Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
من جهة أن كاتبه لا يتكلف الأسجاع وإنما يكتب بالأسلوب البسيط السهل الذي تفهمه العامة ولا تنكره الخاصة فضلاً عن أنه ماهر الوصف دقيق في إبراز الماضي البائد في صورة الحي الماثل للعيان، أما أولياء أفندي فإنه ساح واخترق الآفاق وضرب في عرض القارات الكبرى الثلاث القديمة ثم ألقى عصا التسيار في القسطنطينية حيث دون رحلته في كتاب عظيم، أما الحاج خليفه المعروف أيضاً بكاتب شلبي المتوفى سنة ١٦٨٥ فقد تعددت مؤلفاته القيمة في التواريخ والأخبار والسير وتخطيط البلاد وغيرها من العلوم وفي سنة ١٧٢٨ ظهر أول كتاب مطبوع في تركيا وكان ترجمة قاموس عربي، والذي أنشأ أول مطبعة كان الوزير الأعظم إبراهيم باشا صاحب الأيادي البيضاء على الشاعر نديم وقد جعل عليها رجلاً مجرياً أسلم وسمى نفسه إبراهيم.
وآخر الأربعة المشهورين من الشعراء الأتراك القدماء الشيخ غالب وكان معاصراً لسليم الثالث (١٧٨٩ - ١٨٠٧) له قصيدة طويلة نهاية في الإبداع وغاية في حسن الانسجام بعنوان الحسن والعشق، ولقد صاغها في قالب روائي جميل من أبدع ما أبرزته العبقرية التركية، وقد تمثل بفضولي ونافع ونديم واختط له في الأسلوب خطة خاصة به ونحا نحواً جميلاً ناجحاً أربى به على الأقران.
ولقد كان عصر محمود الثاني (١٨٠٨ - ١٨٣٩) عصر تطور وانقلاب في التاريخ التركي فلقد تناول التغيير والإصلاح النظم والقوانين والمرافق القديمة قليلاً وكثيراً فليس من العجيب أن تتأثر الآداب بالروح التي أثرت في غيرها ودخل في الشعر والنثر مذهب أوروبي ملك على اللغة التركية أمرها إلى اليوم غير أن النثر كان أسرع من الشعر في التأثر بمناحي الآداب الافرنكية وأشهر شعراء وشاعرات عصر الانتقال هذا واصف، وقد كتب أسفاره بلغة القسطنطينية الشائعة لعهده، وعزت منلا والسيدتان فطنت وليلى.
ولقد دخل التغيير جوهر الآداب التركية بشكل عظيم فعال واضح منذ ثلاثين سنة فقط وقد تعاظم أمر هذا التغيير والانقلاب من يوم إلى آخر وتناول الآداب التركية في المعنى والمبنى والجوهر والعرض شعراً ونثراً بحيث لا نبالغ إذا قلنا أن قصيدة أو مقالة من قلم شاعر أو أديب تركي من أهل هذا العصر الحاضر لا تفهم ولايكون لها قيمة عند أديب من أدباء الترك الماضين وهذا التغيير إنما سببه مطالعة دروس اللغة والآداب الفرنسية الأمر
стр. 2417
الذي لم يتعاظم شيوعه إلا منذ الثلاثين سنة الأخيرة وقد كان تأثير ذلك مدهشاً غريباً يدلك على ذلك أن غاية ما يرجو الأديب العصري في الأستانة وكل ما يصبو إليه ويريد أن يعرف به ويشهر عنه أن يكتب من غير تكلف، وقد دالت دولة السجع والبديع والمحسنات اللفظية وحل محلها الكلام البسيط الممتع الوافي بالغرض الصاعد بالمعنى إلى عقل القارئ من غير إجهاد نفس وأعنات فكر، وقد أدخل على اللغة التركية النمط الروائي في الكتابة وهو أمر جديد عليها لم تكن تعرفه من قبل وقد نبغ جم غفير من أدباء الترك في إنشاء الروايات الممتعة تمثيلية وغير تمثيلية وقد تناول حب التشبه بأدباء الفرنج الشعراء فهجر الترك إنشاء القصائد على الأنماط والقوافي القديمة واحتذوا الفرنجة في سائر أميالهم الشعرية وقد تناول التغيير اللغة نفسها فأهملت كلمات كثيرة قديمة لأنها أصبحت غير مفيدة وغير وافية بالغرض وعدلوا معاني كلمات أخرى بحيث أصبح يستطاع بواسطتها التعبير عن الأفكار والمصطلحات العصرية الحديثة التي لم يكن في الإمكان التعبير عنها بالأساليب والمفردات القديمة ولم تكن كل هذه التغييرات لتتم من غير معارضة ونضال فإن كثيراً من الأتراك المحافظين على القديم ممن يعجبون بالأساليب الفارسية ويكرهون كل ما كان أوروبياً لم يرقهم هذا التغيير وقاوموا العصريين طلاب الإصلاح بعنف وشدة ولا يزال منهم نفر قليل يجهر بالمعارضة والشكوى إلى اليوم.
وتظهر روح الإصلاح واحتذاء الأساليب الأوروبية الجديدة في تضاعيف منشآت عاكف باشا ورشيد باشا، أما شناسي أفندي المتوفى سنة ١٨٧١ فإليه يرجع كل الفضل في القيام بحركة الإصلاح الأوروبي دون غيره وقد عضد شناسي أفندي بكفاءة وقدرة كمال بك ذو المواهب الباهرة والآثار الخالدة وخير من عكف على خدمة الأدب من الأتراك وكذلك عضده وسار في ركابه كل من الأديبين الشاعر أكرم بك الذي كان إلى عهد غير بعيد أستاذ الآداب في المكتب السلطاني والروائي حامد زعيم الروائيين الأتراك وحامل لوائهم.
стр. 2418
الأستاذ ويلسون
رسول السلام
ونهوض العالم الجديد لإطفاء نار العالم القديم
دخلت أمريكا الحرب العامة، وهي المرة الأولى في تاريخ تلك الديمقراطية العظيمة التي إنما أسست على السلام، لا للحرب ولا للقتال والصدام، سمع فيها الناس جميعاً باشتراكها في حرب الإنسانية العامة على حين أنها بعيدة عن ميدان القتال بآلاف الأميال، ولا مطمع لها في أرض، ولا صالح لها في مستعمرة، ولا مطامع لها تمد إليها عينها، ولا أغراض تريد من دخول الحرب تحقيقها، بل وثبت من مكانها فاجتازت الأوقيانوس يقودها رجل عظيم، ويحركها رأس جبار، لإطفاء نار الحرب، وتهدئة تلك الجنة التي تولت أهل العالم القديم، وتسكين سورة تلك الحرب التي كادت تودي بالحضارة العظيمة، حتى استطاع ذلكم الرجل النادرة رسول السلام أن يظفر بالاحترام والتقدير للجميل والاعتراف بالصنيع المحمود، من كل رجل يحب الحق، وينتصر للحرية، ويجنح إلى السلام.
وقد قرأنا في إحدى المجلات الكبيرة بحثاً طلياً ممتعاً كتبه عضو مشهور من أعضاء البرلمان البريطاني عن الأستاذ ويلسون رئيس تلك الجمهورية الكبرى، وهو بحث جديد لم ينشر نظيره في الصحف، ولم يكتب ضريبه في المجلات، فإن الكاتب - وهو مستر اكونور - ظل أعواماً عدة يدرس آراء ويلسون وكتاباته، ويعجب بمبادئه السياسية، وزار أمريكا فلبث فيها عاماً أو يزيد، صرف أكثره في واشنطن، وزار ويلسون وتحدث إليه، حتى استطاع أن يصور الرجل الصورة التامة الحقيقية، وقد آثرنا أن ننشر ذلك البحث الجميل الممتع، تخليداً لأكبر شخصية في التاريخ الحديث، وتقديراً لعظمة نصير الإنسانية الضعيفة، ومؤيد الدعوة إلى السلام العام.
هذا الرجل هو وليد المتحف والمكتبة وابن أمريكا وإيرلنده، وإن فيه لجميع ملامح العنصرين، ولم أر قبله رجلاً تبدو عليه دلائل أصله، وأمارات الجنس الذي انحدر عنه، في روعة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها فإن جده وجدته هبطا من مقاطعة الصتر وكان الجد صحفياً صفوة عمره، وكان والده قسيساً عصرياً مستنيراً، ولهذا كان الجد والأب من الطبقة المهذبة، وكانا معاً من أهل المواهب الذهنية، وكانا قارئين مشغوفين
стр. 2419
بالقراءة ودارسين مولعين بالبحث والدرس، فإذا كان مستر ويلسون اليوم من كبار العلماء والباحثين، ورجلاً من أكبر المفكرين، وسيداً عظيماً في عالم الأدب وميدان الخطابة، فإنه إنما أوتي جميع أولئك رأساً من أجداده وعشيرته، والوسط الأول الذي نشأ فيه، ولئن كان تربى في كثير من المدارس، وتخرج من عدة من الجامعات، فإن الفضل في جميع مشاعره الأدبية، وعظمته الذهنية، يعود إلى أبيه، وعن أبيه أخذ كذلك الروح المجونية في الحياة، المحتجبة في تضاعيف التعبير الشديد وعبوسة اللغة التي يتكلم بها، وذلك التقطيب الذي يبدو في معارفه، وقد حدثني أولياؤه وخلطاؤه عنه فقالوا إن صورة الفوتوغرافية لا تشبه حقيقته عند الذين يعرفونه، فإن الجبين العالي والفم المنطبق الشفتين، الثابت التقطيب والفك القوي، والصدغ العريض، والملامح المتجهمة، إنما تقدم للناس صورة ويلسون آخر يخالف ويلسون الذي يعرفونه، ولعل ذلك راجع إلى الثقة بالنفس، لأن الثقة بالنفس تكسب الوجه شيئاً كثيراً من الرزانة والوقار لا حقيقة له في النفس التي تختفي وراء ذلك الوجه، فإن وردر ويلسون المعروف في الحياة الخصوصية وبين الأصدقاء والخلطاء يتجلى وفي عينيه بريق ساطع، وفي فمه حركة مستمرة، وشفتاه لا تفتران عن الابتسام وإن تراءى في صورة الفوتوغرافية مقطباً، وأكبر مزايا ذهنه أن الكاتب الذي أولع بقراءة كتبه ولبث طول حياته ثابتاً على مطالعة تواليفه هو الروائي شارلز دكنز ومنه استمد قوة الملاحظة، وأدرك معرفة جميع الذين حوله، وإن نظر إليهم عن كثب في وسط الزحام العظيم أو في غمار الحفلات وسهرة الملاهي والاجتماعات، أو وهو مشغول الذهن بإعداد الخطابات، وإنه ليعود قافلاً من احتفال أهلي عظيم حيث الأمور تنهك الرجل الكبير وتذهب راحة الوالي العظيم السلطان، غير متعب ولا متراخي القوي، لأنه اعتاد أن لا يجد لهواً إلا في ملاحظة الناس الذين حوله، ولا يبهجه إلا الاطلاع إلى الذين يحوطونه.
ومن هذا يستطيع المرء أن يصف ويلسون على الرغم من أنه من أصل إيرلندي بأنه أشد الأمريكيين أمريكية، لأن الذهن الأمريكي إنما ينظر إلى الأمور الرزينة رزيناً، وإذا باشر عملاً - كهذه الحرب مثلاً - فلا يدعه حتى يتهمه، ويهجم عليه بصبر لا رحمة لنفسه فيه ولا إشفاق، ولكن العادة أن الأمريكي لا ينظر إلى الأمور نظراً محزناً رزيناً جد الرزانة، لأن الأمريكي لا يزال يحب المجون والتهييص ولاسيما في الحديث، حتى ليخيل للإنسان
стр. 2420
أن الأمريكان أقرب إلى الفرنسويين أرواحاً ومشاعر منهم إلى الانكليز أو الاسكوتلنديين، والأمريكي لا يريد أن يلوح رزيناً ولكن البساطة - وهي الخلق السائد في ذلك العالم الجديد - تجعل الرزانة إذا هو اتخذها مضحكة متباينة، ولذلك - على الرغم من معارف ويلسون المتجهمة ولهجته القاسية التي تدل على حدة الطبع وحمية النفس، وتوقد الوجدان - لا ينبغي أن تحسب الرجل على رزانة مصطنعة غير طبيعية، ولا يجمل أن يظن الرجل متكبراً متغطرساً صلفاً كما اعتاد الناس أن يحسبوه ولكن من بين الفضائل التي أخذها عن أبيه وتعلمها عن والده هو أن يكون رجلاً بين الرجال، وكل إنسان عرف ذلك القسيس الشيخ المهذب، وإن لم يكن إلا أستاذاً للعلوم الدينية الغامضة - يعلم أنه كان يكسب فؤاد المرء بتلك الحرية والصراحة في الحديث التي يستمدها من قلب طيب كريم بين جوانحه.
فلما انتقل الأستاذ ويلسون من التدريس في الجامعة لكي يتقلد ولاية مقاطعة نيوجرسي كان الناس يذهبون إلى أنه سيصبح لعبة في أيدي السياسيين العمليين ولكن ظهر بعد ذلك أن نيوجرسي تلك المقاطعة الصغيرة أصبحت أرقى مقاطعات الولايات المتحدة الأمريكية في القضاء والتشريع والحكم والإدارة، ولو أننا قارنا ويلسون وهو حاكم تلك الولاية به وهو اليوم على رأس مملكة عظيمة، لرأيناه في الأولى صغيراً بالنسبة إليه الآن، ولكن عندما يذكر تاريخ الماضي يعلم الناس أن أعماله في تلك المقاطعة كانت مثالاً من أبهر الأمثلة على رجل برلماني وقائد حمي يسوس الحوادث والرجال ويسوقهم إلى غرضه الذي يعمل له.
ولعل سائلاً يسأل عن الطرائق والصفات والمميزات التي جعلت حاكم ولاية جرسي قديراً على هذه المعجزات، فليعلم الناس أنه نقيض ما يحسبه الناس والصورة المعارضة لما كان يتأول القوم فيه، فلم يكن أستاذاً غامضاً عليه خشونة العلم وثقل روح العلماء، بل كان محبباً رفيقاً متسامحاً، وديعاً هادئ الطبع، يعرف الرجال ويعرف كيف يسوسهم أو بعبارة أخرى كان رجلاً مفكراً ودارساً باحثاً أوتي رزانة الغرض مع شيء كثير من روح الدعابة، فاستطاع بذلك أن يلقى جميع صنوف الرجال ويمتزج بهم ويكسبهم إلى صفوفه ويظفر بهم في جانبه، ويحركهم كما يحرك حجارة الطاولة وأدوات الشطرنج ومن هذا تعلم أن ويلسون لم يدرس شارلز ديكنز عبثاً وبلا جدوى.
стр. 2421
ولكن لا ريب في أن هناك صفات أخرى كان لها الفضل في نجاحه الباهر وذلك أنه كان أميناً، شجاعاً، جلداً رابط الجأش، ولم يكن الرجل أخا عزة مصطنعة وكبر متعمل، ووقار متكلف، ولم يكن من أساتذة الجامعات المزهوين بأنفسهم المعتزين فإذا غلبته المصاعب، وعرضت شدائد لا يستطيع لها مغالبة، ترك مكتبه بكل سكون، وغادر كرسيه الهزاز ومضى إلى منصة المنبر يحدث الناس الحديث ويقص عليهم الأمر، وهو لا يعبأ بأن يقال عنه خطيب مكثار، أو متكلم خداع، بل يعلم أنه إنما التجأ إلى شعبه الذمي يحبه ويدافع من أجله، وينضح عنه.
وهنا انتقل إلى شرح الرجل من ناحية أخرى، فأقول أن ويلسون رجل إنساني، والمخلوقات الإنسانية لا تستطيع أن تثبت على قسوتها التي تحشدها للغرض الذي تضع نصب عينها ما لم توجد لنفسها شيئاً من اللهو لا تستطيع أية قوة أن تعيش بدونه، ولكن الأستاذ ويلسون تابع عمله إلى غرضه بكل ما تستطيع القوة الآدمية، وليس الأمر المدهش أن يكون ويلسون رئيساً للجمهورية، وأن يكون في هذه الساعة الرجل الصالح للرئاسة، بل لقد يكون ادعى للدهشة وأعجب لدى الناس، أن لا يكون كذلك، لأن تقلده الرئاسة ليس إلا نتيجة طبيعية منتظرة لإعداده نفسه منذ رجولته وتدريبه إياها في سبيل الرئاسة، وكما يدرب اللاعب نفسه ويمرن عضله وساقيه وشدة أسره لكي يظهر في ميدان المصارعة والألعاب الرياضية، ظل ويلسون يمرن نفسه لهذا المنصب العظيم الذي يتقلده اليوم وللساعة الرهيبة التي تبدو فيها عظمته العامة المعروفة في الخافقين ولم يكن ويلسون باحثاً طالب علم منذ صغره، إذ ورث ذلك عن أبويه والوسط الذي نشأ فيه، بل كان طول حياته بعد ذلك باحثاً يدرس الشؤون والعلوم والموضوعات التي تخلق برجل يتصدى للحياة العمومية، فقد كان يتناول الرياضيات - أي علوم الرياضة - في جرعات صغيرة تكفي لاجتيازه الامتحانات، حتى لقد روي عنه أنه كان في المدرسة يأخذ أقل درجة - أي النهاية الصغرى - في علوم الفلك، وإنما توفر على إجادة العلوم التي لا بد منها في الحياة العمومية، كالتشريع والاقتصاد السياسي والتاريخ، وهذه هي العلوم بأعيانها التي التجأ إلى تدريسها عندما كان يسعى على الرزق أستاذاً عادياً من الأساتذة، وبتدريسها كذلك زادت معارفه فيها وتوسعت معلوماته ولا أظن أن هناك أدباً من الآداب القديمة أو شيئاً من الأدب
стр. 2422
الحديث لم يدرسه ويلسون ويأخذه بالشرح والتحليل، وكتب بعد ذلك كثيراً في مسائل التشريع والقانون والأنظمة الاجتماعية.
على أن ويلسون أذن لنفسه دهراً وجيزاً أن يتحول قليلاً عن خطته التي اختطتها وهي تدريب نفسه لأجل الحياة العمومية وذلك أن اشترك ورجلاً آخر في إنشاء مكتب للمحاماة في المدينة ولا يصح أن نقول بوجه عام أن أمر الاشتغال بالقانون ومعالجة القضايا مضيعة لزمن الرجل الذي أعد العدة للحياة العمومية، فإن أبراهام لنكولن، وهو ذلك الرئيس القديم الرائع الذي تولى أمر الولايات المتحدة في زمن الحروب الداخلية وكان من أكبر أهل الأدب والخطابة لم يعرف أخلاق الناس، ولم يخبر الأمور، ويدرك أسرار الحياة إلا بعد أن كان محامياً طوافاً يتقلب في البلاد بحثاً عن القضايا، ويجول في المدائن للحصول على المرافعة في الخصومات، ولكن ويلسون لم يكن له طباع ذلك الرئيس - لنكولن ولم تكن نشأته مثل نشأته وكان ولا ريب سيصيب من تضحية نفسه سنين طوالاً للبت في حقوق الأفراد وظلامات الأشخاص تأثيراً في ذهنه وبدنه كان سيكون ذا خطر شديد عليه فيما بعد، على أن حسن الحظ أنقذه من هذه الصناعة، لأن مستر ويلسون لم يخلق ليضحي نفسه للزبائن وأرباب القضايا والحادثات، لأن الله لم يفتح عليه بزبون ولا راجت المحاماة على يده فلم يكن انحرافه عن خطته التي رسمها لنفسه وسلوكه طريقاً غير صالحة له ولا صالح لها إلا أمراً عرضاً لم يلبث أن زال.
وعاد بعد ذلك إلى أمره الأول، ورجع إلى حجرات التدريس، وإلى تعليم الطلاب، وقد ذكرت أن الموضوعات التي توفر عليها ذهن ذلك الرجل هي التشريع والاقتصاد السياسي والتاريخ، ولكن هناك فرعاً من العلم برع فيه وحشد كل ذهنه له، ونعني به الأدب، ولا ريب في أن الولوع بالأدب ورثه عن أبيه، وشجعه والده على الإقبال عليه، ونشأ لذلك عليه من طفولته، ولكن لو لم يرثه عن أبيه، وعن المدارس والجامعات، لكان ويلسون ولا ريب سيروح من نفسه بالأدب ولوعاً، وهو رجل أديب بكل معنى هذه اللفظة، بل لعلني مصيب إذا قلت أنه أكبر أديب في رجال السياسة العصريين وهو قارئ يلتهم في القراءة كل نوع من الكتب، وقد أخبرني طبيبه المشهور الأميرال جرايسون أن من عاداته الخطرة أنه قد يهتم بقراءة رواية من الروايات فيسهر على قراءتها حتى الرابعة بعد منتصف الليل،
стр. 2423
أي أنه يختلس بضع ساعات من الزمن اللازم للترفيه عن بدنه من متاعب حمله العظيم.
ولعلكم سائلون ما أحب شيء إلى ذهنه في القراءة، فأقول أنني كلما قرأت أو سمعت خطب الرجل، لا أفتأ استنتج منها أنه هذب أسلوبه من كثرة قراءة الأدب اليوناني القديم فإن أكبر مزايا ذلك الأدب هي البساطة المتناهية وقوة التعبير والوضوح، والوضوح هو لازمة من لازمات البساطة، ولو أنت استعدت إلى ذهنك القطع والمختارات التي آثرت حفظها من الأدب اليوناني القديم وآثرت في فؤادك أشد التأثير وهزت روحك هزاً، لرأيتها أبسط ما يكتب ولألفيتها خالية من التعمل والطلاء وخذ لذلك مثلاً قصة موت سقراط التي وضعها أفلاطون في كتابه فيدو. . . فإنك لا تجد في أضعافها شيئاً من المحسنات، بل هي نهاية في البساطة والوضوح، على أنها تصل إلى أعماق الأعماق من الأفئدة، وكان حدسي هذا وأخذي بالظنة في الأسباب التي هذبت أسلوب الأستاذ ويلسون حقاً وصواباً كما عرفت ذلك من بعد إذ نبأني صديق له أن ويلسون درس جميع خطابات الخطيب اليوناني العظيم ديموستنيس حتى استطاع أن يقرأها في اليونانية بكل سهولة ولباقة كأنه يقرأ في كتاب انكليزي، والذين يذكرون ديموستنيس يعلمون أن أول مزايا خطبه المأثورة هي البساطة المتناهية، بل لقد حدثني من أثق بحديثه أن ويلسون حتى الساعة وهو في وسط متاعبه الرسمية لا ينى يعود من الحين إلى الحين إلى فتح تاريخ ذلك الخطيب العظيم يتلمس من خطبه الوحي ويستنزل منها الإلهام ويتطلب العزاء والحكمة والهدى، وأنا أذهب إلى أن ويلسون استمد أسلوبه العجيب أيضاً من سادات الأدب الفرنسوي وهو أقرب آداب الغرب في بساطته إلى آداب اليونان، وهذا التفاني في الأدب لم يكن وراءه غرض إلا إعداد نفسه للحياة العمومية، وهذا التهذيب الذي كان يستعد به الرجل لم يكن معروفاً للعالم، ولاسيما أهل السياسة ورجالاتها فلما طلب إليه أن يترك هدوء المدرسة وسكون المدرسين إلى ضجة الانتخابات وجلبة الحياة السياسية، ظن الناس أن أمامهم رجلاً جديداً عليها حديث العهد بشؤونها فلم يلبثوا أن عجبوا إذ رأوا إزاءهم رجلاً مدرباً منذ عهد طويل عليها، ويوم كان يدرس ديموستنيس ويعني كلمة الجوامع، لم يكن يقصد بذلك إلى الجلوس في امتحان الجامعات، ونيل نمرة طيبة فيه، وإنما كان يريد من ذلك غاية أكبر ومقصداً أسمى، وهو إعداد نفسه لمنصة المنبر ومواقف مجلس التشريع في ترينتون وواشنطن وإعانته مزية
стр. 2424
أخرى على أمره، فقد منحته الطبيعة صوتاً أجش عميقاً فهذبه وأخذه بالمران والتدريب في الأندية ولكنه لم يكن يريد أن يكون مغنياً، بل خطيباً مفوهاً، وكان تهذيب صوته، أشبه بتهذيب المغنين أصواتهم لأنه عرف علم ضبط تنفسه عند الكلام ولعل هذا هو السبب الذي جعل صوته، وإن لم يكن جهيراً مرتفعاً يصل إلى آخر رجل في الصفوف المتأخرة من الزحام العظيم في القاعة الرحيبة وجعل كل كلمة ترن في الفؤاد فتأخذ مجامعه.
والآن أصل إلى النتيجة الباهرة من هذا التدريب الذي أعده لنفسه وهو ويلسون في مقعد الرئاسة، فهو في كثير من الوجوه قد أعاد استخدام الطرائق التي سلكها في ولايته على مقاطعة نيوجرسي، وأنقذ الجمهورية الأمريكية العظيمة من كثير من أخطارها الكبرى، وكانت العادة من زمن بعيد أن الرئيس يلقي الكلام إلى المجلس قولاً ملفوظاً - لا خطبة مكتوبة - ولكن لما ولي على الجمهورية الرئيس جفرسون جعل يتلو خطاباته في رق مسطور، ولعل ذلك لأن مقدرته الكتابية كانت أسمى من براعته الخطابية، فاحتذى الرؤساء بعده حذوه وطرسوا على آثاره، ولكن جاء ويلسون فحطم هذه القيود وذهب بأثر تلك السنة ولم يدع بينه وبين نواب الأمة غير قلبه ولسانه.
وهنا أذكر نبذة عن الحياة اليومية التي يعيشها الرئيس ويلسون والعادات التي اعتادها في نظام عيشه، وهي جميعاً مختارة من المعلومات التي كان يدلى بها إلى الصحف طبيبه الخاص - الأميرال جرايسون - ولم يكن لأحد تأثير على ويلسون أشد من أثر طبيبه الخاص، ولما جاء ويلسون إلى الدار البيضاء وارتقى إلى الرئاسة لم يكن على صحة جيدة، وكان ككل المفكرين الذين ينهكون أذهانهم في أعمال شاقة، يعاني مرض عسر الهضم فأكرهه الطبيب على أن يتخذ لنفسه ألواناً من الرياضة، ويختار ضروباً من التلهي والترويح، وكان من ذلك أن اعتاد الرئيس أن يخرج في وقت محدود غير حافل بالجو إذا أمطر أو السماء إذا غامت، أو العاصفة إذا عصفت، فينطلق إلى حلقات لعبة الجولف وهو منذ طفولته ماهر خبير بركوب الجياد ولذا يؤدي أكثر رياضته على ظهور الصافنات، وهو حذر حريص من ناحية طعامه وينصاع لمشورات الطبيب إذا وصف له لوناً من الطعام لا تقبله نفسه ولا يشتهيه، وهو لا يزال يشارك أبناء وطنه وأفراد أمته في الولوع بالحلوى إلى حد خطر، ولكنه استطاع أن يضبط استهتاره هو نا ما، وهو شريب كبير لا
стр. 2425
شريب خمر وإنما شريب ماء مثلج، فهو أحب شيء إليه، واشتد طبيبه في النصح له بأن يعمد إلى التلهي كذلك بجانب الرياضة فلم يسع ويلسون إلا الانتصاح ومضى يزور دور التمثيل وحفلات الموسيقى وحلقات الغناء على فترات صغيرة من الأيام، ومن أكبر مزايا خلقه أنه قادر على أن يخلع عنه مظهره الرسمي، ويتجرد من شؤون عمله، ويتحرر من مسؤولياته، إذا هو كان في لهوٍ أو ترويج، فلا يكاد يستقر به المقام في مقصورته من دار التمثيل وترتفع الستار عن المسرح، حتى ينسى ويلسون أنه رئيس الولايات المتحدة، وهذا التجرد من الرسميات يتجلى في حلقات لعبة الجولف حتى أن شركاءه في اللعب لا يجرأون على ذكر أية كلمة تتعلق بالشؤون العمومية أمامه وهم لاعبون وقد نسي رجل من الذين كانوا مقربين في تلك الحلقة إليه، ومكثرين من اللعب معه يوماً هذه العادة فذكر أشياء بسبيل ذلك، فلم يسمح له الرئيس بعد ذلك بلقائه أو الاشتراك معه في تلك الحلقة.
والرئيس ويلسون قصاص أحاديث طلبة، ورجل عذب المحضر، مفعم الجعبة من النوادر والحكايات حتى لقد قص على حكايتين أو ثلاثاً يوم لقائي به، وهي حكايات نذكرها في موضوعاتها وظروفها ونجيء بها تأييداً لحديث، أو شفاعة لحكمة أو موعظة.
ذلكم هو الرجل الذي أخذ على نفسه أن ينقذ الدنيا جميعاً من الشبح المخيف الذي عم الأرض: وهو الحرب، وهو الرجل الذي أراد أن ينثر نعمة الحرية في كل ركن من أركان الدنيا، ويعمم الديمقراطية في الشعوب أجمعين، وإذا كان في الدنيا رجل يستطيع أن يؤدي هذا الأمر العظيم الجليل الهائل فهو هو ذلك الرجل الذي أصبح اليوم بغريزته وعقيدته ورأسه وفؤاده سيد أنصار الحرية والسلام العام.
هو الرئيس ويلسون.
стр. 2426
خواطر الطفولة
هذا مقال فلسفي فكه، بديع المنحى، رائع المغزى، وضعه في هذه الأيام الأخيرة رجل من أكبر كتاب الدنيا في الروايات وفي الصفوف الأولى من العلماء المحدثين، وأدباء انجلترا العصريين، وهو السير كونان دويل، ولا يذهبن القارئ إذ يقرأ هذه الأسطر إلى أنه سيقرأ رواية جديدة عن شرلوك هولمز وهو ذلك الضرب من الروايات الشرطية، والأقاصيص التي افتن كونان دويل في سبكها وإظهار حيل اللصوص والشرط في تضاعيفها، ولا يحسبن أنها تدخل في باب تاريخ الحرب الكبرى الذي كلفت الحكومة الانكليزية هذا الكاتب العظيم بوضعه، ومنحته في سبيل إتمام هذا التاريخ مائة ألف جنيه تنشيطاً له واحتثاثاً، بل هذه ليست إلا صوراً رسم فيها ذلك الروائي المبدع وجهاً جديداً من حياته الخاصة، وصور بها أطفالاً له نجباء، وسيعلم القارئ أن السير كونان دويل ولا ريب وجد في تصوير هذه اللوحات الصغيرة ترويحاً لنفسه في هذه الأيام العصيبة التي تركت أثرها في كل روح، وشغلت كل ذهن، ونحن نعتقد أنها ستقع هذا الموقع من نفس القارئ وتخرج به من قراءة أخابير الحرب ومشاغلها وهمومها إلى قراءة قطعة عذبة لذة ذات مغزى طيب نافع.
هذه الصور التي أرسمها هي عن ثلاثة أطفال، ولكن أشخاصها في الحقيقة خمسة، على أن الشخصين الآخرين ليسا إلا من باب الصور الإضافية فقط أما الأطفال الثلاثة فهم مختلفون جد الاختلاف وأكبرهم سناً صبي في الثامنة ندعوه لادي وإذا كان في أهل الإنسانية فارس انحدر إلى الدنيا جاهزاً. . وتام الفروسية فهو هو، فإن له روحاً أشجع ما يكون من الأرواح وهي أنكر الأرواح لذاتها، وأطهرها صفحة، وأنصعها أديماً، وهي تسكن بدناً طويلاً نحيفاً كامل الهيئة، خفيف الحركة، وهو صبي خجول، ولا يشرق أمام الغرباء، ثم يتلوه الطفل دمبلس وهو يناهز السابعة، ولن ترى في الدنيا طفلاً مثله استدارة وجه ونعومة خد، تحت عينين واسعتين شريرتين تلمعان مجوناً حيناً، ثم تنطفئان حيناً فتلوحان حزينتين ذابلتين، وفي هذا الطفل بذور الرجل العظيم، وأساس الجبار الهائل، وإن لروحه عمقاً وسكوناً ووقاراً تتجلى في كثير من الأحايين، ولكنه في ظاهره طفل الأطفال، وأشد الصبيان صبيانية، وهو أبداً يطلب العبث والأذى والمجون ويصرخ دائماً قائلاً، الآن أريد أن أتملعن وأمجن!. . فإذا قالها أتمها وإذا فاه بها أنفذها، وهو يحمل حباً خالصاً ووداً لجميع من حوله من المخلوقات، وهو أشد الناس ميلاً إلى خبر الحشرات ومعرفة أسرار الكائنات،
стр. 2427
وقد شوهد كثيراً وهو يمسك بيده حشرة من الحدائق فيدنى فمها من حافة آنية مفعمة بالزبد ليعلم إذا كانت تحب الزبدةكما يقول:
وهو يتفحص الحشرات ويخرجها من مكامنها بشكل عجيب، وطريقة غريبة ولك أن تضعه في أجمل حائط. . وتدخله أبهج بستان فإنك غير لابث قليلاً حتى تراه طالعاً عليك يحمل في يده ضفدعة أو بزاقة أو فراشة، ولا شيء في الدنيا يحرضه على إيذائها وإنما يمنحها ما يظنه كرماً وحسن معاملة ثم يعيدها إلى أوطانها ويردها إلى أماكنها التي التمسها فيها، وقد اعتاد أن يكلم أمه كلاماً خشناً إذا سمعها تأمر الخدم أن يقتلوا الفراش إذا وجدوه فوق الكرنب ولا يرضيه أو يقنعه أن يسمع منها أن تلك الحشرات مؤذية للخضر ضارة به.
وإن له لمزية على أخيه لادي، وهي أنه لا يعتريه الخجل مطلقاً ولا يغريه بالسكوت، بل لا يلبث في لحظة أن يألف أي إنسان ويهجم عليه بالحديث ويسأله الأسئلة المتكاثرة وهو مخلوق فرح ولكنه (خلقي) أحب الأطفال إلى الشجار إذا قطب جبينه واحمر خده، وتقلصت شفتاه، فإذا عاودته هذه الحال استطاع أن يدفع أخاه الأكبر ويلصقه بالجدار، وذلك لأن أخاه يشعر بالفروسية، وتمسكه طبيعته النبيلة عن إيذائه أو مقابلته بالمثل، ولو قدر الله أن تظهر عظمة هذا الطفل الدفينة فيه النامية بين جوانحه، فهل تعرفون فيم تظهر، وأي منحى تنتحي، في قوة الخيال، فقل له أيتما حكاية فلا تلبث أن تجد الطفل قد راح مذهولاً مبهوتاً سارحاً في ملكوت الله، وإنه ليجلس جامداً في مكانه - لا حراك يتحرك، ولا يد يرفع، ولا رجل يهز، ولا يدع عينيه تتوليان عن عين محدثه وهو يلتهم كل غريب من الأقاصيص - وغامض مبهم من النوادر والحواديت وهو في ذلك نقيض أخيه، فإن هذا قلق لا يستقر به مكان، ولا يطمئن له مجلس، شغوف بأن يتحرك ويجري ليؤدي عملاً، أو ينفذ أمراً، ولكن دمباس الأصغر ينشغل ويثبت في مكان لا يبرحه، إذا كان هناك شيء خليق بأن يسمع، وإن له لصوتاً هو أحد مزاياه، وخاصة من خصائصه، فإذا كان قادماً عرفت ذلك عن كثب وهو مستهل طالع عليك من مسافة، وهو بهذه الرهبة الطبيعية، فضلاً عن جرأته وبلاغته واستفاضة كلامه يتخذ الرئاسة على إخوته في أي مكان يحتله على حين ترى أخاه الأكبر - وهو من نبله يرى نفسه أرفع من أن يحسن شيئاً من عوامل الغيرة - يرضى بأن يكون إزاء أخيه الصغير بمثابة الجمهور المتفرج الضاحك قبالة
стр. 2428
المغنى الجهير الصوت.
وأما الطفل الثالث فمخلوقة في الخامسة جميلة كملاك وعميقة الروح كبئر، والطفلان بجانبها قليلاً الغور وبركتان ظاهرتا القاع بالنسبة إلى هذه الطفلة الصغيرة، في وضوح نفسها واعتزالها وإخلادها إلى ذات روحها، ونحن نعرف الولدين أما البنت فلا نستطيع لكنها إدراكاً، إذ يلوح وراء هذا البدن الضئيل الصغير شيء قوي، وعنصراً شديد التأثير وإن لها إرادة هائلة، وعزيمة صارمة فلا شيء يردها عن أمرها، ولا أمر في الدنيا يغريها بترك منتوى نفسها، وإنما تستطيع النصائح والإرشادات الرقيقة اللينة أن تهذبها وتكبح جماحها هو نا ما، والطفلان لا يستطيعان شيئاً ولا حيلة لهما ولا رجاء، إذا هي أصرت على شيء، أو أجمعت النية على شأن من الشؤون، ولكنها لا تبدي هذه النية القاسية إلا إذا أرادت أن تعلن عن عظمتها، وتظهر جلالها، وهذه لا تكون إلا على فترات ولا تقع إلا في أحايين إذ أن عادتها أن تجلس صامتة هادئة معتزلة متنبهة لجميع ما يحدث حولها، دون أن تسهم فيه إلا بنظرة أو ابتسامة وهي وأخوها الصغير دمبلس حليفان صديقان وإن كانا لا يفتآن يقعان في شجار المحبين ومعاكسات العشاق، فإذا كانت يوماً غضبي منه لم تذكر اسمه في صلواتها وراء أمها فتقول اللهم بارك كل إنسان إلا دمبلس وإذ ذاك تصيح بها أمها، ما هذا؟ ما هذا؟ يجب أن تذكري اسم أخيك!. وحينئذٍ تقول متكرهة. . إذن، فاللهم بارك دمبلس الفظيع!. . بعد أن تخص بالابتهال إلى الله قطتها وجديها وعروسها الخشبية.
وإن حبها عروسها خلق عجيب من بين أخلاقها، وهو يثير في الذهن نظرية علمية يؤيدها الأساتذة والفلاسفة، فقد بلغ من حبها لها أنها لا تذهب إلى أي مكان إلا اصطحبتها معها، وإن جميع لعبها الأخرى لا تعزيها عن غياب هذه العروسة، فإذا سافرت الأسرى إلى المصطاف على ساحل البحر فلا غنى عن سفر العروسة معها، ولن يغمض جفنها إلا إذا كانت بين ذراعيها - وإذا دعيت العشيرة إلى مأدبة، أصرت على حملها إلى الوليمة - وهذا الخلق يوحي إلى الفلاسفة شيئاً من تاريخ النوع الإنساني، فإن هذه العبودية التي تشعر بها الوليدة نحو عرائسها، صورة حية من نشوء الأديان، وهي أثر من آثار ساكن الكهوف والإنسان الأول، والوثني القديم، وفي حب هذه الطفلة لعروستها عبادة الوثنية فإن الهمجي المتوحش يختار الشيء التافه الذي لا يستحق العبادة فيعبده، وكذلك ترى هذه
стр. 2429
الهمجية المتوحشة الصغيرة تعبد عروسة من الخشب.
هؤلاء أطفالنا الثلاثة، صورتهم صورة خشنة لا دقة فيها ولا تلوين ولا تجميل بقدر ما استطاع قلمي الضعيف أن يصف ويرسم، والآن دعنا نتخيل أننا في فصل الصيف، والوقت مساء، والظلام قد عسعس، وقد جلس الوالد يدخن في مقعده، والأم عن كثب تسمع والأطفال قعود كالحزم على السجادة وهم يتباحثون ويتناقشون ويجتهدون في حل عقد مسائل الحياة الصغيرة الغامضة عليهم، وعندما يجلس أطفال صغار يلعبون بفكرة جديدة، يروحون أشبه شيء بالقطط أمام الكرة، فكل منهم يقذفها إلى صاحبه، وأحدهم يلاطفها بيده، والآخرون يحاولون اختطافها بعضهم من بعض.
وكانت الطفلة تتكلم، وهي تحضن عروستها التي تؤثرها على جميع لعبها، فلم يسع الوالد إلا أن يخفي وجهه وراء الصحيفة التي كان يجيل البصر في أسطرها، ويشحذ سمعه للحديث الذي راح يدور بين الأطفال.
قالت الطفلة: إنني لفي عجب - لا أدري هل سيسمحون لي بدخول عروستي معي إلى الجنة أم لا.
فضحك الصبيان، وكانت عادتهما أن يضحكا لجميع ما تقول - فأردفت تقول. . إنهم إن لم يسمحوا بذلك، فلن أرتضي الدخول أبداً إلى الجنة وحدي.
قال دمبلس: ولا أنا إذا لم يسمحوا لي بدخول نمري!
وهنا عادت الطفلة تقول: سأقول لهم أنها عروس نظيفة هادئة ساكنة جميلة لا تؤذي أحداً في الجنة. .
قالت ذلك وهي تحتضن العروسة وتلاطفها.
وهنا نظر لادي إلى أبيه فقال. . . ما رأيك في هذا يا أبي؟ هل تظن أن في الجنة لعباً وعرائس!. .
قال الوالد. . بلا ريب، يوجد فيها كل شيء يستطيع أن يسعد الأطفال ويبهجهم.
قال دمبلس: وهل فيها قدر ما في ألف صنف؟
قال الشيخ: وهو يبلع ريقه متحيراً. . بل أكثر!. .
فصفق الأطفال الثلاثة فرحين مبتهجين لهذا النبأ الخطير.
стр. 2430
قال لادي: وهو أحب الأطفال إلى الحشرات وعلم الحيوان.
أبتاه العزيز: إنني متحير في أمر الطوفان، متعجب منه أشد العجب.
فسأله أبوه. . ومم العجب يابني؟.
قال الطفل: من مسألة السفينة، فقد تعلمت أن جميع حيوانات الدنيا كانت فوق ظهرها، وإن من كل حيوان زوجين اثنين، أليس كذلك؟
قال الوالد: هو ذلك!
فسأل الطفل: إذا كان ذلك كذلك، فماذا كانت تأكل الحيوانات آكلة اللحوم؟
وأنت فتعلم إن الإنسان يجب أن يكون أميناً مع الأطفال فلا يدلى إليهم بأجوبة مضحكة على أسئلتهم الغريبة، فإن أسئلتهم في العادة أكثر عقلاً وحكمة من أجوبة آبائهم.
قال الشيخ: وهو يزن كل عبارة يقولها - الحقيقة يا بني، هذه الأقاصيص قديمة جداً جداً، وضعها اليهود في التوراة، ولكنهم استمدوها من القوم الذين كانوا في بابل، ولعل أهل بابل التقطوها من قوم قدماء أدركوا شباب العالم، وإذا تنقلت قصة مثل هذا التنقل، فقد يضيف إنسان عليها شيئاً ويردف آخر على ما أضاف الأول أشياء، ولذلك لا يمكن أن تنحدر إلينا الأحداث على حقائقها التامة.
قال الطفل مستنتجاً: إذن فهي كاذبة لا حقيقة لها!. .
فأجاب الوالد: بل أريد أن أقول حقيقية، فقد كان في الدنيا طوفان عظيم، وأظن أن قوماً استطاعوا النجاة منه وأنقذوا معهم حيواناتهم، فلما أقلعت السماء، وجفت الدماء، نزلوا إلى الأرض وحمدوا الله على سلامتهم.
فسأل الطفل: وماذا كان رأي الذين لم ينجوا من هذا الطوفان.
قال: هذا ما لا علم لنا به.
فقال الطفل: بل بالطبع لم يشكروا الله ولم يحمدوا.
فقال أبوهم: لقد لقوا عقابهم وحسب.
وهنا انبرى دمبلس الأوسط فسأل فجأة. . هل ينبغي لنا أن نفعل كما كان يفعل عيسى؟
قال أبوهم: بلا ريب يا بني العزيز، فقد كان أنبل رجل.
فسأل الطفل: وهل كان ينام من المغرب يا أبي؟
стр. 2431
قال الولد: لا أعلم عن ذلك شيئاً.
فقال الطفل: لو كان عيسى ينام حقيقة من المغرب فأنا لا أريد أن أقتدي به في هذه العادة.
قال الطفل الأكبر: وهل كان يأخذ شربة زيت من الحين إلى الحين.
فأجاب الوالد: إنه كان يصدع بما يؤمر، يا بني لقد كان رجلاً طيباً، ولذلك كان ولا ريب طفلاً طيباً في طفولته.
قال لادي: إن أختي الصغيرة رأت الله أمس!.
وهنا سقطت الصحيفة من الوالد رعباً وحيرة.
فأردف الطفل يشرح الأمر وهو يقول: لقد أجمعنا أمرنا على أن ننام على ظهورنا ونحملق في السماء حتى نرى الله عياناً ولهذا وضعنا السجادة على العشب وامتددنا جنباً لجنب، ورحنا نحملق بقدر ما استطعنا، فلم أر شيئاً، ولم ير دمبلس شيئاً، ولكن الطفلة تقول أنها رأت الله.
فأطرقت الطفلة برأسها ضاحكة وقالت أجل لقد رأيته.
فسألها أبوه وما شبهه يا طفلة؟
قالت الطفلة شبهه شبه الآلهة تماماً، وأمسكت ولم تزد.
قال لادي: وهو يمسك بأطراف الموضوع، أبي، من هو الأقوى، الله أم الشيطان؟
قال أبوه، الله بلا ريب لأنه يحكم كل شيء.
فسأله ثانية: إذن فلماذا لا يقتل الشيطان؟
وأردف أخوه: ولماذا لا يسلخه؟
وقال الأول: ولو فعل لزال كل سوء من الأرض.
أليس كذلك يا أبي؟
فوقع الوالد في الحيرة الكبرى فجاءت زوجته إلى عونه وراحت تقول للأطفال، لو كان كل شيء طيباً في الحياة سهلاً في الدنيا، إذن لما كنا واجدين شيئاً نحاربه ونجاهد إزاءه يا أبنائي الأعزاء، وإذ ذاك لم تكن لتتهذب أخلاقنا، وتتحسن نفوسنا، وتستقيم أرواحنا.
قال الوالد مردفاً على قول الوالدة: وكانت تكون الحياة أشبه بميدان لعب الكرة، واللاعبون في صف واحد لا يجدون لاعبين أمامهم يقاومونهم.
стр. 2432
وعادت الأم تقول: لو لم تكن الهموم والشرور والنقائص والمضار، لم نجد شيئاً نميز به، وبضدها تتميز الأشياء.
قال الطفل: بذلك المنطق الغريب الذي يجنح إليه الأطفال، إذا صح ما تقولين يا أماه، فإن الشيطان نافع أكبر النفع وهو في النهاية ليس رجلاً مسيئاً كما كنا نظن.
قال الوالد متحيراً: لا ينبغي أن نتصور الشيطان شخصاً بل نتصور جميع الدنايا والمعابات التي نرتكبها وجميع القسوات والفظاعات والشنائع، فهي الشيطان الذي نحاربه، فهل تظن في جميع هذا شيئاً نافعاً، أظنك لا تقول ذلك.
ففكر الأطفال في هذا ملياً، ثم رفع لادي رأسه فسأل والده وهل رأيت الله أنت يا أبي؟
فأجاب الوالد: كلا، بل شهدت أعماله، وهذا كل ما نستطيعه في هذا العالم انظر إلى الكواكب في الليل وانظر إلى القوة التي جعلتها في نظام متين، ومسيرة مضطردة لا تغيير لها ولا تبديل.
قال أحد الأطفال: لعله لم يستطع أن يجعل هذه الكواكب الشهب تقف في مكان واحد.
قال الشيخ: بل لقد أراد بها أن تكون شهباً لا مقر لها ولا مطمأن.
قال الطفل: ليتها كانت جميعاً شهباً، فيا الله من ذلك المنظر الجميل لو أنها راحت كذلك.
قال الأب: نعم، ولكنها في ليلة واحدة قد تنفذ في كبد السماء ثم لا تلبث أن تحتجب، فانظر ماذا يكون حال الدنيا إذ ذاك.
فلاحظ دمبلس: أحقاً أن الله يسمع جميع ما نقول؟
فأجاب الوالد: لا أعرف وهو خائف أن يساق إلى موضوع مخيف ولكن الأم كانت أثبت منه فقالت أجل يا بني، إنه يسمع كل شيء.
فعاد الطفل يسأل: وهل هو يتسمع علينا الآن؟ قالت: أجل.
فأردف الطفل يقول: إذا كان هذا فإن ذلك ليس من الأدب في شيء.
فابتسم الوالد لأنه أدرك المأزق الذي وقعت فيه زوجته، وتنهدت الأم حسري مرعبة لا تعرف ماذا تقول.
وهنا كان قد أمسى الليل، وحان موعد نوم الأطفال فنهضوا من مكانهم.
قالت الأم: لتقولوا دعواتكم عند النوم قبل الذهاب إلى المضاجع.
стр. 2433
فركع الثلاثة فوق السجادة، ولا تزال الطفلة مصرة على احتضان عروستها قال دمبلس صاحب الصوت العميق الأحش، وهو في موقف الإمامة، اللهم بارك كل إنسان أحبه واجعلني صبياً طيباً خير مثال للأطفال، ونشكرك اللهم ونحمدك على أن جعلت يومنا مباركاً ناعماً، اللهم أطل عمر أبي، وبارك في والدتي.
وهنا أردفت الطفلة تقول: اللهم أرسل سكراً كثيراً للمساكين.
وزاد عليها دمبلس، اللهم رخص لنا ثمن الغاز حتى لا يشكو أبي.
قال الوالد: آمين.
وانطلق الأطفال بعد تقبيلة المساء إلى المضاجع.
стр. 2434
كتاب الانحطاط
للكاتب ماكس نوردو الفيلسوف الهدامة البديع كتاب سماه الانحطاط بحث فيه على طريقته المعروفة عن أسباب الانحطاط السائد على العالم اليوم وبخاصة أوروبا، وعن مظاهره ونتاجه، ولعل القراء يذكرون أنا نقلنا إلى العربية كثيراً من آراء هذا الرجل، واخترنا له مذ السنة الأولى من كتابه الغرائب وأكاذيب المدنية الحاضرة وكتاب الانحطاط هذا واليوم نلخص لهم آخر فصل من كتاب الانحطاط وهو الذي عقده للبحث عن انحطاط أوروبا ومصير هذا الانحطاط قال:
أصيبت أوروبا في هذه العصور الأخيرة بالمرض النفساني أو العقلي الذي اصطلح علماء البسيكولوجيا والباثولوجيا (علماء النفس وعلماء الأمراض) على تسميته بالانحطاط، وهو مرض في الجهاز العصبي له تأثير شنيع على الحياة الذهنية والأخلاقية للفرد وبالتالي للجماعة، وأول من فطن إلى حقيقة كنه هذا الداء واستجلى غوامضه وأحاط بظاهره وباطنه ثم وضع له تعريفاً فنياً أصولياً هو البحاثة موريل إذ قال: إن أوضح فكرة يمكننا تكوينها عن مرض الانحطاط هو أنه انحراف فاسد عن صورة أصلية يترك المصاب به عاجزاً عن تأدية وظائفه الاجتماعية في الحياة، وهذا الداء ينتقل إلى الذرية بطريق الوراثة ويزداد ويتجسم مع التسلسل، وخواص هذا الداء - تعطل في نمو الملكات الذهنية والأعضاء البدنية وضعف وسقم فيهما.
وأهم أعراض هذا الداء النفسية هي: عدم الشعور بفروض الآداب وواجبات الفضيلة أعني قلة التمييز بين الخير والشر، فالمصابون به لا يعرفون ما يسميه الناس قانون الحشمة واللياقة فتراهم لأقل باعث من شهوة أو هوي يقترفون الإثم والجريمة بكل طمأنينة وارتياح، ولا يكادون يحسبون أن في فعلهم هذا ما يسوء الغير ويؤذيه، وهذه الخصلة في أقصى درجاتها تسمي الجنون الأخلاقي، ولها سببان نفسيان، الأنانية الشديدة، وسرعة التهيج العصبي، أعني العجز عن مقاومة الإرادة متى همت باتيان أي شيء، ومن أعراض الداء أيضاً سرعة تأثر العواطف (وإن كان هذا العرض ربما شوهد في الرجل السليم عندما يصاب بعلة وقتية كالمرض الجثماني أو انتهاك القوى أو بصدمة ذهنية، ففي هذه الحالة يزول العرض بزوال السبب) فترى المصاب يضحك حتى تسيل دموعه أو يبكي منتحباً بلا داع ولا موجب، فالشعر البارد السخيف يطربه ويشجيه، والغناء الفاتر الضعيف يميته
стр. 2435
ويحييه، وهو بين هذا وذاك يفخر ويتيه بما قد أوتي من رقة الإحساس وحدة الشعور، ويحسب أن الله قد خصه من دقة النظر ونفاذ البصيرة بما حرمه العوام والغوغاء من الطبقة الغبية البليدة، فيدلّ على أولئك المساكين ويرمقهم بعين الإصغار والاحتقار، وقد فاته أنه هو المسكين الخليق بالازدراء بل بالرحمة والرثاء، وإنه إنما يتيه ويفخر بداء وفساد في العقل.
ومن أعراض الداء أيضاً نوع من الكآبة والضيق والهم يعتري المصاب ويظهر فيه على صورة اليأس والتشاؤم والتبرم بالناس والكراهة لجملة ظواهر الحياة والكون، أو الكراهة لنفسه والتأفف من ذاته، قال العلامة موريل وأمثال هؤلاء لا تكاد تسمع منهم إلا الأنين والشكوى يندبون حظوظهم ويلعنون القضاء والقدر بألفاظ وكلمات محدودة معدودة لا تتغير ولا تتنوع ويصورون لأنفسهم بأيدي الخيال صوراً شنيعة من الخسران والخراب والتلف.
وهذا الضيق والهم والضجر تكون في العادة مصحوبة بالعجز عن القيام بالعمل أياً كان إلى حد الكراهية الشديدة للحركة على الإطلاق وموت العزيمة، والمريض المصاب بهذه البلية لا يخطر بباله أن سبب ما هو فيه من الضيق والملل ونتيجتهما من البلادة والتقاعد إنما هو فساد في الخلقة ومرض في العقل، ولكنه ترى أن الحالة التي هو بها هي نتيجة مشيئته الحرة واختياره فيعتقد أنه هو الذي فضل بمحض إرادته ترك الأعمال ترفعاً واستنكافاً من خسة العمل وحقارته وهو الذي تجنب السعي احتقاراً للدنيا وطلابها وعملاً بسنة الزهاد والمتصوفة وإيثاراً لمبدأ الرهبنة ودين البوذية، مادحاً نرفانا بأنه أكمل إنسان وأفضل مخلوق، فمثل هذا المصاب وأشكاله قد أعدتهم الفطرة لأن يكونوا شيعة الفيلسوف النابغة والمريض المصاب آرثر شوبنهور وليس عليهم إلا أن يتعلموا أصول البوذية حتى يعتنقوا هذه الديانة.
وعلى ذكر الفيلسوف العظيم الذي كان من زمرة المصابين بذلك الداء (الانحطاط) نقول إنه لا يتحتم أن يكون (المنحط) (المصاب بداء الانحطاط) خلوا من النبوغ والعبقرية، فلقد أجمع الباحثون طرا على عكس ذلك، قال العلامة ليجران (ربما كان المنحط عبقرياً، وذلك لأن الذهن المختل التوازن هو بطبيعة خلقته وتكوينه جدير أن يعظم فيه بعض الملكات بقدر ما يصغر فيه البعض الآخر فبينما يسوؤك ويحزنك بأخبث الرذائل وأنكر القبائح إذ
стр. 2436
يروعك ويفتنك بأعجب البراعات وأبدع المزايا) وقال العلامة روبينوفتش أن المنحط قد يبلغ من حيث ملكات التفكير والتصور (أي الملكات العقلية) درجة عالية جداً ولكنه لن يكون من الوجهة الأخلاقية إلا فاسداً فساداً تاماً، فهو يستخدم ملكاته الباهرة سواء في أشرف الأعمال وفي أخسها وأحقرها.
أما منشأ هذا الداء (الانحطاط) فهو ضعف الأعصاب وانتهاك القوى وهما نتيجة لسببين رئيسين، أولهما الانهماك في الشهوات والملاذ وما يقتضي ذلك من معاقرة الخمور وتعاطي المخدرات وكد الأعضاء وإقلاق البال وتهييج العواطف وثانيهما ما كابدته أوروبا في القرن السالف وما تكابده الآن من الثورات والحروب ونحن قائلون هنا كلمة في شرح تأثير الحرب على الشعوب بإنهاك قواها وإضعاف أعصابها بمناسبة الحرب الحاضرة.
قد اكتشف العلم الحديث الأمراض العصبية الناشئة من صدمة عصبية كطروء خطر فجائي مثلاً، فأثبت أن كثيراً ممن نجوا من الغرق أو النار أو حوادث القطارات أو ممن هددوا بالقتل قد فقدوا عقولهم أو أصيبوا بأمراض عصبية خطيرة مزمنة عقيمة، فما بالك بمن يغشون ساحة القتال ويغامسون حومة الوغي وأنهم ليكافحون كل هذه الأخطار مجتمعة في وقت واحد، فهم يبقون الأشهر والسنين مهددين في كل لحظة بالعاهات الفظيعة والموت الذريع محفوفين بمناظر الخراب والدمار والغرق والنار والجراح المخيفة وكثبان القتلى مكدسة مركومة مما تهلع له القلوب وتطيش العقول، أضف إلى ذلك الأعمال الشاقة التي تستهلك قواهم وتستنفذ مجهوداتهم، من الزحف المؤدي إلى الإعياء والحفا، وسوء الغذاء، والقحط أحياناً، وقلة النوم، واهتياج العواطف، ولا يقولن معترض إن الجندي يكتسب بالاستمرار مرانة على استقبال هذه الأهوال حتى يصبح عديم التأثر بتلك الفظائع المحيطة به، فرداً على هذا الاعتراض نقول إن قلة تأثر الجندي تؤول بأن منظر الفظائع الماثلة أمامه قد لا يستفز شعوره ولكنه يقع في حواسه بلا شك وتنقله الحواس إلى المراكز العصبية فيترك أثره في الجهاز العصبي، فكون الجندي لا يشعر بالصدمة العصبية - بل بالتحطم العصبي - ليس دليلاً على عدم حصول الصدمة، لأنه كثيراً ما شوهد في حوادث القطار والحريق والغرق أن المصاب وإن فقد الشعور أثناء الصدمة فلم يحس بهولها إلا أن آثارها من الأمراض العصبية لا بد أن تظهر ولو بعد مرور الأشهر على حدوث الصدمة.
стр. 2437
وعلى ذلك فلا ريب في أن الحرب هي منشأ لداء الانحطاط بين الجماعات وأن معظم الجنود العائدين من المعارك يحملون إلى أوطانهم أعصاباً مريضة، وهذه النظرية قد تكون أقل انطباقاً على الفريق الغالب منها على الفريق المغلوب لأن الشعور بالفوز من ألذ إحساسات النفس البشرية، ونتيجة هذا الإحساس اللذيذ من تجدد النشاط والقوة خليق أن يقاوم المضار الموبقة الناشئة من تأثير فظائع الحرب، ولكنه لا يستطيع محو هذه المضار البتة، وهكذا يعود الغالب والمغلوب إلى وطنيهما وقد خلف كل منهما على ساحة القتال جانباً عظيماً من قوته العصبية والأدبية.
إن تفشي الغلظة والوحشية في الشعوب غب الحروب قد أصبح من البديهيات التي لا تحتاج إلى دليل، فقد عرف الناس أن الشعوب المتحاربة تخرج من الحرب أسوأ أخلاقاً وأخشن طباعاً مما كانت عليه قبل، فيزداد في كشوف إحصائياتها تعداد الجرائم والفظائع، ولا يحسب أحد أن الجندي الذي يعود من الحرب سريع الغضب يسحب خنجره على الناس لأقل باعث - إنما يفعل ذلك لأنه قد صار أشجع قلباً وأخشن جانباً - كلا بل لأنه قد صار أشد تهيجاً، وقد أثبت العلم أن سرعة التهيج ليست إلا إحدى ظواهر الفساد العصبي.
ولما كان هذا الداء الانحطاط شاملاً لم يخل منه فريق المفكرين من الكتاب والشعراء والمصورين والموسيقيين فقد خرج جانب عظيم من مؤلفات الأجيال الحاضرة متلبساً بعاهات هذا الداء وشوهاته ومقاذره وهو على ذلك أروج من الكتب السليمة القيمة النقية وقامت الجماهير المصابة العليلة فأجلست على أريكة دولة الآداب والفنون رجالاً أدهشوا القراء ببدائع الخيال وروائعه ولكنهم أصفار من الآراء الناضجة والأفكار المنتجة الخصيبة مجردون من المبادئ القويمة والمذاهب السليمة منحرفون عن سنن الحق والمنطق والطهر والفضيلة يشحنون مؤلفاتهم بأصناف الباطل والخرافات والخزعبلات ويفعمونها فوق ذلك بأفانين الفسق والفجور والإثم والرذيلة، والجماهير الحمقى السخيفة تسميهم قادة الدنيا وأعلام الهدى ومصابيح المستقبل، وما هم إلا فئة من المرضى المصابين لولا مزية الخيال القوي والأسلوب الرائع لكان المستشفى أولى بهم من غرفة الكاتب والمؤلف.
فأوروبا الآن قائمة في حومة داء ذهني فتاك - أو بعبارة أخرى في حومة موت أسود من الانحطاط فلا جرم إذا تساءلنا ماذا يكون بعد ذلك؟
стр. 2438
لا يسعنا إزاء ما نبصر من أعراض هذا الداء العضال إلا استنباط النتيجة الآتية هي أنه إذا كان الداء المذكور لم يبلغ بعد أقصاه وأنه سيزداد شدة وعمقاً واتساعاً فلا بد أن يأتي زمن تصبح فيه الظواهر المقصورة البوم على سكان مستشفيات المجاذيب فقط قد شاعت في المجتمع الأوروبي وصارت من أحواله وصفاته العادية، وإذ ذاك ترى الحياة قد أخذت الصورة الآتية أو نحوها:
تؤسس أندية الانتحار في كل مدينة، وإلى جانبها تقام أندية التذابح أي قتل الأعضاء بعضهم بعضاً عن اتفاق وتراض بواسطة الخنق والشنق والطعن بالمدى والخناجر، وبدلاً من الحانات والفنادق تنشأ أماكن لتعاطي الأثير والكلورال والنفط والأفيون والحشيش، ويزداد عدد المصابين بفساد حاستي الذوق والشم ازدياداً يستوجب فتح دكاكين تقدم فيها على صحون الذهب وأواني البلور جميع أصناف القاذورات للزبائن الذين يجلسون على فاخر الكراسي محفوفين بكافة ضروب الأوساخ متلذذين باستنشاق روائح النتن والعفونة، وتخلق وظائف وأعمال جديدة - كوظيفة الحقن بالمورفين والكوكايين، ووظيفة أناس يقفون على معاطف الطرقات يمدون أيديهم للمصابين بمرض الأجورافوبيا (مرض ذهني من شأنه أن صاحبه يعتريه الخوف الشديد إذا أراد عبور طريق واسع) ليساعدوهم على عبور الطرق والساحات، ووظيفة أناس يهدئون - بجميع أساليب الأيمان والتأكيدات - خواطر المصابين بداء الشك والارتياب كلما جاءتهم النوبة العصبية.
يشتد في الناس التهيج العصبي إلى حد أنك تجد المصابين به يطلقون الرصاص من نوافذهم على الأطفال الذين يصفرون أو يصرخون تحت بيوتهم صراخاً غير موسيقي خالياً من الأوزان والقوافي، أو تجدهم يهجمون على مدارس الموسيقى فيقتلون صغار الفتيات اللاتي يتلقين دروسهن الابتدائية في الكمنجة والبيانو لأنهن صدعن رؤوسهم وهيجن أعصابهم بضوضائهن الأليمة، أو تجدهم يحاولون أن ينسفوا بالديناميت شركات الترام لأن السواقين يطيّرون عقولهم بالأجراس والصفافير، فلهذه الأسباب كلها تسن الحكومة قوانين لمنع التصفير والصياح في الطرق، وتبنى مدارس الغناء والموسيقى بكيفية تمنع نفاذ الأصوات إلى الخارج، وتوضع في القانون مادة لتحذير المركبات من إحداث أقل صوت أثناء سيرها، ونظراً إلى أن نباح الكلاب يصيب الكثيرين بالجنون ويغرى الكثيرين
стр. 2439
بالانتحار يسن قانون بمنع إبقاء الكلاب داخل المدن إلا بعد إخراسها بقطع العصب الحنجري وآخر يحرم على الصحافيين وأرباب المجلات أن ينشروا موضوعات تتعلق بحوادث الانتحار والإكراه والاغتصاب وإلا فهم مسؤولون عن كل ما يرتكبه القراء من الجرائم تقليداً لما دونوه في صحائفهم.
تفسد العلاقة الجنسية (التي بين الذكور والإناث) فساداً يستدعي تغيير النواميس المشروعة والعادات المألوفة ملاءمة للحالة المستجدة، فترى المخنثين - الذين يصبحون يومئذ السواد الأعظم من الناس - يلبسون أزياء نسائية لوناً وتفصيلاً، أما النساء فلا يستطعن إذ ذاك إرضاء الرجال إلا إذا لبسن أزياء رجالية - أحذية طويلة غليظة بمهاميز ونظارات على عيونهن وعصيّ وسياط في أيديهن وسيجار طويل في ثغورهن، وتشرع القوانين القاضية بتزويج الرجل بالرجل وإباحة مواطأة الأخوات والأمهات وغيرهن من المحرمات ومواطأة الحيوانات والموتى، وكذلك يصبح العفاف والتقى من خرافات الماضي ويعدان من قبيل الوحشية والصفات الرجعية المنافية لروح الرقي والتقدم ويعد الشغف بسفك الدماء مرضاً بسيطاً يقدم المصاب به إلى عيادة الطبيب بدلاً من محكمة الجنايات.
ويشتد ضعف العقول بدرجة تستدعي تقصير وقت الدراسة بالمعاهد العلمية فيجعل ساعة واحدة في اليوم، وكذلك لا يسمح للمحاضرات والخطب بل للروايات التمثيلية والمناظر السينماتوغرافية أن تستغرق أكثر من ربع ساعة على الأكثر وعلى ذلك يحذف من بروجرامات المدارس كافة المواد المتعلقة بالتربية الذهنية وتكثر المواد الخاصة بالألعاب الرياضية ولا يمثل على المسارح إلا مناظر الفسق والدعارة وقتل الآباء والأبناء وإلى هذه المسارح يهرع الآلاف من غواة الفن للتبرع لأرباب الأجواق بتمثيل هذه المنكرات حتى يفوزوا بلذة هذه الميتات الحلوة الشهية بين هتاف الجماهير المأنوفة.
وينسلخ معظم الناس من الأديان المعروفة ويتكون عدد عظيم من الشيع الروحانية التي تستخدم العرافين والكهان وضراب الرمل ومحضري الأرواح والمنجمين والسحرة وقراء الأكف بدلاً من القسوس والأساقفة.
وتشتد مبالغة الشعراء والكتاب والمصورين في تعمية أغراضهم وإخفاء مقاصدهم واستعمال الرموز الغامضة والكنايات المبهمة بدلاً من الجمل الواضحة والعبارات
стр. 2440
الصريحة وذلك لاختلاط أذهانهم وتشويش عقولهم وخلوها من المعاني المحدودة والأفكار البينة الجلية - نقول ويبلغ من تعاظم هذه العيوب الكتابية إن المؤلفين لا يضعون الكتب والأسفار، والمصورين لا يرسمون الصور والنقوش كعهدنا بها الآن ولكنك تجد الكتاب مطبوعاً على ورق أحمر أو أسود أو أزرق أو ذهبي، وعلى هذه ترقم ألفاظ متنافرة غير متسقة ولا متصلة وأحياناً ترقم مقاطع من الألفاظ أو أحرف أو أرقام ولكنها منطوية على رموز خفية يطلب من القارئ حلها بواسطة لون الورقة وصنف حروف الطباعة وحجمها وشكلها، والمؤلفون الذين يطلبون الشهرة والرواج يستعينون على بلوغ ذلك بتحلية الأسطر بنقوش رمزية وإشباع الصحيفة بنوع معين من الروائح العطرية يرمز به طبعاً لغرض معين ومعنى مقصود، ولكنّ هذا المذهب الكتابي يعد مستهجناً مبتذلاً عند علية القراء ومهذبيهم وذوي الفطنة والبصر بأسرار البلاغة منهم، فهؤلاء يعدون أحسن الكتب والدواوين ما ضمنت صحفها حروفاً مبعثرة مفرقة من أحرف الهجاء، وأفضل منها الكتب التي تضم أغلفتها صحفاً غفلاً خالية من كل أثر ولكنها مصبوغة بألوان مختلفة وهناك جمعيات تؤلف خاصة لشرح هذه المؤلفات وتفسيرها وحل ألغازها وفك طلاسمها، وهذه الجمعيات تتضارب آراؤها في تأويل الكتب المذكورة وتتباين مذاهبها فيحدث بينها من المشاجرات والمشاحنات ما يؤدي في معظم الأحايين إلى سفك الدم وإزهاق الأرواح الخ الخ.
стр. 2441
الطلاق وتعدد الزوجات
نظرة فلسفية عامة في هذا الموضوع
للفيلسوف دافيد هيوم
لما كان الزواج عقداً يبرم بين الذكر والأنثى عن اتفاق وتراض وكان الغرض منه المحافظة على النوع فمن البديهي أنه لا يمكن أن تكون شروطه واحدة بعينها في جميع الأحوال المختلفة ولكن متنوعة حسبما يقتضيه الاتفاق ولذلك كان من الحماقة أن يحسب الناس أن الزواج يمكن أن يكون على صورة واحدة في جميع العصور والأمم، ولولا أن الناس مقيدون بالقوانين والشرائع لم تكد تجد زيجتين متماثلتين في الدنيا، بل لكنت تبصر بين كل زيجة وأخرى من الخلاف ما تراه بين سائر أنواع العقود والمساومات.
فعلى حسب اختلاف الظروف ومزايا القوانين المتعددة تختلف شرائط الزواج التي تفرضها هذه القوانين في الأماكن والأزمان المختلفة، ففي ميناء طونكين من بلدان الصين اعتاد البحارة الافرنج الذين يرسون بهذه الميناء أن يتزوجوا من الوطنيات مدة موسم البطالة، والأمر المدهش العجيب أن هؤلاء الزوجات بالرغم من قصر عمر هذا الزواج ويأسهن من بقائه يعطين أزواجهن أوثق العهود على ملازمة العفاف والصون لخدورهن وحسن القيام بجميع ما لهم عليهن من الحقوق.
وتتابعت مرة حروب وأوبئة على جمهورية أثينا (في عهد قدماء اليونان) فأفنت جانباً عظيماً من أهلها فأباحت الجمهورية للرجال زواج الاثنتين تعجيلاً بتعويض خسائرها، واتفق في ذلك الوقت أن الشاعر التمثيلي الكبير يروبيديز وقع بين امرأتين شريرتين فسامتاه سوء العذاب بكثرة مشاجراتهما ومنازعاتهما حتى بغضتا إليه النساء فبقى إلى آخر عمره من ألدّ أعداء الجنس اللطيف.
وحدث في بعض الأزمان أن سفينة غرقت على كثب من ساحل بلد قفر غير معمور فنجا جانب من ركابها ولاذوا بذلك الساحل وتصادف أن عدد الرجال فيهم كان أضعاف عدد النساء، فوقع الخصام والنزاع بين الذكور لتزاحمهم على الإناث ففض القبطان المشكل بتقسيمه العنصر اللطيف على رجاله بالطريقة الآتية: اختار امرأة جميلة لنفسه خاصة، وأعطى امرأة واحدة لكل اثنين من النوتية المتوسطي الدرجة، وامرأة واحدة لكل خمسة من
стр. 2442
النوتية الأصاغر.
ولقدماء البريطان أسلوب في الزواج لا يوجد بين غيرهم من الأمم، وذلك أنه كان يجتمع عدد منهم - عشرة أو اثنا عشرة - فيعيشون معاً وهو أمر ضروري ضمان البقاء في تلك العصور الهمجية، ثم لتوثيق عري الألفة والاتحاد بينهم كانوا يتخذون مثل عددهم من النساء ليكنّ زوجات مشتركة بينهم جميعاً بلا تخصيص، وكل ما يولد لهم من الذرية يعدونه ولداً للجميع على السواء، ويقوم الكل معاً بتربية هذه الأولاد وتموينهم.
أما بين الحيوانات فلما كانت الطبيعة هي المشرّع الأعلى فهي التي تقوم بوضع القوانين الضابطة لشؤون زواجها وتنوع هذه القوانين تبعاً للظروف الخاصة بكل حيوان، فحيث تسهل الطبيعة أسباب الغذاء والحماية للحيوان المولود فإن زواج الأبوين ينتهي عند انقضاء النزوة الأولى، إذ يترك الفحل ولده للأنثى ويمضي لشأنه، أما في الظروف التي يصعب فيها استحضار الغذاء فإن الزواج يستمر مدة موسم كامل حتى يصبح الولد قادراً على تموين نفسه وعند ذلك ينحلّ عقد الزواج من تلقاء ذاته ويصبح كل من الطرفين حراً مستعداً للدخول في تعاقد آخر في الموسم القابل، أما الإنسان فلما كانت الطبيعة قد وهبته العقل فلذلك لم تعن العناية التامة بتحديد كل مادة في عقد زواجه ولكنها أباحت له تحديد هذه المواد حسبما تقتضيه ظروفه الخاصة فنشأ عن ذلك الصور المختلفة للزواج كتعدد الزوجات في أمم المشرق وإباحة الطلاق عند قدماء اليونان والرومان، أو تقييد رجل بامرأة طول حياته في أوروبا الحديثة وهنا يجدر بنا أن نبحث في مزايا ومضار كل واحد من النظامات المختلفة.
قد يقول أنصار تعدد الزوجات إن هذا النظام هو الدواء الوحيد لآفات العشق والوسيلة الوحيدة لتحرير الرجل من استبعاد المرأة إياه الذي هو نتيجة لزومية لعاطفة الحب، فهذا النظام وحده (أعني تعدد الزوجات) هو الكفيل لنا باسترداد حق سيادتنا على المرأة، لأنه بإشباع شهوتنا للنساء يعاد إلى نفوسنا سيطرة العقل على الهوى وبالتالي يعاد لنا نفوذنا وسلطتنا في بيوتنا، فالرجل مع النساء كالحاكم الضعيف مع رعيته فكما أن هذا لا يستطيع أن يقاوم مكايد الشعب ودسائسه إلا بتسليطه بعض الأحزاب على بعض فكذلك الرجل بإشعاله نار الغيرة بين نسائه يصبح مطلق النفوذ والسلطان عليهن، وفي المثل السائد فرّق
стр. 2443
تسد وإن ترك هذه الخطة هو الذي أوقع الأوروبي من الرق والعبودية فيما هو أمر واد هي من حالة رعايا ممالك الشرق الذين يخضعون لحاكم هو على كل حال بعيد عنهم ولكنهم في بيوتهم حكام مطلقون وملوك مستبدون.
وعلى نظام تعدد الزوجات قد يعترض بحق بأن استعباد الرجل للمرأة هذا إنما هو ضرب من الظلم والاغتصاب وأنه يفسد صلة المساواة التي يجب أن تكون بين الرجل والمرأة وإن الطبيعة قد جعلت من الرجل حبيباً للمرأة وعاشقاً وصديقاً، أفيليق به بعد ذلك أن يستبدل من هذه العلاقات الودية المحبوبة علاقات العبودية الكريهة ولقب الجبار المستبد والغشوم الطاغية.
وماذا نستفيده من هذا النظام، هل نستفيد من وجهة كوننا عشاقاً أو من وجهة كوننا أزواجاً، كلا لا فائدة البتة، لأن هذا النظام الاستبدادي يفسد في نفوسنا صفات العاشق وصفات الزوج معاً، ألا ترى أنا بهذا النظام نفقد ألذ أدوار الحياة أعني دور المغازلة والتودد الذي يقع بين الخطيبين قبل الزواج الاختياري القائم على رغبة الطرفين ورضاهما، فإن هذا الدور اللذيذ لا يتفق مع النظام الاستبدادي الذي تباع فيه المرأة للرجل بيع السلع في الأسواق، وإن الزوج الذي يهتدي إلى إتلاف جميع عناصر الحب إلا عنصر الغيرة لملئ بالخيبة والخسران، فإن الغيرة بين سائر أركان الحب الممتعة الشهية هي كالشوكة بين أوراق الوردة الناضرة، والويل للأحمق المأفون الذي ينتزع أوراق الوردة فينبذها ويحتفظ بالشوكة.
وهكذا نرى أن هذا النظام الاستبدادي (القاضي بتعدد الزوجات) الذي يتلف كل عناصر الحب إلا الغيرة إنما هو عامل فعال في حل روابط الحب والصداقة فإن الغيرة تقطع أسباب الألفة والوداد بين الأفراد وتفصم عرى الثقة والعقيدة، فترى الرجل لا يجرأ أن يدعو إلى داره صاحباً أو صديقاً مخافة أن يكون قد جلب إلى زوجاته عاشقاً مغراراً، ولذلك ترى البيوت والأسر في بلاد المشرق منعزلة منفصلة كأنها الممالك المستقلة، فلا عجب والحالة هذه أن تلقي سليمان (الملك والنبي) يذم الدنيا ويعدد آفاتها ومصائبها مع ما أوتي من أبهة الملك ورغد العيش وسط زوجاته السبعمائة وسراريه الثلاثمائة لأنه كان مع كل هذه المتاعب لا يجد صديقاً واحداً يشاركه في أفراحه وأتراحه، ولو كان جرب لذة الحياة
стр. 2444
الغربية التي تنعم بها أوروبا الحديثة وهي زوجة أو رفيقة واحدة وبضع أصدقاء وعدد وافر من الجلاس والسمراء لوجد الحياة أخف محملاً وأحلى مذاقاً، عجباً للإنسان يمحو من حياته عنصري الحب والصداقة ماذا بقي في الحياة - لا درّ درّه - بعد ذلك؟
ومن نتائج هذا النظام الزواجي الشرقي أيضاً سوء تربية الأولاد لاسيما أولاد السراة والأعيان، وماذا تنتظر من ذرية تنشأ بين أمهات رقيقات وآباء جبابرة إلا أن يشبوا على طبائع الذل والجبروت فيصبحوا عبيداً أذلاء وطغاة جبابرة، فتراهم في مخالطتهم رؤساءهم ومرؤوسيهم لا يكادون يذكرون أن الله قد خلق الناس أمثالاً متساويين بالفطرة وماذا تنتظر من والد له خمسون ولداً أن يكون مبلغ اهتمامه وعنايته بغرس مبادئ الآداب والعلوم في ذرية لا يكاد هو نفسه يلم بأطرافها أو يعرف أفرادها لهذه الأسباب كلها يظهر لنا أن الانحطاط والبربرية نتيجة لزومية لنظام تعدد الزوجات.
ومما يزيد النظام المذكور شناعة آفة الحجاب وتضييقه الخناق على الجنس اللطيف في كافة أنحاء المشرق، ففي هذه الأقطار يمنع الرجال البتة من كل اتصال بالإناث حتى الأطباء والجراحين فلا يسمح لهؤلاء أن يعودوا النساء في أمراضهن إذ يكون المرض قد أخمد فيهن كل شهوة بريئة أو أثيمة وصيرهن من الوهن والذبول بحيث لا يطمع فيهن طامع، وقد حدثنا الطبيب تورنيفورت أنه لما استدعي إلى سراي الحرم السلطاني بالاستانة أدخلوه صالوناً فسيحاً فنظر فإذا أذرع ممدودة خارجة من ثقوب في جانبي الصالون يمنة ويسرة فتناهى عجبه من ذلك المنظر المدهش وسأل عن سر ذلك فأعلموه يفحص شيئاً منها خلاف تلك الأذرع، وإنه محظور عليه أن يسأل المرضى أو غيرهن من الخدم والوصفاء أدنى سؤال خشية أن يؤدي ذلك إلى التساؤل عما لا يصح إعلانه من حديث القصر، ومن ثم كان ما يدعيه أطباء الشرق من استطاعة معرفة كافة الأمراض بواسطة النبض فقط شبيهاً بدعوى الدجالين عندنا (انكلترا) معرفة المرض بمجرد النظر في البول، وظني أنه لو كان الطبيب تورنيفورت من أولئك الدجالين لما سمح له أهل البلاط الملوكي في الاستانة بهذه المادة (البول) يستعين بها على ممارسة فنه وصناعته وذلك لفرط غيرة الأتراك على المرأة.
أما وقد دحضنا نظام تعدد الزوجات وقضينا عليه لنظام توحيد الزوجة فلنبحث الآن في
стр. 2445
موضوع الطلاق هل يصح أن يكون اختيارياً كعهده أيام اليونان والرومان، وهنا نورد الحجج التي يقدمها أنصار مذهب الطلاق والأسباب المبنية عليها هذه الحجج.
يقول أنصار هذا المذهب أن الزواج كالقرص من عسل النحل فيه الشهد والشمع - فالشهد هو ما يسبق العرس من زمن المغازلة والزلفى إلى المعشوقة والتودد وما يحتويه ذلك الزمن من حوادث القرب والبعد والوصل والهجران والخصام والتصافي - وبعد هذا الدور اللذيذ ينتهي العسل ولا يجد الزوجان أمامهما سوى الشمع، ثم يحدث بينهما الفتور والجمود والملل والضجر والمشاحنات والأذى، وهذه الجراح لا يزيدها الزمن إلا اتساعاً، أليس الأصوب والأليق بنا والحالة هذه أن نفرق قلوباً لم تخنق على مثال واحد ولم يرد الله أن تتآلف وتمتزج، ولكنها قد تجد أشكالها وأشباهها في أناس آخرين إذا هي انفصلت وتزايلت، وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته.
هذا وحرية الطلاق ليست فقط دواء التشاحن والكراهة العائلية، بل هي أيضاً وقاية من هذا الضرر، وهي السر الوحيد في استبقاء تلك المودة التي ألفت بين الزوجين في أول الأمر، وبيان ذلك أن الرجل يفرح بنعمة الحرية ويغتبط ومجرد فكرة المضايقة والتقييد تؤلمه أشد الألم، فإذا قيد قلب الرجل بعشرة المرأة التي لم يضمها لنفسه إلا عن محض إرادة واختيار فإن العاطفة تتغير في الحال وتنقلب عن الميل والرغبة إلى النفور والزهد، فإذا كانت القوانين تحرمنا بنظام توحيد الزوجة لذة التنويع والتنقل التي هي من أكبر لذائذ الحب أفلا أقل من أنها تبقى لنا مزية الحرية التي هي من أوجب ضروريات الحب، ولا يقولن أحد لصاحب مبدأ الطلاق ارض بزوجتك فإنك أنت الذي اخترتها بمحض هواك وغرضك فعلى مثل هذا المعترض نرد بالكلمة الآتية نعم لقد اخترنا سجننا بأنفسنا ولكن لا عزاء لنا في هذا إذ كان لا مفر من بقائه لنا سجناً مؤبداً.
ويقدم المعارضون لمبدأ حرية الطلاق نفياً للحجج الآنفة ردين قاطعين وهما:
(أولاً) ماذا يكون مصير الأولاد بعد افتراق الزوجين، لا مناص من ترك معظمهم لامرأة أب يلقون على يديها كراهة عدوة لهم أو إهمال أجنبية غريبة باردة القلب من ناحيتهم، أفليس في الطلاق الإجباري (الموت) كاف لا يقاع تعساء الأطفال في هذه البلية حتى تضاعف عدد هؤلاء التعساء بمضاعفة حوادث الطلاق ووضع سلطته الرهيبة في أيدي
стр. 2446
الأزواج ينفذونها لأقل باعث من هوي أو شهوة مما يسوق الذرية إلى موارد العذاب والأسى.
(ثانياً) لا مشاحة في أن الإنسان يثور بفطرته ضد الأسر والتقييد ويفرح بالحرية ولكنه من وجهة أخرى يخضع للضرورة ويوطن النفس على السيء الذي لا مناص منه ولا موئل، وهذان المبدآن - مبدأ كراهة التقييد والرضا بالواقع الذي لا محيص عنه - إن قلت أنهما متناقضان فهذا حق، ولكن أليس الإنسان إلا خليطاً من المتناقضات ومزيجاً من الأضداد، هذا وإن الضدين من أخلاق المرء لا تراهما في العادة يتحاربان ويمحو أحدهما الآخر، ولكن ترى أحدهما يتغلب على الثاني تبعاً للظروف الخاصة الملائمة له المؤيدة لسطانه، فطبيعة النفور من التقييد وكراهة التضييق تقوي وتستفحل في دور العشق الذي يسبق الزواج لأن العشق بطبيعته عاطفة قلقة نزقة وثابة مملوءة بالأهواء المتضاربة والنزعات المتباينة فهي تنشأ فجأة من تأثير لحظ أو ابتسامة أو ملاحة أنف أو وجنة أو حركة أو جلسة أو خطرة أو من لا شيء ثم تنطفئ وتزول على هذا النحو، فمثل هذه العاطفة تتطلب الحرية قبل كل شيء، أما مبدأ الصداقة والعشرة فهو خلق ساكن هادئ يدبره العقل وتؤيده العادة، وينشأ عن طول الصحبة وتبادل الأفضال والمنن - وهو خال من أسباب الغيرة والظنون والمخاوف، مجرد من طوارئ الغضب والرضا وحوادث الهجر والوصل ونوبات الحميات الباردة والحارة التي يتألف من مجموعها هذا العذاب العذب والألم اللذيذ الخاص بعاطفة العشق، فمثل هذا الخلق الهادئ (أعني الصداقة بين الزوجين) التقييد أكفل باستمراره والتضييق أضمن لقوته وبقائه، فهو لا يبلغ أقصى غايته إلا إذا ارتبط الزوجان بروابط المصلحة والضرورة حتى يتفقا في المقصد ويتحدا في الغرض والغاية، فلا خوف إذن من إبرام عقدة الزواج الأبدي فإنه أوكد لمودة الزوجين إذا كانت متينة من الأصل وأحرى أن يكسبها قوة ومتانة إذا لم تكن كذلك، وكم مشاجرات تافهة وأكدار بسيطة يتغاضى عنها الزوجان اللذان يعلمان أنهما مربوطان بقيد الزواج الدائم، وهي إذا وقعت بين اثنين غير مقيدين هذا القيد كانت مليئة أن تهيج الشر بينهما إلى أقصى درجات المقت والعداوة.
стр. 2447
أكاذيب الحب
مقال فكاهي طريف ترجمه من الانكليزية محمد السباعي
ما زال الحب مصدراً للخيال فهو لا يزال يولد حتى في أجهل الطبقات وأغلظها آلافاً من الهموم الوهمية والأمراض الشعرية (أعني الخيالية) فهو يطلق لسان الحوذي والبواب بما يماثل رقيق الغزل وحلو النسيب ويترك الجندي الغليظ سهل الجانب سلس المقادة، فترى أحط السوقة وأخشن العمال إذا أصابه الحب يدمي حشاه ويذوب صبابة وعليه من آيات الظرف والأدب ما هو من مستلزمات هذه العاطفة.
وهذا الذوبان النفساني الداخلي قد أحدث في اللغة لفظاً أصبح شائعاً في هذه الفئة الذائبة وأعني بهذا اللفظ ميت صبابة.
والروايات والقصص التي قوامها ومنشؤها هذه العاطفة مملوءة بهذه الميتات المجازية فترى الأبطال فيها والفرسان والغانيات والقيان كلهم في حالة النزع والاحتضار ومن ثم صار الشعراء يشبهن الجنس اللطيف بنوع الأفعى التي تسلط لحظها على الطائر حتى تقتله بسحر عينها، ولكن أبدع من هذا وأدق تشبيه الشاعر (كولي) المرأة الجميلة بالقنفذ الذي يرسل السهام (كناية عن أشواكه) من جميع أجزاء جسده.
ولقد بحثت في هذا الأمر فرأيت أن أحسن علاج لهذا المرض العام هو أن يتأمل العاشق حقيقة معشوقته التي هي مصدر الداء، فإذا رأى أنها قد تيمته بجمال صحيح وفضل صريح فليسترسل في حبه وإعجابه، أما إذا وجد أن سبب مصابه ومحنته هو سفاسف وسخافات من تصنعات امرأة متبرجة خداعة فلا عذر له في التمادي واللجاجة.
بهذه الفكرة استعرضت عدداً وافراً من رسائل الحب التي جاءتني من هؤلاء الأموات فكونت منها كشف إحصائية الوفيات الآتي الذي سأقدمه الآن للقارئ بلا مقدمة ولا تعليق خدمة له إذ قد بينت فيه مواضع الخطر ومظان الداء وأوضحت أفظع الأساليب والحيل التي تتخذها الحسان لسفك دماء الأبرياء والطائشين
المستر أ. قتل في السينا ماتوغراف في ٣ سبتمبر.
المستر ب. أصيب بطلق من بعض النوافذ فخر قتيلاً.
المستر ج - أصيب في دار الأوبرا بلحظ من عين زرقاء وكان المقصود رجلاً آخر فمات
стр. 2448
بالقضاء والقدر.
المستر د. قضى نحبه في مرقص.
المستر هـ -. مات بخبطة مروحة على كتفه الأيسر من كف الآنسة كوكيتيلا دلوعة بينما كان يحادثها وهو في حالة اطمئنان وعدم استعداد.
المستر و. أصيب بجراح بليغة في جنبه الأيسر بفردة شراب المسز اما الأحمر أثناء نزولها من مركبتها.
المستر ز. قتل في دار التمثيل بتكشيرة.
المستر ح. أصيب بجراح قتالة من الآنسة (نل) بينما كانت تزرر فستانها.
المستر ط. وافاه الأجل في الحمامات في ٣١ إبريل.
المستر ي. لقي حتفه من يد مجهولة كانت تلعب بالقفاز (الألدوان) على الجانب الأيسر من البنوار الأمامي بدار التمثيل.
المستر ك. أصيب برضوض شديدة لاحتكاكه بفروة كم فستان فزدقي.
المستر ل. أصيب بطلق نفذ إليه من خروق مروحة في كنيسة سانت جيمس.
المستر م. انضرب في قلبه بعقد لؤلؤ.
المستر ن. والمستر س. والمسترع. والمسترف، بينما كانوا واقفين صفاً إذا سقطوا جميعاً في لحظة واحدة بغمزة من عين الأرملة (ترابلند) (صائدة).
المستر ق. داس غير متعمد على ذيل سيدة أثناء الانصراف من التياترو فاندارت عليه فجأة فخر ميتاً في الحال.
المستر ر. قتل في مجزرة حفلة العرس الأخيرة.
المستر ش. قصف غصن شبابه الغض في الحادية والعشرين من عمره بتأثير البودرة.
المستر ث. قتل بسهم خرج من غمازة في خد ماري الأيسر.
المستر خ. بينما كان يقدم إلى المسز فلافيا قفازها - وكانت ألقته على الأرض عمداً - أخذته منه وأخذت روحه بانحناءة (علامة الشكر).
المستر ذ. أصيب بجرح خفيف من عين سوداء وبينما كان يحاول الفرار أصيب بابتسامة أجهزت عليه.
стр. 2449
المستر ض. أصيب وهو طائر بسهم من فتاة في الخامسة عشرة إذ أطلت عليه برأسها من المركبة عن غير قصد.
المستر ظ. أغرق في بركة من الدموع بواسطة المسز (مول).
стр. 2450
قاعة الموت
وآلام الظمأ
الظمأ إحساس عام يتناول أجهزة البدن كلها، وإن كنا لا نفتأ نعده إحساساً في جزء واحد من الجثمان فقط، أي إحساساً نشأ من جفاف الفم والحلق والحنجرة، ولكن هذا الجفاف الذي نحسه جميعاً ونعرفه ليس إلا أثراً من نقصان السائل في الجسم، على أن الظمأ قد يحدث دون أن ينقص البدن شيء مما يستلزمه من هذا السائل، وإنما هو اضطراب جزئي يحدث إحساساً جزئياً فإن جميع ألوان الشراب والقهوة والتوابل تحدث رغبة شديدة في الماء، وتثير ظمأ حاراً ملهباً، وإن كانت الخمر والقهوة تزيدان السائل الذي في البدن دون أن تنقصه، وكثيراً ما كان السائل على كثرة مقاديره لا يستطيع أن يطفئ جذوة الظمأ في أحوال كثيرة، ولاسيما الظمأ المتطاول الشديد.
فقد وصف الرحالة أندرسون في عرض تواليفه عن رحلاته في صميم إفريقيا ومجاهلها الآلام التي كان يعانيها أتباعه وحيواناتهم فقال بعد كلام طويل حتى إذا امتهد للقوم السبيل إلى الماء وشربوا حتى استجموا فكأنما فقد الماء مزيته الأصلية لديهم، لأن جميع الوسائل التي اتخذناها لتخفيف شرة الظمأ لم تجد فتيلاً وذلك الظمأ الطويل والصبر مدة كبيرة على آلامه أحدثا ضرباً من الحمى لم تذهب آثارها بمجرد استجمام البدن من حاجته إلى السائل، ومن هذا تعلم أنه وإن كان السبب الأولي للظمأ هو نقصان السائل في البدن لا يزال له ثمة سبب خفي وذلك ألم جزئي موضعي استثار الظمأ.
على أن هذا الإحساس الموضعي لا يزال متوقفاً على أجهزة البدن فلو أنك أنفذت الماء إلى الأمعاء أو العروق انطفأت حدة الظمأ وإن لم يمس الفم أو الحلق، والجو الرطب البارد يمنع الظمأ والاستحمام يطفئ من جذوته ولهبه لأن الجلد يمتص الماء.
وكما أن الجوع ينشأ من نقصان مقدار الطعام اللازم للأجهزة ينشأ الظمأ من نقصان مقادير الماء، لأن الماء الذي نشربه إنما يذهب كل لحظة في التنفس، لأننا كلما تنفسنا أضرمنا مقداراً من الماء في شكل بخار، ويتجلى ذلك في الشتاء عندما يتجمد البخار المتصاعد مع أنفاسنا، ولكن العرق أيضاً سبب لنقصان الماء في البدن، والماء هو العنصر الأكبر في البدن، لأنه يحتوي سبعين في المائة من وزن الجسم كله، وليس في جميع الأجهزة، ولا في
стр. 2451
العظام ولا في الأسنان، كذلك عضو واحد يخلو تركيبه من الماء ففي الأنسجة العصبية يتألف الماء من ٨٠ جزء من ألف، وفي الرئة ٨٣٠ من الألف.
وكثيرون من الناس استطاعوا احتمال الحرمان المطلق من الطعام بضعة أسابيع، ولكن الحرمان من الشراب ثلاثة أيام - إلا إذا كان ذلك في جو رطب - قد يكون الحد الأقصى لاحتمال الإنسانية، لأن الظمأ أشنع عذابات الدنيا، وأفظع الوسائل التي اتخذها الحكام المستبدون، في الشرق والغرب لتعذيب أعدائهم والناقمين عليهم، بل إن الظمأ هو السبيل التي يستعين بها الناس على تدجين حيواناتهم وتأليفها وكسر شرتها، فقد كان من عادة أحد العلماء - وكان لديه جواد شكس شامس رذل - أن يستخدم الظمأ لكبح جماحه وكسر حدته، فإن هدأ الجواد قليلاً منحه من الماء قليلاً، حتى لم يلبث الحيوان أن راح ذلولاً سهلاً مطمئناً للركوب، مطواعاً للأعنة.
ولعل أغرب أحداث الظمأ التي ذكرها التاريخ تلك القصة التاريخية المأثورة التي وسمنا هذا الفصل بعنوانها، أعني قاعة الموت وهي الحجرة السوداء في كلكتا عاصمة الهند وهي التي حبس فيها مائة وستة وأربعون نفساً ونحن ننشرها هنا كحادثة تاريخية ممتعة ونظرية علمية تدل على آلام الظمأ في أشنع صوره.
وتفصيل الحادث أن حاكم قلعة وليام بكلكتا أيام الفتح الانكليزي لمستعمرة الهند، حبس تاجراً من الهنود لذنب ارتكبه، وجريمة أحدثها، فلم يكن من سراج الدولة طاغية ولاية بنغال إلا أن تذرع بهذا الحادث واتخذه شفيعاً مبرراً لغارته على تلك القلعة في جيش جرار، وحاصرها وافتتحها ثم حبس البقية الباقية من الحامية في حجرة من حجراتها تسمى القاعة السوداء وقد وضع قائد الحامية - وكان أسيراً محتبساً في تلك القاعة الشنيعة مع القوم - وصفاً بليغاً يستدر الشؤون ويرعب الأبدان، ونشر هذا الوصف عام ١٧٥٨، ونحن نقطتف منه النبذة الآتية:
صور لنفسك حال مائة وستة وأربعين مسكيناً قد هد التعب قواهم هداً وتراخت نفوسهم بعد متعبة الحرب والقتال، يركمون بعضهم فوق بعض في حجرة مساحتها ثمانية عشر قدماً، في ليلة حارة قائظة من ليالي الهند الدافئة، يقوم على جوانبها حيطان شاهقة، وأسوار منيعة ولا فتحات فيها إلا في الناحية الغربية منها، حيث لا يوجد إلا نافذتان مسورتان بقضبان
стр. 2452
الحديد، لا يكاد ينفذ منهما شيء من الهواء - فما لبثنا بضع دقائق حتى راح كل منا يحس عرقاً متصبباً مستفيضاً يجري من بدنه، لا يستطيع القارئ له تصويراً، وهذا أحدث ظمأ ملهباً مضى يزداد في سعرته كلما تحدر العرق وتصبب، وجعلنا نفكر في عدة وسائل لتفسيح المكان واستجلاب الهواء، فلكي نصيب الطلب الأول، اهتدينا إلى فكرة صائبة، وهي التخفف من الأثواب، وخلع الأردية، فأجمع القوم على استحسانها واستصوابها، ولم تكن إلا لحظة حتى خلع الجميع أثوابهم كلها، إلا أنا ومستر كورت واثنان بجانبي، فتهللت وجوه الجمع إذ ذاك فرحاً إذ حسبوا أنهم قد أصابوا مأمناً ومضوا يلوحون بالقبعات في الفضاء ليحدثوا جرياناً في الهواء، وهنا اقترح أحدهم بالجلوس القرفصاء، ففعل القوم ذلك، ولكن الضعفاء المهزولين، الذين أضواهم التعب، لم يستطيعوا النهوض، عندما أمروا به لأنهم فقدوا قوة سوقهم، ولما جلس الجمع جنباً إلى جنب وتساندوا وطلب إليهم بعد ذلك النهوض، جاهدوا جهاداً شديداً في سبيل القيام على أقدامهم، ولم تكد تحين الساعة التاسعة من المساء، حتى كان الظمأ قد بلغ الغاية القصوى، ولم يستطع الإنسان له احتمالاً فحاولوا كسر الباب فلم تجد محاولاتهم نفعاً، فعمدوا إلى قذف الإهانات الشنعاء والمثلبات النكراء وعور الكلم للحراس حتى يستنفروهم إلى فتح الباب وإغضابهم حتى يرمونا بالرصاص فلم يفلحوا، أما عن نفسي فلم أكن حينئذٍ قد شعرت بشيء من الألم الشديد، اللهم إلا على القوم وسوء مصيرهم، فقد جعلت صدري وفمي بين قضيبين من قضبان النافذة، لأجعل للهواء سبيلاً إلى رئتي، وإن كان الظمأ قد بدأ يثور في نفسي، والعرق يجري شديداً صبيباً من أجزاء جثماني، وإذ ذاك شعرت برائحة كريهة صدرت من الجمع المتألم المسكين، حتى لم أطق أن أحول وجهي عن النافذة فراراً من شمها.
الآن بدأ كل إنسان - إلا أولئك الذين جاءت أمكنتهم على مقربة من النافذتين - يلهث ويصرخ، ومنهم قوم غشيتهم الغاشية وأصبحت الصرخة العامة، الماء! الماء! وهنا أخذت الرحمة بفؤاد رجل من الحراس فأمر للقوم بقرب من الماء، وكان هذا ما أخشاه لأنني توقعت إذ ذاك أن تكون تلك المقادير من الماء الضربة القاضية التي تذهب بما بقى من أمل فحاولت مراراً أن أتوسل إليه فيما بيننا أن يمنعها عن الجماعة ويمسك عن تقديمها إلى القوم ولكن حال صياح الجمع وتهافتهم على الماء دون ذلك، فلما تقدم إليهم الماء ولاح
стр. 2453
لأعينهم اللهفى الظامئة، فهيهات للقلم أن يستطيع أن يرسم الصورة المخيفة التي بدت من القوم إذ رأوا مطلع الماء عليهم، وتجلت لأعينهم هذه الضالة المنشودة، وقد كنت أعلل النفس من قبل بأن بعض هذا الجمع، من أولئك الذين ظلوا حافظين لقواهم العقلية قد يعيشون حتى نهاية تلك الليلة ويشهدهم الصبح أحياء ولكني إذ رأيت ذلك الهول، توجست خيفة وأشفقت أن لا يبقى منا أحد يقص على الإنسانية قصتنا وينقل إلى العالم أمر هذه الجريمة العظيمة، وقبل أن يظهر الماء لم أكن أحس ظمأ شديداً إليه، ولكنني لم ألبث إذ لمحته أن علا ظمئي واشتد واضطرم ولم نجد وسائل لحمل الماء من القرب إلى تلك القاعة إلا باغترافها في القبعات، ونقلها في أجواف القلانس، بعد مدها من خلال قضبان النوافذ ولكن الماء لم يحدث إلا تخفيفاً عارضاً ولم يطفئ جذوة الألم إلا لحظة قليلة، وبقى العذاب على حاله، والعناء برمته، ولئن كنا نحمل الماء في القبعات من خلال القضبان، ونجلب في القرب مقداراً طيباً، ونملأ القلانس حتى حفافها، فإن ما كان بين القوم من التنازع والاحتيال على الظفر بالجرعات منه والحسوات الصغيرة من القبعات لم يترك في كل قبعة إلا قدر ما يملأ الفم، أو قدح الشاي، على أن هذه الغوثة كانت أشبه شيء بتقطير قطرات من الماء على النار المشبوبة، تزيد النار اشتعالاً واللهيب التهاباً، أواه، أيها الناس، كيف عمركم أستطيع أن أصف العذاب الذي أحسسته والألم العظيم الذي ثار في فؤادي للصيحات والوثبات والاعوالات والأنات التي زفرت وتصاعدت من أقصى القاعة، وأبعد أركان هذا المحبس، من أولئك الذين لم يستطيعوا مد أيديهم إلى الماء أو الاقتراب من القبعات، واستيأسوا من الظفر بقطرة تبل حلوقهم، واستعصت عليهم الحيل لنوال حسوة واحدة تخفف شدة ظمئهم، وهم يصرخون عليّ متوسلين، مستحلفين بجميع الأقسام المقدسة، مستصرخين بكل حرمات الود والحب والرثاء، وإذ ذاك أصبح الاضطراب عاماً مخيفاً مرعباً، وقد اشتد التدافع والتزاحم حتى أصبح غير محتمل، واندفع كثيرون من الذين كانوا وقوفاً في الناحية القصوى من الحجرة يطلبون وصولاً إلى النافذة فألقوا إلى الأرض كثيرين من أولئك الذين تهدمت قواهم، وتحطمت أعصابهم، فوطؤوهم بأقدامهم، وخنقوهم خنقاً، ولبثت من الساعة التاسعة إلى الحادية عشرة أنظر إلى هذا المشهد الفاجع ولا أستطيع شيئاً، وأنا أمد الجمع بالماء في القبعات وقد كادت ساقاي تتحطمان من أثر الضغط
стр. 2454
الشديد عليهما، ولكن لم ألبث أن وجدت الجمع قد تدافع حتى كدت أختنق، ووقفت لا أستطيع حراكاً من مكاني، فلما أضواني التعب، وكدت أروح صعقاً، أجمعت أمري على أن أترك النافذة، وأخلي نفسي من أمر إمداد الجمع بالماء، فصرخت في القوم وتوسلت إليهم أن ينقذوني من هذا الضغط الخانق، ويدعوا لي السبيل إلى ترك مكاني إذا كانوا يشعرون بشيء من الاحترام لي، ويسمحوا لي بأن أفارق النافذة وأموت في مكان بعيد من الحجرة، فخلوا السبيل، وأزاحوا الطريق فاخترقت الجمع بكل صعوبة حتى بلغت بهوة السجن، حيث كان الزحام أقل منه في أركان الحجرة، من جراء الجثث التي سقطت موتى وهلكى تحت الأقدام، فركعت فوق جثة من تلكم الجثث وأسندت رأسي إلى جثة أخرى وأسلمت نفسي في ذمة الله العلي العظيم وشعرت بشيء من الراحة، إذ ارتقبت أن تكون آلامي وعذاب نفسي قد كادت تنتهي، أو لعلها على مختتم، وإنني عما قليل أستريح من إحساس الحياة، وإذ ذاك بلغ ظمئي أشده، وصعب تنفسي واختنق ولم ألبث كذلك عشر دقائق حتى أحسست ألماً في صدري وخفقاناً شديداً في قلبي، لا أستطيع تصويره، فنهضت من مكاني مكرها ولكن زاد الألم في صدري، وعظم الخفقان، واشتد الاختناق، على أن حواسي لم تتبدد، ولبي لم يذهب، وأحزنني أن لا أرى الموت مني على قاب قوسين، وآلمني أن أجدني لا أزال بحواسي، ولم أستطع احتمال الآلام أكثر مما احتملت، وللحال أجمعت على أن أخترق الطريق إلى النافذة المقابلة وبقوة أحسست أنها ضعف ما كنت أشعر به من شدة الأسر بلغت الصف الثالث دون النافذة، فتشبثت بقضبان الحديد، وبذلك كنت في الصف الثاني، ولم تكن إلا بضع لحظات حتى زال عني ألم الصدر، والخفقان في القلب، وصعوبة التنفس، ولكن الظمأ ما فتئ يتزايد ويعظم ويلتهب فرحت أصرخ بأعلى صوتي: الرحمة أيها الناس، الرحمة، شربة ماء، شربة ماء فحسبني الجميع هالكاً على محضر الموت، ومشرف المنون ولكن القوم إذ رأوني لا أزال واقفاً في غمارهم، أحسوا بأن الاحترام لا يزال واجباً لي، والعطف أخلق بمثلي، فصاحوا، أعطوه ماء، أعطوه ماء!. ولم يجرأ أحد منهم على لمس القبعة التي امتدت إليها الأيدي حتى اجترعت جميع ما فيها ولكن الماء لم يحدث ترويحاً، ولم يخفف ألماً، ولم يكسر حدة الظمأ، بل زاد ظمئي به وتفاقم واضطرم، فأجمعت على أن لا أشرب ثانية وإنما وطنت النفس على الصبر، وأسلمتها إلى الألم
стр. 2455
والاحتمال، على أنني جعلت فمي رطباً إذ رحت أرشف من الحين إلى الحين وأمتص بين كل لحظة وأختها العرق المتحدر من أكمامي وقميصي وألتقط القطرات المتصببة، وهي تسقط كقطرات المطر الوابل من وجهي ورأسي، ولا أصف لك اليأس والحزن والآلام التي كانت تثور بفؤادي إذا فرت قطرة منها أو أفلتت من فمي المتفتح لها، المفغور لتلقيها وقد لاحظني أحد رفاقي وأنا أعالج هذه الوسيلة فالتقط الفكرة، واسترق الوسيلة ومضى يمتص ما يتحدر من أكمامي ووجهي وأطراف بدني، وبذلك نهبني جزءاً عظيماً من كنزي، وسرقني نصيباً طيباً من هذا المختزن العزيز لدي إذ ذاك فلما أحسست ذلك منه، وأدركته عليه، جعلت كلما امتلأ كم من ثوبي أسرع فأمتصه قبله وأزاحمه على رشفه، وكثيراً ما التقت أنفي بأنفه، واصطدم فمي بفمه ونحن متنازعان على الثوب متقاتلان، وهذا الرجل كان من بين الذين نجوا من غائلة الموت بعد ذلك وهو اليوم يؤكد لي ويقنعني بأنه لا يزال مديناً بالحياة لي، بفضل القطرات العديدة التي امتصها من أكمامي، والحق أقول لكم لم يكن في العالم نمير عذب، ولا فرات كان أسوغ وأعذب وألذ من تلكم القطرات التي جعلت أحسوها من العرق المتصبب من ثوبي وبدني!!.
ولم تكد تنتصف الحادية عشرة حتى كان عدد عظيم من الجمع في حمى مرعبة، وغشية صارعة محزنة هاذية، وآخرون منهم علا ضجيجهم، واستحكم هذيانهم، وارتفعت الحمى لديهم، ولم يبق من القوم أحد ظل على شيء من الهدوء والسكينة إلا الذين نجوا بأماكن على مقربة من النافذتين، وقد وجد الجميع الآن أن الماء لا يسكن سورة الظمأ ولا يطفئ جذوته، بل يزيدها اشتعالاً، ويضرم نارها إضراماً، وأصبحت الصرخة العامة من جميع الأفواه، الهواء، الهواء! وراح الجمع يبتكر ألعن الشتائم، وأنكر السباب، وأقبح الكلم العوراء، لكي يخرج الحراس عن طورهم، ويثور حقنهم، فيرمونا بنيران بنادقهم، ويطلقوا علينا قذائفهم، حتى نستريح من العذاب، وننجو من الألم، ولو فعلوا لهرع كل إنسان من القوم يستقبل الرصاص بصدره، ويزاحم إخوته على الاستباق إلى ورود حياض الموت، ولكن هذه الحيلة لم تنجح فتراخى الذين اضمحلت قواهم، وخفت للموت أرواحهم، واضطجعوا على أديم الحجرة فوق صدور إخوانهم الهلكى، ورفقائهم الموتى الذين فارقوا هذه الآلام واستراحوا بالموت من العذاب الشديد في ظل الحياة، وآخرون لا يزال لديهم
следующие страницы →