← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

والرجل الذي يطيل الشكوى من زوجه، ويكثر الأنين منها، ولا يفتأ يصدر الأنات والزفرات من عدم صلاحها، لا يصيب في المجالس إلا سخرية، ولا يجد في الناس إلا تهافتاً وهزؤاً، ويضيق القوم به ذرعاً، ويبرمون بحديثه وشكواه، بل لعله مثير في النفوس الرحمة لزوجه التي يلعنها، مكسبها من القلوب شفقة، غير ظافر من السامعين بسخط عليها أو غضب منها أو مشاركة معه في التبرم بها. والقول السائر: وهو أن الرجال مختلفون، ولكن الأزواج سواسية لا بد أن يكون مصدره امرأة، ولا ريب في أنه أول ما قيل في الدنيا إنما خرج من فم زوجة، فإن النسوة المتزوجات إنما يعتبرن جميع الأزواج في نطرهن طائفة واحدة، هي آفة لا بد منها، وأما النساء فثلاث عند الرجال: المرأة التي لا يتكلم عنها زوجها في المجامع مطلقاً. والمرأة التي لا يفتأ زوجها يتمدحها في المجالس ويغالي في وصف محاسنها ومفاتنها. والمرأت التي يذمها رجلها ويعيبها وينتقدها ويحدث الناس أسوأ الحديث عنها. أما النوع الأول من الأزواج فلا نجد عاباً نسوقه إليهم ولا ذاماً نلحقه بهم، بل نوصيهم بالدأب على عادتهم والجمود على شيمتهم تلك، وأما الفريق الثاني والطائفة الثالثة فأحق بالذم، وأدعى إلى النقد، وأخلق بالتأنيب، وإني لا أجد شيئاً يستحق الذم أن أسمع رجلاً لا يفتأ يحدث الناس عن زوجه فيقول أنها طاهية صناع أو مربية صالحة التأديب، أو حائكة تجيد الزركشة والتطريز. فإن للناس أن يذكروا كلما تجاذبوا أطراف الحديث شيئاً عن هذه التفاهات والسخافات وإلا انتفى الحديث وبطل السمر، وذهبت لذة المحادثة والحوار، وإنما أشد ما أكره من المتزوجين ذلكم الرجل الذي يختلي بعد الاستراحة في الفصل الأول أو الثاني من الرواية في دار التمثيل أو الملهى، فيقول لك: إن جميع أولئك الممثلات المليحات، وهؤلاء الراقصات والفتيات لا يدانين امرأته في جمالها، ويمضي يحدثك عن جمال قامتها، وسمو كتفها وأن ذراعيها أجمل ما في الدنيا وما في العالم النسائي كله من أذرع وساعد. ولو أنك اطلعت إلى بيته وشهدت زوجته لعلمت أن كتفيها موضوع سخرية لداتها وأترابها، وملتقى استهزاء الجيران وهدف لتهانف الأقرباء والمليحات، ولو علمت بعله بهذا الكذب الذي يكذبه زوجها على الله وعلى الناس لخجلت وراحت منه غضبى

стр. 2487

نافرة. أما الرجل الذي يسلق امرأته في المجالس بألسنة حداد ويشتد في نقدها ويتعسف في تأنيبها وإظهار مساوئها فأحق بالسخرية، وأجدر بالاحتقار، لأنه امرؤ ضئيل، ورجل صغير غير حازم، ولا عاقل، ومن هذا الفريق معشر كثر لا نستطيع أن نقول عنهم أنهم يميلون إلى نقد بعولاتهم وإظهار مساوئهن، وأنهم يتحدثون فيما بينهم عن أمور تتعلق بهن، ولا يصح إظهارها أو التحدث بها، ولهذا يقعون تحت هذا الضرب من الأزواج، فمنهم من يقول مثلاً لصاحبه وهو يحاوره، إن زوجتي يا صاح لا تدعني أستطيع مغازلة السيدة التي تسكن الطابق المقابل لنوافذنا، ولا أجد من غيرتها سبيلاً إلى - البصبصة - فهي (غيرى - موت) ولا أستطيع أن افلت من مراقبتها، يا لله من هذا الزواج، لعنة الله عليه، إنه احتكار فظيع، واستعباد مرذول، بل إذا رأتني يوماً وأنا في سبيل التحبب إلى الفتاة التي أمامنا من الشرفة أرعدت وأزبدت ولبثت في السرير تؤنبني وأمست إلى منتصف الليل يقظى لا تغمض لها جفن، تبكي وتعول، لأنها غيرى تكاد هذه الحاسة تأكل قلبها أكلاً، نبئني أيها الولي كيف السبيل إلى تهريب الغزل من هذا الجمرك الرقيب العتيد، وكيف الوصول إلى تجمش الحسان؟ مغازلتهن. وهذه الذنوب التي يقع فيها الرجال ينبغي أن تزول وتبطل من عالم المتزوجين، ويجب أن يعلم المتزوجون أن الرجل ينبغي أن يرضى ببعله على كل حال، ويتذكر أنها امرأة وأنه رجل، وعليه أن يحميها ويظلها برعايته ويرفعها فوق تمثال وينصبها فوق دمية أمام الناس وبين الجماعات، وإن علم في قرارة نفسه أن هذا المعبود الذي رفعه وأقام له التمثال لا يزال ينهض على ساقين من الفخار. ولعل قلة الزواج الآن وكساد سوقه ونفار الشباب منه. من المسائل الاجتماعية الخطيرة التي تهدد الحياة. وتنذر الجيل الحاضر بالسوء والويل، وإذا لم تبتكر الوسائل الصالحة لدرء هذا الخطر وإزالة هذا الضرر فإنه يخشى أن تزداد الحال سوءاً ويتفاقم الخطب إذ يوجد اليوم نفور عام بين فتيان اليوم من تحمل أعباء الحياة الزوجية والاضطلاع بأوزار المعيشة العائلية: والسبب الأكبر الذي بعث هذا النفور وأقام هذه الخشية هو أن الزواج قد فقد روح الخيال، وانتزع منه العنصر الروحاني، فإن ابن اليوم، وفتى العصر، يختلط

стр. 2488

بالمتزوجين ويجلس في مجالس الكهول من الأزواج، ويسمر مع العجائز والشايخين ويشربهم نخبهم، ويشاطرهم الكؤوس ولذة السمر والمحاضرة، فيلاحظ منهم السخط الذي يبدونه من أمر الزواج، والآلام التي لا يفتأون يبالغون في صوفها ورسماه في أشنع تصوير، وتركيبها في أشعث صورة، ويشهد الأنات والزفرات واللعنات التي تتصاعد منهم إذا جاءت سيرة الزواج، فلا يني الفتى يقول في نفسه: مالي ولهذه الغمة، وما أنا وهذه الأحمال الثقيلة، وقد رأيت الذين جربوا قبلي باؤا من التجربة بالويل والحرب. فلكي نرغب العزاب والفتيان في الزواج، ونجعله جميل المنظر، فتان المحيا، يجب أن نعطيه لون الإيديال وينبغي أن نلبسه لبوس الكمال والروحانية، ونغدق عليه من مفاتن المثل الأعلى، ولا ننظر إليه من الناحية المادية، وإذا نظر إليه من الناحية الروحانية الكمالية التي تفتن العواطف، وتجتذب النفوس، فلا نلبث أن نرى أمثلة طيبة من الزواج الكامل، ويظل فيه الزوجان حبيبين راضيين بعضهما عن بعض إلى النهاية. (٤) هل هناك شيء مما أفسدته هذه الحرب هو أولى بأن يبادر بإصلاحه قبل غيره رأي الليدي روندة وهي من كبار المفكرات وزوج اللورد روندة مراقب التموين الصحة إن أول أمر ينبغي النظر فيه لبناء ما تهدم من أنظمتنا الاجتماعية والأهلية في العصر المقبل هو أن نهتم بأن يكون الأساس الذي ينهض عليه ما نبني متيناً قوياً صحيحاً، ولا ريب مطلقاً في أن الأمر الواجب الأول للظفر بهذه البغية هو العناية بالصحة فلنحشد اليوم جميع قوانا ولنبذل الجهد كله ونتضافر على أن يكون كل فرد يرد في هذه الدنيا مستطيعاً بما يعد له من الفرص، ويهيأ له من السباب أن يظفر ويتنعم بالصحة التامة الكاملة فإذا فعلنا ذلك وتمت لنا هذه النية الأولى استطعنا أن نأخذ في سبيلنا من ترميم ما تهدم من بناء الحياة ونحن مطمئنون عليمون بأننا نرفعه فوق أساس طيب متماسك.

стр. 2489

رأي كونان دويل إصلاح قوانين الطلاق السير كونان دويل - هذا الروائي العظيم - أقدر المفكرين على تناول مسائل الزواج بالإصلاح، وأعلم الكتاب بمطالبه وما يستلزمه من الإصلاح، وإليك الرأي الذي ذهب إليه، وهو رأي جديد سديد لا تردد فيه، ولا باعث عليه إلا الرغبة في كثرة المواليد، وتوفير الزيجات لتنمية السكان والتعويض عن الجماهير العديدة من فتيان الأمم وأقويائها الذين طاحت بنفوسهم الحرب الماضية. قال: البحث الأول الذي ينبغي أن نهبه جميع قوانا هو موضوع الخسارة التي لحقت الجماعات من ناحية عدد السكان فلكي نملأ الفراغ الذي أحدثته الحرب ونسد الثلمات والفرجات التي فغرت فاها من جراء القتال، يجب أن نشرع شرعة جديدة، ونصدر قانوناً طريفاً يقضيه بأن يذلل السبيل إلى الطلاق لتلك الجموع العظيمة من أمم الغرب من أولئك المتزوجين المفصولين عن زوجاتهم بحكم الخصومات والفشل الواقع بينهم، حتى يتسنى لهم بعد ذلك الزواج ثانية وتأسيس الأسرات، وستنتفع الآداب العامة من هذا القانون وتستفيد الأخلاق الاجتماعية من هذه السنة، وهي الآن متقهقرة راجعة فاسدة من جراء الوساوس الدينية وما غليها من المنازعات والآراء المتضاربة من ناحية الكنيسة. رأي برنارد شو الشنق لا يزال برنارد شو رجلاً قاسياً في حكمه، قاطع الرأي، لا يتلجلج ولا يتجمجم ولا يضطرب، وهو يميل إلى المجون، ويجنح إلى العبث، فقد كتب إلى صاحب المجلة التي دعته إلى إرسال رأيه في أوجب طرائق الإصلاح، ما يلي: لا ريب في أن تقصدون من هذا السؤال الذي أرسلتموه إلى أن أكتب إليكم كشفاً ببيان أسماء الأشخاص الذين يجب أن نشنقهم، قبل أن نأخذ الطريق إلى الإصلاح، فلهذا لا أميل إلى أن أرد عليكم. ولعل برنارد شو يريد بهذا الشنق طائفة من الساسة وقواد الحروب، وليته وضع القائمة

стр. 2490

حتى نعلم رأيه البديع في المجرمين الذين يجب أن تثأر الإنسانية منهم. فتوى محافظ لندن التضحية وقد جنح السير هوريس مارشال إلى الاعتقاد بأن تلك المشاعر التي استثارت الإنسانية إلى الحرب، وتلك الوجدانات الحية التي بدت على الأمم في هذا النواع التي أسهمت فيه الدنيا، يجب أن تعاد ثانية ويعض عليها بالنواجذ في أيام السلم، إذا كانت الإنسانية تريد أن تظفر بالنجاح والترقي قال: أول الواجبات التي ينبغي أن نضعها في البرنامج الذي نسير عليه في عهود السلام، وبعد هدأة الحرب، هو ذلك الاستعداد العظيم للتضامن والتضحية الوطنية، والمشاعر الطبيعية نحو الدفاع عن الأمة، أولئك جميعاً التي ظهرت في أيام الحرب، وهذه تتطلب الشجاعة وإنكار الذات، واحتمال المصاعب والمشقات، وتبعث الناس كما ابتعثتهم في أيام الحرب منذ أربعة أعوام، على تغيير حياتهم وتهذيب وجوه عيشتهم التي اعتادوا على سلوكها والأخذ بها من قبل. رأي مستر هري لاندر الصناعة الأهلية يجب أولاً أن لا تسمح الأمة بقبول المصنوعات الأجنبية في بلادها فإذا صنعت الأمة حاجياتها من المصنوعات، واستغنت عن غيرها ولم تشتر شيئاً من ذلك من جيرانها، تم الإصلاح الأولـ، ووجد العمال في البلاد العمل الذي يغنيهم ويكفل لهم تكاليف الحياة، فإذا كان لا بد من أن يرد إلى المملكة من المواد الخام التي لم تصنع في المصانع فيجب أن تدفع المملكة الموردة من الضرائب ما يغني عن الصناعة كثيراً من النفقات، ويغري المورد بالرغبة عن التزاحم في التوريد. رأي اللور هاملتون المنازل الموضوعان الخليقان بالعناية قبل كل شيء، الجديران بأن نتضافر على إنقاذهما بعد

стр. 2491

الحرب، هما تهذيب المنازل التي نسكنها وتهذيب صحة الأمم، والحرب كما تعلمون أبعث على التساوي بين أفراد الأمم، وهي التي تنفذ المساواة في الجماعات، فقد كان الفتية على اختلاف المراتب والطبقات التي أخذوا منها إلى ميادين الحرب على مساواة واحدة في الحرب من ناحية النظام والطعام والميرة والإخطار والنجاح، ولهذا يجب أن سنتمسك بهذه المساواة التي منحتنا إياها الحرب، وينبغي أن لا نعود إلى عدم المساواة، كما قلنا قبلها، فإن الطبقات العاملة الفقيرة، التي تعيش من أجورها وجزاء عملها لا تبتغي من الحياة إلا أن يكون لها نصيب أطيب وحظ أوفر من مباهج الدنيا وطيباتها، ولا مناص لنا من أن نكفل لهم هذه الحاجة، ونغني عنهم مطالب هذه الأمنية. خواطر الطفولة عاد السير كونان دويل، الروائي الطائر الصيت، إلى تلك الصورة الجميلة التي ينشئها عن الأطفال، وتلك اللوحات الرائعة التي يرسمها لخلق الصبية، وعجائب ما يخرج من أذهانهم الصغيرة، وغرائب ما يصدر من أعمالهم وحركاتهم، ونعود نحن إلى نشر تلك الصور كلما رأينا شيئاً منها في الصحف، وننقل الآن الصورة الأخيرة التي ظهرت في هذا الشهر في عرض المجلة الإنكليزية الكبرى التي آثر كونان دويل أن يخصها بصوره، وقد رسم هذه بعنوان الشقاوة وبحث عن الضفادع والصور التاريخية. يوجد من أنواع شقاوات الأطفال ألف صنف وصنف، ولشقاوتهم أعرا وحالات وظواهر يعرفها كل والد محنق وأم متعفرتة من أصبيتهما، وشقاوات الأطفال الثلاثة الذين صورتهم في القطع الماضية شقاوة ممتازة، متبانية، ولكل منهم شخصية ممتازة في هذه الخاصية، ولكل ماركة مسجلة منها، فأما الطفل الأكبر لادي فقلما يظهر شقاوته فإذا أظهرها فإنما دون إرادته، كأن شقاوته تحدث الكبار فتقول: لا أستطيع إمساك نفسي. إني متأسفة ولكن ما عليكم إلا الصبر والاستسلام ولا جلد لأحد إذ ذاك على مغالبتها ومناوءتها، أما دمبلس الأوسط فشقي بارد الإحساس، صارم الإرادة، شعاره الآن سأتملعن وأتشاقى يوخرج بعدها القول فعلاً، وللطفلة شقاوة صخابة عالية، تحوطها الضوضاء واللجب والبكاء والأعوال، كأنما شقاوتها تقول، لا أكترث مطلقاً بأحد، وسأرمي بشرابي إلى السقف ولا يستطيع امرؤ أن يضبط هذه الحمى الصاخبة، فلا يسع الوالدة المتألمة المغتاظة والوالد وهو يبتسم خفية

стр. 2492

وتبين نواجذه سرقة مسروراً من هذه الإرادة الأنانية الملعونة، إلا أن يصبرا حتى تنقشع العاصفة وتهدأ الزوبعة. وقد كانت شقاوة دمبلس الأوسط قد ظهرت بأجلى مظاهرها في اليوم الذي أكتب فيه هذه الصورة، والحقيقة أنه كان منحرف المزاج معكنن وعندما يكون كذلك، لا يهدأ حتى يقذف به على الناس، ويطلعه على دماغهم، ويطلعه على دماغهم، ويتشفى من الناس الذين حوله، وقد حدث له في اليوم المنصرم حادث أقلق أعصابه، وأثار نفسه، وهي مأساة تراجيدي ذات ثلاث فصول، فالفصل الأول منها أنه في بعض جولاته الحشرية، في البستان. اكتشف عشاً من أعشاش الزنابير فحركه وأهاجه، والفصل الثاني أن الزنابير اكتشفته وحركته وأهاجته، والفصل الفاجع الأخير سمع في جميع أنحاء الحديقة وتردد صداه في حجرات الدار، ودوى دويه في القرية الصغيرة لأن لهذا الطفل حنجرة كل ركن فيها يتسع أجهر الأصوات. ولذلك، بعد هذه الرواية المحزنة التي مثلها وكان فيها خاسراً، لا يزال له شفيع للغضب وانحراف المزاج وطلب الانتقام من الإنسانية، وقد اتخذت هذه كلها منحى غريباً، شأنه في جميع غرائبه وأطواره، لأنه لا يزال طفلاً مبتكراً، فبدأت أولاً تظهر في بضع ملاحظات جعل يضعها في صلواته ويهذب بها النصوص التي اعتاد تلاوتها، إذا أكرهته أمه على الترنيم والوقوف أمام الله، واعلم أن صلواته لا رائحة فيها للصلاة، ولا دليل فيها على الخشوع، بل تمتزج بالكبر، ويبين في أضعافها الإباء والعظمة والزهو، فقد قال تشفياً وحنقاً في ذلك اليوم وقد دعي إلى الصلاة مخاطباً الخالق من فضلك اجعلني طفلاً طيباً - وإني لكذلك. . . .!، فلما أرادت أمه تنقيح هذه التلاوة وتهذيب هذه الصلاة المبتكرة، وأملت عليه فقال: اللهم علمني ضبط نفسي نحو الناس لم يشأ أن يدع هذه الصلاة تمر دون أن يردف عليها وعلم الناس ضبط أنفسهم نحوي! وخرج من الصلاة فأظهر حاجته إلى ضبط النفس، إذ تولاه الغضب وبلغ به الحنق أشده، فجرى وهو يبكي حانقاً مفترساً، وهو يصرف بأسنانه، ويرفع قبضة يده، نحو أخيه الأكبر لادي يردي أن يهوي عليه بألوان مبتكرة من ضرب البوكس، على أن لادي وقف مكانه لم يبرحه، وجعل ينظر إلى هذا الغاضب باحتقار وازدراء ولم يزد عن أن قال بكل برود إتلهي على عينك فحطمت غضب الصغير تحطيماً، وسكنت روعه، وعاد مخذولاً مدحوراً، وكذلك ترى من

стр. 2493

الطفل الأكبر تلك الروح الفارسية العالية والفخار والتكبر والزهو والسكينة والثبات أمام التهديد والوعيد كما تجد الحب إزاء النعومة واللطف والميل والاستسلام. فلم يكن من الشقي الصغير إلا أن خرج على وجهه يطلب الحديقة لكي يخفي خجله وخزيه، وكان ذلك عقاب له حتى يستشعر جريرة ذنبه، على أن الأبوين لم يلبثا أن ندما وأحسا الحنان، فمشيا إلى الحديقة لرؤية الأزهار، أو لتنسم الرياح واستنشاق علائل الهواء، أو لتفقد البطاطس أو لأي عذر من الأعذار، يستطيعان ادعاءه ليخفي كل عن صاحبه غرضه الحقيقي، ومقصده الأول من الذهاب إلى الحديقة، وكو لكي يرى ما إذا كان من المنفي وما كان من علامه، فلما تقدما خطوات في البستان، لم يشهدا أثراً للمذنب الصغيرـ، ولكنهما لم يكادا يقتربان من التعريشة الدانية الأغصان إلى البحيرة حتى سمعا صوتاً طفولياً عالياً صخاباً عميقاً، فأصاخا إلى تلك الأغنية التي كان يترنم بها الطفل، فأشار الوالد إلى زوجته أن تسكت وتستخفي وتخف الخطى، وتقتدي به في حركاته الخافتة، ففعلت كما أشار وكان الوالدان أشبه في ذلك بالأطفال إذ يلعبون لعبة الاستخفاء، وقد أطلا من خلال الأغصان ينظران خلسة إلى الطفل وكان منظر لا ينساه كل منهما آخر الحياة، إذ ألفيا الطفل يلوح بيده مطرقاً برأسه وهو منطلق في غناء تعلمه من مرضعه وأنشودة أخذها عن مربيته، وأمامه بضع ضفادع، رافعات الرؤوس محلقات الأبصار، جالسات فوق حافة البركة أشبه شيء بصف من الحضور النقادين جالسين في المقاعد الأول من التياتر وينقدون الممثلين ويرقبون حركاتهم. فلم يستطع الوالد أن يمسك نفسه عن البقاء في مكانه بل انطلق من مكمنه فظهر أمام الطفل وهو يصرخ هالو! فلم يكن من الضفادع إلا أن هربت إلى الماء فغابت فيه. فأجاب دمبلس عليها بصرخة مثلها، وهو فرح مسرور ونسي حزنه الأول. فسأله أبوه: أتغني للضفادع يا بني؟ قال الطفل وهو يعلم أن له رقابة شديدة على الحيوانات والحشرات، نعم ولخنفساوين اثنتين، وكان هنا الساعة ضب ولكنه لم يشأ البقاء. فقالت الأم وهي تحتضن عظيمها: وهل تظن يا بني أنها تستلطف غناءك؟ فقال الطفل: إني أعتقد ذلك وأؤكد أتنها تحب الغناء فإنها عندما يروقها شيء تنفخ برقابها

стр. 2494

وأنوفها، ولقد غنيتها دورين فظهر السرور عليها بكل معالمه. وإذ ذاك أقبلت الطفلة وأخوها الأكبر، وكانت الطفلة تمشي منتفخة زهو وخيلاء لأنها ذهبت بالأمس إلى لندن لأجل فحص عينيها، وعادت بنظارة فوق عينيها، وقد ظلت طول يومها تضع المنظار فوق عيني عروستها الخشبية وتنظر إليها نظر الطبيب إلى العليل، وكانت قد أصرت على أن تصطحب العروسة معها إلى لندن ولكن لما نبئت أنه لا يليق أن تأخذها مكشوفة ظاهرة للعيان، أبت إلا أن تكون في سفرها، ولو توضع في صندوق، فكان ما أرادت، ولكنها عندما عادت من سفرها، وسئلت رأيهما في لذة السفر قالت لأمها: لقد كان والله سفراً لذيذاً، وإن كانت عروستي محبوسة داخل الصندوق، ولم تشم الهواء مطلقاً وقد تخيلت الطفلة منذ زمن أقارب وأنسباء وسلالة وعشيرة للعروسة، وابتكرت لها عائلة وأسرة، حتى لقد أخبرت أمها أنها قد تزوجت، فارتعبت الأم وسألتها أن تشرح معنى ما قالت، فلم تزد الطفلة عن أن قالت نهم يا أماه لقد تزوجت شقيق ريجلي عروستي وظلت بعد ذلك تمشي الخيلاء مراحاً وبهجة، مشي الفتاة العروس في الأيام الأولى من زواجها. وقد لمحت في الصور السابقة إلى آثار الطبيعة انسانية الأولى التي تنم عنها هذه الأخلاق التي ظهرت في هذه الطفلة والأدوار التي تقلب فيها الجنس البشري، وهنا أزيد عليها دوراً آخر يزيد حيرة العلماء ويثير فيهم الدهشة، وهو دور التقليد والمحاكاة والتمثيل ذ ترى الطفل في ذلك الدور من حياته يقلد أشياء كثيرة ويدعي مظهر حيوانات مختلفة ويجد في ذلك ويؤديه برزانة ويقوم به لا عن هزل أو مجون، وإنما حقيقة وجداً ويحب التمثيل ويتقن الدور الذي يلبسه، فتجد دمبلس يقول: أنا الكلب كروسو! فيأخذ أخوه عنه قضية مسلمة ويصدقها منه فيقول: جر العصا يا كلب! ثم لا يلبث كل منهما أن يفهم روح صاحبه، فيعارضه في أمره وينتقد وجوهها من ضعف تمثيلية، إذ يقول لادي الأكبر: أنا ثعبان ثم يظل على شخصيته هذه ساعات طوالاً، فلما عسعس الليل، وحان موعد النوم، سأله أخوه: كيف إذن تنام في الفراش يجب ان تنكمش وتلتف وتستدير. وقد يتعب الطفلان من إطالة التمثيل والتقليد ويتبينان حماقة أمرهما ويدركان الروح المجونية فيها، فيضجان بالضحك، ويرتفع الصوت من كل منهما عالياً شديداً، ولكنها عادة أشبه في ذلك بالقضاة جداً ورزانة إذا أرادا التقليد.

стр. 2495

وقد حدث ذات يوم في أوائل الحرب أن رأت الأم طفلها الأوسط واقفاً وقفة جلال وعظمة وأبهة وزهو وكان قد اعتاد في كل يوم أن يتخذ شخصية إنسان يختارها من بين الشخصيات المعروفة في التاريخ فلم يسع الأم إلا أن سألته قائلة: من أنت اليوم يا عزيزي. فأجابها الطفل على الفور: أنا الإمبراطور! فصاخت أمه مرعبة، لك الله. وكيف تقول ذلك يا بني فلو سمعك والدك الآن لغضب أشد الغضب، فلم يكن من هذا الإمبراطور إلا أن قال: أبي!. . . ليس أبي إلا رجلاً إنكليزياً من عامة الناس. وكثيراً ما يغلب الأطفال الميل إلى انتقاد الكبار ويعتريهم الجنوح إلى التعريض بهم والقدح في أقدارهم. فقد سأل يوماً أحد الزوار الخلطاء دمبلس: ماذا تريد أن تصنع في الحياة عندما تكبر؟، فأجاب الطفل: لن أفعل شيئاً وسأكون في ذلك كأبي!! فإذا أنت أردت أن تدرك الغرائب التي يحدثها ذهن الطفل، وتدرس عجائب خواطرهم، فعليك بكتاب حافل بالصور التي تهتاج الخيال ثم سل الأطفال عنها ورأيهم فيها، فإن لوالد هؤلاء الصبية تاريخاً مصوراً عن العالم القديم والأجيال الغابرة، وهذا الكتاب فرحة الأطفال وأستاذهم معاً، إذ يجلس ثلاثتهم في دائرة يحملقون الأبصار في الصور ويحاولون إدراك معانيها، على حين يجلس الولد وراءهم في مقعده، مدعياً أنه أعلم منهم بها، وأكثر معرفة بأسرارها من أطفاله. وأنشأ أبوهم يسألهم: احزروا ما هذا! وكانت أمام أعينهم صورة قبر من القبور التي يصنعها أهل الأدوار الحجرية من عهد الإنسان الأول، فيب وسطها عظام وحولها أواني. فظل الأطفال يمعنون في النظر إليها يوتفرسون في معارفها، وانبرى دمبلس فقال: هذا جوف فيل أكل إنساناً وهذه بقايا الجثة في أمعائه. فرد أخوه عليه يعارضه فقال: الفيلة لا تأكل بني آدم إنما تأكل الأرانب. وقال الطفلة، وكانت قليلة الكلام، فإذا تكلمت فإنما تقول عن نية وقرار وتبت رأياً قاطعاً وقد يكون في أغلب الأحيان الحق والصواب: هذه أواني! فلم يجد الوالد مناصاً من أن يشرح الأمر فيقول نعم هذه أواني يا بني هذا إنسان مات ودفن وهذه الأواني وضعت حوله لكي تكون معه في الآخرة لينتفع بها ويستخدمها إذا شاء، وكانت هذهفكرتهم في تلك الأيام!

стр. 2496

ثم قلب الأطفال الصفحات فاستقرت أنظارهم على صورة من صورها. قال دمبلس: هذا طفل آدمي يرتضع ثدي أمه فقال الوالد أجل هذان روميولاس وريماس، مؤسسا مدينة رومة العظيمة، وكانا في طفولتهما قد فقدا ثدي الوالدة فجعلت ترضعهما ذئبة. قال دمبلس: يا للذئبة من أم جميلة. تصوروا أن نقول صلواتنا في العشي إلى ذئبة! إنها لا تكون إلا صلاة وحشية. فاستطرد الوالد في شرحه فقال: ولكنهما مع ذلك نشآا قويين ولم يلبثا أن أسسا مدينة فتحت العالم بأسره. قال دمبلس: إلا إنجلترة بالطبع فأجاب الوالد: بل وإنجلترا كذلك. فلم يكد يسمع الثلاثة هذه العبارة حتى صاحوا معها صيحة احتجاج قائلين أوه لا يتقل هذا يا أبي!. وأردف لادي وهل كان هذا يليق يا أبي! فأجابه أبوه: لقد كان في ذلك الخير كله لإنجلترة. لقد كنا يومذاك قوماً همجاً متوحشين فجاؤوا لتهذيبنا والآن ما هذه الصورة يا أولادي! وكانت الصورة الأخيرة والحق يقال لغزاً من الألغاز إزاء هؤلاء الأطفال فقد كانت صورة عراف من قدماء المصريين وقف يتلو نبوءته أمام صف من الجند وهم وقوف رافعي الأذرع. قال الطفل لادي: هذا رجل واحد يلاكم ستة! وأصدر دمبلس قراره فقال: هذه امرأة وستة رجال يريدون الزواج بها! ولم يكن من الطفلة إلا أن هزت رأسها المتجعد وقالت: عساكر! وكذلك جعل الأطفال يحدسون ويخمنون، كلما قلبوا صفحات الكتاب بين أيديهم، وكانوا في ذلك أشبه شيء بآخر الأكمام الجديدة في نهاية أحدث الأغصان في شجرة الحياة العظيمة وكانوا في ذلك الكتاب ينظرون إلى ما صنعت تلك الأزاهر القديمة الغابرة التي طلعت فوق الأفنان الماضية التي أبلت وذوت منذ أقدم عهود الزمان، وستثمر أيضاً هذه الأكمام وستذوي وتذهب ويجيء بعدها غيرها يبعد عنها بعد بابل عنا فتحملق وتنظر إلى هذه الأكمام وتسخر منها وتضحك إذ تتراءى لها في كتب التاريخ وصوره ولوحاته رسوم

стр. 2497

طياراتنا وسفائننا وجوارينا والأدوات التي ابتكرناها للتغلب على الطبيعة. وكذلك كانت الإنسانية تصنع وتثمر وتبتكر، ولكن ما القصد، وما النهاية، وما الخاتمة، لقد كان أذى الحياة مخيفاً وصخاباً رائعاً، وكان يدفعهم جميعاً ويسوقهم أمامه إلى الساحل المجهول.

стр. 2498

الإسبريتيوالزم أو الحركة الفكرية القائلة بوجود الروح والرأي الأخير الذي صدر من زعيمها سير أوليفر لودج العالم الطائر الصيت سير أوليفر لودج هو العالم الكبير الذي يناضل اليوم ويسعى بكل قواه إلى إثبات وجود الروح والحياة بعد الموت، وقد أثار بأبحاثه وتواليفه ولاسيما كتابه الأخير رايموند أو الحياة بعد الممات ضجة كبرى في عالم العلم، وقام العلماء وأقطاب المفكرين في آثاره بين معارض ومنتصر، وقد أوفدت مجلة من المجلات الذائعة الذكر في الغرب رجلاً من كتابها ليقف على آراءه الأخيرة في أمر الإسبرايتيواليزم وقد نشر هذا الحديث في هذا الشهر ونحن ننقله للقراء قال السائل يا سير أوليفر لودج، لقد كلفت أن أسألك ماذا تم في أمر الإسبرايتيواليزم اليوم.؟ فأجاب سير أوليفر، أما عن الإسبرايتيواليزم فلا أجيبك لأنني لا أحب هذه الكلمة كثيراً اللهم إلا إذا كان يردا بها التعبير عن فرع خاص من الفلسفة، أما من ناحية أنها تؤلف طائفة خاصة، فلا أنتسب إليها ولا علاقة لي بها ولا شأن لي معها وإن كان لا ريب في أنها تجتذب إليها جموعاً عديدة من الناس. قال الكاتب، ولكن لا شك في أن لهذا البحث وجهة علمية كما أن له وجهة عاطفية دينية. فأجاب ذلك العالم، نعم ككل شيء سواه في الدنيا، وهي من ناحيتها العلمية تسمى عادة الأبحاث النفسية وقد بدأ هذا البحث حول تلك الموهبة الإنسانية المجهولة، ومنذ اكتشفت التليبائي أو الاتصال الموجود بين الذهن والذهن، أصبح يجوز لنا أن نستنبط منها أن الجسم والذهن لم يكونا منفصلين بعضهما عن بعض وأن أحدهما قد يعيش بالآخر، وقد دلت التجاريب التي أداها بعضنا إلى أن يعد مسألة هذه الحياة التي قد تكون بعد موت أحدهما حقيقة تقوم عليها الأدلة. قال الكاتب وهذا ولا ريب أمر يعد من الأهمية الأولى أليس هذا ما ترى؟ فأجاب: نعم. هذا ما أنكره فإنها من الأهمية بحيث يجب اتخاذ الحيطة والعناية قبل أن نعدها حقيقة مقررة نهائية، على أنني لا أوال في ريب من أن الدليل عليها سيصبح من

стр. 2499

القوة والسلطان والتأثير بحيث يشستطيع التغلب على الذين يعارضون فيها ويصرون على أن لا يروها. وأنا لا يسعني إزاء بعض أولئك غلا أن أشترك معهم في العاطفة وأشفق عليهم لأنني أرى الصعوبات التي تحول دونهم. وأنا لا أدعي القول بأنه من السهل الاقتناع بأن الشخصية والذاكرة يعيشان بعد فناء الذهن. بل كل ما أقوله هو أنه قد وجدا يعيشان. وهذا يمكن أن يشير إلى أن الذهن ليس إلا أداة أو عضوا يستخدمه شيء غير محسوس مطلقاً، شيء يوجد في العالم النفساني لا العالم البدني، شيء لم يكتمل ويصيب النماء إلا باشتراكه مع البدن أو المادة. ومن هذا يصح أن نعرف الذهن بأنه أداة من أدوات البدن، أداة صلة واتصال، لا أداة مفكرة قائمة بذاتها لأن الذهن الذي لا هيئة له والغير مجسم لا بد له من وسيلة إلى إعلان نفسه وإثباتها وإظهار حقيقة وجود ولكن هذا لا يستلزم أن تكون هذه الوسيلة من المادة العادية التي نعرفها أو إذا كان لا بد من ذهن لأجل الاتصال بنا في هذه الأرض فيجوز أن يستخدم جزء من ذهن شخص آخر لهذا الغرض الوقتي، فذهن هذا الشخص هو الذي نسميه - الواسطة - أي واسطة الاتصال والمخابرة. قال الكاتب: إذن فهل أتعقد أنكم ترون استقلال الذهن عن المادة أمر ثابت؟ قال العالم: أجل إن الذهن أبقى وأثبت من أداته البدنية وهو يعيش ولا ريب بعد هذا البدن الحاضر الملموس ويبقى على حاله قائماً بلا تغيير. فسأله الكاتب: أيمكن أن تشرح لي كيف أهتدي إلى تقرير هذه الحقيقة؟ فأجاب: من الناحية العامية بما يشهده بعض الأشخاص الذي يفقدون أحبابهم والأعزاء لديهم ومن الناحية العلمية بطريقة التخاطب وضروب أخرى معقدة من الأدلة لا تزال في استمرار. قال السائل: هل يمكن أن تشرح لي الطرق العامية أو العادية لإثبات هذا الأمر؟ فأجاب: بلا ريب، فإن فريقاً كبيراً من الناس الذين يفقدون أقاربهم يذهبون إلى - واسطة - يوثق به فلا يذكرون له أسماءهم ولا يتطلب الواسطة منهم معلومات أو استفهامات. ولا يقول الأشخاص لهم كذلك شيئاً منها، والواسطة كذلك يفضل أن يكون جاهلاً بزبائنه كل الجهل. وفي بعض الأحيان يصحب شخص آخر ليثبت ما يدور من الكلام، ففي كثير من هذه الأحوال بل أقول في معظم هذه الأحوال، يرى أن الدليل قوي جداًـ قاطع مدهش إذ

стр. 2500

يتحقق الشخص من شخصية الميت الذي فقده ويرى أنه في لهفة واشتياق إلى مخاطبة أقاربه وإرسال رسائل لهم، وهي رسائل محبة وعطف في الغالب. وتحقيق شخصية وإثبات وجود. قال السائل هل لك يا سيدي أن تذكر لي طائفة من هذه الأمثلة؟ فأجاب السر أوليفر: خذ مثلاً شاباً قتل في هذه الحرب وتصور أن أبويه استطاعا أن يتخاطبا معه فإنه سيحييهم كعادته يوم كان في هذه الحياة ويدعوهما بامسيهما، أو قد يناديهما بأسماء الدلال التي اعتاد البنون أن ينادوا بها آباءهم وقد يسألهما عن أخوته وأخواته بأسمائهم جميعاً أو بما يشير إليهم من طرف خفي، لأن الأسماء في بعض الأحيان متعبة من ناحية الوصول إليها، وقد يذكر أدلة وتعليقات وغشارات معروفة تميزهم عن أبويهم، وكثيراً ما يذكر ما يدل على أنه يعرف ما يفعلون إذ ذاك والأمر الذي يشتغلون به وقد يبسط معالم هيئته وشكله، وقد يذكر الواسطة علامات وإمارات صغيرة ولكن حقيقية كالبقع في الوجه أو الخدوش أو الحالات أو علامة من العلامات المختلفة. وأما عن ذكر الحوادث فإنني لأذكر أن في حالة من هذه الحالات قال ميت من الفتيان لأبويه أنه كان قد ضرب موعداً بينه وبين أخيه على اللقاء في فرنسا على كوبري معرفو فلما توافيا إلى الموعد وأقبلا إلى المكان المضروب لم يكت للكوبري أثر بل طار على أثر القذائف وتبدد من القنابل ثم جاء بعد ذلك خطاب من أخيه الذي عاش بعد هذا الحادث، ونجا من القذائف مؤيداً هذا الأمر مؤكداً هذه الحقيقة. وكان الأبوان لا يعرفان من هذا شيئاً عند ما جلسا إلىمخاطبة فقديهما. وغليك ثملاً آخر: ثلاثة أخوة قتلوا جميعاً، فذكر الواسطة أسماء الثلاثة إلى أبويهم، وكان أحدهم وهو أصغرهم هو المتكلم، فقال على لسان الواسطة، قل لأبي أنني لم أتكلم كل هذه المدة التي غبت عنها! وكان الفتى في الحياة ثرثاراً وكان أبوه كثيراً ما أنبه على ثرثرته وعاقبه على كثرة كلامه. وفي حالة أخرى كان المتكلم فيها من العالم الآخر صبياً صغيراً فطلب من أبويه أن يعطيا ما في جيب صداره إلى أخيه الصغر، فلما فتشا جيوب الصدار وجدا قطعة من النقود في الجيب الذي وصفه.

стр. 2501

والوصف الشائع في مثل هذه الأحوال هو وصف المنزل القديم الذي كان يقيم فيه الميت والأثاث والصور المعلقة فوق الجدران، بل كثيراً ما يذكر أسماء الكتب المصفوفة في المكتبة. قال السائل: وهل يجيب الموتى على أسئلة معينة؟ فأجاب سير أوليفر لودج: إنهم لا يتذكرون دائماً ما يتوقع السائل منهم أن يتذكروا، لأنه من الصعب أن تكره روحاً على أن تعود إلى ذكرى شيء نسيته وتعفى واندثر من لوحتها، ومن الحوادث التي نستشهد بها هو أن شابين صديقين حميمين ماتا من مرض في أثر بعضهما البعض ولكن كان كل منهما في بلد بعدي عن بلد صاحبه، فلما مات أصغرهما وهو هربرت حبس الأصدقاء هذا الخبر عن الصديق الآخر، على أنه عندما مرض هذا وجاءت ساعة المنية، قال وهو يبتسم: أهلاً بك يا هربرت مسرور لرؤيتك! ومن الأمثلة التي ذكرها السير وليام باريت في كتابه الحادثة التالية: وهي أن ضابطاً من المستشهدين في الحرب قال بعد انتقاله إلى العالم الآخر على لسان الواسطة أنه يريد أن يرسل دبوس ربطة عنقه، الموجود في أمتعته إلى سيدة ذكر اسمها وعنوانها وقال أنه خطبها سراً وأراد الاقتران بها، ولم تكن أسرته تعرف شيئاً عن هذا من قبل، فلم يسعهم إلا أن يكتبوا خطاب استعلام بالعنوان الذي ذكره ولكن الخطاب أعيد إليهم وقد كتب فوق الغلاف (غير معروف) فظن القوم أن الأمر خيال متخيل. ووهم من الأوهام على أنه عندما جاءت أمتعته من ميدان القتال. وجدوا بينها الدبوس الذي أشار إليه ولما اكتشفوا وصيته التي كتبها قبل مماته، رأوا اسم السيدة صحيحاً كما ذكر، وقال عنها في الوصية أنها الوارثة له، فقبلت الخطبة واعترف بزواجه بها. وكذلك كان كل شيء مما قال صحيحاً إلا العنوان، وأنا لا أعرف سبب هذا الخطأ في العنوان، على أن العادة في مثل هذه المخابرات أن يكون جزء منها خطأ، ولعل هذا يرجع إلى الصعوبات التي تعاني في مثل هذا التخاطب، أو على عودة الواسطة فجأة إلى حالته الطبيعية، كما يكون من الإنسان إذ ينتبه بغتة من الحلم ثم إذ تغفى عينه ثانية يعود إلى حلمه فيسترسل فيه. قال السائل: إن أمثال هذه الأغلاط تجعل م الصعب الاهتداء إلى أدلة مرضية مقنعة. فأجاب ذلك العالم المشهور: بلا شك فإن هذه الأدوات الإنسانية التي تستخدمها في التوسط

стр. 2502

بيننا وبين الأرواح مهما كانت مخلصة لا يمكن أن تكن كاملة القوى في جميع الأحوال وليس في الإمكان تجنب هذه العودة الفجائية إلى الحالة الطبيعية، ولكن هناك فرقاً عظيماً بين الواسطة الطيبة والواسطة الرديئة. قال السائل: إذن أنت مقتنع بأن الحياة غير محدودة بالحياة على الأرض وأن هناك عالماً آخر ننتقل إليه؟ فأجاب: هذا ما لا ريب عندي فيه، ويلوح لي اليوم أن الموت أمر لا يخشى منه بل حادث يؤمل وأمر يبتغى، لأنه ولا شك رحلة لذة طيبة ولا أعتقد أن هذا الانتقال أليم معذب مرير، بل أن الإفاقة من الغشية قد تكون مؤلمة، ولكن الانتقال في العادة ليس فيه ألم أو عذاب.

стр. 2503

الغازات الخانقة في عالم الحشرات لا تحسبن أن العلم الحديث، بجميع ما ابتكر واستحدث وابتدع، من هذه المخترعات العديدة التي لا يكاد يحصيها العد، يستطيع أن يبز عظمة الطبيعة أو يغلبها على جلالها أو ينتقص من أطراف روعتها، ولا نظن أن العلماء وأهل الفنون والمبتكرين يدانون الحشرة الصغيرة في فنها، أو سيحاكون النملة في جلائل أعمالها، ولعل خير ما قال الحكماء في عظمة الإنسان والفارق بينها وبين عظمة الطبيعة ما قال المؤرخ جبيون إذ وصف في كتابه سقوط رومة روعة كنيسة أيا صوفيا في مدينة القسطنطينية وما كان من الفنون البيزنطية وبراعتها وسموها حتى لقد استغرق وصفه فيها بضع صفحات ثم ختمها بقوله على أن الكنيسة بجميع ما فيها من آثار الفن الإنساني لا تعادل في جلال صنعها العش الصغير الذي تنشئه حشرة العنكبوت في ركن من أركان قبابها العالية. ولقد يتوهم القراء أن هذه الغازات الخانقة التي ظهرت على يد العلم في هذه الحرب مخترع عجيب، ومبتدع طريف، لم تشهده الدنيا، ولم تأت بمثله الطبيعة، ولكن هذا هو الخطأ وذلك هو الوهم، فقد وضع أحد العلماء الحشريين المشهورين مقاله في إحدى مجلات العرب التي ظهرت في هذا الشهر يثبت فيها أن فكرة صنع غازات خانقة للفتك بالعدو تحصين النفس من غارة المغير لا تزال فكرة منفذة في عالم الحشرات، ونحن ننشر هذا البحث لفائدته وغرابة ما جاء فيه من تلك الحكمة الطبيعية التي لا تخص القوة الإلهية به عالم الإنس وإنما يشترك فيها الحيوان والإنسان على السواء. نحن نعلم أن الحشرة لا تفكر ولا تعيش على هدى فكر منظم ولكن أعمالها مع ذلك غريزية محضة فالغريزة هي التي تدفعها في ما استمدته من أدوار تطورها على مدى الزمن لحماية نفسها من شر أعدائها أو مخادعة خصومها أو لجلب كفافها من الغذاء وما تتوارثه عن بعضها البعض وما تهذب فيه من عادات آبائها ولهذا كثيراً ما نلتقي بأمثلة مدهشة فتتوهم لأول وهلة أنها حيل مدبرة وأخاديع منظمة أحدثها عقل كبير، دون أن ندري أنها من صنع الغريزة، وقد دلتني الأبحاث الأخيرة التي قمت بها في فحص بيض ضرب من الدود على أمور مدهشة يحار لها الفكر الإنساني وهذا النوع يسمى لدى الحشريين () وهو حشرات تتغذى بأوراق أشجار التوت والحور، وطريقتها في تغذية نفسها منها طريقة عجيبة خارقة للعادة، وذلك أنها قبل ان تتغذى على الورقة تبتدئ بشمروخها أو ساقها وتنفث فيه بضع

стр. 2504

قطرات من لعابها، ولكما نفثت نقطة رفعت رأسها لكي يتسنى لها أن تجعل السائل الذي تنفثه من لعابها على خط مستقيم وخيط ضعيف وكذلك تضع عدة خيوط من لعابها كالشعرات فوق ساق الورقة ثم تحرك هذا الساق إلى الجزء الأخضر وتبتدئ في غذائها، وتنطلق من طرفها في طريقها إلى الورقة وكلما أكلت قطعة تحوطها بدوائر من لعابها، من الناحيتين العليا والسفلى من الورقة، حتى إذا تم لها ما أرادته من وضع متاريسها حول الورقة، اطمأنت وأخذت في طعامها ثم تسترسل في وضع دوائر من لعابها كلما تقدمت في الأكل. ولا شك في أن الغر من ذلك هو لوضع خطوط دفاعية ولإنشاء متاريس تحصينية ولكن رب سائل يسأل وعلام الدفاع، ولم التحصين وإليك الشرح وهاك السر: يعرف الحشريون أن الحيلة العامة التي تتخذها النباتات من شر الحشرات في أن تضع خطوطاً وشعرات وخيوطاً على سوقها وعيدانها وشماريخها وأوراق أغصانها ولا سيما ما يختص منها بثمارها وأرهارها، وذلك لترد غارة الحشرات الدابة إليها، ومنها النمال وهي أفظع الحشرات شراً على النباتات. وقد كنت أعرف هذه الظاهرة الطبيعية. ولذلك استحضرت جملة من النمل الأسمر الموجود في حديقتي ووضعت واحدة منها على حافة الورقة التي أنشأت تلك الحشرة الأولى فيها متاريسها وخطوط دفاعها، فكان من اهتياج النملة أن انطلقت بسرعة فوق أديم الورقة واندفعت رأساً على تلك الخيوط السائلة، فتكسر خيط منها وتشبث برأس النملة، فبدأ هذه تتململ وتحاول التخلص وبعد أن عانت مشقة طويلة نجحت في الخلاص من أشراكها على أنه لم يصبها الرعب فقط من هذا الحادث، بل جعلت كذلك تلمس وجهها بمقدمة أرجلها ولاح لي أنها أخذت تعطس بكثرة إذا صح أن النملة تعطس وإذ ذاك وضعت نهاية بطنها تحت أقدامها وأطرقت برأسها وجعلت كذلك تتدحرج كالكرة ويحتمل أنها كانت تخرج إذ ذاك شيئاً من الحامض لتفسد مفعول ما تناولته من ذلك السائل الذي نفثته الحشرة الأولى، لأنها بعد لحظات أخذت تفيق وتنتعش ومضت تتحرك بكل احتراس حول الورقة، وما كادت تداني بقايا تلك الخيوط حتى ارتدت على أعقابها ويلوح لي أنها استطاعت أن تشم رائحة ذلك السائل، ولذلك أصبحت متنبهة يقظة.

стр. 2505

فأعدت التجربة في نمال أخرى غيرها فوجدت أن هذه النمال في كل مرة تصاب بهذه الغازات الخانقة كلما لمست هذه النقط الدفاعية.

стр. 2506

روايات البيان مسألة محتاجة إلى بوكاسيو لا أظن أنك تستطيع أن ترتضي لنفسك لقب الرجل العادل أو تنسب إلى نفسك الإنصاف إذا أنت اعتدت أن تهب الوليد الذي لا يزال يناهز العامين من العمر في كل ذات صباح، وفي العشي والأصائل، قطعة من الحلوىـ، ثم يدعوك الاقتصاد وينذرك نذير الحرب، ويطالبك مراقب لجنة المواد الغذائية أن تمنع عن ذلك الوليد تلك الحلوى، وتحرمه تلك الهدية، فتقطع عنه هذا الراتب، وتحول بينه وبين ما تعود فإن الطفل ولا ريب لن يدرك إذ ذاك حججك، أو يستمع إلى منطقك، أو يفهم السبب الذي من أجله أنكرت عليه هذه اللذة العذبة التي كان ينعم بها من قبل، بل أنه لا مراء فاتح يديه، باسط ذراعيه، معول في وجهك، مطالبك بالحلوى مستكثر منها، وسيهز قبضته في الهواء، ويعض أصابعه سخطاً متألماً، وينام على وجهه فوق الأرض وينطلق في بكاء مستطيل وصياح، على أنه لا يلبث أن يرى أن لا بجدوى من دموعه، على أنه لا يلبث أن يرى أن لا بجدوى من دموعه، على أنه لا يلبث أن يرى أن لا بجدوى من دموعه، على أنه لا يلبث أن يرى أن لا بجدوى من دموعه، على أنه لا يلبث أن يرى أن لا بجدوى من دموعه ولا نفع من عبراته، فيحتال الحيل، ويريد المخلص وربما اعتزل في مكان قصي واستبدل الذي شر بالذي هو خير، واستعاض عن أكله قطعة الحلوى بقطعة من الفحم. إن حرباً قلبت الدنيا رأساً على عقب كحربنا هذه لا يكون منها ولا ريب إلا أن تحدث أحداثاً في نظرنا للحياة، وتغير الآداب وتدخل أموراً وعبراً في الخلق والاجتماع. ومن الصعب أن نتوقع من أبناء آدم أن يتخلوا دفعة واحدة عن طلابهم السعادة ويقفوا عن نشدان الهناء، إذ ينهض في الأفق صوت الطبلة الأولى الداعية إلى السلاح المنادية القوم إلى الأمة والتجالة على ميدان الحياة، على أن سواد الناس مع ذلك استطاعوا أن يحتالوا لذلك حيلهم. ويتخلوا عن سعيهم، وقد حبست السعادة اليوم بعد أن طبقت كالثياب في الدواليب، وأغلق عليها بالقفل، واستعاض عنها الملايين من الناس تلك الأثواب الرهيبة الأليمة - أثواب الأسى والحداد - وبذلك قام السواد الأعظم من الناس بالمستحيل، والأمر الذي لم يكن في الحسبان، إذ صبروا على فقدان السعادة وجلدوا على تبدد العناء،

стр. 2507

واعتصموا عنه بأجمل العزاء، ولكن هناك قليلين من الخلائق المعذبة الطاهرة الأذهان البريئة النفوس، البلهاء الضعاف القلوب أولئك الذين لا يستطيعون صبراً، ولا يجدون تجملاً بعزاء، أولئك الذين يصرخون في أثر سعادتهم الضائعة وهنائهم الزائل، ويرفعون الأذرع طالبين قطعة الحلوى التي منعت عنهم متوسلين جازعين لهفى على تلك الفاكهة الصغيرة التي حرموا منها. من هذا الفريق الأخير كانت شيلا سورسيل لها ذهن طفل، وقلب وليد، وكانت تعمل أنها حسناء، وكانت بما تعلم فرحة، وكانت بحسنها جذلى مبتهدة، وكان لهوها أن تقف ساعات أمام المرآة تطيل في وجهها وتقصر، وتبتسم لصورتها، وتقطب، شأن الطفل الصغير، فإذا أغضبها شيء من معارف وجهها أو بزتها، ونفضت خيوط قبعتها، فإنما كان ذلك منها لأنها كانت وهي طفلة غضوب، تعض أناملها، وإذا غنت فرحاً واغتباطاً، على مشرق الشمس ومطلع ذكاء من خدرها، أو إذا مس لج البحر عند الشاطئ بدنها الناعم يوم الاستحمام فكذلك كانت في طفولتها الأولى، حتى لقد أصبحت وهي في التاسعة عشر على طفولتها التي كانت تنم عنها وهي في العاشرة. فإذا كان هذا أمرها، وتلك خليقتها، فلا عذر ولا شفيع لأبويها أن يفارقا الحياة في مبتكر عام ١٩١٤ ويرحلا يداً في يد إلى عالم الأرواح، ويتركاها وحدها بلهاء كأشد ما كانت بلاهتها وهي وليد تدرج في البيت. ولقد كان الثلاثة ينعمون بالسعادة لا تفوتهم فرصة تستطيع أن تجعل الحياة أسعد وأبهج إلا أدركوها واستقبلوا سوانحها، ولكن لم تلبث فجأة بلا نذير ولا إعلان ولا نبأ، أن نكست أعلام السعادة، ولم يبق للفتاة شيلا إلا قلب معذب ودار قفراء وموقدة لا عشيرة حولها، وحساب ثروة طيبة في المصارف. ولما كانت تجهل ماذا تصنع بهذا التراث، ولا تدري ماذا تفعل بهذه التركة أوت إلى فندق في مدينة يورتموث، وانطلقت تبحث عن السعادة التي فقدتها. والأقدار دأبها أن تردف النكبة بأخوات لها، وتجيء بنوائبها متلاصقة متسابقة، إذ ما كادت شيلا تحس أن أحزانها قد بدأت تزول، والأسى يخف، حتى فكرت الأمم أن تعلن الحرب وتنادي بالقتال.

стр. 2508

فلم تدرك شيلا شيئاً عن الحرب، ولم تفهم المعنى الذي وراء هذه اللفظة، وإنما حسبتها مسألة من مسائل الصحف والجرائد، على أنها أسوة ببقية الإنسانية شعرت بتلك اليد الباردة التي مست قلب أمتها في خريف عام ١٩١٤. وكانت شيلا إلى ذلك العهد لا تدري شيئاً كثيراً من طبائع الإنسان، ولكن الآن جعل هذا المخلوق يبدو لناظريها في منظر جديد ومظهر غريب خطير، وعلمت إذ ذاك أن الشقاء والاضطراب والأحزان قد هاجمت العالم، واحتشدت في الأرض، ولما لم تجد ذراعاً رحيمة رؤماً تفزع إليها وأحضان أم حنون تهبط فيها، جعلت تنظر إلى الأسى الذي حولها صعقة آسية حزينة على أنها لم تلبث أن شعرت بشيء من التسخط وأحست روح التذمر تجول في صدرها، إذ شعرت بأن الحرب قد أساءت إليها ولم تسيء هي إلى احد من أهل الدنيا وأن الحرب قد جارت عليها واعتسفتها بدون ذنب ولا جرم. ورأت أن لا دخل لها في الحرب ولا يد ولا سهم ثم هي قد مست حياتها وجرت عليها ذيولها المظلمة وامتزجت بعيشها وتغلغلت في ثنايا روحها. وكان في فؤاد شيلا سوريل نبعات عميقة من نبعات الإحساس والشفقة والرحمة، فلما لم تجد أحداً تفيض عليه من أنهار تلك النبعات، وأمواه تلك الإحساسات، أفاضت بها على نفسها وخصت بها ذاتها فأثارت فيها طائفة من الآلام والهموم، فكان تطوف وتهيم وحيدة معتزلة في بستان الفندق ودروب حائطه وتراضي البحر وعينها ندية بالدمع ثرة بالعبرات. وأنت تعلم أن كثيرات من النساء يقبحن بالدموع، ولا تحسن في عيونهن العبرات ولكن البكاء كان يلوح جميلاً في عين شيلا سوريل، وكانت الدموع تحسن لديها وتروع وتبدو فاتنة جليلة المظهر، وكانت تلك النقط المريرة الأجاج إذ تنحدر فوق وجنتيها المتوردة وتتحير في خدها المستدير الرخص الناعم تجعل منها صورة حسناء تفتن عواطف الإنسان وتثير أجمل وجدانات القلوب. وكان هذا على الأقل رأى الفتى النبيل إزلي وتوكر الضابط برتبة الملازم الثاني في فرقة الهايلندرز، فقد كان هذا الضابط الفتي الحمي الرقيق العاطفة ينسل فوق عشب الحديقة تحت شجيرات الزنبق يحفظ كتاب القوانين العسكرية. فقد كان في ذلك اليوم بعينه قد ألقى تهمة من التهم على جندي من الفرقة، لا أساس لها من القانون، فانتهز قائد جماعته هذه الفرصة لتأنيبه واستحثه على أن يستبدل كتب الأدب التي فتن بها

стр. 2509

بقراءة كتب القانون العسكري، فلبث لزلي ساعة يستوعب طائفة من الإجراءات العسكرية والبنود والمواد التي حشدها وضّاع تلك الشرائع الحربية في قوانينهم حتى برمت نفسه بالقراءة وإذ ذاك وقع نظره على الفتاة شيل سوريل، وهي تلوح من فرجة بين أغصان الزنبق. وكانت شيلا وحدها، وقد جلست فوق العشب، وعيناها نديتان رطبتان ويداها غائبتان في الأغصان تقطف الدانيات من أزاهرها، وأنفاسها صاعدة وزفراتها راجعة، تبعث الرحمة والحنان. فلما أبصر بها الفتى لزلي وهي على هذه الحال، اتقدت عواطف الفروسية بين جنبيه، فنسي دراسة القانون العسكري وواجبه المدرسي من حفظه واستظهاره، فاسترق الخطى وانسل بين العوسج والأفنان والدوالي، يريد التقدم نحوها، حتى إذا داناها قال بلا روية ولا تفكير إني أقول، هل تعرفين ما أقول، أقول أنك تلوحين مروعة حزينة مغمومة متألمة، أتعرفين ذلك! فكان جواب شيلا إني لكذلك. ولكني لم أكن أعرف أن إنساناً يستطيع أن يشهد مني ذلك. قال لزلي: إن المرء ليحزن إذ ينظر إلى وجنتك وخدك على أنني لم أستطع أن أتمالك نفسي، وأرجو أن لا يسوءك ما فعلت فأجابت بعد تمهل وقد رأت أمامها فتى جميلاً: كلا لا يسوءني ذلك مطلقاً لأنه لا يحسن أبداً أن يكون الإنسان حزيناً متألماً وحده بلا أحد يواسيه. فأجاب لزلي بكل تحمس: لا يحسن أن يكون الإنسان حزيناً مطلقاً إني أعرف ذلك إذ كنت اليوم غير مبتهج. فكان جواب شيلا دليلاً على أن عواطفها قد تحولت عن نفسها والتفتت إليه إذ قالت: أتكون حقاً كذلك. هل أنت حزين، ولم الحز؟ قال: وقعت في خلاف والقائد، فعسفني واشتد في لومي يا الله إنه أمر فظيع. قالت شيلا: يا للعار. ويا للسوء ألم نقل له أنه كان في ذلك قاسياً لعيناً! فأجاب الفتى: أنت تعلمين أن الإنسان لا يستطيع ذلك، وأن هناك كتاباً كنت أقرؤه الساعة

стр. 2510

يقول ذلك. قسوة كله وخشونة ووحشية. وبذلك ترين أن النتيجة تقع على رأس الإنسان وحده، وهذا ما يجعل الإنسان حزيناً. قالت شيلا: ذن حالك كحالي. إن النتيجة تقع على رأس الإنسان وحده. قال لزلي: إن لك وجهاً جميلاً ولكن نبئني ماذا يحزنك إنك تلوحين كأنك كنت الساعة تبكين؟. فأجابت شيلا لقد كنت اليوم في بكاء ولكن الدموع صغيرة ولو لم تتحدث إلي لعظمت دموعي، واستهلت صبيباً منهمراً. قال: وما سبب بكائك؟ فأجابت: لا أعرف كل شيء في الطبيعة حزين الحرب. . . الحرب. . والناس يقولون أنها ستنطلق كذلك أجيالاً وأعماراً واستزادا الأحزان أحزاناً وتصبح الحياة أشقى وأنكد وأظلم، وأنا لا أريد أن أكون محزونة شقية، فإن أشنع الشنائع أن تفلت السعادة من بين راحتي الإنسان بل أكبر مناي أن أكون سعيدة كل السعادة وأن أكون فرحة حسناء جذلى راضية العيشة، وأن أضحك وأبتسم للأمور التافهة التي تبعث الضحكات والابتسامات ولكن هل أنت ترى أن الإنسان لا يستطيع ذلك. ولذلك يبكي؟ ولم يكن للفتى ليزلي دهن عميق يبحث الأمور ويستقصيها ويقلب فيها وجوه رأيه فبدت له الحجج التي قالتها الفتاة حججاً عاقلة لا ظلم فيها ولا فساد فقد أدرك أن الحرب أمر خطير رهيب، ونتائجها محزنة أليمة، وزاد هذه الفكرة لديه أنه أحس العزلة ورأى نفسه وحيداً، وألفى الدنيا أمام ناظريه صحراء جدباء، قضى عليه أن يشق طريقه فيها منفرداً معتزلاً، وكان هناك شعاع واحد من الضياء يستطيع أن ينتشله من مخالب العزلة وينقذه من الأسى، وهو أن يجد إنساناً مثله متألماً يركن إليه ويختصه بذات نفسه وينفض له أسرار وجدانه، ولذلك لا تعجب أن يأخذ الفتى وهو في أشد انفعالات النفس وحرارة العاطفة تلك اليد الصغيرة البضة التي كانت منذ هنيهات تقطف الزنبق وناضر الزهر، فيشدها في صمت أبلع من الكلام، ويصافحها في سكون أروع من التفاهم، فلما أتم هذا أحس بشيء من السكينة تجري في نفسه وشعر بالطمأنينة، وسرى عنه بعض الألم الذي اضطرم في صدره، ولكي يقيم أساساً أمتن من هذه المصافحة الصامتة ويشيد فوقه بناء صداقة متينة

стр. 2511

وود عميق، راح يتلو عليها تاريخه واسمه وعشيرته وألقاب الشرف التي ورثها عن أبويه النبيلين، والفرقة التي سلك فيها والرتبة التي تقلدها وقال أخيراً، وأما أنت فإنني أعرفك وإن كنت أود أن أسمع ذلك من شفتيك! ٣ فأجابت شيلا سوريل. . قال: أنه لأبدع أسماء فتيات العالم، وأجمل ألقاب عذارى الأرض وأنه ليلائمك ويناسبك أشد المناسبة والملاءمة ولكني لا أعرف هل لك عشيرة أم فقدت الأهل! قالت شيلا: فقدتهم. فقد مات أبوي العام الماضي. قال: إذن فأنت هنا وحيدة؟ فأومأت برأسها قأل: أمر عجيب وكذلك أنا فقدت أهلي في العام الماضي ولكن لا ريب في أن المقام بهذا الفندق محزن أليم لك. إن أهله على خشونة لا تطاق. فأومأت إيماءة أخرى، واسترسل وهو يقول: وأنا أيضاً ليست لي عشيرة، بضع أعمام وأبناء أعمام، وعمات وخالات، وأولئك لا يعدون عشيرة، أليس كذلك. قالت: بلى. فسرح لزلي البصر نحو البحر وراح يقول: إن فتى مثلي ليشعر بالوحدة الأليمة ولا أعلم السبب، ولكطن لعلني أريد أن أكون مفهوماً لدى الناس، وأنا لم يفهمني أحد في حياتي. قالت شيلا: ولا أنا، لم أكن يوماً مفهومة من أحد. وتولاهما معاً إذا ذاك الحزن أنهما لم يكونا مفهومين لدى الناس ولم يعرفا الصفات التي جعلت كلاً منهما يطلب أن يكون مفهوماً ولكن السبب ظاهر جلي. قال لزلي: استمعي إلي فقد فكرت ملياً في هذا الأمر، ولكني لم أهتد إلى شيء. وكان الفتى صادقاً فيما قال، وقالت شيلا أنها كذلك لم تكتشف السر من ناحيتها. والعزلة أشد الحالات النفسية اهتياجاً للعواطف وإثارة للوجدان، ولذلك لا غرو أن تقول أن الفتى الذي يلتقي بالفتاة ويقنعان بعضهما البعض بأنهما وحيدان منفردان لا يفهمهما العالم، ولا ينيان يتحاضنان ويقع أحدهما في ذراعي صاحبه للتو والساعة. وكانت شيلا لم تعرف من قبل الهبوط في أحضان إنسان آخر، اللهم إلا أبويها ولكن كانت الطبيعة تثير إذ ذاك فؤادها عواملها ونزعاتها ولذلك استسلمت وهي لا تكاد تدرك السر إلى

стр. 2512

وحي نفسها إذ تقول أن الضمة التي لم تبعث عليها القرابة وأواصر الدم والعشيرة لا تستحق أن تطرح، بل خليقة بالنوال والرضا، ولما كانت الفتاة مخلصة الطبيعة، نقية الغريزة، لم تر أية ضرورة للتردد والدلال والنفور إذ كان أمامها فتى عذب جميل كان مثلها يطلب السعادة والمراح فلا يجدهما، فتى وحيد حزين معتزل لا يود لو أن الناس فهموه، ولذلك كانت هذه الفرصة قاطعة والنتيجة بينة ظاهرة. فما عتمت إذ ذاك أن وضعت في ذلك السكون يدها في يده علامة الود وشارة الصداقة. وتنهد ليزلي وزفر، وقال: تالله لا أعلم السر ولكنني أعتقد أننا نستطيع أن يفهم كلانا الآخر. وفي ذلك المساء بعينه التقيا مرة أخرى، ومشيا عن تراض واتفاق إلى الخمائل المعتزلة في بستان الفندق، وهناك اقتعدا مجلسين، مستندين إلى جذع سرحة عظيمة ولأن الحب نفذ إلى قلبيهما أشرق القمر، وبسط أشعته اللؤلؤية فوق أديم البحر وتغنت الرياح بغناء غرامي عذب، في أضعاف الفنان المشرقة فوق رأسيهما. قال لزلي: وقد أدرك أن الشعراء لم يكونوا قوماً حمقى كما كان يظن. يا للذة والعزوبة الفاتنة. يخيل إلي أنني قد أصبحت مفهوماً آخر الأمر. وهمست شيلا قائلة: وأنا كذلك تقريباً. وإذا كانت شيلا رأت في عالم التصور والخيال أن هبوطها في أحضان رجل لذة لا حد لها، فلم تكن مع ذلك تدرك أولاً مقدار تلك اللذة، إذ تنفذ وتحقق، وتخرج إلى حيز الفعل، فما عتمت إذ ذاك أن أغمضت جفنيها الواسعين وتنفست من شدة العذوبة واللذة. وزفر لزلي كذلك وتبين أن خير دواء للزفرات أن يعيد التجربة فأخذها بين ذراعية مرة أخرى. وما أوسع المعرفة التي تنال من وراء القبلات، إذ لا يلبث الإنسان أن يدرك أنه لا بد من إعادة التقبيل، ولا يكاد المرء يطبع القبلة فوق الخد الأسيل حتى يشعر بأن لا قبل له بإمساك نفسه عن طبع أخوات لها وصواحب، وكذلك كان الحال مع شيلا ولزلي فقد وجدا من التحاضن والعناق لذة لا يستطيعان على السكوت عنها صبراًُ، لذة لا يمكن أن توصف بألفاظ، بل تكرر بمثلها وتعاد.

стр. 2513

وصعدت شيلا إلى الفندق على جناح المصعد وتلهف لزلي وقد تركها عند بابه من غيابها، فجعل يأخذ السلالم وثباً ويرمي عدة منها بالوثبات، لكي يلحق بها عند وصولها إلى الطابق ويحلي عينيه منها. قبل أن تأوي إلى المضجع. قال متوسلاً: متى نتزوج! قالت: في أقرب وقت من فضلك! فكانت تلك الألفاظ دليلاً على أنهما صغيران ساذجان مفعمان حباً وحمية وإحساساً. وكان الزواج عسكرياً والعرس جندياً، وتم بعد أسبوعين من اللقاء الأول، وإن كان كل منهما قد أحس أنه عهد طويل، وفرصة بعيدة، وأنه لا يكاد الإنسان يصل إليه، ولكن أعان لزلي على التسلي والتلهي عن آلام هذا الطول واجباته العسكرية. ووجدت شيلا من الطواف بالحوانيت استعداداً لأثواب الزفاف، ما خفف من عذاب تلك المدة. ، اقيمت بعد حفلة الإكليل مأدبة، واي مأدبة. . إذ كان الجو كله مفعماً بالتهاني، والضحكات، وأصوات فدام الزجاجات، وقناني الشراب، والهتاف والتصفيقات وفي كل مكان وجوه ناضرة مستبشرة، وأيد متصافحة متلازمة، ورقص وغناء. وحان الموعد، وأزف الوقت، وانطلقت سيارة بالعروسين إلى شهر العسل. وكان الفندق الذي بلغت إليه السيارة نزلاً سماوياً رائعاً بهيجاً، وجلسا إلى العشاء فوق مائدة صغيرة تطل على ساحل البحر، وجعلا يتساءلان هل أدرك الناس الذين حولهما أنهما عروسان جديدان، وزوجان لم تمض الليلة الأولى على زفافهما، وراحا ينظران إلى بعضهما البعض في أشد الخجل، ممتزجاً بأشد السرور وخانتهما الألفاظ، وتحيرت الكلم في الشفاه فلم يستطيعا من الخجل كلاماً. فلما فرغا من العشاء تسللا تحت الأشجار اليانعة والأفنان الدانية، وفوق الروابي الشاهقة، ولم يلبثا أن طلعت النجوم ونهض القمر في صفحة السماء وأصبح العالم في ذمة الليل، وتلقى الظلام عهد الأرض، فأعادا الطوفة، وهما لا يشعران وكررا الجولة عن رضا صامت وهما لا يدريان، فما كادا يبلغان النقطة التي ابتدأ التطواف منها، حتى أدركهما التعب وبان في حديثهما، وتجلى في الألفاظ، فضمها إذ ذاك إلى صدره وانزوت في أحضانه، وحيتهما الأضواء الساطعة في النوافذ وتلقتهما الحجرة التي أعدت للعروسين

стр. 2514

بفرح وزهو. وفي جلسة الفطور غداة الغد كان وجه شيلا مشرقاً بجمال عجيب لم يكن له من قبل حتى لم يستطع لزلي أن يمتلك جأشه فأمسك بيدها واجتذبها إلى صدره فأسقطت حركته تلك فنجان القهوة فوق الثوب الجميل الذي كان تشتمل به فجرت شيلا إلى الحجرة لتغييره وعدا هو في أثرها لمساعدتها ولم يكن بين العروسين عتاب ولم تحدث ملامة، بل جعل يكرر إنه أمر عجيب، إنه لأمر عجيب. ولكن هذا العجب لم يذهب يومذاك بل مضى أياماً وظهر سره بعد أيام العسل، وجاءت الأحداث بما كان له شارحاً مبيناً. واستأجر لزلي بيتاً صغيراً لفتاته فوق الرابية، وجعل على ختام عمله ينطلق إليها مسرعاً متعجلاً، يكاد يصل إليها على جناح البرق. وفتن فؤاد شيلا أنها أصبحت سيدة بيت وربة أسرة، وحسبا أن الحرب خير ما يبتغى، وحمدا لها الفرصة التي جمعت بينهما ولم يذكرا بلاءها ونكباتها ولم يجدا فيها سوءاً ولا شراً. ولعل الحرب غضبت إذ رأت منهما هذا الاستخفاف، واستنفرتها هذه السخرية فأرادت أن تعلن لهما عن خطورتها وهولها فأوعزت إلى وزارتها أن تأمر الفرقة التي فيها الضابط لزلي بأن تخف الرحال إلى المشرق. فذهب لزلي برأس مذهول وذهن مشتت، وقلب واجف، يحمل إلى زوجه هذه أنباء، فبكت من كل أعشار فؤادها، وتشبث الزوجان بنحرهما وأنساهما هذا أحزانهما شأن العشاق والأحباب. وأعطى لزلي صورته الشمسية إلى شيلا. ووهبته هي صورتها. وكتب هو في ذيل صورته ما أملى عليه الحب، وخطت هي تحت صورتها ما أوحى إليها الفؤاد وفي ليلة ضربت للفراق وكان غداها طالعاً بالبين تعانقا أشد العناق، ولم يتكلما كلمة واحدة، وخرير أمواه البحر يضج عن كثب. والرياح تئن والمطر يعول ويتنفس فوق النافذة. بين جموع القواد والضباط، وعلى صفير القاطرات، وزحام الأفاريز، اجتذب الفتى لزلي زوجة جذبة الوداع الأخير.

стр. 2515

وبكى الزوجان وشكرا الله أن أنعم عليهما بنعمة الدموع، وأرسل عيونهما تسح أحزانهما سحاً، وعلى مقربة منهما وقف ذلك القائد المشرف على الفرقة، يودع امرأة دميمة، وكثيرون آخرون وقفوا يخفون وجوههم وراء الصحف وقطع الجرائد وقد علمت الحرب الجميع أمانة الدموع، وإخلاص العبرات. وقال لزلي وهو يختنق: إلهي. . أواه. . يا عزيزتي. وقالت شيلا: لا تذهب. .! لا تدعني. ولكن لم يلبث أن ارتفع صفير القطار. وبدأت القاطرة تتحرك وفي لحظة انطلق وعادت شيلا فارغة الفؤاد مسرعة إلى المحطة. وحيدة مرة أخرى! وهاهي الطفلة قد أكلت من قطعة الحلوى، ثم قطعت عنها الآن وحرمت من طعامها. .! وعادت شيلا عن ذلك الفرح العظيم الذي كانت تنعم به إلى عذاب الوحدة وغمة العز، وآلام الاكتئاب، ورأت صواحبها الفتيات في شغل بعواطفهن وآلامهن عن مؤاساتها، فأحست بثقل الألم وحدها. فلما اضجعت في السرير الذي كان قد وسع بدنين وضم جسمين، أدركت أثر الوحدة، وجعلت تسائل النفس حزينة ماذا كان من القدر ومنها، ولم تجد في تلك الألفاظ التي قيلت لها، وهي دواعي الخدمة وأوامر الحرب، شفيعاً لظلمها ومعاذير للأسى الذي نالها. كان ليزلي بطبيعته الجندية، رجلاً لا يجيد التراسل، ولا يعتمد على بلاغة البيان في إنشاء الرسائل ولم يكن أديباً ولم تكن صنعته الأدب والبديع، وقد كتب إليها كثيراً، ولم يتأخر ولم يهمل، ولكنه لم يصب شيئاً من فن الإبداع، ولم تكن له مقدرة على أن يرسم شخصيته والعواطف الثائرة في صدره فوق الورق. وأخذت شيلا الحنين إليه، وتطلعت روحها إلى رؤية روحه في رسائله، فلم تجد أثراً وجعل الحنين يزداد كلما انصرمت الأسابيع وأصبحت أشهراً. ولم تكن المدة التي لبثاها معاً في جناب الحب وعهد الزواج تزيد عن ستة أسابيع وكانا فيها في أحضان كل منهما وكانا قريبين متلاصقين فلم يستطع كل منهما أن يدرك أسرار نفس صاحبه. فلم يكد يحول الحول على الفراق، حتى فقد لديها شخصيته، وأصبح ذكرى مرتبكة حلوة

стр. 2516

معاً، وطيفاً جميلاً تحوطه الحجب، وكان الوحي الذي ظهر في حياتهما الصغيرة. وهنا تقوم المسألة، وينهض السؤال يطلب البحث، وهو هل العواطف التي نحسها في أعماقنا من ناحية إنسان تحدث من ذاته وشخصيته، أو من التأثيرات التي يحدثها هذا الشخص، رجلاً أم امرأة، فإذا كان الأمر الثاني، أفلا يجوز أن ينهض إنسان آخر من حجب الأقدار يستطيع أن يحدث هذه التأثيرات بعينها يظفر بعواطفنا التي ظفر بها الأول. على أن شيلا لم تفكر في هذا الأمر، ولم يخطر على بالها ولكن الأمر الذي لا ريب فيه هو أنها في ذلك الوقت كانت تحن إلى اللذة والبهجة لا إلى الشخص الذي كان يحدثها ولئن كان الرجل هو الذي وهبها تلك اللذة، فإن اللذة كانت أقوى في نفسها أثراً واشد حيوية من واهبها، وإذا كانت اليوم تبكي ليزلي وتطلب أن يرد إليها فإنما كانت في الحقيقة تبكي سعادتها ولذتها الراحلة عنها. ولم تظهر دلائل على أن ليزلي سيعود إليها، وكانت أصوات الصحراء تحف به، وقلما يجاز للجندي أن يقضي أياماً في المغرب، وعمله لا يزال يناديه في المشرق. ولعل أشد مآسي الحرب وفواجعها أنها خنقت الحب وأودت به، وهذا هو الجرم الذي يجب أن تؤخذ الحرب به وتعاقب عليه، ويصلى الذين آثارها ويله وجريرته، ولا نظن أن فتاة غفلاً غريرة كشيلا تلك تستطيع أن تتحمل وقع حزنها بلا اعتراف وتصبر على الآلام بلا طلب المؤاسي، والتماس المخفف، وإذا أنت علمت أن اعترافات المصابين في سعادتهم، الذين يعانون آلام الوحدة ومناكد العزلة، لا تصيب في أغلب الأحيان عاطفة الناس الذين يشاركون المعترف في جنسه، فلا غرو ولا عجب أن تكون شيلا قد نفضت هم نفسها وكشفت غمة فؤادها إلى رجل. على أن قصر المدة التي لبثتها في ظل ليزلي وعدم مقدرتها على أن تدرك نفسيته فيها، لا تزال شفائع لها على أنها اختارت لذات صدرها رجلاً خطيراً مثل جفري ستايتون ذلك الذي خصته باعترافها، وركنت إليه واعتمدت على مؤاساته. وفي العالم فكرة شائعة لعلها انتشرت بفضل كتاب الروايات والقصيين وهي أن الرجل الذي يغتصب ظلماً وعدواناً زوجة رجل آخر ليس إلا رجلاً مجرماً شريراً مشهود له بذلك، وهو في الكتب معروف، بتبيينه في التو واللحظة، بلهجته المخادعة وهيئته الخلابة،

стр. 2517

وملاحة حديثه وحلاوة محضره، وفيض ألفاظه، وقارئ الروايات لا يلبث أن يدرك في لحظة واحدة أنه إزاء رجل ينشر الإثم، ويعيث في الأرض بغياً وفساداً، ولكنه عند كاتب الرواية ليس إلا رجلاً طيباً وشخصيته حلوة في عرض روايته، ولكن واآسفاه، أن هذا الرجل المخادع في الحياة الحقيقية، بعيداً عن الحياة الروائية وعالم القصص، ليس من هذا الضرب، ولا يشبه هذه الصورة، وإلا لو كان ذلك كذلك لاستطاع رجل من دعاة الآداب والمهيمنين على أخلاق الأمم والناصبين أنفسهم حكاماً على الفضيلة وأنصاراً لها، أن يعين رجلاً من رجاله ليمشي أمام هذا الإنسان المخيف بعلم أحمر حتى يحترز العذارى من شره، وتفتح الفتيات والسيدات أعينهن فلا يقعن في أشراكه. إن هذا الإنسان الذي يخشاه الناس ويختصونه بمقتهم لا يزال كسائر الناس، وهو مثلنا جميعاً وهو رجل خير من أكرم خلق الله، وهو إنسان مقبول محبب نعرفه جميعاً ونحبه ونمد إليه يد الود، وتهتز قلوبنا فرحاً بعناقه وتخفق أفئدتنا ابتهاجاً إذ تلتقي بخفقان فؤاده، وليس له إلا هفوة صغيرة، ولا عيب فيه إلا ضعف واحد، ولكنه لم يحدث ذلك الضعف، ولم يلتمس تلك الهفوة، ولم يبتكرها لنفسه ابتكاراً، ولا يبين سوء القصد في عينيه، ولا تنم معارف وجهه عن فساد نيته بل كل ما يعيبه أنه مفرط العاطفة، بعيد مدى الفتون، مستسلم إلى شهوة نفسه، تارك مقادته إلى وجدانه، فهو يحس آلام الناس، ويألم لها أشد الألم، ويصيب من هموم غيره أحدُّ العذاب، وأشد الأسى، فإذا أراد أن يخفف منها ويؤاسي صاحبها، ويزيل عنه آلامه أغفل كثيراً من الاعتبارات، لا تبلغ في أهميتها خطورة ذلك الأسى الذي يحاول أن يبدده عن ذلك القلب الكبير. وكان جفري ستايتون هذا مستجمعاً كل صفات الرجل التام، وكان على جميع ما يحب الناس أن يكون عليه الرجل، فقد كان شهماً تضطرم في جوانحه عواطف الفروسية وكان حيياً ناصع صفحة لاقلب وكان رقيق الجانحة لا يبلغ قلب من القلوب الإنسانية حد عطفه ومدى رفقه وحنانه، وكان مؤمناً مستمسكاً بعقائده الدينية وكان مؤدباً ما شئت من حسن أدب، طيب اللقاء ما شئت من كرم عنصر، وكان من فرط أدبه يتلعثم إذا تحدث إلى الغرباء عنه، ويتعثر في النطق إذا جلس إلى رجل لم يلتق به من قبل وكان يحن إلى الحرب والاشتمال ببردة الجندي والرحيل إلى ميدان القتال ولكن الأطباء إذ فحصوه هزوا

стр. 2518

رؤوسهم وقالوا أنه لا يليق لخوض غمراتها لأن له قلباً ضعيفاً وكانوا في حكمهم على حق. ففي بعض مجالسه ونزهاته التقى بشيلا سوريل، فوجد كل في صاحبه ناحية يشبهه منها، وألفيا أنهما متماثلان من عدة وجوه. وأشد ما فتنها منه لأول وهلة تلعثمه وفرط حيائه، ورأت في تعثر منطقه دلائل رجل حيي طيب القلب جبان الفؤاد فلم يلبثا بعد دهر قصير أن مال كل بنفسه إلى صاحبه، ورأت أنها مسارعة إلى الإفضاء بأسرار همومها إليه والتحدث أمامه عن آلامها وأحزانها. فلم يكن منها إلا أن قال وهو يتلعثم، ليتني أستطيع أن أؤدي لك أمراً ولكن شيلا هزت برأسها. فكانت هزتها المحركة له إلى العمل المهتاجة في نفسه بواعث الاحتيال على تخفيف أساها. وانطلق ودهما مسرعاً، ومضى الولاء بينهما يعدو ويستبق، حتى أصبحا على ممر الأيام صديقين حميمين، وكان رثاء كل لرفيقه عظيماً، وراج جفري يحدثها عن ليزلي كثيراً ويتكلم أمامها عنه، وهو في أكرم لهجة، وأرفق حديث، بلا نية في إساءته، ولا قصد إلى غيبته أو سعي إلى فساد ولكنه مع ذلك كان يحاول عبثاً أن يقنع نفسه بأن هذا الزوج الغائب خليق بمثل هذه العروس ورأى جلياً أن ليس في الدنيا كلها رجلاً يستطيع أن يسبغ عليها السعادة التي تستحقها والهناء الواجب لها، ولكنه لم يفه بكلمة واحدة عن هذه العقيدة، ولم ينطق ببنت شفة عن ذلك أمامها، إذ تأبت عليه فروسيته أن يدع لشفتيه حق التلفظ بها، وأنكرت عليه الشهامة أن يبوح بما يكنه صدره، فذا عسعس الليل، واضطجع في فراشه، لم تغمض عينيه، وباتت نفسه رهينة عوامل كثيرة، ومضت روحه تستعيد آلام تلك الفتاة وسوء حظها، ولعله في تلك الظلمة قد دعا الله دعوة أو دعوتين، وانطلقت شفته تتمتم ضراعة أو ضراعتين، لأنه كان رجلاً مخلصاً لربه الدين، مؤمناً عميق الإيمان. وكانت صداقته لها على أتم الحزم، وكانا صديقين، ولا شيء أكثر من ذلك، والطبيعة هي الملوم، والذنب ذنبها، ولا أصر عليهما ولا عتب ولا ذنب، إذا تعدت صداقتهما بعد ذلك حدود المودة فخطت متقدمة إلى عاطفة أخرى هي الحب! وقد اعتادا أن يطوفا طوفة صغيرة تحت ضياء الأنجم الزهر، إذ يتكلمان عن أمور تافهة وسخافات بذلك الوقار وذلك الجد الذي تقال به عظائم الأمور وأعقل الأحاديث، وقد تخرج

стр. 2519

من شفتيها على رغم من إرادتها لفظة اسمه بلا تكلف ولا احتشام ولا تسويد، وهي واقفة بباب دارها بعد طوفة المساء، ومادة يدها إليه بتوديعة الليل، فيبتسم ابتسامة صغيرة ممتزجة بالأسى، وينطلق مطرق الرأسي في صمت مفكراً في طريقه إلى داره. ولكن ذات ليلة أخذ برأسه جنون عظيم، فبدلاً من أن يشد يدها في حرارة التوديع، كما هي عادته في ختام المطاف كل ليلة، همس إليها بلا لفظ مسموع، ولا صوت يصل إلى الأذن، بل بإشارة صامتة وشفة مقفلة، وفم مستطيل، يطلب قبلة. .! فجرت شيلا إلى البيت وأقفلت وراءها الباب بعجلة مرعبة، ولم يثب إليها رشدها إلا وهي واقفة في بهو الدار مختنقة الأنفاس من غير ما تعب ولا لغو من عدو أو جري ولأنها تذكرت إذ ذاك أنها كانت مصعدة الأنفاس كذلك يوم ألفت نفسها في أحضان ليزلي وبين ذراعيه، عجبت وأخذتها الدهشة وراحت تسائل النفس حيرة أية قوة مجهولة جعلتها إذ ذاك تشعر بما شعرت به من قبل، لقد كانت الزفرات نفسها الزفرات تلك، ولكنها لم تكن واحدة. . فقد أحست اليوم أن السعادة على منال يدها ولكن هيهات أن تصل يدها إليها. . وأبصرت فوق المتكأ خطاباً من ليزلي وقد كتب إليها على سبيل تخفيف آلامها وإرسال السكينة إلى فؤادها يقول أنه على خير حال لأن الرجل لا يكتب كثيراً عن الآلام التي يسعر بها في الفراق وعلى شط النوى إلا خلال الأشهر الثلاثة الأولى، وبد ذلك يصبح ظلاً فقط أو طيفاً في ذهن قارئ رسالاته، لأنه يأخذ إذ ذاك في تخفيف لهجة الحزن في صحائفه، وقد يكون حينذاك في أشد آلام النفس، وقد يكون رهن عذاب لا يطاق. ولكن تأبى عليه مشاعره إلا أن يرسل برد السكينة إلى حبيبه أو وليه أو أليف نفسه.، فيخطئ في أغلب الأحيان ويحدث هفوة قد يرى مغبتها في المستقبل. فلما تناولت شيلا ذالك الكتاب بيدها وفي نفسها تلك العوامل التي أثارها ذلك الحادث لم تجده إلا بارداً ولم تر سطوره إلا قسوة وخشونة وإحساساً ميتاً، وقام ذلك أمامها دليلاً على أنه قد نسيها والتمس منها السلوى، واشتف كأس التلهي حتى الثمالة ليخفف ذكراها من فؤاده. وكانت شيلا لم تدع منذ أيام السبيل لشؤونها وعبراتها، فذا بكت يوماً من أيام البين فقد كانت تمكث الساعات الطوال ودمعها يسح بلا انقطاع ولا حاجز يرده، فجعلت الآن تبكي

стр. 2520

ثم تكفكف عبراتها المهراقة هوناً، وتحملق البصر في صورة ليزلي وهي بين يديها وتحاول أن تعيد ذكراه في فؤادها، وتجدد الأثر الذي كان له في جوانحها، ولكنها واآسفاه لم تفلح في ما قصدت إليه فإنه بدا لعينيها أثراً تافهاً ضئيلاً في تلك الصورة لا يوحي شيئاً من عهود تلك الأيام التي قضتها في أحضانه. ومضت شيلا إلى منامتها في حيرة شديدة وأسى بليغ وأمضها النوم ونبا بها المضجع، ولبثت ليلتها على أشد المضض والألم، ونهضت في الصباح مدعوكة مصدعة الرأس مريضة. وعادها جفري ضحى، فلما نبأته الخادمة نبأ سيدتها، فزع وارتعب وهرع إلى الصيدلية فابتاع عدة من الأشافي الصالحة للصداع، ومر ببائعة الزهر فاقتنى من باقتها أجمل الباقات، وعاج على الفاكهي فاشترى أنضر ما حلا من فاكهته وعذب من ثماره، وجاء من جميع ذلك بما يكفي مائدة حفل عظيم من المدعوين، فدفع به إلى الخادم، لتضعه على عين سيدتها ومستشرف ناظريها، وجعل يعاود الدار مستفسراً عن صحتها ثلاث مرات في وقت وجيز. على أن شيلا لم تلبث أن شفيت بسرعة عجيبة، وما كاد يقبل المساء حتى رأتهما الرابية يمشيان في دروبها، ويبتنزهان في مجاريها ومنافسها، وبعد أن حمد جفري على مسمعها القوة التي لها الفضل في شفائها، وهي قوة الرحمن في السموات، أفاض يؤنب نفسه ويتلوم ويعتب فؤاده، ويرسل التعنيف أثر التعنيف، ويطلب المغفرة، ويسأل الصفح، وإذا نحن أردنا أن نختصر حديث ساعتين كاملتين فنخرج منه عناصره فقد ولبه وصميمه، فما كنا واجدين إلا عبارات قصيرة لا تزيد عن هذه: إنني لوحش ضارٍ. . يا لحماقتي، لقد كنت قاسياً لعيناً. . وجواب الفتاة على ذلك: كان ينبغي أن لا تسألني ذاك الذي سألت. إني أعرف أنك لم تستطع أن تتمالك نفسك ولكن لم يكن ينبغي. . ثم العبارة الآتية منه. . . لقد كان ينبغي أن أضرب بالرصاص وأستهدف لقذائف البنادق تكفيراً لهذا الذنب العظيم. ولكنهما مع ذلك لم يكادا يصلا إلى باب الحديقة حيث التوديع. حتى لبث جفري في مكانه لا يتحرك. . ووقفت هي لا تمد له يدها كعادتها.

стр. 2521

وقال: عمي مساءً وقالت: عم مساءً ولكنهما مع ذلك ظلا واقفين لا يفترقان. ولم يشعر بغتة إلا وقد وجد أن ما كان بالأمس يسأله كمنحة وهدية وعطاء قد انتهبه الآن اقتساراً وعنفاً واغتصاباً. وقالت شيلا وهي تتململ وتلوي رأسها وتتخلص من يديه (كلا، كلا) وسقطت القبلة فوق كتفها وشعرها الجميل، ولم تمس الخد الأسيل. وإذ ذاك - على ضوء القمر، وهو الذي يحعل الناس أشرارً، كما يجعلهم أخياراً، وقفا ينظر كل إلى صاحبه. وقال جفري في صوت لم يكن به أثر من صوته العادي، بل في صوت مضطرب جديد، لا نستطيع أن نفترق الآن على هذه الحال. فهزت شيلا رأسها، ولعلها كانت إطراقة نفي، أو هزة إيجاب، لأنها تحتملها معاً، وهمس الضمير في أذن جفري أن ينثني إلى داره وينهي هذا الموطن بكتابة خطاب مستطيل يشرح قضيته. فمضى في سبيله ووقفت هي ترقبه ويدها فوق قلبها الخافق. وكتب جفري رسالته، وللحب منطق على هواه الخاص به لا يمشي مع المنطق الآخر ولئن كانت ذنوب غيرنا تحوزننا أشد الحزن وتفت أكبادنا، فإن ذنوبنا لا تزال تجد من الظروف التي تحوطها مبرراً لها وشفيعاً، فإذا كان جفري قد سألها في رسالته أن تفر معه وتأوي في رفقته إلى فندق في أبعد بلاد الله، فقد كان يحس إذ ذاك أنه لم يرد بذلك أمراً حقاً عدلاً لا جور فيه ولا عسف فقط، بل فعلاً شريفاً نبيلاً سامياً محموداً، وإذا كانت السخرية من شرائع الناس والتغلب على الرسوم المقررة في العالم تتطلب التضحية فقد أعد نفسه لها، وتهيأ لبذلها، لعل في تضحيته جميع أمره رداً للسعادة التي فقدتها، وأقنعها في آخر الأمر في رسالته بأن الله ولا ريب سيبارك ارتباطهما ويشد عراه وأردف الرسالة بالحشية الآتية: وسأطلب إجازة من عملي وأنتظر قدومك إلى فندق. . . وستكون السيارة واقفة ببابك بعد حسوة الشاي في المساء ذ يحسن أن لا نلتقي قبل الرحيل أو نصطحب في السفر. ليباركك الله. نحن نؤدي أمراً حقاً. وتلقت شيلا الكتاب وهي في شربة الشاي في الصباح فقرأته بعين محملقة وأنفاس مترددة

стр. 2522

وزفير وأنين وألق به بعد تلاوته تحت الوسادة، وأخفت نفسها وراء أغطية الفراش، وتحت اللحاف كان بصيص من النور من أثر انعكاس ضياء الشمس وعلى البصيص راحت تقرأ الكتاب مرة أخرى، وكلما قرأت سطراً ذرفت فوقه عبرة سخينة، وهمست تقول لنفسها، لن أذهب بلا ريب. لن أذهب. لن يغريني أمر في الدنيا وإن عز وغلا، بالذهاب، وآلمها صوتها إذ فاهت بتلك الكلمات. وجيء إليها بطعام الإفطار فرفضته وتوقعت أن تسمع من وصيفتها فاني شيئاً من كلمات المواساة على أن الخادمة لم تفعل شيئاً من ذلك ولكنها قدمت إلى سيدتها طلباً أن تعفيها من خدمتها فراع الطلب فؤاد شيلا فاحت في وجهها كلا، كلا إنك لا تجدين في هذا الطلب، فأجابت الخادمة وفي قولها لهجة العزيمة الصارمة: إني منصرفة إلى عمل آخر لأني لا أستطيع احتمال المقام في بيت لا رجل فيه فزادت هذه العهبارة من التثير المضطرن في جوانح شيلا ووجدانها. ومشت شيلا إلى شاطيء البحر، وكان الربيع في كل مكان يتفتح عن جماله والفتان ويرسل أنفاس الحب في أفئدة الشباب، ويهب بعلائله ونسائمه على القلوب النقية النضرة وكأنما يخيل إلى شيلا أن الريح تعزف قائلة إلى السعادة، إلى السعادة. وتحمل إلى أذنها كلمة الخادمة. . لا أستطيع احتمال العيس في بيت لا رجل فيه. . وأخرجت كتاب جفري مراراً فأعادت تلاوته، ولكنها في هذه المرة لم تهز رأسها كما هوتها من قبل. وعادت إلى الدار فإذا السيارة بالباب، ولم تشعر بعد لحظات إلا والسيارة تقلها منحدرة في الطريق موفضة إلى الموعد، فنسيت كل شيء وراحت تقول لنفسها وهي مستندة إلى وسائد السيارة وزرابيها أريد أن أكون سعيدة مرة أخرى، وسأكونها الآن! ولكن على الرغم من أنها أعادت هذه العبارة عدة مرات لم تحس بأن الألفاظ صادقة في مسمعها. بلغ جفري الفندق في الساعة السادسة من المساء، ولا تزال على الموعد المضروب ساعة ارتقاب، ولكنه ألفى الارتقاب أليماً لا يطاق وتصبب العرق من جبينه، وجعل يرسل الطمأنينة في فؤاده ويكرر: إنني أؤدي أمراً حقاً عدلاً لا ظلم فيه.

стр. 2523

ولفت اضطرابه غير واحد من جلساء الفندق فحاول جفري إخفاء انفعالاته وراء صحيفة التيمس وأطلق بصره يجول في أسطرها وأنهارها، وكانت الصفحة التي أمام عينيه تحتوي قائمة بأسماء الذين فقدوا وضلوا من ضباط الجيش ونهض من بين تلك الأسماء اسم فأخذ عينيه فإذا هو يقرأه الليفتننت ل. . . وتووكر من فرقة الهايلندرز قتل في الميدان فصاح جفي: رباه! هذا هو الرجل الذي ينتظر هو قدوم زوجته. . . فراح يساءل نفسه هل علمت شيلا بأمر هذا النبأ فإذات لم تكن علمت به وجاءت وهي لا تدري فماذا لعمري هو صانع. هنا وثبت في فؤاد جفري شهامته وقامت عواطف الفروسية وعوامل الرقة والعطف فوقفت في وجهه، فرأى أن الخطة التي اختطها والنية التي رسمها والحياة التي أعدها يجب أن تلغى وتنسخ وتزول من ذاكرته، فإن سرقته زوجة رجل حي على قيد الحياة، واستلابه من زوج يمشي في مناكب الدنيا امرأته شيء، وسرقته الموتى واستلابهم زوجاتهم شيء آخر، ولئن كان هذا المنطق ضعيفاً غير راجح في بعض نواحيه، إذ كان الموتى قد أصبحوا في نجوة عن شؤون الأرض، بعيدين عن هماهم العاجلة، فلا ريب في أن عواطف المستلب تثور فيه وضميره يأخذ باللائمة، إذا كانت له عاطفة أو أحس بين جوانحه ضميراً. لذلك أجمع جفري نيته على أن ينزع حبه من فؤاده نزعاً. ولكنه شعر بغتة بأنه لن تطاوعه قواه ولن يجد له جلداً على أن يخبر شيلا بنباً موت زوجها، وبينا هو على هذه الحال من الحيرة والذهول، وقفت سيارة بالفندق وبانت شيلا على عتبتها حيرى مترددة جازعة. فنهض جفري ودنا منها وبلا كلمة ولا لفظة مشى بها إلى البهو وصاح بسائق السيارة: انتظر! ودلف إليها فهمس في أذنها: إذن فقد جئت. . قالت وهي تتلعثم: أجل. . لقد. . جئت! قال: إذن فلتعودي أدراجك. . فقد كنا على باطل، وكنا نجري إلى إثم، وكنا قادمين على حماقة وطيش وأنا الملوم وحدي وأنا الذي أستحق التعنيف واسوأتا. . على أين كانت نسيتنا ستسوق بنا. .

стр. 2524

قالت شيلا: إني أعرف ذلك! فأجاب: إذن اذهبي واحمدي الله أننا عرفنا قبل أن نقول لات حين معرفة! وكان الظلام قد هجم إذ وقفت السيارة بالشارع الملم على دار شيلا، وكانت من اضطرابها قد نسيت المفتاح قبل الذهاب فلبثت تدق الجرس ولم تجد جواباً سريعاً على دقاتها، إذ كانت الخادمة قد أوت منذ ساعات إلى فراشها وهوت إلى نوم طيب عميق. فدقت شيلا مرة أخرى وقد سمعت صثوت سيارة تدنو من الباب وفي الحال سمعت صوتاً يناديها باسمها العادي، وأحست بعد لحظة بيدين تطوقانها، وبقبلات عنيفة متلاصقة فوق خدها، قبلات عظيمة فيها كل حرارة الحب. بل قبلات لا تصدر إلا عن فم واحد عرفته وخبرت تقبيله!! وفتح إذ ذاك الباب، ودخل الزوجان البهو وورائهما الحوذي يحملالمتاع. وقالت شيلا تخاطب الخادم وقد نهضت من نومها مذعورة، أنه قد عاد،، إن زوجي قد عاد! فلما احتوتهما حجرة الاستقبال، هبط كل في أحضان زوجه وتعانقا واستعبرا، وانهلت الدموع من المحاجر وزفر ليزلي يقول: ألا ترين هذا اللقاء الفجائي عظيماً ما كنت وحبك أريد أن أفسد هذه اللذة الكبرى بإنبائك قبل الوصول بقدومي، وكما كنت أرضى بالعالم كله بديلاً عن هذه البغتة الحلوة المعسولة. إني لم أحس من قبل إحساسي اليوم. ولم أشعر بسعادة كهذه في حياتي. أواه يا زوجتي،، هل افتقدتني في هذا العهد المتطاول، وهل استوحشت البين؟ قالت شيلا: كل الوحشة. . وأمسكت ولم تتم إذ علمت الآن الفرق بين قطعة الحلوى وقطعة الفحم. وكان القضاء الإلهي قد رسم أن يكون القتيل لورنس وتووكر، ابن عم ليزلي، فتشابه الاسم على جفري ستايتون، وتلك قسوة من الأقدار، ولكنها أرادت باستئثار لورنس دون ليزلي، حكمة كبرى وصلاحاً وخيراً. هنا بقيت نقطة واحدة استعصى حلها، وهي معرفة الشعور الحقيقي الذي وثب في فؤاد جفري إذ علم بنبأ رجعة الميت، وبعث القتيل. أترى ذلك الشاب المفعم الفؤاد بالرفق والنبل والخير أحس البهجة العظيمة إذ علم أنه

стр. 2525

بتنازله عن تلك الفتاة الصغيرة المعتزلة المحزونة خشوعاً أمام اسم زوجها في سجل الموتى، إنما ردها إلى سرير العرس مرة أخرى نقية طاهرة الذيل كما كانت من قبل، أم تراه حزن وابتأس وبكى أمر البكاء. . هذه مسألة تحتاج إلى عقل شاعر عظيم مثل بوكاسيو فهل لكتابنا وشعرائنا وأهل الوجدان الحساس بيننا من يتناول هذه الفكرة بالتحليل، ويجيء فيها بالقول الفصل؟.
следующие страницы →