاسهما الأخيرة، هذه هي المشاهدة التي وقعت لي، ولا شك في أن العالم حافل بمئات منها. ردود تمبل ثيرستون وقال تمبل ثيرستون، وهو في الصف الأول من الروائيين: ١ - إن العنصر الأكبر في حياة المرأة هو تربية أطفالها والسبيل إلى خلق هذا العنصر الذي أرادته الطبيعة هو عواطفها وجوانحها، ولكن العنصر الأكبر في حياة الرجل هو عمله وواجباته فالحب لدى المرأة هو القوة المسيطرة على حياتها، هو أكبر من الوحي ومن الباعث والدافع، هو الغرض والغاية. ٢ - فإذا كان الحب كما قلت هو من ناحية المرأة الغاية والغرض فعليها أن تظهر شيئاً منه لتتم لها منه غايتها، وكما أن الرجل لا يسترخص ولا يبخس عمله قيمته، كذلك المرأة لا تستخف بأعماق حبها. ٣ - إذا كان القصد من هذا السؤال أتم ضروب الحب، إذ يتلاقى فيه الولاء بالعطف، والعاطفة بالثقة والاحترام، فأقول كلا. ٤ - الحب لمجرد النظرة الأولى يجب أن يحدث غالباً، وكما أن بعض هزات منسجمة من الموسيقى تكسر في لحظة واحدة آنية من الزجاج إذ تتموج فيه تموجات النغمة فتهز الآنية فتلقيها من فوق رفها إلى الأرض، ترى بعض الطبائع تحس لمجرد الملامسة بقوي جاذبة تدفعها وتثير فيها الحب، وما يقال في ذلك عن الحب يقال عن العداوة والكره. ٥ - قد يكون الزواج الخلاء من الحب نافعاً للأمة إذا كانت المرأة التي لا تحب زوجها تحب بلا أدنى ريب أطفالها وتحسن تأديبهم والقيام على رعيهم، ولكن ذلك يقصد به أن يكون الزواج عقداً من العقود الرسمية لا يعتبر الفريقان فيه إلا خداماً من خدمة الأمة، ولكن هذا ولا شك ليس المقصود من السؤال والزواج المعقود على الحب في نظر الفرد أرضى أنواع العلاقة، ومن هذا قامت الإصلاحات الجديدة في شرائع الطلاق. ٦ - محاسن الوجه لا أهمية لها في الحب، وإنما هو الخلق الذي يسيطر على الحب

стр. 2377

الحقيقي فالمرأة القبيحة الوجه الحسناء الخلق لا تخلو من نظرات جميلة ومقتبل ناضر في عين الرجل الذي يحب منها خلقها. ٧ - هذا السؤال لا يخلو من غموض فإذا كان يقصد به أيجوز أن يبقى الحب مدى حياة العاشقين فجوابه نعم، إذ يجوز أن يحب الرجل والمرأة بعضهما البعض جميع حياتهما ثم يعودان في ظل الشيخوخة إلى حب الأطفال وهو حب لا عاطفة فيه ولكن لا يخلو مع ذلك من تأثير نفساني، أما إذا كان القصد به بقاء الحب إلى الأبد فإن الكاتب لا يسعه إلا أن يظل صامتاً لعدم خبرته بهذا الأمر. آراء الكاتبة ماي ادينجتون وهنا نختم هذه الفتاوى الفلسفية بذكر آراء كاتبة مشهورة عارضت الفتاوى السابقة جميعاً في السؤال الأول، وجاءت برأي لا يزال صالحاً ولعله أقرب إلى الحق وأدنى إلى اليقين، ومن جميع هذه الآراء المتضاربة المتعارضة يستطيع القارئ أن يخرج منها الفكرة الصائبة والرأي الحصيف. قالت: ١ - إن حب الرجل عامة أقوى من حب المرأة، لأن النساء عمليات في الحب شأنهن في كل شيء وهن يأخذن الحب عملاً من الأعمال ومأمورية من المأموريات ووقوع المرأة في إشراك الحب يختلف في جوهره عن وقوع الرجل في أحابيله إذ حب الرجل يعميه ويذهب بلبه، ويحجب قوة المنطق فيه، والحب الأعمى لقب احتكره الرجال دون النساء لأن حب المرأة لا يكاد يعميها أو يذهب بلبها والرجل يتناول الحب فيجري به في طباق الخيال، وهو مفتون بالخيالى ولوع بالكمالى أما المرأة ببصرها الناصع فأحب إلى نفسها الحقائق، والرجال أغلب عليهم الإذعان لعواطفهم وقليلات في النساء ذوات العواطف وكثيرون من الأزواج يحبون نساءهم، وقليلات منهن يحببن أزواجهن. ٢ - لا ينبغي للمرأة أن تظهر حبها إلى الحد البعيد وتتجاوز الاعتدال وإنما قد تأمن المرأة إذا تظاهرت بالحب الشديد. ٣ - نعم ولكن ليس الحب نفسه في درجته ومرتبته وليس في شدته وحدته ولأن يحب الإنسان شخصين في آن واحد معناه أن كل منهما يظفر بحب جزئي فقط وأن يحب لصفة

стр. 2378

من الصفات ليس غير لا أن يحب بجملة فضائله ومناقصه ومحاسنه ومقابحه فإن في الناس من لا يجلدون على أن يحبوا إلا الحب الجزئي، على حين ترى الكثيرين غير خليقين بأن يحبوا أكثر من حب جزئي. ٤ - لا يقع ذلك كثيراً ولكنه يقع ولا ريب وهو عادة حب حقيقي متطاول الأجل متراخي الأمد ولعل في بغتته والفكرة الخيالية التي تمازجه ما يكسبه شذى وعبقاً وعذوبة لا تكاد تذهب أو تزول والناس رجالاً ونساءً يقعون مرضى في الخيال ولا دواء لهم منه. ٥ - لا ريب في أن زيجات الحب أكثرها عسيلة، فإذا استمر الحب، كان الزواج فخر الزيجات، وأمجد القرآن، فإذا لم يعش الحب فسيبقى للزوجين ذكرى تلك السعادة الكبرى التي كانا ينعمان بها وستظل لديهما رابطة تضمهما وتشدهما، وخليق بكل إنسان أن يجعل مطمح بصره، وأمنية نفسه أن يجد حباً تاماً كاملاً، فإذا كان الزواج يخلو من تلك الروح فليس إلا عقداً صرفاً قد يسرق رجلاً وامرأة من أعز فرص الحياة وتجاريب العيش. ٦ - بلا ريب فإن الجاذبية النسائية لا تزال سراً غامضاً من مبهمة الأسرار، وإن كان معروفاً من صاحبه - أي المرأة - وقد تكون المرأة الحسناء بلا جاذبية، ولا فتنة مطلقاً، وقد تروح الدميمة بالفتنة مفعمة وقد تكون آية الجاذبية وليس السبب في اجتذاب المرأة الرجل هو الجمال، بل إنه لذلك الشيء الغامض المستسر الذي لا نستطيع أن نصفه إلا بأنه هو ولا نعرفه، فإذا وقع هذا الشيء هو للمرأة الدميمة فلن يعرف أحبابها أنها دميمة، ولن تدعهن يعرفون ذلك عنها، وقد لا يعرف حقيقة ذلك إلا نساء أخريات. ٧ - نعم، ولكن ذلك نادر، من ناحية المحب والمحبوب، والمرأة قد تظفر بحب ثابت من زوجها، إذا كانت فاتنة كثيرة الحيلة، وقد لا يظفر الرجل بهذا الحب منها ولا شك في أن الحب المتبادل الثابت المقيم هو أجمل شيء في هذه الأرض.

стр. 2379

الاشتراكية تعريفها وأركانها من الصعب أن يأتي الإنسان بتعريف موجز وشامل لجميع العناصر المكونة للشيء المراد تعريفه خصوصاً إذا كان هذا الشيء مبهماً غامض المعنى كالاشتراكية فإنها لا تزال إلى الآن مفككة الأوصال تتشكل بأي شكل يراد منها وتقبل أي تعريف يعطى لها ولذا اختلف الاقتصاديون في تعريفها اختلافاً بيناً وذهبوا فيها مذاهب شتى وقل أن تجد اثنين متفقين في تكييفها وتبيان معالمها وحدودها، فقد اقترحت جريدة الفيجارو في ٥ فبراير سنة ١٨٩٢ على قرائها أن يوافدوها بتعريف الاشتراكية وعينت المسيو دي مولان حكماً لفحص ما يرد لها من الأجوبة فورد عليها ما يربى على الستمائة تعريف، ولضيق المقال نضرب صفحاً عن هذا الخلاف ونكتفي بتعريف المسيو ديشان فإنه أقرب إلى الصواب. قال المسيو ديشان: الاشتراكية هي إلغاء الملكية الفردية وجعلها ملكية اجتماعية طلباً للمساواة في مرافق الحياة ومراعاة لصالح الفرد وحب العدل. ومن هذا التعريف يستنتج أن الاشتراكية تتكون من ثلاثة أركان وهي أولاً المساواة، ثانياً إلغاء الملكية الفردية والاستعاضة عنها بالملكية الاجتماعية، ثالثاً الحامل على هذا التغيير وهو مراعاة العدل وإيثار صالح الفرد على الجماعة. يقول الاشتراكيون أن الأغنياء بتملكهم رؤوس الأموال قد تملكوا زمام الإنسانية وسخروها في خدمتهم وامتصوا دمها ولم يتركوا لها إلا ما يسد الرمق ويمكنها من مداومة خدمتها لهم، يريد الاشتراكيون المساواة بين الأفراد في مرافق الحياة ومصادر الرزق وذلك لينتفي الظلم بين الناس فلا يتخذ بعضهم بعضاً إرقاء يشغلهم ويسخرهم في توفير أسباب رفاهيته ويرهقهم تعباً ونصباً. لا تعبأ الاشتراكية بالهيئة الاجتماعية ولا تهتم بسعادتها وإنما تهتم بسعادة الأفراد خصوصاً المعوزين والفقراء دون تمييز بينهم بخلاف الفردية فإنها وإن اهتمت بسعادة الفرد وتوفير أسباب هنائه إلا أن بغيتها الحقيقة هي تقوية الهيئة الاجتماعية وتثبيت أركانها، فسعادة الفرد لدى الفردية وسيلة أما لدى الاشتراكية فغاية، إن المساواة التي تنشدها الاشتراكية هي المساواة الحقيقية في الانتفاع بالثروة والاستفادة بمرافق الرزق لا المساواة أمام القانون فقط

стр. 2380

فهذه من شأن الأحزاب السياسية وهي مساواة اسمية لا حقيقية لها. وليس من الاشتراكية كذلك محو الفروق الطبيعية التي قد توجد بين الأفراد ومحاولة جعل الناس سواء في القوي الجثمانية والعقلية والأدبية لاستحالة تحقيق هذه الرغبة، ولكن ماذا تفيد هذه الفروق وما عساها أن تأتي به إذا لم يكن لها أثر في الخارج ونتيجة ظاهرة في الحياة للمتفوقين من أبناء البشر الذين خصوا بموهبة سامية أو قوة جثمانية عظيمة، إن عدم الاعتداد بهذه الفروق في توزيع الأرزاق مدعاة لإزالتها ووسيلة لجعل الناس سواء في المدارك والقوى، ولكن هذه الغاية التي قد تؤدي إليها الاشتراكية ليست بالغاية المباشرة التي ينشدها الاشتراكيون إنما غايتهم هي هدم جميع الفروق الصناعية التي أوجدها ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. ظهرت فكرة المساواة في الوجود من قرون عديدة وهي فكرة لذيذة تصبو إليها النفوس وترنو إليها الأنظار لجمالها الفتان، ولم تعدم الإنسانية في زمن ما أبطالاً يدعون الناس إلى الرفق بالفقراء والإحسان إليهم وإلى محاربة الفقر ومحو دائرته من الوجود وإشراك الناس جميعاً في الأموال بالتساوي، فأفلاطون كان يمقت الفروق الشاسعة التي توجد بين الأفراد بسبب الغنى والفقر وكان ينادي بضرورة محو هذه الفروق ومساواة المواطنين الأحرار في الانتفاع بالأموال، وهذه أفكار شبيهة بالاشتراكية استهوت عقول بعض العلماء فقالوا إن الاشتراكية مذهب قديم وإن أفلاطون هو المؤسس لها وهذا خطأ عظيم فإن أفلاطون لم يقترح المساواة بين الناس لأنه كان يرى في عدم المساواة ظلماً وإجحافاً شأن الاشتراكية وإنما لأنه كان يرى أن المساواة تكسب المدينة الراحة والسكينة وعلى الأخص تزيدها قوة واقتداراً. فأفلاطون لا يعبأ بالفرد بل على العكس يضحيه في سبيل المدينة والاستزادة من قوتها. وعلاوة على ذلك إن المساواة التي يطلبها أفلاطون قاصرة على طبقات مخصوصة لا تشمل جميع سكان المدينة ولا يتمتع بها غير الأحرار أما الأرقاء فلا حق لهم فيها ويجب أن يكونوا بمعزل عنها يعملون لتوفير أسباب الرخاء والرفاهية للأحرار بل كان أفلاطون يرى أن وجود الرق ضروري ولازم لسعادة المدينة، فالمساواة التي كان يطلبها أفلاطون مساواة أرستقراطية أما المساواة الاشتراكية فهي مساواة ديمقراطية يشترك فيها جميع

стр. 2381

الأفراد من كل الأمم والشعوب دون قيد ولا شرط. إن لفظة الاشتراكية حديثة جداً وضعت حوال سنتي ١٨٣٥ و ١٨٣٦ ثم شاع استعمالها بعد ذلك، ولم يلتفت علماء ذلك العصر إلى الحالة الفكرية التي كان عليها العالم في قديم الزمان وغرتهم فكرة المساواة التي كانت تتردد على ألسنة الفلاسفة القدماء وظنوا أنها اشتراكية مع أنها ليست من الاشتراكية في شيء فإنها مساواة قاصرة على طبقة أو فئة مخصوصة كما سبق بيانه ولأن الحامل عليها هو حب النفع العام وتقليل الشقاء بقدر الإمكان وذلك لا لأن البؤس ظلم وإجحاف بل لأنه مؤلم للعواطف الشريفة: أما الاشتراكيون فإنهم يرون في عدم المساواة ظلماً وإجحافاً ويبغضون الأغنياء ويمقتونهم من كل جوارحهم فالمساواة التي كان يطلبها الفلاسفة القدماء هي مساواة هادئة وقاصرة على الأحرار لاقتسام الأرزاق فيما بينهم دون أن يكلفوا أنفسهم مؤنة العمل فإن العبيد كانوا هم المكلفين به وإذن فهي مساواة استهلاكية بخلاف الاشتراكية فإنها لا تنشد المساواة في الاستهلاك فقط وإنما تنشد المساواة في العمل أيضاً. إن الاشتراكية مذهب عام لا يخص أمة دون أخرى بل يعطف على الجميع خصوصاً البؤساء والفقراء ورائده حب العدل والتغالي في خدمة الفرد. وإذ ثبت أن المساواة الاشتراكية تشمل جميع الأفراد ولا تستثني منهم أحداً ظهر أن المسيحية بعيدة عن الاشتراكية وإن جمعيات الرهبان التي تأسست في القرون الوسطى لم تكن اشتراكية بالمعنى الحقيقي ولو أنها كانت مقامة على دعائم المساواة الحقة فإنها كانت قاصرة على أفرادها خاصة لا تتعدى إلى سواهم ولا تسعى إلى نشر المساواة بين الأفراد الآخرين ولا إلى قلب النظام الاقتصادي بل كانت عائشة بمعزل عن العالم تزرع أرضها على الشيوع وتقتات منها على الشيوع لا يهمها من الحياة الاقتصادية الخارجية شيء. نعم كان السيد المسيح ﵇ يعطف على الفقراء ويمقت الأغنياء ويحتقر المال ولا يقبل إنساناً ضمن أتباعه إلا إذا تجرد من أمواله وأملاكه وطرح عن كاهله شواغل الدنيا، ولكنه مع هذا لم يكن اشتراكياً فليس من رأيه عدم التداخل في شؤون الحكومة بدليل قوله أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ولم نر من بين أقواله ما يدعو إلى المساواة بين البشر. ومما لا شك فيه أن الدين الإسلامي مشفق بالفقراء رؤوف بالمعوزين لم يدخر وسعاً في

стр. 2382

حث المؤمنين على الصدقة وتحبيب الإحسان إلى قلوبهم ولم يترك الفقراء تحت رحمة الأغنياء إن شاءوا أعطوا وإن شاءوا منعوا، بل جعل له نصيباً من الأموال ففرض الزكاة وخصهم بجزء منها حتى لا يكونوا هدفاً للموت جوعاً وأجاز الرق ولم يحرمه تحريماً باتاً ولكنه يمقته ويعطف على الأرقاء ويرثي لحالهم ويدعو إلى معاملتهم بالرفق والي عتقهم حتى جعل العتق كفارة عن الذنوب غير أنه أبقى للأغنياء أموالهم وأملاكهم وأباح لهم التمتع بها ولم يلغ الملكية ولم يشرك الفقراء في أموال الأغنياء وإنما أشركهم في الغلة فقط ولكن بدون مساواة فإن الزكاة مهما بلغت لا تبلغ النصف وجملة القول إن الدين الإسلامي دين غير اشتراكي بالمعنى الحقيقي أيضاً عبده البرقوقي

стр. 2383

أبطال الحرب الجنرال فوش قائد جيوش الحلفاء لا تزال كل أمة مسهمة في هذه الحرب تضحك ساخرة مستخفة من قواد عدوتها ورجالات الحرب فيها، والشعوب المحاربة لا تفتأ منذ قامت هذه الحرب تتقاتل في حلبات الصحف قتالاً أعنف وأشد عداء من قتالها في حومة الوغى، وقد تعايبت أمم الحرب الحاضرة، وتنادرت كل أمة على قواد بالأحرى، وراحت تصور كل قائد صوراً ماجنة، وتخرجه في أمتها في مظهر مضحك، وتستخف بقوته وكفاءته، ولكن الرجل الذي سلم من ألعاب في أرض عدوه، وخلا من الذام في المملكة التي نصب لقتاها، ولا تزال صحف الألمان تقول عنه قولاً كريماً، وتقدره حق قدره حتى قالت عنه كبريات صحفهم: ذلكم رجل خليق بأن يجالد بسيفه أطول سيوفنا نجاداً، وأحد ظباة قوادنا غرباً، هو الجنرال فوش قائد جيوش الحلفاء اليوم في سوح الغرب. هذا هو الرجل في صورته التي صورها أعداؤه، وأكبر مميزات هذا القائد هدوءه الذي لا يعكره شيء وسكونه الذي لا يمازجه اضطراب، وقد خلا خلقه من تلك البساطة التي كانت دأب جوفر وشيمة من شيمه، وتلك الطبيعة اللينة العريكة التي كانت لسلفه، ولكنه رجل صامت حفيظ على كلمه وإشاراته وأفعاله، وإنه ليجمد على رأيه، في برود العظماء وسكون جأشهم وهو قليل الكلام كثير الفعل. وقد صوره أحد الضباط الذين يعملون تحت إمرته فقال: إنه لرجل ما أن يزال يبدو فتياً في عنفوان الشباب وحدة الفتيان، وهو خفيف اللحم، رطيب الغصن، بسيط المظهر، ذو رأس فخم أشم متطاول. وأشد ما يدهش الرائي منه نظراته الجلية النافذة الذكية العميقة اللامعة، فإن عينيه الغريبتين تضيئان جميع معارف الوجه، ولولا عيناه لبدا الرجل مغضباً مقطباً وهو يتجلى في ذلك الشارب الغزير الذي يمتد على صدغيه فإذا راح يتحدث، رأيت ضوءاً في محياه، وبريقاً غريباً يضيء وجهه، على أن وجهه الساكن لا يزال ينم عن حزن عميق لأنه افتدي في سبيل فرنسا ابنه وزوج ابنته، ولا يدري أحد سر هذا الرجل إذ لا يمضي يوم واحد حتى

стр. 2384

يرى الضباط هذا القائد العظيم قد انطلق إلى الكنيسة فقضي فيها تضع لحظات في عبادة صامتة وتفكير وقد تكون الكنيسة طللا مهيلاً من أثر قنابل العدو، أو دمناً عافية، فلا يحول ذلك بينه وبين هذه العبادة التي اعتادها، وإنه ليمضي وحده ولا يخبر أحداً من ضباطه بذهابه، ولا تحسب ذلك منه مظهراً من مظاهر الورع والتدين، وإنما هي حاجة إلى الاختلاء كل يوم بضع دقائق بنفسه والانتباذ ناحية بعيدة عن متاعب حياته وضوضاء عمله، وليس ذلك تمثيلاً منه وعملاً مسرحياً كما يفعل الملوك والقواد، وإنما هو أثر بسيط من التقى النقي الخالص يؤديه رجل بسيط سهل الخلق. وهو رجل جنوح إلى العزلة، ولوع بالاختفاء، متواضع عطوف على مرؤوسيه وعماله وهو أكره الناس لكسر خواطر الصغار ورفض سؤال السائلين، ولكنه لا يسمح لنفسه أن يعرض على الجماهير، ويرفض الرفض كله أن يطلب منه أن يصور صوراً فوتوغرافية أو يظهر في لوحات الصور المتحركة السينماتوغراف فلا يدع قصة تلك الصور يصورونه وهو يصافح بيده أيدي الفلاحين أو متقبلاً باقات الأزهار من أيدي بيضات الخدور في القرى، وعذارى الريف، أو محياً السلام العسكري في الاستعراض، وفي زيه يتجنب ما يجعله مترفاً أنيق الملبس، والأثواب العسكرية الزاهية الألوان المزركشات بالذهب عدوته والبغيضة إليه، بل دأبه أن يرتدي بثوب بسيط لا ينماز عن ثوب الجندي بشيء حتى ليخال إليك إذا وقفت منه على شرف إنك ترائي عسكرياً في الصفوف. ويقول الذي اختلطوا به أنه لا يكاد ينام أو يعقد الكرى جفنيه، إذ ليس لديه وقت للراحة. ولقد مكث يدير معركة المارن خمسة أيام وليالي خمساً يقظاً وأذنه مسندة إلى سماعة التلفون فيلقي ويخابر قواده وأعوانه العديدين. ومن مائدته والألوان التي تقدم إليه في مواقيت الطعام تعرف طراز الحياة التي يعيشها فهي تعيينات رجل عسكري تلتهم بسرعة، وفي صمت، وإن له لشهية قوية بالنظر إلى أنه رجل عمل ما تفتر له همة، صفحة لحم، وطبق خضر وفنجان من القهوة، هي قائمة طعامه وشرابه في اليوم. وقد اضطر مرة واحدة في العمر أن ينحرف عن النظام الذي وضعه لنفسه فدعا مكاتبي بعض كبريات صحف فرنسا إلى الحضور إليه في مكتبه، وكان يقيم في دار قديمة، قد أفرد

стр. 2385

له فيها حجرة بسيطة الأثاث، أشبه شيء بحجرات المتوسطي الحال وقد كان يخيل إلى هؤلاء إذ أقبلوا على الحجرة وأوشكوا على المثول بين يدي ذلكم القائد أنهم سيرونه جالساً إلى مكتب حافل بالخرائط والمصورات والمذكرات والأوراق المتراكمة، ولكنهم لم يلبثوا أن عجبوا العجب كله إذ ألفوه جالساً أمام مكتب ليس عليه إلا دواة وقلب وأداة التلفون، وكذلك فوق ذلك المكتب يضطرب مستقبل الإنسانية وفيها تخفق حياة العالمين، ولا خرائط في الحجرة ولا زينات غير مصور جغرافي عظيم قد أطل من ركن من أركانها. وكان والده عام مولده في السادسة والسبعين من عمره وكان كاتم سر حاكم المدينة وهي بلد صغير من فرنسا يدعى تاربيس فتلقى فوش في صغره العلم في مدارس سانت اتيين، وأما والدته فابنة ضابط أدرك عهد نابوليون وكان فخر العشيرة وجعل فردينان فوش، بطل الحرب اليوم يلقن الأقاصيص البديعة الحربية عن جده، وألوان الشهامة التي بدت منه في أيام البلاء، ومعرك الفخار. وأتم فوش العلم في ميتز، وتعلم فيها حب اللورين، واغتذى من الحمية الأهلية فيها وكان يوم إعلان حرب السبعين يعد نفسه لدخول الامتحان النهائي في المدرسة. وهو من أكبر المعجبين بنابليون، وعنه أخذ كثيراً من أفانين الحرب، ودرس جميع خططه، ووعي جميع مبادئه الحربية، ولذلك عين عام ١٨٩٦ أستاذ الفنون العسكرية وخطط الحرب في المدرسة الحربية في فرنسا ووضع كتاباً قيماً في ذلك كان له من ورائه الذكر الأكبر. وغريب أن يكون فوش رجلاً من أبطال السيف، وقائداً من حملة القلم، فإن الكتاب الذي عده الناس حجة في فنون الحرب، وأكبروه إلى مصاف الثقة الفنية، كتابه الذي وضعه قبل عام ١٩٠٤ وأسماه مبادئ الحرب وتنبأ فيه بالأحداث التي نشهد اليوم أهوالها ومناكرها. والقائد فوش بعيد الآن عن الأنظار، قلما يراه جيوشه، فإن عمله العظيم الذي لا يزال أكبر من القوة الإنسانية يمسكه بمكتبه، ويشده إلى مركز قيادته، وهو في ذلك على نقيض القائد جوفر، فقد كان جوفر لا يفتأ يروح ويغدو ويجوب وينتقل، بل إذا دفعه الأمر إلى التنقل بين جنده للتأكد من أمره، والتثبت من مكانه، فلا يكاد يقف، ولا يكاد يتمهل، بل يمضي مسرعاً مخفاً بلا تردد ولا ونى، ويكره أن تنتقل آراؤه من فم إلى فم، في صفوف عسكره،
следующие страницы →