← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

وقال: عمي مساءً وقالت: عم مساءً ولكنهما مع ذلك ظلا واقفين لا يفترقان. ولم يشعر بغتة إلا وقد وجد أن ما كان بالأمس يسأله كمنحة وهدية وعطاء قد انتهبه الآن اقتساراً وعنفاً واغتصاباً. وقالت شيلا وهي تتململ وتلوي رأسها وتتخلص من يديه (كلا، كلا) وسقطت القبلة فوق كتفها وشعرها الجميل، ولم تمس الخد الأسيل. وإذ ذاك - على ضوء القمر، وهو الذي يحعل الناس أشرارً، كما يجعلهم أخياراً، وقفا ينظر كل إلى صاحبه. وقال جفري في صوت لم يكن به أثر من صوته العادي، بل في صوت مضطرب جديد، لا نستطيع أن نفترق الآن على هذه الحال. فهزت شيلا رأسها، ولعلها كانت إطراقة نفي، أو هزة إيجاب، لأنها تحتملها معاً، وهمس الضمير في أذن جفري أن ينثني إلى داره وينهي هذا الموطن بكتابة خطاب مستطيل يشرح قضيته. فمضى في سبيله ووقفت هي ترقبه ويدها فوق قلبها الخافق. وكتب جفري رسالته، وللحب منطق على هواه الخاص به لا يمشي مع المنطق الآخر ولئن كانت ذنوب غيرنا تحوزننا أشد الحزن وتفت أكبادنا، فإن ذنوبنا لا تزال تجد من الظروف التي تحوطها مبرراً لها وشفيعاً، فإذا كان جفري قد سألها في رسالته أن تفر معه وتأوي في رفقته إلى فندق في أبعد بلاد الله، فقد كان يحس إذ ذاك أنه لم يرد بذلك أمراً حقاً عدلاً لا جور فيه ولا عسف فقط، بل فعلاً شريفاً نبيلاً سامياً محموداً، وإذا كانت السخرية من شرائع الناس والتغلب على الرسوم المقررة في العالم تتطلب التضحية فقد أعد نفسه لها، وتهيأ لبذلها، لعل في تضحيته جميع أمره رداً للسعادة التي فقدتها، وأقنعها في آخر الأمر في رسالته بأن الله ولا ريب سيبارك ارتباطهما ويشد عراه وأردف الرسالة بالحشية الآتية: وسأطلب إجازة من عملي وأنتظر قدومك إلى فندق. . . وستكون السيارة واقفة ببابك بعد حسوة الشاي في المساء ذ يحسن أن لا نلتقي قبل الرحيل أو نصطحب في السفر. ليباركك الله. نحن نؤدي أمراً حقاً. وتلقت شيلا الكتاب وهي في شربة الشاي في الصباح فقرأته بعين محملقة وأنفاس مترددة

стр. 2522

وزفير وأنين وألق به بعد تلاوته تحت الوسادة، وأخفت نفسها وراء أغطية الفراش، وتحت اللحاف كان بصيص من النور من أثر انعكاس ضياء الشمس وعلى البصيص راحت تقرأ الكتاب مرة أخرى، وكلما قرأت سطراً ذرفت فوقه عبرة سخينة، وهمست تقول لنفسها، لن أذهب بلا ريب. لن أذهب. لن يغريني أمر في الدنيا وإن عز وغلا، بالذهاب، وآلمها صوتها إذ فاهت بتلك الكلمات. وجيء إليها بطعام الإفطار فرفضته وتوقعت أن تسمع من وصيفتها فاني شيئاً من كلمات المواساة على أن الخادمة لم تفعل شيئاً من ذلك ولكنها قدمت إلى سيدتها طلباً أن تعفيها من خدمتها فراع الطلب فؤاد شيلا فاحت في وجهها كلا، كلا إنك لا تجدين في هذا الطلب، فأجابت الخادمة وفي قولها لهجة العزيمة الصارمة: إني منصرفة إلى عمل آخر لأني لا أستطيع احتمال المقام في بيت لا رجل فيه فزادت هذه العهبارة من التثير المضطرن في جوانح شيلا ووجدانها. ومشت شيلا إلى شاطيء البحر، وكان الربيع في كل مكان يتفتح عن جماله والفتان ويرسل أنفاس الحب في أفئدة الشباب، ويهب بعلائله ونسائمه على القلوب النقية النضرة وكأنما يخيل إلى شيلا أن الريح تعزف قائلة إلى السعادة، إلى السعادة. وتحمل إلى أذنها كلمة الخادمة. . لا أستطيع احتمال العيس في بيت لا رجل فيه. . وأخرجت كتاب جفري مراراً فأعادت تلاوته، ولكنها في هذه المرة لم تهز رأسها كما هوتها من قبل. وعادت إلى الدار فإذا السيارة بالباب، ولم تشعر بعد لحظات إلا والسيارة تقلها منحدرة في الطريق موفضة إلى الموعد، فنسيت كل شيء وراحت تقول لنفسها وهي مستندة إلى وسائد السيارة وزرابيها أريد أن أكون سعيدة مرة أخرى، وسأكونها الآن! ولكن على الرغم من أنها أعادت هذه العبارة عدة مرات لم تحس بأن الألفاظ صادقة في مسمعها. بلغ جفري الفندق في الساعة السادسة من المساء، ولا تزال على الموعد المضروب ساعة ارتقاب، ولكنه ألفى الارتقاب أليماً لا يطاق وتصبب العرق من جبينه، وجعل يرسل الطمأنينة في فؤاده ويكرر: إنني أؤدي أمراً حقاً عدلاً لا ظلم فيه.

стр. 2523

ولفت اضطرابه غير واحد من جلساء الفندق فحاول جفري إخفاء انفعالاته وراء صحيفة التيمس وأطلق بصره يجول في أسطرها وأنهارها، وكانت الصفحة التي أمام عينيه تحتوي قائمة بأسماء الذين فقدوا وضلوا من ضباط الجيش ونهض من بين تلك الأسماء اسم فأخذ عينيه فإذا هو يقرأه الليفتننت ل. . . وتووكر من فرقة الهايلندرز قتل في الميدان فصاح جفي: رباه! هذا هو الرجل الذي ينتظر هو قدوم زوجته. . . فراح يساءل نفسه هل علمت شيلا بأمر هذا النبأ فإذات لم تكن علمت به وجاءت وهي لا تدري فماذا لعمري هو صانع. هنا وثبت في فؤاد جفري شهامته وقامت عواطف الفروسية وعوامل الرقة والعطف فوقفت في وجهه، فرأى أن الخطة التي اختطها والنية التي رسمها والحياة التي أعدها يجب أن تلغى وتنسخ وتزول من ذاكرته، فإن سرقته زوجة رجل حي على قيد الحياة، واستلابه من زوج يمشي في مناكب الدنيا امرأته شيء، وسرقته الموتى واستلابهم زوجاتهم شيء آخر، ولئن كان هذا المنطق ضعيفاً غير راجح في بعض نواحيه، إذ كان الموتى قد أصبحوا في نجوة عن شؤون الأرض، بعيدين عن هماهم العاجلة، فلا ريب في أن عواطف المستلب تثور فيه وضميره يأخذ باللائمة، إذا كانت له عاطفة أو أحس بين جوانحه ضميراً. لذلك أجمع جفري نيته على أن ينزع حبه من فؤاده نزعاً. ولكنه شعر بغتة بأنه لن تطاوعه قواه ولن يجد له جلداً على أن يخبر شيلا بنباً موت زوجها، وبينا هو على هذه الحال من الحيرة والذهول، وقفت سيارة بالفندق وبانت شيلا على عتبتها حيرى مترددة جازعة. فنهض جفري ودنا منها وبلا كلمة ولا لفظة مشى بها إلى البهو وصاح بسائق السيارة: انتظر! ودلف إليها فهمس في أذنها: إذن فقد جئت. . قالت وهي تتلعثم: أجل. . لقد. . جئت! قال: إذن فلتعودي أدراجك. . فقد كنا على باطل، وكنا نجري إلى إثم، وكنا قادمين على حماقة وطيش وأنا الملوم وحدي وأنا الذي أستحق التعنيف واسوأتا. . على أين كانت نسيتنا ستسوق بنا. .

стр. 2524

قالت شيلا: إني أعرف ذلك! فأجاب: إذن اذهبي واحمدي الله أننا عرفنا قبل أن نقول لات حين معرفة! وكان الظلام قد هجم إذ وقفت السيارة بالشارع الملم على دار شيلا، وكانت من اضطرابها قد نسيت المفتاح قبل الذهاب فلبثت تدق الجرس ولم تجد جواباً سريعاً على دقاتها، إذ كانت الخادمة قد أوت منذ ساعات إلى فراشها وهوت إلى نوم طيب عميق. فدقت شيلا مرة أخرى وقد سمعت صثوت سيارة تدنو من الباب وفي الحال سمعت صوتاً يناديها باسمها العادي، وأحست بعد لحظة بيدين تطوقانها، وبقبلات عنيفة متلاصقة فوق خدها، قبلات عظيمة فيها كل حرارة الحب. بل قبلات لا تصدر إلا عن فم واحد عرفته وخبرت تقبيله!! وفتح إذ ذاك الباب، ودخل الزوجان البهو وورائهما الحوذي يحملالمتاع. وقالت شيلا تخاطب الخادم وقد نهضت من نومها مذعورة، أنه قد عاد،، إن زوجي قد عاد! فلما احتوتهما حجرة الاستقبال، هبط كل في أحضان زوجه وتعانقا واستعبرا، وانهلت الدموع من المحاجر وزفر ليزلي يقول: ألا ترين هذا اللقاء الفجائي عظيماً ما كنت وحبك أريد أن أفسد هذه اللذة الكبرى بإنبائك قبل الوصول بقدومي، وكما كنت أرضى بالعالم كله بديلاً عن هذه البغتة الحلوة المعسولة. إني لم أحس من قبل إحساسي اليوم. ولم أشعر بسعادة كهذه في حياتي. أواه يا زوجتي،، هل افتقدتني في هذا العهد المتطاول، وهل استوحشت البين؟ قالت شيلا: كل الوحشة. . وأمسكت ولم تتم إذ علمت الآن الفرق بين قطعة الحلوى وقطعة الفحم. وكان القضاء الإلهي قد رسم أن يكون القتيل لورنس وتووكر، ابن عم ليزلي، فتشابه الاسم على جفري ستايتون، وتلك قسوة من الأقدار، ولكنها أرادت باستئثار لورنس دون ليزلي، حكمة كبرى وصلاحاً وخيراً. هنا بقيت نقطة واحدة استعصى حلها، وهي معرفة الشعور الحقيقي الذي وثب في فؤاد جفري إذ علم بنبأ رجعة الميت، وبعث القتيل. أترى ذلك الشاب المفعم الفؤاد بالرفق والنبل والخير أحس البهجة العظيمة إذ علم أنه

стр. 2525

بتنازله عن تلك الفتاة الصغيرة المعتزلة المحزونة خشوعاً أمام اسم زوجها في سجل الموتى، إنما ردها إلى سرير العرس مرة أخرى نقية طاهرة الذيل كما كانت من قبل، أم تراه حزن وابتأس وبكى أمر البكاء. . هذه مسألة تحتاج إلى عقل شاعر عظيم مثل بوكاسيو فهل لكتابنا وشعرائنا وأهل الوجدان الحساس بيننا من يتناول هذه الفكرة بالتحليل، ويجيء فيها بالقول الفصل؟.

стр. 2526

مطالعات شعر الملوك لكثير من الملوك والأمراء والأشراف ومن إليهم من ذوي الرآسة والسلطان شعر مختار ينماز عن سائر الشعراء برقته وهلهلته وليونته لأن كل ما يحف بهم من الترف والنعيم والرخاء لا يبعثهم على أن ينهجوا مناهج غيرهم من الشعراء وأن يفتنوا في الشعر افتتانهم وأن يحسنوا في سائر ضروبه إحسانهم ولله صاحب الأغاني إذ يقول عن أمير المؤمنين عبد الله بن المعتز الخليفة العباسي الشاعر المشهور - وهو الشاعر بحق على الإطلاق من بين الملوك الشعراء - وهذه الكلمة - كلمة الأغاني - من أروع كلماته وقد دافع فيها عن ابن المعتز أحسن دفاع، وهي وحدها صفحة من أبدع صفحات الأدب، قال: وشعره أي ابن المعتز وإن كان فيه رقة الملوكية وغزل الظرفاء وهلهلة المحدثين فإن فيه أشياء كثيرة تجري في أسلو بالمجيدين ولا تقصر عن مدى السابقين، وأشياء ظريفة من أشعار الملوك في جنس ما هم بسبيله، ليس عليه أن يتشبه فيها بفحول الجاهلية، فليس يمكن واصفاً لصبوح في مجلس شكل ظريف بين ندامى وقيان وعلى ميادين من النور والبنفسج والنرجس ومنضود من أمثال ذلك وفاخر الفرش ومختار الآلات ورقة الخدم أن يعدل عما يجانس ذلك من السلام السبط الرقيق الذي فهمه كل من حضر إلى جعد الكلام ووحشيه، وإلى وصف البيد والمهامة والظبي والظليم والناقة والجمل والديار والقفار والمنازل الخالية المهجورة، ولبا إذا عدل عن ذلك وأحسن قيل له مسيء، وإلا أن يغمط حقه كله إذا أحسن الكثير وتوسط في البعض وقصر في اليسير، ولكن أقواماً أرادوا أن يرفعوا أنفسهم الوضيعة ويشيدوا بذكرهم الخامل ويعلوا أقدارهم الساقطة بالطعن على أهل الفضل والقدح فيهم فلا يزدادون بذلك إلا ضعة ولا يزداد الآخر إلا ارتفاعاً، ألا ترى إلى ابن المعتز قد قتل أسوأ قتلة ودرج فلم يبق له خلف يفرطه ولا عقب يرفع منه وما يزداد بأدبه وشعره وفضله وحسن أخباره وتصرفه في كل فن من العلوم إلا رفعة وعلواً - إلى أن قال: وكان عبد اله حسن العلم بصناعة الموسيقى والكلام على النغم وعللها وله في ذلك وفي غيره من الآداب كتب مشهورة ومراسلات جرت بينه وبين عبيد الله بن عبد الله بن طاهر تدل على فضله وغزارة علمه وأدبه، ولقد قرأت بخط

стр. 2527

عبيد الله رقعة إلى ابن المعتز وقد بعث إليه برسالة في أنه يجوز ولا ينكر أن يغير الإنسان بعض نغم الغناء القديم ويعدل بها إلى ما يحسن في خلقه ومذهبه وشاوره في ذلك، فكتب إليه عبيد الله: قرأت أيدك الله الرسالة الفاضلة البارعة الموفقة فأنا والله أقرؤها إلى آخرها ثم أعود إلى أولها مبتهجاً وأتأمل وأدعو مبتهلاً وعين الله التي لا تنام عليك وعلى نعمة عندك فإنها علم الله النعمة المعدومة المثيل. ولقد تمثلت وأنا أكرر نظري فيها قول القائل في سيدنا وابن سيدنا عبد الله بن العباس: كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع ... لذي أربة في القول جداً ولا هزلا ولا والله ما رأيت جداً في هزل ولا هزلاًَ في جد يشبه هذا الكلام في بلاغته وفصاحته وبيانه وإنارة برهانه وجزالة ألفاظه، ولقد خيل إلي أن لسان جدك العباسي ينقسم أجزاء، لك أعزك الله نصفها والنصف الآخر مقسوم بين أبي جعفر المنصور والمأمون رحمة الله عليهما، ولو أن هذه الرسالة جبهت الإبراهيمين إبراهيم ابن المهدي وإبراهيم بن الموصلي وابنه إسحاق وهم مجتمعون لبهت منها الناظر وأخرس الناطق ولأقروا لك بالفضل في السبق وظهور حجة الصدق ثم كان قولك لهم فرقاً بين الحق والباطل والخطأ والصواب. ووالله ما تأخذ في فن من الفنون إلا برزت فيه تبريز الجواد الرائع. عضد الله الشرف ببقائك وأحيا الأدب بحياتك وجمل الدنيا وأهلها بطول عمرك أهـ. وإليك شيئاً من مختارات ابن المعتز - يقول - يصف سحابة ممطرة: باكيةٌ يضحكُ فيها بَرقُها ... موصولةٌ بالأرض مرخاةُ الطُّنبْ رأيتُ فيها برقها منذ بدا ... كمثل طرفِ العين أو قلبٍ يجبْ جرت بها ريح الصبا حتى بدا ... منها إلى البرق كأمثال الشُّهبْ تحسَبهُ طوراً إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعاً يضطربْ وتارةً تخاله كأنَّه ... سلاسلٌ مفصولةٌ من الذهب. ويقول في الخط والشكل: فدونكهُ موشّى نمنمتهُ ... وحاكتهُ الأناملُ أيّ حوك بشكلٍ يؤمنُ الأشكال فيه ... كأنَّ سطوره أغصانُ شوكِ وقال:

стр. 2528

قد أنكرتْ هندٌ مشيباً ... عمًّ رأس واستعرْ يا هند ما شابَ فتى ... إنما شاب الشعرْ وقال: ضعيفةٌ أجفانه ... والقلبُ منه حجرُ كأنما ألحاظه ... من فعلهِ تعتذرُ وقال: ولقد قضت نفسي مآربها ... وقضت غيّاً مرةً ورشدْ ونهار شيبِ الرأس يوقظ م ... ن قد كان في ليلِ الشبابِ رقدُ وقال يصف جدولاً: يمزّقُ ريِّاً جلودَ الثم ... ار إذا مصَّ الثّمار العطَشْ وكفيلٌ لأشجارها بالحي ... اة إذا ما جرى خلته يرتعشْ وقال: وندمانٍ سقيت الراحِ صرفاً ... وأفقُ الصبح مرتفع السُّجوفِ صَفَتْ وصفتْ زجاجتها عليها ... كمعنى رقَّ في ذهنٍ لطيف وقال في الصيد لمَّا تعرَّى أفُق الضَّياء ... مثلُ ابتسام الشفةِ اللّمياءِ وشمطت ذوائبُ الظّلماء ... وهمَّ نجمُ الليلِ بالإغفاءِ قدْنا لعين الوحشِ والظباءِ ... زاهيةً محذورةَ اللقاءِ شائلةً كالعقربِ السمراءِ ... مرهفةً مطلقةَ الأحشاءِ كمدِّةٍ منْ قلم سوداءِ ... أو هدبةٍ من طرفِ الرداءِ تجملها أجنحةُ الهواءِ ... تستلبُ الخطو بلا إبطاءِ تمشّى الأنكبُ في الرّمضاءِ ... أسرعَ من جفنٍ إلى إغضاءِ ومخطفاً موثّقَ الأعضاء ... خالفها بجلدةٍ بيضاءِ كأثر الشهابِ في السماء ... ويعرف الزَّجرَ من الدعاءِ بإذنٍ ساقطةِ الأرجاءِ ... كوردةِ السوسنة الشهلاءِ

стр. 2529

ذا بُرثنٍ كمنقبٍِ الحذاءِ ... ومقلةٍ قليلة الأقذاءِ صافيةِ كقطرةِ من ماءِ ... ينساب بين أكمِ الصحراء مثل انسياب حيةٍ رقطاءِ ... آنس بين السفحِ والفضاءِ سربَ ظباءٍ رتع الأطلاءِ ... في عازبٍ منوّرٍ خلاءِ أحوى كبطنِ الحيّة الخضراءِ ... فيه كنقشِ الحيّة الرقشاءِ كأنّها ضفائرُ الشّمطاءِ ... يصطاد قبل الأَينِ والعناءِ خمسين لا تَنْقُصُ في الأحصاء

стр. 2530

مطبوعات حديث العمدة أهدى إلينا حضرة صديقنا الأديب الفاضل عبد العزيز ثبري بك عمدة الخيارية إحدى قرى مديرية الدقهلية - كتابة حديث العمدة الذي وضعه أخيراً واستوعب في صفحاته التي تقارب المائتي صفحة جميع ما يجمل بكل عمدة معرفته - وإذ أن هذا الكتاب يكاد يكون منقطع النظير فسنكتب عنه كلمة إضافية في العدد القادم نشرح فيها موضوع الكتاب وقيمته - وهنا نعجل القول بأن جديراً بوزراة الداخلية أن تبادر بأخذ هذا الكتاب وتوزيعه على جميع عمد البلاد والكتاب يباع بعشرة قروش صاغ ويطلب من إدارة البيان ومن حضرة صاحبه المفضال وعنوانه الخيارية دقهلية.

стр. 2531

العدد ٤٦ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١٩

стр. 2532

الإسلام أنصار الإسلام من كتاب الفرنجة وفلاسفتهم كثيرون، وآخرون منهم تعمقوا في بحث شرائعه وروحه ومبادئه فجاؤوا بما لم يسبقهم إليه أحد، ولكنا ما علمنا فيلسوفاً وفى البحث في الإسلام حقه، وتناول الشريعة المحمدية من جميع وجوهها، وصدع برأي بديع، وجاء بتحليل فلسفي طريف في هذا الدين المتين، مثل الدكتور لتنر الأستاذ المشهور في جامعات إنجلترة، وإنا لننشر اليوم مقاله عن الإسلام، ونحن سعداء أن ظفرنا برجل من الفرنجة مثله ينتصر للإسلام هذا الانتصار الرائع المدهش: قال: بدأت خبرتي بالإسلام في معهد ديني بالقسطنطينية عام ١٨٥٤ إذ قرأت القرآن واستظهرت جزءاً عظيماً منه ثم عاشرت طوائف مختلفة من المسلمين. واختلطت بفرق عديدة منهم، وصنوف كثيرة، في تركية والهند وغيرها من بلاد الله، ودرست العربية، وهي لغة كتابهم، ولسان دينهم، ومن ذلك أدركت أن الإنسان لا يستطيع بدون اللغة العربية أن يجتذب قلوب المسلمين، أو يكون له على أذهانهم سلطان، وإن كان هناك شيء آخر لا غناء عنه، وهو العاطفة فإن العاطفة هي مفتاح العلم، والسبيل إلى قلوب الناس، وهي التي ترسل أنفاس الحياة فيما لولاها لكان جثة هامدة وعظاماً بالية ورفاتاً سحيقاً. وقد كان من وراء فقدان العاطفة أن أساء كثيرون من أساتذة العلم وأقطاب البحث والنظر الحكم على الإسلام، ومنهم السير ويليام موير فقد أدى به فقدان العاطفة إلى الوقوع في أغلاط خطيرة ضد هذا الدين. إذن فلنتوقع أن يعين هذا البحث الذي نحن بسبيله على تأسيس تلك العاطفة وشد عراها، وتقوية الأخوية العامة التي يجب أن تسود بين الأديان جميعاً. وفي هذا يقول هربرت سبنسر: على قدر حبنا الحقيقة وتغليبه على حبنا الانتصار، لكون ولوعنا بمعرفة ما يؤدي بخصومنا إلى أن يروا غير ما نرى ويفكروا غير ما نفكر!. بل أعمق من هذا المبدأ تلك اليمين التي اعتادت قبائل البوذيين في بلاد التبت أن يقسموا بها وهي أن لا يروا ولا يفكروا ولا يقولوا مطلقاً أن دينهم خير الأديان جميعاً، وأيضاً توصي شرائع الملك أسوكا المنحوتة في الصخر بأن يمدح قومه أديان غيرهم من الناس. والآن نقول أن دين محمد لم يكن دين ذلك النبي وحده لأنه إنما كان يدعو الناس إلى دين عيسى وموسى، وليست المسيحية والموسوية إلا مرحلتين من مراحل الإسلام وكان في

стр. 2533

الإسلام الذي جاء به محمد الكمال لهما وحسن الختام. وآية التمام. فإن الإسلام إلى إرادة الله والاعتقاد بأنه يطلع على جميع أمرنا. كل ذلك ندين به ونؤمن بحقه جميعاً، ولكن هذه العقيدة في الإسلام ليست نظرية فقط كما هي الحال لدينا، بل عقيدة عملية منفذة وأساس بناء ذلك الدين. فالإسلام من ناحية يحكي المسيحية ويشبه الموسوي، وهو من الناحية الأخرى يختلف عنهما ويبين، فإن دعوة الناس إلى التسليم لإرادة الله والاعتقاد بأنه مطلع إلينا في جميع أمورنا. هي نفس الدعوة التي كان ينادي بها عيسى وموسى، ومن هذه الناحية كان هذان النبيان يدينان بدين محمد. ومن الناحية الأخرى لم يكن دين محمد اقتداء وتقليد فقط كما هي الحال في المسيحية والموسوية. بل كان كذلك وحياً يوحى. إذا صح أن في الدنيا شيئاً يسمى الوحي، ولكني أجترئ وأقول أنه إذا كانت تضحية الذات والأمانة في الغرض والاعتقاد الثابت الذي لا يزحزحه أي أمر من أمور الدنيا والإيمان بأنه على الحق، ونفاذ البصيرة إلى صميم الباطل والعمل على إزهاقه، كل أولئك من بني الظواهر المحسوسة للوحي. فإن رسالة محمد كانت وحياً. على أن دين موسى الذي كان يعرفه محمد هو الدين الخالص بما دخل عليه من الأوهام، والتأويلات والشروح والتعاليق، وكانت المسيحية التي يريد محمد أن يردها إلى نقائها الأول وطهرها هي تعاليم عيسى الخالصة من غموض القديس بولص وتعاليمه وتعاليم غيره من الطوائف المتعددة. وكان محمد يعتقد أن اليهود سيرتضون دعوته ويقبلون عليه. ولكن عصبية اليهود تأبت عليهم أن يتقبلوه بقبول حسن. فلم يكن هذا بمزحزحه عن مبدئه. وهو أن يدعوا المؤمنين كافة إلى الاشتراك في تلك الأنعم التي تركها جدهم الأكبر إبراهيم. ولهذا كان الإسلام هو بعينه دين موسى خالصاً من شوائبه مجرداً من مناقصه، والمسيحية خالية من تعاليم بولس. وكانت هذه الفكرة التي اعتزمها محمد، وهي أن لا يقصر محاسن دين إبراهيم على أمته وحدها، بل يذيعها في الخافقين، وينشرها في مشارق الأرض ومغاربها، هي الوسيلة التي أعانت على أن يدخل في هذا الدين السامي، ويدين بهذه المدنية العالية ملايين من الناس،

стр. 2534

ولولا ذلك لظلوا في حمأة الهمجية مرتطمين ولم يسموا إلى هذه الأخوة الرفيعة التي ينادي بها الإسلام ويعمل عليها وينفذها إنفاذاً. وقد أساء المسيحيون الحكم في أمر مؤسس هذا الدين وتكلموا عنه بما هو غير لائق، وقدحوا في حقه، فقالوا عنه مارق، وزنديق، وذكره دانتي في جحيمه فعده كافراً، وآخرون قرفوه بأن دينه مأخوذ من التلمود ولكن يلوح لي أنه لا يوجد ثمت تعريف أوجز أو خير من ذلك التعريف الذي تقدم، وهو أن الإسلام هو الدين الموسوي الحر الخالص من الشوائب والمسيحية المطهرة من تعاليم بولص. وهذا من الناحية النظرية. أما من وجهته العملية فهو ولا ريب أسمى من المسيحية بجميع الحضارة الغربية في هذا العصر. إن كل مسلم معبد قائم بذاته، ولكل مسلم الحق أن يدلي برأيه في أمور الدين بما يتفق والعقيدة العامة لأهل دينه، ولم يكن المسلمون يوماً عبيداً للقساوسة أو غيرهم من رجالات الدين، وهم يعبدون الله بلا وسيط، ويرفعون إليه الدعوات بلا سمسار، ومكان صلواتهم وعباداتهم أي درب من دروب الأرض وأي فج من فجاج الدنيا يثقفون به إذا آذنت مواقيت الصلاة. ولعلمائهم كذلك والزعماء الدينيين فيهم أن يشتغلوا بصناعاتهم ويحترفوا الحرف ويسعوا لاكتساب أرزاقهم من وجوه العمل، ولا يوجد شيء بينهم يسمى (بابا) بل يستطيع أي رجل عادي من عرض القوم أن يقول على رؤوس الأشهاد (بإسلامي نفسي إلى إرادة الله أنا ممثل هذا الدين الذي كان محمد نبيه) ولذلك ترى السواد الأعظم من المسلمين في بقاع الدنيا كلها لا هادي لهم ولا مرشد إلا الإيمان العميق في حبات أفئدتهم، وهم السنيون أهل الجماعة، وذلك تمييزاً لهم عن الطائفة الخطيرة الأخرى وهم الشيعة الذي يعتقدون أن محمد وىل بيته وذريته معصومون على أن محمداً نفسه لم يدع العصمة، بل تنزل عليه الوحي يوماً مؤنباً لائماً عاتباً، إذ تولى عن رجل أعمى وكان في مجلس جماعة من سروات القوم، فنشر هذا العتاب بين الملأ وأعلن الوحي، ولو كان محمد أخا خداع كما يسميه الجهلاء من أهل المسيحية لما فعل ذلك ولما أعلن النبأ. أما من ناحية مظاهر المسلم والفرائض التي يؤديها من صلاة وزكاة وصيام وحج فإن في كتب الدين منها الشيء الكثير وفي الكتاب مبادئها وأصولها، فأما الصلاة فشعارها (النظافة

стр. 2535

من الإيمان) لأن الوضوء في الإسلام يستبق الصلوات ولكل رسوم وشعائر وواجبات، على أن ليس في قساوسة المسيحية من يستطيع أن يقول ما يقوله عالم من علماء الإسلام للمسلم أن هذه الشعائر تستطيع أن تتعلمها من أي مسلم تلتقي به في الطريق. أما زكاتهم فتقضي بأن يهب المسلم جزءاً من أربعين من ماله للفقير والمسكين وذوي الحاجات وهذه الأموال التي تجتمع من الزكاة توضع في بيت المال، ومن بين الوجوه التي تصرف فيها فك رقاب الموالي والعبيد، والرق من الأمور التي اتهم بها المسيحيون عن جهالة دين الإسلام وإن كان محمد استطاع بدأبه وجهده أن يخفف من شدة نظام الرق بأن وضع قانوناً يبعث على إبطال الرق على مدى الزمن واستن سنة تؤدي إلى إلغاء امتلاك رقاب العبيد ولكي تكون الزكاة مقبولة عند الله ينبغي للواهب أن يثبت أن الزكاة التي رضخ بها من حر ماله، وله أن يزيد الزكاة عن القدر المحدود، على أنه غير مكلف بزيادة، أو مكره على دفع دون طاقته، ولكن من يعطي عن طواعية أكثر من الجزء المعين من الزكاة، فله عند الله أجر عظيم. أما الحج إلى مكة فمن أشد فروض الإسلام أهمية وخطورة لأن المسلمين يقبلون من جميع بلاد الله فيلتقون في صعيد واحد، فالحج هو رابطة الاتحاد، ومجتمع الوئام، والحج هو الذي ينشئ من المسلمين معبداً محمدياً زاخراً عظيماً، مما لا تبلغ مثله المسيحية بجميع فرقها ومنازعها وطوائفها. ثم لا يزال الحج وسيلة من وسائل نشر الآداب بفضل اللغة المشتركة العامة، وهي العربية، كما كان من اللاتينية في الغرب إذ كانت اللغة الفذة التي يتعلمها العلماء علاوة على لغاتهم، ومعرفة اللغة العربية هي مفتاح مغاليق الدين الإسلامي، بل السبيل إلى قلب الإنسانية المسلمة جميعاً. وأما الصوم فليس إلا نظاماً من الأنظمة، ولكن لا يزال له بعد من ناحية قوانين الصحة فضل ونفع أي فضل وأي نفع، وإن أداء فريضة الصوم والوضوء والطهر لا يعد فقد من الحكمة والسداد، وإنما في تأديتها كذلك إنفاذ قوانين الصحة التي ينادي بها الأطباء، وإني في الحقيقة أرى أن هذه القواعد والسنن التي استنها الإسلام من ناحية تحريم الخمر ولحم الخنزير وما لم يذبح من الحيوان على السنة، وما إلى ذلك لم توضع ولم تشترع لإحراج الذين استنت لهم وإرهاقهم، وإنما جعلت صلاحاً لهم ونفعاً وفائدة لجسومهم وعقولهم.

стр. 2536

أما من الوجوه الاجتماعية ومراتب الناس في الإسلام فإن الغني يعد حامي ذمار الفقير، وحارسه ونصيره، وللفقير أن يجلس إلى موائد الغني، ويشاركه الطعام في مباهج الخوان، ولا تجدن في الجماعة الإسلامية أي فرق أو أي بون بين الفقير والغني يبعث على الكراهية، ويستنفر الحب والولاء، بل ترى العبد الرق في الدار يعد عضواً من أعضائها، والمولى فرداً من هل العشيرة، بل أن للموالي الفرص السانحة للظفر بمراكز في الحكومة أو نيل مكان طيب في الجماعة، قلما يصيب مثله الصعلوك في مدنيات الغرب، والطعام مكفول لمن يحتاج إليه، يوهب لمن يعوزه، بل أن إعطاء الصدقات في الدين الإسلامي، كما هو في دين بوذا يجعل المتصدق الواهب مديناً للفقير الذي أصاب منه تلك الصدقات، لأن التصدق يعين صاحبه على تنمية روح الخير في فؤاده، ويبعث في نفسه ملكة العطف والرفق، فإنك تجد البراهمة يشكرون الفقير الذي يطرق أبواب بيوتهم سائلاً الحسنة، مستجدياً معتراً طالباً القرى والضيافة، لأنه مهد لهم بذلك الفرصة لتأدية الخير وإيتاء الزكاة، والرضوخ بالصدقات. وترى الخدم في الإسلام إن أكلوا بعد مواليهم وجلسوا إلى الطعام بعد أن يرفع خوان سادتهم، لا يزالون يصيبون في المآكل قدر ما يصيب أولئك ويشاركونهم في ألوان الأطعمة وصحاف المائدة، وتجد في المسجد والمصلى المساواة بين العابدين تامة، فلا مقاعد من ناحية تخص السروات، ولا أماكن خاصة مهيأة للأغنياء وأهل المراتب السنية في الحياة، بل الجميع في المسجد سواء يأتمون بالإمام في صلواتهم أو يقفون خلف أي مسلم منهم يندبونه للإمامة، وليس أروع ولا أجل منظراً من رؤية جمع من المسلمين وهم في صلاتهم خاشعون وقوف في صمت وسكون ورفق ونظام، وأنت ترى الشعب الإنكليزي يكره الرسوم والمظاهر الخارجية، والرياء والتصنع في الشرائع والسنن ولكن الإنكليز كثيراً ما يكونون عبدة لألفاظ القوانين، تاركين روحها ومعناها التي يراد منها، وقد يصح أن نقول أن حب الإنكليز للتدقيق والاختصار لا يزال مصدر شر كثير، واصل بلاء عظيم، فإذا كانت الصدقة في معناها الأكبر رأس الفضائل فإن تلك الرسوم التي تحوط أمر جمعها وتوزيعها في هذه الأمة البريطانية تذهب بجمالها وتفقدها الوجه الجليل الرائع منها، ونحن قلما ندرك أن القوانين إنما وضعت لإرشاد الناس جميعاً، وأن نصوص تلك القوانين وألفاظها وظواهرها الخارجية لا ينبغي أن تكون لها سلطان علينا،

стр. 2537

بل يجب أن لا يذعن إلا إلى روح تلك القوانين ولبها وصميمها. ومن ذلك كانت صدقتنا وعقائدنا وسنننا وشرائعنا الصلبة السريعة الخشنة تباين تلك الشرائع الشخصية الفردية المحسوسة والسنن العملية الكمالية الحليلة التي تمتاز بها العقائد الشرقية، ولو كانت الجماعات في الغرب قد أسست على قواعد الإسلام لما احتاج الأمور في أوروبا إلى وجود عدميين وفوضويين واشتراكيين، لأن الفرد في الإسلام لا يلقن السخط، كما ترى في الغرب إذ تجد غرض حضارتنا وقصدها ونتيجتها وغايتها الكبرى أن تثير السخط في روح الأفراد. وهنا أنتقل إلى موضوع الزواج في الإسلام فأقول أن عقد الزيجة لا بد فيه من شهادة شاهدين اثنين، وهو قانون ديني ولكن لا تقييد فيه ولا عل ولا إسار كما هي الحال في المسيحية ودين الهنود، بل للزوج أن ينعم بعشرة زوجه ولكنه لا يستطيع أن يكرهها على مرافقته إلى مملكة أخرى غير موطنها، وإن أرادها على ذلك وتأبت، فعليه أن يكفل لها نفقتها وهو عنها بعيد، فإذا وقع بين الزوجين خصام ويبست الثرى بين الرجل وبعله، فإنه يجمل إذ ذاك توسط المصلحين، واختيار حكم من أهله وحكم من أهلا، لعلهم مستطيعون توفيقاً فإذا لم يستطع الزوجان أن يعيشا لبعضهما مع البعض في وئام فلا سبيل إلا الطلاق، ومن هذا ترون أن التشريع الإسلامي في الزواج لا يستحق ذلك النقد الفاضح الذي اعتاد كتاب المسيحية أن يحشدوه على الإسلام، وهذا الاعتقاد الساري في الغرب وهو أنه يوجد بين المسلمين زواج لا حد له ولا قيد وطلاق مثله لا مدى له ولا حائل دونه ولا مانع يقف في سبيله، لا يزال اعتقاداً مخطئاً لا أساس له من الصواب، فإن الطلاق ليس من السهولة في الإسلام بحيث يتوهم المسيحيون، لأنه لا يمكن أن يتحقق إلا بعد تحكيم الوسطاء ورسل السلام والسعاة بالصلح والتوفيق، ثم لا تنس أن هناك صداقاً مؤجلاً لا بد من أن يدفع إلى الزوجة عند الطلاق وكثيرات من النساء يحددن مقداراً باهظاً من المال لمؤخر صداقهن ولا سبيل للزوج إلى دفعه إذا أراد طلاقاً، وهذا لكي يأمن النساء مضرة الطلاق وخطره وبلاءه. ولا ريب ولا نكران في أن نظر المسيحي أو الهندي إلى الزواج أكثر روحانية من نظر المسلم إليه، على أنما نراه من الممالك المسيحية عامة من معاملة الزواج يدلنا على أن

стр. 2538

المسيحيين أقل مراعاة لقداسة الرابطة الزوجية وعناية واحتراماً لروحانية الزواج من المسلمين. فالزواج عند الهنود لا يمكن أن تحل رابطته وتنفصم عراه، لأنهم ينظرون إليه نظراً روحانياً، على حين تجحده بين الكاثوليك الرومان لا يحل إلا بشق النفسي، وبالمشقة الكبرى، على أنه يحزنني أن أقول وأعترف بأنني قد عشت بين ظهراني المسلمين واختلطت سنين طوالاً بهم فلم أشهد على فرط ما يتهمهم به المسيحيون من سهولة الطلاق عندهم وفسحة حدوده، واتساع مداه من حوادث الطلاق عند المسلمين ما يعد أكثر منها بين المسيحيين ثم إنني لا أتردد في القول بأن المسلمين من ناحية صلة أرحامهم والعطف على عشائرهم واحترام علمائهم وشيوخهم وتوقير الكهول والمتقدمين في السن، والغرباء والحيوان الأعجم والبهيمة والنعم الخرساء أسمى بكثير من المسيحيين وهم مثال حسن لهم وقدوة كبرى خليقة بالاحتذاء. ثم لا أدع هذه الحلقة من البحث دون أن أقول بضع كلمات عن ذلك الموضوع الذي كثر ما أساء فيه أهل الأديان الأخرى، وأعني به موضوع تعدد الزوجات في الإسلام، فأقول أنه بصرف النظر عن أن تعدد الزوجات يكفل العيش للألوف من النسوة اللواتي يزيد عددهن عن الحاجة، في الممالك المكثرة من عدد الإناث فيها، وأنه وقاء من الإثم، وعاصم من الفساد، وحمى من الخنا، وما ينجم عنه من مضاره اللاحقة به، وأذاه الفارع عنه، وحائل دون النغولة وفساد انسابن وصحة المواريث لا نستطيع أن ننكر أن السواد الأعظم من المسلمين قانعون بزوجة واحدة وهذا بفضل مبادئ الإسلام. وقد نشأ محمد بين قوم كانوا يعدون الرجل الذي يرزقه الله بالإناث امرئ منكود الحط منكوباً، ويرون في البنات سوءات وهوناً لهم، وكانوا يئدون البنات في طفولتهن ويدسونهن في التراب فراراً من انتسابهن لهم واحتفاظاً بشرفهم وأعراضهم، ولم يكن ثمت حد لعدد النسوة التي يستطيع الرجل أن يتزوج بهن، وكن جميعاً متاعاً من أمتعته يقتسمه ورثته بعد موته، فلم يكن من محمد إزاء هذه الزيجات المتعددة التي لا حد لها ولا نظام ولا نهاية إلا أن كبح جماحها، وحال دونها، ووضع الحد المقرر لها، فاستن للناس سنة تبيح للرجل أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع إذا استطاع أن يعدل بينهن ويقسم حبه وعاطفته عليهن

стр. 2539

بالسواء، فإذا خشي اعتسافاً، وخاف أن لا يعدل، فواحدة وحسب، ولما كان بطبيعة الحال من المستحيل على الإنسان أن يعدل في حبه امرأتين أو ثلاثاً، ويهب كلاً قسطاً عدلاً من جانحته فإن المرء ليأخذ من روح التشريع الإسلامي في الزواج أن محمداً كان في صف فردية الزواج والاكتفاء بزوجة واحدة. ثم هو كذلك رفع المرأة من حالها الأولى وهي أن تكون متاعاً الرجل وملكاً من ملاكه، فجعلها صاحبة ملك وجعلها شريكاًَ للرجل، ومشاطراًن وعدها الشريك الأول الذي يجب أن تراعى مصلحته ويحتفظ بحقوقه، إذا أراد الزوج أن يأخذ في وجه من وجوه عمله، أو ابتغى شأناً من شؤون حياته. وقد رمى المسيحيون محمداً بتهمة أنه من ناحية نفسه قد برر تعدد الزواج، ونصب نفسه مثالاً للإكثار من الابتناء بالنساء، فلنفحص هذه التهمة ولنقلب فيها وجوه الرأي، ومن حسن حظنا أننا لسنا إزاء رجل خيالي ولا لقاء شخصية م الشخصيات الخرافية في التاريخ، ولا إنسان مصطنع اخترعته القصص، وابتكرته الروايات، ولكنا أمام رجل من رجالات التاريخ، قد دونت كل كلمة من كلمه، وسجل كل فعل من أفعاله، في أحاديثه، وهي بعد القرآن الشرعة التي ينبغي للمسلمين الأخذ بها، والأدب الذي يجب عليهم التأدب به، وهذه الأحاديث لا يمكن أن تصدق وتصيب الإجماع على صحتها إلا إذا رواها أحد صحابة النبي، واستطاع المسلمون الاستدلال عليها من سجل حياة أنصار محمد وخلطائه، فإذا لم يصب حديث من تلك الأحاديث هذا التحقيق، ولم يحط بهذه الأسانيد، سقط من الاعتبار، ولم يعتد به، ولم يذكر بني الأحاديث، وهذا فضل لم تظفر به المسيحية، إذ ليست لدينا أسانيد صحيحة مثبوتة عن أحاديث المسيح وأفعاله وكلماته وأعماله، والآن لنتساءل على أي داعمة وبأي حجج يقرف الناس محمداً بأنه كان مزواجاً كثير الابتناء بالنساء، وأنا أجيب على هذا بلا أدنى تردد بأننا لو توخينا البحث وتقصينا تاريخ النبي. وأخذنا كل قصة من القصص التي يستند إليها المتهمون المتجنون على ذلك النبي بالتحري والفحص والتشريح والتحليل، لما لبثنا أن ألفينا التهمة قائمة على أساس، ولم نر لها جداراً تستقيم عليه، ولا بناء تنهض فوقه. بل لوجدنا محمداً على نقيض هذه التهمة يستحق الإعجاب ويعد قميناً بالإكبار، إذ احتفظ على فرط ما كان أمامه من غوايات، وما قامت إزاءه من

стр. 2540

إغراءات، بالعفاف الشديد والاستقامة التامة في وسط مجتمع لم يكن يعرف هذه الفضيلة. فقد عاش محمد في الجاهلية الأولى فظل عفيفاً على أكمل العفاف حتى ناهز الربيع الخامس والعشرين وغذ ذاك تزوج بامرأة في الربعين (وهي تعدل امرأة في الخمسين من نساء الغرب) وما كان زواجه بها إلا لأنها كنت المحسنة غليه وكانت توليه عطفها وعنايتها، وكانت تعتقد ببعثته وتدين برسالته، كما أعلن بعد ذلك بسنين عدة بعد وفاتها لزوج من أزواجه فتية حسناء فاتنة كانت غيرى من خديجة العجوز وقد سألته كيف تؤثر تلك عليها وهي تقول ألست مثلها طيبة وخيراً إذ أجابها بأنها لست مثلها. لأنها صدقت به يوم كان الناس جميعاً مكذبين، وكانت أم المؤمنين وكانت تكبره وتحميه وترعاه، يوم كان عائلاً مطرحاً لا يرى له نصيراً، وظل على محض الوفاء لها عشرين عاماً كاملة، ونحن لا ننكر أنه عندما أشرف على الخمسين، راح يتزوج بالمرأة أثر المرأة، ويبتني بالنساء مترادفات متلاحقات، ولكن أليس من العدل أن نذهب إلى أن رجلاً قد أظهر ضبط النفس بأكمل معانيه حتى الخمسين وتعفف العفاف كله إلى تلك السن لا بد من أن تكون ثمت أسباب غير تلك التي اختلقها كتاب المسيحية، ولرب سائل يسأل وما تلكم السباب، وأنا أعتقد أن السبب الحقيقي لكثرة زيجاته في شيخوخته هو التفضل والإحسان وذلك لكي يرعى ويظل بعطفه أرامل أنصاره الذين أصابهم العذاب، من جراء إيمانهم وتقطعت بهم الأسباب بفضل توفرهم على كلمة الإسلام. وقد أصاب أتباع محمد وأنصاره والمؤمنين الحرب والويل من ناحية إيمانهم حتى كان تعذيب الكفار لهم وأعداء الدين أن منعوهم وحرموهم خبأ الأرض يقتاتون به واضطر كثيرون منهم إلى الفرار إلى الحبشة فازعين إلى ملكها المسيحي فتأبت شهامة النجاشي أن يسلمهم إلى أعدائهم، بل أظلهم بحمايته في أرضه، وقضى نحبه فريق منهم في الحبشة، وبقيت أراملهم في بلاد العرب، فأخذهن محمد إليه وابتنى بهن، وأدخلهن في عشيرته، ولولا ذلك لتضورن جوعاً، وهلكن مسغبة وتشريداً وأما الذهاب إلى أن محمداً كانت له في ذلك مآرب أخرى ونيات شهوانية فلا أساس له ولا حجة قائمة ولا سيما ذا علمنا أنه أظهر في عهد شبيبته الحادة، وعنفوان شبابه وغلواء فتوته الأدلة العظيمة القاطعة على عفاف جيبه، ونقاء نزعته، وزجر شهوته، وقد أساء كثيرون كذلك فهم قصة زواجه بزينب التي

стр. 2541

طلقها من مولاه زيد الذي تبناه ونحن نقول أن العرب في الجاهلة الأولى كانوا يأنفون من أن يتزوج الرجل بامرأة مطلقة كانت قبله تحت متبناه، وإن لم يكونوا يأنفون من التزوج بزوجات أبيهم بعد وفاته، فأراد محمد أن يذهب بفساد هذه السنن، ويطمس على آثار هذه الشرعة الطائشة الحمقى، فعلم الناي أن الابن بالمتبنى ليس ابناً حقيقياً ولذلك كان التزوج بالمرأة التي طلقت منه غير محرم، ولا ممنوع، وتأييداً لهذه الحقيقة، لا تبريراً لعقد زواج جديد، نزل الوحي على محمدـ، فأوله أعداء محمد ودينه بأنه لم يكن إلا شفيعاً ومبرراً لإثم اقتحبه، وعمل جائر ارتكبه، وأنه ليلوح لي أنه لو هذب الناس عاطفة الحنان في أفئدتهم، واشربوا قلوبهم جانحة الكرم والترفق والتسامح لنظروا إلى الأديان التي تخالف دينهم بغير ما ينظرون به إليها الآن، ولاجتهدوا أن يتقصوا البحث عنها من مصادرها الخاصة بها، غير آخذين بقول أعداءها، أو جانحين إلى الاستماع إلى ما قال الخصوم عنها. والعزوبة نادرة الوجود بين المسلمين وقلما تجد نساء صالحات للزواج يعشن في ظلال العزوبة، بلا أزواج، والزنا يصيب العقوبة الصارمة، إذا ارتكبه رجل، أو ثبت على امرأة، ويجلد الزاني على رؤوس الملأ مائة جلدة جزاء له وعقاباً على إثمه، أما من ناحية الجواري فلم يرض الإسلام أن يصم نسلهن وأولادهن بميسم العار ويطبع على جباههم مخية الإثم، فجعل ابن الجارية الرقيق يرث مع أبناء سيدها ومولاها على حين لا يجد الطفل غير الشرعي في مجتمعاتنا المتحضرة إلا قليلاً من الرعاية ونزراً من الحماية والعطف بل إن نظرنا إلى الزواج من ناحيته الروحانية السماوية لا يكاد يداني نظر الهنود إليه، إذ تضرع الزوجة لخلاص روح زوجها، لأنه لا ينال الخلاص إلا بدعواتها وصلواتها. وليس للمسلمين حوانيت خمر، ولا أندية ميسر ولا مضارب زنا، ولا مواخير وليس لديهم زناء مشروع ولا بيوت أعدتها الأنظمة الحكومية للفحشاء العمومية، وأما عن محادثاتهم وأسمارهم ولغة كلامهم، فهي أرق حاشية وأكثر تهذيباً من أحاديث عامة الغربيين، وقد رأيت شباباً من المسلمين في المدرسة والجامعة والمعهد أرق حديثاً وأفضل مسلكاً وألين خلقاً وأصفى آداباً من شباب الإنكليز المتعلمين، بل لعل أحاديث هؤلاء قد تكون معاقباً عليها في أحكام الإسلام وشرائعه.

стр. 2542

ومن وجهة التهمة المنكرة الملقاة على الإسلام وهي أن قد جمد على سننه ولا يريد تقدماً، ولا يماشي الحياة ولا يجاري أجيال الزمن وأحقاب الدهر فإنني أقول أن الحرية التامة في تأويل القرآن وأحكامه والتبسط في شرحها وإطلاق قيودها تجعل الإسلام صالحاً لكل ناس، ملائماً لمل مملكة، متفقاً وطبائع كل أمة، ونحن نضرب لك مثلاً فنقول أن القانون المقرر للتأويل والتفسير وهو أن كل جملة شرطية لا بد من أن تحكم بشرطها، يبعث على اطمئنان الضمير، فإذا جاء في القرآن قاتلوا المشركين فإنها جملة مطلقة ولكن إذا قيدت بهذا الشرط وهو إذا قاتلوكم كانت أكبر حجة على فساد ذلك الزعم الشنيع، وهو أن الإسلام قام بالسيف وأسس على الجهاد والحرب الدينية، بل لا تجد القتال مشروعاً في الإسلام إلا دفاعاً عن النفس إزاء الدين يقاتلون المسلمون ويطردونهم من أرضهم لأنهم يعبدون رباً لا شريك له والتسامح الديني مستمسك به وذائع منفذ بين المسلمين، ولا تجد شيئاً منه في الممالك والشعوب المسيحية. وقد أدخل محمد اليهود والنصارى في صفوف المسلمين لأن الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وإنك لترى في سورة الحج في القرآن أن غرض القتال، ومقصد الحرب هو لحماية المساجد والمعابد والكنائس لأن اسم الله يذكر في كل منها على السواء. أفليس هذا أرقى ضروب التسامح والحد الأكبر من الرفق، ونحن لم نبلغ شيئاً منه إلا بعد قرون عديدة وأجيال. وقد عرفت كثيرين من المسلمين يكتتبون ويخرجون عن أموالهم تعضيداً للكنائس فنبوئني كم من المسيحيين اكتتبوا للمساجد - ومع ذلك لا يزال اسم الله يذكر في المسجد والكنيسة معاً!!. وإذا ذكرني المسيحيون باضطهاد المسلمين لجموع منهم فأقول أن تلك الاضطهادات لا تذكر بجانب المذابح التي قتل فيها المسيحيون الجموع العظيمة من بني الإسلام وقد أقسم عمر بن الخطاب يوماً إلا أن يثأر لدينه من تلك المذبحة التي أقامها المسيحيون في بيت المقدس، بأن يذبح أهلها والمحاربين المدافعين عنها يوم أراد فتحها، على أنه إذ اقتحم أسوارها ودخلها عزيزاً منتصراً أبى ألا أن يحنث بيمينه وقال: لأهون علي الحنث بيميني من أن أقتل مخلوقاً واحداً من مخلوقات الله!. ولا اجد ما أختم به بحثي هذا خيراً من هذه الحقيقة التي أصر على قولها وتردادها، وهو أن الإسلام والمسيحية والموسوية أقارب وأخوان من مصدر واحد وأصل واحد، وأتمنى

стр. 2543

على الله أن يقبل ذلك اليوم الذي أرى فيه المسيحيين يوقرون ويعظمون المسيح أكثر من توقيرهم إياه وتعظيمهم له اليوم، وذلك بتوقيرهم محمداً كذلك وتعظيمه لأنه هناك وجوه شبه، ونواحي مشتركة، وعواطف متفقة بين الإسلام والنصرانية، والمسيحي المسيحي من دان بتلك الحقائق التي دعا إليها محمد النبي العربي.

стр. 2544

حضارة العرب في الأندلس الرسالة الأولى من الإسكندرية إلى مرية (تابع) مقامي في مسيني ولقد أقمت في مسيني ثلاثة أيام بلياليها أنساني فيها أبو عبد الله الصقلي الفيلسوف بأدبه وظرفه ورقة حاشيته ما يعرو الغريب في البلد النازح من الوحشة والانقباض. ثم علمنا في اليوم الرابع لمقامنا أن قد أرست على ميناء هذا البلد سفينة كبيرة قادمة من القسطنطينية العظمى قاصدة إلى بر الأندلس، فاعتزمت أنا وأبو عبد الله أن نسافر فيها، وكان هذا العزم من تمام فضل الله علينا وحسن توفيقه إذ أصبنا في هذا المركب عند نزولنا فيه منية النفس ومطمح الروح فضل المدنية التي ضرب الدهر بيني وبينها أياماً كانت على قلتها كأنها شهور بل أعوام، وكان معها صاحبتاها علم المدنية وقلم الرومية. وهن كما علمت ممن حذقن الغناء ونبغن فيه بعد أن تعلمنه في المدنية المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهذه قلم كما أخبرتني أندلسية الأصل رومية من سبي البشكنس وحملت صغيرة إلى المشرق فوقعت بالمدينة المنورة ولقنت هنالك الغناء، ثم اشترين مع فضل وعلم لأمير المؤمنين بالأندلس عبد الرحمن الناصر. وقد أخبرني فضل أن المراكب الذي كانت فيه لما أرسى على مسيني بعد إرسائه على ريو لشراء ما يحتاج إليه من الميرة والطعام أُلفي في روعها هي ومن معها أن ينزلن في مسيني ويتركن هذا المركب - وهو للأمير عبد الرحمن الناصر - خشية أن يأسره ومن فيه عمال المعز لدين الله الفاطمي لأن بلاد صقلية إحدى ولايات المعز، وقد علمت أن هذا المركب كان قد تحرش وهو ذاهب إلى المشرق بمركب للمعز، فأحفظ المعز هذا الأمر وأخذه منه المقيم المقعد، وحمله على أن يطوي كشحه على الثار من الناصر - ثم أقامت فضل هذه المديدة في فندق من فنادقها، في ربض من أرباضها، فقلت يا عجباً كل العجب: أليس غريباً أن نكون ببلدة ... كلانا بها ثاو ولا نتكلم أما نبأ هذه السفينة الرومية فذلك أن قسطنطين بن ليون أنبرور الروم (إمبراطور دولة الرمان الشرقية) كان قد أهدى منذ ثمان حجج إلى أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر هدايا

стр. 2545

ذات قدر عظيم يتقرب بها إليه ويبصبص بذنبه لديه، واستدفاعاً لمكره وكيه، واستجلاباً لعطفه ووده، واستظهاراً به على آخذ بلاده (بلاد قسطنطين) المعز لدين الله وكان من هذه الهدايا كتاب ديسقوريدس الطبيبي مصور الحشائش العجيب وكتاب هيروسيس (هيرودتس) المؤرخ الرمي العظيم، وكان الكتاب الأول مكتوباً بالإغريقي، وهو اليوناني القديم والكتاب الثاني كان مكتوباً باللسان اللطيني وكتب قسطنطين فيما كتب إذ ذاك للناصر أن كتاب ديسقوريدس لا تجتنى فائدته إلا برجل يحسن العبارة باللسان اليوناني ويعرف أشخاص تلك الأدوية، فإن كان في بلدك من يحسن ذلك فزت أيها الملك بفائدة الكتاب. وأما كتاب هروسيس فعندك في بلدك من اللطينيين من يقرؤه باللسان اللطيني وإن كشفتهم عنه نقلوه إليك من اللطيني إلى اللسان العربي. ولم يكن يومئذ بقرطبة من نصارى الأندلس من يعرف الإغريقي فبقي كتاب ديسقوريدس في خزانة الناصر كما هو لم يترجم إلى العربي، فلما ولى أمر الروم أرمانيوس بن قسطنطين تقدم إليه الناصر بأن يبعث رجلاً يعرف الإغريقي واللطيني ليعلم له عبيداً يكونون مترجمين فأرسل أرمانيوس في هذا المركب راهباً عظيماً يسمى نقولا. وقد أزلفت لك أن أبا عبد الله الصقلي يحسن الإغريقي إحسانه للطب والفلسفة والنجوم. وقد كان أخبرني أن الناصر أرسل إليه يستحثه على الوفود إليه ليكون في خدمته فكان ذلك سبباً في انعقاد الصحبة بيننا وبين هذا الراهب. وقد أصبنا منه رجلاً حديثاً ظريف المحاضرة له مشاركة في كثير من العلوم والآداب. وقد ألقينا في هذا المركب طبيبين أندلسيين كانا قد رحلا إلى المشرق منذ سنين وأقاما هنالك نيفاً وعشرين سنة ودخلا دار السلام (بغداد) وقرآ فيها على ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة كتب جالينوس ثم قفلا راجعين إلى الأندلس مسقط رأسهما، ونزلا في هذا المركب من أحد الثغور وهما أخوان يسمى أحدهما عمر والثاني أحمد وهما أبناء يونس بن أحمد الحراني الطبيبي المشهور، وقد أخبراني أن كتاب ديسقوريدس هذا كان قد ترجمه بدار السلام أيام جعفر المتوكل الخليفة العباسي اصطفن بن بسيل المترجم - من الإغريقي إلى العربي، وتصفحه حنين بن إسحاق فصحح الترجمة وأجازها - قالا: وقد ورد هذا الكتاب إلى بلادنا (الأندلس) وهو على ترجمة اصطفن، وقد قرأناه وصححنا كثيراً من أسماء العقاقير التي لم يعرف لها اصطفن اسما في العربية، وقد انتفع كثير من أهل المشرق

стр. 2546

وأهل الأندلس بالمعروف منه - وفي الأندلس اليوم من أخواننا الأطباء نفر توفروا على هذا الكتاب يصححون أسماء عقاقيره ويعينون أشخاصها، ومنهم أخونا البسباسي والشجار وأبو عثمان اليابسة ومحمد بن سعيد الطبيب وكأنا بسيدنا الناصر أدام الله تأييده وقد أبى إلا أن يقر الأمر في نصابه، ويغمد السيف في قرابه، ويتم أمر هذا الكتاب على ما به، فطلب من أرمانيوس ما طلب، وكل ذلك من سيدنا فضل عناية منه بكل ما يجدي على بلاده ويسمو بها صعداً إلى أبعد مراتب العظمة الذهنية كما أبعدت به وبأسلافه في سائر ضروب الحضارة، وذلك لما فطره الله عليه من العزيمة النافذة والهمة الطموح البعيدة المرمى فلا يتعاظمه أمر، ولا تقف همته دون غاية. وحتى لا يحيك في صدر إنسان أن خلفاء بني العباس في المشرق، أو منافسيه الفاطميين في أفريقية قد سبقوه إلى شيء لم يسبقهم هو إليه، وأنت تعلم أن هذه الدول الإسلامية الثلاث هي أعظم دول الأرض اليوم شأناً، وأضخمها سلطاناً والقابضة على أزمة الأمور والمالكة أخصب البلاد من هذا المعمور، والمستبحر عمران بلادها إلى أكثر من المتوقع المنظور. والتي تعد سائر دول الأرض من هذه الأمم الحمراء كأنها تبع لها وعيال عليها، فتراها لذلك تتهالك في كل آونة على الازدلاف إليها، وتستنزل رضاها بالهدايا والتحف، وغريب النفائس والطرف، وتستصرخها بعض على بعض فتكون الحتوف، أسبق إلى المغضوب عليهم من السيوف أنا إذا ما أتانا صارخٌ فزِعٌ ... كان الصراخ له قرع الظنابيب ومن ثم ترى أن هذه الدول العظمى تتسامى في كل ما يكسبها حسن الأثر، وجميل الذكر، ويملأ مسامع الدهر حمداً وثناءً، وينبض له قلب الدنيا فخراً وعلاء، فتراها لذلك آخذ بيد العلم والعلماء، مالئة بأعطياتها أيدي الشعر والشعراء، حتى العلوم الفلسفية بجميع ضروبها من إلهية وطبيعية ورياضية وطبية وفلكية تعضدها وتغري القائمين عليها بالاستزادة منها والتقضي في البحث عن غوامضها، وتظهر الرغبة في الحصول على مآخذها من ملوك الروم الذين حشدت في خزائن كتبهم تواليف فلاسفة اليونان الأقدمين. ولقد أقلعت بنا السفينة باسم الله مجراها من ميناء مسيني، وبكرت مع البازي عليه سواد، في فجر يوم الجمعة سلخ ربيع الأول، وذلك لثلاث عشر ليلة خلت من شهر جونيو الرومي سنة ست وخمسين وتسعمائة من مولد السيد المسيح ﵊. وكان البحر

стр. 2547

هادئاً والنسيم فاتراً عليلاً، وكانت قبة فضل ومن معها بمرأى منا ومسمع وكان معنا أديب من أدباء صقلية لم نكن ندري أين وجهته ولكنه نزل بعد ذلك في جزيرة ميورقة، وكان قد ندّ منه عقيب إقلاعنا من مسيني أمر أفضى إلى حديث لا علينا إذا نحن أوردناه في هذه الرسالة تطرية للقول، وذلك أنا بعد أن صلينا الصبح حاضرة وصلى معنا هذا الأديب الصقلي رأيناه وقد انتحى ناحية وأخذ يططبح ويلح على ابنة العنب يشربها صرفاً لا يقتلها بالماء فأنكرت عليه ذلك إنكاراً شديداً وقلت له: ما تصنع الخمر، وإن أولها لمر وإن آخر لسكر، فقال: لا أقول لك إلا ما قال الأخطل لعبد الملك بن مروان إذ قال له عبد الملك مثل قولك هذا فقال الأخطل: ولكن بين هاتين المنزلتين ما ملك أمير المؤمنين فيها إلا كعلقة ماء من الفرات بالإصبع ثم أنشد الأخطل: إذا ما نديمي علني ثم علني ... ثلاث زجاجات لهن هدير خرجت أجر الذيل تيهاً كأنني ... عليك أمير المؤمنين أمير ولله ذلك الطائر الفردوسي البديع الذي كأنه روح هبط على هذه الغبراء من المحل الأرفع ومعه تلك الهدية التي لا هدية مثلها، تلك البذور الثلاث التي ما أظنه إلا اختلسها من عنب الجنة ليطرفنا بها فنزدرعها ونفزع إلى عصيرها في هذه الحياة المحزونة المفعمة آلاماً ليسرى عنا ويجلو منا صدأ الحس، وينفي الهم عن ساحة النفس. إن الذي جعل الهموم عقاربا ... جعل المدام حقيقة درياقها أقتلا همي بصرف عقار ... واتركا الدهر فما شاء كانا إن للمكروه لذعة هم ... فإذا دام المرء على المرء هانا فقلت له ولكنها قبحها الله تسيء من المرء أخلاقه، وتخمل النابه، وترفعه كما قيل إلى أسفل، وتهوي بالشرف الرفيق إلى الحضيض الأوهد، ولله ذلك القرشي حين يقول: من تقرع الكأس اللئيمة سنه ... فلا بد يوماً أن يسيء ويجهلا ولم أر مطلوباً أخس غنيمة ... وأوضع للأشراف منها وأخملا فسرعان ما أنشد: إذا صدمتني الكأس أبدت محاسني ... ولم يخش ندماني أذاتي ولا بخلي ولست بفاحش عليه وإن أسا ... وما شكل من آذى نداماه من شكلي

стр. 2548

ثم قال: والخمر لذلك خليقة أن لا يشربها إلا الملوك وأشباه الملوك أما السوقة والحمقى والغوغاء ومن إليهم فيجب أن يصلبوا أو يقتلوا أو تقطع أيديهم وارجلهم إذا هم شربوها. والخمر قد يشربها معشر ... ليسوا إذا عدوا بأكفائها * * وجدت أقل الناس عقلاً إذا انتشى ... أقلهم عقلاً إذا كان صاحيا تزيد حمياها السفيه سفاهة ... وتترك أخلاق الكريم كما هيا فقلك له أما تخشى الله يوم الحساب فقال: إذا صليت خمساً كل يوم ... فإن الله يغفر لي فسوقي ولم أشرك برب الناس شيئاً ... فقد أمسكت بالدين الوثيق فهذا الدين ليس به خفاء ... دعوني من بنيات الطريق فقال أبو عبد الله الفيلسوف: الشراب ضار ونافع أما أنه نافع فللبدن بإشراقه وتقوية الحرارة الغريزية وإنعاشها وإنضاج الرطوبات وتنقيح المجاري وإزالة سددها وتقوية الهضم وإنارة الدم وإدرار الصفراء وترطيبها - وللنفس بانبساطها وتفتيح آمالها وتشجيعها وقتل الهم والفكر الفاسد ومن ثم كان أنفع الأشياء للماليخوليا ثم هو يؤدم بين القلب والقلب ويبعث الشوق القديم الذي قد ضل في الأحشاء - وكل أولئك إذا استعمل على الوجه الذي ينبغي وإلا استحالت هذه المنافع مضار فترى عوض السرور هماً وغماً وضجراً وسوء خلق، وعوض الصحة مرضاً مزمناً أو موتاً فجائياً وإن إدامة الشراب تبلد الذهن وترخي العصب وتوهن قوى الدماغ وتورث الرعشة والتشنج، وقد أجمع الحكماء قاطبة على أن مدمن الخمر لا ينجب وإن أنجب كان الولد أحمق. وبعد: فإن أصدق ما جاء في الخمر قول الله جل شأنه: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما: ثم قال سبحانه يصف خمر الجنة: ﴿لا فيها غول ولا عم عنها ينزفون﴾ فكأن السر في تحريمها هو أنها تغتال عقولنا وتشربها وتورثها الخبل والصداع كما قال الأول: وما زالت الخمر تغتالنا ... وتذهب بالأول الأول وما ألطف قول بعض الظرفاء وقد ترك النبيذ فقيل له كيف تتركه وهو رسول السرور إلى

стр. 2549

القلب فقال نهم ولكنه بئس الرسول يبعث إلى القلب فيذهب إلى الرأس ويشبه ذلك قول المجنون لملك من الملوك وقد استظرفه واختار أن يكون نديماً له وعرض عليه الشراب فقال المجنو: أيها الملك أنت تشرب هذا لتصير مثلي وأنا أشربه لأصير مثل من! وأنا لفي ذلك إذا اندفعت فضل المدينة تغني على عودها هذه الأبيات: بيد الذي شغف الفؤاد بكم ... تفريج ما ألقى من الهم فاستبقني إن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شئت عن علم قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم فاستخف غناؤها أبا عبد الله حتى كاد أن يخرج من جلده فرحاً وتحرك الراهب واهتز كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب، وغمغم كلمات ترجمها لنا أبو عبد الله بما يقارب قول الطائي حبيب بن أوس: ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت قلبي أجهل شجاها فصرت كأنني أعمى معنى ... يحب الغانيات ولا يراه ثم اندفعت تغني: آها على بغدادها وعراقها ... وظبائها والسحر في أحداقها ومجالها عند الفرات بأوجه ... تبدو أهلتها على أطواقها متبخترات في النعيم كأنما ... خلق الهوى العذارى من أخلاقها نفسي الفداء لها فأي محاسن ... في الدهر تشرق من سنى إشراقها فأخذ العلج ينشج نشيجاً حاراً ويبكي بكاءً عالياً حتى إذا سكت عنه البكاء قال ما معناه: لقد هاجت لي داء دفيناً. ثم سكت وسكتت فضل وسكتنا ومضت السفينة لطيتها. قال معاوية بن أبي سفيان: النساء يغلبن الكرام، ويغلبن اللئام. وقال يزيد ابن المهلب بن أبي صفرة: وددت لو أن كأساً بألف دينار، وأن كل منكح في جهة أسد، فلا يشرب الأجواد، ولا ينكح إلا شجاع. وقال عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. وقال المأمون: النساء شر كلهن ومن شر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن. وقال: إن النفس لتمل الراحة كما تمل التعب. وقال: إنما تطلب الدنيا لتملك فإذا ملكت فلتوهب. وقال عبد الله بن طاهر: سمن الكيس ونبل الذكر لا يجتمعان. وقال المنتصر بالله: ما ذل

стр. 2550

ذو حق وإن أطفق العالم عليه، ولا عز ذو باطل وإن طلع في جبينه القمر.

стр. 2551

شيخ المتشائمين آرثر شوبنهور أو الحياة شقاء كثير من قراء البيان قد سمعوا بالفيلسوف الألماني الأشهر آرثر شوبنهور المولود سنة ١٧١٨ والمتوفى سنة ١٨٦٠ وهو شيخ الفلاسفة المتشائمين الذي قد برموا بالحياة وبرمت بهم ولم يروا سبيلاً إلى الخلاص من بلاياها إلا الزهد فيها والرغبة عن ملاذها، وتعاليمه تشبه شيئاً كثيراً من الشبه تعاليم متصوفة المسلمين وتعاليم بوذا وبرهمة، ويشبه من فلاسفة العرب حكيم المعرة أبا العلاء - ومحور فلسفة شوبنهور هذه هو أن الكون وما يحتويه (أعني المادة والزمان والمكان) ما هو إلا خيال لا وجود له إلا في الذهن ولكن له أصلاً وجرثومة هي ما يسميها الفيلسوف (كانت) الألماني العظيم - سلف شوبنهور وأستاذه - الشيء في ذاته ويقول أننا لا نعرف ولا نستطيع أن نعرف حقيقتها وكنهها ويرمز لها بحرف س على نحو ما يفعل الرياضيون في الرمز للكميات المجهولة، وشوبنهور يزعم أن جرثومة الكون المذكورة التي حار في كنهها كانت حتى رمز لها بحرف س وما هي إلا الإرادة التي نشعر بها في أعماق كياننا ونحس أنها هي القوة الدافعة فينا التي تدفعنا إلى الحركة تارة عن طريق الذهن أي طريق التعقل والتفكير وتارة من تلقاء نفسها كما يشاهد في حركات الجسم غير الاختيارية، وأهمها وظائف الأجهزة الحيوية، وهكذا نرى أن زبدة فلسفته هي أن الدنيا إرادة - أما حقيقتها وكنهها فمجهول، وأما ظاهرها الذي تتجلى فيها وتتراءى فهو ذلك الكون المشتمل على الزمان والمكان والمادة والجماد والنبات والحيوان والإنسان ولكن هذا الكون هو ظاهرة فقط لتلك الجرثومة، والأصل أي الإرادة هو خيال ليس إلا لا وجود له إلا في الذهن، فالحياة في نظر شوبنهور ليست إلا حلماً ولكنه حلم أليم مزعج. وذلك لأنه لما كانت الحياة إرادة فهي إذن رغبة وحاجة، والحاجة كما لا يخفى لا تزال تتطلب الإسكات والإشباع ومعنى هذا هو الحرمان والتلهف وهذان مشفوعان أبداً بالألم. فهو يستدل بهذا على أن معاناة الألم والكمد هو الغرض الذي ترمي إليه الحياة والغاية التي إليها تقصد. قال: إذ لو لم تكن ومكابدة الأسى هو ما ترمي إليه الحياة لكانت الحياة بلا غرض ولا مقصد. إذ من السخف والحماقة أن نعد ذلك المقدار الهائل من الهموم

стр. 2552

والأحزان الذي يملأ الحياة وينشأ من حاجاتها وضرورياتها منفصلاً عن الحياة ذاتها وأنه لا يرمي إلى غرض مقصود وأنه نتيجة الصدف ليس إلا. ولست أعرف أكذوبة هي أسخف مما تؤيده تلك المذاهب الفلسفية القائلة بأن الشر سلبي في ماهيته وكنهه والخير إيجابي. والحقيقة هي العكس فإن الشر هو الإيجابي الذي يقع في الشعور فيجعل نفسه محسوساً ملموساً. والخير هو السلبي. أو بعبارة أخرى أن السعادة والرضا والراحة ما هي إلا سد الحاجة وزوال الألم. وهذا هو السر في أننا إذا أصبنا اللذة وجدناها دون ما كان ينتظر وإذا أصبنا الألم وجدناه فوق ما كان يتوقع. يزعم الزاعمون أن اللذة في الدنيا ترجح بالألم أو على الأقل تعادله. فإذا أراد القارئ دليلاً قاطعاً على بطلان هذا الرأي فليتصور حيوانين أحدهما يفترس الآخر، وليتوهم لذة الأكل وعذاب المأكول وليوازن بين مقداري هذين الشعورين المتناقضين. هل يجد أدنى نسبة بين مقدار اللذة ومقدار الألم؟ ونحن نرى أن أحسن عزاء في المصيبة هو تدبر المصاب مصائب من هم أسوأ منه حالاً. ولكن أي دليل في مثل هذا العزاء على شقاء العالم وبؤس الحياة. ومن المصائب التي لا يستهان بها شدة ضغط الوقت علينا ومطاردته إيانا وسوقه لنا سوقاً عنيفاً لا يدعنا نتنفس كأنه السجان يدفعنا إلى العمل بالسياط فإذا ما خفت عنا وطأته هنيهة فإنما يفعل ذلك ليسلمنا إلى الضجر والسآمة. ولكن المصيبة لا تخلو من النفع والفائدة فكما أنه لولا ضغط الهواء الجوي على جسد الإنسان لانصدع ذلك الجسد وتمزق فكذلك لو رفعت عن الناس كافة الاحتياجات والمشاق والشدائد فأصبحوا الناجحين الفائزين الموفقين في كل ما عالجوا وتعاطوا لانتفخوا خيلاء وغلواء فأصبحوا - وإن لم يتصدعوا ويتمزقوا - غاية في الخرق والسفه والحماقة، ولا يبعد أن ينالهم الخبل والجنون فلا غرو إن كان كل امرئ في حجة إلى قدر محدود من الهم أو العناء أو الألم في جميع أوقاته. فالسفينة بلا صابورة (ثقل من حجارة أو حديد يجعل في قعر المركب لتخفيف فعل العواصف) تكون مزعزعة هوجاء طائشة. ولا مراء في أن الكد والنصب والعناء هي نصيب السواد العظم من الخليقة مدى أعمارهم ولكن هب أن الأوطار والمآرب نيلت بمجرد حصولها في النفس فكيف يقضي الناس أيامهم

стр. 2553

وبماذا يسدون فراغ أوقاتهم؟ هب الحياة كانت جنة نعيم وفردوس لذة وأنهارً من لبن وعسل مصفى وخمرة لذة للشاربين حيث كل (كثير) يفوز بعزته وكل جميل يظفر ببثينته بلا تعب ولا مشقة إذن لمات الناس مللاً وسآمة أو لشنقوا أنفسهم ضيقاً وضجراً أو لشبت الحروب والمجازر حتى ترى الناس يلحقون بأنفسهم من البلاء أضعاف ما تنالهم به الطبيعة الآن. الناس في حداثة السن وريعان الصبا كغلمان بدار تمثيل ينتظرون رفع الستار تراهم فرحين متهللين يتلهفون على ابتداء الرواية فمن نعمة القدر علينا جهلنا بما يسدل عليه الستار وما هو مخبوء وراء المسرح. فنحن إذ ذاك كالمساجين الأبرياء المحكوم عليهم لا بالموت لكن بالحياة غير أنا لا نزال نجهل معنى ذلك الحكم. وكلنا مع ذلك يشتهي امتداد الأجل وبلوغ أرذل العمر - يشتهي بلوغ الحالة التي يقول فيها المرء (اليوم شر وغداً شر من اليوم وهكذا حتى يجيء من الأيام شرها وأسوأها). وأنت لو حاولت توهم كل ما تشرق عليه الشمس في مسيرها من كدر وغم وعناء وبؤس وعذاب على اختلاف ضروبها وأصنافها لتمنيت لو أن الشمس لم تقدح شرارة الحياة من هذه الكرة الأرضية ولم تستل ظاهرة الحياة من جوفها وأن ظهر الأرض لم يزل كسطح القمر في حالة تبلور. وأنك لو تأملت الحياة لوجدتها شيئاً عديم النفع والجدوى وحادثاً مكدراً لصفاء سكينة العدم. وهب أنك ظفرت من الوجود بعيشة محتملة لا باس بها مرضية بالنسبة لغيرها لكنت الجدير بعد هذا كله أن تعد حياتك على الإجمال خيبة وفشلاً بل خدعة وغروراً. لو أن رجلين مما كانوا أصدقاء في حداثة السن تقابلا في الشيخوخة بعد افتراقهما طول العمر لكان أوى ما يخامر نفسيهما من الشعور ذ ذاك هو الإحساس بخيبة الحياة على الإجمال. وذلك لأن خواطرهما تكر راجعة في هذه اللحظة إلى زمن الشبيبة وعصر الصبا إذ غرة السعد ضاحكة متبلجة، وجذوة الأمل ذاكية متأججة. وماء الندي عذب اللصاب مرقرق ... وعود المنى وحف النبات رطيب وإذ ساحة العيش منفسحة لأعينهما تتألق في سنا فجرها الأرجواني وتختال في برد نورها القاني فيا طيب ما وعدت وما عللت. ويا خبث ما أعطت وما نولت. فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... إن الأماني والأحلام تضليل

стр. 2554

وهذا الشعور بخيبة الحياة الذي يعتري الرجلين عند اللقاء يتسلط على نفسيهما ويتغلب على كل شعور آخر حتى أنه لعظمه وشدته يأبى أن يبرز في صورة التعبير ويأنف أن يفيض على عذبة اللسان. ولكنه يبقى حاضراً في الوجدان وصبح أساساً يبنى عليه كل ما يدور بني الرجلين من القول. من امتد به الأجل حتى أدرك جيلين من الناس أو ثلاثة كان كمن جلس مدة في خيمة (الحاوي) فشاهد ألاعيبه دفعتين أو ثلاثاً متواليات. فغرابة هذه الألاعيب ودهشتها هي في مشاهدتها مرة واحدة حتى إذا ما فنيت جدتها وانكشفت خدعتها زالت الغرابة عنها والروعة. ومع أنك لا تجد في طول الأرض وعرضها من هو خليق أن يحسد على حظه وقسمته فإنك لتجد الملايين الذين لا يستوجبون منك غير الرثاء والرحمة. إنما الحياة تكاليف فرض علينا أداؤها. وحمل قدر لنا أن نسير به في غاية، وإن ساعة الفراغ من هذا العمل الشاق وطرح هذا الثقل الفادح - أعني ساعة الخلاص والراحة المنشودة المشتهاة، إنما هي ساعة الموت. أرأيت لو أن خروج الجنين إلى هذا العالم كان بمحض إرادته واختياره أكان يجرأ على الخروج إليه مخلوق. أم كنت تجد على ظهرها إنساناً؟ ولو كان واضع النطفة يضعها عن ترو وتدبر وحساب للعواقب - لا عن غريزة عمياء - أكنت تجد في الناس من تبلغ به القسوة وغلظة الكبد أن يتسبب في إيجاد من يعلم أنهم سيحملون عبء الحياة الفادح ويتجرعون غصصها المضاضة؟ أنا أعلم أن الكثيرين سيعترضون على فلسفتي بأنها داعية إلى اليأس والقنوط خالية من دواعي الانشراح والإنس وإن الناس يؤثرون أن يقال لهم أن الخير فيما اختاره الله وكل ما قضاه جميل. ألا فاذهبوا إلى قساوستكم أيها الناس ودعوا الفلاسفة وشأنهم وعلى كل حال لا تكلفونا أن نلائم بين آرائنا وبين ما تعلمتموه في الكنائس. ألا إنا لن نجيبكم إلى هذه الدعوة ما بقي فينا عرق ينبض. ولسان ينضنض ولكن امضوا إلى أدعياء الفلاسفة وغشاشيهم فإنهم لن يبخلوا عليكم بما تطلبون. اذهبوا إلى هيجل وصاحبيه فيشتي وشلنج وشيعتهم فقد أخذوا على عاتقهم ا، يعلموا مذهب (التفاؤل بالخير) ولو علموا أنه مناقض للحق. وما لهم

стр. 2555

وتأييد الحق وجل همهم الدرهم والوسام ووظيفة الحكومة. قد ذكرت القارئ أن كل سرور في هذه الدنيا سلبي في كنهه وماهيته أعني أنه خلاص نمن الألم الذي هو العنصر الإيجابي في الحياة ينتج عن هذا أن سعادة أي مخلوق تقاس لا بمسراتها وملاذها بل مقدار خلوها من الألم من الشر الإيجابي. إذا كان ذلك أساس الموضوع فالحيوان إذن أسعد من الإنسان. وهنا نأخذ في هذا المبحث بطريقة أدق وأعمق. أنه مهما تعددت أشكال السعادة والشقوة البشرية فالأساس الجوهري في جميعها هو اللذة أو الألم البدني. وهذا الأساس محدود جداً: إذ لا يتعدى الصحة والغذاء والوقاية من الحر والبرد والبلل والشهوة الجنسية. أو فقدان كل هذه الشياء. عليه فالإنسان من وجهة اللذة البدنية ليس أحسن حالاً من الحيوان إلا من حيث كونه أشد منه إحساساً وأرهف شعوراً بكافة أصناف اللذة لتفوقه عليه في وظائف الجهاز العصبي وقابلياته - على أنه لعين هذا السب يكون أيضاً أشد من الحيوان شوراً بكافة ضروب الألم. ولكن أي فرق هائل بينه وبين الحيوان من حيث سورة الانفعالات واضطرام نيرانها وبعد أعماقها! ومع ذلك فالنتيجة في كلتا الحالتين واحدة - أعني تحصيل الصحة والغذاء والملبس وهلم جرا. وأهم مصادر هذه الانفعالات هو اشتغال الذهن بالماضي والمستقبل ولهذا أثر شديد في كل ما يصنعه الإنسان. وهذا أيضاً هو المنبع الحقيقي لهمومه وأكداره ومخاوفه وآماله - تلك الانفعالات التي لها من الأثر في نفسه ما هو أشد وأبلغ مما لحاضر الآلام واللذات في نفس الحيوان الذي لا يعرف غير الحاضر ولا قدرة له على الاشتغال بالماضي والمستقبل. وكذلك نرى أن ملكة التأمل وذكرى الماضي والنظر في المستقبل - هذه الملكة تنزل من الإنسان منزلة آلة وظيفتها حشد الآلام والملاذ وتكثيفها وخزنها في وعاء قلبه. ولكن الحيوان ليس له شيء من هذا القبيل. فكلما لحقه ألم كان كأنما أصابه لأول مرة في حياته وإن كان قد وقع فيه قبل ذلك آلاف المرات. فهو لا قدرة له على استجماع إحساساته. ومن ثم ما يلاحظ فيه من عدم الاكتراث والمبالاة: - نعمة يحسده عليها الإنسان - هنيئاً له!. ولكي يضاعف الإنسان لذاته عمد بمحض إرادته إلى مضاعفة مطالبه وحاجاته - وكانت في الأصل معادلة لحاجات الحيوان في سهولة الطلب، ومن ثم كان الترف في جميع صوره وأشكاله: من طعمة لينة وحسوة مساغة وما إليهما من مناعم المطاعم ومطارب المشارب

стр. 2556

كالتبغ والأفيون وصنوف الخمر - دع التأنق في الملبس والمركب والمسكن والتفنن في ضروب الفرش وآلات الزخرف والزينة. ويجيء بعد ذلك مصدر غريب للسرور وبالتالي للألم - وهذا المصدر قد أوجده الإنسان لنفسه وهو بعض نتائج ملكة التأمل والتخيل الآنفة الذكر وهذا المصدر يجشم الإنسان من المتاعب أضعاف أضعاف قيمته - يجشمه أكثر مما يتكلف في سبيل سائر مشاغله ومهامه برمتها - وأعني بهذا المصدر خلة الطمع والطموح إلى الجاه والمنصب وابتغاء المدح والخوف من الذم - أو بعبارة أوضح اهتمام المرء بآراء الناس فيه. وهنا نحاول أن نشرح على وجود الشر في الدنيا وكونها مبنية على الآلام مطبوعة على الأكدار والهموم والآفات. ونقارن من هذه الوجهة بين مختلف العقائد والأديان لنرى أيها أشد التئاماً مع الواقع وأكثر انطباقاً على حقيقة الحياة فنقول: يزعم البراهمة أن الإله براهما خلق الدنيا بطريق الخطأ والزلل. وللتكفير عن هذه الحماقة أجبر نفسه على البقاء في الدنيا بنفسه حتى يكفر بذلك عن سيئته فينال العفو والغفران المؤدي إلى الفكاك والخلاص. وهذا في رأيي تعليل حسن بديع لخلق الدنيا وإيجاد العالم. ويزعم البوذيون أن سبب نشوء الدنيا هو حدوث تشويش - مجهول الكنه والعلة - في سكينة صفاء العالم السماوي - نيرفانا - (هو عند البوذيين عالم الخلود والراحة الذي تنتقل إليه أرواح الصالحين باتباع وصايا دينهم ولزوم سننه. وفي هذا العالم تنقذ الأرواح من آفة التناسح أي تكرار العودة إلى الدنيا - دار الردى وقرارة الأكباد - في أجسام جديدة). وأن هذا التشويش الذي طرأ على نيرفانا إنما حدث بطريق النحس والشؤم أي بلا علة. وهذا يشبه نظرية تكوين الدنيا عند علماء الطبيعة إذ يقولون أن الشمس التي هي أصل هذا العالم الأرضي ومنبعه كانت في الأصل (أي قبل ظهورها في صورة شمس) قطعة من غيم لا يعرف كيف تكونت. ثم يزعم البوذيون أنه بعد تكون الدنيا في عالم نيرفانا بواسطة ذلك التشويش الذي حدث في ذلك العالم - لم تزل هذه الدنيا تنتقل من حالة سيئة إلى حالة أسوأ (وهذا مناظر لما ورد في مقال علماء الطبيعة من تطور العالم الأرضي أثناء التكون من نظام إلى نظام) إلى أن وصلت إلى حالة البؤس والشقاء التي هي عليها الآن. وهذا أيضاً تعليل بديع لخلقة الدنيا وحالتها! وذهب اليونان إلى أن وجود الآلهة والدنيا هو أمر أوجدته

стр. 2557

ضرورة مجهولة لا يدرك سرها. وهذا تعليل مقبول يصح لنا أن نكتفي به حتى نوفق إلى خير منه. ويزعم الفرس أن المسيطرين على الدنيا إلهان - إله خير (هورمز) وإله شر (هرمن) وهذان لا يفتآن في حرب دائمة. وهذا تعليل لا بأس به. أما قولهم أن إلهاً يخلق هذه الدنيا المملوءة بالهموم والكرب والأحزان لمجرد خاطر خطر بباله وهوى نشأ في نفسه ولأنه أراد أن يلهو ويتلذذ بهذا العمل حتى إذا فرغ منه أخذ يصفق بيديه إعجاباً بصنعه وصاح قائلاً أن كل ما صنعته حسن جميل - فهذا لا يصح أن يقال به. وعندي أن أحسن تعليل يمكن تقديمه في هذا الصدد هو أن نتوهم أن وجودنا في هذه الدنيا هو عقاب يوقع علينا لذنب جنيناه في عالم سابق لهذا. وأنا كذرية الرجل الفاسق نخرج إلى الدنيا مثقلين بجريمة سلفنا. وأن ما نكابده من الآلام ليس إلا تكفيراً لتلك الجريمة وهذا التكفير هو الوسيلة الوحيدة للبراءة والخلاص. فإذا أردت الراي الصحيح في تقرير حقيقة هذه الدنيا والمنهج السديد للسير فيها فما عليك إلا تعدها كدار للندم والتوبة أعني (كإصلاحية المجرمين) كما ورد في مذاهب البراهمة والبوذيين وآراء فلاسفة اليونان أمثال فيثاغورس وأمبوريكليس وكما قال (شيشرون) وصرح فانيني الذي رأى معاصروه أن إعدامه بالنار أسهل عليه من إبطال برهانه - والذي قال بصريح العبارة (لقد أفعم الإنسان بجميع أصناف البؤس والألم والبلاء فلولا محاذرتي مناقضة الدين المسيحي لقلت أن بني البشر ليسو إلا أبالسة متقمصين أجساماً آدمية يكفرون الآن عن سالف ذنوبهم بمكابدة أصناف العذاب والبؤس. فإذا عودت نفسك أن ترى في الحياة هذا الرأي لم تجد الدنيا في أحزانها وآفاتها وآلامها إلا جارية على سننها. منتجة لتلك الثمرات التي هي أشبه ببذورها وأليق بجذورها. وأصبح عجيب الزمان غير عجيب. وغريب الحدثان غير غريب. وألفيت أن كل شيء هو كما ينتظر وينبغي أن يكون - في هذه الدنيا التي يعيش فيها كل امرئ ليكفر باحتمال الهموم والمحن عن سالف جريمة البشر في حياة غابرة. وليعلم القارئ أن من أسوأ سيئات إصلاحية المجرمين (كناية عن الدنيا) كما تقدم رداءة الوسط وسوء الخليط. وحسبك أن أفراد مثل هذه الإصلاحية هم قوم مجرمون. فإذا كنت أيها القارئ لسوء حظك أكرم جوهراً وأطيب عنصراً م السواد الأعظم من معاشريك وزملائك في السجن فأنت تحمل بين جنبيك

стр. 2558

قلباً أكبر وروحاً أطهر من تلك القلوب الحكرة والأرواح القذرة فاعلم أنه لا ملجأ لك سوى الصبر والتجمل، ولا حيلة لك سوى التسامح والإغضاء والعزلة والابتعاد. قال الحسن بن سهل: عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه. وكان يقول: الشرف في السرف فقيل له لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير. وقال عبد الحميد الكاتب: لو كان الوحي ينزل على أحد بعد الأنبياء فعلى بلغاء الكتاب. وقال أرسطو: ما زلت أشرب ولا أروى فلما عرفت الله رويت من غير شرب. وقال اعص الهوى واطلع من شئت. وقال سقراط استهينوا بالموت فإن مرارته في خوفه. وقال ابن المعتز: كم من والد يحرم أولاده ... وخيره يحظى به الأبعد كالعين لا تبصر ما حولها ... ولحظها يدرك ما يبعد

стр. 2559

الدولة الزائلة مقتل القيصر ووصف أخلاقه وشرح سيرته الكاتب روبرت ويلتون مكاتب صحيفة التيمس في بتروغراد من أكبر الكتاب الذين خبروا روسيا أوسع الخبرة وأقاموا فيها أمداً طويلاً، وقد امتزج بعظمائها وعاشر أكابرها، وأسهم في جميع أنديتها السياسية الكبرى، حتى عد من الثقات في الرأي إذ جاء عن الروسيا أو حكامها، أو شعبها، وقد وضع في الأيام الأخيرة بحثاً مستفيضاً في مجلة مشهورة من مجلات الغرب ذهب فيه مذهباً غريباً ودلى برأيه آية في العجب وهو أن قيصر روسيا لم يقتل ولم يذبح، وإنما لعله يعيش الآن وينعم بالحياة وتتردد فيه أنفاسه. ثم انتقل إلى الكلام عن أخلاق الرجل والبواعث التي بعثت على قتله، والحركة الأخيرة في الروسيا التي أدت إلى سقوط دولة القياصرة، وقد آثرنا أن نطرف القراء بهذا المقال الجديد في الأسطر الآتية: قال الكاتب: هل قتل نيقولا الثاني أم لم يقتل. .؟ إن الأنباء التي نشرت بعد الحادث الذي زعموا أنه وقع لم يحققها ثقة معترف بصحته، ولم تأت عليها الأدلة القاطعة، بل لم ينهض لإثبات الحادث إلا ما ورد في الصحف الألمانية وإلا إعلان بالتلغراف اللاسلكي من مجلس حكومة البولشفية، وهذه الأنباء قد اتفقت جميعاً من وجهة واحدة وهي أن القيصر قتله العسكر الذين قاموا على حراسته، وقالوا أنه لم يحاكم القتيل قبل القتل، بل أعدم بالرصاص بلا بحث ولا تحكيم مخافة أن ينقذه عساكر السلوفاك الذين كانوا يدنون إذ ذاك من مدينة أكترنبرج عاصمة مقاطعة اليورال، حيث نقل القيصر أسيراً من مدينة طوبولسك قبل الحادث المزعوم بأشهر. وقد قيل أن القتل حدث في اليوم السادس عشر من شهر يوليو، ثم لا يزال هناك اضطراب واختلاف في هذا التاريخ، إذ تقول بعض البلاغات والأنباء أنه وقع في السادس عشر من شهر يونيو. على أن كثيرين من أصدقائي الروس الذين يعدون ثقات، لا يشك أحد في صدق أنبائهم يكذبون هذه الرواية، ويعتقدون أن القيصر لم يقتل وإنما شبه لهم، وإن إنساناً آخر يشبهه أتم الشبه قتل في مكانه، وهذا هو السبب الذي بعث شكوكي وأقام الريب في فؤادي، ولي الحق في هذا الشك ولي الشفائع لهذه الريبة فقد

стр. 2560

وصفت الصحف منذ زمن كيف جيء بالقائدين المشهورين ألكسيف وكورنيلوف إلى ساحة عمومية في مدينة روستوف على نهر الدون في مبتكر ربيع العام الماضي فأعدما على مرأى من العامة والسابلة، ثم علم القاصي والداني أنهما حيان يرزقان في شهر يوليه. وكان زعم مقتل القيصر كذلك خطة من الخطط السياسية الألمانية، إذ كانت ألمانيا تطمع في أن تعيد حكومة القيصر إلى عرشها، وتثبت صولجانها في يد قيصرها، فزعموا أنه قتل حتى يثور الكره في قلوب الناس للبولشفية، ويتمنوا لو أن القيصر كان حياً، وتذهب نفوسهم حسرات عليه، حتى إذا حانت الفرصة المناسبة أخرجوه من مكمنه فساقوه إلى عرشه، وقد وقع في التاريخ حوادث من هذا القبيل زعم فيها أن القيصر قتل، ولم يكن قتل ولا صلب، وإنما شبه لهم، فمنذ ثلثمائة عام ادعى كثيرون أنهم قتلوا القيصر بطرس الثالث، مع أن ذلك القيصر الأسبق قد خنق بأمر زوجته التي أصبحت بعده القيصرة كاترين الكبرى، وقد اتفق بعد ذلك أن القيصر ألكسندر الأول الذي زعموا أنه مات فجأة على أثر إعلان حرب القرم، ظهر بعد ذلك أنه كان على قيد الحياة سنين عدة ناسكاً في سيبريا الشاسعة. وقد حدثني أحد الصدقاء الذين نجوا من مخالب الموت على أيدي زعماء البولشفية في الوقت الذي زعم أن القيصر قتل فيه بأنه لا يستطيع لمقتل القيصر تصديقاً، وراح يقول: أنهم قبضوا علي وحكموا بالإعدام خمس مرات في بضعة اسابيع، وقد عرفت كيف كان من السهل جداً علي أن أنجو من أيديهم، وفي الروسيا خلق كثيرون هم أشبه بالقيصر من الليلة بالبارحة، ولعل الجند الذين كانوا على حراسته أخطأوا ووهموا فيه فظنوا الرجل القيصر، وهو ليس هو، ولعلكم تتذكرون أن الجند الروس في أوائل هذه الحرب كثيراً ما جاؤوا بأسير من الأعداء زاعمين أنه غليوم أو هندنبرج، ولا يكاد يفلت السجين في الروسيا من أيدي السجانين والشرط والحراس حتى يستطيع أن يصيب جوازات سفر مصطنعة بكل سهولة، فمنذ قامت حكومة البولشفية أصبحت إدارات الحكومة تتاجر تجارة عظيمة في كل قرية ومدينة ببيع الأوراق الرسمية أو جوازات السفر بثمن بخس - دراهم معدودات. وقد رأيت القيصر نيقولا الثاني منذ كان صبياً صغيراً، ثم شهدته فتى يافعاً يمشي إلى
следующие страницы →