← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

العظام ولا في الأسنان، كذلك عضو واحد يخلو تركيبه من الماء ففي الأنسجة العصبية يتألف الماء من ٨٠ جزء من ألف، وفي الرئة ٨٣٠ من الألف. وكثيرون من الناس استطاعوا احتمال الحرمان المطلق من الطعام بضعة أسابيع، ولكن الحرمان من الشراب ثلاثة أيام - إلا إذا كان ذلك في جو رطب - قد يكون الحد الأقصى لاحتمال الإنسانية، لأن الظمأ أشنع عذابات الدنيا، وأفظع الوسائل التي اتخذها الحكام المستبدون، في الشرق والغرب لتعذيب أعدائهم والناقمين عليهم، بل إن الظمأ هو السبيل التي يستعين بها الناس على تدجين حيواناتهم وتأليفها وكسر شرتها، فقد كان من عادة أحد العلماء - وكان لديه جواد شكس شامس رذل - أن يستخدم الظمأ لكبح جماحه وكسر حدته، فإن هدأ الجواد قليلاً منحه من الماء قليلاً، حتى لم يلبث الحيوان أن راح ذلولاً سهلاً مطمئناً للركوب، مطواعاً للأعنة. ولعل أغرب أحداث الظمأ التي ذكرها التاريخ تلك القصة التاريخية المأثورة التي وسمنا هذا الفصل بعنوانها، أعني قاعة الموت وهي الحجرة السوداء في كلكتا عاصمة الهند وهي التي حبس فيها مائة وستة وأربعون نفساً ونحن ننشرها هنا كحادثة تاريخية ممتعة ونظرية علمية تدل على آلام الظمأ في أشنع صوره. وتفصيل الحادث أن حاكم قلعة وليام بكلكتا أيام الفتح الانكليزي لمستعمرة الهند، حبس تاجراً من الهنود لذنب ارتكبه، وجريمة أحدثها، فلم يكن من سراج الدولة طاغية ولاية بنغال إلا أن تذرع بهذا الحادث واتخذه شفيعاً مبرراً لغارته على تلك القلعة في جيش جرار، وحاصرها وافتتحها ثم حبس البقية الباقية من الحامية في حجرة من حجراتها تسمى القاعة السوداء وقد وضع قائد الحامية - وكان أسيراً محتبساً في تلك القاعة الشنيعة مع القوم - وصفاً بليغاً يستدر الشؤون ويرعب الأبدان، ونشر هذا الوصف عام ١٧٥٨، ونحن نقطتف منه النبذة الآتية: صور لنفسك حال مائة وستة وأربعين مسكيناً قد هد التعب قواهم هداً وتراخت نفوسهم بعد متعبة الحرب والقتال، يركمون بعضهم فوق بعض في حجرة مساحتها ثمانية عشر قدماً، في ليلة حارة قائظة من ليالي الهند الدافئة، يقوم على جوانبها حيطان شاهقة، وأسوار منيعة ولا فتحات فيها إلا في الناحية الغربية منها، حيث لا يوجد إلا نافذتان مسورتان بقضبان

стр. 2452

الحديد، لا يكاد ينفذ منهما شيء من الهواء - فما لبثنا بضع دقائق حتى راح كل منا يحس عرقاً متصبباً مستفيضاً يجري من بدنه، لا يستطيع القارئ له تصويراً، وهذا أحدث ظمأ ملهباً مضى يزداد في سعرته كلما تحدر العرق وتصبب، وجعلنا نفكر في عدة وسائل لتفسيح المكان واستجلاب الهواء، فلكي نصيب الطلب الأول، اهتدينا إلى فكرة صائبة، وهي التخفف من الأثواب، وخلع الأردية، فأجمع القوم على استحسانها واستصوابها، ولم تكن إلا لحظة حتى خلع الجميع أثوابهم كلها، إلا أنا ومستر كورت واثنان بجانبي، فتهللت وجوه الجمع إذ ذاك فرحاً إذ حسبوا أنهم قد أصابوا مأمناً ومضوا يلوحون بالقبعات في الفضاء ليحدثوا جرياناً في الهواء، وهنا اقترح أحدهم بالجلوس القرفصاء، ففعل القوم ذلك، ولكن الضعفاء المهزولين، الذين أضواهم التعب، لم يستطيعوا النهوض، عندما أمروا به لأنهم فقدوا قوة سوقهم، ولما جلس الجمع جنباً إلى جنب وتساندوا وطلب إليهم بعد ذلك النهوض، جاهدوا جهاداً شديداً في سبيل القيام على أقدامهم، ولم تكد تحين الساعة التاسعة من المساء، حتى كان الظمأ قد بلغ الغاية القصوى، ولم يستطع الإنسان له احتمالاً فحاولوا كسر الباب فلم تجد محاولاتهم نفعاً، فعمدوا إلى قذف الإهانات الشنعاء والمثلبات النكراء وعور الكلم للحراس حتى يستنفروهم إلى فتح الباب وإغضابهم حتى يرمونا بالرصاص فلم يفلحوا، أما عن نفسي فلم أكن حينئذٍ قد شعرت بشيء من الألم الشديد، اللهم إلا على القوم وسوء مصيرهم، فقد جعلت صدري وفمي بين قضيبين من قضبان النافذة، لأجعل للهواء سبيلاً إلى رئتي، وإن كان الظمأ قد بدأ يثور في نفسي، والعرق يجري شديداً صبيباً من أجزاء جثماني، وإذ ذاك شعرت برائحة كريهة صدرت من الجمع المتألم المسكين، حتى لم أطق أن أحول وجهي عن النافذة فراراً من شمها. الآن بدأ كل إنسان - إلا أولئك الذين جاءت أمكنتهم على مقربة من النافذتين - يلهث ويصرخ، ومنهم قوم غشيتهم الغاشية وأصبحت الصرخة العامة، الماء! الماء! وهنا أخذت الرحمة بفؤاد رجل من الحراس فأمر للقوم بقرب من الماء، وكان هذا ما أخشاه لأنني توقعت إذ ذاك أن تكون تلك المقادير من الماء الضربة القاضية التي تذهب بما بقى من أمل فحاولت مراراً أن أتوسل إليه فيما بيننا أن يمنعها عن الجماعة ويمسك عن تقديمها إلى القوم ولكن حال صياح الجمع وتهافتهم على الماء دون ذلك، فلما تقدم إليهم الماء ولاح

стр. 2453

لأعينهم اللهفى الظامئة، فهيهات للقلم أن يستطيع أن يرسم الصورة المخيفة التي بدت من القوم إذ رأوا مطلع الماء عليهم، وتجلت لأعينهم هذه الضالة المنشودة، وقد كنت أعلل النفس من قبل بأن بعض هذا الجمع، من أولئك الذين ظلوا حافظين لقواهم العقلية قد يعيشون حتى نهاية تلك الليلة ويشهدهم الصبح أحياء ولكني إذ رأيت ذلك الهول، توجست خيفة وأشفقت أن لا يبقى منا أحد يقص على الإنسانية قصتنا وينقل إلى العالم أمر هذه الجريمة العظيمة، وقبل أن يظهر الماء لم أكن أحس ظمأ شديداً إليه، ولكنني لم ألبث إذ لمحته أن علا ظمئي واشتد واضطرم ولم نجد وسائل لحمل الماء من القرب إلى تلك القاعة إلا باغترافها في القبعات، ونقلها في أجواف القلانس، بعد مدها من خلال قضبان النوافذ ولكن الماء لم يحدث إلا تخفيفاً عارضاً ولم يطفئ جذوة الألم إلا لحظة قليلة، وبقى العذاب على حاله، والعناء برمته، ولئن كنا نحمل الماء في القبعات من خلال القضبان، ونجلب في القرب مقداراً طيباً، ونملأ القلانس حتى حفافها، فإن ما كان بين القوم من التنازع والاحتيال على الظفر بالجرعات منه والحسوات الصغيرة من القبعات لم يترك في كل قبعة إلا قدر ما يملأ الفم، أو قدح الشاي، على أن هذه الغوثة كانت أشبه شيء بتقطير قطرات من الماء على النار المشبوبة، تزيد النار اشتعالاً واللهيب التهاباً، أواه، أيها الناس، كيف عمركم أستطيع أن أصف العذاب الذي أحسسته والألم العظيم الذي ثار في فؤادي للصيحات والوثبات والاعوالات والأنات التي زفرت وتصاعدت من أقصى القاعة، وأبعد أركان هذا المحبس، من أولئك الذين لم يستطيعوا مد أيديهم إلى الماء أو الاقتراب من القبعات، واستيأسوا من الظفر بقطرة تبل حلوقهم، واستعصت عليهم الحيل لنوال حسوة واحدة تخفف شدة ظمئهم، وهم يصرخون عليّ متوسلين، مستحلفين بجميع الأقسام المقدسة، مستصرخين بكل حرمات الود والحب والرثاء، وإذ ذاك أصبح الاضطراب عاماً مخيفاً مرعباً، وقد اشتد التدافع والتزاحم حتى أصبح غير محتمل، واندفع كثيرون من الذين كانوا وقوفاً في الناحية القصوى من الحجرة يطلبون وصولاً إلى النافذة فألقوا إلى الأرض كثيرين من أولئك الذين تهدمت قواهم، وتحطمت أعصابهم، فوطؤوهم بأقدامهم، وخنقوهم خنقاً، ولبثت من الساعة التاسعة إلى الحادية عشرة أنظر إلى هذا المشهد الفاجع ولا أستطيع شيئاً، وأنا أمد الجمع بالماء في القبعات وقد كادت ساقاي تتحطمان من أثر الضغط

стр. 2454

الشديد عليهما، ولكن لم ألبث أن وجدت الجمع قد تدافع حتى كدت أختنق، ووقفت لا أستطيع حراكاً من مكاني، فلما أضواني التعب، وكدت أروح صعقاً، أجمعت أمري على أن أترك النافذة، وأخلي نفسي من أمر إمداد الجمع بالماء، فصرخت في القوم وتوسلت إليهم أن ينقذوني من هذا الضغط الخانق، ويدعوا لي السبيل إلى ترك مكاني إذا كانوا يشعرون بشيء من الاحترام لي، ويسمحوا لي بأن أفارق النافذة وأموت في مكان بعيد من الحجرة، فخلوا السبيل، وأزاحوا الطريق فاخترقت الجمع بكل صعوبة حتى بلغت بهوة السجن، حيث كان الزحام أقل منه في أركان الحجرة، من جراء الجثث التي سقطت موتى وهلكى تحت الأقدام، فركعت فوق جثة من تلكم الجثث وأسندت رأسي إلى جثة أخرى وأسلمت نفسي في ذمة الله العلي العظيم وشعرت بشيء من الراحة، إذ ارتقبت أن تكون آلامي وعذاب نفسي قد كادت تنتهي، أو لعلها على مختتم، وإنني عما قليل أستريح من إحساس الحياة، وإذ ذاك بلغ ظمئي أشده، وصعب تنفسي واختنق ولم ألبث كذلك عشر دقائق حتى أحسست ألماً في صدري وخفقاناً شديداً في قلبي، لا أستطيع تصويره، فنهضت من مكاني مكرها ولكن زاد الألم في صدري، وعظم الخفقان، واشتد الاختناق، على أن حواسي لم تتبدد، ولبي لم يذهب، وأحزنني أن لا أرى الموت مني على قاب قوسين، وآلمني أن أجدني لا أزال بحواسي، ولم أستطع احتمال الآلام أكثر مما احتملت، وللحال أجمعت على أن أخترق الطريق إلى النافذة المقابلة وبقوة أحسست أنها ضعف ما كنت أشعر به من شدة الأسر بلغت الصف الثالث دون النافذة، فتشبثت بقضبان الحديد، وبذلك كنت في الصف الثاني، ولم تكن إلا بضع لحظات حتى زال عني ألم الصدر، والخفقان في القلب، وصعوبة التنفس، ولكن الظمأ ما فتئ يتزايد ويعظم ويلتهب فرحت أصرخ بأعلى صوتي: الرحمة أيها الناس، الرحمة، شربة ماء، شربة ماء فحسبني الجميع هالكاً على محضر الموت، ومشرف المنون ولكن القوم إذ رأوني لا أزال واقفاً في غمارهم، أحسوا بأن الاحترام لا يزال واجباً لي، والعطف أخلق بمثلي، فصاحوا، أعطوه ماء، أعطوه ماء!. ولم يجرأ أحد منهم على لمس القبعة التي امتدت إليها الأيدي حتى اجترعت جميع ما فيها ولكن الماء لم يحدث ترويحاً، ولم يخفف ألماً، ولم يكسر حدة الظمأ، بل زاد ظمئي به وتفاقم واضطرم، فأجمعت على أن لا أشرب ثانية وإنما وطنت النفس على الصبر، وأسلمتها إلى الألم

стр. 2455

والاحتمال، على أنني جعلت فمي رطباً إذ رحت أرشف من الحين إلى الحين وأمتص بين كل لحظة وأختها العرق المتحدر من أكمامي وقميصي وألتقط القطرات المتصببة، وهي تسقط كقطرات المطر الوابل من وجهي ورأسي، ولا أصف لك اليأس والحزن والآلام التي كانت تثور بفؤادي إذا فرت قطرة منها أو أفلتت من فمي المتفتح لها، المفغور لتلقيها وقد لاحظني أحد رفاقي وأنا أعالج هذه الوسيلة فالتقط الفكرة، واسترق الوسيلة ومضى يمتص ما يتحدر من أكمامي ووجهي وأطراف بدني، وبذلك نهبني جزءاً عظيماً من كنزي، وسرقني نصيباً طيباً من هذا المختزن العزيز لدي إذ ذاك فلما أحسست ذلك منه، وأدركته عليه، جعلت كلما امتلأ كم من ثوبي أسرع فأمتصه قبله وأزاحمه على رشفه، وكثيراً ما التقت أنفي بأنفه، واصطدم فمي بفمه ونحن متنازعان على الثوب متقاتلان، وهذا الرجل كان من بين الذين نجوا من غائلة الموت بعد ذلك وهو اليوم يؤكد لي ويقنعني بأنه لا يزال مديناً بالحياة لي، بفضل القطرات العديدة التي امتصها من أكمامي، والحق أقول لكم لم يكن في العالم نمير عذب، ولا فرات كان أسوغ وأعذب وألذ من تلكم القطرات التي جعلت أحسوها من العرق المتصبب من ثوبي وبدني!!. ولم تكد تنتصف الحادية عشرة حتى كان عدد عظيم من الجمع في حمى مرعبة، وغشية صارعة محزنة هاذية، وآخرون منهم علا ضجيجهم، واستحكم هذيانهم، وارتفعت الحمى لديهم، ولم يبق من القوم أحد ظل على شيء من الهدوء والسكينة إلا الذين نجوا بأماكن على مقربة من النافذتين، وقد وجد الجميع الآن أن الماء لا يسكن سورة الظمأ ولا يطفئ جذوته، بل يزيدها اشتعالاً، ويضرم نارها إضراماً، وأصبحت الصرخة العامة من جميع الأفواه، الهواء، الهواء! وراح الجمع يبتكر ألعن الشتائم، وأنكر السباب، وأقبح الكلم العوراء، لكي يخرج الحراس عن طورهم، ويثور حقنهم، فيرمونا بنيران بنادقهم، ويطلقوا علينا قذائفهم، حتى نستريح من العذاب، وننجو من الألم، ولو فعلوا لهرع كل إنسان من القوم يستقبل الرصاص بصدره، ويزاحم إخوته على الاستباق إلى ورود حياض الموت، ولكن هذه الحيلة لم تنجح فتراخى الذين اضمحلت قواهم، وخفت للموت أرواحهم، واضطجعوا على أديم الحجرة فوق صدور إخوانهم الهلكى، ورفقائهم الموتى الذين فارقوا هذه الآلام واستراحوا بالموت من العذاب الشديد في ظل الحياة، وآخرون لا يزال لديهم

стр. 2456

شيء من القوة والجلد اقتحموا السبيل مستيئسين إلى النافذة وكثيرون على اليمين وعلى الشمال سقطوا عياء وكلالاً، ولم يلبثوا أن سكنت نأمتهم، وفاضت أنفاسهم الأخيرة، إذ علت الآن من جثث الموتى وجسوم الأحياء ريح خانقة خبيثة شنعاء. وفي تلك اللحظة لم أكن أشعر بشيء من الإحساس، بل رأيت غشية متقدمة إلي، آخذة بعنقي، فسقطت قريباً من ذلك الرجل الشهم العظيم وهو ضابط من خيار الضباط اضطجع ميتاً خامد الأنفاس بجانب فتى له من الشباب المساعير ويده في يده، والرأس بجانب الرأس، وفي الفترة التي تلت ذلك إلى الساعة التي أنقذنا فيها من شر قاعة الموت، وحجرة الشنائع والأهوال، لا أستطيع أن أدلي إلى الناس بوصف، أو أشرح لهم شيئاً. هذه هي النبذة التي اخترناها من ذلك الوصف الرهيب. فلما كانت الساعة السادسة من الغد فتح باب القاعة فإذا بثلاث وعشرين شخصاً فقط من المائة والستة والأربعين، هم الذين تتردد فيهم الحياة، وتتصاعد أنفاسهم مرجّعة خافتة، فأنقذ هؤلاء بجميع الوسائل وتعافوا بعد لأي وجهد.

стр. 2457

الاشتراكية ركن المساواة المساواة فكرة قديمة جداً ظهرت في العالم قبل ظهور الاشتراكية بقرون عديدة ومن الجائز أن تموت الاشتراكية وتبقى المساواة بعدها، وذلك لأن المساواة أمنية ومثل أعلى، أما الاشتراكية فوسيلة من ضمن الوسائل العديدة التي تتخذ لتحقيق هذه الأمنية، والأمنية حسب الترتيب الطبيعي وقواعد المنطق سابقة لوسائلها وعمرها أطول من عمر وسائلها، فإن الإنسان لا يفكر في اختيار طريق دون طريق إلا بعد أن يعرف لنفسه غرضاً ما، وقد يظهر له عوار الطريق الذي اختاره فيعدل عنه من غير أن يضطر للعدول من غرضه الأصلي. ظهرت فكرة المساواة في العصر اليوناني الروماني وقام البليبيان وطلبوا من البريسيان أن يساووهم بأنفسهم في الحقوق السياسية والدينية وذكر أريستوفان في رواية له على لسان براسكاجو زوجة أحد قضاة أثينا أن من الواجب أن تكون الأشياء كلها ملكاً للمجتمع وأن يكون لكل إنسان نصيب فيها وأن تكون كل الأنصبة متساوية وأن يعيش الجميع كعائلة واحدة وعلى وتيرة واحدة وطعام واحد ومن يخالف ذلك يعاقب عقاباً صارماً، وهذه هي الاشتراكية بنفسها، ولكن لا يغيبن عن الأذهان أن العبيد في هذه العصور القديمة كانوا بمعزل عن الأحرار لا يقاسمونهم هذه الحياة الاشتراكية. وبعد انقضاء هذا العصر اختفت فكرة المساواة وانطفأت جذوتها وبقيت كذلك مدة طويلة حتى أشرقت المدينة الحديثة فأرثت نارها وأشعلت لهيبها وألبستها حلة خلابة استهوت العقول وتبعها خلق كثيرون يسبحون باسمها ويستهدون بنورها. وقد يقال لماذا ظهرت في هذين العصرين فقط ولم تظهر في العصور التي بينهما؟ وما الداعي لظهورها في جهة وعدم ظهورها في أخرى؟ وهل لهذا من سبب وما هو؟ إن مرجع الإجابة على هذه الأسئلة علم النفس والوقوف على حقيقة الهيئة الاجتماعية في هذين العصرين والعصور التي بينهما وتحليل الأخلاق والمعتقدات ومقارنتها بعضها ببعض، وهذا بحث يضيق المحال عن إيفائه حقه، وكل ما نقدر أن نقوله هو أن لتقارب الأجزاء التي يتكون منها المجتمع أو تنافرها وعدم التئامها وكيفية امتزاجها بعضها ببعض

стр. 2458

تأثيراً كبيراً في حمل النفوس على تطلب المساواة وأن طبيعة الشريعة تدعوهم إلى القناعة والرضا بما قسم لهم والاكتفاء بما لديهم وعدم التطلع إلى ما في أيدي غيرهم، وهذه أخلاق لا تساعد على انتشار المبادئ الاشتراكية بينهم، وكيف تنتشر المبادئ إذا كانت التربة غير صالحة لغذائها والنفوس غير مستعدة لقبولها. محا التاريخ الفرنساوي الامتيازات السياسية والاجتماعية التي كانت لبعض الطبقات ومهد السبيل لقيام الطبقات المغبونة ومطالبتها لحقوقها المهضومة وفي سنة ١٨٤٨ نال الفرنساويون عموماً حق الانتخاب وأصبح للعمال نواب في المجالس التشريعية يدافعون عنهم ويناضلون عن مصالحهم ويتطلبون لهم حقوقاً جديدة. ومما زاد العمال قوة واقتداراً اكتسابهم حقوقاً لم تكن لهم من قبل بل كان القانون يحرمها ويعاقب عليها كحق الاجتماع وحق الاعتصاب، وساعدت المصانع الكبرى على تآزر العمال وتكاتفهم إذ من لوازمها اجتماع عدد كبير من العمال في بناء واحد وكانوا من قبل مبعثرين في أنحاء البلاد، والاجتماع من أهم العوامل الفعالة على نشر المبادئ خصوصاً المبادئ الخلابة. تسلح العمال بكل هذه الأسلحة الماضية وقاموا في وجوه الملاك يناضلونهم ويحاولون التغلب عليهم وملء قلوبهم الحقد والضغينة على الملاك الذين خدعوهم في الثورة الفرنساوية وحملوهم على القيام معهم في مناهضة الإشراف والقسس، وبعد الثورة اشتغل الملاك بالقوة والمال أما العمال فقد رجعوا بخيبة الآمال، ولا يزال الملاك يخادعونهم ويسوقونهم إلى حروب لا فائدة لهم منها. ليس للاعتصابات العديدة التي كثيراً ما تنتاب أوروبا أسباب مخصوصة خلافاً لما يظهر للعيان لأول نظرة، وإنما كلها ناشئة عن سبب واحد هو تمسك العمال بمثلهم الأعلى وتطلعهم للمساواة التامة وهم يعتقدون في أنفسهم أنهم أساس الثروة العمومية ومصدر الخير ومنبع الأرزاق وأن كل ما في العالم من متاع وزخرف صنع أيديهم، وإن ثروة الأغنياء آتية من الظلم والسرقة لأن العامل ينتج أكثر من حاجياته بكثير ولكنه لا يأخذ منه إلا القدر الضروري لحياته وما زاد عن هذا القدر يدخل في جيوب الأغنياء ظلماً وعدواناً، فاعتصاب العمال مهما اختلفت أسبابه الظاهرية حركة اقتصادية غرضها الحقيقي انزال

стр. 2459

الملاك عن عروشهم. المساواة الاقتصادية والمساواة القانونية هل يجوز لنا أن نستنتج أن المساواة الاقتصادية تولدت عن المساواة القانونية وأنها درجة من درجات تطورها ولولا المساواة القانونية لما وجدت المساواة الاقتصادية ولما شعر بضرورتها وعد لها إنسان؟ كلا فإن المساواة الاقتصادية مساواة تامة تشمل المساواة القانونية وزيادة فهي الأصل وغيرها الفرع، والأصل حسب ترتيب الوجود الطبيعي سابق للفرع. إن القول بأقدمية المساواة القانونية وأسبقيتها المساواة الاقتصادية خطأ محض، وسبب هذا الخطأ الخلط بين أمرين مختلفين واعتبارهما كشيء واحد وهما الرغبة في المساواة وحركة المساواة، فالرغبة في المساواة الاقتصادية سابقة للرغبة في المساواة القانونية لأنها هي الأصل كما سبق بيانه، أما حركة المساواة فبخلاف ذلك أي أنها ابتدأت أولاً بالدعوى إلى المساواة القانونية فلما أدركها العالم اتخذها وسيلة للوصول إلى المساواة الاقتصادية، والسبب في البدء بالمساواة القانونية سهولة فهمها وقرب نوالها فإنه يكفي للوصول إليها بضعة أسطر أو كلمات من قلم الشارع أما المساواة الاقتصادية فغامضة المعنى حتى لدى المتشيعين لها تحفها الأوهام والخرافات وليس لها حدود معروفة. الركن الأولى للاشتراكية ليست الاشتراكية بالمذهب الوحيد الداعي إلى المساواة بل هناك مذاهب أخرى تنشدها وتسعى إليها، وهذه المذاهب ليست من الاشتراكية في شيء بل تخالفها وتحاول القضاء عليها، وإذن فمن الخطأ البين الاكتفاء بركن المساواة في تعريف الاشتراكية بل يجب أن نضيف إليه ركناً آخر وهو الركن الأولى أو الحامل النفساني على طلب المساواة، وأعني بالحامل العواطف التي تخالج النفس وتستفزها للعمل. إن للعواطف النفسانية تأثيراً كبيراً على المرء في سلوكه واختياره الطريق الذي يوصله إلى غرضه، وسترى فيما يلي أن العواطف التي تأتمر بها الاشتراكية تخالف العواطف الخاضعة لها المذاهب الأخرى التي تتبارى مع الاشتراكية في طلب المساواة وإن لهذا الخلاف أثراً ظاهراً في أعمال القائمين بنشر هذه المذاهب واتخاذ القوة أو اللين وسيلة

стр. 2460

لتحقيق آمالهم. تنشد المساواة لسبب من اثنين الأول رقة القلب وشرف العواطف والتأذي من رؤية الفاقة والفقر، والسبب الثاني عدم الرضا عن الأغنياء لأثرتهم الشديدة، والسبب الأول هو الحامل على تأسيس المذاهب التي تخالف الاشتراكية وهذه المذاهب وديعة ساكنة لا تنقم على أحد ولا تبغض الأغنياء لأنها لا تري في غناهم ظلماً للفقراء أو سبباً للشقاء وإذن فلا تسعى إلى قلب النظام الحالي بل تحافظ على كيانه وترد عنه كيد أعدائه لأنه كفيل حسب رأيها بإسعاد الإنسانية والصعود بها إلى أوج الرفعة والرفاهية. أما الحامل الثاني فخاص بالاشتراكية لأن الاشتراكيين لا يطلبون فقط الرحمة وإنما يطلبون النصفة والعدل ويعتبرون الأغنياء قوماً أنانيين. لم يثروا إلا بإجهاد الفقير واستنفاد قواه، وهم قد استأثروا بالأموال من غير عمل وبدون حق ولا يبذلونها إلا في المفاسد وزيادة الأرباح، ولن تهدأ الإنسانية وتذوق طعم الراحة، ما دام في الأرض فقر مدقع ولا يخيم السلام على العالم إلا إذا حاسبنا الأغنياء لا بالذبح والقتل بل بإلغاء الملكية الفردية التي هي بيت الداء ومظلمة الفقراء. ومن هنا يرى القارئ أن الركن المادي للاشتراكية وهو إلغاء الملكية الفردية نتيجة لازمة للركن النفساني وإن الاشتراكية ليست بالمساواة فقط بل تزيد عليها بحبها للعدل، ولو كانت الاشتراكية قاصرة على فكرة المساواة لكان من العبث واللغو تسميتها كذلك ولوجب الاكتفاء بلفظة المساواة وتسمية الاشتراكيين بالمتساوين أو طلاب المساواة، على أنها مع ذلك أقرب إلى الحلم اللذيذ منها إلى الحقيقة الممكنة. إلغاء الملكية الفردية إن للوصول إلى المساواة في نظر الاشتراكيين طرقاً عديدة وسبلاً شتى منها توزيع الأملاك والأموال على جميع الأفراد بالتساوي وفرض ضرائب ثقيلة على الأغنياء بحيث تكون مانعة إياهم من التغالي في الغنى وتأخذ منهم ما تكدس في خزائنهم من الأموال لتعطيه الفقراء، ومنها هدم الملكية الفردية وتأسيس الملكية الاجتماعية على أنقاضها، وهذا المثل الأخير دون سواه بغية الاشتراكية الصميمة وأمنيتها الوحيدة، وما عداه فمن المذاهب الأخرى.

стр. 2461

تحاول الاشتراكية أن تلغي الملكية الفردية بمعنى أنها تحرم على الأفراد امتلاك الأشياء التي من شأنها الإنتاج كالأراضي الزراعية والمعدنية ومحلات الصناعة والتجارة أما الأشياء التي تقتنى للاستهلاك كالطعام والثياب فيجوز للأفراد أن يملكوها لا على سبيل الاحتكار بل للانتفاع بها. إقامة الملكية الاجتماعية ولكن لا تكتفي الاشتراكية بهدم الملكية الفردية بل تسعى إلى تأسيس ملكية اجتماعية تكون شاملة لجميع موارد الرزق وخاضعة في الإدارة والاستثمار إلى رأي الجماعة. إن الاشتراكية إدارة مترامية الأطراف يشترك فيها جميع الأفراد كموظفين يتقاضون على عملهم أجراً وتشمل جميع مرافق الحياة لا تترك كبيرة ولا صغيرة إلا وتضع لها نظاماً. وليس من شأنها الهدم والتخريب والقضاء على كل نظام وإماتة كل قانون، وإنما هذا من شأن الفوضوية التي تبغض النظام وتسعى في استئصال شأفة الحكومات مهما كان شكلها السياسي والاقتصادي. إن الاشتراكية والفوضوية على طرفي نقيض، هذه تسعى إلى تخريب النظام الحالي وتحول دون إقامة أي نظام آخر، وتلك تحترم جميع القوانين ما عدا الخاص منها بحماية الملكية الفردية وتسعى في تأسيس نظام جديد يكفل للأفراد السعادة والرخاء وتكون الحكومة هي المالكة الوحيدة لمنابع الرزق لتديرها لخير الأفراد بطريقة عادلة تكفل لهم أقل ما يكون من التعب وأكثر ما يكون من الراحة. الاشتراكية والحكم الجمهوري ليس من مستلزمات الاشتراكية الحكم الجمهوري بل من الجائز أن تعيش وتزهى في أحضان الملوكية فإن همها الوحيد الحصول على المساواة الاقتصادية فلا يهمها بعد النظام السياسي إلا إذا عارضها في أغراضها وانضم إلى أعدائها، ففي هذه الحالة تثل عرشه وتقوض أركانه. قال - كانت - الاشتراكي الشهير رب ملوكية خير من جمهورية. ولكن ليس هذا بالرأي السائد بين الاشتراكيين الحديثين فإن أغلبيتهم من أنصار الجمهورية وأعداء الحكم الملوكي فإنهم في الحوادث الأخيرة ثلوا عروش ملوك عديدين ونادوا بالحكم

стр. 2462

الجمهوري من قبل أن يبدأوا بتنفيذ برنامجهم الاقتصادي. عبده البرقوقي

стр. 2463

مطالعات شعر الفلاسفة من المعروف أن العلماء ومن إليهم من الفلاسفة وجماعة النظار الذين ألفوا البحث المنطقي وألفهم حتى ملك عليهم أمورهم لا يستطيعون أن يقولوا شعراً جيداً يبارون فيه سادة الشعر، لأن العلماء إنما يستمدون من عقولهم ومعلوماتهم التقريرية، أما عواطفهم فقد أطفأ العلم جذوتها فترى لذلك شعرهم فاتراً لا يهز العاطفة ولا يحرك الأرواح، أما الشعراء فإنما يناجونك بوجداناتهم وإحساساتهم ويفرغون قلوبهم في كلامهم إفراغاً، فهم لذلك يزلزلون القلوب زلزالاً ويعبثون بالعواطف عبثاً شديداً لا قبل للإنسان بالجمود إزاءه ما دام لا إنسان بلا قلب وسلطان القلوب والأهواء، فوق سلطان العقول والآراء، بيد أنه على الرغم من ذلك ترى لبعض كبار الفلاسفة شيئاً من الشعر البارع الجيد لا يكاد بتخلف في معنى الشعر عن شعر الفحول فضلاً عن أنه يمتاز بالمعاني الفلسفية الرائعة، فمن أولئك الفلاسفة الذين ضربوا بسهم صائب في الشعر أبو علي الحسين بن عبد الله بن يوسف المعروف بابن شبل البغدادي المتوفى سنة ٤٧٤ فقد كان هذا ابن شبل كما قال صاحب طبقات الأطباء حكيماً فيلسوفاً ومتكلماً فاضلاً وأديباً بارعاً وشاعراً مجيداً، ونحن نختار له هنا شيئاً من شعره - فمن ذلك قصيدته الفلسفية المشهورة التي تستأهل أن نأتي عليها كلها في البيان - قال: بربك أيها الفلك المدار ... أقصد ذا المسير أم اضطرار مدارك قل لنا في أي شيء ... ففي أفهامنا منك انبهار وفيك نرى الفضاء وهل فضاء ... سوى هذا الفضاء به تدار وعندك ترفع الأرواح أم هل ... مع الأجساد يدركها البوار وموج ذا المجرة أم فرند ... على لجج الدروع له أوار وفيك الشمس رافعة شعاعاً ... بأجنحة قوادمها قصار وطوق في النجوم من الليالي ... هلالك أم يد فيها سوار وشهب ذا الخواطف أم ذبال ... عليها المرخ تقدح والعفار وترصيع نجومك أم حباب ... تؤلف بينه اللجج الغزار تمد رموقها ليلاً وتطوى ... نهاراً مثل ما طوى الإزار

стр. 2464

فكم بصقالها صدي البرايا ... وما يصدى لها أبداً غرار تبارى ثم تخنس راجعات ... وتكنس مثل ما كنس الصوار فبينا الشرق يقدمها صعوداً ... تلقاها من الغرب انحدار على ذا ما مضى وعليه يمضي ... طوال مني وآجال قصار وأياماً تعرفنا مداها ... لها أنفاسنا أبداً شفار ودهر ينثر الأعمار نثراً ... كما للغصن بالورد انتثار ودنيا كلما وضعت جنيناً ... غذاه من نوائبها ظؤار هي العشواء ما خبطت هشيم ... هي العجماء ما جرحت جبار فمن يوم بلا أمس ليوم ... بغير غد إليه بنا يسار ومن نفسين في أخذ ورد ... لروح المرء في الجسم انتشار وكم من بعد ما ألفت نفوس ... جسوماً عن مجاثمها تطار ألم تك بالجوارح آنسات ... فكم بالقرب عاد لها نفار فإن يك آدم أشقى بنيه ... بذنب ما له منه اعتذار ولم ينفعه بالأسماء علم ... وما نفع السجود ولا الجوار فأخرج ثم أهبط ثم أودى ... فترب السافيات له شعار فأدركه بعلم الله فيه ... من الكلمات للذنب اغتفار ولكن بعد غفران وعفو ... يعير ما تلا ليلاً نهار لقد بلغ العدو بنا مناه ... وحل بآدم وبنا الصغار وتهنا ضائعين كقوم موسى ... ولا عجل أضل ولا خوار فيالك أكلة ما زال منها ... علينا نقمة وعليه عار نعاقب في الظهور وما ولدنا ... ويذبح في حشا الأم الحوار وننتظر الرزايا والبلايا ... وبعد فالوعيد لنا انتظار ونخرج كارهين كما دخلنا ... خروج الضب أحرجه الوجار فماذا الامتنان على وجود ... لغير الموجدين به الخيار وكانت أنعماً لو أن كونا ... بخير قبله أو نستشار

стр. 2465

أهذا الداء ليس له دواء ... وهذا الكسر ليس له انجبار تحير فيه كل دقيق فهم ... وليس لعمق جرحهم انسبار إذا التكوير غال الشمس عنا ... وغال كواكب الليل انتثار وبدلنا بهذي الأرض أرضاً ... وطوح بالسماوات انفطار وأذهلت المراضع عن بنيها ... لحيرتها وعطلت العشار وغشى البدر من فرق وذعر ... خسوف للتوعد لإسرار وسيرت الجبال فكن كثبا ... مهيلات وسجرت البحار فأين ثبات ذي الألباب منا ... وأين مع الرجوم لنا اصطبار وأين عقول ذي الأفهام مما ... يراد بنا وأين الاعتبار وأين يغيب لب كان فينا ... ضياؤك من سناه مستعار وما أرض عصته ولا سماء ... ففيم يغول أنجمها انكدار وقد وافته طائعة وكانت ... دخاناً ما لقاتره شرار قضاها سبعة والأرض مهدا ... دحاها فهي للأموات دار فما لسمو ما أعلا انتهاء ... ولا لسموك ما أرسى قرار ولكن كل ذا التهويل فيه ... لذي الألباب وعظ وازدجار وقال يرثي أخاه وكان اسمه أحمد: غاية الحزن والسرور انقضاء ... ما لحى من بعد ميت بقاء لا لبسيد بإربد مات حزناً ... وسلت عن شقيقها الخنساء مثل ما في التراب يبلى الفتى فالح ... زن يبلى من بعده والبكاء غير أن الأموات زالوا وبقوا ... غصصا لا يسيغه الأحياء إنما نحن بين ظفر وناب ... من خطوب أسودهن ضراء نتمنى وفي المنى قصر العم ... ر فنغدو بما نسر نساء صحة المرء للسقام طريق ... وطريق الفناء هذا البقاء بالذي نغتذي نموت ونحيا ... أقتل الداء للنفوس الدواء ما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاء

стр. 2466

راجع جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يسترد المساء ليت شعري حلماً تمر بنا الأيا ... م أم ليس تعقل الأشياء من فساد يجنيه للعالم الكو ... ن فما للنفوس منه اتقاء قبح الله لذة لأذانا ... نالها الأمهات والآباء نحن لولا الوجود لم نألم الفق ... د فإيجادنا علينا بلاء وقليلاً ما تصحب المهجة الجس ... م ففيم الأسى وفيم العناء ولقد أيد الإله عقولاً ... صحة العود عندها الإبداء غير دعوى قوم على الميت شيئاً ... أنكرته الجلود والأعضاء وإذا كان في العيان خلاف ... كيف بالغيب يستبين الخفاء ما دهانا من يوم أحمد إلا ... ظلمات ولا استبان ضياء يا أخي عاد بعدك الماء سما ... وسمو ما ذاك النسيم الرخاء والدموع الغزار عادت من الأنفا ... س ناراً تثيرها الصعداء واعد الحياة عذراً وإن كا ... نت حياة ترضى بها الأعداء أين تلك الخلال والحزم أين ال ... عزم أين السخاء أين البهاء كيف أودي النعيم من ذلك الظ ... ل وشيكاً وزال ذاك الغناء أين ما كنت تنتضي من لسان ... في مقام ما للمواضي انتضاء كيف أرجو شفاء ما بي وما بي ... دون سكناي في ثراك شفاء أين ذاك الرواء والمنطق الموف ... ق أين الحياء أين الإباء إن محى حسنك التراب فما لل ... دمع يوماً بصحن خدى انمحاء أو تبن لم يبن قديم وداد ... أو تمت لم يمت عليك الثناء شطر نفس دفنت والشطر باق ... يتمنى ومن مناه الفناء إن تكن قدمته أيدي المنايا ... فألى السابقين تمضي البطاء يدرك الموت كل حي ولو أخفت ... هـ عنه في برجها الجوزاء ليت شعري وللبلى كل ذي الخ ... لق بماذا تميز الأنبياء موت ذا العالم المفضل بالنط ... ق وذا السارح البهيم سواء

стр. 2467

لا غوى لفقده تبسم الأ ... رض ولا للتقى تبكي السماء كم مصابيح أوجه أطفأتها ... تحت أطباق رمسها البيداء كم بدور وكم شموس وكم أط ... واد حلم أمسى عليها العفاء كم محى غرة الكواكب صبح ... ثم حطت ضياءها الظلماء إنما الناس قادم أثر ماض ... بدء قوم للآخرين انتهاء وقال: إذا أخنى الزمان على كريم ... أعار صديقه قلب العدو وقال: قالوا القناعة عز والكفاف غنى ... والذل والعار حرص النفس والطمع صدقتم من رضاه سد جوعته ... أن لم يصبه بماذا عنه يقتنع وقال: ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح خفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح وقال: تسل عن كل شيء بالحياة فقد ... يهون بعد بقاء الجوهر العرض يعوض الله مالا أنت متلفه ... وما عن النفس إن أتلفتها عوض

стр. 2468

تفاريق القناع العجيب يلوح لنا أن العلم يجري اليوم أشواطاً بعيدة في تخفيف ويلات الإنسانية وتهذيب الدنيا وتطهير العالم من علله ومساوئه وآلامه ولا ريب في أن العلم لا يلبث قليلاً حتى يبتكر لكل علة أشفية، ويخلق لكل مرض علاجاً، ومن أعجب عجائب المبتكرات التي وصل إليها العلم في هذه الأيام هي القناع العجيب الذي يعين الأعمى على رؤية المحسوسات ويمحو ذلك الظلام الدامس الذي يحجب نور الدنيا عن تلك العيون الغائرة المغلقة. وهذا المبتكر ابتدعه رجل من أهل بولونيا يدعى كان، وهو جندي من الذين جاهدوا في فرنسا وانتظموا في صفوف جيوشها، ولئن كان حد هذا الابتكار لا يزال اليوم قصيراً ولم تنتج الفائدة الكبرى منه، فلا تزال آمال العلماء كباراً في إمكان تعميمه، والظفر بالنتائج الحسنة منه. وهذا القناع يلبسه الأعمى، فيعم جميع وجهه، وهو متعلق بأداة كهربائية تشتمل على عدسات مخروطية الشكل وحجرة صغيرة لتشعع النور وإذا تقنع به الأعمى استطاع أن يميز جميع الألوان والأشباح والمحسوسات. وقد جرب هذا الاقتراح التجربة الأولى فاستطاع أحد العميان أن يدرك به الفرق بين أصبعين وثلاثة أصابع رفعت أمام عينيه ليدل على عددها، وتمكن بهذا القناع العجيب من أن يبصر قطعاً متجاورات وغير متجاورات من أمتعة الحجرة وأثاثها، ويرى الفروق في ألوانها وأحجامها. فإذا تحقق هذا المخترع وعم الدنيا، فلن يعود في الدنيا بعدئذٍ قوم يمسكون بأيدي قوم، ليدلوهم على جادة الطريق، ولا يعتز جمع على جمع بأنهم يرون الشمس في أبهى حلالها، ومشرقة أشعتها، ويشهدون الطبيعة في مظاهر جلالها وفرحها وعبوسها وكدرها، والآخرون لا يحسون ذلك إلا في أفواه الذين يحدثونهم عنها الأحاديث، ويقرأون لهم الأشعار والكتب والأسفار. الاستصباح بلحوم العجول منذ أشهر طويلة كان الناس في هذا البلد يضجون ويفزعون، ويصيحون خشية ورعباً، من

стр. 2469

أن يعز عليهم وسائل الاستصباح ومواد الإضاءة والاستنارة فيبيتون في ظلام حالك، وتنحدر البلاد في هوة سحيقة من الأعتام، والبلاء الذي يختفي وراء أستار الظلام، وكان القوم يقتصدون في الغاز، ويستحثون بعضهم البعض على استخدام الحكمة والروية والحزم والتدبير في إنارة مصابيحهم، واستهلاك المواد المختزنة لديهم، ولكن ظهور وسيلة أخرى في هذه الأيام تزيد مواد الاستصباح مادة، والاهتداء إلى طريقة طريفة للإنارة والإضاءة، نبأ عجيب، وحادث طلي جديد. وذلك أن العالم موليش - وهو من كبار علماء النمسا - وسادات الاختراع فيها - قد أكد في بعض ما أخرج من أبحاثه الأخيرة أن في الإمكان القراءة على نور قطعة من لحم العجول أو الضان أو قطعة من البفتيك أو لحم الخنزير ولكن لم يقل ذلك العالم شيئاً عن المقدار الواجب الذي يستطيع الإنسان به أن يحدث ضوءاً كافياً يهتك حجب الظلام، وعجيب أن يستطيع الإنسان أن يجلس إلى قطعة من اللحم فيستضيء بها، ويقرأ كتبه الممتعة وأسفاره المحبوبة على نورها، ثم يعود فيأكلها كلها ويتعشى بها. على أن الحقيقة المقررة هو أن جميع اللحمان تحتوي ميكروبات تحدث نوراً وتخرج ضوءاً، ويقول أن السجق أي اللحم المحتوي على التوابل يزيد في ذلك الضوء، ويخرج نوراً باهراً ويعين الميكروبات التي في اللحم على أن تضطرم فيكون منها نار كافية للجلوس إلى مكتبك وقراءة كتبك ودروسك وأبحاثك. فمتى يحقق هذا المبتكر، حتى يكون القصابون في الدنيا مشاعلية كذلك!.

стр. 2470

أحداث الشهر مسألة آدم حدث في هذا الشهر حادث دوَّى صداه في المجتمع المصري تدوية بعيدة يتضاءل إزاءها دوى المدافع الضخمة، مدافع لياج وانفرس. . . وأحدث في أنفس الطبقات المهذبة المستنيرة أثراً سيئاً أعقبه سخط عام وتذمر شديد متميز يدل على نفسية هذا العصر ومزاجه العصبي الحساس الذي يهيجه إلى ما به ويستثير مقته وغضبه أهون الشيء من الحماقة والسخف وفساد الذوق، إلى غيرها من المعاني التي لا تتمشى مع روح العصر ومطالب الأمم الناهضة الوثابة، ولا تتكافأ مع حاجات الاجتماع وتكاليف الحياة الإنسانية العالية. لا يزال في الناس ناس كأن عيونهم في أقفائهم فتأبى طبيعة النظر فيهم إلا أن تمتد إلى وراء وتخالف سبيل الحياة في الأحياء، فهم يعيشون بأرواح ماضية قد فرغ الموت منها ويبتعثون سنن الأعصر الخالية التي أفاض عليها تاريخ الإنسانية سيولاً من دمائه ودموعه، ويحتذون حذو من قبلهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع فيزرون على سماحة الإسلام ويغضون من بهجته ويضيقون من رحبه ويرسلون في لجته الصافية من لهبات محاكم التفتيش الإسبانية في القرن الخامس عشر وإن كان اللهب لا يحرق الماء ولا يغور إلى أعماقه. والحادث الذي نحن بصدده هو أن (الشيخ محمد أبو زيد) وهو أحد خريجي مدرسة دار الدعوة والإرشاد رجل فيما بلغنا صالح تقى غيور على دينه، فارتأى أن هناك حاجة ماسة إلى الإصلاح الديني غير أنا نلاحظ عليه أنه احتذى في ذلك حذو زعيمه الشيخ رشيد رضا صاحب صحيفة المنار، وأنه ظن أن كل ما هنالك هو مسائل الزار وكرامات الأولياء وهل الأنبياء معصومون أم غير معصومين وهل آدم نبي أم غير نبي إلى أمثال هذه الموضوعات التافهة العقيمة التي لا طائل وراءها، والتي يعد الفائز فيها والمهزوم سواء في السخف، والتي أنبأنا التاريخ أن أمة من الأمم لا تأبه لمثلها وتكثر من الجدل والمناظرة فيها ألا في دور انحطاطها كما كان من زعماء النصرانية البيزنطيين إذ كان كل بحثهم في اللاهوت المسيحي والأتراك على أبواب القسطنطينية، وكما كان من علماء الشيعة وأهل السنة من الخلاف في بغداد أواخر الدولة العباسية والتتر على أبواب دار السلام.

стр. 2471

فاتفق للشيخ محمد أبي زيد أن أقام في بلده ومسقط رأسه دمنهور ينشر دعوته ويبث تعاليمه، وفي دمنهور هذه يقيم عالم أزهري من العلماء الغيورين كذلك يسمى الشيخ عبد الباقي سرور وطائفة أخرى من العلماء، ولعل قراءنا قد سمعوا بتلك الحرب الدينية القلمية التي نشبت على صفحات إحدى الجرائد اليومية بين الشيخ عبد الباقي سرور هذا وبين الشيخ رشيد رضا والتي أفضت إلى أن رفع الشيخ رشيد قضية على صاحبه ثم انتهت بأن صالحتهما المحكمة، فكان ذلك مضافاً إلى كثرة تشنيع الشيخ رشيد على علماء الأزهر وتشهيره بهم واستطالته عليهم في كل عدد تقريباً من أعداد مجلته سبباً في حقد الأزهريين جميعاً على الشيخ رشيد هذا وعلى كل من يمتّ إليه بسبب. فلما أخذ الشيخ أبو زيد يصدع بتعاليم دار الدعوة والإرشاد في دمنهور بين هؤلاء الواجدين على أستاذه مدوا عليه أعينهم وأحاطوه بأبصارهم فكان منه أنه جعل يعظ بكلام أستاذه ويخوض فيما رده الشيخ عبد الباقي عليه ومن ذلك نبوة آدم ﵇ فقطع بأنها ظنية، ولم يحسن أن يعرض على الناس رأياً أكبر الإحسان فيه أن يخرج منه لا عليه ولا له، فأخذه بها القوم واحتسب أحدهم فرفع إلى المحكمة الشرعية دعوى تفريق بين الرجل وزوجه لأنه فيما زعموا قد مرق من دينه بإنكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وكان خليقاً بالمحكمة أن تكون فوق العواطف والأهواء وإن تستصلح الرجل إذا تبين لها فساده وتستتبه إذا قامت الأدلة على ذنبه وأن لا تقطع بكفره وارتداده قبل أن تيأس منه وتستفرغ جهدها فيه فإن الحكم بالكفر ليس كالحكم بالنفقة وإخراج الدين ليس كإخراج الدَّين، غير أن المحكمة قضت بالتفريق وأثبتت فسق الرجل من دينه فلم يكن منه - فيما نقل إلينا - إلا أن بعث بزوجه إلى أهلها حتى لا تكون التفرقة قهراً وإرغاماً وحتى لا يذهب رجال الشرطة إذ يذهبون لتنفيذ الحكم فينادون بكفره على باب داره فإن ذلك كفر آخر للدار بين جيرانها من مطلع الدرب إلى مقطعه. . . ثم رفع الشيخ أبو زيد استئنافاً عن الحكم تنظر فيه محكمة اسكندرية في اليوم الأول من شهر ديسمبر. وليس من شأن البيان كما يعرف القراء أن يخوض في مثل هذه الأمور غير أن لنا كلمة في الردة وأمرها في الإسلام سنأتي بها كأنها تعليق على هذا الحادث الغريب ولعل فيها بياناً لشيء من الرأي إن شاء الله.

стр. 2472

الجائزة الواصفية نحن نعلم أن الجوائز من شأنها تنشيط الفنون، وتشجيع الصناعات، وتزكية العلوم، ورفع مستوى الآداب، وهذا هو سبيلها في البلاد المتحضرة، وهذا شأنها في ممالك الغرب، ولكن الجوائز في بلدنا هذا أبعث على الفتور، وأدعى إلى الخمول والتراخي والاستيئاس، وأجنح إلى سقوط الخلق، والذهاب بالحياء، وأخلاق ديباجة الوجوه، لأن الذين يستحقونها ويعلمون أنهم مليئون بالظفر بها، وإنها إنما وضعت لهم، ورتبت لفنونهم وآدابهم، يضيعون بجانب الذين لا يصلحون لها ولا حق لهم فيها، ولا قدر يجيز لهم نوالها، لأن الأدعياء والواغلين على الآداب، والدخلاء بين أهل الفنون، لا يعدمون وسيلة تمكنهم من الحصول عليها، ولا تعز عليهم سبيل من تلك السبل الدنيا الحقيرة لأجل التمتع بها واحتكارها وقصرها على أنفسهم، ومن عمركم الله من العلماء والسادة الأجلاء في الأدب يرى هذه الحالة النكراء من سيادة الوسائط والأحابيل والخدائع والوسائل المذمومة، على الفضل والنبل والأدب الناضج، والفن الذي لا يمازجه سقم، ولا يخالطه علة أو مرض، وتنهض همته للإسهام لنوال الجوائز مع المسهمين، ويثب نشاطه لابتكار الشيء الطريف البديع الذي يظفر بالجائزة، ويأخذ بضبع المنحة أو الهبة ولذلك ترك الأدعياء وشأنهم يتوسلون ويمسحون الجوخ ويتشفعون ويبذلون ماء الوجوه ويتحككون بأصحاب الجوائز والذين قرروا المنح ورتبوا الأعطيات والهبات، ففاز بالجوائز من لا يجوز لها، وظفر بالمنحة من لم يمنح من مواهب الله ونعمه على عباده ما يجعل له حقاً في نوال أو عطية، ولذلك لم تحدث الجوائز في مصر إلا سوءاً وشناعة ولم يكن منها إلا أن استعلى الأدعياء على أهل الفضل، وكثرت جنود السوء على جنود الخير، وراجت البضائع المزجاة والتجارات العفنة الخاسرة، وكسدت الصالحة ونامت الطيبة الممتعة. هذه هي الجائزة الواصفية، جائزة من الجوائز المقررة في كل عام - مقدارها عشرون جنيهاً - لخير كتاب يخرج للناس وأبدع سفر ينشر بين القوم، فهل تعلم من الذي ظفر بهذه الجائزة من يد سعادة حسين واصف باشا في هذا العام - ظفر بها عبد الحليم المصري، وبم استحقها - بديوانه - وهذه ولا ريب فضيحة من الفضائح الأدبية التي تسجل على تاريخ الآداب في مصر هذه السنة، وشناعة وإثم عظيم لأن الاعراف بأن ديوان المصري خير

стр. 2473

كتاب أخرج للناس في سنتنا هذه دليل قاطع على أن هذا البلد أخرس أصم لا أدب فيه ولا كتاب ولا شعراء ولا تفكير ولا نهضة ولا رقي، لأن شعر عبد الحليم المصري لا يزال شعراً فوق البيعة وشعراً أخلق أن يسمى نصف سوا إذ لا نضوج فيه ولا مادة مغذية، ولا يسمن ولا يغني من جوع، والشاعر عبد الحليم لم يظفر بالزعامة على الشعراء، ولم يقل أحد بأنه شاعر إلا مجازاً واستعارة وتسامحاً، وكان خيراً لنا أن لا نصرف هذه الجائزة في هذا العام ولا ينالها من نالها، ونقول جهرة بأن هذا العام كان مقفراً من الكتب خلواً من الأسفار الجديدة الممتعة، وإننا لم نفكر عاماً كاملاً، ولم نكتب ولم نؤلف ولم نعرب ولم تخطر لنا خواطر، ولم تتلجلج في صدورنا نزعات وآراء من أن نقول أن أحق بها فيه ديوان من الدواوين الإضافية المسكينة التي لا رائحة فيها للشعر المتين المفعم بالمعاني السرية والخواطر الطيبة النافعة، والأمة التي يظفر بإكليل الغار في تاريخ الآداب فيها لعام كامل مثل شاعرنا عبد الحليم، يجب أن تبكي نفسها وتأسى على أدبها وتفكيرها وكيف يكتب الكتاب الحقيقيون، وكيف يضعون التواليف الفاضلة والأسفار الطيبة، في بلد يظفر فيه بالمال الوفر والجوائز السنية، والأختام الماسية والذهبية مثل الشيخ القصرى وعبد الحليم المصري وإضرابهما، وتقام الحفلات الحافلة والأسمار الكبرى لسماع أدبهم وأشعارهم، لعمري أنها لمعرة للأدب العصري، وفضيحة من أكبر فضائحه. ثم ألم يكف السيد عبد الحليم أن ديوانه هذا قد طبعه على نفقته أحد كبار المثرين ثم زاد على ذلك أن وزعه على جميع بيوت الأغنياء وقصور الذوات والأعيان وألقاه في كل مغنى من المغاني وفي كل دار من دور الأكابر والمترفين والأسامي النبيلة وأهل الألقاب الضخمة، وظفر بثمنه منهم أضعافاً مضاعفة ونال على أتعابه أموالاً طائلة، حتى يجري وراء الجائزة الواصفية، ويدحلب لأجلها ويوسط الناس في سبيل الحصول عليها، ويقنع الباشا الكريم أنه أحق إنسان بها، ويقبض على العشرين على عينك يا تاجر بلا خشية ولا خجل ولا اتقاء لله في هذه الأمة التي أعطته أكثر مما يستحق. وعلى هذا القياس لا يسعنا إلا أن نعد حسين باشا واصف أكبر عليم بفنون الشعر، نقادة به بصير، فقد وضع نفسه موضع نابغة ذبيان في سوق عكاظ واستعرض جميع الشعر والقصيد الذي ظهر في هذه السنة فلم يجد غير ديوان المصري أحق بجائزته وأجدر بنوالها

стр. 2474

والتنعم بها، فهنيئاً للظافر بالجائزة، وتهنئة للباشا الهمام على تقلده وظيفة الحكم الأكبر في شعراء الأمة. نحن لا نحسد عبد الحليم المصري على ما أوتي من براعة أساليبه العديدة، ولا نريد أن ننافسه فيه ونعارضه ونزاحمه، فتلك أرزاق يمنحها الله لمن لا يستحقونها، ولا شأن لنا في محاسبة الله، وإنما نخشى على هذه الأمة أن تتفشى فيها بعد الحمى الإسبانية حمى الملق ومسح الجوخ، فتذهب بأقدار الكفاءات وأهلها، ويصبح أشد الناس ملقا، أظفرهم بالخير وأملأهم بالذهب والمال جيوباً. مصاب آل المهيلمي كثرت الوفيات في بلدنا هذا منذ أيام، وذهب إلى مساكن الفناء فيمن ذهب من الناس أفراد من كبار الأمة وأعيانها، والنافعين من أهلها، واغتال الموت في وسط هذا التزاحم على الأبدية والتنافس على التلاحق إلى مضاجع الآخرة طائفة صالحة من القوم الذين كنا بهم أعزة، وكنا سعداء بوجودهم في وسطنا، وتألقهم في سماء الحياة المصرية، ومنهم التاجر النافع، والأريحي العظيم، وذو النفس الكريمة، والإحساس البار المحمود، والغني الممتلئ حياة ونشاطاً وفتوة ووجداناً، والكهل الناهض بعمل مفيد، والمؤدي الخدم الجليلة، وعميد العشيرة الكبيرة، ورب الأسرة التي لا نصير لها سواه ووالد إلا صبية الذين لا حول لهم في الحياة إلا حوله، ولا عزة لهم إلا به، والشيخ الصالح الذي كان رأس القبيل، وزين إلا كليل، ووقار المجالس، وهيبة الأسمار، حتى لم نكد نفرح بعقد الهدنة، ونبتهج بعود السلام إلى العالم، وقتل شبح الحرب الشنيعة، وتنفس الصعداء، والسكون إلى الحياة بعد ما شقت وصعبت وكاد المرء يتلمس منها خلاصاً، حتى دهمتنا هذه الداهمة العظيمة، والكارثة المرعبة، فأمسكنا عن الفرح، وراح في كل بيت بكاة يبكون حول مريض، وحادون يلبسون السواد على فرد نافع، والقوم مشيعون بعضهم بعضاً إلى المقابر، واجفون إذا وضعوا أيديهم في أيدي صحابهم مصافحين محيين، مرعبون إذا ألفوا رجلاً بينهم يسعل، أو أحداً منهم يرجف أو ساخن اليد دافئ الحرارة، وبات الناس على جزع، وأصبحوا على خشية وفرق، فقل الابتهاج بالسلام، والفرح للصلح، ومضى الناس في شغل بمرضاهم وموتاهم وهلكاهم عن الشؤون التي كانوا لا ينشغلون لحظة عنها، ولا يتركون التحدث بها والمناقشة

стр. 2475

في أسرارها وتكهناتها. ولكن ليس في الفاجعات التي غشيت الناس اليوم فاجعة تستدر الشؤون وتبعث الأسى، وتقنع الإنسان بتفاهة الحياة، وغرائب الأقدار، من المصاب الذي نزل بآل المهيلمي فاختطف السيد الكبير، والرأس الجليل، والعميد الوطني الغيور، والشهم الأريحي المشهور، عبد المجيد المهيلمي بك فقد كان فرحاً بالحياة، رجل خبر يبذله لا طالباً جزاء ولا سائلاً شكوراً، وكان زعيماً من زعماء التجار، وبطلاً من أبطال المتجر، أراد قبل أن عاجلته المنية أن يفرح بفتاه ويغتبط بتزويجه، فزوجه وأقام له العرس الفخم، وأنشأ الزينة، ودعا الصحب والعشراء والخلطاء، وهو صحيح معافى، لا يخطر للقوم أنه على مقترب منيته وفي الطريق إلى مقبرته، فلم يلبثوا الأعشية أو ضحاها حتى اغتاله الموت، وفتاه لا يزال في فرحة العرس، وغبطة شهر العسل، ثم لم تكد تمضي أيام قلائل، حتى التحقت به قرينة أخيه عبد الغني بك، ثم اكتمل المصاب بأن انحدر العريس الفتي عبد الفتاح بأبيه في مساكنه، ووافاه في العالم الذي اختاره الله له، وكذلك قضي الوالد وابنه نحبهما على فترة صغيرة، كأنما كانا على موعد مضروب وكأنما أبى الوالد أن لا يهنأ له مضجع في الأبدية ويطمئن به المقام أو يزوره فتاه ويعيش ثمة على مقربة منه. مصاب جليل، ونكبة عظمى، وقعت في عجلة، ودهمتنا بسرعة، فكان الأسى عظيماً، والحزن أليماً، ولا رد لقضاء الله، ولا حول ولا قوة إلا به. ونحن نسوق العزاء إلى شقيق الفقيد عبد الغني بك ونسأل الله له السلوى وتخفيف وقع المصاب وأن يطيل حياته ويزيدها ما انتقص من الكريمين الراحلين.

стр. 2476

مطبوعات جديدة تاريخ مصر وضع حضرة الأديب الفاضل عمر أفندي الاسكندري الموظف بوزارة المعارف المصرية - وأسعده في ذلك حضرة الفاضل الأستاذ سليم أفندي حسن والميجر ا. ج. سفدج الموظفين كذلك بوزارة المعارف - كتاباً مدرسياً لطلبة المدارس الثانوية من أبدع ما يوضع لطلبة المدارس - في تاريخ مصر القديم والحديث، والكتاب يقع في جزأين مستقلين يقعان في قريب من ستمائة صفحة، وقد عنون حضرته الجزء الأول بهذا العنوان تاريخ مصر إلى الفتح العثماني مع نبذ في أخبار الأمم التي ارتبطت بمصر من ذلك العهد والثاني بهذا العنوان تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر مع نبذ الخ وفي الكتاب نيف وثلاثون ومائة صورة بين مصورات جغرافية وتاريخية وبين صور أشخاص وآثار، ولغة الكتاب لغة صحيحة بريئة من التبذل والضعف والأخطاء النحوية واللغوية وقد توخى فيه الإيجاز غير المخل جهد استطاعته بحيث يؤاتي محبي الاطلاع من غير طلبة المدارس، وهو مطبوع في مطبعة المعارف المشهورة بدقتها وجمالها على ورق جيد صقيل، وقد قررته وزارة المعارف ليدرس في مدارسها الثانوية، وهو يباع باثنين وأربعين قرشاً صاغاً ويطلب من مكتبة المعارف بشارع الفجالة بمصر. تاريخ الأتراك العثمانيين وأهدى إلينا حضرة الأديب الفاضل الأستاذ حسين أفندي لبيب المدرس بمدرسة القضاء الشرعي كتابه الذي سماه تاريخ الأتراك العثمانيين وأتى فيه على تاريخ الدولة العثمانية منذ نشأتها إلى اليوم - وهو مترجم عن الانكليزية، وهو الذي نشرنا منه الفصل الخاص بالأدب التركي في هذين العددين، والكتاب يقع في نيف وأربعمائة صفحة من الصفحات الطوال ولغته جزلة متينة وفيه أبحاث قيمة انماز بها عن غيره من الكتب الموضوعة في تاريخ آل عثمان وثمن الكتاب ثلاثون قرشاً صاغاً وهو يطلب من صاحبه الفاضل وعنوانه مدرسة القضاء الشرعي.

стр. 2477

العدد ٤٥ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١٩

стр. 2478

هل (١) هل من سبيل إلى قتل شبح الحرب في الأرض واستقرار السلام إلى الأبد؟ (٢) هل من وسيلة إلى إبطال الشراب في العالم؟ (٣) هل يجوز للأزواج أن يتكلموا في المجالس عن زوجاتهم (٤) هل ثمة شيء مما أفسدته هذه الحرب هو أولى بأن يبادر بإصلاحه قبل غيره؟ وما هو ذلك الشيء؟ (١) هل من سبيل إلى قتل شبح الحرب في الأرض في هذه الأيام - ونحن على أبواب سلم بين الأمم، ومستهل صلح بين الشعوب. بعد جنة هذه الحرب النكراء، ولوثة هذا القتال العنيف الذي لبث بضع سنين - لا نجد فرصة أطيب، ولا سانحة خيراً من هذه، لنشر آراء طائفة من العظماء، كتاباً وشعراء وساسة وقساوسة ومتدينين، ومؤرخين وعقليين، عن هذا السؤال الذي وضعته مجلة من كبريات مجلات الغرب منذ أيام قلائل. رأي جيروم. ك. جيروم الكاتب المفكر الطائر الصيت، صاحب كتاب (أفكار بليدة لمفكر بليد) الذي نشرنا من قبل عدة من مقالاته المختارة لا سبيل إلى السلام العام المقيم إلا إذا انتزع حب الحرب من روح الفرد. ولعل من بين الوسائل المهذبة التي قد تؤدي إلى هذا الغرض، وتحدث هذه الخاتمة، عصبة الأمم، واللاتجنيد، أو إبطال إكراه الناس على الجندية، فلعل فيها بعض الفائدة، ولعلها قد تجدي شيئاً من الجدوى، على انه ينبغي بجانب عصبة الأمم أن ننشئ عصبة أخرى، هي عصبة الصحف، تأخذ على نفسها إثارة الكراهية في قلوب الشعوب للحرب، وتنفيرهم من الاستماع لحكامهم وآلهتهم الأرضيين، وتبغيضهم في التنازع بين الأمم والأمم، والتقاتل بين الشعوب والشعوب. رأي الأب برنارد فوغان من أكبر خطباء إنجلترة

стр. 2479

على قدر مبلغ علمي، أظن أن لا وسيلة لاستتباب سلم أبدي عام إلا بتجربة المسيحية، فقد جربت جميع الوسائل إلا هذه فلم يفكر فيها أحد، وكانت نتيجة جميع تلك التجاريب الخيبة، وكان مآلها الفشل، فلماذا لا نجعل المسيحية سبيلاً من سبل التجربة، ونضعها تحت الاختبار. رأي سير كونان دويل لا أرى سبيلاً ميسورة، ولا أجد طريقة معبدة، وأود لو أنني استطعت، وليتني أجد، أن عصبة من الأمم ننضم إليها ستحدث عصبة أخرى من الأمم تضادها وترى غير ما ترى الأولى، ومن هذا تعود الحرب إلى الدنيا. رأي اللورد أولفرهولم من كبار المهندسين في رأيي أنه لا إبطال التسليح العام ولا عصبة الأمم ولا احتكار الحكومات عمل الذخائر ولا إلغاء الجيوش الحاضرة ولا إبطال التجنيد، ولا وسيلة أخرى من تلك الوسائل التي فكر الناس فيها لإحداث سلم عام في الأرض، تساوي جميعاً ثمن المداد الذي كتبت به في الورق. فنحن الآن نعيش في حياة وتطور غريب في الطبيعة البشرية من شأنه أن لا يعبأ بالمحالفات. ولا يكترث بالمعاهدات، ولا يعتد بالقوانين والشرائع، إذن فما الجدوى اليوم من البحث في إنشاء عصبة أمم، ومحالفات عديدة، والإكثار من وضع المعاهدات. ونحن رأينا أن المعاهدات السابقة لم تعتبر إلا قصاصات ورق ولكن كما شاهدنا أمراء الإقطاعيات القديمة في التاريخ كفوا عن الإغارة على جيرانهم وأعدائهم، إذ اكتشفت طريقة عمل البارود، لأن الغارة على الأعداء أصبحت لا تجلب ربحاً، وتؤدي إلى الخسار، كذلك قد أظهرت الحرب الحاضرة أن الحروب حمقاء، والقتال بين الأمم طائش وأن الرابح فيها والخاسر سواسية، كما قال المستر نورمان أنجل واضع هذا المذهب. إن الاهتداء إلى هذه الحقيقة والإسراف العظيم الذي تجره الحرب والنفقات الهائلة التي تضيع هباء منثوراً، والخسارة الكبرى في الأموال والأنفس والحياة، ستعمل على إبطال

стр. 2480

الحروب في المستقبل وتجعل الحرب بعد اليوم مستحيلة صعبة جموحاً لا تذل لطالب. وهذه الحقيقة خير ولا ريب من جميع المعاهدات وتقليب وجوه الرأي في النيات وإيجاد الوسائل والطرق العديدة، وأجدى من المنافسات والأبحاث والنظريات. رأي سير وليام كروكس العالم الطائر الصيت ستقتل الحرب على مدى الزمن بالبارود الذي صنع لأجلها، وستلغم بالقذائف التي أعدت لها، فإن هذا العلم الذي أخرج جميع هذه المخاوف والمهالك وأدوات التدمير، وقتل النفوس، وإبادة الحياة، سيؤدي بنفسه من جراء إكثاره من الابتكار من تلك المدمرات، وحشد ألوان كثيرة من تلك المخترعات، إلى بغض الإنسانية العامة ويثير في الدنيا مقتاً شديداً وكراهية ملعونة نحوه، ويحدث في نفوس البقية الباقية من سكان الأرض اشمئزازاً منه وأنفة واحتقاراً له، فيجمعوا بينهم فيما بينهم على أن يعتبروا هذا الضرب الخطر من العلم جر ما يعقب عليه في قوانينهم، ويعيشوا في وئام وتحاب وصفاء، مؤثرين ذلك على أن يدعوا قوماً منهم يخترعون أداة حاصدة جديدة لقتل صفوف الفريقين المتخاصمين معاً. فتوى اللورد روبرتسون وزير التجارة فيما سبق لا تطمئن الشعوب إلى السلام إلا إذا اجتمعت كلها على تخفيض تسليحها إلى الحد الأدنى الذي يكفيها مؤونة حفظ قواها الداخلية ونظامها في صميم مملكتها وضد العالم الخارجي، وذلك بإنشاء قانون دولي يسري على الإنسانية أجمع، وهذا العهد الدولي الذي يستطيع أن يكره الأمة الثائرة إلى تهديد السلام على أن ترضخ لإبطال التسلح فإذا أبطل التسليح قل ولا ريب الاعتداء، وإنما لكي يتم الأمان، ويسود الاطمئنان، يجب إنشاء عرف دولي ونظام عام لكي يكون ألباً واحداً على أي معتد يريد أن ينفض يده من العهد، ولعل مصادرة التجارة وقطع سبيل مواردها عن الأمة المعتدية وسيلة صالحة كافية، هذا رأيي في عصبة الأمم. (٢) هل من وسيلة إلى إبطال الشراب في العالم

стр. 2481

وطائفة من فتاوى الكتاب والفلاسفة في ذلك من بين المسائل الاجتماعية التي أحدثت المناقشات الكبرى، وجرت فيها الأبحاث، وتشعبت الآراء، وتضاربت الأحكام مسألة الشراب، وإمكان إبطال الخمر في العالم بأسره، وقد اشتدت المنافسة فيها في بلاد الفرنجة أبان الحرب، وخلال أيامها وأعوامها، ولا ريب في أن وطيس الجدال سيحتدم، وحرارة البحث ستشتد، بعد أن أصبح السلام على قاب قوسين وأدنى، وأوشكت عهود السكينة تستقر، وأيام الهدوء والوئام تستتب، ولعل هذه المسألة الحيوية الكبرى، إنما أقامت الكتاب والاجتماعيين وأقعدتهم، ولفتت إليها الأنظار، وأصابت المكان العظيم من الأذهان، لأنها تتعلق نفوس ألوف من الناس، وأكباد جموع عظيمة من الإنساني، ولأنها تفتح أبواباً كثيرة من القول، وتتباين فيها الآراء، وتصطدم فيها الأحكام. وقد وضعت إحدى المجلات الكبرى في الغرب هذه المسألة على بساط البحث، واستنزلت آراء كثيرين من كتاب الفرنجة وأقطاب فلسفتهم ومفكريهم، فجاء من نواحيهم طائفة طيبة من الخواطر، لا تزال مختلفة جد الاختلاف، وقد أثارت الخواطر والأذهان تلك الحقيقة الجديدة الغريبة، وهي أن كندا وأمريكا استطاعتا أن تبطلا الشراب بتاتاً في بلادهما ومدائنهما فضجت ضجة الغرب وأرادت إلا أن تجد لها سبيلاً على أن تحتذي حذوهما، وأن تبتكر الوسائل لقتل هذا الشبح الذي اشتدت أذاته بالناس. وستجد أيها القاريء أن الفتاوى التي نسوقها إلك فيما يلي إنما جاءت من الكتاب والمفكرين، ولا ترى أثر للساسة وأقطاب الحكوميين، ولذلك نقول أن جميع الوزراء والسياسيين الذين طلب إليهم الإدلاء بآرائهم، رفضوا أن يصدعوا بها ويجاهروا إشفاقاً على مراكزهم السياسية، ومكانهم في الحكومة. وإليك هذه الفتاوى وأسماء أصحابها: رأي برنارد شو الفيلسوف العظيم إن الرأي الذي أدلى برنارد شو رأي قاطع، وحكم لا تردد فيه ولا زعزعة ولا اضطراب، إذ أجاب وقد سئل رأيه: يجب أن يمنع بيع المشروبات الكحولية الشديدة طلباً للربح، وطمعاً في الكسب الوفر، منعاً

стр. 2482

باتاً، في العالم كله، وفي مدائن الدنيا بأسرها، وإلى البد، وآخر الدهر، ولا حل لهذه المسألة ولا سبيل إلى ابتكار وسيلة لإبادة الشراب، حتى يكره عصارو الخمر وتجارها ومنتجوها على أن يتحملوا نفقات الأمراض والجرائم والخمول وقتل النشاط والمواهب والكفاءات التي تحدثها خمورهم، فإذا تيسر ذلك، وضربت عليهم الضريبة الفادحة، وتحملوا إصر جرمهم، انحلت مسألة الخمر من نفسها، وابتهج دعاة إبطال الشراب بتة، وغلغاء الخمر دفعة واحدة. فتوى الكاتب المشهور هيلير بيلوك لا يعجب الإنسان أن يرى هيلير بيلوك ينتحي منحى مخالفاً لبرنارد شو، ويرمي بفكرة متباينة مع فكرته. لأن هيلير بيلوك كثيراً ما اصطدمت آراؤه بآراء زميله، وتعارض الرجلان، ولا غرو أن يشذ بيلوك ويخرج على هذه الفكرة، وهو يحبذ الشراب في جميع قصائده، وتبين رائحة الخمر في عرض كتبه وأشعاره: قال المستر هيلير بيلوك: لا أجد ما أقول غير أن هذه الضجة الكبرى التي قامت تناويء الشراب، وتحارب استخدام المشروبات الكحولية تلوح لي ضجة مجنونة في نهايتها، وحركة حمقاء في بدايتها، ولا أعتقد أن هناك رأياً مذكوراً أو حجة رجيحة تؤيدها وتشد أركانها، وما أحسب إلا أن جموعاً عظيمة من الناس تدعي أنها تعارض في فائدة الشراب، لأنها ممتزجة في أذهانهم بالآداب، وتثير خواطرهم المسؤولية الأدبية، كما ترى كثيرين من الناس يدعون أنهم ضد لعب الورق، أو الرهان على الخيل في السباق، بل وشرب التبغ، إذ يرى الناس أن المودة تحكم عليهم بإظهار آرائهم، لا ينون يدلون بها سواء اعتقدوا صحتها أم لم يعتقدوا، وإذا أنت نظرت إلى السواد الأعظم من أهل الأمم البيضاء في العالم الجديد أو في أوروبا، علمت لأأنهم جميعاً يشربون الخمر ويبتهجون بشرابها، ويسمنون ويتقدمون على احتسائها وقد كان هذا رأيهم من قديم الزمان، وسابق العهد والأوان. فإذا سعى قوم إلى منع الإنكليزي من الاستطراد في عاداته التي نشأ عليها فستكون النتائج مخيفة، والعقبى مرعبة، أما إذا ذكرت هذه النية أمام الفرنسي أو الطلياني، فإنه ولا ريب ضاحك في وجهك ساخر منك ومن نيتك. وقدعقبت المجلة على آرء هذا الكاتب بقولها: إن في آراء مستر هيلير بيلوك شيئاً كثيراً

стр. 2483

من الحق، فإن الإنكليز والطليان والفرنسيين مولعون بألحان، ولا نظن إلا أن الألمان سيحتجون إذا كان إبطال الشراب سيهدد جعتهم وحدائق البيرة التي أنشأوها في جميع مدنهم. فتاوى أخرى وقد كتب الأميرال السير برسي سكوت في أسطر قلائل فقال: لا أرى أن في الاعتدال شيئاًُ من الأذى، فإن شرب الجعة أو النبيذ أو الكحول على المائدة، أو في ثنايا الأكل، وخلال الطعام، لا يحدث أي ضرر. ويقول الأميرال سمث، وهو من بحرية الولايات المتحدة: إن المسألة هي من كثير من الوجوه سياسية بحتة، ويلوح لي أن أمثال هذه المسألة يجب أن تبت فيها كل أمة بنفسها بما يبوافق طبائع أهلها وعاداتهم ومشاعرهم. ولعل الرجل مصيب فإن مطالب ساكن لابلند أو البلاد القصية في القطبين المتجمدين لا تشابه مطالب سكنة المناطق الحارة أو المعتدلة، ولهذا كان حقاً على كل أمة أن يكون لها من ناحية هذه المسألة الاجتماعية تشريع خاص، وسنة منفردة، تصلح لها ولجوها عادات أهلها. رأي كونان دويل أما الروائي المشهور كونان دويل: فلم يرض لنفسه أن يكون متطرفاً في الرأي، بل آثر أن يبكون وسطاً بين الطرفين، ويصلح بين النهايتين، فلم يوافق طلاب إبطال الشراب دفعة واحدة، ولم يسكن إلى دعاة الإكثار منه والإدمان عليه، بل أوجز يقول: إنني أميل شخصياً إلى إنقاص قوة الكحول، وشدة الشراب، حتى تكون المشروبات الخفيفة من نبيذ وجعة مباحة مشروعة، ولا أستطيع أن أقول بإباحة شراب المشروبات الكحولية بأية حال. رأي المستر والتر باروت وقد جاء والتر باروت برأي مزجه بالفكاهة، وخلطه بشيء من المجون، ولكن لا يزال يشتم من رأيه الفكاهي رائحة تحبيذه الكاتب هيلير بيلوك إذ قال: هؤلاء المنهجيون

стр. 2484

المتسخطون إنما يغضبون ويلعنون ذنوباً لا يعرفونها ولم يذوقوا لها طعماً، لكي تتفشى في العالم ذنوبهم التي يجنحون إليها ويميلون، بعض الناس يشربون كثيراً، وفريقاً آخر يأكلون كثيراً، وهؤلاء نفراً من الآخرين، وألوف من الأطباء يثولون أن الين يموتون من كثرة الأكل أكثر من أولئك الذين يقضون نحبهم من كثرة الشرب، وقد قال سدني سميث إذ كان في السبعين من عمره أنه أكل وشرب أكثر مما يلزمه، وأن حجم شرابه وطعامه في ذلك العمر الطويل كان يستلزم أربعين مركبة - ذات أربعة جياد مطهمة - ومع ذلك كان بعد أن حطم تلك السن المتقدمة قوياً نشيطاً إلى النهاية، وكان كثيرون غيره في المائة ويشربون في كل يوم زجاجة من النبيذ، وهذا رأيي ولبك أن تستنبط منه ما تريد. رأي مستر ميار وبسط المستر ميار رأيه - وهو من رجال الدين - فقال بفائدة إبطال الشراب وإليك ما كتب: لا أتردد هينهة واحدة في القول بأن منع شاربي الخمر إثني عشر شهراً بعد الحرب منعاً باتاً مطلقاً سيكون ولا ريب أنجع الأدوية، وأنفع وسائل الإصلاح التي يستطيع الذهن أن يبتكرها، فلو أننا فعلنا ذلك لامتلأت خزائننا من المال بما لا تستطيعه القروض واليانصيبات، ويكون الوسيلة الحسنى لإبادة الفساد والنتائج الطبيعية والعواقب البدنية التي تحدثها الخمرة، وبذلك نستطيع أن نوفر كثيراً مما يذهب من طفولتنا من الوفيات، والمراض، وما يحصدهم من جراء الإدمان على الخمر حصداً، وليس الأمر قاصراً على هذه النتائج، بل ثمت نتائج أخرى، وفوائد جلى، لو أن في استطاعة الساسة والحكام أن ينفذوا هذا القانون في بلاد لا زال الرأي فيها مقسماً والناس مختلفين خواطر وأذهاناً، على أن كثيرين من قواد الأمم، وعظماء الممالك يرون الأرض الجميلة الطاهرة فيما وراء البحار ولكنهم لا يستطيعون إليها وصولاً، لأن مزارها قريب ولكن دون ذلك أهوال. فتوى سميتر وهي الموسيقية الذائعة الذكر ومن بين السيدات المشهورات اللائي صدعن بآرائهن في مسألة الشراب الدكتورة إيتل

стр. 2485

سميتر، وهي من أنبغ نوابغ فن الموسيقى وأكبر وضاع الألحان، قالت: لا أعتقد أن الذين لم تكن لهم علاقة بالمسألة التي سألتموني أن أدلي برأيي فيها، يستطيعون أن يدعوا أن لهم حق الإدلاء بآرائهم، وهذا أمري، وتلك حالي، على أنني أقول أن لي حاسة قوية ضد إبطال أمر لا ضير منه إلا إذا أكثر الناس منه وتغالوا فيه، وطلبوا المزيد والغاية منه، لأنني أرى أن ذلك يبعث على تشجيع التحبب إلى الشيء الذي يمنع، والأمر الذي يبطل، ويقتل الإرادة ويودي بفضيلة ضبط النفس، ومغالبة الشهوات. رأي الشاعر دويسون ولعل أغرب الآراء التي جاءت في هذه المسألة، وأحسن ما نختم به هذا البحث كلمة الشاعر دويسون، وهو رجل يسند اليوم في حدود الشيخوخة، وإن كان قد قصر البحث على نفسه ونظر إلى الأمر من ناحيته، ولم يوغل في الموضوع، ويتناوله من جميع أطرافه قال: أنا رجل شريب ماء منذ أعوام عديدة، ولهذا أميل بالطبع إلى تعميم شرب الماء، قبل غيره من ألوان الشراب. وقد أصاب الشاعر مقطع الحق، بعد جميع هذا البحث والتحكيم (٣) هل يجوز للأزواج أن يتكلموا في المجالس عن زوجاتهم وضعت مجلة من كبريات المجلات في إنجلترا هذا السؤال الغريب، على مائدة البحث وساقت الكتاب إلى الإجابة عليه والإفصاح عن رأيهم فيه، فكان من بين الذين أنشأوا الأبحاث المستفيضة عنه كاتب من كبار الكتاب، آثرنا أن ننقل رأيه لقراء البيان، قال: هناك وسيلتان راجحتان للفرار من متاعب الزوجية، وإغناء النفس عن هموم الأسرة، والعيش في نجوة من آلام الزيجات وهي إما أن لا يتزوج الإنسان مطلقاً وإما أن لا ويلد ولا يخرج إلى نور الدنيا. ومن العبث أن نكسر جرة اللبن، ونسقي الأرض شراباً، ونبكي عليه، ونندب ما سال منه، ونقول يا ليتنا كنا تراباً، ومن السخف أن نجر علينا الهموم بأيدينا، ثم نبكي من أثقرها ونعول ونأسف ونتلهف، بل لا فائدة مطلقاً من وراء التسخط على زوجة غير صالحة، وذك شريكة لا خير منها، فإن ذلك لا عدل فيه ولا طائل تحته ولا يليق بك ولا بزوجك،

стр. 2486

والرجل الذي يطيل الشكوى من زوجه، ويكثر الأنين منها، ولا يفتأ يصدر الأنات والزفرات من عدم صلاحها، لا يصيب في المجالس إلا سخرية، ولا يجد في الناس إلا تهافتاً وهزؤاً، ويضيق القوم به ذرعاً، ويبرمون بحديثه وشكواه، بل لعله مثير في النفوس الرحمة لزوجه التي يلعنها، مكسبها من القلوب شفقة، غير ظافر من السامعين بسخط عليها أو غضب منها أو مشاركة معه في التبرم بها. والقول السائر: وهو أن الرجال مختلفون، ولكن الأزواج سواسية لا بد أن يكون مصدره امرأة، ولا ريب في أنه أول ما قيل في الدنيا إنما خرج من فم زوجة، فإن النسوة المتزوجات إنما يعتبرن جميع الأزواج في نطرهن طائفة واحدة، هي آفة لا بد منها، وأما النساء فثلاث عند الرجال: المرأة التي لا يتكلم عنها زوجها في المجامع مطلقاً. والمرأة التي لا يفتأ زوجها يتمدحها في المجالس ويغالي في وصف محاسنها ومفاتنها. والمرأت التي يذمها رجلها ويعيبها وينتقدها ويحدث الناس أسوأ الحديث عنها. أما النوع الأول من الأزواج فلا نجد عاباً نسوقه إليهم ولا ذاماً نلحقه بهم، بل نوصيهم بالدأب على عادتهم والجمود على شيمتهم تلك، وأما الفريق الثاني والطائفة الثالثة فأحق بالذم، وأدعى إلى النقد، وأخلق بالتأنيب، وإني لا أجد شيئاً يستحق الذم أن أسمع رجلاً لا يفتأ يحدث الناس عن زوجه فيقول أنها طاهية صناع أو مربية صالحة التأديب، أو حائكة تجيد الزركشة والتطريز. فإن للناس أن يذكروا كلما تجاذبوا أطراف الحديث شيئاً عن هذه التفاهات والسخافات وإلا انتفى الحديث وبطل السمر، وذهبت لذة المحادثة والحوار، وإنما أشد ما أكره من المتزوجين ذلكم الرجل الذي يختلي بعد الاستراحة في الفصل الأول أو الثاني من الرواية في دار التمثيل أو الملهى، فيقول لك: إن جميع أولئك الممثلات المليحات، وهؤلاء الراقصات والفتيات لا يدانين امرأته في جمالها، ويمضي يحدثك عن جمال قامتها، وسمو كتفها وأن ذراعيها أجمل ما في الدنيا وما في العالم النسائي كله من أذرع وساعد. ولو أنك اطلعت إلى بيته وشهدت زوجته لعلمت أن كتفيها موضوع سخرية لداتها وأترابها، وملتقى استهزاء الجيران وهدف لتهانف الأقرباء والمليحات، ولو علمت بعله بهذا الكذب الذي يكذبه زوجها على الله وعلى الناس لخجلت وراحت منه غضبى

стр. 2487

نافرة. أما الرجل الذي يسلق امرأته في المجالس بألسنة حداد ويشتد في نقدها ويتعسف في تأنيبها وإظهار مساوئها فأحق بالسخرية، وأجدر بالاحتقار، لأنه امرؤ ضئيل، ورجل صغير غير حازم، ولا عاقل، ومن هذا الفريق معشر كثر لا نستطيع أن نقول عنهم أنهم يميلون إلى نقد بعولاتهم وإظهار مساوئهن، وأنهم يتحدثون فيما بينهم عن أمور تتعلق بهن، ولا يصح إظهارها أو التحدث بها، ولهذا يقعون تحت هذا الضرب من الأزواج، فمنهم من يقول مثلاً لصاحبه وهو يحاوره، إن زوجتي يا صاح لا تدعني أستطيع مغازلة السيدة التي تسكن الطابق المقابل لنوافذنا، ولا أجد من غيرتها سبيلاً إلى - البصبصة - فهي (غيرى - موت) ولا أستطيع أن افلت من مراقبتها، يا لله من هذا الزواج، لعنة الله عليه، إنه احتكار فظيع، واستعباد مرذول، بل إذا رأتني يوماً وأنا في سبيل التحبب إلى الفتاة التي أمامنا من الشرفة أرعدت وأزبدت ولبثت في السرير تؤنبني وأمست إلى منتصف الليل يقظى لا تغمض لها جفن، تبكي وتعول، لأنها غيرى تكاد هذه الحاسة تأكل قلبها أكلاً، نبئني أيها الولي كيف السبيل إلى تهريب الغزل من هذا الجمرك الرقيب العتيد، وكيف الوصول إلى تجمش الحسان؟ مغازلتهن. وهذه الذنوب التي يقع فيها الرجال ينبغي أن تزول وتبطل من عالم المتزوجين، ويجب أن يعلم المتزوجون أن الرجل ينبغي أن يرضى ببعله على كل حال، ويتذكر أنها امرأة وأنه رجل، وعليه أن يحميها ويظلها برعايته ويرفعها فوق تمثال وينصبها فوق دمية أمام الناس وبين الجماعات، وإن علم في قرارة نفسه أن هذا المعبود الذي رفعه وأقام له التمثال لا يزال ينهض على ساقين من الفخار. ولعل قلة الزواج الآن وكساد سوقه ونفار الشباب منه. من المسائل الاجتماعية الخطيرة التي تهدد الحياة. وتنذر الجيل الحاضر بالسوء والويل، وإذا لم تبتكر الوسائل الصالحة لدرء هذا الخطر وإزالة هذا الضرر فإنه يخشى أن تزداد الحال سوءاً ويتفاقم الخطب إذ يوجد اليوم نفور عام بين فتيان اليوم من تحمل أعباء الحياة الزوجية والاضطلاع بأوزار المعيشة العائلية: والسبب الأكبر الذي بعث هذا النفور وأقام هذه الخشية هو أن الزواج قد فقد روح الخيال، وانتزع منه العنصر الروحاني، فإن ابن اليوم، وفتى العصر، يختلط

стр. 2488

بالمتزوجين ويجلس في مجالس الكهول من الأزواج، ويسمر مع العجائز والشايخين ويشربهم نخبهم، ويشاطرهم الكؤوس ولذة السمر والمحاضرة، فيلاحظ منهم السخط الذي يبدونه من أمر الزواج، والآلام التي لا يفتأون يبالغون في صوفها ورسماه في أشنع تصوير، وتركيبها في أشعث صورة، ويشهد الأنات والزفرات واللعنات التي تتصاعد منهم إذا جاءت سيرة الزواج، فلا يني الفتى يقول في نفسه: مالي ولهذه الغمة، وما أنا وهذه الأحمال الثقيلة، وقد رأيت الذين جربوا قبلي باؤا من التجربة بالويل والحرب. فلكي نرغب العزاب والفتيان في الزواج، ونجعله جميل المنظر، فتان المحيا، يجب أن نعطيه لون الإيديال وينبغي أن نلبسه لبوس الكمال والروحانية، ونغدق عليه من مفاتن المثل الأعلى، ولا ننظر إليه من الناحية المادية، وإذا نظر إليه من الناحية الروحانية الكمالية التي تفتن العواطف، وتجتذب النفوس، فلا نلبث أن نرى أمثلة طيبة من الزواج الكامل، ويظل فيه الزوجان حبيبين راضيين بعضهما عن بعض إلى النهاية. (٤) هل هناك شيء مما أفسدته هذه الحرب هو أولى بأن يبادر بإصلاحه قبل غيره رأي الليدي روندة وهي من كبار المفكرات وزوج اللورد روندة مراقب التموين الصحة إن أول أمر ينبغي النظر فيه لبناء ما تهدم من أنظمتنا الاجتماعية والأهلية في العصر المقبل هو أن نهتم بأن يكون الأساس الذي ينهض عليه ما نبني متيناً قوياً صحيحاً، ولا ريب مطلقاً في أن الأمر الواجب الأول للظفر بهذه البغية هو العناية بالصحة فلنحشد اليوم جميع قوانا ولنبذل الجهد كله ونتضافر على أن يكون كل فرد يرد في هذه الدنيا مستطيعاً بما يعد له من الفرص، ويهيأ له من السباب أن يظفر ويتنعم بالصحة التامة الكاملة فإذا فعلنا ذلك وتمت لنا هذه النية الأولى استطعنا أن نأخذ في سبيلنا من ترميم ما تهدم من بناء الحياة ونحن مطمئنون عليمون بأننا نرفعه فوق أساس طيب متماسك.

стр. 2489

رأي كونان دويل إصلاح قوانين الطلاق السير كونان دويل - هذا الروائي العظيم - أقدر المفكرين على تناول مسائل الزواج بالإصلاح، وأعلم الكتاب بمطالبه وما يستلزمه من الإصلاح، وإليك الرأي الذي ذهب إليه، وهو رأي جديد سديد لا تردد فيه، ولا باعث عليه إلا الرغبة في كثرة المواليد، وتوفير الزيجات لتنمية السكان والتعويض عن الجماهير العديدة من فتيان الأمم وأقويائها الذين طاحت بنفوسهم الحرب الماضية. قال: البحث الأول الذي ينبغي أن نهبه جميع قوانا هو موضوع الخسارة التي لحقت الجماعات من ناحية عدد السكان فلكي نملأ الفراغ الذي أحدثته الحرب ونسد الثلمات والفرجات التي فغرت فاها من جراء القتال، يجب أن نشرع شرعة جديدة، ونصدر قانوناً طريفاً يقضيه بأن يذلل السبيل إلى الطلاق لتلك الجموع العظيمة من أمم الغرب من أولئك المتزوجين المفصولين عن زوجاتهم بحكم الخصومات والفشل الواقع بينهم، حتى يتسنى لهم بعد ذلك الزواج ثانية وتأسيس الأسرات، وستنتفع الآداب العامة من هذا القانون وتستفيد الأخلاق الاجتماعية من هذه السنة، وهي الآن متقهقرة راجعة فاسدة من جراء الوساوس الدينية وما غليها من المنازعات والآراء المتضاربة من ناحية الكنيسة. رأي برنارد شو الشنق لا يزال برنارد شو رجلاً قاسياً في حكمه، قاطع الرأي، لا يتلجلج ولا يتجمجم ولا يضطرب، وهو يميل إلى المجون، ويجنح إلى العبث، فقد كتب إلى صاحب المجلة التي دعته إلى إرسال رأيه في أوجب طرائق الإصلاح، ما يلي: لا ريب في أن تقصدون من هذا السؤال الذي أرسلتموه إلى أن أكتب إليكم كشفاً ببيان أسماء الأشخاص الذين يجب أن نشنقهم، قبل أن نأخذ الطريق إلى الإصلاح، فلهذا لا أميل إلى أن أرد عليكم. ولعل برنارد شو يريد بهذا الشنق طائفة من الساسة وقواد الحروب، وليته وضع القائمة

стр. 2490

حتى نعلم رأيه البديع في المجرمين الذين يجب أن تثأر الإنسانية منهم. فتوى محافظ لندن التضحية وقد جنح السير هوريس مارشال إلى الاعتقاد بأن تلك المشاعر التي استثارت الإنسانية إلى الحرب، وتلك الوجدانات الحية التي بدت على الأمم في هذا النواع التي أسهمت فيه الدنيا، يجب أن تعاد ثانية ويعض عليها بالنواجذ في أيام السلم، إذا كانت الإنسانية تريد أن تظفر بالنجاح والترقي قال: أول الواجبات التي ينبغي أن نضعها في البرنامج الذي نسير عليه في عهود السلام، وبعد هدأة الحرب، هو ذلك الاستعداد العظيم للتضامن والتضحية الوطنية، والمشاعر الطبيعية نحو الدفاع عن الأمة، أولئك جميعاً التي ظهرت في أيام الحرب، وهذه تتطلب الشجاعة وإنكار الذات، واحتمال المصاعب والمشقات، وتبعث الناس كما ابتعثتهم في أيام الحرب منذ أربعة أعوام، على تغيير حياتهم وتهذيب وجوه عيشتهم التي اعتادوا على سلوكها والأخذ بها من قبل. رأي مستر هري لاندر الصناعة الأهلية يجب أولاً أن لا تسمح الأمة بقبول المصنوعات الأجنبية في بلادها فإذا صنعت الأمة حاجياتها من المصنوعات، واستغنت عن غيرها ولم تشتر شيئاً من ذلك من جيرانها، تم الإصلاح الأولـ، ووجد العمال في البلاد العمل الذي يغنيهم ويكفل لهم تكاليف الحياة، فإذا كان لا بد من أن يرد إلى المملكة من المواد الخام التي لم تصنع في المصانع فيجب أن تدفع المملكة الموردة من الضرائب ما يغني عن الصناعة كثيراً من النفقات، ويغري المورد بالرغبة عن التزاحم في التوريد. رأي اللور هاملتون المنازل الموضوعان الخليقان بالعناية قبل كل شيء، الجديران بأن نتضافر على إنقاذهما بعد
следующие страницы →