Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
كالتبغ والأفيون وصنوف الخمر - دع التأنق في الملبس والمركب والمسكن والتفنن في ضروب الفرش وآلات الزخرف والزينة.
ويجيء بعد ذلك مصدر غريب للسرور وبالتالي للألم - وهذا المصدر قد أوجده الإنسان لنفسه وهو بعض نتائج ملكة التأمل والتخيل الآنفة الذكر وهذا المصدر يجشم الإنسان من المتاعب أضعاف أضعاف قيمته - يجشمه أكثر مما يتكلف في سبيل سائر مشاغله ومهامه برمتها - وأعني بهذا المصدر خلة الطمع والطموح إلى الجاه والمنصب وابتغاء المدح والخوف من الذم - أو بعبارة أوضح اهتمام المرء بآراء الناس فيه.
وهنا نحاول أن نشرح على وجود الشر في الدنيا وكونها مبنية على الآلام مطبوعة على الأكدار والهموم والآفات. ونقارن من هذه الوجهة بين مختلف العقائد والأديان لنرى أيها أشد التئاماً مع الواقع وأكثر انطباقاً على حقيقة الحياة فنقول: يزعم البراهمة أن الإله براهما خلق الدنيا بطريق الخطأ والزلل. وللتكفير عن هذه الحماقة أجبر نفسه على البقاء في الدنيا بنفسه حتى يكفر بذلك عن سيئته فينال العفو والغفران المؤدي إلى الفكاك والخلاص. وهذا في رأيي تعليل حسن بديع لخلق الدنيا وإيجاد العالم. ويزعم البوذيون أن سبب نشوء الدنيا هو حدوث تشويش - مجهول الكنه والعلة - في سكينة صفاء العالم السماوي - نيرفانا - (هو عند البوذيين عالم الخلود والراحة الذي تنتقل إليه أرواح الصالحين باتباع وصايا دينهم ولزوم سننه. وفي هذا العالم تنقذ الأرواح من آفة التناسح أي تكرار العودة إلى الدنيا - دار الردى وقرارة الأكباد - في أجسام جديدة). وأن هذا التشويش الذي طرأ على نيرفانا إنما حدث بطريق النحس والشؤم أي بلا علة. وهذا يشبه نظرية تكوين الدنيا عند علماء الطبيعة إذ يقولون أن الشمس التي هي أصل هذا العالم الأرضي ومنبعه كانت في الأصل (أي قبل ظهورها في صورة شمس) قطعة من غيم لا يعرف كيف تكونت. ثم يزعم البوذيون أنه بعد تكون الدنيا في عالم نيرفانا بواسطة ذلك التشويش الذي حدث في ذلك العالم - لم تزل هذه الدنيا تنتقل من حالة سيئة إلى حالة أسوأ (وهذا مناظر لما ورد في مقال علماء الطبيعة من تطور العالم الأرضي أثناء التكون من نظام إلى نظام) إلى أن وصلت إلى حالة البؤس والشقاء التي هي عليها الآن. وهذا أيضاً تعليل بديع لخلقة الدنيا وحالتها! وذهب اليونان إلى أن وجود الآلهة والدنيا هو أمر أوجدته
стр. 2557
ضرورة مجهولة لا يدرك سرها. وهذا تعليل مقبول يصح لنا أن نكتفي به حتى نوفق إلى خير منه. ويزعم الفرس أن المسيطرين على الدنيا إلهان - إله خير (هورمز) وإله شر (هرمن) وهذان لا يفتآن في حرب دائمة. وهذا تعليل لا بأس به. أما قولهم أن إلهاً يخلق هذه الدنيا المملوءة بالهموم والكرب والأحزان لمجرد خاطر خطر بباله وهوى نشأ في نفسه ولأنه أراد أن يلهو ويتلذذ بهذا العمل حتى إذا فرغ منه أخذ يصفق بيديه إعجاباً بصنعه وصاح قائلاً أن كل ما صنعته حسن جميل - فهذا لا يصح أن يقال به.
وعندي أن أحسن تعليل يمكن تقديمه في هذا الصدد هو أن نتوهم أن وجودنا في هذه الدنيا هو عقاب يوقع علينا لذنب جنيناه في عالم سابق لهذا. وأنا كذرية الرجل الفاسق نخرج إلى الدنيا مثقلين بجريمة سلفنا. وأن ما نكابده من الآلام ليس إلا تكفيراً لتلك الجريمة وهذا التكفير هو الوسيلة الوحيدة للبراءة والخلاص.
فإذا أردت الراي الصحيح في تقرير حقيقة هذه الدنيا والمنهج السديد للسير فيها فما عليك إلا تعدها كدار للندم والتوبة أعني (كإصلاحية المجرمين) كما ورد في مذاهب البراهمة والبوذيين وآراء فلاسفة اليونان أمثال فيثاغورس وأمبوريكليس وكما قال (شيشرون) وصرح فانيني الذي رأى معاصروه أن إعدامه بالنار أسهل عليه من إبطال برهانه - والذي قال بصريح العبارة (لقد أفعم الإنسان بجميع أصناف البؤس والألم والبلاء فلولا محاذرتي مناقضة الدين المسيحي لقلت أن بني البشر ليسو إلا أبالسة متقمصين أجساماً آدمية يكفرون الآن عن سالف ذنوبهم بمكابدة أصناف العذاب والبؤس.
فإذا عودت نفسك أن ترى في الحياة هذا الرأي لم تجد الدنيا في أحزانها وآفاتها وآلامها إلا جارية على سننها. منتجة لتلك الثمرات التي هي أشبه ببذورها وأليق بجذورها. وأصبح عجيب الزمان غير عجيب. وغريب الحدثان غير غريب. وألفيت أن كل شيء هو كما ينتظر وينبغي أن يكون - في هذه الدنيا التي يعيش فيها كل امرئ ليكفر باحتمال الهموم والمحن عن سالف جريمة البشر في حياة غابرة. وليعلم القارئ أن من أسوأ سيئات إصلاحية المجرمين (كناية عن الدنيا) كما تقدم رداءة الوسط وسوء الخليط. وحسبك أن أفراد مثل هذه الإصلاحية هم قوم مجرمون. فإذا كنت أيها القارئ لسوء حظك أكرم جوهراً وأطيب عنصراً م السواد الأعظم من معاشريك وزملائك في السجن فأنت تحمل بين جنبيك
стр. 2558
قلباً أكبر وروحاً أطهر من تلك القلوب الحكرة والأرواح القذرة فاعلم أنه لا ملجأ لك سوى الصبر والتجمل، ولا حيلة لك سوى التسامح والإغضاء والعزلة والابتعاد.
قال الحسن بن سهل: عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه. وكان يقول: الشرف في السرف فقيل له لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير. وقال عبد الحميد الكاتب: لو كان الوحي ينزل على أحد بعد الأنبياء فعلى بلغاء الكتاب. وقال أرسطو: ما زلت أشرب ولا أروى فلما عرفت الله رويت من غير شرب. وقال اعص الهوى واطلع من شئت. وقال سقراط استهينوا بالموت فإن مرارته في خوفه. وقال ابن المعتز:
كم من والد يحرم أولاده ... وخيره يحظى به الأبعد
كالعين لا تبصر ما حولها ... ولحظها يدرك ما يبعد
стр. 2559
الدولة الزائلة
مقتل القيصر ووصف أخلاقه وشرح سيرته
الكاتب روبرت ويلتون مكاتب صحيفة التيمس في بتروغراد من أكبر الكتاب الذين خبروا روسيا أوسع الخبرة وأقاموا فيها أمداً طويلاً، وقد امتزج بعظمائها وعاشر أكابرها، وأسهم في جميع أنديتها السياسية الكبرى، حتى عد من الثقات في الرأي إذ جاء عن الروسيا أو حكامها، أو شعبها، وقد وضع في الأيام الأخيرة بحثاً مستفيضاً في مجلة مشهورة من مجلات الغرب ذهب فيه مذهباً غريباً ودلى برأيه آية في العجب وهو أن قيصر روسيا لم يقتل ولم يذبح، وإنما لعله يعيش الآن وينعم بالحياة وتتردد فيه أنفاسه. ثم انتقل إلى الكلام عن أخلاق الرجل والبواعث التي بعثت على قتله، والحركة الأخيرة في الروسيا التي أدت إلى سقوط دولة القياصرة، وقد آثرنا أن نطرف القراء بهذا المقال الجديد في الأسطر الآتية:
قال الكاتب:
هل قتل نيقولا الثاني أم لم يقتل. .؟ إن الأنباء التي نشرت بعد الحادث الذي زعموا أنه وقع لم يحققها ثقة معترف بصحته، ولم تأت عليها الأدلة القاطعة، بل لم ينهض لإثبات الحادث إلا ما ورد في الصحف الألمانية وإلا إعلان بالتلغراف اللاسلكي من مجلس حكومة البولشفية، وهذه الأنباء قد اتفقت جميعاً من وجهة واحدة وهي أن القيصر قتله العسكر الذين قاموا على حراسته، وقالوا أنه لم يحاكم القتيل قبل القتل، بل أعدم بالرصاص بلا بحث ولا تحكيم مخافة أن ينقذه عساكر السلوفاك الذين كانوا يدنون إذ ذاك من مدينة أكترنبرج عاصمة مقاطعة اليورال، حيث نقل القيصر أسيراً من مدينة طوبولسك قبل الحادث المزعوم بأشهر. وقد قيل أن القتل حدث في اليوم السادس عشر من شهر يوليو، ثم لا يزال هناك اضطراب واختلاف في هذا التاريخ، إذ تقول بعض البلاغات والأنباء أنه وقع في السادس عشر من شهر يونيو. على أن كثيرين من أصدقائي الروس الذين يعدون ثقات، لا يشك أحد في صدق أنبائهم يكذبون هذه الرواية، ويعتقدون أن القيصر لم يقتل وإنما شبه لهم، وإن إنساناً آخر يشبهه أتم الشبه قتل في مكانه، وهذا هو السبب الذي بعث شكوكي وأقام الريب في فؤادي، ولي الحق في هذا الشك ولي الشفائع لهذه الريبة فقد
стр. 2560
وصفت الصحف منذ زمن كيف جيء بالقائدين المشهورين ألكسيف وكورنيلوف إلى ساحة عمومية في مدينة روستوف على نهر الدون في مبتكر ربيع العام الماضي فأعدما على مرأى من العامة والسابلة، ثم علم القاصي والداني أنهما حيان يرزقان في شهر يوليه.
وكان زعم مقتل القيصر كذلك خطة من الخطط السياسية الألمانية، إذ كانت ألمانيا تطمع في أن تعيد حكومة القيصر إلى عرشها، وتثبت صولجانها في يد قيصرها، فزعموا أنه قتل حتى يثور الكره في قلوب الناس للبولشفية، ويتمنوا لو أن القيصر كان حياً، وتذهب نفوسهم حسرات عليه، حتى إذا حانت الفرصة المناسبة أخرجوه من مكمنه فساقوه إلى عرشه، وقد وقع في التاريخ حوادث من هذا القبيل زعم فيها أن القيصر قتل، ولم يكن قتل ولا صلب، وإنما شبه لهم، فمنذ ثلثمائة عام ادعى كثيرون أنهم قتلوا القيصر بطرس الثالث، مع أن ذلك القيصر الأسبق قد خنق بأمر زوجته التي أصبحت بعده القيصرة كاترين الكبرى، وقد اتفق بعد ذلك أن القيصر ألكسندر الأول الذي زعموا أنه مات فجأة على أثر إعلان حرب القرم، ظهر بعد ذلك أنه كان على قيد الحياة سنين عدة ناسكاً في سيبريا الشاسعة.
وقد حدثني أحد الصدقاء الذين نجوا من مخالب الموت على أيدي زعماء البولشفية في الوقت الذي زعم أن القيصر قتل فيه بأنه لا يستطيع لمقتل القيصر تصديقاً، وراح يقول: أنهم قبضوا علي وحكموا بالإعدام خمس مرات في بضعة اسابيع، وقد عرفت كيف كان من السهل جداً علي أن أنجو من أيديهم، وفي الروسيا خلق كثيرون هم أشبه بالقيصر من الليلة بالبارحة، ولعل الجند الذين كانوا على حراسته أخطأوا ووهموا فيه فظنوا الرجل القيصر، وهو ليس هو، ولعلكم تتذكرون أن الجند الروس في أوائل هذه الحرب كثيراً ما جاؤوا بأسير من الأعداء زاعمين أنه غليوم أو هندنبرج، ولا يكاد يفلت السجين في الروسيا من أيدي السجانين والشرط والحراس حتى يستطيع أن يصيب جوازات سفر مصطنعة بكل سهولة، فمنذ قامت حكومة البولشفية أصبحت إدارات الحكومة تتاجر تجارة عظيمة في كل قرية ومدينة ببيع الأوراق الرسمية أو جوازات السفر بثمن بخس - دراهم معدودات.
وقد رأيت القيصر نيقولا الثاني منذ كان صبياً صغيراً، ثم شهدته فتى يافعاً يمشي إلى
стр. 2561
جانب زوجه مريم، وهما يلوحان يومذاك زوجين جيدين سعيدين، يضحكان ويبتسمان في وجوه الجميع الذين يحوطونهما، وكان نيقولا يلوح أضعف جثماناً من أخيه جورج الذي قضى نحبه من السل في أنضر مراحل العمر، وقد اجتهد مستر هيث المعلم الإنكليزي الذي ألقي إليه أمر العناية بتأديب الفتى نيقولا في تربيته على الطراز الإنكليزي وقد رأيته بعد ذلك قوي الجثمان صلب العود جهير الصوت إذ جعلت الرياضة والألعاب البدنية التي لقنها على الطراز الإنكليزي رجلاً قوياً من ذلكم الفتى الضعيف النحيف الأعجف القصير القامة، ولكن لسوء الحظ لم تستطع التربية أن تزيل نقائض الخلق ومعائبه، فراح الجثمان قوياً صلباً، ولما يزل جداره الذي يقوم عليه ضعيفاً متأوداً، وكان بطبيعته ذكي الفؤاد، أسوه بأهل جلدته فبقي الرجل ضعيفاً مستليناً مسترخي الإرادة يستمع لكل إنسان، دون أن يحكم فيما يسمع رأياً، أو يدير فكراً، أو بصراً، وأصبح بذلك هدفاً للحاشية، وضحية في أيدي الأدنياء وأهل المآرب السوأى، ولكنه مع ذلك كجميع ضعفاء الإرادة قد ينقلب في بعض الأحيان فيكون أعند خلق الله ولاسيما إذا اعتدى أحد على ما يحبه أو يهواه.
وكانت هذه النقائض الخلقية معروفة عند المقربين منه وأهل البلاط، قبل اعتلائه العرش، فجعلوا يستخدمونها في سبيل مصالحهم وغاياتهم، وكان القيصر من أصحاب الشخصيات المزدوجة، فإن في فؤاده ناحية من الخير، يقابله في الناحية الأخرى الشر كله، وقد قال أحد أقاربه أن الرأي الأول الذي يخطر للقيصر طيب صالح، ولكنه قد ينفذ الرأي الثاني، وهو عند الناس جميعاً أصلح من الأول، وإن كان عند القيصر أسوأ وأدل على الفطرة الشريرة.
ولعل أسوأ ما يقال عن القيصر نيقولا الثاني أنه لم يظهر في حياته شيئاً من الشخصية، بل كانت حياته طوال عمره بلا لون، ولم يكن يبدو في طبيعته شيء من الشر في طفولته أو شبابه، ولم تكن له مخاطرات الشباب وشقاواته ومجازفاته، بل كان ضؤولة من الضوؤلات، وكان هادئاً ساكناً كأتفه الأشياء سكوناً بل كان كل ما يتلذذ به ويتلهى في صباه ورجولته وكهولته هو الجلوس ليلاً على ضباط حرسه القيصري، ومحادثتهم والسمر معهم، واحتساء المقادير الكبيرة من الخمر والمشروبات الكحولية ثم يتلو ذلك الغناء والضحك والرقص والمجون.
ولم تكن له ملذات غير تلك، ولا ملاهي ولا عادات ولا منازع وأميال، وكانت رياضاته
стр. 2562
منتهى البساطة والهدوء، وكان أحب شيء إليه المشي ولم يكن يميل إلى الصيد والقنص أو ركوب الزوارق، وكانت الغابات التي حفظت لصيده في بولونيا ولثوانيا قلما تراه أو تشهده، وكانت الرسوم الإمبراطورية تقضي عليه أن يمكث دهراً في البحرية والجيش، فاشتغل في كليهما، ولكنه لم يكن مع ذلك جندياً ولا بحرياً، وقد يظن الغربيون أن هذا هو الغباء والبلادة بعينها، ولكن القيصر كان في ذلك كبقية أهل الروسيا، ولا سيما الطبقة الراقية المثرية منهم، فهم أكره الناس للرياضات الخطرة التي تطلب إنهاك البدن، وإتعاب الأعصاب، ولعل السبب في ذلك هو جو الروسيا ومناخها فهو لا يعين الناس على طلب الرياضة بل يعيقهم ويصدهم، وقد كان القيصر يشبه أمته في صفة أخرى، وهي نزعة الأوهام والخرافات.
فقد كان أهل البلاد قبل ظهور الرجل الغريب راسبوتين يعنون أشد العناية بالأمور الروحانية، وكان الدجالون من جميع الأجناس والأشكال والألوان ينزلون بالقصر كأحب الضيوف، وأكرم النازلين، وأعز الزوار، نذكر من هؤلاء الشقي فيلبس والدكتور باباس، فقد طلب أهل القصر حضورهما من باريس خاصة لاستحضار الأرواح في القصر وإلقاء محاضرات في الإسبرايتيواليزم وقد اهتم القيصر والقيصرة بهذا الموضع إذ حضهما عليه أميرتان من أمراء الجبل الأسود كانتا تقيمان في البلاط الروسي وكانت إحداهما الأميرة ميلتزا التي تزوجت بعد ذلك الغراندوق نيقولا قائد الروس المشهور.
وينبغي أن تعلم أن الروس قوم متدينون يضرب بهم المثل في نزعاتهم الدينية واستمساكهم بالخزعبلات والأوهام، والسواد الأعظم من الأهلين فلاحون، يعيشون هدفاً للجهل والخرافة، ولا يشغل أذهانهم إلا أمران، أرضهم والشراب، فهم لا يملون منهما، ولا يبرمون بهما، ولا يشبعون من الأرض ولا يصيبون من الخمر رياً، فهم أعطش الناس إليها، وإن ملأت بها أجوافهم، ولذلك كانت الخمر والخرافة والنزاع إلى تصديق الأوهام كثيراً ما تؤدي بالروس إلى أمور غريبة وطرق عجيبة، وهذا هو منشأت وجود طوائف مختلفة غريبة الأطوار في الروسيا بين متصوفين ونساك ومعذبين لجسومهم في سبيل تطهير أرواحهم، وتشويه أبدانهم، وجذع أنوفهم، وما إلى ذلك من ضروب العذاب، ومنهم خلائق كثيرون يحبسون أنفسهم في دورهم ويطلقون النيران تأكلهم هم وبيوتهم، ومن بين
стр. 2563
طوائفهم المتعددة طائفة تسمى فلاجلانت يعذبون أنفسهم ويسومونها أشد الخسف، قاصدين بذلك إبادة جنسهم، وانقراض عنصرهم من الأرض بنة، ومنهم طائفة أخرى تسمى محاربي الأرواح، يعملون على إبادة النسل والأملاك والحرث والضرع وقد أدخلت تعاليم المسيحية منذ زمن غير لبعيد ولكن الكنيسة كانت أشد ويلاً وحرباً عليهم من سواها، فبقيت الأوهام على حالها، بل اشتدت وتفاقمت وكره الروس القساوسة والكهنة ورجال الدين حتى أصبح الاعتقاد بينهم سائداً أن الرجل الذي يلقى قسيساً في الطريق يصيبه الشؤم، ويعاجله النحس، طوال نهاره، والفلاحون يبصقون وراءهم إذا التقوا بالقسس في الطرق تفادياً من الشؤم، ولم يكن معشر الدينيين ورجال الكنيسة يصيبون شيئاً من الاحترام في الروسيا، لا من الطبقة العامة والصعاليك ولا من المهذبين ورؤوس القوم وسادات الشعب.
على أن هناك بضعة أفراد من رجال الدين استطاعوا أن يحدثوا تثيراً عظيماً في نفوس القوم، لأنهم كانوا أخوان فضل وقوماً أخياراً، تقاة مخلصين، ومنهم أليادور الذي أثر في قلوب النساء في مقاطعات الفولجا وتبعه منهن ألوف إلى الحج إلى الأماكن المقدسة، وبنى أشياعه كنيسة عظيمة أمنع من الحصن وأمتن جداراً. وهناك جعل يستخف بالسلطات الحكومية والدينية أشد الاستخفاف.
وكان راسبوتين شخصاً آخر من الأشخاص الغامضين ذوي التأثير العجيب السحري الرهيب، ولا سيما أنه كان جاهلاً كأفراد الشعب أمياً لا يقرأ ولا يكتب وفلاحاً شريراً لا خير فيه وقد أشاع عنه الناس قصصاً غريبة، ووضعت عنه حكايات خرافية لا يحصيها العد، ولكن أمر الرجل لا يحتاج إلى كل هذه القصص فإنه لم يكن له تأثير إلا على النسوة، أما الرجال فلم يحدث فيهم حدثاً، وكان راسبوتين هذا اسمه معناه في الروسيا (الخليع الإباحي المتهتك) وفقد كان الرجل في الحقيقة كذلك، وقد كان مولده في قرية صغيرة في سيبريا، واشتغل في أول أمره خادماً في دير فتعلم بضع كلمات من الإنجيل واقتطف منه شذرات كان يسمعها من أفواه سكان الدير وساداته.
وكانت نساء الطبقات العالية والطبقات الدنيا في الروسيا تعتاد بين الحين والحين زيارة الأديرة الواقعة في أنحاء المملكة، وأما النسوة الصغيرات فكن يسعين إليها على القدام، يستجدين في الطريق ويسألن الحسنات، حتى يبلغن الدير فيقدمن تحفاً وهدايا لزعماء الدير
стр. 2564
وأهله، وأما النسوة الغنيات فكن يركبن القطار أو يسافرن في المركبات وينزلن بأفخم الحجرات من الأديرة، فالتقت يوماً سيدة من الأنجم الزهر في الروسيا براسبوتين في ذلك الدير الذي كان خادماً به، فأعجبت به وراق في عينها فاصطحبته في رجعتها إلى موسكو ولم تكد تحتويه تلك المدينة حتى اصبح يختلف إلى أبهى أبهاء القوم ويزور أفخم أسمارهم، وظل يدنو رويداً رويداً من التعرف بأهل البلاط والتردد على أفواههم.
ولست بحاجة إلى إعادة القصة التي تحكي عنه وكيف أثر في ذهن الإمبراطورة حتى اعتقدت أنه قادر أن يشفي ابنها الصغير من مرضه ويرد غليها حياته، وينقذ أنفاسه وكانت تتردد على شفتيه وكيبف أصبح راسبوتين فمن الخطورة في البلاط جعل له النفوذ الأكبر في حكومة القيصر، وأثار السخط على تلك الحكومة في نفوس الشعب، وجر عليها الويل والحرب، وكيف كان في الجيش إذ طن أنه من صنائع الألمان فعمل على قتله والتخلص من شره، بل اقتصر على ما لم يذكر في الصحف من التفاصيل الحقيقية عن مقتله.
في أواخر سنة ١٩١٦ أجمع طائفة من الضباط في بطرغراد على قتل راسبوتين. فجعلوا يقربونه ويتحببون إليه، حتى تمكنوا من دعوته إلى قصر البرنس فيلكس يوزيوف، أحد اقار بالقيصر وأنسبائه من ناحية الزواج، وجاءوا بفتاة من الراقصات تدعى المدموزايل ج. . . لتكون الفخ والطعم للصيد والاحتيال وكان من بين الأضياف الغراندوق ديمتري ابن عم القيصر ونائب مشهور في عالم النواب يدعى بيورشكفتس، فلما اكتمل العقد، وابتدأت المأدبة. راح راسبوتين كعادته يلح على الشراب، ويفرط في احتساء الكؤوس، واشتفاف الأقداح، فلما نتشى وسكر حتى أصبح لا يعي من فرط السكر قدم إليه كأس مسمومة فاجترعها، وانصرفت إذ ذاك الراقصة التي جيء بها لأنها كانت قد أتمت مأموريتها، فلما شربها جعل القوم ينظرون إليه محملقين، منتظرين أنه سيخر ميتاً، فلم يبد عليه شيء من ذلك، ولعل ذلك لأن السم لم يكن فعالاً زعافاً، أو لأنه شرب قبله مقادير كبيرة من الشراب، ولكنه لم يلبث أن اضطرب قدماه، ونهض مترنحاً يريد الباب، فلبث البرنس فليكس وشركاؤه لحظات ينظرون إليه، ثم نهض الأمير بعد ذلك فتبعه وهو معتقد أنه سيراه بعد الباب بخطوات منبسطاً على أرض الحجرة قتيلاً، ولكن لشد ما كانت دهشته إذ رآه واقفاً في الحجرة المداورة تحت أيقونة تمثل صورة المسيح، وهو يكلم أحد خدم القصر، وهو
стр. 2565
يلوح كأنه يغالب إرادته ويحاول الاستناد والوقوف على رغم قوته، فرفع الأمير إذ ذاك مسدسه وأطلق الرصاص على صدر الرجل، فخر جثة هامدة، وعادة الأمير وقد اطمأن إذا ذاك ووثق أن المسموم قد قتل، فهرع إلى الحجرة الأخرى وأنبأ أصحابه بالخبر، فنهضوا جميعاً وراحوا يشهدون مصرع راسبوتين، فلم يلبثوا أن دهشوا أعظم الدهشة، إذ رأوا الرجل يزحف على الأرض يريد أن يفارق البيت جهد قوته، فأخرج كل مسدسه وأطلق الجميع الرصاص فأجهزوا عليه ثم حملت الجثة بعد ذلك إلى سيارة بالباب ونقلت إلى أحد ارباض المدينة فطرحت في النهر، حيث أخرجت منه غداة الغد.
هذه هي تفاصيل مقتل راسبوتين على حقيقتها كما قصها علي شاهد عيان، ولكن ذيل القصة لا يزال أغرب وأعجب، فقد كان يعتقد براتوبولوف الوزير المجنون الذي أراد أن يجاهد الثورة وكانت تعتقد القيصرة المتهوسة أن موت راسبوتين ولا ريب جالب النحس على الروسيا داك عرشها، ذهاب بريحها، وأما الشعور الذي ثار في أفئدة القتلة فلا يعرف عنه شيئاً، بل أن ما أعرفه هو أنهم في بادئ الأمر ابتهجوا باختفاء هذه الشخصية المفسدة الضالة، ولكن لم تكد تمضي بضعة أشهر حتى بدأ يغلب عليهم الاضطراب وتساروهم الوساوس، ويتلجلج في أذهانهم المريضة أوهام وخرافات، فأما الأميرة الشابة زوجة البرنس فيلكس يوزوبوف فقد قضت أيامها وهي ترسم أشكالاً مبهمة غامضة على الورق وتقول أن يدها تخط على هذى راسبوتين وأنه يمسك بيدها وهي ترسم تلك الأشباح ولم يكن أحد يستطيع أن يزيل من رأسها تلك الفكرة وهي أنها كانت تخط على الورق رسوم أيقونات وصلبان لأن زوجها قتل راسبوتين وكان واقفاً تحت أيقونة بين يدي الله، وتحت حمايته، وكذلك جنت تلك المرأة وتملكتها الاضطرابات العصبية، وأصبحت حزينة حزناً عميقاً لا براءة لها منه ولا شفاء.
أما زوجها البرنس فكذلك أصبح مطرق الرأس حزيناً واجماً إذ جعل يتراءى له شبح راسبوتين واقفاً تحت الأيقونة في اللحظة التي قتله فيها، واعتقد أنه ارتكب أمراً أداً، إذ قتل الرجل وهو واقف بين يدي ربه، واليوم أصبح الأطباء يخافون أن يؤدي هذا الوسواس بالأمير إلى الجنون، ويذهب برشده، والق يقال أن الروس قوم من الغموض وغرابة الأطوار بحيث يختلفون كثيراً عن بقية شعوب الغرب، حتى لا يكاد أحد يستطيع إدراك
стр. 2566
منه عواطفهم.
ولنعد الآن إلى ما كنا فيه من أمر القيصر نيقولا الثاني فقد عاش ذلك القيصر طوال حياته مهدداً بالموت في كل ساعة على أيدي الفوضويين، ففي أيامه الأولى كان على حافة الموت الزؤام هو وأسرته إذ أراد القوم اغتيالهم بتحطيم القطار الذي كان يقلهم وهم عائدون من القرم، وكانت الشرطة لا تفتأ تكتشف المؤمرات تلو المؤامرات، وكانت القيصرة من جراء ذلك لا تستريح إذا ابتعد القيصر عنها طرفة عين.
وقد شكا إلي الكثيرون من أصدقائي من كبار موظفي الحكومة في الروسيا ووزرائها من تداخل القيصر في الشؤون الحكومية وقلبه كل نظام يحدثونه، وإفساده كل رأي يرونه، لأنه كان أبداً متقلب الرأي، يصدر الرأي ويمحوه، ويتلبث الفكرة ويعدو عليها فيدفعها، ولذلك لم يستطع وزراءه أن يبقوا على سياسة واحدة أو ينفذوا نظاماً مطرداً، ولم يكن القيصر ضعيف الصحة، بليداً مكسالاً، بل كان دؤوباً مجتهداً، فكان يقضي سحابة نهاره وجزءاً من ليله في قراءة الأوراق الرسمية والتأشير عليها والتوقيع بإمضائه وتدوين ملاحظاته في هوامشها، ولكنه كثيراً ما كان يكتب رأياً على الرسالة، ثم لا يلبث في الصحيفة نفسها أن يضع رأياً مناقضاً للرأي الأول معارضاً مهزئاً، وما ذلك إلا لأنه سمع رأيين مختلفين من جلسائه في تلك اللحظة، من أهل البلاد والحاشية قبل أن ينتهي من تلاوة الرسالة كلها، وزاد في خطر فقدان الشخصية لدى ذلك القيصر، حياة النسك التي كان يحياها، وإخلاده إلى بيته ورعاية أسرته، فهو وإن كان الحاكم المطلق على خمس الكرة الأرضية فقد وظل يعيش كرجل من أوساط الناس حول عشيرته، منكباً على دفتر الحساب، لا فكر ولا ابتكار ولا تأمل ولا نجوى، على أنه ليعز على الرجل العبقري ذي العارضة القوية أن يسوس بنفسه ويحسن السياسة في مملكة شاسعة مترامية الأطراف كتلك الدولة العظيمة المساحة، ولم يكن القيصر يرى غير موظفين وعمال حكومة، وكل منهم يمسك بيده معولاً يريد به أن يهدم ركناً من أركان مملكة القيصر، ولذلك لم تكن بين القيصر والعشب صلة ولا اختلاط وهذه البيئة الوبيلة الفاسدة التي عاش فيها القيصر جعلته أقل الناس اكتراثاً بحقائق الحياة وأبعدهم عن الاحتفال بالأحداث التي تجري في جماهير أمته، فلما حدث ذلك الحادث الذي قتل فيه ألوف من الشعب في يوم التتويج بموسكو، لم يكد يعرف القيصر الأمر الذي حدث،
стр. 2567
أو يتبين هول النكبة التي نزلت بالقوم ولما حملوا إليه الأنباء بالمأساة البحرية التي وقعت في بورت آرثر، أيام نشبت الحرب الروسية اليابانية، لم يبن عليه أي تأثير بل استرسل في لعبة التنس وكان من كراهية القيصرة للشعب الروسي ما زاد في هذا النقص وجعل الشعب لا يشعر بشيء من الحب للأسرة المالكة.
стр. 2568
روايات البيان
إيزابلا
أو قصرية النعناع
جون كيتس الشاعر الإنكليزي الكبير من شعراء الطبقة الأولى عاش في أوائل القرن التاسع عشر وتوفي في ١٨٢١ عن خمس وعشرين سنة وهو في ريعان الشبيبة وشرخ الصبا. ويلقبه نقاد الشعر الأوروبي (شاعر الجمال) لأنه بينما شغل شعراء هذا العصر الثوري - عصر الثوةر الفرنسية واستبداد نابليون الأول - مسائلا الحياة الكبرى: الحرية والإخاء والمساواة: فخفيت في تذليل هذه المذاهب الوعرة أقلام (بيرون) و (شيلي) و (وردذورث) أعرض الشاعر كيتس عن هذهالأغراض العامة وأقبل على عناصر الجمال المؤلفة للحياة والكون فأخذ يبدع تصويرها بأبرع يراع، وأحذق كف صناع يستخرج كوامنها ويستثير دفائنها، ويقتنص شواردها ويطرق مواردها.
كالعين منهومة بالحسن تتبعه ... والأنف يطلب أقصى منتهى الطيب
ون آياته البينات هذه القصة الغرامية المنظومة التي فتت بها الأكباد وأذاب بها كل مهجة فؤاد. والتي اقتبسها من قصة نثرية قديمة للكاتب الطلياني بوكاسيو فأفرغها في أبدع قالب من مبانيه، وزانها بالدرر اليتائم من معانيه فجاءت طرفة الأديب وتحفة اللبيب: وها هي:
في مدينة فلورنسا من أعمال إيطاليا كان يقطن في العصور الوسطى أخوان في قصر فاخر منيف، وكان لهما ضياع وعقار وثروة جمة وتجارة واسعة، وكانا يكفلان أختاً لهما يتيمة تدعى إيزابلا آية من الجمال، فاستخدما فتى يدعى لورنزو وكيلاً وكاتباً وأقاماه معهما في القصر ببعض حجراته، وكان رشيق القد حلو الطلعة. فشب الغرام بين هذا الفتى وبين إيزابلا ولبث مكتوماً في صدر كل منهما أشهراً والحياء يحول بينهما وبين المجاهرة والتكاشف.
لهفي عليكما أيها العاشقان! تبيتان على حسرة الجوى، وتصبحان على حرقة الهوى تجدان في التداني برداً وسلاماً. وفي التباعد بغضة وسقاما، وفي وادي الكرى عناقاً والتزاما، وفي دجى الليل مسيلا للدموع وانسجاما.
كلما بزغت الشمس زاد ذلك الحب شغفاً، وكلما غربت تضاعف صبابة وكلفا. فشخصهما
стр. 2569
ماثل لعينيه أينما كان، وصوته في أذنها أحلى من صليل الجدول الرنان، وممر النسيم على عذبات الأغصان، ومناغاة الأطيار في الأوكار، وهي إذا عزفت على المزهر فباسمه تنطق الأوتار وتردد، وإذا طرزت على المنسج فباسمه تملأ نسيجها وتفسد.
وإذا طرقت الباب علم من الطارقة قبل أن يجلوها على الباب ناظره الظمآن، ومن خلال نافذتها تعرفها عينه من أقصى مدى بأسرع من لمحة الصقر وأوحى من خواطر الأذهان، ويسهر الليل البطيء الكثير الأتراح، ارتقاب أن يسمع وقع قدمها الوثاب في الصباح.
بهذا الكمد والأسى مضت أشهر الربيع فطلعت نضرة الصيف على نضرة شبابهما ذابلة، وتجلت بهجة الطبيعة على بهجة جمالهما حائلة، وجعل كل منهما يسر غرامه إلى النجمة الساهرة والنسمة الخاطرة. ويقول هو لوسادته بلسان الدمعة الهامية، والزفرة الحامية
لا طلعت عليّ شمس الغداة يا إيزابلا إذا أنا لم أسمع نغمة الغرام من شفتك اللمياء
غداً أفوه لإيزابلا بحديث لوعتي، غداً أفض خاتم الكتمان عن مكنون وجدي وحسرتي
وما زال ذلك شأنهما حتى أبصر لورنزو إيزابلا وقد علاها البهار مكان الشقيق وزال عن عينيها لألآء الماس وعن شفتيها حمرة العقيق. وعراها هزال الأم الصغيرة الساهرة على رضيعها المريض تسكن آلامه. وتخفف أوجاعه وأسقامه، فقال لورنزو في نفسه ما أسوأ حالها، وما أسرع هزالها ليس لي أن أفاتحها على أني خليق أن أفعل فأبثها قصة صبابتي. إذا كان ما تخفيه الصدور يظهر في أسارير الوجوه فإن صحيفة وجهها لتنم عن أعظم الأنباء. وأفدح الأعباء، فلو أتيح لي أن أرقأ عبرتها وأشرب دمعتها، لكشفت كربها، ومحوت خبطها.
كذلك أسر لورنزو في نفسه ذات صباح ولبث سائر يومه قلق الأحشاء خفاق الفؤاد يسأل الله معونة على القول وقدرة على الإفصاح ولكن لسانه بقي أسسيراً في أغلال الهيبة كما بقي قلبه سجيناً في قبضة الطرب. كذلبك أمضى بالأرق والسهاد ليلته كدأبه وديدنه وفطنت إيزابلا إلى سوء حاله فقالت له في اليوم التالي ونار الغرام تضطرم في وجنتيها لورنزو! ثم حبس الحصر لسانها ولكن الفتى قرأ في لمحات لحظها ونبرات لفظها مكنون صدرها.
فقال: إيزابلا! أحسب أنه لا بأس عليّ الآن أن أبثك حزني وشجني إذا كنت تؤمنين بشي في هذا الوجود فأيقني أني أحبك وأن شغفي بك قد أشرف بي على الردى. وأنا لا أجرؤ
стр. 2570
على لمس يدك الطاهرة مخافة أن تتألم من مس أناملي ولا أكاد أحدق في عينيك خشية أن تنكر ألحاظك ألحاظي تأففاً وضجراً ولكني لا أستطيع البقاء في الدنيا ساعة أخرى ما لم أبح لك بحبي. وهكذا تجرأت شفتاه فامتزجتا بشفتيها في حديث صامت معسول لقد فازا بنعمة الدهر ولذة العمر وشبت بينهما السعادة ناضرة جنية شباب الزهرة الندية في ريعان الربيع.
ثم افترقا إلى حين وكأنهما لفرط السرور يطآن أديم الهواء. وكأنهما وردتان توأمتان فرق بينهما النسيم ولكن إلى وشك انعطاف، وسرعة التئام وائتلاف، فما هي إلا برهة ثم تلتقي الوردتان فتنفث كل في فؤاد أختها عبيرها الفياح. وأريجها النفاح. وهكذا مضت لإيزابلا إلى خدرها المصون فأخذت تشدو بأغاريد الغرام والمنى المشرقة. ومضى لورنزو وثاب القدم إلى ربوة مشرفة فاستقبل الغرب والشمس تجنح للمغيب ثم ودع النور وخلا إلى نفسه في حمرة الشفق يتأمل وجه سعادته الأغر. ويتنشق أريج نعيمه العطر. ويرفل في برد أمله القشيب. ويمرح في روض أنسه العشيب.
فلما أسفر الصباح هرعا إلى مكان خفي في ألفاف الرياض فتقابلا في غرة البكور
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي في ثغور الأقاح
وما زال شأنهما ذلك يلتقيان في البكرة والأصيل في سرادق من الورد والياسمين مستتر من العيون محتجب عن الظنون بعيد عن ألسن الوشاة والرقباء ألا ليت الحال دامت كذلك فلم يصبح حديثهما مرتع المغتاب وملهى السمار ومتعة الأصحاب.
أفهل كانا إذ ذاك من الأشقياء؟ كلا. إن قطرة من النعيم في حياة العشاق ترجح بمرارة بحر آلامه الجياش وترد ملوحته عذوبة. وكم ينال منا العشاق غير ذلك من نفحات عطف ورحمة ومواهب رثاء ورقة. كم نرسل عليهم من الدموع والزفرات وكم نقرأ لهم من محزون الأقاصيص مما هو أجدر أن ترقم آياته بإبريز النضار. أجل إن آلام الحب لذيذة ومرارة الحب حلوة.
ليس الهوى إلا عذاباً يعذب ... أو ضرباناً في الحشة أو ضرب
ومن ثم نرى طوائف النحل التي هي شحاذة الصدقات من موائد الرياض عارفة لهذه الحقيقة بصيرة بهذا السر فهي تفطن إلى ما يكن في الأزاهر السامة من اللذة والحلاوة.
стр. 2571
وشاء الله أن علائم الحب وأماراته بدت في وجه الفتى والفتاة لأعين الأخوين صاحبي القصر فأفضى كل منهما بظنونه إلى أخيه فألفى كل في الآخر مصدقاً لتلك الظنون ومحققاً. واستشاطا غضباً أن يكون أجيرهما وخادمهما لأختهما عاشقاً وبودها وحبها ظافراً فائزاً، وهي التي أرادا أن يزوجاها من حسيب نسيب واسع الثروة عريض الجاه. ثم أفضى بهما التشاور والتآمر إلى استدراج لورنزو إلى بعض مغامض الغابات وذبحه هنا.
ففي ذات صبحا صحو منير عمدا إليه وكان متكئاً على سياج الحديقة فقالا: أسعد الله صباحك يا لورنزو. أنا في حاجة إليك الساعة. هلم إلى جوادك فاسرجه واركب قبل أن تحتدم شمس الظهيرة. فقد عزمنا أن نسير ثلاثة فراسخ في ناحية الإبينين أسرع يا رعاك الله قبل أن توقد الهاجرة. فانحنى الفتى تحية للسيدين ومضى مسرعاً ليأخذ أهبة السفر.
وفي أثناء مسيره إلى ساحة القصر جعل يتلفت لدى كل خطوة عل عينه تظفر بشخص حبيبته المحبوب أو أذنه بصوتها العذب اللذيذ فإنه لكذلك إذ سمع رنين ضحكة حلوة النغمة تهبط عليه من عل فرفع بصره فرأى وجهها المليح يطالعه من خلل الأستار تضيء ملامحه ابتسامة الجذل والسرور.
فقال: حبيبتي إيزابلا! كنت أخشى أن أذهب ولا أودعك، ويلي أيتها الحبيبة ماذا يكون من أمري إن فرق الدهر بيننا إذا كانت غيبة ساعة من الزمن تكاد تقتلني حسرة وغماً؟ ولكنا سنأخذ من الليل السخي الكريم أضعاف ما يأخذ منا النهار المجرم الأثيم. وداعاً أيتها الحبيبة وداعاً إلى حين. سأعود بعد بضع ساعات. فردت عليه إيزابلا سلام الوداع ومضى لورنزو وهي تشيعه بلحظها الطماح. وسجعها المطرب الصداح. وكذلك ركب الأخوان وفريستهما وبرحا بلدة فلورنسا إلى حيث نهر الأرنو ينسجم مسيله. ويدوي صليله وتحنو عليه الأدواح وتمسح جبينه الرماح ثم نفذ الثلاثة إلى جوف الغابة وهناك ذبحا الفتى ودفناه وهنالك انقطع تيار حبه الزاخر وخبا كوكب غرامه الزاهر.
ثم عادا وأخبرا إيزابلا أن لورنزو أبحر إلى بلد قاص في بعض شؤونهما التجارية وأنها آثراه بهذه الرحلة على غيره لفرط ثقتهما به وتعويلهما عليه. مسكينة إيزابلا! البسي الحداد، والزمي الأرق والسهاد، واستشعري اليأس واطرحي الرجاء، فلن ترين لورنزو ما أظلت الأرض السماء.
стр. 2572
كذلك انطلقت إيزابلا إلى حجرتها كاسفة حزينة وظلت تبكي على الأمل الذابل، والنعيم الزائل وتراءى لها شبح لورنزو في الظلماء فأقبلت تناجيه وتعتنق الفضاء وانطرحت على فراشها تنادي واحرباه! أين هو ومن لي بأن أراه!
وهكذا بقيت إيزابلا أشهراً تكابد من برحاء الكمد ما تكابد، فأغفت ذات ليلة فرأت فيما يرى النائم أن لورزو ماثل أمامها يبكي وقد شوه القبر جماله، وأطفأ من حسنه رونقه وصقاله. وسلب من صوته الرخيم مزهراً وعوداً. وخد في خده الأسيل للدمع أخدوداً. ثم أن شبح لورنزو إلى الفتاة بعين لهفى مولهة إنسانها غرق يتجلى الحب في سنا بريقها وينفي سحر حلاوتها عوارض الرعب في قلب الغادة. ثم قص الشبح حديث مصرعه بصوت خافت حزين تحس في نبراته وحشة القبور. وأخبر بما صنع به أخواها في مجاهل الغابة تحت سرادق الورق الكثيف وكيف انقضا عليه فطعناه خلسة وغيلة في صمت وسكوت وشقا له لحداً في الثرى الجعد البليل فدفناه وحثوا عليه ثم قال: واعلمي يا شقيقة الروح أن قبري تنبت عليه الأعشاب وتزخرف حواشيه أفانين الزهر والريحان وثمر التوت الأحمر وعليه حجر من الصوان وقد مدت فوقه يد الطبيعة سرادقاً من السرو والصفصاف وشجر أبي الفرو ينثر ورقه الأخضر وثمره الشائك ويغدو إليه سرب من الأنعام يطوف حوله ويحوم. ألا فاسعي إليه يا إيزابلا فاسكبي على ثراه دمعة حرة تبل ظمأي وتندي على كبدي وتضيء ظلمة ضريحي.
ما أنا اليوم إلا خيال يا إيزابلا أنتبذ من الأحياء مكاناً منعزلاً بعيداً واقيم منفرداً على أطراف حاشية الحياة. وأتلو الصلاة على صدى أصوات الإنسانية المنحدر إليّ من متالع سيلها الجياش، وطنين قبائل النحل هو ناقوس جنازتي، وهديل الحمام في الأصائل والأسحار. وهذه الأصوات الدنيوية لا تزال تزداد غرابة في أذني وتباعداً عن طبعي وذهني كابتعادك عني في عالم الأحياء.
إني أعلم ما كان وما يكون الآن. ولو أن الأرواح يصيبها الجنون لجننت من غوائل الزمان. ومظالم الإنسان. وإني وإن كنت قد نسيت طعم لذات الحياة الأرضية لأشعر الآن بلذة وجودك الهني، وأن صفرة وجهك الحزين تضيء ظلمة قبري الداجية وتدفئ أشلاء رمتي البالية. كأن ملائكة الجنان تزف إلي عروساً من الحور، أجل أن صفرة محياك
стр. 2573
تسرني وتفرحني وإن روح جمالك تنبث في روحي وتشيع في فضاء نفس وإني لأحس دبيب الغرام ومسرى الصبابة في نواحي كياني ووجداني وداعاً أيتها الحبيبة وداعاً. ثم أملس الخيال واختفى. وذعرت إيزابلا فهبت من مرقدها مطلع الفجر وقالت: ويلي ثم ويلي! ما هكذا ظننت إن غي الأمر جناية لقد سفكت مدية أخوي أزكى دم وأكرمه أيها الروح الطاهر! لقد نبهت غفلتي وأثرت ظلمتي سأزورك وألثم عينيك وأحييك صباح مساء.
ولما مال ميزان النهار خرجت في خفية وخادمة عجوزاً فسارتا حتى بلغتا الغابة وقد سال ذهب الأصيل فولجتا الأجمة وأخذت إيزابلا تجيل بصرها بين الدوح والأعشاب تلتمس علامات القبر كما وصفها لورنزو فلم تك غلا برهة حتى أبصرت حجر الصوان وثمر التوت الأحمر وشجر السرو والصفصاف.
فأقبلت إيزابلا على ثرى القبر وشرعت تنبش التراب وتحفر حتى أزالت سقف الضريح ثم نظرت فأبصرت في قرارته جثة هامدة فحدقت إلى ذلك المشهد الأليم ثابتة مكانها لا تحرك ساكناً كأنها ريحانة نبتت على ذلك الضريح. ثم أكبت على الترب تنبش بمديتها وتحفر، وهي في ذلك أشد حرصاً وأنهما كما من البخيل في تحصيل ديناره وما هي إلا هينهة حتى عثرت بقفازه ملوثة مرقوم عليها نقوش وزخارف من صنع كفها فأهوت عليها تقبلها ثم خبأتها في صدرها حيث وقعت موقع الريح المصوحة والزمهرير على تينك الثمرتين اللتين جعلتهما الطبيعة منهلين لشفاه الطفولة وشفاء غليلها. وإسكات عويلها ثم استأنفت الكد والدؤوب لا تفتر ولا تقف إلا ريثما تحسر ذوائبها المنشورة عن وجهها الحزين.
وأشفقت عليها العجوز وأقبلت تعينها تحفر الأرض بذراعين مهزولتين وقد انتشرت ضفائرها الشمطاء كالثلج في صميم الشتاء دأبهما ذات ثلاث ساعات حتى خلصا إلى لباب القبر. وبدت لأعينهما الدفينة كأبين ما يكون فهل ترى الفتاة هاجت وماجت وثارت وفارت وأرغت وأزبدت وأبرقت وأرعدت؟ كلا لقد هبطت عليها سكينة الحزن الصامت والوجد الثابت الساكت.
وهنا اقتطفت إيزابلا من حديقة الموت تلك الزهرة ال١ذاوية - رأس حبيبها وتالله ما كان ذلك الراس مشوهاً ولا قبيحاً ولكنها هامة راقت حلاوة وشاقت ملاحة في ظلال الموت كما
стр. 2574
كانت في ضياء الأرض.
وكذلك حملت إيزابلا رأس حبيبها إلى غرفتها حيث أقبلت عليها تهدئ ثائر شعرها بمشط من الذهب. وتبسط ملتوي أهدابها حول مقبرتي عينيها. وتنضح تراب القبر بدموعها الغزيرة. وقضت الساعات الطوال تمشط وتتنهد وتجدد البكاء وتردد.
وجاءت بمنديل من الحرير أشبعته بالطيب والغالية فلفت به الهامة المحبوبة وجعلت قبرها قصرية زهر حيث دفنتها وغطتها بالتراب ووضعت فوقها بذور نعناع وجعلت من غدران دمعها ريها وسقياها. ثم عكفت عليها ونسيت في سبيلها الحياة ومعانيها. والدنيا ومناحيها ونسيت الأرض والسماء والشمس والقمر والنجوم والروض والنهر والشجر والغدير والصبا والجنوب فلم تدر متى بزغت الشمس ومتى توارت بالحجاب ولكنها أكبت على نعناعتها الحلوة صباح مساء في سكينة وهدوء تمطرها دموعها الغزار وتروحها بأنفاسها الحرار.
وكذلك شبت النعناعة وزكت ملتفة خضراء. ناضرة حسناء وفاح لها نسيم طيب أذكى وأعبق من نفحات نظائرها وأمثالها مما يزين قصور المدينة وخمائلها ولا بدع إذ كان غذائها لوعة القلب الحزين، ومادة الحياة من ذرات الراس الدفين.
كذلك برزت من حجابها روح تلك الجوهرة المكنونة والذخيرة المدفونة فبدت للعيان زاهية خضراء ملتفة الورق عبقة الأريج. ألا قفي برهة على هذا المشهد الأليم يا أسراب الهوام ويا طوائف الأحزان فاطرقي أسفاً وذوبي حسرة ولهفاً. ويا نغمات الموسيقى الرخيم اسجعي جزعاً وكمدا. واهتفي ولوعاً ووجدا! ويا صدى عالم الأرواح ثر من مكامنك الخفية فأرسل زفرات العناء وأنفاس الصعداء ويا ساكني القبور ارفعوا الرؤوس وابتسموا استبشاراً فعما قريب تنزل بينكم إيزابلا إنها لتزوي وتذبل كالغصن الرطيب قصفه الزهار للعطر والطيب.
وراقب الأخوان إدمانها البكاء لا يجف لها جفن ولا ترقأ لها عبرة. وكم من خبيث من بين قومها متطلع متجسس أخذ يعجب لذلتها وانكسارها وكيف ظلت تبدد بيد الحزن كنوز جمالها وتضحي على مذبح الكمد قربان حسنها وأنها لجديرة أن تكون زوجة أشرف سري وأثرى غني.
стр. 2575
وأعجب ما أدهش الأخوين عكوفها على قصرية النعناع كاسفة البال سيئة الحال. واخضرار تلك الريحانة ورفيف ورقها والتفافه كأنما يمسه ساحر بعصاه. أو يقوم نفر من الجن بريه وسقياه. أجل لقد أفرط عجب الأخوين لهذا الأمر الغريب وتساءلا ماذا عسى أن يكون. وقال أحدهما للآخر: لا والله إن لهذه القصرية لنبأ وشأنا. ولولا أن هذه الريحانة تنطوي على سر كميت لما كان لها كل هذا الأثر في نفس إيزابلا ولا استطاعت أن تصرفها عن شؤون الحياة كلها. وتنسيها الدنيا بأسرها. وتستلها من محاسن جمالها وشبيبتها. وتبتزها من مباهج متاعها ولذتها. بل تنسيها حبيبها وسيرته وعهد غرامه وذكرته.
فأخدا يرصدان غفلة عينها عن ريحانتها ليسجليا غامض شأنها وقصتها وأدمنا الرقبة ولكن دون جدوى. وكيف والفتاة أبداً على الريحانة عاكفة. وغيوث عبرتها لا تنفك وكفة فهي لا تخرج إلى متنزه ولا تسير إلى متنسك ولا تسعى إلى ملهى أو مقصف. ولا تذهب إلى معهد أو متحف. فإذا قامت إلى أمس حاجاتها عادت إلىالريحانة بأسرع مما تنقلب الحمامة إلى صغارها فتلزم جانب القصرية لزوم الدجاجة بيضها ثم لا تزال تبكي على ذخيرتها المدفونة وتسرق الدمع في فروج شعرها.
ولكنهما استطاعا مع ذلك كله أن يسرقا القصرية ويفحصاها في مكان مستور وكذلك بدت لأعينهما الدفينة الشنعاء كأبشع ما لاح لعين مخلوق وبالرغم من عبث البلى بتلك النبيشة وعيث الفساد وعفاء تلك المعالم وانطماس هاتيك المعارف أيقنا أنها رأس لورنزو.
فلما وقع في أيديهما أثر جريمتهما وعنوان جنايتهما غادرا مدينة فلورنسا في طرفة عين إلى حيث لم يعودا آخر الدهر. أجل. فر المجرمان إلى منفاهما وفي عنقيهما دم الجريمة.
أسراب الهموم وطوائف الأحزان! أزوى وجوهك عن هذا المشهد الأليم! ويا نغمات الموسيقى الرخيم اسجعي جزعاً وكمدا واهتفي ولوعاً ووجدا. ويا صدى عالم الأرواح ثر من مكامنك الخفية فأرسل زفرات العناء وأنفاس الصعداء ويا ملائكة الحزن والأسى نوحي واندبي سجناً على إيزابلا. فقد أصبحت هامة اليوم أو غد، ستموت أحزن ميتة وأكمدها إذ سلبها أخواها آخر أرماق الحياة وفصما آخر عروة كانت تربطها بهذا الوجود - قصرية النعناع.
стр. 2576
لد ظلت الفتاة حيرى مولهة بعد فقدانها الريحانة تسأل عن نعناعتها المحبوبة وربما أخذت تبكي وفي أوتار صوتها المبحوح نغمة حزن رخيم. ويا طالما ساءلت السائح الجوال عن نعناعتها هل رآها في بعض رحلاته. أو سمع عنها في غدواته وروحاته. وتصيح قائلة لماذا أخفوها عني وخبأوها. واحسرتي ووالهفي أن أبحث عن نعناعتي فلا أراها.
كذلك مرضت الفتاة وضنيت وذابت وهي تسائل عن نعناعتها إلى آخر لحظات الحياة. فلم يبق قلب في مدينة فلورنسا إلا تفتت حزناً ولا مقلة إلا سالت عليها رحمة وشجناً. وذاع بين الناس لحن عن هذه القصة الحزينة رددته الألسن والشفاه.
وما برح للآن يتناقله المحدثون والرواة. وما هو إلا كلمة الفتاة إيزابلا تقول: واحسرتي ووالهفي أن أبحث عن نعناعتي فلا أراها!.
الأماني الأربع
قصة فكهة ذات مغزى
من مختارات تواليف القصصية الطائرة الصيت
شارلوت برونتيه
ذات مساء قر في شهر ديسمبر إذ كنت لا أزال عاملاً أشتغل لأظفر بأجر اليوم. وجزاء عمل النهار، وإن لم أكن في ذلك اليوم خلواً من تلك المطامع التي تثور في قلوب الشبان رغباً في المجد وطلاباً للشهرة، ونزوعاً إلى نوال الذورة العالية، ووصولاً إلى ربوة العظمة، جلست وحيداً بقرب موقدتي في كسر عشي الصغير أحلم أحلام المستقبل، واسرح في ملكوت الله. وأتلهى بالخيالات الغريبة، والأوهام الموحشة المسرفة المتغالية، وقد مرت بذهني ألوف من الأماني. وجالت في خواطري مئات من العلالات حتى لا تكاد تذهب أمنية حتى تعقبها أخت لها أغرب منها، ولا تني تترادف الأحلام أثر الأحلام.
وإني لكذلك أشيد قصوراً في الهواء وأبتني مغاني وقلاعاً في الفضاء إذ سمعت بغتة حولي حمحمة صوت غريب فأجفلت مذعوراً ورفعت رأسي أتبين مصدر ذلك الصوت فلم تأخذ عيني شيئاً فظننت أنها وهم اعتراني. فعدت إلى ما كنت فيه من تأمل وحلم ولكني لم ألبث أن سمعت ذلك الصوت ثانية فرفعت رأسي مرة أخرى وإذ ذاك تولاني الرعب الشديد إذ أبصرت في المقعد الذي إزائي بدن رجل صغير ضئيل في أثواب خضر سندسية، تعم
стр. 2577
جميع بدنه، فتمالكت نفسي واستعدت جأشي واجترأت على أن أسأله كيف جسر على أن يدخل بيتي بلا إذن مني، وكيف كان سبيله إلى مقعده والأمر الذي جاء من أجله.
فأجاب الرجل بصوت ضعيف مرتعش إني من الجان ولكن لا تخف شيئاً فإني لا أردي بك سوءاً. بل بالعكس أردت أن أمنحك أماني أربعاً. على شرط أن تطلبها على فترات من الزمن. وفي أوقات متفرقة مختلفة. فإذا ألفيت الأمنية لا تتفق وما كنت مرتقباً منها. ووجدت أنها ليست كما كنت تبتغي قبل تحقيقها. فلك أن تطرحها جانباً قبل أن تطلب غيرها.
فلما أتم كلامه أعطاني خاتماً وقال لي أن السر الذي في هذا الخاتم كفيل بتحقيق ما أشتهي. فشكرت له منحته وسألته كيف السبيل إلى الاستغناء عن الخاتم إن ظفرت بالأماني الأربع. فأجابني قائلاً: تعال وهو في إصبعك في منتصف الليل إلى الوادي البعيد عن بيتك هذا وسترى أن ستتخلص إذ ذاك منه.
فلما انتهى من هذه الألفاظ اختفى بغتة، وتركني لا أكاد اصدق ما شاهدته بعيني رأسي. على أنني لم ألبث أن تبينت الحقيقة إذ أبصرت الخاتم الأخضر يبرق في إصبعي.
فلما تولى عني الرعب وهذا الروع. جعلت أفكر فيما ينبغي أن تكون الأمنية الأولى. فبعد لأي ولمعان وتفكير وجدت رغبتي في الجمال تسمو على جميع رغباتي الأخرى فأجمعت ذهني على أنني إذا أصبحت الغداة لا بد أن أجد نفسي في أفتن ألوان الجمال. وأبدع مظاهر الحسن والقسامة والوسامة.
فلما هبطت في وادي النوم العميق انطلقت أحلامي الذهبية أتصور مستقبلي وأيامي المقبلة في ظل هذا الجمال الخارق للطبيعة. ولكن صيحة الديك أيقظتني من منامي ونبهتني إلى تنفس الصبح. ومطلع نور النهار. فنهضت فرحاً خفيفاً نشيطاً ووثبت من سريري ونظرت غير مصدق إلى المرآة المعلقة فوق جدار بيتي الصغير لأتبين هل تغير وجهي منذ العشية أم لا يزال على دمامته الأولى. على أنني لن أنسى في حياتي مطلقاً هزة السرور التي هزت أعضائي إذ رأيت وجهي الجديد وملامحي الطريفة. وهناك وقفت أتراءى في المرآة أهيف القد مشذب العود جميل المحيا، كشجرة الصفصاف أو سرحة الجوز. وقد تناسبت أعضائي فكان منها جمال يبهر الناظرين. وبدت عيناي زرقاوين يسطعان فتنة وسحراً
стр. 2578
تحت حاجبين مقوسين كالنون وفي فمي طراوة شنب وعذوبة متبسم وجمال ميسم. وذوائب شعري الأصفر الجميل متراخية على جبيني أنعم ملمساً من العاج وبالجملة لم أر شيئاً في حياتي ولم أسمع بجمال يداني هذه الروعة التي وهبتها في ذلك اليوم.
فوقفت مدة أنظر إلى وجهي وأنا في ذهول الإعجاب، وقد طفا على قلبي ظل من السعادة لم أشعر به من قبل. وكان ذلك اليوم يوم أحد. فاشتملت بأثوابي وتجملت بأحسنها وأزهاها وخرجت أريد الكنيسة وكانت الصلاة توشك أن تبتدئ. فلما خطرت بين الصفوف ألتمس مقعدي شهدت العيون محدقة بي والأنظار مستقرة علي من كل صوب فاعتراني من الزهو والخيلاء ما جعلني أمشي مشية المتكبر المعجب بنفسه. وزادت المشية في جلالي وروعة منظري. وكان من بين الذين لم يتركوا النظر إلي اللادي بتريس دوسي وكانت هذه السيدة أرملة اللور دوسي صاحب القرية التي أنا فيها ورب الضياع والمزارع والقصور ومورثها بعد مماته أرملته هذه وتارك هذه النعمة لها. وكانت المرأة عاقراً ولم يكن لها منه بنون أو بنات. وكانت لها الحرية التامة في التزوج بمن تشاء ومتى تختار. وكانت على الرغم من أنها نصف ناهزت الحدود الأولى للشباب. بارعة سليمة وكانت فوق ذلك مشهورة بالسحر. فتمنيت لو أنها مالت إلي وأنا في هذا الجمال الفتان، وتزوجت بي حتى ترفعني من وهدة الفقر إلى أعلى مدارج النعمة والأبهة والترف.
تلك كانت خيالات نفسي ومطامح روحي. وأنا أمشي الخطى عائداً على داري.
وفي المساء عدت إلى الكنيسة وهناك عادت الأرملة تخصني بنظراتها وابتساماتها ورنوات الإعجاب من ناظريها وأخيراً زالت شكوكي وتبدلت مخاوفي إذ دنت إلى بعد انتهاء الصلاة، وهمست إلي تقول: تعال إلى منزلي غداً في الساعة الرابعة. فلم أجب إلا بانحناءة من رأسي. وأسرعت قافلاً أدراجي إلى منزلي.
فلما كان الغد وحل الموعد ارتديت بأفخر ما لدي من ثياب ووضعت زهرة جميلة في معطفي وأسرعت أريد دارها في الموعد المضروب.
فلما دخلت بستان ذلك المغنى التقيت عنده بحاجب استوقفني والتمست إلي أن أتبعه فأطعت، ومشينا بين صفوف الأزاهر حتى دانينا خميلة جميلة من الأعراش والأغصان جلست فيها السيدة مفكرة سارحة، وقد ارتدت برداء من أفخر الحرير الأبيض مزركش
стр. 2579
أنيق فخم راع، وقد غطت كتفيها بشال هندي ثمين، فلما أقلت نحوها نهضت محيية فرددت على التحية بأحسن منها، وجلسنا وذهب الخادم في وجهه وابتدأت المفاوضات فوهبتني يدها وقلبها، فتقبلتهما بأحسن القبول.
وبعد أسابيع ثلاثة تزوجنا وزففنا في الكنيسة بتصريح خصوصي بين التهليل والفرح، وأقيمت الأعراس لبهجة أهل القرية، وأولمت الولائم وظلت الأفراح أياماً.
وكذلك دخلت الآن في دور جديد من الحياة، وكل ما وقع بصري عليه أضحى ينم عن الجمال والثراء والعظمة والفخامة وكل طعام جلست إليه أصبح طعاماً غنياً بهيجاً غالياً، ويطفر من فرح، لأني أصبحت أرى نفسي مالك كل هذه النعمة، وصاحب جميع هذا الخير.
وطفقت أمام الخدم وهم في الحلل الغالية، والمظهر السني وهم حافون من حولي صافون أمامي أعاملهم بكل احترام، إذ راعني منهم أدبهم العالي ومظهرهم الأنيق.
وقد أصبحت حولي جموع كثيرة من الزوار، وفي كل يوم يقبل للتشريف طائفة كبيرة من المقربين والصحب والخلطاء، وقد جعلت أصرف زمني كله في جميع ضروب اللهو، فمن مراقص متألقة، على محافل حافلة، وبين مآدب فخمة تقام في كل يوم في القصر ابتهاجاً بالعرس، واحتفالاً بالزواج، وبين عشي تصدح فيها الموسيقى، ويقام فيها الرقص، وتهتز فيها الأعطاف، وبين نزهات في الخلاء فوق ظهور الصافنات الجياد، إلى مقانص صيد في البراري والغابات.
ولكن على الرغم من كل هذا لم أكن سعيداً، ولم أستشعر الهناء، فقد كانت الحجرات عديدة حتى لقد تهت في بيتي، وضللت طريقي في منزلي، وكثيراً ما عانيت المشقة الكبرى في سبيل العثور على حجرت الخاصة، ومنامتي المعتزلة، وأنشأ زوارنا الأماجد يحتقرونني ويستزرون بي ويستخفون بآدابي المضحكة وهيئتي الغريبة واضطررت إلى احتمال أمر الضحكات وأشنع النكات والدعابات والسخريات من أفواه النبلاء وشفاه الشرفاء، وأصبح خدمي يهينونني بكل قحة، ويعاملونني بكل استخفاف وبذاء، وبدأت أخيراً معاملة زوجتي تظهر بأجلى مظهر في شكل المستهتر المستخف المحتقر، وأصبحت غيرى في أشد حالات الغيرة، ولا تكاد تحتمل أن أفارق نظرها لحظة واحدة، ولا أزيدكم قولاً بل لتعلم أنه لم تكد
стр. 2580
تمضي أشهر ثلاثة حتى وددت لو أنني انفصلت منها وعدت إلى سيرتي الأولى عاملاً بسيطاً خشناً فقيراً يصيب رزقه يوماً فيوماً.
ولم يلبث أن تحقق ما كنت أتمنى، وتم هذا الانفصال الذي وددت، وغليك الحادثة التي ساقت إلي ذلك: في مأدبة من المآدب التي أقمناها في القصر، كان بين المدعوين سيدة شابة في ربيع العمر تسمى سيسليا، وقد أصابت حظاً وافراً من الجمال في أبدع ملامح، وأوسم وجه رأيته في حياتي، وكانت رقيقة الحاشية، عذبة المحضر، تأسر الفؤاد رقتها، ويسحر الألباب خلقها، طاهرة من تلك الغطرسة وذلك الكبر، وتلك الخيلاء التي كانت تغضبني من غيرها من أصحابنا الشرفاء، فإذا أنا قلت كلمة تافهة، أو خرجت يوماً عن الآداب النبيلة، أو أحدثت أمراً أداً في نظر هؤلاء النبلاء الغطاريف، فلا تظهر أمامي شيء من السخرية أو التضاحك احتقاراً لي، واستخفافاً بأمري، بل تهمس في أذني ما كان ينبغي أن أفعل وتعلمين كيف السبيل إلى اجتناب الشذوذ عن آداب السادة.
فلما انتثر عقد الجميع، وانتهت المأدبة، وغادرت تلك السيدة القصر قلت لزوجتي على سبيل الملاحظة: يا لله ما أرق الآنسة سيسليا وما أعذبها محضراً والينها عريكة. فأجابت زوجتي وقد احمر وجهها وتصاعد الدم إلى محياها: نعم كل امرأة تستطيع أن تعجبك إلا أنا، ولا تحسبن أنك مخادعي أو مراوغي، فقد رأيتك تضحك وتتحدث إليها طول الوقت، أيها المخلوق الوضيع الزري المنبت الذي رفعته من وهدة الخمول إلى منصة المجد والجلال، ثم لم يغرك هذا بأن تحمل لي شيئاً من التقدير الجميل والمعرفة بالصنيع، ولكني سأنتقم منك وأصيل الثأر.
قالت ذلك وغادرتني أفكر فيما عسى أن يكون هذا الثأر فلما أمسى المساء وأويت إلى المضجع، لم يغمض لي جفن، ولم يأخذ النوم لي عيناً، ولم ألبث أن سمعت فجأة وقع أقدام خارج باب الحجرة، فتولاني الرعب وتملكتني الدهشة، فنهضت وفتحت الباب بكل هدوء. وناهيك عن الدهشة الكبرى التي ثارت بفؤادي إذا أبصرت شبح زوجتي وهي تنسل في خفية وخفوت أمامي والمشعل في يدها، فتعجبت وزادت حيرتي ولم أعلم السبب الذي بعثها أن تمشي في حجرات القصر في جنح الليل، فتبعتها في رفق، وأنا أحاذر وأجتهد أن تقع مواقع قدمي منسجمة مع مواقع قدميها.
стр. 2581
فبعد أن تنقلت بين معاطف ودروب القصر لم أشهدها من قبل هبطت وأنا في آثارها سلماً هاوية حتى بلغت الطابق الذي دون أقبية الخمر ومخازن الفحم في الدار إلى أن دخلت إلى قبة رطبة تحت الأرض، وثمت وقفت ووضعت المشعل جانباً، وانزويت أنا في ركن أتخفى وأتسمع.
وإذ ذاك تذكرت ما كنت أسمع عنها من أنها تتصل بالسحرة وتدرك أفانين السحر، فجمد الدم في عروقي، وذهبت نفسي شعاعاً، ورأيتها في تلك اللحظة قد جثمت فوق أديم الأرض وفتحت ذراعيها وجعلت تتمتم ألفاظاً لم أسمعها بصوت أجش غريب وإذا بلهب من النيران قد انشقت عنها الأرض، وتصاعدت سحب من الدخان كثيفة ولم يلبث أن بدد السكون السائد صوت عظيم هز أساس الدار وللحال رأيت ستة أشباح سود تخرج من الظلمات تحمل محفة من محفات الموتى وأبصرت فوقها كما رأيتها الليلة الماضية في ثوبها الدمقسي الجميل، وفي ريشها الناعم الأشهب، سيسليا بعينها، وكانت مغمضة الجفن، وقد سكنت أهدابها عن الحركة فوق خد ذابل ووجنة صفراء، وهي جامدة لا تحرك ساكناً.
فلم أستطع قبالة هذا المنظر المخيف والمشهد الفاجع أن أمسك نفسي عن الصراخ، ووثبت من مكمني، ورأتني زوجتي فطفرت من جثومها واندفعت صوبي وصرخت في وجهي: أيها الوغد ماذا جاء بك على هذا المكان وأية لعنة ساقتك إليه. وما كادت تتم هذه الكلم حتى همت بعنقي وأرادت خنقي فتململت وأردت الخلاص ومن قبضة يدها، فما أفلحت، وكانت حياتي تندفع من عنقي، وروحي تجري مصعدة إلى نحري، ولكنها لم تلبث فجأة أن تراخت يداها وسقطت إلى الأرض مغشياً عليها.
فلما صحوت من غشيتي رأيت على هدي المشعل قزماً صغيراً في ثوبه السندسي يخطو فوق جثتها وهو يحمل سيفاً يلوح به في الهواء وللحال تبينت من وجهه صاحبي الجني الذي وهبني الخاتم منذ ستة أشهر منصرمة، وعلمت إذ ذاك أنه طعن زوجتي بسيفه وبذلك خلصني من مخالبها في اللحظة التي كانت حياتي معلقة بها.
فبعد أن حمدته أجمل الحمد سألته أن يدلني على السبيل التي نتخلص بها من جثة المرأة.
فأجاب: دع ذلك. والآن وقد كاد الصباح ينبثق من صميم الفجر لا بد لي من الانصراف، نبئني هل تريد أن تعود إلى حياتك الماضية ولون عيشك الأول، وترد إلى الدنيا رجلاً
стр. 2582
عاملاً أميناً دؤوباً مرتاح البال، هانئ النفس، وتحرم من نعمة الجمال الذي لم تظفر منه إلا بالوبال والآلام، أم هل تريد أن تبقى عليها وتجمد ألا نبئني بالقول الفصل وأوجز، فإنني أريد أن أعجل بالذهاب!.
قلت بلا تردد: بل أعدني إلى مرتبتي الأولى، وحياتي السابقة. ولم تكد تخرج هذه الألفاظ من فمي حتى وجدتني واقفاً وحدي أمام باب كوخي، كما كنت أشعث أغبر، لم تبق في وجهه مسحة من ذلك الجمال الفتان الذي أنعم علبه من قبل.
فألقي نظرة طويلة حرى إلى قصر الأيزو وهو يلوح لناظري عن كثب، فمشيت مطرق الرأس إلى كوخي فدخلته.
ومضى يومان، وإني لجالس إلى طعام الإفطار، إذ دخل علي جار لي من أهل القرية فسألني أين كنت منذ نصف عام، وفي أي أرض الله تقلبت، فلم أجد لي سبيلاً غير المخادعة والكذب، فنبأته أنني كنت في زورة ريب من عشيرتي في بلد بعيد ومنزل قصي، فصدق الرجل الحديث ورحت أسأله عن أحوال القرية وما جرى فيها منذ أن غبت عن أهلها.
قال: اسمع حديثاً عجيباً وقصة فكهة إنك غبت من هنا وتزوجت الأميرة دوسي بأجمل فتيان الدنيا الذين ظهروا في العالم فتى لم يعرف أحد من أي مكان هبط، ولا أي منشأ نشأ، وحسبه القوم رسولاً من عالم الجان هبط في بدن إنسان، ومنذ أربعة أيام فقط، اختفى القوم جميعاً، أي الأميرة دوسي وزوجها وابنة اللورد ستاندرن التي تدعى سيسليا، وأعجب ما في أمرهم أنهم اختفوا في ليلة واحدة، ولم يسمع أحد بنبئهم، ولم ندر ما خطبهم، بعدما اشتدت الشرطة في البحث، وتعقبت الآثار، واستقصت الأثر من جميع وجوهه، وقد جاء ليلة أمس شقيق الأميرة، فاستحوذ على الضيعة وأخذ بضبع الثروة، وهو يحاول اليوم أن يرقد ما استثار من أنباء القوم ويرسل الأستار حول الحادث.
فبعثني هذا الحديث على الاطمئنان، إذ علمت منه أن أهل القرية لم يختلج في قلوبهم الشك من ناحيته، ولم يدروا أنني كنت زوج تلك الأميرة.
على أنني تذكرت بعد ذلك أنه لا تزال لي أماني ثلاث فأخلدت إلى التفكير أياماً، واعتزلت لي مكاناً ألتمس فيه استنزال الوحي أستهديه فيما ينبغي أن أشتهي، ويصح أن أطلب، بعد
стр. 2583
أن رأيت غرور أمنيتي الأولىـ، وباطل ما ابتغيت من قبل، فقر قراري على (الذكاء الفائق والخارق للعادة) وما كنت أفعل حتى أحسست انبثاق روح جديدة في جميع جثماني، ومهب خواطر آية في الذكاء، وبدأ منذ ذلك اليوم كل شيء يتراءى لي في لون جديد، ومظهر طريف وجال بذهني الخواطر العالية، وتزاحمت الفكر الحسان، وحالت السوانح الروائع بصدري.
وقد حدث ذات يوم، بعد هذه النعمة بأيام قلائل أن أرسلني جار لنا من أهل القرية يدعى تندرتن إلى السوق لأبتاع له عدة أواني من الخزف والزجاج، فلما أتممت الشراء، وانتهيت من الصفقة، ووضعت الأواني في صندوق، ولففتها في القش، واحتقبت الصندوق وعدت أدراجي إلى القرية، ولكني لم أكد ألم على منتصف الطريق، حتى أدركني الليل، وكانت الليلة غائمة، والقمر فيها محاقاً، والظلمة حالكة، والمطر منهمراً، فانطلقت إلى حان ثمت في الطريق لأصطلي من نارهن وأستدفئ من شرابه.
ففتحت باب الحان وزاغ مني البصر على مستهل الأنوار، فلمحت في جوانب الحجرة بضعة أصدقاء ومعارف من أهل قريتنا، فجلست إلى شراب حار، ومصطلى عذب يرد الروح في الجثمان، وبعد أن وضعت صندوق الزجاج جانباً، فوق أديم الحجرة واخترت مقعدي بين القوم، وكانوا يتجاذبون أطراف حديث طويل، ومناقشة حارة في أي الحكومتين خير وأبقى، الملكية أم الجمهورية، وكان الزعيم المفوه الذي كان يدعو إلى الجمهورية ويمتدحها وينسب لها الخير كله دون أختها الملكية، بوب سيلفستر، من سكان قريتنا، حداد يشتغل بصهر المعادن وسبكها، وكان من أبلغ من عرفت لساناً، وأفصح مقولاً وأبرع مذوداً، وكان بهذه الموهبة فخوراً وبنعمة الفصاحة مزهواً، ولكنني لم ألبث بفضل ما أوتيت من الحكمة (والذكاء الخارق للعادة) أن أسكته وألقمته حجراً، وبززته في حججه، وركمت دعاواه، وفزت بالمجلس دونه، حتى دوى لي التصفيق من الجانبين، وعلا الهتاف بين أعضاء الحزبين.
وكان بوب هذا رجلاً، حاد المزاج، سريع الغضب لا يرضى أن يسكن إلى هزيمة أو يؤوب مذعناً إلى اندحار، ولذلك نهض وطلب إلي الملاكمة وسألني أن أنزل إليه في مجالدة، فما وسعني إلا القبول خوفاً من الفضيحة، وبدأ القتال واشتد النزال، فلكمني عدة
стр. 2584
لكمات واندفع علي كالسهم ورماني بلكمة عظيمة من يده اليسرى، فتعثرت وسقطت لا أعي شيئاً مما حولي بل آخر ما تذكرت من هذا المشهد أنني سمعت صوت زجاج منكسر.
فلما أفقت من الغشية، وجدتني نائماً في فراشي في كوخي، جريحاً مرضوضاً دامياً، وعلمت إذ ذاك أن صندوق الأواني تكسر، وتحطم الزجاج والخزف، وأن الرجل صاحبها وكان من البخلاء الماديين قد رفع علي قضية يطالبني بالثمن والتعويض وكانت تلك مصيبة أشد من الجراح إيلاماً.
فلما استطعت النهوض من الفراش، أجمعت النية على أن أطرح هذا الخاتم اللعين في الوادي الذي وصفه الجني، بعد أن رأيت منه الويل، ولم أظفر منه إلا بسوء المنقلب، وقنعت بأن أعيش عاملاً فقيراً، ليس أهنأ له وأبهج لنفسه من أن يجلس إلى عشاء اكتسب ثمنه بعرق الجبين. .
انتهت
стр. 2585
العدد ٤٧ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١٩
стр. 2586
روح الإسلام
ما كدنا ننشر في العدد الماضي ذلك البحث الممتع الذي وضعه عالم من علماء الغرب فأدلى فيه برأي عدل مكين، في هذا الدين الحنيف المتين، حتى استحثنا القراء على الاسترسال في نشر كثير من هذه الأبحاث. والإفاضة نقل ما كتب في لغاب الفرنجة عن الإسلام والانتصار له والنضح عنه ولذلك قد أخذنا على أنفسنا وأجمعنا النية، ورسمنا الخطة على أن ننقل للناس أمهات الأبحاث الإسلامية ونزهي إلى العالم الإسلامي أبدع ما كتب المنصفون عنه وخير ما نشر الكتاب العدول في فضله وإظهار محاسنه بعد أن رأينا الملاحدة والمستهينيين بالعقيدة، والمستخفين بالإيمان، والكافرين، عمي البصائر، الذين على قلوبهم أكنة، وفي لأفئدتهم مرض، وقد ملأوا هذه الحياة، وراحوا يرسلون أنفاس الكفر بين الشبان، ويظهرون كفرهم واستخفافهم وتخلخل عقائدهم في المجامع والكتب، والأحاديث والمحافل، جهراً وعلانية، ويعيشون عليها سراً وكتماناً، حتى أصبح المؤمنون في خشية من أتن يغلب الكفر الإيمان، في عصر غلبت فيه المادة الروح وسادت مبادئ العقل على مبادئ القلب، وجعل عداد الذين يسلكون أنفسهم في صفوف الملاحدة وأنصار الملاحدة من الزائغين والمستهينين يتكاثر يزداد كل صباح، ويحشد حشده في كل مغيب.
واليوم لم نجد في جميع الأبحاث والتواليف التي أنصف فيها الكتاب ديننا الحنيف ورسالة محمد سيد الدنيا قاطبة، ورسول الله إلى الناس كافة، كتاباً أحق أن نبتدئ به، وأقمن أن نصدره في رأس هذه النية التي انتويناها ونفتتح به هذه العزيمة التي اعتزمناها، من ذلك الكتاب الممتع العجيب الذي وضعه رجل من كبار رجال الدنيا وأعرف الناس بفضل الإسلام، وأشد الكتاب اضطلاعاً بأسرار الأديان جميعاً، على كثرة ألوانها، وتعدد مذاهبها ونحلها، ألا وهو السير سيد أمير علي صاحب كتاب (روح الإسلام) فلعل هذا الكتاب خير ما أخرج للناس في فضل الإسلام والانتصاف له، والدفاع عنه، وقد وضعه ذلك السيد العظيم بالإنكليزية، فتجلى بين دفتيه استمكانه من أدب اللغة، وإلمامه الواسع بأسرارها، ولم نعرف رجلاً مثله كتب في الإنكليزية بتلك البلاغة التي كتب بها وصدع برأي يداني رأيه.
والكتاب قسمان. خص السيد القسم الأول منه بتاريخ الإسلام وظهوره وما كان من غزوات النبي وأعمال صحاب الشريعة، وجعل الثاني وقفاً على الدفاع عن قضية الإسلام بين الأديان، وشرح مبادئه والتبسط في إظهار فضل سننه، وكشف الحجاب عن الأمثلة العليا
стр. 2587
فيه، والاستفاضة في بيان آدابه وروح تعاليمه والغرض الإلهي منها والمقاصد السامية التي ضمنها كتابه.
وهذا القسم الأخير الذي اعتزمنا أن ننقله بجملته إلى قراء العربية والدانين للإسلام حتى نحارب روح الإلحاد الذي أخذت يتفشى في صفوف المسلمين، ونعده لأمة وسلاحاً نجاهد به الضالين المضلين، وحتى تقوى مشاعر الإيمان، وتتفتح لأسرار سيد الأديان.
الفصل الأول
الإسلام ومعناه في اللغة العربية - آداب الإسلام ومبادئه الأخلاقية، فكرة الله في جميع أديان العالم - عبادة المسيح - المسيحية الكمالية المتحضرة - الغرض الأول في الإسلام.
إن الدين الذي جاء به عيسى يسمى المسيحية، وهذه التسمية مستمدة من تلقيب عيسى بالمسيح، وكذلك دين موسى وبوذا لا يزالات يعرفان باسمي الرجلين اللذين نشراهما في العالم، ووثبا بهما إلى الدنيا، ولكن دين محمد وحده هو الذي استمد من نفسه اسماً خاصاً يعرف به. ولفظ مفرداً ينادي ويدعى في العالم به وهو (الإسلام) ولا تستطيع أن تقدر هذا الدين حق قدره، وتعدل في الحكم له، حتى تفهم الفهم كله المعنى الحقيقي لكلمة (الإسلام) فإن مادة هذا المصدر سلم وما ينفرع عنه تؤدي معان كثيرة، منها سكون النفس وسلامها والوفاء بالواجب وأخيراً الاستسلام والإذعان إلى الله والخضوع له. والاسم منها يؤدي معنى السلام والتحية والأمان والنجاة والخلاص. وليس معناها مقصوراً على الإذعان المطلق لإرادة الله كما وهم الناس، وحسب القوم بل لا تزال تؤدي معنى البحث عن السلام والحق.
والأساس الذي قام عليه دين الإسلام ينفرع عن خمسة مبادئ. أولاها الاعتقاد بوحدانية الله وأنه لا يحيط به مكان، ولا يشغل حيزاً وأنه يتجرد عن المادة والتصديق بقوته ورحمته، وإخلاص المرء وجهه وقلبه لحب الخالق ، والمبدأ الثاني الإحسان والرفق والأخوة العامة بين الناس أجمعين. والمبدأ الثالث قمع الشهوات وقتل شرة النفسي، وإخماد بهيمية الروح والرابع القنوت لله وشكره خالق كل خير. والخامس التصديق بالحساب في حياة وراء هذه الدنيا، وآخرة بعد الأولى، وآجلة لعاجلة، ولعل المبادئ السامية الشماء التي تضمنها القرآن في بسط قوة الله وحبه وعظمته ورحمته لا مثيل لها ولا ضريب في أي
стр. 2588
دين آخر من الأديان، ثم لا تزال وحدانيته متجردة عن المادة وجلالة وقدرته ومغفرته ورحمته أنشودة فياضة ثابتة لا نهاية لها ولا ختام ولا حد، تتدفق في آيات وقطع ورسالات من أبلغ آيات البيان وأشدها إثارة للأرواح وهزة للنفوس. ثم لا تزال الروحانية في الحياة وفيضها ونورها مبادئ لا ينتهي الإنسان منها. ولكنك لا تجد في دين الإسلام كله من أوله إلى آخره أثراً من آثار الاستبداد الفكري والسفسطة وتشعب النظريات السفسطائية والمبادئ العقلية، واللجاج والمحاجة والثرثرة، بل لا يزال هذ الدين يمس الروح، وينادي الضمير العميق في الإنسان، ويناجي الفؤاد والوجدان، ويمشي مع الصوت الخارج من حبة القلب، الصادر من سويداء الروح، ولا يسمع إلا لمنطق القلوب معقل الغريزة والفطرة.
ولنأخذ الآن في شرح موجزة ونظرة غير مستطيلة إلى الأفكار الدينية التي كان يدين بها شعوب الدنيا لما بدأ نبي الإسلام يدعو دعوته، ويبث رسالته، فقد كانت فكرة الله عند العربي الجاهلي تختلف تبعاً لآداب الفرد أو القبيلة فمنهم من كانت تبلغ فكرة الله عنده إلى حد الإلوهية وطبيعة الإلهع، وآخرون كان يسفون من هذه الناحية فتتردى عقيدتهم في الإلوهية إلى حد عبادة الأوثان، وتنزيل الإلوهية واعتقادها في قطعة من الصخر، أو العصي أو الأخشاب، وكان قوم منهم يعتقدون في حياة أخرى، على حين كان فريق آخرون لا يعلمون عن ذلك شيئاً البتة، وكان أعراب الجاهلية يدينون ويسلمون أنفسهم إلى سلطان الساحرات، أسوة بالفينيقيين، وكان سكنة الصحراء والضاربون في البيداء والعرب العرباء والعادون في المهمة القفر، ولا ريب خلاء قلوبهم من عبادة الله، ولكنهم مع ذلك لم يكونوا عمياً عن أن يروا ويتخيلوا يداً خفية وراء هذه الرياح الهوج التي تعصف في الصحراء فتغمر الأرض رمالاً تزجيها وترسلها هوجاء، وإن تشاء تردها شمالاً، أو إن تشاء تعيدها نسيماً سجسجاً، وهي التي ترسم تلك الألوان الجميلة الخداعة التي تنهض لأعين القافلة، تستبيهم لموتهم، وتجتذبهم على حر الأوام ولهب الظمأ إلى حتوفهم، وكذلك تعلم أنه كان يجري في العالم الذي يحيط بالعرب فكرة غير محسوسة، ورأي غير ملموس، ولا محقق أو محدود، في أن فوق هذه الأكوان قوة عالية، هي رب الأرباب.
ولعل اليهود وهم أولئك المحافظون على فكرة الوحدانية كما لقبهم بذلك التاريخ كانوا الذين أعانوا على تكوين هذه المشاعر، على انهم أنفسهم أظهروا الإعراض والعلل التي تنجم عن
стр. 2589
التطورات والانقلابات في آراء أمة من الأمم عندما يعوزهم في شرائعهم الدينية العنصر التاريخي أو القوة العقلية الصحيحة، فقد دخل اليهود شبه جزيرة العرب في أزمان مختلفة وببواعث متعددة، ووراء ظروف متباينة وأنت تعلم أن آراء المهاجرين والطارئين على البلاد والواغلين على أمة من الأمم، والنازلين بمملكة من الممالك، والنازعين إلى بلد من البلدان، يختلفون كثيراً بطبيعة الحال في نزعاتهم، ويتباينون في آرائهم، ولا ريب في أن أفكار الذين فزعوا إلى بلاد العرب من جراء اضطهاد الآشوريين والبابليين كانت أكثر نزوعاً إلى نسبة الإنسانية للإله، وتشبيهه بالإنسان وإطلاق صفات الآدمية عليه، من أولئك الذين هاجروا إلى بلاد العرب قبل عهد فسباسيان وتراجان وهارديان، ولم تكن تلك الصفات التي أدت ببني إسرائيل مراراً إلى النكوص والرجوع إلى عبادة الأوثان في بلادهم ومسقط رؤوسهم من جراء وجود الكهان بين ظهرانيهم، ومشيهم في صفوفهم، تستطيع أن تحميهم من وثنية أخوانهم العرب الذين فزعوا إلى جوارهم وانحدروا للمقام بينهم، بل جعلوا يخلطون مع رب إبراهيم فكرة مادية في الإله ويصورونه تصويراً ملموساً، ويجردون منه الصفات الإلهية المقدسة، فراحوا يعبدون تمثالاً صنعوه ومثلوا فيه إبراهيم وبجانبه الكبش معداً للتضحية والقربان، ووضعوا تمثالهم ذلك داخل الكعبة.
ثم هبط المجوس بعدهم فجعلوا يعبدون الشرع ويغالون فيه إلى حد الوثنية ومضى كهانهم ورؤوسهم يطالبونهم باحترام يداني العبودية، واعتقدوا أنهم حراس القوم وحماة الناس، وحفاظ القانون، ورعاة الشرع، ونظروا إلى أنفسهم كأنهم صفوة الأمة وزهرة القبيل وخلاصة الإنسانية وكان الناس من ناحيتهم يعدونهم بعد الله ويحسبون أن بينهم وبين الله حجاباً غير مستور وأنهم على التنبؤ قادرون، وبلغ حب اليهود موسى مبلغاً حتى جعلوا يعظمون اسمه كما يعظمون اسم الله العلي العظيم، ثم خلعوا شيئاً من هذا التعظيم الذي هو أشبه شيء بالعبادة على عزرا، منقذ حياتهم وشريعتهم على عهد الأسرة الكنعانية.
فلما أظهر عيسى، لم تجد فكرة وحدانية الله والاعتقاد بأن فوق الكون إرادة عظيمة مسيطرة بقوتها وعظمتها قبولاً وتصديقاً ورضى إلا من شعب واحد وهم عبدة يهوذا بل لم تلبث لديهم كذلك أن ضعفت واختلط جوهرها بما دخل عليها من جراء الامتزاج بالأمم الوثنية، أو ما جاء إليها من الفلاسفة الوثنيين. وكذلك كان الهنود على فرط ما عندهم من آلهة.
стр. 2590
وعلى كثرة أربابهم ومعبوداتهم، والمجوس وما كان بينهم من تنازع إلهين على السيادة ومصارعة ربين على السلطان والعبادة، واليونان والرومان والمصريون ومتاحفهم مفعمة بصور الآلهة ودمى الأرباب. وإن كانت آداب تلك الآلهة أحط من آداب الذين كانوا يعبدونه، يوم ظهر عيسى ﵇، وكذلك حالة الدنيا المتحضرة يوم بدأ المسيح ينشر تعاليمه، ويدعو إلى الله دعوته، ولقد كان ذهنه على فرط أمانيه الجميلة التي كان يريد تحقيقها في هذا الكون الأرضي، وآماله وعلالات نفسه ومقاصده ومبادئه العالية، خلواً مما نسبه إليه أتباعه من تلك الدعوى الكاذبة التي ألصقوها به إلصاقاً فهو لم يدع أنه روح القدس ولم يقل أنه كان لله ولداً، حتى أن المسيحية الكمالية العصرية في هذا الزمن المهذب، والعهد المتحضر، لم تستطع على اليوم التخلص من تلك الوراثة القديمة والعقيدة المنحدرة إليهم من العهود الماضية، والمزاعم التي ورثوها عن أولئك الذين كانوا يشبهون الله بالناس وينسبون إليه الصفات الآدمية، في الحقب السالفة، وقد مضى الجيل بعد الجيل، وتعاقبت القرون أثر القرون، حتى أخرج الناس كل شيء آدمي إنساني، من تاريخ ذلك النبي العظيم ومحوا منه كل صفة إنسانية أرضية، حتى أضحت شخصيته مختفية وراء حجب وسحائب من الأقاصيص والترهات.
وأنت تعلم أن كثيرين من الناس تأبى عليهم أذهانهم القصيرة، وأبصارهم الحسيرة من جراء عجزهم عن الشعور بقرب الله العلي الأسمى، على منال أعينهم ومستشرف أنظارهم، أن يبحثوا عن (محل استراحة) في وسط الطريق بين الله والناس فيخصوا إنساناً بالعبادة، وينادوا به إلهاً، وهذا هو السبب الذي جعل المسيحية الحاضرة تلقب أمراً خيالياً بالألوهية وتكسوه اللحم والعظم وتعبده كأنه إنسان إلهي.
ونحن ننكر إنكاراً باتاً أن عيسى ادعى يوماً من اليام أو مرة من المرات أنه ابن الله بالمعنى الذي أوله زعماء المسيحية ورجالاتها وقد أبان الشاعر الأديب النقادة العظيم ماتيو أرنولد أن كتاب العهد الجديد - الإنجيل - لا يصح من كثير من الوجوه الاعتماد عليه.
ولئن فرضنا أنه قال تلك العبارة التي نسبت إليه فهل يثبت ذلك أنه ادعى حقاً أنه ابن الله، أو لم يسمع أهل المسيحية بنبأ ذلك (الدرويش الشرقي) المشهور باسم الحلاج الذي ادعى أن الله بذاته وجعل يقول (أنا الحق. . .) فما كان من زعماء المسلمين والمتنطعين في
стр. 2591
الدين إلا أن حكموا عليه بالكفر وأهدروا دمه.
وكذلك أزاحوا من الأرض مخلوقاً مسكيناً التهب قلبه بنار فكرة غامضة ولا يزال البابي يعتقد أن سيده ومولاه الباب إلى الحياة الأبدية، لم يقتل وإنما رفع إلى السماء بمعجزة، فهل يعقل أن أبا مغيث الحلاج والبابي إذا أسميا نفسيهما الحق والباب كانا يقصدان بهذه التسمية إلى أنهما روحان من الله، ولو أنهما كانا حقاً يعنيان ذلك فهل كان ادعاؤهما ذاك دليلاً وبينة، وحجة وإثباتاًَ، ولكنا نقول كما ذكرنا من قبل أن عيسى - على ما علمنا من مبادئه إذا نحن خلصنا بها نجيا من شوائب أتباعه وما أدخلوه عليها - لم يستخدم أي تعبير يبرر الدعوى التي حاول الناس إلصاقها به، بل أإن فكرته من جهة أبوية الله تشمل الإنسانية جمعاء إذ كان بنو آدم كافة أبناء الله وكان عيسى رسول الله إلى أنبائه، ولذلك نقول أنه قد كان نصب عين المسيحي مثلاً صالحاً، واسوة طيبة، وكان أحق بتعاليم بني الناصرة أن تسمو به وترتفع إلى عقيدة أظهر وفكرة أنقى من ناحية الخالق، ولكن مضت ستة قرون فحاطت شخص سيدنا المسيح بهالات وسحائب وغمائم من الغموض والخرافة كانت على نقيض كلمه التي قال، ودعوته التي دعا، وتعاليمه التي علم، حتى جعلته تلك الخرافات مظهراً لله، وحتى اتخذ الرسول مكان سيده في عبادة الدنيا، أما الجماهير والعوام فلعجزهم عن إدراك هذا المزيج من تعاليم المسيح بما دخل عليها من الشوائب راحوا يعبدون عيسى كأنه رب مجسم وإله في صورة إنسان وعادوا إلى العبادة الأولى الوثنية من احترام الآثاؤر واعتبار مريم العذراء إلاهة، وهكذا نرى أن المسيحيين انحرفوا عن بساطة تعاليم الناصري فأضحت عبادة الصور والقديسين والآثار والأيقونات مختلطة بالدين المسيحي اختلاطاً لا انفصال عنه ولا غناء وعادت العبادات الأولى التي جاء لهدمها والمناقص التي سعى إلى حربها، رويداً رويداً فدخلت في دينه وتكونت منها عقيدة قومه.
قبالة هذه الحماقات كلها التي ذكرناها، نهض محمد وجعل نصب عينيه محاربتها وتعفية آثارها، وقام وصوت الحق يتردد في حنايا ضلوعه ووحي الله يملأ شغاف قلبه بين صفين من الناس بين قبائل من العرب عبدة أوثان وصور ودميات، وبين أتباع المسيحية المغشوشة وأهل الموسوية المشوبة، وانبرى سيد البلغاء كما سماه الناس بحق، فلم ينحرف مطلقاً ولم يحد شعرة واحدة عن حدود العقل، فجعلهم جميعاً ندون خجلاً ويستشعرون
стр. 2592
الخزي من قبح ما هم فيه وسوء ما يعبدون. وكذلك كان محمد رأس الدعاة إلى وحدانية الله، ينهض في التاريخ خير مجاهد في الله. وأكبر محارب لنكوص الإنسانية على أعقابها تريد أن تجعل مع الله شركاء سبحانه وتعالى عما يصفون. وأنت لا تني تجد في كل قطعة أو سورة من القرآن آيات حارة تلتهب التهاباً. نثبت هنا شيئاً منها - جاء في السورة الثانية: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم - إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون. ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله﴾.
فانظر ما أروع وما أعمق هذه العاطفة التي ينادي بها القرآن أهله إزاء هؤلاء المشركين.
وجاء في السورة الثالثة عشرة: ﴿وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينشيء السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم لا يجادلون في الله﴾ الآية: ثم انظر آية الكرسي: ثم انظر آية ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة في مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار - نور على نور - يهدي الله لنوره من يشاء﴾ الآية.
وكذلك تجد هذا الكتاب القيم مفعماً بهذا الآيات البينات. ينادي أنبل ما في الإنسان من عواطف ويتغلغل إلى لبه وصميمه. ولا تكاد سورة تخلو من آيات بينات تدور حول إظهار عظمة الله ورحمته ووحدانيته. وقد أساء كتاب المسيحية فهم عقيدة المسلمين في ربهم فقالوا أن المسلمين مثلوا ربهم مستبداً طاغية لا رحمة لديه. يلعب بالإنسانية لعب اللاعب بحجارة الشطرنج ويجري الحجارة كيف شاء دون أن يحسب لعذابها حساباًُ فلننظر مكان هذه التهمة من الصحة إن إله الإسلام هو العليم العادل رب العالمين خالق السموات والأرض وهو كذلك الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار وهو كذلك الحليم الغفور الشكور. إلى آخر أسماء الله الحسنى بل إن اتصافه بالرحمة لا تزال نغمة من أجمل نغمات القرآن. بل لا تزال كل سورة من الكتاب تفتتح باسم الله الرحمن الرحيم. . .
стр. 2593
تم الفصل الأول الذي هو كالمقدمة لما يليه من سائر الفصول. .
انتظروا الأعداد القادمة.
стр. 2594
محمد رسول الله
رأي شاعر من أكبر شعراء الفرنجة
العظيم أعرف الناس بالعظيم. والعظمة متقابلة في العالم متفاهمة. وإن عدا بعضها على بعض. أو مشى بالكراهية عظيم إلى عظيم. أو حقدت عظمة على أخت لها. وقد أدرك كثيرون من أبطال كتاب الفرنجة وفريق من عظمائهم وساداتهم. حق سيد المرسلين - محمد بن عبد الله - من العظمة وجلاله من النبوة. ومكانه من هداة الإنسانية فوثبوا إلى الدنيا بكتب جميلة عنه. وحشدوات الثناء بالخير عليه. ولم يتركوا قطعة من حياته. أو حادثاً من أحداث تاريخه إلا أخذوها بالشرح والتحليل. فانتصفوا له من أولئك الذين عميت بصائرهم فما رأوا جلاله. وأغلقت قلوبهم باكنة فما فقهوا عظمة ولا قدراً. وحسبك ما كان من الفيلسوف توماس كارليل في كتاب الأبطال فقد جاء بالعجب العجاب. وحشد للنبي الثناء المستطاب. وانطلق يفيض بتلك الشاعرية الكارلايلية الثرة الجياشة. ويتبسط في الإنصاف. ويذود عن النبي تهم الجهلاء. ويرفع محمداً ﷺ إلى منزلته من سادة الكون.
وقد كنا لا نعلم أن وراء كارليل، في ناحية أخرى بعيدة شاعراً آخر. كان أبدع من كارلايل هذا وأورع. وهو شاعر ملأ شعره الأسماع ومصور للقلوب والعواطف صناع. ألا وهو الشاعر لامارتين سيد شعراء الفرنسيس وأكبر روائييهم وساستهم وكان النجم المتألق في دولة الشعر والكوكب المزهر في دولة ذلك العصر. فقد قرأنا له في الأيام الأخيرة تاريخاً وضعه عن عظماء الشرق. وافتتحه بسيد المرسلين فمضى فيه على خير ما يمضي المؤرخ العدل والحكم المنصف. وأنت تعلم أن الشاعر قطعة صغيرة من النبي. وأنه نصير من أنصاره. ومزمار من مزاميره ونغمة من نغمه. والشاعر يناجي القلوب والنبي يمس بنبوته ورسالته الأفئدة. على القلوب الإنسانية يجتمع الشاعر والنبي، وأنا النبي فيسكن ناحية منها فلا يخرج منها إلا مع الأنفاس الأخيرة ومحتضر الموت. والشاعر قد ينزل منزلاً أنيقاً من القلوب. ثم لا يني يخرج منها ليحل بعده شاعر أبلغ منه قصيداً، وأحلى منه شعراً وقريضاً. فلا تعجب أن ترى لامارتين قلباً من أكبر قلوب الدنيا. فتجلى عن عظمة ملأت آثارها الأرض. وذاعت في كل ركن من الحياة.
стр. 2595
ونحن ننقل القطعة الأخيرة من الكتاب. وهي جماع القول وفصل الخطاب: قال الشاعر لا مارتين:
أترون محمداً كان أخا خداع وتدليس، وصاحب باطل ومين، كلا بعد ما وعينا تاريخه، ودرسنا حياته. فإن الخداع والتدليس والباطل والمين كل أولئك من نفاق العقيدة. وليس للنفاق قوة العقيدة. كما أن ليس للكذب قوة الصدق والحق. وإذا كانت قوة الصعود والمرمى في عالم الطبيعة والحركات الآلية هي المقياس الصحيح لقوة المصدر الذي تنفذ منه الرمية، ويظهر في الأفق من القذيفة. فإن العمل والفعل الذي يحدثه المحدث في علم التاريخ، وسجل الخلود. وكتاب الإنسانية هو المقياس الصحيح لمقدار الوحي. وقوة القلب والوجدان والفكرة السامية العالية التي تنفذ إلى مكان بعيد. وتبقى زمناً طويلاً. وتمشي في الحياة أبداً رخياً. وهي ولا ريب فكرة قوية صدرت من جنان قوي ولكي تكون تلك الفكرة قوية ينبغي أن يكون ظاهرها وباطنها الإخلاص وعلمها الأكبر الحق والصدق. وتروح معقولة يقبلها اللب. ويعتمدها الذهن. ولا ريب أن ذلك ينطبق على محمد ورسالته والوحي الذي تنزل عليه فإن حياته وقوة تأمله وتفكيره وجهاده ووثبته على خرافات أمته، وجاهلية شعبه، وخزعبلات قبيله، وشهامته وجرأته وبأسه في لقاء التعذيب الذي لقيه من عبدة الأوثان. وثباته وبقاءه خمسة عشر عاماً يدعو دعوته وسط أعدائه وبهرة خصومه في قلب مكة وندواتها ومجامع أهلها. وتقبله سخرية الساخرين. وهزؤه بهزؤ الهازئين وحميته في نشر رسالته وثباته وتوفره عليها، وحروبه التي كان صفه فيها أقل نفيراً من عدوه وأصغر عدداً، ووثوقه بالنجاح، وإيمانه بالظفر وإعلاء كلمته، واطمئنانه ورباطة جأشه في الهزائم، وأناته وصبره حتى يحرز النصر، وطماعيته وتطلعه إلى إعلاء الكلمة، وتأسيس العقيدة، لا فتح الدول، وإنشاء الإمبراطورية، وإقامة القيصرية، ونجواه التي لم تنقطع مع الله، وموته وقبض الله إياه إلى جواره، ونجاح دينه بعد موته كل أولئك أدلة على أنه لم يكن يضمر خداعاً أو يعيش على باطل ومين، بل كان وراءها عقيدة صادقة، ويقين مضيء في قلبه، وهذا اليقين الذي ملأ روحه هو الذي وهبه القوة على أن يرد إلى الحياة فكرة عظيمة وحجة قائمة، ومبدأ مزدوجاً، وهو وحدانية الله وتجرد ذاته عن المادة، الأولى تدل عمن هو الله. والثانية تنفي ما ألصق الوثنيون به، والأولى حطمت آلهة كاذبة، ونكست معبودات
следующие страницы →