← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الأفراد من كل الأمم والشعوب دون قيد ولا شرط. إن لفظة الاشتراكية حديثة جداً وضعت حوال سنتي ١٨٣٥ و ١٨٣٦ ثم شاع استعمالها بعد ذلك، ولم يلتفت علماء ذلك العصر إلى الحالة الفكرية التي كان عليها العالم في قديم الزمان وغرتهم فكرة المساواة التي كانت تتردد على ألسنة الفلاسفة القدماء وظنوا أنها اشتراكية مع أنها ليست من الاشتراكية في شيء فإنها مساواة قاصرة على طبقة أو فئة مخصوصة كما سبق بيانه ولأن الحامل عليها هو حب النفع العام وتقليل الشقاء بقدر الإمكان وذلك لا لأن البؤس ظلم وإجحاف بل لأنه مؤلم للعواطف الشريفة: أما الاشتراكيون فإنهم يرون في عدم المساواة ظلماً وإجحافاً ويبغضون الأغنياء ويمقتونهم من كل جوارحهم فالمساواة التي كان يطلبها الفلاسفة القدماء هي مساواة هادئة وقاصرة على الأحرار لاقتسام الأرزاق فيما بينهم دون أن يكلفوا أنفسهم مؤنة العمل فإن العبيد كانوا هم المكلفين به وإذن فهي مساواة استهلاكية بخلاف الاشتراكية فإنها لا تنشد المساواة في الاستهلاك فقط وإنما تنشد المساواة في العمل أيضاً. إن الاشتراكية مذهب عام لا يخص أمة دون أخرى بل يعطف على الجميع خصوصاً البؤساء والفقراء ورائده حب العدل والتغالي في خدمة الفرد. وإذ ثبت أن المساواة الاشتراكية تشمل جميع الأفراد ولا تستثني منهم أحداً ظهر أن المسيحية بعيدة عن الاشتراكية وإن جمعيات الرهبان التي تأسست في القرون الوسطى لم تكن اشتراكية بالمعنى الحقيقي ولو أنها كانت مقامة على دعائم المساواة الحقة فإنها كانت قاصرة على أفرادها خاصة لا تتعدى إلى سواهم ولا تسعى إلى نشر المساواة بين الأفراد الآخرين ولا إلى قلب النظام الاقتصادي بل كانت عائشة بمعزل عن العالم تزرع أرضها على الشيوع وتقتات منها على الشيوع لا يهمها من الحياة الاقتصادية الخارجية شيء. نعم كان السيد المسيح ﵇ يعطف على الفقراء ويمقت الأغنياء ويحتقر المال ولا يقبل إنساناً ضمن أتباعه إلا إذا تجرد من أمواله وأملاكه وطرح عن كاهله شواغل الدنيا، ولكنه مع هذا لم يكن اشتراكياً فليس من رأيه عدم التداخل في شؤون الحكومة بدليل قوله أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ولم نر من بين أقواله ما يدعو إلى المساواة بين البشر. ومما لا شك فيه أن الدين الإسلامي مشفق بالفقراء رؤوف بالمعوزين لم يدخر وسعاً في

стр. 2382

حث المؤمنين على الصدقة وتحبيب الإحسان إلى قلوبهم ولم يترك الفقراء تحت رحمة الأغنياء إن شاءوا أعطوا وإن شاءوا منعوا، بل جعل له نصيباً من الأموال ففرض الزكاة وخصهم بجزء منها حتى لا يكونوا هدفاً للموت جوعاً وأجاز الرق ولم يحرمه تحريماً باتاً ولكنه يمقته ويعطف على الأرقاء ويرثي لحالهم ويدعو إلى معاملتهم بالرفق والي عتقهم حتى جعل العتق كفارة عن الذنوب غير أنه أبقى للأغنياء أموالهم وأملاكهم وأباح لهم التمتع بها ولم يلغ الملكية ولم يشرك الفقراء في أموال الأغنياء وإنما أشركهم في الغلة فقط ولكن بدون مساواة فإن الزكاة مهما بلغت لا تبلغ النصف وجملة القول إن الدين الإسلامي دين غير اشتراكي بالمعنى الحقيقي أيضاً عبده البرقوقي

стр. 2383

أبطال الحرب الجنرال فوش قائد جيوش الحلفاء لا تزال كل أمة مسهمة في هذه الحرب تضحك ساخرة مستخفة من قواد عدوتها ورجالات الحرب فيها، والشعوب المحاربة لا تفتأ منذ قامت هذه الحرب تتقاتل في حلبات الصحف قتالاً أعنف وأشد عداء من قتالها في حومة الوغى، وقد تعايبت أمم الحرب الحاضرة، وتنادرت كل أمة على قواد بالأحرى، وراحت تصور كل قائد صوراً ماجنة، وتخرجه في أمتها في مظهر مضحك، وتستخف بقوته وكفاءته، ولكن الرجل الذي سلم من ألعاب في أرض عدوه، وخلا من الذام في المملكة التي نصب لقتاها، ولا تزال صحف الألمان تقول عنه قولاً كريماً، وتقدره حق قدره حتى قالت عنه كبريات صحفهم: ذلكم رجل خليق بأن يجالد بسيفه أطول سيوفنا نجاداً، وأحد ظباة قوادنا غرباً، هو الجنرال فوش قائد جيوش الحلفاء اليوم في سوح الغرب. هذا هو الرجل في صورته التي صورها أعداؤه، وأكبر مميزات هذا القائد هدوءه الذي لا يعكره شيء وسكونه الذي لا يمازجه اضطراب، وقد خلا خلقه من تلك البساطة التي كانت دأب جوفر وشيمة من شيمه، وتلك الطبيعة اللينة العريكة التي كانت لسلفه، ولكنه رجل صامت حفيظ على كلمه وإشاراته وأفعاله، وإنه ليجمد على رأيه، في برود العظماء وسكون جأشهم وهو قليل الكلام كثير الفعل. وقد صوره أحد الضباط الذين يعملون تحت إمرته فقال: إنه لرجل ما أن يزال يبدو فتياً في عنفوان الشباب وحدة الفتيان، وهو خفيف اللحم، رطيب الغصن، بسيط المظهر، ذو رأس فخم أشم متطاول. وأشد ما يدهش الرائي منه نظراته الجلية النافذة الذكية العميقة اللامعة، فإن عينيه الغريبتين تضيئان جميع معارف الوجه، ولولا عيناه لبدا الرجل مغضباً مقطباً وهو يتجلى في ذلك الشارب الغزير الذي يمتد على صدغيه فإذا راح يتحدث، رأيت ضوءاً في محياه، وبريقاً غريباً يضيء وجهه، على أن وجهه الساكن لا يزال ينم عن حزن عميق لأنه افتدي في سبيل فرنسا ابنه وزوج ابنته، ولا يدري أحد سر هذا الرجل إذ لا يمضي يوم واحد حتى

стр. 2384

يرى الضباط هذا القائد العظيم قد انطلق إلى الكنيسة فقضي فيها تضع لحظات في عبادة صامتة وتفكير وقد تكون الكنيسة طللا مهيلاً من أثر قنابل العدو، أو دمناً عافية، فلا يحول ذلك بينه وبين هذه العبادة التي اعتادها، وإنه ليمضي وحده ولا يخبر أحداً من ضباطه بذهابه، ولا تحسب ذلك منه مظهراً من مظاهر الورع والتدين، وإنما هي حاجة إلى الاختلاء كل يوم بضع دقائق بنفسه والانتباذ ناحية بعيدة عن متاعب حياته وضوضاء عمله، وليس ذلك تمثيلاً منه وعملاً مسرحياً كما يفعل الملوك والقواد، وإنما هو أثر بسيط من التقى النقي الخالص يؤديه رجل بسيط سهل الخلق. وهو رجل جنوح إلى العزلة، ولوع بالاختفاء، متواضع عطوف على مرؤوسيه وعماله وهو أكره الناس لكسر خواطر الصغار ورفض سؤال السائلين، ولكنه لا يسمح لنفسه أن يعرض على الجماهير، ويرفض الرفض كله أن يطلب منه أن يصور صوراً فوتوغرافية أو يظهر في لوحات الصور المتحركة السينماتوغراف فلا يدع قصة تلك الصور يصورونه وهو يصافح بيده أيدي الفلاحين أو متقبلاً باقات الأزهار من أيدي بيضات الخدور في القرى، وعذارى الريف، أو محياً السلام العسكري في الاستعراض، وفي زيه يتجنب ما يجعله مترفاً أنيق الملبس، والأثواب العسكرية الزاهية الألوان المزركشات بالذهب عدوته والبغيضة إليه، بل دأبه أن يرتدي بثوب بسيط لا ينماز عن ثوب الجندي بشيء حتى ليخال إليك إذا وقفت منه على شرف إنك ترائي عسكرياً في الصفوف. ويقول الذي اختلطوا به أنه لا يكاد ينام أو يعقد الكرى جفنيه، إذ ليس لديه وقت للراحة. ولقد مكث يدير معركة المارن خمسة أيام وليالي خمساً يقظاً وأذنه مسندة إلى سماعة التلفون فيلقي ويخابر قواده وأعوانه العديدين. ومن مائدته والألوان التي تقدم إليه في مواقيت الطعام تعرف طراز الحياة التي يعيشها فهي تعيينات رجل عسكري تلتهم بسرعة، وفي صمت، وإن له لشهية قوية بالنظر إلى أنه رجل عمل ما تفتر له همة، صفحة لحم، وطبق خضر وفنجان من القهوة، هي قائمة طعامه وشرابه في اليوم. وقد اضطر مرة واحدة في العمر أن ينحرف عن النظام الذي وضعه لنفسه فدعا مكاتبي بعض كبريات صحف فرنسا إلى الحضور إليه في مكتبه، وكان يقيم في دار قديمة، قد أفرد

стр. 2385

له فيها حجرة بسيطة الأثاث، أشبه شيء بحجرات المتوسطي الحال وقد كان يخيل إلى هؤلاء إذ أقبلوا على الحجرة وأوشكوا على المثول بين يدي ذلكم القائد أنهم سيرونه جالساً إلى مكتب حافل بالخرائط والمصورات والمذكرات والأوراق المتراكمة، ولكنهم لم يلبثوا أن عجبوا العجب كله إذ ألفوه جالساً أمام مكتب ليس عليه إلا دواة وقلب وأداة التلفون، وكذلك فوق ذلك المكتب يضطرب مستقبل الإنسانية وفيها تخفق حياة العالمين، ولا خرائط في الحجرة ولا زينات غير مصور جغرافي عظيم قد أطل من ركن من أركانها. وكان والده عام مولده في السادسة والسبعين من عمره وكان كاتم سر حاكم المدينة وهي بلد صغير من فرنسا يدعى تاربيس فتلقى فوش في صغره العلم في مدارس سانت اتيين، وأما والدته فابنة ضابط أدرك عهد نابوليون وكان فخر العشيرة وجعل فردينان فوش، بطل الحرب اليوم يلقن الأقاصيص البديعة الحربية عن جده، وألوان الشهامة التي بدت منه في أيام البلاء، ومعرك الفخار. وأتم فوش العلم في ميتز، وتعلم فيها حب اللورين، واغتذى من الحمية الأهلية فيها وكان يوم إعلان حرب السبعين يعد نفسه لدخول الامتحان النهائي في المدرسة. وهو من أكبر المعجبين بنابليون، وعنه أخذ كثيراً من أفانين الحرب، ودرس جميع خططه، ووعي جميع مبادئه الحربية، ولذلك عين عام ١٨٩٦ أستاذ الفنون العسكرية وخطط الحرب في المدرسة الحربية في فرنسا ووضع كتاباً قيماً في ذلك كان له من ورائه الذكر الأكبر. وغريب أن يكون فوش رجلاً من أبطال السيف، وقائداً من حملة القلم، فإن الكتاب الذي عده الناس حجة في فنون الحرب، وأكبروه إلى مصاف الثقة الفنية، كتابه الذي وضعه قبل عام ١٩٠٤ وأسماه مبادئ الحرب وتنبأ فيه بالأحداث التي نشهد اليوم أهوالها ومناكرها. والقائد فوش بعيد الآن عن الأنظار، قلما يراه جيوشه، فإن عمله العظيم الذي لا يزال أكبر من القوة الإنسانية يمسكه بمكتبه، ويشده إلى مركز قيادته، وهو في ذلك على نقيض القائد جوفر، فقد كان جوفر لا يفتأ يروح ويغدو ويجوب وينتقل، بل إذا دفعه الأمر إلى التنقل بين جنده للتأكد من أمره، والتثبت من مكانه، فلا يكاد يقف، ولا يكاد يتمهل، بل يمضي مسرعاً مخفاً بلا تردد ولا ونى، ويكره أن تنتقل آراؤه من فم إلى فم، في صفوف عسكره،

стр. 2386

ولكنه لا يستطيع أن يمسكهم عن الكلام، بل ما فتئت كلماته حديث الجند يتذاكرونه، وقصص الجيش يتبادلونه، ومنها يستمدون الصبر على البلاء، والاطمئنان إلى الاستماتة، والرضى بالمكاره، إذ يقولون نحنفي أمن وسلام ما دام فوش معنا!. ونحن ننقل إلى الناس كلمة بليغة مبكية من الكلم الروائع التي فاه بها منذ ارتفع إلى قيادة الجيوش. قال أواه إنكم لا تعرفون الألم الذي يعانيه والد إذ تنزل الأحزان بساحته إلى الأبد، لقد استشهد فتاي، وأصبحت إحدى بناتي أرمل، وسأعود إلى داري التي تركتها مفعمة بالهناء في يوم صائف جميل فأجدها تضج بنشيج أطفال يتامى لم يعرفوا أباهم، ولم يشهدوا وجهه، لقد أدركت اليوم فخر حياتي وأراني كنت خادماً أميناً لا طماعية لنفسه في غير رضي ربه، ولست وحدي في هذا المصاب، بل هناك ألوف وألوف من الآباء والشيوخ فقدوا جميع أحبابهم وفلذات الأكباد التي كانت أمنياتهم، ولكن لا حق لنا نملك في الشفقة، فإن مملكتنا بل إن وطننا المحبوب هو أهم من أكبادنا، وأكبر خطراً من أفراخنا، فلنتقبل هذه التضحية، ولنرتض الأسى صابرين، إن الإنسانية كلها في خطر، فلتنتصر الحرية أولاً، وبعد ذلك لنا أن نبكي، وندع الفيض للعبرات.

стр. 2387

مطالعات الشنقيطي في أقصى جنوب مراكش - بينها وبين بلاد السنغال - في بهرة صحراء خرساء مقفرة تكاد تأكل الشمس فيها حتى ظلها - تقوم بلاد عجيب أمرها للغاية التي لا وراءها فقد كان المنتظر لمثل هذه البلاد أن يكون قطانها قوماً موحشين بعيدين عن العلم واللغة والأدب وسائر ما يتصل بذلك مما تستتبعه الحضارة والتمدن، وينكره التبدي والتوحش، بيد أن أمر هاتيك البلاد على العكس من ذلك، فهي اليوم كأنها البصرة أو الكوفة بالأمس، أو كأنها جامعة عربية قد انتبذت مكاناً قصياً وتغلغلت في أحشاء الصحراء خشية أن تعدي طلابها عجمة المتحضرين. - شنقيط وما أدراك ما شنقيط؟ هي ما علمت، هي التي أهدت إلينا أصمعي هذا العصر المأسوف عليه محمد محمود بن التلاميد التركزي المعروف بالشنقيطي، ونحن فقد رأينا هذا الشنقيطي وخالطناه، وقرأنا عليه بإيعاز من المرحوم الشيخ محمد عبده المعلقات السبع وكتاب الكامل للمبرد، ووقفنا منه ومن كثير ممن وقف على جلية أمره على شيء من نوادره وغرائب أطواره وشواذ أخلاقه وما إلى ذلك مما يصح أن يتحف به قراء البيان. كان هذا الشنقيطي ﵀ نادرة الفلك في الحفظ والاستظهار، وكان آية في اللغة والحديث وعلم الأنساب، وتلك شنشنة الشنقيطيين جميعاً، ومن ثم كانت القوة المفكرة في أكثرهم مشلولة، وهي سنة طبيعية معقولة، فكلما كانت الحافظة قوية يقضي حاضره، كانت المفكرة ضعيفة مسلوبة نائمة، وهو قانون التعويض يعطي ويمنع، ويقوى من هنا ويضعف من هناك. انفصل الشيخ من بلاده بادئ ذي بدء وقصد إلى مكة المكرمة واتصل بالشريف عبد الله أمير مكة وقتئذ فأكرمه وقربه إليه ولبث عنده زماناً وكان يحرش بينه وبين علماء مكة حتى وجدوا عليه وصارحوه العداء والشر فلم يطق الإقامة هناك فعمد إلى المدينة المنورة فوقع بينه وبين علمائها كذلك ما سبب تألبهم عليه حتى أخرجوه منها، وكان الرجل لبياض سريرته ونقاء طويته ولأن فطرته الطيبة لم يشبها شيء من المكر والخداع والمداهنة كان آية فيما يسميه المهذبون الشجاعة الأدبية وينعته السواد الأعظم من الناس بالحمق والسفه

стр. 2388

وسوء الخلق فكان لذلك لا يخشى في الحق ذاماً وكان يقول للمخطئ أنت مخطئ وللكذاب أنت كذاب تصريحاً لا تعريضاً ومن هنا لم يستقر على حال من القلق وكلما حل مكاناً ضاق به أهلوه من العلماء وشغبوا عليه وناوأوه وسخروا منه اللهم إلا من كان منهم لا يعرف من نفسه نقصاً يخشى اشتهاره أو من كان يعرف أن ليس عالم إلا وهناك من هو أعلم منه فلا يستحي أن يفيد من هذا الرجل علمه مثل المأسوف عليه الشيخ محمد عبده الذي كان من شأنه مع الشنقيطي ما سيمر بك. فلما نبت به المدينة وأهلوها ولم ير المقام صالحاً ولى وجهه شطر القسطنطينية وكان ذلك أزمان السلطان عبد الحميد فاتفق وهو هناك إن لفت بعضهم عبد الحميد إلى الكتب العربية الموجودة في إسبانيا وأشاروا عليه أن يوفد الشنقيطي إلى تلك البلاد لأنه خير من ينهض بهذه المهمة فأرسل إليه السلطان أن يتأهب للسفر فلم يقبل ذلك إلا على شريطة أن يعزل ناظر وقف الشناقطة في المدينة المنورة وأن يعد له طباخاً ومؤذناً وأن يكافئه أحسن مكافأة بعد أن يرجع، وقد أشار الشنقيطي إلى ذلك في قصيدته المسماة هذا حظ جد من المبناه، وبراءة محمد محمود من عاب الجهل الذي عبناه بقوله: فكان من السلطان أمرك بعد ما ... شرطت أموراً لم تصادف أولي عزم ثم إن السلطان أرسله في وابور خاص وأعطاه مؤذناً وطباخاً وبعث معه أحد أدباء تونس فذهب إلى إسبانيا وكتب أسماء الكتب العربية النادرة التي لا توجد في القسطنطينية ثم رجع فتقدم إليه السلطان بأن يعرض عليه الأوراق التي عنده فتأبى حتى يأخذ مكافأته فأرسل إليه السلطان أن مكافأته ستصرف إليه فأصر على إبائه فما كان من السلطان إلا أن غضب منه وأهمل شأنه وشأن أوراقه فصادف إذ ذاك أن أوسكار ملك السويد والنرويج طلب إلى السلطان عبد الحميد أن يوفد إليه وفداً من علماء العربية يقف منهم على أشياء تتعلق بالقرآن الكريم وأشياء من الشعر العربي وأن يكون من هذا الوفد الشيخ الشنقيطي فأرسل السلطان إليه أن يتهيأ للسفر فقال حتى تعطوني مكافأتي فطار الغضب في رأس السلطان وأمر أن يزايل القسطنطينية في التو واللحظة. وبعد أن فارق الاستانة قدم إلى مصر ونزل على السيد توفيق البكري نقيب الإشراف والكاتب الشاعر المشهور فأكرم السيد وفادته واستأجر له ولجاريته داراً ووظف له وظيفة

стр. 2389

ماهية شهرية قدرها خمسة جنيهات، فمن نوادره مع السيد البكري أن السيد طبع بعد اتصال الشنقيطي به بمديدة كتابه شرح أواجيز العرب فأقام الشنقيطي الدنيا وأقعدها وادعى أن البكري سرق هذا الشرح منه ونسبه إلى نفسه زوراً ولجأ آخر الأمر إلى المحاكم فلم تحكم له ونحن فلا نظن إلا صدقه - ومن نوادره أنه لما قدم إلى القاهرة ونزل على السيد البكري وكان يوم عيد فجاء إلى السيد البكري جماعة من العلماء يعيدون عليه وفيهم المرحوم الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر إذ ذاك والشيخ عبد القادر الرافعي فلما اطمأن بهم المجلس أراد الشيخ الرافعي أن يداعبه أو يحرش بينه وبين الشيخ سليم وكان يعرفه من قبل - فقال: لقد تنصرت بعدنا يا مولانا إذ تلبس الخف الأسود، فقال الشيخ البشري أجمع على كراهة لبس الخف الأسود، فقال الشنقيطي: ثبت في الصحيح أن النجاشي أهدى إلى رسول الله ﷺ خفين ومسح عليهما فما لونهما فقال البشري لا أدري فقال الشنقيطي: عجباً لك تدعى الإجماع ثم تقول لا أدري فسكت الجمع وكان في المجلس أحد الأفندية فقال للشنقيطي أفدنا إذن يا مولانا عن لون الخفين المذكورين فقال له سأعلمه للعوام فتلقوه من هناك، وعلى ذلك انفض المجلس، ثم أراهم الشيخ الشنقيطي بعد ذلك كتاب الشمائل وأن الخفين كانا أسودين فلما بلغ ذلك الشيخ البشري قال إن في رواته ضعيفين فهو غير مقبول ووضع في ذلك رسالة فلما اتصل ذلك بالشنقيطي قال ما معناه: إن الضعيف لا يرد إلا بما هو أصح منه والشيخ البشري أضعف منهما. ولعل القراء قد سمعوا بمسألة عمر وإن النجاة جميعاً على أن عمر ممنوعة من الصرف فجاء الشنقيطي وخطأهم جميعاً وذهب إلى أن عمر مصروفة وفي ذلك كلام يطول نرجئه إلى فرصة أخرى كما يجمل أن نرجئ الآن الشطر الآخر من الكلام على الشنقيطي وماذا أفادته اللغة العربية والناطقون بالضاد من علم هذا الرجل وسائر نوادره إلى عدد آخر قادم إن شاء الله. كلمات حكيمة قال عمرو بن العاص: إذا أنا أفشيت سري إلى صديق فأذاعه فهو في حل فقيل له وكيف ذاك؟ قال: أنا كنت أحق بصيانته، ويعزي إلى علي بن أبي طالب ﵁ وكان

стр. 2390

يكثر إنشاده - فقائل يقول هو له وآخر يقول أنه كان يتمثل به: فلا تفشين سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحاً وإني رأيت غواة الرجا ... ل لا يتركون أديماً صحيحاً وأسر معاوية ﵁ إلى عثمان بن عنبسه بن أبي سفيان حديثاً، قال عثمان فجئت إلى أبي فقلت أن أمير المؤمنين أسر إلى حديثاً أأحدثك به؟ قال: لا، إنه من كتم حديثه كان الخيار إليه، ومن أظهره كان الخيار عليه، فلا تجعل نفسك مملوكاً بعد أن كنت مالكاً، فقلت له: أو يدخل هذا بين الرجل وأبيه؟ فقال لا ولكني أكره أن تذلل لسانك بإفشاء السر، قال فرجعت إلى معاوية فذكرت ذلك له، فقال معاوية: أعتقك أخي من رق الخطأ، ومن قولهم أصبر الناس من صبر على كتمان سره ولم يبده لصديقه فيوشك أن يصير عدواً فيذيعه وقال بعض الشعراء: ولي صاحب سري المكتم عنده ... مخاريق نيران بليل تحرق عطفت على أسراره فكسوتها ... ثياباً من الكتمان لا تتتخرق فمن تكن الأسرار تطفو بصدره ... فأسرار صدري بالأحاديث تغرق وحسبك في ستر الأحاديث واعظاً ... من القول ما قال الأريب الموفق إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق وقال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله: إن هذا الرجل - يعني علياً - قد اختصك من دون أصحاب رسول الله فاحفظ عني ثلاثاً، لا يجربن عليك كذباً ولا تفشين له سراً ولا تغتب عنده أحداً: فقيل لابن عباس كل واحدة منهن خير من ألف دينار فقال كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف، وقال المهلب بن أبي صفرة: أدنى أخلاق الشريف كتمان السر وأعلى أخلاقه نسيان ما أسر إليه وقال معاوية للأحنف بن قيس في شيء بلغه عنه فأنكر ذلك الأحنف فقال له معاوية بلغني عنك الثقة فقال الأحنف يا أمير المؤمنين إن الثقة لا يبلغ وفي ضد هذا كله يقول بعض الشعراء: لا أكتم الأسرار لكن أنمها ... ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي وإن أحق الناس بالسخف لامروء ... تقلبه الأسرار جنباً إلى جنب فما رأى القراء في هذا الشاعر الذي يحق لنا أن نشكره إذ أفهمنا أن الشعراء ومن إليهم من

стр. 2391

ذوي العواطف المضطربة والأعصاب المريضة لا يطيقون كتمان الأسرار فينبغي لذلك أن لا يفشى إليهم سر. هذا ومما يستحسن أن يذكر هنا وإن لم يكن من هذا الباب قول القائل: كتمت الهوى حتى إذا نطقت به ... بوادر من دمع تسيل على خدي وشاع الذي أضمرت من غير منطق ... كان ضمير القلب يرشح من جلدي الحسن البصري والخليل بن أحمد يعجبني من زهاد سلفنا الصالح الأولين نفر تعمر سيرتهم وأحوالهم صدري ويملأ كلامهم أذني صواباً وحكمة سماوية تنحدر من الأذن إلى صفحة القلب فينبثق لها نور يجلو ظلام البصيرة - من هؤلاء النفر رجلان كانا المثل الأعلى للعقل والورع واحتقار الدنيا ثم للبيان الإلهي الذي كانه وحي يوحى، هما الحسن البصري والخليل بن أحمد، أما الحسن البصري فكان من جلة التابعين الذين أدركوا أصحاب رسول الله وساداتهم، وهو من أبناء الموالي إذ كان أبوه يسار مولى زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ وأمه خيرة مولاه أم سلمة زوج النبي قالوا وربما كانت تغيب أمه في حاجة فيبكي فتعطيه أم سلمة ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمه فيدر عليها ثديها فيشرب منه فيرون أن تلك الحكمة من بركة ذلك، قال أبو عمرو بن العلاء ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج بن يوسف الثقفي فقيل له فأيهما كان أفصح قال الحسن - ونشأ الحسن بوادي القرى وكان أجمل أهل البصرة حكي الأصمعي عن أبيه قال: ما رأيت أعرض زنداً من الحسن، كان عرضه شبراً، فمن كلامه ﵁: ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه إلا الموت: وله: كان الناس ورقاً لا شوك فيه وهم اليوم شوك لا ورق فيه: ورأى يوماً رجلاً وسيماً حسن الهيئة فسأل عنه فقيل إنه يتنادر للملوك يضحكهم بمجونه ونوادره ويحبونه، فقال لله أبوه ما رأيت أحداً طلب الدنيا بما يشبهها إلا هذا - وكانت أمه تقص للناس ودخل عليها يوماً وفي يدها كراثة تأكلها فقال لها يا أماه ألقي هذه البقلة الخبيثة من يدك فقالت يا بني إنك شيخ قد كبرت وخرفت فقال يا أماه أينا أكبر. وإذا أنت أردت استقصاء كلمات هذا الرجل العاقل الحكيم فعليك مطولات كتب الأدب والتاريخ ونحن إنما نأخذ من كل شيء طرفاً.

стр. 2392

وأما الخليل بن أحمد فأنت تعلم أنه الذي وضع علم العروض وأخرجه إلى الوجود، قال حمزة بن الحسن الأصبهاني، وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه ولا على مثال تقدمه احتذاه وإنما اخترعه من ممر له بالصفارين من وقع مطرقة على طست ليس فيهما حجة ولا بيان يفسران غير جوهرهما، فلو كانت أيامه قديمة، ورسومه بعيدة، لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره ومن تأسيسه بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام: انتهى كلام حمزة - وليس هذا الذي نقصد إليه وإنما الذي نعجب به من هذا الإمام عقله وتقاه وزهده في حطام الدنيا، قال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال، ولقد سمعته يقول: إني لأغلق على بابي فما يجاوزه همي: وكان يقول أكمل ما يكون الإنسان عقلاً وذهناً إذا بلغ أربعين سنة ثم يتغير وينقص إذا بلغ ثلاثاً وستين، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر - واجتمع الخليل وعبد الله بن المقفع ليلة يتحدثان إلى الغداة فلما تفرقا قيل للخليل كيف رأيت ابن المقفع فقال رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله وقيل لابن المقفع كيف رأيت الخليل فقال رأيت رجلاً عقله أكثر من علمه - وكان له ولد متجلف فدخل على أبيه يوماً فوجده يقطع بيت شعر بأوزان العروض فخرج إلى الناس وقال إن أبي قد جن فدخلوا عليه وأخبروه بما قال ابنه فقال مخاطباً له: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا وكان يتردد إليه شخص يتعلم العروض وكان بعيد الفهم فأقام مدة ولم يعلق على خاطره شيء منه، قال الخليل فقلت له يوماً قطع هذا البيت: إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع فشرع معي في تقطيعه على قدر معرفته ثم نهض ولم يعد يجيء إلي، فعجبت من فطنته لما قصدته من البيت مع بعد فهمه - وكان ﵀ كثيراً ما ينشد هذا البيت:

стр. 2393

وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال

стр. 2394

قتل الأطفال يعلم الناس أن العرب في جاهليتهم الأولى كانوا يئدون البنات، ويقتلون البنين، خوفاً من عار يصيب شرف العشيرة من فتياتها، وخشية إملاق من تكاثر فتية العشيرة وغلمانها، إذ كان الرزق في الصحراء شاقاً على أهلها، وكان الطعام لا يظفر به إلا بشق النفس، وتهالك الروح، وكان الطعام لا ينال إلا قسراً، والأكل لا يقع للفم إلا انتهاباً، فخشي القوم أن تجوع بطون الجميع، فآثروا أن يقضوا على أنفس القليل، ليعيش الكثير، وقد يكون في تلك العادة الجاهلية روح من الوحشية والقسوة، ولكنه لا يزال بعد نظاماً اجتماعياً، وتنفيساً للحياة من أن تخنق فينقرض الأهل، ولا يبقى طفل يوأد، ولا وليد يخنق، ولكنا لا نستطيع أن نرتضي ذلك النظام، لأن الرحمة مادة العيش، ولزام الشرائع، ونحن يهون علينا أن نصاب في كثير من فروع الحياة من وراء الرحمة إذ نستخدمها في مواطن غير مواطنها، وتسلم الرحمة من الأذى فتعيش بجانبنا. ولا يظن القراء أن عادة قتل الطفل والصبية، إناثاً وذكراناً، قد انقرضت إذ بادت الجاهلية الأولى وأن العرب هم واضعو ذلك النظام الخشن وحدهم، وأن الشمس اليوم تطالع العالم فلا تشرف على والد يغيب أصابعه في عنق وليده وتغيب عن الدنيا وتنيب عنها أخاها القمر فلا يدرك إما تخنق طفلتها وهي في نشيجها مفحمة من البكاء، بل لا تزال تلك العادة شائعة في كثير من أقطار الدنيا وبلاد الله، وفي أقاليم لا يعز فيها الطعام، وتخوم سرية بالغذاء وخبأ الأرض والسماوات ففي قبائل الأسكيمو الغربيين يقتل الأطفال لا خشية مسغبة أهلهم وإنما يخنق الضعفاء منهم والمشوهون، ولا يسمح للولدان التوائم بالحياة، لأنهم يعتقدون أن الشؤم واقع بمولدهم، وأن النحس ملم بخروجهم إلى نور الشمس وفي قبائل تسمى الإيبونز في أمريكا الجنوبية يقتلون الأطفال الذكور أكثر من قتلهم الإناث، فإذا أبقوا يوماً على طفل منهم، لم يلبثوا أن يبيعوه ويستبدلوا به زوجة، وأما الفتاة فغالية الثمن سامية القيمة. وقد أرجع العلماء الكبار مثل هربرت سبنسر ودارون ووستر نمارك وماك لينان عادة قتل الطفل إلى أربعة بواعث، نحن باسطوها للقراء. فالباعث الأول ثورة غاضبة في النفس وسورة حادة تغذوها الوحشية فقد ذكر دارون أن الرجل في جزيرة تيارا دل فيوجو ومعناها في الإسبانية أرض النار وهي تلك الجزيرة

стр. 2395

المترامية على سفح قارة أمريكا الجنوبية، يثب إلى طفله فيفدخ جمجمته، لأنه قلب سلة السمك، وفي أستراليا إذ يرى الوالد ضبيه مريضاً يقتله فيضع لحمه فوق النار فيعده شواء شهياً لمائدة الغذاء، وفي بلدان من بلدان أفريقيا اعتاد الصائدون أن يضعوا أطفالهم في حفر الأسد ليغروا الأسد على الوقوع فيها والارتطام في قاعها. والباعث الثاني هو تنازع البقاء ففي بولينزيا إذا أجدبت الأرض وحل المحل وضع السكان ضريبة من اللحم الآدمي يقدم من كل أسرة من أسر البلد فلا يختارون إلا جيد تلك اللحمان، وهو لحم الأوزي أي لحوم الأطفال، وفي جزر واي هاي واي يخنقون الأطفال أو يئدونهم بعد الطفل الرابع، لأنهم لا يستطيعون أن يحتملوا أكثر من أربعة أطفال للمرأة وبين القبائل الصائدة والعشائر الحربية التي دأبها الحرب والقتل، يرى الرجال أن النساء لا يستطعن أن يستخدمن كدواب للحمل كما هي في الجماعات الزراعية إذ يعتقدون أن الفتيات قد يقعن في إشراك فتية القبيلة المعادية لهم، ولذلك يقتلون البنات في طفولتهن على أن الدافع الذي كان يدفع جاهلية العرب إلى وأد البنات لا يزال يغري قبائل من الهنود بذلك القتل وتلك سنة فاشية في راجبوتا وغيرها من البطون والعشائر ففي الطبقة النبيلة، وبين أشراف رجبوتا يعتقدون أن من العار الأكبر أن تظل الفتاة بلا زواج وأنه لا يجوز للعذراء أن تتزوج من دونها في طبقتها ومركزها الاجتماعي، ثم لا يزال زواج البنات أمراً غالياً باهظاً يستنفد ثروة والدها، إذ قد يكلف زواج البنت والدها الراجا ما يربي على مائة ألف جنيه فلاجتناب كل ذلك وللتفادي من هذه الأداة جعل كل رجل يقتل نسبة محفوظة من بناته. والباعث الرابع أن يكون سبباً من الأسباب الاجتماعية أو شرعة من الشرائع السياسية فقد كان الأطفال في اسبارطة وفي كثير من بلاد الرومان القدماء يقتلون بأمر الحكومة إذا كانوا ضعفاء أو مشوهين. وقد كان أرسطو وأفلاطون يمتدحون تلك الشرعة ويمجدونها ويرون سدادها ورجاحتها، وإن كان الناس اليوم يعيبون على الفيلسوف نيتشه أن خرج إليهم بذلك المبدأ الذي كان أبوه أرسطو وهو سيد فلاسفة الأرض يحترمه ويؤمن بصلاحه. على أن جريمة قتل الأطفال ليست سيئة تشين أهل الممالك البعيدة عن تخوم المدينة، بل لا تزال شائعة في أهل الحضارة، ومدنية القرن العشرين، وكم نسمع عن أطفال وجدوا

стр. 2396

طريحين في عرصات الطرق أو مخنوقين وملقاة جثثهم في ركن من أركان الدور والحوانيت، وهي كثيراً ما ترجع إلى الجنون أو الكراهة الشديدة التي لا موجب لها للطفل أو للزنا مخافة العار الذي يصيب الأم من مولد طفلها.

стр. 2397

التصوير المضحك والنقد العجيب توماس كارلايل من كتاب انجلترا المعدودين، وأعلام فلاسفتهم المخلدين، كاتب غريب الأسلوب يهز الفؤاد هزاً وينقل روح القارئ من عالم الأرض إلى عالم السماء، وهو فيلسوف ولوع بالعظمة، مفتون بالمثل الأعلى يحزنه أن يسف إلى الأرض ولا يرضيه أن يعيش إلا عيش الملائكة ولعل كتابه الأبطال والبطولة أول كتاب في نوعه، وأحر مؤلف أسلوباً وفلسفة وخواطر. على أن كارلايل كان لا يزال غريب الأطوار، متقلب الخلق، لا يرضيه أحد من الناس، ولا يعترف بوجود أحد، ولم يفلت كاتب ولا شاعر من شعراء زمنه وكتاب جيله، ولم ينج الكتاب الذين سبقوه، من سخريته ونقده والتهاتف به، وقد جمع الناس بعده الآراء التي أدلى بها عن كثيرين من الكتاب والشعراء، وطائفة من الصور المضحكة التي اخترعها عنهم، فلم يجرأ أحد أن يرمي الرجل بالجنة ويقرفه بالتحامل ويتهمه بالسخف، بل احترم الناس منه آراءه وإن كان بعضها باطلاً، والآخر مغالى فيه. ونحن نقتطف للقراء جملة من هذه الصور تفكهة لهم وترويجاً: قال عن الشاعر بيرون وهو ومكانه في طليعة شعراء الأرض - بيرون ولد رقيع اتخذ الحزن عياقة والهموم زياً من الأزياء المستحدثة. وعن توماس مور - وهو من كبراء الشعراء - تفاهة شهوانية ذات اسم عظيم وقال عن استوارت ميل، صاحب كتاب الحرية - أقرب شبه رأيته للرجل الحقيقي. وعن الشاعر ورد سورز - نوع غريب من الإنسان، ولكنه في جوهره ومظهره إنسان صغير، وقال عنه بعد سنين عدة، وقد بلغ الشاعر عهد الشيخوخة، رجل عجوز غلباوي بريالة، وقال عنه كذلك. . . عود صديء قديم يلزمه وتران أو عدة أوتار حتى يستطيع الإنسان أن يسمع نغمه! سدني سمث - رجل من الشحم والعضل لا غير، ويظهر أن ليس فيه روح قط. الشاعر كولريدج - نفس يائسة لا أمل لها، ولا شغل لها إلا الوعظ. وعلى ذكر ذلك - سأل كولريدج الكاتب شارلز لام هل سمعتني يوماً أعظ، فأجاب لام، لم

стр. 2398

أسمع منك طول حياتي شيئاً آخر!. وقال عن الشاعر ما كولي مؤرخ انجلترا العظيم، يحتاج إلى أصول الإيمان. ثم كتب عنه بعد ذلك، مخلوق مسكين، لا حيلة له إلى فهرسة الأدب والتاريخ ولا خيال فيه ولا روح، كافر ملعون له نظارات، ولا عينان وراءها ووصفه في موضع آخر فقال هو شلال نياغرا في الكلمات والنظريات والآراء العادية السقيمة، وكل ما كان فيه قد تحول الآن إلى لسان، وقال عن كتب التاريخ التي وضعها ما كولي ليس فيها معنى قط، بل هي ليست إلا مجموعة من الرياح الكلامية الفارغة. وقال عن الكاتب شارلز سامر، لا إيذاء منه مطلقاً، هو أشبه بقطعة النقود الممسوحة التي زالت عنها جميع آثار سكتها!. ولم تقتصر دعاباته هذه على الكتاب والشعراء بل تناول جمعاً من القواد والعظماء أيضاً ونحن ننقل شيئاً منها. قال عن مازيني - رجل من قواد إيطاليا العظماء - أنه رجل صغير جميل مفعم بالإحساسات والنغمات والفضائل! وعن لويس نابوليون - رجل غشاش نصاب رأى الناس مستعدين لقبول الغش فغشهم، وقال عن نابليون بونابرت: إن ذهنه أشبه شيء بمنجم منطفئ، هو ممثل تراجيدي مضحك، أو ممثل مضحك مبك، وذكر أيضاً عنه هو نابليون هو قاطع الطريق في التاريخ الإنساني! وعلى ذكر ذلك نبسط للقراء حادثة غريبة، وهي أن نابليون عندما كان في إيطاليا، لتتويجه ملكاً عليها، أقيم ثمة مرقص عظيم في ميلان - بعد حفلة التتويج بزمن قصير، فلمح نابليون سيدة وضعت في مشدها باقة من الزهر فخطفها من صدرها وقال: إن الطليان كلهم لصوص! فأجابت السيدة بكل أدب - كلا يا مولاي ليسوا جميعاً، ما بونابرت! ومعنى العبارة الأخيرة، أنت فقط يا لصي! وكتب يوماً نابليون إلى الماجور شل وكان رئيس حزب في إيطاليا كتاباً بهذا العنوان: إلى شل زعيم اللصوص! فرد عليه بكتاب جعل عنوانه: إلى بونابرت زعيم جميع اللصوص!. وقال عن ثكري - وهو من أكبر كتاب انجلترا المعدودين - رجل متوحش عياط، جائع.

стр. 2399

فلو أن رجلاً قام اليوم فبسط آراء له على هذا النحو في الكتاب والشعراء والمفكرين في مصر لقامت ولا شك قيامة الناس عليه، ولرموه بالهوس والتخريف، واضطغنوها عليه إلى الأبد لأننا لا نجلد على النقد وتجزع نفوسنا من الدعابة.

стр. 2400

أحداث الشهر النكبة الأهلية الكبرى من أكبر أحداث هذا الشهر أكتوبر في مصر، نازلة ألمت بساحة هذا البلد فأدمت القلوب، وسحت لها العيون، وعم الأسى الأرواح، وحد عليها عالم الأدب، وعطل العالم النسوى من أكبر فخره وأروع حليته، وأنهد ركن من النهضة الأدبية التي نحن بسبيلها، وفقد عالم التفكير علماً خفاقاً من أعلامه، وخسر طلاب التهذيب والدعاة إلى الإصلاح والواثبون إلى ترقية الأسرة المصرية والسمو بها إلى التربية الحديثة القويمة، عنصراً من ألزم العناصر لرقي الأسرة، وهادياً من أسمى الهداة إلى السنن الصالح، والتهذيب المنشود، ذلك أن اغتالت المنون سيدة من كرائم الكاتبات، وزوجاً من خيرة الأزواج، وابنة رجل من مشيخة الأدب، وأهل الأسماء النبيلة، والذكر الرفيع، والعمل الصالح، فلم يبق في مصر إنسان فتح في حياته صفحات كتاب، ولا رجل أدرك شيئاً من تاريخ النهضة الحديثة، ولا زوج عرف فضل الزوجة الكريمة المهذبة، ولا أب اعتز بفلذات كبده، وازدهى بكرائم بناته، إلا جزع للنبأ، وطار لبه للمصاب، فبكى العلماء والأدباء والمتأدبون وعامة القراء في أثر تلك الراحلة الكريمة، إذ فقدوا أدباً رائعاً، وتفكيراً طلياً طريفاً، وخواطر عليها أثر الإخلاص والنبل والسمو الذهني، وابتأس الأزواج إذ غاب عن حياة الأسرة المصرية المثل الأعلى للزوجة، والقدوة الحسنة لحياة العشيرة، واذكروا مصاب زوج أسيف كان عزيزاً بتلك النعمة العظيمة، فخوراً مغتبطاً بتلك النفيسة الغالية، وتقطعت أكباد الآباء، وزفرت زفرات الشيوخ، إذ انتهى إليهم جزع أب كان خير الآباء لخير البنات، وكان بكنزه العظيم عزيز الجانب، وكان بتلك السيدة الممتعة الأدب، المستضيئة الخاطر فرحاً قرير العين. تلكم هي المرحومة ملك ناصف، باحثة البادية، التي لها الشأو البعيد في الأدب، والسهم الأكبر من البحث، والنصيب الأجزل من الفلسفة العصرية، والخواطر الجميلة المهذبة، سيدة هي فخر نسائنا، وكاتبة في طليعة أديباتنا، أخذت الذكاء والفضل مطبوعاً، وجرى في غريزتها من أبيها حفني ناصف، الشاعر الحلو الأغاريد، الفكه القريض، الجم الأدب، فتجلى فيها أدبها الخصيب، وذكاؤها المفرط، غريباً شاذاً نادراً آية عجب ودهشة، في وسط عالم نسائي ما فيه إلا معجبة بسوارها، مزهوة بأقراطها، ومزركشة بأثوابها، وحرائر

стр. 2401

معاطفها وإلا من برزة خلت من خفر وحياء فأخذت الظهور في عالم الأدب مصيدة، وبدت بين الكتاب والكاتبات لتتم لها الأحبولة، وادعت العلم وتكلفت التفكير، ولا تفكير ولا علم إلا بأمور نسائيتها وسخفها، ولذلك كان رحيل سيدة فضلة وكاتبة بليغة ومفكرة رائعة التفكير، أوقع في النفس من وفاة رجال عديدين من النافعين، وطائفة من العظماء الكبار الأذهان، لأننا نستطيع عن الرجال تأسياً، ولهم بديلاً وإضراباً، ولكن فقد كاتبة نحن في أشد الحاجة إلى قلمها وذهنها وروحها السامية أبلغ أثراً من ذلك وأعظم وقعاً، إذ هيهات أن تجود الأقدار بمثلها، وهيهات أن يخرج العالم النسائي في مصر ضريبة لها إلا على فترة من القرون وهون من الأجيال، وإذا كانت الطبيعة تضن على الدنيا بالعظيم فتدع بينه وبين التالي له صفحات خالية في سجل الدهر ولا تخرجه إلا بعد أن تعد له العدة من الظروف والوسط والزمن، فهي لا تزال أضن بالعبقريات، وأبخل بالسيدات العظيمات، لأن العظمة عنصر غريب لا يوافق النساء، والعبقريات منحة لا تزين الغانيات، ولكن الأقدار تتخير المرأة التي تصلح لغرضها الذي تريده القوة الإلهية فتحبوها بكل الألوان والمستلزمات التي تطلبها العظمة والعبقرية، ولذلك كانت السيدة التي يؤتيها الله تلك الهبة أروع من الرجل الذي قد يمنحها، ولو أنت أردت أن تحصي عدد النساء العظيمات في تاريخ أمة من الأمم، لما أعجزك الإحصاء، ولا شرفن عليك من خلل القرون والأجيال، فإذا هن قلائل وإذا بك ترى بين كل منهن والتالية لها زمناً طويلاً، وعهداً بعيداً. فكيف عمركم الله نستطيع صبراً على نكبة أهلية كهذه غمت حياة الشعب جميعاً، وتناولت أهم فروع عيشنا فنزلت بها، ولكنا خلقاء بأن نتجمل بالصبر، طوعاً أو كرهاً، ونسوق العزاء إلى الثاكل الذي دمي فؤاده من أثر نكبته، ذلك الشيخ الجليل، والأديب الممتع العذب المحضر، وإلى الزوج الأسيف المحزون، الذي ألم به هذا المصاب العظيم، فكان منه ذا أثرين، وهد منه ركنين، إذ فقد زوجه الصالحة، وربة بيته العامر، وكان من هذه الناحية زوجاً، ثم خسر ضوء ذلك الكوكب الذي كان متسامياً في أفق الأدب والتفكير، وكان من هذه الوجهة أديباً متعلماً مهذباً، ولكن حسب ذلك الزوج الكريم، عبد الستار بك الباسل فخراً أن زوجه ستروح وإن غابت عن حياة هذه الأرض، في القلوب، وذكرها في الأسماع، وطيب أحدوثتها في الأفواه، وإن الله قد أراد لها نعمة الخلود.

стр. 2402

هذا وسنأتي على ترجمة حياة الفقيدة ملخصة بقلم حضرة الأستاذ الأديب الشيخ مهدي خليل المدرس بمدرسة عبد العزيز الأميرية مع اختيار شيء من منظومها ومنثورها في العدد القادم إن شاء الله.

стр. 2403

مجموع المتون للعمرية والبكرية والعلويتين لما نظم سعادة حافظ بك ابراهيم متن العمرية تكلفنا أن نكتب لقرائنا كلمة عن هذا المتن الذي جاء بدعاً في نظم المتون، وما كنا علم الله نظن يومئذ أن لهذا المتن ذيولاً وحواشي، وأنه سيحدث في الأدب إحداثاً تفتق في جوانبه، وتطفئ من كواكبه، حتى جاء عبد الحليم أفندي المصري ببكريته وجاء العرب بعلويته والشيخ القصري بما لا نعرف كيف يسمى، أعلوية، أم سفلية. . . رأينا قراءة متن العمرية تميت النشاط وتخمل الرغبة في الأدب فلا ندري كيف انبعث القوم لتقليده كأنه لا ذوق لهم في الشعر ولا بصر لهم بفنونه وصناعته، ولو عرفوا لعرفوا أن الأحق بالشاعر الفحل أن يصلح غلطة حافظ ويكفر عن سيئته ويستن للأدب غير سنته فيقرض عمرية جديدة يدور لها الفلك وينقض تلك البنية الخربة المتهدمة ويرفع في مكانها صرحاً من الشعر العربي المتين يتراءى فيه الذوق والفن والقريحة أحسن ما تكون ثلاثتها في أثر من آثار البيان. انحدرت بكرية المصري كما انحدرت عمرية حافظ بين الرايات والمقاعد وكان لكلتيهما حفل ومنبر ولكل من الرجلين قوم يعضدونه وينهضون بأمره ويدعون إليه ويلقون من شهرتهم على قصيدته فما كدنا نفهم من هذه الظاهرة الاجتماعية شيئاً لأن القصيدتين سواء حذوك مثلاً بمثل إلا أن في البكرية عامية وتهافتاً وهنات أخرى تسقط بها دون العمرية، ثم أرسل العرب علويته بلا طبل ولا زمر فكانت هذه فضيلة فيه لأنه أخلص النية ولم يحاول أن يسترهب الناس ويسحر على أعينهم بالأسماء والألقاب وقد نظم كما نظم صاحباه وتمت لنا ثلاثة متون. ونحن فلا نشك في أن حافظاً والمصري والعرب يعدون من شعراء البلد والبلد متخلف في أشياء كثيرة فلعل لهم عذراً ونحن نلوم، ولعله ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولعل نسق الشعر الذي نتخيله في مثل هذه السير التاريخية الكبرى مما يفوت طوقهم ولا يمكن أن يواتيهم بحال من الأحوال لقصور علمهم بوجوه الكلام وسياسته وقلة بضاعتهم من الأدب ولضعف ملكة التمييز في أكثر قومنا وانصراف كبرائنا عن الأدب وفنونه حتى ليس فيهم

стр. 2404

متوسم به ولا محقق فيه ولا من يقام لرأيه في تلك الصناعة وزن. ولا أدل على ما نحن فيه من قاصمة الظهر وغصة الحلق وهذه القصيدة التي سموها علوية القصري والتي يقول في مطلعها: عبرت بالعبرة المجراة لا الكلم ... عن حال قلب سليمٍ بالهوى كلم له عليه من الحكم المنفذ ما ... للعاصفات على الخيزور والسلم يسيل سيل سحاب الدمع منك على ... وادي الخدود وقلب القلب في ضرم فهذا الشعر الذي لا يسك سمع أديب حتى يتخيل من ألفاظه ونسقه أن جداراً ينقض على رأسه حجراً حجراً ولا يكاد يأتي على آخره حتى يمثل له أنه يسمع معاول رجال التنظيم ينبشون عنه تحت الردم. . . هو الذي نصب له فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية نفسه فنوه باسم ناظمه ودعا العلماء والكبراء والأدباء إلى الاحتفال به وسماع قصيدته فذهبوا وسمعوا ورجع بعضهم كالمغشى عليه من الموت. لا تعنينا هذه المتون ولا شعراؤها فهي هي وهم هم ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها؟ ولكن ما بال هؤلاء الكبراء عفا الله عنهم لا يميزون الخبيث من الطيب؟ وما لهم يحدثون في الأمة هذه الأحداث ويشهرون ببعض أدبائها تشهيراً وكانوا في ستر وعافية من الله وهم لا يجهلون أن صنيعهم هذا مما تفسد به أذواق الناشئين في الأدب وتخبث عليه نفوسهم وتضعف منه قرائحهم، وأنه يبعث على الغرور ويزينه للناس ويخلط في ألوان الأخلاق، وجملة القول أنه يجني على الأدب والأخلاق معاً. إنهم إن يكونوا يعرفون ذلك ويأتونه فتلك مصيبة وإلا فالمصيبة أعظم، والحق فيما نرى أن كبراء الأمة لا يبالون بالأمة من هذه الجهة وإنهم لا يزالون على أثر من العهد القديم الذي جعل احترام بعض الطبقات ديناً وأمرهم شرعاً وسن لهم من مذاهب الاجتماع حلالاً وحراماً وأوجب على الضعفاء حق المنصب والجاه، وكأنهم أيضاً لا يبالون بما حولهم من عيون تبصر وآذان تسمع وقلوب تشعر وأفهام تعي وأذهان تنتقد، وكأنه لا حكم عليهم لأحد مع أنهم في عهد جعل لكل الأمم على كبرائها ما للعاصفات على الخيروز والسلم. . . كما يقول شاعرهم القصري. ربنا إن أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 2405

الجمعية الجغرافية السلطانية جمعية المؤاساة الإسلامية بالسويس أهدى إلينا حضرة صاحب العزة عبد العزيز بك فهمي سكرتير الجمعية الجغرافية السلطانية نسخة من برنامج أعمال هذه الجمعية - ونظراً إلى أن هذا العدد لا يتسع للقول على هذه الجمعية بتفصيل أرجأنا ذلك إلى العدد القادم - وكذلك أرجأنا مضطرين كلمتنا على جمعية المواساة الإسلامية بالسويس إذ أهدانا حضرة سكرتيرها الأديب علي أفندي عبد السلام نسخة من قانونها.

стр. 2406

العدد ٤٤ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٨

стр. 2407

تاريخ الأدب التركي كثير من قراء العربية لا يعرفون شيئاً من أدب اللغة التركية وتاريخه وتطوره ومناحي أدباء الترك في منظومهم ومنثورهم - لذلك رأينا أن ننشر في البيان كلمة ممتعة تبصرنا بعض الشيء بآداب هذه اللغة، نقلها من الانكليزية حضرة الأستاذ الفاضل حسين أفندي لبيب المدرس بمدرسة القضاء الشرعي - قال: أدب العثمانيين مثل حضارتهم مستمد من الفرس بواسطة السلاجقة ومن الطبيعي أن تجد مشابهة عظيمة بين كتاباتهم وكتابات أساتذتهم الفرس ولا يدهشنا أن نرى في آداب الشعبين الفارسي والتركي روحاً واحدة واستعارات وتشابيه متوافقة وأوزاناً وبحوراً للشعر متشاكلة، وترى الشعر التركي أرقى في مجموعه من النثر التركي كما أن الشعر الفارسي أرقى من النثر الفارسي وأمهات القصائد الفارسية والتركية البليغة من مميزاتها عذوبة اللفظ وصفاء المعنى والتناسب بين أبياتها عبارة وموضوعاً على أنها من الجهة الأخرى مظهر من مظاهر الصناعة والتكلف فترى الشاعر ينحو نحو الإغراق والمبالغة ويأتي بالمعاني المبتذلة المألوفة ويكثر من التورية ونحوها من أبواب البديع حتى لقد تسقط معانيه للهوه بهذه المحسنات اللفظية إلى درجة المعاني الصبيانية وأبواب الموضوعات الشعرية التركية والفارسية محدودة ما عدا القصائد التاريخية الطويلة فإن موضوعاتها متعددة ومعانيها مختلفة، والعشق بما فيه من الآلام واللذائذ يحق له أن يكون في المحل الأول من الأدب التركي وكذلك يتغنون بمدح الربيع ويصفون أصوات البلابل وجمال الأزاهر ومظاهر الكون الجميلة كل هذا ممزوج بالإحساس الديني كشكر الله والابتهال إليه والتضاؤل أمام قوته ومن الغريب أن الترك مع أنهم من الشعوب الحربية ليس لهم من الشعر الحماسي ما يعتد به وهذا إنما سببه أن الفرس أساتذتهم لم يرد لهم شعر حماسي إلا ما جاء في قصائدهم القصصية الطويلة. والقصائد التاريخية المشار إليها فيما سبق مقفاة كل بيتين من قافية واحدة من أول بيت لآخر بيت والقصائد التركية في العادة لا تزيد على ٢٤ بيتاً يضمن البيت الأخير اسم منشئها. أما النثر التركي على أحسن حالاته عندهم فإنما يصفه الفرنجة يميل كتابه إلى الغلو والمبالغة وحب المحسنات اللفظية والإسجاع مع تكلف المعاني وتشويش العبارة، والفرنجة

стр. 2408

وأصحاب الأذواق السليمة من كتاب العرب يكرهون تكلف الأسجاع والتزامها في كل عبارة فلا بدع إذا عابوا على أدباء الترك شغفهم بالسجع إلى درجة الإفراط مثل سعد الدين المؤرخ التركي القديم أما حيث لا يلتزم السجع في النثر التركي فترى المعاني أقرب إلى الطبع وأدنى إلى الذوق السليم. وإذا بالغ الكتاب في تجريد كتاباتهم من المحسنات اللفظية وأقصوا كل سجعة أو لفظ رشيق أصبح كلامهم جافاً غير جذاب. والأدب العثماني واسع غني فالمنشئون من كل نوع وخصوصاً الشعراء وجدوا في كل العصور وكانوا متعددين يقصدون القصائد الكثيرة العدد والطويلة المدى ولذلك سنكتفي في هذه العجالة بذكر قليل من أشهر مشهوري الشعراء الذي لهم المحل الأرفع في تاريخ بلادهم الأدبي. فمن أقدم الشعراء العثمانيين الغازي فاضل وقد دبج يراع الشاعر شيخي القرمياني قصيدة تاريخية طويلة ضمنها ذكر خطوب شرين البطلة الفارسية المشهورة في حكايات الفرس كما أن يازجي أوغلو كتب السيرة النبوية الشريفة شعراً وسمى قصيدته المحمدية وأهم كتب منثور العصور التركية القديمة كتاب حكايات الأربعين وزيراً جمعه جامع في النصف الأول من القرن الخامس عشر سمى نفسه شيخ زاده ولعل اسمه الحقيقي كان أحمد والحكاية الآتية بلسان الوزير العشرين تظهر روح حكايات هذا الكتاب وترى منها أن عبارته كانت بسيطة لا تكلف فيها. كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ملك عظيم الشأن وقد خرج مرة للصيد والقنص وفيما هو عائد إذ بصر بشبح فقير في أسمال بالية وحال رثة ينادي من نقدني ألفا ذهباً بعته نصيحة من النصائح الغاليات قال الراوي فلما سمع الملك مقالته وفهم دعوته لوى عنان فرسه إليه وأقبل عليه وسأله ما هي تلك النصيحة الغالية فقال إذا أردت ذكرها فانقدني مهرها فأمر الملك حاشيته وغلمانه بإعطاء الشيخ المدعي ما طلب - ألفاً من الذهب - فلما حصل على غنيمته شرع يشدو بنصيحته قال: أيها الملك المهيب الرفيع الجناب إذا هممت بفعل أمر فاحسب حساب عاقبته فلما أتم مقالته سخر منه غلمان الملك وأهل حاشيته وقالوا هذه نصيحة مألوفة معروفة على أن الملك لم يكترث بهم وزاد الشيخ إكراماً وإحساناً

стр. 2409

وأمر بكتابة النصيحة على جدران قصوره وأبوابها، قالوا وكان لهذا الملك خصم لدود ملك جبار عنيد يتربص به الفرص ويكيد له ما استطاع لذلك سبيلاً ولما أعيته الحيل ولم يصل إليه بمكروه قال في نفسه لماذا لا أذهب إلى حلاق الملك وأعده بالمال الجزيل وأعطيه موسى مسمومة يفصد بها الملك فيموت وأتخلص منه علي أهون سبيل وسرعان ما غير ملابسه وتنكر وذهب إلى الحلاق وأعطاه ألفاً ذهباً وموسى مسمومة فأجابه الحلاق وكان شرهاً يحب المال حباً جماً إلى ما طلب ووعد بتنفيذ ما رغب ولما مرض الملك أرسل في طلب الحلاق ليفصده فسار إليه ومعه الموسى المسمومة فوجد الغلمان قد هيئوا له آنية يتلقى فيها دم الفصد وكان مكتوباً على حافتها نصيحة ذلك الشيخ الذي اعترض الملك وهو راجع من الصيد والقنص وهي إذا هممت بفعل أمر فاحسب حساب عاقبته فلما تأملها الحلاق قال في نفسه إنني الآن على وشك فصد الملك بهذه الموسى المسمومة فلا بد أنه يموت وإذا مات لا يتركونني حياً بعده وإذن لا أنتفع بالمال الذي أعطيته قال هذا في نفسه ثم أخفى الموسى المسمومة وأخرج غيرها بريئة من السم فلما رآه الملك يبدل موسى بغيرها سأله عن السبب فقال إن الموسى الأولى قد علا حدها التراب فراب الملك أمره وقال له إن الموسى الأولى لم تكن من المواسي الخاصة بي فلا بد من سر دفين وأمر خفي أخبرني سريعاً وإلا أذقتك كأس المنون فعندها لم يسع الحلاق إلا أن يقول الحق وحكى له السر من أوله إلى آخره وإن عزمه على الإيقاع بالملك قد تحول منذ وقع نظره على النصيحة المكتوبة على الإناء قال الراوي: فسر الملك من صراحته وانتصاحه بالنصيحة فخلع عليه خلعة سنية وأجاز له الانتفاع بالذهب الذي أخذه من عدوه ثم قال الملك: حقاً إن نصيحة ذلك الشيخ المبارك تقدر بمئات الألوف من الذهب لا بألف واحدة. على أن الآثار القلمية للترك قبل الاستيلاء على القسطنطينية سنة ١٤٥٣ ليست بذات شأن كبير أما بعد الاستيلاء عليها بقليل فقد راجت فيها أشعار غزلية لأمير تتري اسمه الأمير علي شير نواي فتن بها الوزير أحمد باشا أحد رجال السلطان محمد الثاني ونقلها وكان هذا الوزير شاعراً أديباً وكاتباً مجيداً له المقطعات البليغة ذات المحل الرفيع في الأدب التركي وقد نسج فيها على منوال الأمير التتري وفتح بنظمها عهداً جديداً للغة التركية فأقبل الترك على تلاوة الأشعار ونظمها وكان سنان باشا من وزراء محمد الفاتح أيضاً من الذين فازوا

стр. 2410

على الأقران في حلبة النثر الرقيق الحاشية الخفيف الروح كيف لا وهو مؤلف الكتاب الديني المشهور الموسوم بالتضرعات وهو كتاب ممتع جليل فيه الأسجاع اللطيفة والإشارات الظريفة ننقل منها ما يلي: أنت الخالق الذي لا يحتويه ظرف مكان، البارئ الذي لم ينشأ من أي شيء كان، الحكيم الذي ضلت في معرفة حقيقة أمره الإفهام، المنيع في ملكه فلا سبيل إلى أن تصل إلى دائرة وجوده الأوهام، قد عجزت العقول البشرية عن أن تحلق قريباً من سماء وجودك الرفيع، وحاول أحد الأذهان تصور مكان عظمتك القدسية فلا تستطيع. وجاء بعد أحمد باشا الشاعران المتغنى بشعرهما نجاتي وزاتي ففاقا عليه وممن هن جديرات بالذكر من شاعرات هذا العصر عصر محمد الثاني زينب ومهرى وقد كان محمد ينشط العلوم والآداب ويخلع الخلع السنية ويعطي العطايا الحاتمية للشعراء والأدباء. هذا وقد كان محمد الثاني نفسه شاعراً أديباً وكاتباً مجيداً له الشعر الرقيق الذي لا يزال محفوظاً في بطون كتب الأدب على أن حفيده السلطان سليم الأول المعروف بياوز أو الغضوب كان أعظم سلاطين آل عثمان فلم تكن كفاءته الشعرية بأقل من كفاءته الحربية والإدارية وأن من الخمسة والثلاثين سلطاناً الذين تولوا الأريكة السنية العظمى واحداً وعشرين نظموا شعراً معروفاً لهم وليس بينهم من يستحق فضل السبق غير السلطان سليم فإنه كان شاعراً لا يجاري وأديباً لا يبارى على أن مما له يؤسف له أنه نظم معانيه الرائقة وضمن أفكاره الشيقة اللغة الفارسية فلم ينظم بلغة آبائه وأجداده ولو أنه نظم بالتركية لعادت عبقريته على اللغة بأعظم الفوائد على أنا نثبت هنا ترجمة معنى شيء من قصائده التركية القليلة. فمن ذلك أنه ندب خلانه وأقرانه ووصف هطول الدمع من عينيه أبدع وصف وقد شبه حاجبيه وأنفه بجسر تمر منه الأفكار الحزينة الكثيرة البارزة من مخه على جبهته وجعل الدموع بمثابة بحر عظيم في أسفل ذلك الجسر ثم أشار إلى عبث الأقدار به وهو شريد طريد ثم ذكر صعوبة العثور على الخل الوفي وقال إن العثور عليه أصعب من معرفة أسرار الأكوان. أما كمال باشا زاده أحمد المعروف بابن كمال فكان من رجال القضاء الممتازين وكان له

стр. 2411

القدح المعلى في الشعر والنثر، من آثاره قصيدة تتضمن قصة يوسف وزليخة زوج بوطيفار كما أن له بحثاً يسمى النيجارستان يشبه في عبارته وأسلوبه بحث الشاعر الفارسي المشهور بالسعدي المسمى جولستان أو حديقة الورد، وكان الشاعر مسيحي من معاصري سليم الأول وله قصيدة فذة في الطبقة الأولى بلاغة وفصاحة وحسن انسجام خلدت اسمه عند المشارقة ولدى أدباء الفرنجة أيضاً وهي قصيدة في وصف الربيع نورد من معانيها ما يأتي: اسمع يا صاح صوت البلبل الشجي فهو يناديك، لقد أقبل فصل الربيع الجميل كم في خمائله من الأزهار اللطيفة وفي رياضه من المشاهد الظريفة فأشجار اللوز تنثر من لآلئ الندى الناصعة البياض ما تقر به العين وينشرح له الصدر فلا تحرمن نفسك من مشاهد الربيع فاشرب واسرح وامرح فإن أيام الربيع الحلوة زائلة عما قريب، ما أجمل الورد والخزامى وقد تفتحت أكمامهما وعلقت حلقات من قطر الندى البراق بآذانهما الجميلة فلا تحرمن نفسك من مشاهد الربيع فاشرب واسرح وامرح فإن أيام الربيع الحلوة زائلة عما قريب، لا تسكب عيون السحاب كل فجر دموعها الرقراقة المتألقة على خد الورود الأرضية ولما يختلط نفس الصبح البليل ونسيمه العليل بعبق كالمسك التتري ولما يكون وجه الدنيا ضاحكاً مستبشراً لا تقف وقفة الغافل ولا تحرمن نفسك من مشاهد الربيع فاشرب واسرح وامرح فإن أيام الربيع الحلوة زائلة عما قريب، ألا ترى إلى الجنان المزهرة والبساتين المثمرة كيف يعطر شذاها الهواء وكيف تذكو رائحة قطر الندى قبل أن تبلغ الأرض، ألا ترى إلى السماء كيف انعقد فوق الأرض كالفسطاط العظيم فلا تحرمن نفسك من مشاهد الربيع فاشرب واسرح وامرح فإن أيام الربيع الحلوة زائلة عما قريب. ولغاية عهد سليم الأول كانت الآثار القلمية التركية ساذجة غير مصقولة فلما ولي سليمان الأول ١٥٢٠ - ١٥٦٦ انفتح عصر جديد زاهر فقد نبغ في أطراف دولته في الشرق والغرب شاعران عظيمان مجيدان وهما الفضولي والباكي وكان الفضولي نزيل بغداد وأحد المقدمين الأربعة في الشعر التركي القديم أول شاعر نال بحق سبق الإجادة الصحيحة في الآداب التركية ولم يفق عليه ممن تقدمه أحد ولأقاربه في الفضل وكان من خصائص هذا الشاعر أنه لم يتقيد بمعاني من تقدموه رغماً من احتذائه الفارسية ذوقاً وعبارة فقد اختط

стр. 2412

أسلوباً جديداً في التعبير عن المشاعر الحقيقية فكان يكتب وجدانه كتابة يخيل لقارئها أن نفساً تخاطب نفسه ومشاعر تتصل بمشاعره فلا يحس بتكلف أو صناعة ولا يسمع غير هاتف نفس الشاعر المحزون، وكان الفضولي له السلطان على القلوب يوجهها كيف شاء إن شاء فاضت النفوس بالحزن وإن شاء طغى السرور على القلب وله ديوان شعر رقيق كما أن له قصيدة عامرة في حب ليلى ومجنونها كما له ي النثر الآثار التي لا تقل عن شعره إجادة وحسن سبك وصفاء معنى وكانت أساليبه تخالف الأساليب المألوفة لدى أدباء العاصمة وهذا هو السبب في قلة من احتذاه ومن معاني الأبيات الآتية تعرف قدر ذلك الشاعر. أيتها الحبيبة إني لأستقل عداوة العالم أجمع ولا أعبأ بها ما دمت راضية عني، وإني لأستصغر صداقة الأصدقاء بالنسبة إلى حبك، هل تبلغ نكاية الأعداء مني ما بلغه الحب وتباريح الغرام، إن حياتي سلسلة آلام وأحزان وأنا أبداً المعنى الدنف، لقد كنت قبل الحب لا أعلم لذة الوصال ولا أعرف مرارة الفراق ولقد أعماني النوى فلا أرى أشباح الأشياء الواضحة الجلية، ألا ترى أيها القلب نور هذا البدر الزاهي، وأنت يافضولي لو أن جسمك الفاني أصبح تحت جنادل وأحجار فإن معنى الحب الذي ملك عليك قلبك خالد لا يموت، إني كلما ذكرت أيام الشباب ولذات الوصال ذاب جسمي الناحل الفاني الذي بلغت به الشيخوخة باب القبر، وإذ قد حان مماتي فقد آن لك أيتها النفس والطائر المحبوس في قفص أن تكون طليقاً، ما ألذ ظلم الحبيب، لقد وطنت نفسي على تحمل جميع آلامه وشرب كأس عذابه حتى صباته وإذا كان من المستحيل الآن أن أتصل بك أيها الحبيب فحسبي أن أستعرض صور الوصال الماضية، فاستعراضها خيالاً ينبوع سعادة عظيم لي الآن، لقد فاقت أخبار عشقي أخبار مجنون ليلى فأصبح اسمه بي نسياً منسياً. أما الباكي شاعر القسطنطينية فكان دون الفضولي في المنزلة الأدبية ولكنه مع ذلك فاق سائر من تقدموه، له في السلطان سليمان مرثية خالدة نثبت منها هنا ترجمة منثورة لبعض أبيات استهلها بتوجيه الخطاب إلى القارئ. أيها المغرور بالدنيا وزخرفها متى تفيق من نومك وتعلم أن الدنيا متاع الغرور، ليكن نصب عينيك ذلك اليوم الذي فيه تفارق الدنيا ولذاتها، لا بد أن تذبل خزامى الربيع وتسقط أوراقه

стр. 2413

الخضراء وأنت أيها الإنسان لا بد من صيرورتك إلى حفرة من تراب، لا بد للزمان من أن يرنق كأس سرورك المترع الصافي إنما الإنسان حقاً وصدقاً من صغت نفسه لقبول الحقائق، وما أحرى الرجل المتصف بصفات الإنسانية الراقية بأن يتحلى بالشفقة ويخلص نفسه من أشواك القسوة والوحشية ألا يفيق الإنسان وقد سطا ريب المنون على أمير لا ككل الأمراء أمير خضعت لسيفه رقاب الكافرين وخلعت صوارم كفه قلوب الفرنجة والمسيحيين وبعد أن كان له في الحياة بأس تذل له الهام أصبح الآن ساكناً تحت جنادل وركام. لقد كان سليمان بهجة الأنام وزينة أعيان الإسلام فكان في عزم الاسكندر وأبهة دارا ولقد طأطأت الأرض رأسها إجلالاً وإعظاماً لسدته العلية وكانت أصغر عطاياه تصير الشحاذ المعدم أميراً سخياً. . . . (وبعد أن أفاض في مدحه). . . قال وهو وإن خضعت عنقه لداعي الموت فقد كان له عزم القدر والسلطة القاهرة. وظهر نجم الشاعر القدير نافع الأرضرومي في أفق عصر السلطان أحمد (١٦٠٣ - ١٦٠٧) فجدد معالم الشعر التركي القديم وقد اشتهرت قصائده بالرقة والانسجام كما اشتهر غزل الفضولي بحسن الذوق وسلامة البيان وقد خط لنفسه طريقاً في التعبير ونهجاً في الأسلوب فكان شاعراً حراً كالفضولي وقد حذا حذوه شعراء كثيرون اشتهر منهم صبري على أن نافعاً كان نقاداً شديد الوطأة فسبب له ذلك غضب الناس والعظماء الملتفين حول مراد الرابع فما زالوا به حتى أمر بقتله وهاك إحدى قصائد نافع المشهورة وهي مدح في السلطان مراد قيل أن السلطان أمره بمدحه فارتجلها ولكنا لا نميل إلى تصديق ارتجالها لأنها من البلاغة بالمحل الأرفع وقد وصف الربيع فأبلغ الألفاظ وأجمل المعاني وهو موضوع محبوب من الشعراء الترك. يهب نسيم الربيع المبكر وتفتح أكمام الزهر في الفجر فلتفرح قلوبنا، أيها الساقي املأ الكأس واسقني بيدك لقد حلت أيام شهر مايو الجميلة وتعطر الهواء وأصحت السماء ولبست الأرض حلة عدنية وليس في الأرض مكان إلا كأنه ناحية منعزلة من بستان أنيق. ومنها، ليحضر الساقي بكاس الخمر وتعزف القيان على الأوتار وإن أعقل العقلاء من اغتنم ساعة السرور وأسعد السعداء من قبص بإحدى يديه على قدح من النبيذ المعتق وأخذ

стр. 2414

يعبث بالأخرى بشعر حبيبه الجميل وأنت أيها الساقي لا تن في أن تترع الأقداح واحذر أن تنقصها شيئاً، ويا غصن البان أشرق بوجهك المنير علينا ويا شفاهاً تزري بحمرة الورد أبسمى فإن الزمان يبتسم لابتسامك. سلم أمورك للقدر ... واغنم أويقات السرور والحزن لا يمنعك من ... شرب العتيق من الخمور وإن خمر المحبين ترياق الهموم وراحة النفوس، وقد كان لها من المنزلة في فارس القديمة إن كان يجلها رجال الدين، وإن الخمر مجلبة السرور في مجالس العاشقين، وإنما مثل الخمر إذا صبت في الكاسات مثل ذوب الحديد وقد صهرته النار ولها لمعان الخزامى وهي في كؤوسها الدرية، وإن مثل الخمر في كاساتها كمثل الندى في شقائق النعمان، فاسقنا أيها الساقي من خمر الأمير الهمام وأترع الكاسات فإنا نريد أن نبدد الأحزان واجبنا إلى طلبنا ولا تبخل علينا ببنت الكرم فإنا عشاق معذبون قد برح الغرام بأجسامنا. ومن مشاهير الشعراء نابي وكان في عصر السلطانين ابراهيم (١٦٤٠ - ١٦٤٨) ومحمد الرابع (١٦٤٨ - ١٦٨٧) وكان في فارس عصرئذ شاعر قدير نحا بالأسلوب الشعري نحواً جديداً مؤسساً على الروح الفلسفية الحكيمة فقلده نابى ونقل تلك الروح إلى التركية، لذلك تجد غالب شعره أدبياً حكيماً فلسفياً وقد احتذى أستاذه الفارسي في بعض الأحيان إلى درجة فقد فيها شخصيته التركية وسار على نهجه من الشعراء المشهورين راغب باشا والشاعر سامي وكثيرون غيرهما. أما في عصر أحمد الثالث (١٧٠٣ - ١٧٣٠) فقد ظهر نابغة الشعراء الأتراك القدماء نديم، ويمتاز نديم بكونه نحا أسلوباً خاصاً به خالف فيه كل من تقدمه من الشعراء ولم يستطع أحد ممن أتوا بعده محاكاته فيه، ولنديم هذا من الشعر الغزلي ما يسيل رقة وانسجاماً فيه من خفة الروح والظرف والرشاقة ما ليس في شعر غيره من شعراء التركية في أي عصر من العصور، وقصائده مع كونها أظرف وأرشق من قصائد نافع إلا أنها ليست دونها متانة ودقة صناعة وتمتاز عنها بخلوها من التنميق وبعدها عن التزويق ولا يعرف من أمره غير أنه كان من أبناء القسطنطينية وكان أميناً على المكتبة التي أنشأها الصدر الأعظم إبراهيم باشا كما أنه معروف أنه كان حياً لغاية سنة ١٧٢٧ وهاك شيئاً من غزله:

стр. 2415

أتلفني الحب والغرام، وأضعت في مداعبة الغيد الحسان الأيام، وقد نفد صبري وذهب جلدي وبلغ الحنق بي مبلغاً ذهبت فيه إلى تمزيق ثيابي، وما عانقتني ووضعت ثديها الجميلين وصدرها المحبوب على صدري حتى استلت راحة الضمير والهناء من بين جنبي فلا أعرف لهما الآن مستقراً، أيها المخلوق الظريف الصغير ما أقساك كأن قلبك قلب الكفرة الذين لا يعرفون للرحمة اسماً ومع أنك جميل، جميل في كل شيء في شعرك وعينيك إلا أنك مع ذلك نصراني العاطفة، وإن جمالك فيه قسوة عليّ ورب الكعبة كم مرة أخلفت وعدك وحنثت في يمينك. ما أجمل تلك الغدائر المدلاة من رأسك! كل من رأى وجهك المشرق بالجمال يصرع ويجن ويذهل عن نفسه، ألا يحق لي الحزن والبكاء، ألست أشقى البرايا وأتعس العالمين، أنا النحيل المضني، أيها المعشوق الجميل من خلق ذلك القد المعتدل والعيون الساحرة، إن لك لعبقاً أطيب من الطيب وإن لك لوجهاً يزري بالأزاهير وقد فتحت أكمامها، إني أخاف على جسمك الناعم الحريري من وخز أشواك تلك الأزهار المعلقة في صدرك، ما أجملك وأنت تخطرين وفي إحدى يديك زهرة وفي الأخرى قدح خمر ولست أعرف أي الثلاثة تحملين الخمر أم الزهر أم الثغر الباسم. والعصر القديم للآداب التركية ينتهي بنهاية حياة الشاعر نديم وأزهى فترات ذلك العصر العهد الواقع بين ابتداء حياة نافع وموت نديم أو من جلوس أحمد الأول (١٦٠٣) إلى خلع أحمد الثالث (١٧٣٠). أما النثر وقد أغفلنا ذكره من عهد محمد الفاتح فمن أشهر ما كتب فيه الهمايومانه وهي ترجمة أنور السهيلي الفارسي ترجمها علي سلبي لسليمان الأول وقد ألف بعد ذلك بقليل العلامة سعد الدين لتلميذه مراد الثالث (١٥٧٤ - ١٥٩٥) كتاب تاج التواريخ وهو تاريخ أعمال السلاطين التسعة الأول وهذا التاريخ هو الحلقة الأولى من سلسلة كتب تاريخ الترك التي لم تنقطع، وقد عرف بتحريه الصواب مع بلاغة أسلوبه ورشاقة عبارته وهو من أوله إلى آخره مسجع وقد زينه مؤلفه بقطع غالية من الشعر النفيس بعضها له وبعضها لغيره من أدباء الترك والفرس، ومن المؤرخين الذين اشتهروا بعد سعد الدين المؤرخ ناعمة وتاريخه يتعرض لذكر الحوادث الواقعة بين (٥٩١ - ١٦٥٩) ويختلف عن تاج التواريخ

стр. 2416

من جهة أن كاتبه لا يتكلف الأسجاع وإنما يكتب بالأسلوب البسيط السهل الذي تفهمه العامة ولا تنكره الخاصة فضلاً عن أنه ماهر الوصف دقيق في إبراز الماضي البائد في صورة الحي الماثل للعيان، أما أولياء أفندي فإنه ساح واخترق الآفاق وضرب في عرض القارات الكبرى الثلاث القديمة ثم ألقى عصا التسيار في القسطنطينية حيث دون رحلته في كتاب عظيم، أما الحاج خليفه المعروف أيضاً بكاتب شلبي المتوفى سنة ١٦٨٥ فقد تعددت مؤلفاته القيمة في التواريخ والأخبار والسير وتخطيط البلاد وغيرها من العلوم وفي سنة ١٧٢٨ ظهر أول كتاب مطبوع في تركيا وكان ترجمة قاموس عربي، والذي أنشأ أول مطبعة كان الوزير الأعظم إبراهيم باشا صاحب الأيادي البيضاء على الشاعر نديم وقد جعل عليها رجلاً مجرياً أسلم وسمى نفسه إبراهيم. وآخر الأربعة المشهورين من الشعراء الأتراك القدماء الشيخ غالب وكان معاصراً لسليم الثالث (١٧٨٩ - ١٨٠٧) له قصيدة طويلة نهاية في الإبداع وغاية في حسن الانسجام بعنوان الحسن والعشق، ولقد صاغها في قالب روائي جميل من أبدع ما أبرزته العبقرية التركية، وقد تمثل بفضولي ونافع ونديم واختط له في الأسلوب خطة خاصة به ونحا نحواً جميلاً ناجحاً أربى به على الأقران. ولقد كان عصر محمود الثاني (١٨٠٨ - ١٨٣٩) عصر تطور وانقلاب في التاريخ التركي فلقد تناول التغيير والإصلاح النظم والقوانين والمرافق القديمة قليلاً وكثيراً فليس من العجيب أن تتأثر الآداب بالروح التي أثرت في غيرها ودخل في الشعر والنثر مذهب أوروبي ملك على اللغة التركية أمرها إلى اليوم غير أن النثر كان أسرع من الشعر في التأثر بمناحي الآداب الافرنكية وأشهر شعراء وشاعرات عصر الانتقال هذا واصف، وقد كتب أسفاره بلغة القسطنطينية الشائعة لعهده، وعزت منلا والسيدتان فطنت وليلى. ولقد دخل التغيير جوهر الآداب التركية بشكل عظيم فعال واضح منذ ثلاثين سنة فقط وقد تعاظم أمر هذا التغيير والانقلاب من يوم إلى آخر وتناول الآداب التركية في المعنى والمبنى والجوهر والعرض شعراً ونثراً بحيث لا نبالغ إذا قلنا أن قصيدة أو مقالة من قلم شاعر أو أديب تركي من أهل هذا العصر الحاضر لا تفهم ولايكون لها قيمة عند أديب من أدباء الترك الماضين وهذا التغيير إنما سببه مطالعة دروس اللغة والآداب الفرنسية الأمر

стр. 2417

الذي لم يتعاظم شيوعه إلا منذ الثلاثين سنة الأخيرة وقد كان تأثير ذلك مدهشاً غريباً يدلك على ذلك أن غاية ما يرجو الأديب العصري في الأستانة وكل ما يصبو إليه ويريد أن يعرف به ويشهر عنه أن يكتب من غير تكلف، وقد دالت دولة السجع والبديع والمحسنات اللفظية وحل محلها الكلام البسيط الممتع الوافي بالغرض الصاعد بالمعنى إلى عقل القارئ من غير إجهاد نفس وأعنات فكر، وقد أدخل على اللغة التركية النمط الروائي في الكتابة وهو أمر جديد عليها لم تكن تعرفه من قبل وقد نبغ جم غفير من أدباء الترك في إنشاء الروايات الممتعة تمثيلية وغير تمثيلية وقد تناول حب التشبه بأدباء الفرنج الشعراء فهجر الترك إنشاء القصائد على الأنماط والقوافي القديمة واحتذوا الفرنجة في سائر أميالهم الشعرية وقد تناول التغيير اللغة نفسها فأهملت كلمات كثيرة قديمة لأنها أصبحت غير مفيدة وغير وافية بالغرض وعدلوا معاني كلمات أخرى بحيث أصبح يستطاع بواسطتها التعبير عن الأفكار والمصطلحات العصرية الحديثة التي لم يكن في الإمكان التعبير عنها بالأساليب والمفردات القديمة ولم تكن كل هذه التغييرات لتتم من غير معارضة ونضال فإن كثيراً من الأتراك المحافظين على القديم ممن يعجبون بالأساليب الفارسية ويكرهون كل ما كان أوروبياً لم يرقهم هذا التغيير وقاوموا العصريين طلاب الإصلاح بعنف وشدة ولا يزال منهم نفر قليل يجهر بالمعارضة والشكوى إلى اليوم. وتظهر روح الإصلاح واحتذاء الأساليب الأوروبية الجديدة في تضاعيف منشآت عاكف باشا ورشيد باشا، أما شناسي أفندي المتوفى سنة ١٨٧١ فإليه يرجع كل الفضل في القيام بحركة الإصلاح الأوروبي دون غيره وقد عضد شناسي أفندي بكفاءة وقدرة كمال بك ذو المواهب الباهرة والآثار الخالدة وخير من عكف على خدمة الأدب من الأتراك وكذلك عضده وسار في ركابه كل من الأديبين الشاعر أكرم بك الذي كان إلى عهد غير بعيد أستاذ الآداب في المكتب السلطاني والروائي حامد زعيم الروائيين الأتراك وحامل لوائهم.

стр. 2418

الأستاذ ويلسون رسول السلام ونهوض العالم الجديد لإطفاء نار العالم القديم دخلت أمريكا الحرب العامة، وهي المرة الأولى في تاريخ تلك الديمقراطية العظيمة التي إنما أسست على السلام، لا للحرب ولا للقتال والصدام، سمع فيها الناس جميعاً باشتراكها في حرب الإنسانية العامة على حين أنها بعيدة عن ميدان القتال بآلاف الأميال، ولا مطمع لها في أرض، ولا صالح لها في مستعمرة، ولا مطامع لها تمد إليها عينها، ولا أغراض تريد من دخول الحرب تحقيقها، بل وثبت من مكانها فاجتازت الأوقيانوس يقودها رجل عظيم، ويحركها رأس جبار، لإطفاء نار الحرب، وتهدئة تلك الجنة التي تولت أهل العالم القديم، وتسكين سورة تلك الحرب التي كادت تودي بالحضارة العظيمة، حتى استطاع ذلكم الرجل النادرة رسول السلام أن يظفر بالاحترام والتقدير للجميل والاعتراف بالصنيع المحمود، من كل رجل يحب الحق، وينتصر للحرية، ويجنح إلى السلام. وقد قرأنا في إحدى المجلات الكبيرة بحثاً طلياً ممتعاً كتبه عضو مشهور من أعضاء البرلمان البريطاني عن الأستاذ ويلسون رئيس تلك الجمهورية الكبرى، وهو بحث جديد لم ينشر نظيره في الصحف، ولم يكتب ضريبه في المجلات، فإن الكاتب - وهو مستر اكونور - ظل أعواماً عدة يدرس آراء ويلسون وكتاباته، ويعجب بمبادئه السياسية، وزار أمريكا فلبث فيها عاماً أو يزيد، صرف أكثره في واشنطن، وزار ويلسون وتحدث إليه، حتى استطاع أن يصور الرجل الصورة التامة الحقيقية، وقد آثرنا أن ننشر ذلك البحث الجميل الممتع، تخليداً لأكبر شخصية في التاريخ الحديث، وتقديراً لعظمة نصير الإنسانية الضعيفة، ومؤيد الدعوة إلى السلام العام. هذا الرجل هو وليد المتحف والمكتبة وابن أمريكا وإيرلنده، وإن فيه لجميع ملامح العنصرين، ولم أر قبله رجلاً تبدو عليه دلائل أصله، وأمارات الجنس الذي انحدر عنه، في روعة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها فإن جده وجدته هبطا من مقاطعة الصتر وكان الجد صحفياً صفوة عمره، وكان والده قسيساً عصرياً مستنيراً، ولهذا كان الجد والأب من الطبقة المهذبة، وكانا معاً من أهل المواهب الذهنية، وكانا قارئين مشغوفين

стр. 2419

بالقراءة ودارسين مولعين بالبحث والدرس، فإذا كان مستر ويلسون اليوم من كبار العلماء والباحثين، ورجلاً من أكبر المفكرين، وسيداً عظيماً في عالم الأدب وميدان الخطابة، فإنه إنما أوتي جميع أولئك رأساً من أجداده وعشيرته، والوسط الأول الذي نشأ فيه، ولئن كان تربى في كثير من المدارس، وتخرج من عدة من الجامعات، فإن الفضل في جميع مشاعره الأدبية، وعظمته الذهنية، يعود إلى أبيه، وعن أبيه أخذ كذلك الروح المجونية في الحياة، المحتجبة في تضاعيف التعبير الشديد وعبوسة اللغة التي يتكلم بها، وذلك التقطيب الذي يبدو في معارفه، وقد حدثني أولياؤه وخلطاؤه عنه فقالوا إن صورة الفوتوغرافية لا تشبه حقيقته عند الذين يعرفونه، فإن الجبين العالي والفم المنطبق الشفتين، الثابت التقطيب والفك القوي، والصدغ العريض، والملامح المتجهمة، إنما تقدم للناس صورة ويلسون آخر يخالف ويلسون الذي يعرفونه، ولعل ذلك راجع إلى الثقة بالنفس، لأن الثقة بالنفس تكسب الوجه شيئاً كثيراً من الرزانة والوقار لا حقيقة له في النفس التي تختفي وراء ذلك الوجه، فإن وردر ويلسون المعروف في الحياة الخصوصية وبين الأصدقاء والخلطاء يتجلى وفي عينيه بريق ساطع، وفي فمه حركة مستمرة، وشفتاه لا تفتران عن الابتسام وإن تراءى في صورة الفوتوغرافية مقطباً، وأكبر مزايا ذهنه أن الكاتب الذي أولع بقراءة كتبه ولبث طول حياته ثابتاً على مطالعة تواليفه هو الروائي شارلز دكنز ومنه استمد قوة الملاحظة، وأدرك معرفة جميع الذين حوله، وإن نظر إليهم عن كثب في وسط الزحام العظيم أو في غمار الحفلات وسهرة الملاهي والاجتماعات، أو وهو مشغول الذهن بإعداد الخطابات، وإنه ليعود قافلاً من احتفال أهلي عظيم حيث الأمور تنهك الرجل الكبير وتذهب راحة الوالي العظيم السلطان، غير متعب ولا متراخي القوي، لأنه اعتاد أن لا يجد لهواً إلا في ملاحظة الناس الذين حوله، ولا يبهجه إلا الاطلاع إلى الذين يحوطونه. ومن هذا يستطيع المرء أن يصف ويلسون على الرغم من أنه من أصل إيرلندي بأنه أشد الأمريكيين أمريكية، لأن الذهن الأمريكي إنما ينظر إلى الأمور الرزينة رزيناً، وإذا باشر عملاً - كهذه الحرب مثلاً - فلا يدعه حتى يتهمه، ويهجم عليه بصبر لا رحمة لنفسه فيه ولا إشفاق، ولكن العادة أن الأمريكي لا ينظر إلى الأمور نظراً محزناً رزيناً جد الرزانة، لأن الأمريكي لا يزال يحب المجون والتهييص ولاسيما في الحديث، حتى ليخيل للإنسان

стр. 2420

أن الأمريكان أقرب إلى الفرنسويين أرواحاً ومشاعر منهم إلى الانكليز أو الاسكوتلنديين، والأمريكي لا يريد أن يلوح رزيناً ولكن البساطة - وهي الخلق السائد في ذلك العالم الجديد - تجعل الرزانة إذا هو اتخذها مضحكة متباينة، ولذلك - على الرغم من معارف ويلسون المتجهمة ولهجته القاسية التي تدل على حدة الطبع وحمية النفس، وتوقد الوجدان - لا ينبغي أن تحسب الرجل على رزانة مصطنعة غير طبيعية، ولا يجمل أن يظن الرجل متكبراً متغطرساً صلفاً كما اعتاد الناس أن يحسبوه ولكن من بين الفضائل التي أخذها عن أبيه وتعلمها عن والده هو أن يكون رجلاً بين الرجال، وكل إنسان عرف ذلك القسيس الشيخ المهذب، وإن لم يكن إلا أستاذاً للعلوم الدينية الغامضة - يعلم أنه كان يكسب فؤاد المرء بتلك الحرية والصراحة في الحديث التي يستمدها من قلب طيب كريم بين جوانحه. فلما انتقل الأستاذ ويلسون من التدريس في الجامعة لكي يتقلد ولاية مقاطعة نيوجرسي كان الناس يذهبون إلى أنه سيصبح لعبة في أيدي السياسيين العمليين ولكن ظهر بعد ذلك أن نيوجرسي تلك المقاطعة الصغيرة أصبحت أرقى مقاطعات الولايات المتحدة الأمريكية في القضاء والتشريع والحكم والإدارة، ولو أننا قارنا ويلسون وهو حاكم تلك الولاية به وهو اليوم على رأس مملكة عظيمة، لرأيناه في الأولى صغيراً بالنسبة إليه الآن، ولكن عندما يذكر تاريخ الماضي يعلم الناس أن أعماله في تلك المقاطعة كانت مثالاً من أبهر الأمثلة على رجل برلماني وقائد حمي يسوس الحوادث والرجال ويسوقهم إلى غرضه الذي يعمل له. ولعل سائلاً يسأل عن الطرائق والصفات والمميزات التي جعلت حاكم ولاية جرسي قديراً على هذه المعجزات، فليعلم الناس أنه نقيض ما يحسبه الناس والصورة المعارضة لما كان يتأول القوم فيه، فلم يكن أستاذاً غامضاً عليه خشونة العلم وثقل روح العلماء، بل كان محبباً رفيقاً متسامحاً، وديعاً هادئ الطبع، يعرف الرجال ويعرف كيف يسوسهم أو بعبارة أخرى كان رجلاً مفكراً ودارساً باحثاً أوتي رزانة الغرض مع شيء كثير من روح الدعابة، فاستطاع بذلك أن يلقى جميع صنوف الرجال ويمتزج بهم ويكسبهم إلى صفوفه ويظفر بهم في جانبه، ويحركهم كما يحرك حجارة الطاولة وأدوات الشطرنج ومن هذا تعلم أن ويلسون لم يدرس شارلز ديكنز عبثاً وبلا جدوى.
следующие страницы →