Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
الدين إلا أن حكموا عليه بالكفر وأهدروا دمه.
وكذلك أزاحوا من الأرض مخلوقاً مسكيناً التهب قلبه بنار فكرة غامضة ولا يزال البابي يعتقد أن سيده ومولاه الباب إلى الحياة الأبدية، لم يقتل وإنما رفع إلى السماء بمعجزة، فهل يعقل أن أبا مغيث الحلاج والبابي إذا أسميا نفسيهما الحق والباب كانا يقصدان بهذه التسمية إلى أنهما روحان من الله، ولو أنهما كانا حقاً يعنيان ذلك فهل كان ادعاؤهما ذاك دليلاً وبينة، وحجة وإثباتاًَ، ولكنا نقول كما ذكرنا من قبل أن عيسى - على ما علمنا من مبادئه إذا نحن خلصنا بها نجيا من شوائب أتباعه وما أدخلوه عليها - لم يستخدم أي تعبير يبرر الدعوى التي حاول الناس إلصاقها به، بل أإن فكرته من جهة أبوية الله تشمل الإنسانية جمعاء إذ كان بنو آدم كافة أبناء الله وكان عيسى رسول الله إلى أنبائه، ولذلك نقول أنه قد كان نصب عين المسيحي مثلاً صالحاً، واسوة طيبة، وكان أحق بتعاليم بني الناصرة أن تسمو به وترتفع إلى عقيدة أظهر وفكرة أنقى من ناحية الخالق، ولكن مضت ستة قرون فحاطت شخص سيدنا المسيح بهالات وسحائب وغمائم من الغموض والخرافة كانت على نقيض كلمه التي قال، ودعوته التي دعا، وتعاليمه التي علم، حتى جعلته تلك الخرافات مظهراً لله، وحتى اتخذ الرسول مكان سيده في عبادة الدنيا، أما الجماهير والعوام فلعجزهم عن إدراك هذا المزيج من تعاليم المسيح بما دخل عليها من الشوائب راحوا يعبدون عيسى كأنه رب مجسم وإله في صورة إنسان وعادوا إلى العبادة الأولى الوثنية من احترام الآثاؤر واعتبار مريم العذراء إلاهة، وهكذا نرى أن المسيحيين انحرفوا عن بساطة تعاليم الناصري فأضحت عبادة الصور والقديسين والآثار والأيقونات مختلطة بالدين المسيحي اختلاطاً لا انفصال عنه ولا غناء وعادت العبادات الأولى التي جاء لهدمها والمناقص التي سعى إلى حربها، رويداً رويداً فدخلت في دينه وتكونت منها عقيدة قومه.
قبالة هذه الحماقات كلها التي ذكرناها، نهض محمد وجعل نصب عينيه محاربتها وتعفية آثارها، وقام وصوت الحق يتردد في حنايا ضلوعه ووحي الله يملأ شغاف قلبه بين صفين من الناس بين قبائل من العرب عبدة أوثان وصور ودميات، وبين أتباع المسيحية المغشوشة وأهل الموسوية المشوبة، وانبرى سيد البلغاء كما سماه الناس بحق، فلم ينحرف مطلقاً ولم يحد شعرة واحدة عن حدود العقل، فجعلهم جميعاً ندون خجلاً ويستشعرون
стр. 2592
الخزي من قبح ما هم فيه وسوء ما يعبدون. وكذلك كان محمد رأس الدعاة إلى وحدانية الله، ينهض في التاريخ خير مجاهد في الله. وأكبر محارب لنكوص الإنسانية على أعقابها تريد أن تجعل مع الله شركاء سبحانه وتعالى عما يصفون. وأنت لا تني تجد في كل قطعة أو سورة من القرآن آيات حارة تلتهب التهاباً. نثبت هنا شيئاً منها - جاء في السورة الثانية: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم - إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون. ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله﴾.
فانظر ما أروع وما أعمق هذه العاطفة التي ينادي بها القرآن أهله إزاء هؤلاء المشركين.
وجاء في السورة الثالثة عشرة: ﴿وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينشيء السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم لا يجادلون في الله﴾ الآية: ثم انظر آية الكرسي: ثم انظر آية ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة في مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار - نور على نور - يهدي الله لنوره من يشاء﴾ الآية.
وكذلك تجد هذا الكتاب القيم مفعماً بهذا الآيات البينات. ينادي أنبل ما في الإنسان من عواطف ويتغلغل إلى لبه وصميمه. ولا تكاد سورة تخلو من آيات بينات تدور حول إظهار عظمة الله ورحمته ووحدانيته. وقد أساء كتاب المسيحية فهم عقيدة المسلمين في ربهم فقالوا أن المسلمين مثلوا ربهم مستبداً طاغية لا رحمة لديه. يلعب بالإنسانية لعب اللاعب بحجارة الشطرنج ويجري الحجارة كيف شاء دون أن يحسب لعذابها حساباًُ فلننظر مكان هذه التهمة من الصحة إن إله الإسلام هو العليم العادل رب العالمين خالق السموات والأرض وهو كذلك الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار وهو كذلك الحليم الغفور الشكور. إلى آخر أسماء الله الحسنى بل إن اتصافه بالرحمة لا تزال نغمة من أجمل نغمات القرآن. بل لا تزال كل سورة من الكتاب تفتتح باسم الله الرحمن الرحيم. . .
стр. 2593
تم الفصل الأول الذي هو كالمقدمة لما يليه من سائر الفصول. .
انتظروا الأعداد القادمة.
стр. 2594
محمد رسول الله
رأي شاعر من أكبر شعراء الفرنجة
العظيم أعرف الناس بالعظيم. والعظمة متقابلة في العالم متفاهمة. وإن عدا بعضها على بعض. أو مشى بالكراهية عظيم إلى عظيم. أو حقدت عظمة على أخت لها. وقد أدرك كثيرون من أبطال كتاب الفرنجة وفريق من عظمائهم وساداتهم. حق سيد المرسلين - محمد بن عبد الله - من العظمة وجلاله من النبوة. ومكانه من هداة الإنسانية فوثبوا إلى الدنيا بكتب جميلة عنه. وحشدوات الثناء بالخير عليه. ولم يتركوا قطعة من حياته. أو حادثاً من أحداث تاريخه إلا أخذوها بالشرح والتحليل. فانتصفوا له من أولئك الذين عميت بصائرهم فما رأوا جلاله. وأغلقت قلوبهم باكنة فما فقهوا عظمة ولا قدراً. وحسبك ما كان من الفيلسوف توماس كارليل في كتاب الأبطال فقد جاء بالعجب العجاب. وحشد للنبي الثناء المستطاب. وانطلق يفيض بتلك الشاعرية الكارلايلية الثرة الجياشة. ويتبسط في الإنصاف. ويذود عن النبي تهم الجهلاء. ويرفع محمداً ﷺ إلى منزلته من سادة الكون.
وقد كنا لا نعلم أن وراء كارليل، في ناحية أخرى بعيدة شاعراً آخر. كان أبدع من كارلايل هذا وأورع. وهو شاعر ملأ شعره الأسماع ومصور للقلوب والعواطف صناع. ألا وهو الشاعر لامارتين سيد شعراء الفرنسيس وأكبر روائييهم وساستهم وكان النجم المتألق في دولة الشعر والكوكب المزهر في دولة ذلك العصر. فقد قرأنا له في الأيام الأخيرة تاريخاً وضعه عن عظماء الشرق. وافتتحه بسيد المرسلين فمضى فيه على خير ما يمضي المؤرخ العدل والحكم المنصف. وأنت تعلم أن الشاعر قطعة صغيرة من النبي. وأنه نصير من أنصاره. ومزمار من مزاميره ونغمة من نغمه. والشاعر يناجي القلوب والنبي يمس بنبوته ورسالته الأفئدة. على القلوب الإنسانية يجتمع الشاعر والنبي، وأنا النبي فيسكن ناحية منها فلا يخرج منها إلا مع الأنفاس الأخيرة ومحتضر الموت. والشاعر قد ينزل منزلاً أنيقاً من القلوب. ثم لا يني يخرج منها ليحل بعده شاعر أبلغ منه قصيداً، وأحلى منه شعراً وقريضاً. فلا تعجب أن ترى لامارتين قلباً من أكبر قلوب الدنيا. فتجلى عن عظمة ملأت آثارها الأرض. وذاعت في كل ركن من الحياة.
стр. 2595
ونحن ننقل القطعة الأخيرة من الكتاب. وهي جماع القول وفصل الخطاب: قال الشاعر لا مارتين:
أترون محمداً كان أخا خداع وتدليس، وصاحب باطل ومين، كلا بعد ما وعينا تاريخه، ودرسنا حياته. فإن الخداع والتدليس والباطل والمين كل أولئك من نفاق العقيدة. وليس للنفاق قوة العقيدة. كما أن ليس للكذب قوة الصدق والحق. وإذا كانت قوة الصعود والمرمى في عالم الطبيعة والحركات الآلية هي المقياس الصحيح لقوة المصدر الذي تنفذ منه الرمية، ويظهر في الأفق من القذيفة. فإن العمل والفعل الذي يحدثه المحدث في علم التاريخ، وسجل الخلود. وكتاب الإنسانية هو المقياس الصحيح لمقدار الوحي. وقوة القلب والوجدان والفكرة السامية العالية التي تنفذ إلى مكان بعيد. وتبقى زمناً طويلاً. وتمشي في الحياة أبداً رخياً. وهي ولا ريب فكرة قوية صدرت من جنان قوي ولكي تكون تلك الفكرة قوية ينبغي أن يكون ظاهرها وباطنها الإخلاص وعلمها الأكبر الحق والصدق. وتروح معقولة يقبلها اللب. ويعتمدها الذهن. ولا ريب أن ذلك ينطبق على محمد ورسالته والوحي الذي تنزل عليه فإن حياته وقوة تأمله وتفكيره وجهاده ووثبته على خرافات أمته، وجاهلية شعبه، وخزعبلات قبيله، وشهامته وجرأته وبأسه في لقاء التعذيب الذي لقيه من عبدة الأوثان. وثباته وبقاءه خمسة عشر عاماً يدعو دعوته وسط أعدائه وبهرة خصومه في قلب مكة وندواتها ومجامع أهلها. وتقبله سخرية الساخرين. وهزؤه بهزؤ الهازئين وحميته في نشر رسالته وثباته وتوفره عليها، وحروبه التي كان صفه فيها أقل نفيراً من عدوه وأصغر عدداً، ووثوقه بالنجاح، وإيمانه بالظفر وإعلاء كلمته، واطمئنانه ورباطة جأشه في الهزائم، وأناته وصبره حتى يحرز النصر، وطماعيته وتطلعه إلى إعلاء الكلمة، وتأسيس العقيدة، لا فتح الدول، وإنشاء الإمبراطورية، وإقامة القيصرية، ونجواه التي لم تنقطع مع الله، وموته وقبض الله إياه إلى جواره، ونجاح دينه بعد موته كل أولئك أدلة على أنه لم يكن يضمر خداعاً أو يعيش على باطل ومين، بل كان وراءها عقيدة صادقة، ويقين مضيء في قلبه، وهذا اليقين الذي ملأ روحه هو الذي وهبه القوة على أن يرد إلى الحياة فكرة عظيمة وحجة قائمة، ومبدأ مزدوجاً، وهو وحدانية الله وتجرد ذاته عن المادة، الأولى تدل عمن هو الله. والثانية تنفي ما ألصق الوثنيون به، والأولى حطمت آلهة كاذبة، ونكست معبودات
стр. 2596
كاذبة، والأخرى فتحت طريقاً جديداً إلى الفكر، ومهدت سبيلاً طريفة للنظر.
وأما الفيلسوف والخطيب والرسول والمشرع والقائد ومسعر الحرب وفاتح أقطار الفكر، وراد الإنسان إلى العقل، وناشر العقائد المعقولة المتفقة مع الذهن واللب، ومؤسس دين لا وثنية فيه ولا صور ولا رقيات، ومنشئ عشرين دولة في الأرض، وفاتح دولة واحدة في السماء، من ناحية الروح والفؤاد - فذلكم هو محمد. . .! فأي رجل لعمركم قيس بجميع هذه المقاييس التي وضعت لوزن العظمة الإنسانية كان أعظم منه، وأي إنسان صعد هذه المراقي كلها فكان عظيماً في جميعها، غير هذا الرجل.
تلك حسنة من حسنات الشاعر الفرنسي لامارتين، ولعلها ترجح بجميع أشعاره ودواوينه.
стр. 2597
الحياء
وصف الحيي - الفرق بين الحياء والخجل - تأثير الحياء في الإدراك والإحساس والحركة - تحليل الحياء تحليلاً بسيكولوجياً - الاحتفاظ بالكرامة - دقة الشعور - الحياء ليس بحالة نفسية مستمرة - وصف نوبة الحياء - هل الحياء فضيلة أم رذيلة - حب الحيي للكمال - الشفاء من الحياء
يرى الناظر في أحوال الناس وما يبدو عليهم من آثار الغرائز والملكات امرئ عليه سيماء الجد والوقار ومخايل الاحتشام والانقباض، يميل إلى العزلة وينفر من رؤية الناس فإذا اجتمع بأحد ولو كان من الذين طابت نفوسهم وزكت أرواحهم وتجملوا برقة الحاشية ولطف الجانب ألم به شيء من الوجل والقلق وضرب من الخوف والاضطراب بلا سبب معقول يدعو إلى استثارة هذه الحالات النفسية من مكامنها.
وإذا ضمه مجلس حافل ظل مطرقاً صامتاً لا يستطيع أن يزج بنفسه في غمار الحديث الذي يتجاذب الحضور أطرافه، تتولد الآراء السديدة في ذهنه ولكنه يبقى معقول اللسان لا يستطيع إلى إرسال الكلام سبيلاً. يريد النهوض والانصراف ولكنه لا يبرح قاعداً متململاً كأنما قد سمر إلى كرسيه أو كأن قدميه جمدتا فلا تستطيعان حمله.
فهذا المرء من المصابين بخلق الحياء، فالحياء هو الخوف من الناس وهو غير الخجل الذي هو شعور المرء بعار يلحقه منم جراء إتيانه فعلة ينكرها العرف.
وللحياء أسوأ الآثار على قوى النفس الثلاثة فيعدو عليها ويعرقل سيرها ويعطل وظائفها تعطيلاً، وبيان ذلك أنه يؤثر على إدراك المصاب فيجعله بطيئاً عاجزاً عن التفكير العميق والمضي مع سلسلة طويلة من المقدمات والنتائج. وإذا بوغت بقول تجده قد غص بريقه وتعذر عليه استحضار الجواب السديد في وقته حتى إذا خلا بنفسه تفجرت لديه ينابيع الأفكار وألفى مجال القول والأخذ والرد بعيد المدى متسع الجوانب جم المسالك والمذاهب.
ويؤثر الحياء على إحساس المصاب به فيجعله خليطاً مشوشاً من العواطف والمشاعر والانفعالات المتضاربة المتناقضة فلا يكاد يولد في سويداء نفسه إحساس حتى يزول سراعاً ليحل محله وهيهات أن يستقر على حال من القلق فما أسرع تقلب الحيي بين الحب والبغض والرضا والسخط، وما أقرب نقلته من الرجاء إلى اليأس ومن الفرح إلى الحزن. وإذا لقي في بعض المواقف ما يعد إهانة لم تتحرك في نفسه شهوة الغضب ولا تثور
стр. 2598
عاطفة الانتقام إلا شيئاً فشيئاً ورويداً رويداً ولعلها لا تبلغ أقصى مداها إلا بعد زوال البواعث التي اهتاجتها.
وكذلك تأثير الحياء في الحركة فإنه يرميها بالخطل والزلل فلا يحس الحيي الإتيان بأية حركة على وجهه ما دامت عيون الناس ترمقه حتى ولا إيماءة السلام أو قضم الطعام ولا يعمل الشيء إلا بيد عسراء شلاء تنبيء عن دخيلة أمره وتفصح عما انطوت عليه نفسه من الخجل والاضطراب.
وجملة القول أن الحياء يصيب قوى النفس في مقاتلها فيرمي الإدراك بالبله والإحساس بالبلادة والحركة بالخبل.
ولتعليل هذه الأعراض الغريبة نذكر طرفاً من تحليل نفسية الحيي لمعرفة أسرارها فنقول:
إنما يتولد الحياء من شعور المرء بعدم الإلفة بين قلبه وقلوب الناس وبعد ما بينهما من وجوه المشابهة والاتفاق فكأنما قلبه خلق في هذا العالم غريباً لا قرين له ولا أليف ولا أنيس، فكلما اشتد هذا الشعور ازداد الحيي خوفاً ووجلاً من الناس واشتط في طلب الفرار منهم والبعد عن وجوههم حتى إذا أتاحت له الأقدار قلوباً رحيمة مشفقة تشابهت وإياه في أساليب التفكير وخفقت بالعواطف والمشاعر الواحدة ألفها ووثق بها وركن إليها ولم يجد عند اجتماع بهم ذلك المضض والقلق الذين يشعر بهما عند اجتماعه بغيرهم، وهذه الحالة هي التي لمحها الشاعر في ثنايا نفسه فوصفها بقوله:
فيّ انقباض وحشمة فإذا ... صادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم
فأهل الوفاء والكرم الذين يعنيهم الشاعر إنما هم أهل مودته ومن ارتبط قلبه بقلوبهم برباط من الإلفة والثقة والولاء. فإذا فارقهم وعاشر غيرهم عاد إلى سيرته الأولى من الانقباض والاستحياء.
فأنت ترى مما تقدم أن الحيي امرؤ شديد الخيال يرى نفسه فوق نفوس الناس جميعاً ولذلك لا ترضيه أحوالهم وأطوارهم ومذاهبهم وطرائقهم في الحياة وكيف ترضيه وهو لا يعجبه إلا الكمال المطلق في كل شيء ويصور له يخاله أسلوباً للحياة لن تصل إليه الإنسانية قط. ثم أنه يحب ذاته حباً جماً ويحتفظ بكرامته وكل ما يتعلق بشخصيته أيما احتفاظ ويضن بها
стр. 2599
أن ينال منها حاسد أو جاهل ويطير لبه شعاعاً وتأخذه نوبة الحياء كلما خشي شيئاً من ذلك. فهذا هو سر نفاره من الناس اللهم إلا من أولئك الذين لا يتناولون أفكاره وأقواله وعواطفه وأعماله بالنقد والتجريح والنعي عليها بالتصريح أو بالتلويح من خاصته وأهل مودته ممن تقدمت الإشارة إليهم.
حكى جان جاك روسو الكاتب والفيلسوف المعروف - وكان من أهل الحياء الشديد - فيما حكاه عن نفسه في كتابه (اعترافات) انه مر ذات يوم بحانوت فطائر وحلوى فاشتهى شيئاً منها وحدثته نفسه بالدخول في ذلك الحانوت لابتياع ما يريد ثم أحجم عن ذلك حياء إذ خيل إليه أن الفتيات البائعات تنظرن إليه بلحظات ملؤها السخرية وخشي أن يرمقنه وهو يقضم من تلك الفطائر بالنهم والتهالك في حب الحلوى، وهي خلة معروفة لدى الصبية والأطفال فأبت نفسه أن يلتاث بهذه اللوثة الشنعاء في نظره ورجع أدراجه ونفسه تكاد تذهب حسرات.
الحيي دقيق الشعور حتى كأن نفسه نفسان نفس تعمل ونفس تراقبه وتحاسبه على ما يأتي وما يذر، وهذا الشعور الملازم هو الذي ينبه لديه الأوهام والخيالات التي أشرنا إليها فتنبعث تبعاً لها العواطف المرتبطة بها من مراقدها بسرعة البرق فتؤثر على أعصابه فيبدو الخطل والاضطراب جلياً في حركاته وسكناته. وما زالت دقة الشعور قضية أهل الأدب والفضل وأرباب الوقار والحشمة فإنهم يحملون بين جوانحهم رقيباً عتيداً يميز بينهم وبين السوقة من ذوي الوجه الوقاح الذين لا يبالون لما يفعلون.
وكثيراً مت يخرج الحيي من حيائه ويخلع من عنقه ربقته ويقصي أحكامه الجائرة فتراه يأنس أحياناً بمن لا عهد له بمعرفتهم ولا مكانه لهم في نفسه فيفضي إليهم ببنات صدره ويبثهم آراءه وأفكاره وأمانيه ويندفع في الحديث فتنفجر المعاني في ذهنه وتجري على لسانه الكلم العذاب المتضمنة لطائف الحكم وروائع الإشارات وبدائع النكت. فإذا رأيته ساعتئذ حسبت أن ليس للحياء عليه من سلطان.
ذلك أن الحياء ليس حالة نفسية مستمرة فكلما غفل الشعور عن صاحبه صار إلى الحالة التي وصفناها فإذا استيقظ لأدنى سبب بدأت نوبة الحياء تدب في نفسه، وتمشي الاستحياء فيها تمشي الحميا في جسم الشارب.
стр. 2600
ولقد يخرج الحيي من انقباضه وانكماشه ويسترسل في الحديث ويذهب في كل مذهب حتى إذا حانت منه التفاتة فرأى خرقاً في بعض نواحي ثوبه لا تتبينه عين الرائي لتناهيه في الصغر خيل إليه أن عيون الجالسين ترقبه من كل صوب ومتوهم أنهم إنما يهزأون به ويسخرون من رقة حاله وفاقته ورثاته ثوبه فعندئذ تهب نوبة الحياء من غفلتها وتبدو بآثارها ومظاهرها.
وكثيراً ما يتفق لبعض الخطباء أو المحامين أو غيرهم ممن تقضي عليهم مهنتهم بالتكلم على ملأ من الناس أن ينظر إلى تلك النفوس التي ما عرفتها نفسه من قبل وما ألفها فيخشى من نقدها لما سيقول، واستصغارها له وعدم قدره حق قدره فيصعد الدم إلى رأسه ويحتقن في وجنتيه وترتعد فرائصه وتصطك أسنانه وتكاد رجلاه لا تقومان بحمله فتخور عزيمته ويصاب بالحصر، ثم يستعيد سكينته ورباطة جأشه شيئاً فشيئاً إلى أن تزول نوبة الحياء ويعود إلى حالته العادية وتنفتح أمامه أبواب القول.
أما الحكم على خلق الحياء هل هو عيب من العيوب الخلقية أم فضيلة يكرم صاحبها فقد اختلف فيه الكتاب والمفكرون والفلاسفة. ففريق يذهب إلى أنه مرض من الأمراض النفسية وأنه ضرب من ضروب الانحطاط وضعف الإرادة وفريق يرى أنه فضيلة من الفضائل وأنه يجري والعبقرية في مضمار واحد فما الحيي إلا شخص ساخط على حالة الكون ناقم على نظام الاجتماع متطلع إلى الكمال المطلق في كل شيء ففي باب العقليات لا يرضيه إلا العلم الغزير المترامي الأطراف المحيط بكل شيء الذي ينفذ من حجاب المادة الكثيفة إلى ما استتر وراءها من عالم الغيب. ومن وجهة الإحساسات لا يسبعه إلا اللذات الصافية من الشوائب التي لا يعقبها ألم أو تعب. والجمال الذي تعنو له الوجوه والأخلاق الفاضلة التي ليس للكذب والمخاتلة والطمع وما إلى ذلك من الدنايا الفاشية في الناس من سبيل إليها. ومن حيث المادة يشرئب إلى قوة جسدية دونها قوة الجبابرة وثروة طائلة يعد بجانبها قارون فقيراً معدماً. فإذا لم يكن في وسع الحيي أن يحقق تلك الأماني الكريمة التي تهجس في صدره فإن له على الأقل فضل التطلع إليهخا والتطاول نحوها.
وأكثر ما يصيب الحياء الإنسان وهو في مقتبل العمر وغضاضة الإهاب ثم تخف وطأته عنه شيئاً فشيئاً كلما تقدمت السن وازداد علماً بحقيقة الوجود وأمعن في تجاريب الحياة
стр. 2601
وعجم أعواد الحوادث.
محمد صادق
قال يحيى بن خالد البرمكي: ما رأيت باكياً أحسن تبسماً م القلم. وقال أبو جعفر وزير المستكفي: الأصاغر يهفون والأكابر يعفون. وقال: من عمل ما يحب لقي ما يكره. وقال مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية: كنزنا الكنوز فما وجدنا كنزاً أنفع من كنز معروف في قلب حر. وكتب إلى الخارجي الشيباني: أنا وإياك كالحجر والزجاجة إن وقع عليها رضها وإن وقعت عليه فضها. وعرض بظاهر الحيرة سبعين ألف فارس عربي ثم قال: إذا انقضت المدة لم تنفع العدة. وقال عبد الله بن المعتز: من لم يتعرض للنوائب تعرضت له. وقال: من أحب البقاء فليعد للنوائب قلباً صبوراً.
ومن بديع نوادر الشعراء المستملحة ما قاله الحمدوني في طيلسان بن خرب - وقد قال فيه قرابة أربعين مقطوعة لا تخلو واحدة منها على معنى نادر ومثل سائر فمن أطيبها قوله:
يا بن حرب كستني طيلساناً ... مل من صحبة الزمان وصدا
طال ترداده إلى الرفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدى
وقوله:
كم رفوناه إذ تمزق حتى ... بقي الرفو انقضى الطيلسان
стр. 2602
مسألة تحتاج إلى رأي الأزواج
عندما يخرج إلى هذا الكوكب الأرضي مخلوق من مخلوقات الله، يخرج كاملاً له بعض المقدرة والاستعداد، فعلى قدر بدنه وذهنه يستطيع أن يؤدي نصيباً معيناً من العمل، وعلى قدر قوة شهوته للطعام، يستطيع هضم جزء نسبي من المآكل ومواد الغذاء، وعلى قدر استعداد عواطفه ومنازعه يستطيع التصرف في قسط محدود من الحب، فأما قوته على زيادة هذا القسط، ومكنته من تعدي هذه الحدود فأمر من الريب والشك والغموض بمكان عظيم، على أنه قد دلت التجاريب وأثبتت المشاهدات من ناحية الناس عامة، وأهل الحب كافة، أن الحب يجنح دائماً إلى الهبوط، ولا يميل أبداً على الصعود، وأكثر ما يأخذ في الخفوق والقلة، وقلما يسترسل في الزيادة والكثرة، ولا يزال اهتياج عاطفة من العواطف في قلب من القلوب، يقابله جزء نسبي من الحب قد انتزع منه في وجهة أخرى، وناحية غير تلك الناحية، كأنما قد خلقنا الله ووهبنا حساباً معيناً وضع لنا في مصرف الحب حتى لا نستطيع أن نتجاوز في السحب المبلغ المحدد لنا في بنك الحب! فإذا صح هذا - وهو المعقول - نهضت مسألة تحتاج إلى النظر والبحث، وهي تدور حول التوزيع الواجب الذي ينبغي أن نقسم على نسبة الحب بين أولئك الذين يطالبوننا بحق الحب ويتوقعون منا نصيباً منها، ومن هذه الناحية نرى كثيرين من الناس صغار الأذهان يظلمون ويجورون بعض أولئك الذين يخصونهم بالحب.
لما اهتدى كل من الفتى نوربرت والفتاة فيولا إلى السحر الحلال الذي أحدث كل في فؤاد صاحبه، واكتشف تحت أشعة القمر وظلال الزيزفون، فتنة الحبيب لحبيبه، وروعة الأليف لأليفه، تنفس كل منهما أنفاساً حرى مستطيلة، من عجب وحيرة، وراحا يتساءلان كيف أمكن أن يحب كل منهما الآخر كل ذلك الحب وقد ذعر نوربرت وأجفل، شأن جميع المحبين إذ يدهشون عند الشعور بأول بوادر الحب الصادق، ولم يكن من قبل يدري أن للحب هذا الطعم وللهوى كل تلك الحاسة والفتنة، وراح حيران مذهولاً يتساءل: ماذا حدث لي، رباه ما الذي جرى فلم يلبث أن همس إله الحب في أذنه هو الحب يا أحمق!!
فقال الفتى لنفسه وهو يتنفس بصعوبة ويكاد يختنق من دهشة وعجب: أحقاً هو الحب؟ يا إله السموات، من أين حاء هذا الحب كله؟ فأجابه صوت في أعماق نفسه: هي التي أيقظته، ولكنه كان قبلها موجوداً بجميع مادته في فؤادك! فمضى يقول لنفسه كذلك،. فإذا
стр. 2603
كانت هي التي أيقظته فهو ولا ريب ملها خاصة، وحق من حقوقها وحدها.
وعلى ذلك راح يسلم فتاته فيولا مقادة حبه كله، ويهبه بجملته، لا بالقطاعي! ومضى يقول بلغة الشعر ولسان الهوى هاك حبي، وهو جميع ما أملك، أو ينتظر مني أن أملك، خذيه لنفسك، فهو لك ومتاعك وحقك الواجب!.
فأخذته الفتاة منه وتقبلت المنحة، وراحت مزهوة معجبة فخورة بالهبة والمنحة.
وأنت تعلم أن أعمال الرجل وجميع ما يصدر عنه لا مرد له عنها، ولا محيص، ولا يستطيع النزول عنها أو تركها وأما المرأة فقلما تجدها مصرة على عمل، عنيدة إزاء فعل من أفعالها، مستبدة من ناحية أمر من أمورها، ولعل ذلك لأن المرأة خلقت وهي تعرف ثلاثة أضعاف ما يعرفه أكبر الرجال ذكاءً وفهماً وإدراكاً، ولذلك لا ترى امرأة واحدة في الدنيا مسرفة في حبها أو تراها من جنون العاطفة والتبذير فيها بحيث تهب جميع حبها جملة واحدة، وقد تتظاهر بأنها تهبه كله مرة واحدة، ولكنها في الحقيقة لم تفعل شيئاً من ذلك، ولو أن لنا قوة نستطيع بها وصولاً إلى مفتاح الصندوقة التي تختزن فيها المرأة كنوز عاطفتها، إذن لاهتدت الإنسانية إلى أسرار عظيمة وعلمت ما ليس لها إلى علمه سبيلاً.
ومن فرحة العطاء وبهجة المنح، اعتقد نوربرت أنه قد أخذ قدر ما أعطى، ومنح قدر ما وهب، وأن كلاً منهما قد نقل شجرة الحب من فؤاده إلى أعشار قلب صاحبه.
ولكن تلك لم تكن الحقيقة، فإذا كان الفتى قد أعطى فيولا حبه، فإن الفتاة إنما أعارته فقط حبها، وقيدت هذه العارية في سحل من سجلات قلبها، وقد فعلت ذلك وهي لا تدري، وظل به هو جاهلاً، وهذا سبيل السعادة العظيمة المتألقة المشرقة التي نمت بينهما وفرعت أغصانها.
وكانت خطبات الزواج في عصرهما الذي عاشا فيه لا تتم بالسرعة التي تنتهي بها اليوم فأطاعا آداب العصر وتقبلا شرائع الجيل، وظلا سنتين رفيقين يمشيان جنباً لجنب ويداً في يد، وذراعاً مشتبكاً بذراع، وفي خلال العامين ظلا يتكلمان على فيض من البلاغة، وسحر من البيان، عن سلطان الحب.
ومضى يقول هلا: يا لك من فاتنة ساحرة رائعة!
ومضت تقول له: ويا لك من قوي شديد السر، إني أحبك لطول قامتك وقوة ذراعيك!.
стр. 2604
وكان يجيب: وأنا بك مفتون لصغر بدنك ونحافة جثمانك ولين عودك!.
فتروح ترنو إليه قائلة: أحق ما تقول!.
ثم يبتدئ فيض القبل، ويشتد وابل اللثمات، ثم إذ يسكت عن التقبيل يقول ما قاله الشاعر براوننج هل تراني وقفت وأنا أعتبر الميون من القبلات حداً ضئيلاً وألوف الألوف طفيفة قليلة.
وقد ينطلقان يوماً في البحث عن مقدار حب كل منهما لصاحبه وهو بحث كثيراً ما يدور على أفواه المحبين، فيمضي يقول: كم تحبينني. . وبأي قدر وإلى أي حد؟ فتجيب أحبك حجم القرش التعريفة) فيجيبها ضاحكاً وأنا أحبك حجم القطعة ذات الخمس (وإذ ذاك تزيد الحجم شيئاً فشيئاً حتى تقدر لحبها إياه حج الصحن الموضوع فوق غطاء الخوان فيحاول هو تحسين هذا الحجم وتكبيره فيضع لحبه حجم المنزل الذي يسكنه. وعند ذلك تسرف هي وتبذر في وضع الأحجام فتصف حبها في سعته بحجم البحيرة التي يتنزهان على ضفافها. وإذ ذاك يطرد جميع أوصاف الأرض ويتخذ لحبه مثالاً من الشمس أو القمر أو أي نجم من الأنجم الزهر قرأ شيئاً عنه في كتب الفلك!.
ولا يذهب الظن بك إلى أن تحسب العاشقين ضعيفي الذهن مجنونين ناقصي الإدراك، فإن نوربرت في العمل الذي كان يصيب منه الرزق كان يعد أعقل العقلاء ومن كبار أهل الألباب، وكان صافي الذهن، نشيطاً، وعده صاحب العمل الرجل القدير على الخطوب، الكفؤ لجميع الشؤون والأعباء، ولذلك يجب أن تعلم أن الحب والمنطق لم يكونا يوماً. ولن يكونا أبداً رفيقين متصاحبين. ولا يحب أحدهما أن يلعب أو يمشي مع الآخر، وكانت فيولا فتاة رزينة ذات حصاة ورباطة ووقار ذلك الوقار وتلك الرزانة التي لا تقلل من فتنة المرأة، بل تزيدها جمالاً وتهبها حسناً على حسنها، وكانت تدرك كيف ينبغي أن تؤدي عملها، وتحقق أن تنجزه على تلك الصورة ولكنها لم تكن متكلفة أو متظاهرة بنشاط، والمرأة التي تقوم على مطالب البيت وامتهان نفسها في حاجيات الدار، وتؤدي شؤونالمنزل كما يجب لا ينبغي لزوجها أن يهنئ نفسه بها كثيراً، بل أخلق به أن لا يبتهج ويطرب إلا إذا أدت جميع ذلك بلا مباهاة، ولا تكلف ولا تظاهر أو تفاخر، وإنما الأزواج الفاسد والذوق الجامد والإحساس البله المغفلون هم الذين يبتهجون عند رؤية شؤون البيت مدبرة على أتم
стр. 2605
ما تكون، وسهود بعولاتهم وهن يعدون في الحجرات متلبيات عن تلكلف، ويظهرن النشاط أمامهم عن مفاخرة واعتزاز.
ولم يكن يرى نوربرت شيئاً من ذلك بل يجد البيت مدبراً على أحسن ما يشاء التدبير، كأنه قد خلق لذلك وبقي كذلك.
وكان نوربرت يود لو يلتقي برجل يستطيع أن يقنعه بأن في السموات مكاناً خيراً من بيته الصغير الذي لا يزيد أجره في العام عن أربعين جنيهاً.
وقد كان هذا بالطبع بعد شهر العسل فقد نسيت أن أذكر أنهما تزوجا وزف الحبيب إلى نعمة عينيه وأليف نفسه وكان ذلك الشهر المعسول مفعماً بألوان عجيبة، كألوان غروب الشمس الزاهية المختلفة المتعددة التي إذا رآها الرائي لا يلبث أن يقول أنه ما كان يصدق أن لها هذا الجمال وتلك الروعة، لو أنه اطلع عليها في صورة صناعية خرجت من يد مصور ماهر.
وكان نوربرت إذا خرج من محل عمله الواقع في ربض من أرباض المدينة انطلق مسرعاً كالبرق، وجرى مستبقاً كالريح، غير متريث ليملك أنفاسه أو وجل خائف على صمامات قلبه، أو مكترث للسابلة الذين يصطدم بهم في طريقه بل يعدو عدواً سريعاً حتى يتهيأ له أن يركب في القطار فيصل إلى عشه الجميل قبل الموعد المضروب لوصوله ببضعة دقائق. فإذا نزل من عجلة الترام عند أقرب محطة من داره، انطلق يغني في هدأة المساء أغاني الحب والوجد.
وأنت تعلم أن المتزوجين لا يجدان تلك الفرص التي يجدها الخطيبان للكلام عن تلك التفاهات التي يكبر من شأنها الحب ولا يسمح لهما زمنهما بالإسراف في الأحاديث الصبيانية التي يبذلها العروسان عن جود وسخاء لمعرفة مقدار حب كل فرد منهما ومبلغ عاطفته بل أن لهما بسبيل ذلك ألف طريقة وطريقة لإظهار عمق حبهما وغور جانحتهما، ومن بين تلك الوسائل الحلوة العذبة اللذة الفاتنة التي كانت تظهر بها فيولا حبها لزوجها نوربرت، كانت هناك وسيلة هي أحبها جميعاً لى فؤاده.
وكان هو أسعد ما يكون من ناحيتها وأشد غبطة وهناء ذلك أن الله وهب ذلك الفتى شعراً ناعماً جميلاً يجري في ذوائب وتعاريج حلوة ونعومة لا قرين لها، ولا مثيل، وكان بهذه
стр. 2606
المنحة راضياً قرير العين، ولم يكن يأذن لأحد أن يضع يده فوق ذلك الشعر الأفحم الأثيت اللين الحريري إلا يد فيولا فقد راحت تلعب في خيوطه كما شاءت وشاء لها الدلال فاعتادت أن تأخذ في إصبعها أسلاكاً منه فتلفها وتجعدها وتفسد نظامها وتجعلها واقفة مستطيلة كمنقار الصقر ثم إذا تم لها ذلك أدنت فمها من تلك الأسلاك فقبلتها ولثمتها وأعادتها إلى سيرتها الأولى لثماً ودلالاً وحباً وعذوبة.
ولئن كانت هذه اللعبة من التفاهة بحيث نتصور، فما زالت في ذهن نوربرت دليلاً من أكبر أدلة الحب ومظهراً من مظاهر الجانحة التي تضطرب في فؤاد زوجه وأنت تعلم أن أولئك الذين يحبون إلى حد الهيام والشغف، يجعلون من التفاهات والحماقات الصغيرة أموراً كباراً خطيرة، واليوم الذي نفقد فيه النزوع إلى إحداث هذه التفاهات مع أحبابنا هو اليوم بعينه الذي يأخذ منه حبنا في الهبوط والضعف.
ولا حاجة لنا ولا ضرورة إلى ذكر مئات الألاعيب والتدللات والهناءات التي كانت تبعث نوربرت على الإسراع إذا انتهى عمله إلى بلوغ البيت، ولو أن احد الناس سأله شرح السبب وكشف الباعث، لما رغب في الكلام، ولما أقبل على الشرح والتفسير، ولو أن صديقاً من أصدقائه اعترض طريقه وهو في أشد جريه فسأله: علام الجري ولم العجلة يا أخي لما رضي أن يقول له: إنني مسرع إلى البيت لاحتضان زوجتي التي تدعوني دائماً بالغزال.
على أن هذه التسمية لا تتفق ولا تلائم نوربرت من جميع الوجوه، ولكن أين ذلك الرجل الذي لا يرضى بالاسم الذي يخرج من الشفتين اللتين يقطعهما لثماً وتقبيلاً.
ولا تحسبن أن القبل كانت هي وحدها اللذة الدائرة بينهما بل مضيا يتكلمان في أحاديث كثيرة الألوان، ويقرآن الصحف فيعجبان ويفرحان للأخبار أو يحزنان، وراحا يبحثان في أمور المستقبل والمستقبل كما تعلم بحث رحيب الصدر ولذلك لا تعجب إذا سمعت أنهما كانا وهما يتكلمان عن المستقبل يهبطان في أحضان بعضهما البعض ويقع كل في صدر صاحبه.
ولقد اعتاد نوربرت أن يجلس في المقعد الكبير الهزاز وفيولا مستندة إليه ويداها تلعبان في شعره الجميل وأحلامها وأمانيها المعسولة تصب فيضها في أذنيه.
стр. 2607
تقول: يا غزالي إنني لأود أن يكون الجنين أنثى! فهل تود ذلك أنت ايضاً؟
فيقول: ودي ودك. . ومشتهاي ومشتهاك.
فتعود قائلة: ولكت ألا تظن يا غزالي أنه لو كان ولداً لكان أحسن وأغلى وأعز!.
فيجيب: هو ذلك. بل سيروح آية العجب!.
فتسأله: وأنت فماذا تطلب حقيقة، أيهما تريد؟
فيقول: (أيهما) إني لا أيد أن أختار، كلهما عزيز جميل.
وإذ ذاك تنحني إليه فتقول: إني أحبك أيها الغزال، إني أراك حلواً عذباً فاتناً.!
فيمد يده فيأخذ راحتها فيبلغ بها خده ويروح يلاطفها أشد الملاطفة وهو يهمس في أذنها إذن فلتبقي على هذه الفكرة دائماً. . .!.
عندما يقول الطبيب للزوج المكفهر الوجه الواجم المرتعب أنه قد تم الحال على أحسن منوال وأنه قد أصبح والداً لوليد صحيح سليم. لا يني يردف هذه العبارة بأخرى وهو أن يذهب إلى عيادته فيحضر له الجعبة الفلانية أو الأدوية الفلانية. . وهي عادة قديمة يريد بها الطبيب أن يعد الزوج عن فراش زوجته النفساء، ويهيئ له ما يعمل حتى تتولى عنه الأفكار المزعجة، وهي عادة حمقاء طائشة قد يتبعها أذى، ولهذا ينبغي للأطباء إطراحها وإهمالها.
إذ يحسب الزوج المروع المسكين أن حياة زوجته وقف على إحضار تلك الجعبة الفلانية فيشتد ألم نفسه، ويعظم عذابه وتذهب نفسه شعاعاً وروحه حسرات وخفقات ولهفات.
وكذلك انطلق نوربرت لإحضار تلك الجعبة وأطلق ساقيه للريح فما وقف ولا أراح حتى بلغ عيادة ذلك الطبيب، وما تريث ولا ني وهو يعدو عائداً بالجعبة إلى البيت. وكان وهو يجري يؤدي لله فريضة وهي بين الدعاء والبكاء، والتضرع والنسيج فأما الدعاء فشكر لله وقنوت وحمد وتسبيح، وأما الدموع والعبرات فخوف وخشية وفرق. وسمعه الناس وهو يجري هامساً تتردد على شفتيه هذه الكلمات: الله يا رب يا رب طفل طفل اغنمها السلامة أغنمها السلامة وسمعه آخر، وكان الوقت في بكرة الصبح ومنبثق الفجر يقول: ويلاه لو أن حادثاً حدث، واحر قلباه لو وقع واقع.
ولا ريب أنه حدث حادث، وذلكم هو نزول وليد جديد إلى الدنيا ما كاد يهبط الأرض حتى
стр. 2608
طلب بصرخته الأولى الحلوة العذبة أن يوهب جزءاً عظيماً من الحب الذي ينعم به أبواه. والعبادة التي تجري في قلب الوالدين.
والحب والعبادة، كما تعلم، لا يزالان يشبهان كل شيء في العالم، فهما لا بد من أن يجيئا من مكان معين، ولا بد من أن يوزع بضائعهما شخص، وعلى شخص آخر أن يدفع ثمن الفاتورة فأما فيولا فقد وزعت هذه البضاعة وجاءت بالمتاع وكان الواجب على نوربرت أن يدفع الثمن فدفعه وهو لا يدري إذ ذاك أنه دفع شيئاً أو خسر شيئاً.
وأنت لا تجد في جميع روابط الخليقة رابطة أشد وآصرة هي أمتن من الطفل المولود للزوجين، ولئن كان هذا الوليد عيياً لا ينطق، أخرس لا يتكلم، ضعيفاً لا يستوي على قدميه، صغيراً عاجزاً مسكيناً، فهو لا يزال قادراً على أن يطفئ شعلة الحب أو يثير نارها، وهو يستطيع أن يحدث بصرخاته الصغيرة، وأعوالاته الضعيفة، ما لا تستطيع البلاغة أو يؤاتي السحر والبيان.
وأنتم ترون أن هذه قصة شخصين من أهل الدنيا يسميان نوربرت وفيولا، ولهذا ينبغي أن لا يأخذ الناس هذه القصة فيعدوها نظرية عامة، تنطبق على الدنيا كافة، فإن المتفق عليه إلى اليوم، والنظرية المسلم بها، والقضية المذعن إليها، هي أن الطفل هو الحلقة التي تربد الزوج وزوجه، والكماشة التي تمسك بالأبوين، فلا يفلتان ولا يتجافيان، وإن كان فريق عظيم من الناس ليسوا بحاجة إلى هذه الحلقة أو تلك الرابطة، لأنهما كانا مرتبطين ممتزجين متماسكين، قبل أن تظهر هذه الحلقة فتفصلهما عن بعضهما البعض، وإنما ينبغي في مثل هذه الشؤون أن تعرف مبلغ الحب الذي في مكنة الروح أن تهبه، والمقدار الذي تستطيع أن تصدره حتى يعم الزوج والطفل على السواء، وقد تجد الروح في بعض الأحيان عاجزة عن أن توزع الحب والعدل بالقسطاس المبين، وإذ ذاك لا يبقى على الروح إلا أن تسرق أحدهما لتعطي الآخر ولهذا نرى ألوفاً من الرجال يخطهم الشيب ويبين بياض الشيخوخة في فحمة رؤوسهم، ويعلو تاج المشيب تفاريق شعورهم، قبل أوان الشيب وعهد الشيخوخة، وترى العزاب والكارهين للزواج والمحتقرين حياة الأسرة، آخر الناس في إدراك المشيب، واشتعال الرأس بجلال ما في الشيخوخة من جلال.
وهكذا سرقت فيولا نوربرت لتهب إبنها ريشارد، وكان ريشارد آية من آيات الجمال
стр. 2609
فأنساها ابنها أنها سرقت من زوجها حبه فألقت به إلى وليدها.
أضحى ريشارد يسمى أسماء الدلال، وألقاب المناغات والتدليع وأضحى نوربرت الغزال سابقاً ينادى فقط بأبو العيال وهو لقب فرح به بعض الفرح وإن بدا من ناحيته في شيء من الاضطراب والألم.
وفي الأشهر الستة الأولى من مولد الباكورة الأولى للزوجين لا يجد الزوج فرصة تهيئ له معرفة مركزه في قلب زوجته لأنه يرى أن تلك الأشهر هي حق مطلق للطفل لا يشاركه فيه أحد سواه، ولكنه بعد أن تمضي تلك المدة ويعود الأمر إلى نصابه لا يلبث الزوج أن يقيس الفرق بينه زوجاً لا والداً، وبينه الآن زوجاً ووالداً!!.
وعرف نوربرت أن هناك حقيقة شيئاً من الفرق، ولكنه كان من الدقة والخفاء بحيث لا يدرك علانية، ولا يتجلى للأبصار، وأحس من طريق خفي أنه قد أصبح أكثر أهمية وأقل أهمية في آن واحد في وسط أسرته منه قبل مولد طفله.
فبدلاً من أن تلعب فيولا بذوائب شعره الأفحم الأثيث وتلثم خصلاته وأسلاكه وتطبع القبلات الحارة فوق وجنتيه. أصبحت اليوم تسأله رأيه في مسألة تهوية الحجرات والعناية الواجبة للأطفال وشؤون التدبير المنزلي، وفنون الشربة والفطرة والششم، ولئن كانت لا تزال فيولا تقبله وتلثم خديه كأنها تؤدي مأمورية من المأموريات وفريضة من الفرائض، فلقد كان الطفل هو الذي يظفر بالقبلات الحارة المجنونة، ويتنعم وحده بالعناق الشديد، ويتمتع بالأحضان العميقة الجياشة، واحتكر ذلك دون أبيه، وحل منها محله، وهو هو الذي كان يعدو من قبل في الطريق مطلقاً ساقيه للريح حتى يبلغ الدار للتمتع بها على آخر نفس.
ولا ريب في أن حب الأم وحب الأب مختلفان جد الاختلاف متباينان البون الشاسع، فأما الوالد فلديه نوعان من الحب تحت تصرفه، حب لزوجته، وحب لطفله وبنيه، ولا مشابهة بين الحبين، ولا مقابلة ولا مماثلة بين العاطفتين فأما حب المرأة فينبعث كله من معمل واحد وآنية واحدة، فإذا كانت سعة تلك الآنية صغيرة فلا بد أن يحرم أحد الشخصين المحبوبين من شيء من نصيبه وفي أغلب الأحيان الزوج. ويبعد أن يكون يوماً الطفل.
ومن هنا تدرك أن أفكار نوربرت كانت من هذه الوجهة في قلق وجزع فقد وقف حجاب
стр. 2610
بينه وبني العقل منذ مجيء الطفل إذ راح مبهوتاً يعجب ويتساءل ماذا يستطيع أن يفعل ليعيد مكانه سيرته الأولى ولكنه لم يجد جواباً ولم يهتد إلى حل ورأى وكاد أن يكاشف زوجته بما يكنه فؤاده ويطالبها بأن تعيد عهد تلك الحماقات الجميلة التي كان بها أسعد السعداء وأعز الناس غبطة وبهجة ولكنه إذ هم أن يبوح وقف الكلام متحيراً على شفتيه ولم يجد سبيلاًُ إلى الدخول على الاعتراف فلذلك أضمر حزنه في جوانحه وأخفى أساه في عاطفته ومشى يفكر في الطريق محزوناً مهموماً عند رجعته في العشي والأصائل إلى داره بعد الفراغ من عمله، ولما كان الإنسان لا يستطيع أن يفكر ويعدو في الطريق في آن واحد فقد أصبح يصل إلى القطار الذي يبلغ به الدار في منتصف السابعة من المساء بعد أن كان يصل البيت من قبل في منتصف السادسة.
بعد عامين من ذلك التاريخ رزق الله فيولا وليداً آخر وكان الوليد في هذه الدفعة بنتاً. ولما كانت لم تطلب مقداراً كبيراً من الحب كالولد وانتهى الحال بأن أصبح نصيب نوربرت من حب زوجته له وكانت من قبل مائة في المائة الربع أو أنقص منه قليلاً ولم يبق له من مظاهر ذلك الحب إلا الجزء الواجب والفرائض المطلوبة من المرأة لزوجها كالعناية بإعداد الطعام في أوانه وغسل أثوابه إذا احتاج إلى تغييرها والمشاطرة في البحث عن أعماله والإدلاء بالنصائح له عن شؤونه إذا استنصح الرجل أو استشار وفي مقابل ذلك أصبح نوربرت يظهر رأيه ويبدي فكره بكل حرية إذا ساءه أمر من أمور البيت فراح ينتقد الطهي يوماً إذا وجد منه ما لا يروقه ويتشفع بالتعب من عناء النهار إذا لم يعجبه الحديث ولم يستطب المناقشة.
ومضت فيولا تحب طفليها ومضى هو يحبهما كذلك أصبحت هي متسامحة تغضي عن هفوات زوجه أو هناته إذ كانت عليمة بأن الأزواج جميعاً هم على هذه الشاكلة وسواسية في هذه الهفوات، والحق يقال لقد كانت تلك الأسرة في منتهى البساطة وعادية ككل أسرة ولها أشباه ونظائر على الجانبين من كل حارة وعلى الصفين من البيوت القائمة في كل طريق.
ولقد اعتادت العمات والخالات والأقارب أن يزوروا البيت وما يفتأون يقولون له ما أجملها من زوجة فاتنة صغيرة، فكان نوربرت يجيب دائماً على هذه الملاحظات وأنا الذي اخترتها
стр. 2611
وأنا به عليم.
فكانوا يعودون فيقولون: إنها تحب طفليها كل الحب!.
فكان يطرق عند سماعه هذه الكلمات ويقول. . . كل الحب!.
ويعود الأقارب عنه وينصرفون معتقدين أنهم أحسنوا التعبير وأجادوا القول.
راح نوربرت ينظر إلى زوجته وهو جالس إلى مائدة العشاء. فعجب في نفسه إذ يرى أنها لا تزال حسناء فاتنة فقد مضى على عهد زواجهما عشرون عاماً وما زال يتجلى في عينيها بريق الشباب وذلك الضياء الجميل الذي كان يشرق منذ عهد بعيد يوم كان يمشي إلى جانبها وهي فتاة تحت أشعة القمر فاستند نوربرت في مجلسه واهتاجت الذكرى في صميم قلبه واستثار الحاضر ما كان من لذلذات الماضي وحلاوته ولكن لم يلبث أن أعاده صوت فتاته إلى الحاضر إذ مضت تقول عجباً لتصاريف القضاء في أي مكان سأكون في مثل هذا الوقت من الغد!.
فأجابتها أمها ستكونين ولا ريب بعيدة عنا أميالاً عظيمة ومسافة طويلة فمد الفتى ريتشارد ساقته وقد ظهر اليوم في الرداء العسكري وارتدى ثوب الضابط الجديد واستند إلى ظهر مقعده وقال في رنة أسى. وأين أكون أنا؟ ولكن خليق بنا أن لا نظهر شكاة أو نبدي جزعاً وفرقاً فإنه لولا عرس أختي ما استطعت أن أجد سبيلاً إلى طلب الإجازة والحضور من ميدان فرنسا لرؤيتكم.
فساد إذ ذاك سكون وجعت عين الأم تنظر بحب وإعجاب وزهو وخيلاء إلى ابنها الضابط الشاب الذي عاد من ميدان القتال لأجل غير طويل.
وعاد ريتشارد يقول: إنني أميل إلى الأعراس وأحب رؤية الزيجات ولعل باعث ذلك الجندية فهل تستطيع يا أبي أن تجد لي زوجة من الآن إلى الغد أن في طبيعتي مقداراً من الحب لا يحسن أن لا أدع إنسانة من خلق الله تناله.
فأجاب الوالد لا تجزع يا بني ولا تحفل بهذا فلا يلبث أن يتجلى لعينيك الشخص الذي سيأخذه منك وإذ ذاك يذهب الحب، أليس كذلك يا زوجة. .؟
فنظرت إليه زوجته شذراً وهي مندهشة متحيرة وإذ ذاك انبرت فيليس تقول: من أغرب الأمور أن أعيش بعيدة عنكم فهل ستستوحشون في غربتي؟ يا أماه؟ فهمت فيولا بأن تجيب
стр. 2612
ابنتها ولكن صوتها احتبس بين شفتيها.
فعادت الفتاة تقول: يا الك من والدة محبة محبوبة جميلة كريمة القلب!
فحبذ ريتشارد رأي أخته فقال: هذا حق يا أخية، إنها أم جميلة محبوبة أليست كذلك يا أبتي؟
فقال الوالد وهو في أشد الاضطراب: نهم. . نعم. . بالتأكيد!
فانبرت الفتاة فيليس: إذن فقل ذلك يا أبي وصرح به صراحة، إنك لا تقول جملة في هذا الشأن بقوة وتبيان.
فأجاب مذعناً مستسلماً: إنها أم محبوبة. . محبوبة. . جميلة كريمة القلب ها أنا قد قلتها!
ولا ريب في أن الليلة التي سيروح صبحها طالعاً ببين وافتراق بين فتاة ستفارق العش الذي فيه درجت إلى بيت العروس. وبين فتى سيعود إلى ساحة القتال وحومة الوغى. تمسي كثيرة الأحاديث ساهرة، ويدور فيها الكلام طويلاً. ويستفيض فيها البحث في شجون مختلفة الألوان ولما كانت كل هذه الأحاديث لا يتيسر شرحها والمساهمة فيها على مائدة العشاء فقط ولا في قاعة الاستقبال كذلك. فلا تعجب إذن أن يذهب الجميع إلى حجرات النوم فيجلس كل منهم على سرير ويروح في شعاب طويلة من القول. وأخير انطلق الفتى والفتاة إلى النوم ومشى الأب والأم يريدان منامتهما. وعند رأس السلم وقف نوربرت وقال: سأذهب فأدخن لفافة تبغ!
فنظرت إليه زوجته وقالت: أحقاً تردي ذلك؟ إذن فلك ما تشاء.
وكان في صوتها رنة اضطراب وتردد وحسرة ورأى منها ذلك فنظر إليها في دهشة وعجب.
فقالت وهي تستجمع جأشها لقد كنت الآن في عجب مما قلته في مائدة العشاء إلى ريتشارد وهو أنه سيذهب الحب. أليس كذلك. فهل تذكر؟
فأجاب: أذكر إنني قلت شيئاً أشبه بهذا؟
قالت: وماذا كنت تعني به؟
فأجاب: لا شيء. . كلام في كلام!
فقالت: لقد أدركت المعنى الذي كنت إليه تقصد والآن لتذهب إلى تدخين لفافتك أستودعك
стр. 2613
الله.
فأجاب متلعثماً: في حراسة الله.
ولثمها باضطراب.
قالت وهي تحتضنه إن ربطة عنقك ليست في مكانها!
ومدت يدها فأصلحت منها وهذبت شكلها وتبسمت عن أسى وحزن. وانطلقت إلى حجرتها فلما اختلى الرجل بنفسه نسي أن يشعل لفافة التبغ بل جلس أمام الموقدة مفكراً يلمس بأنامله ربطة عنقه التي أصلحتها يد زوجته ويذكر ابنه وابنته وهما سيفارقان العش غداة الغد.
ومضى الشهر التالي على أهدأ ما يكون الحال. فراح البيت صامتاً أخرس لا يرتفع فيه صوت. وقد عاش الزوجان وحيدين في خلاله بعيدين عن طفليهما حتى أدرك كلا منهما الحياء من صاحبه. وأضحى حديثهما غامضاً تافهاً لا غرض له ولا مقصد، وجعلا يقرآن الصحف بصوت مرتفع وهي العادة عندما لا يجد الجليسان موضوعاً للبحث أو كلاماً يتداولانه.
ففي ذات يوم وأنه لذاهب إلى محل عمله في الصباح كعادته، إذ تبعته فيولا إلى حجرة الثياب، فجاءت بمعطفه من المشجب وأمسكته له حتى يرتديه، وأعانته على الاشتمال به، وكان هذا ولا ريب عناية تافهة، ولكنها أثارت فيه ذكرى حارة وأحدثت لديه اضطراباً وقلقاً.
قال: لست أريد اليوم معطفاً.
فقالت: كلا. بل ينبغي أن ترتدي فإن الجو اليوم مبترد وينبغي أن تحترس من البرد.
قال: إذن فليكن. وأدخل ذراعيه في المعطف ومشى إلى الباب قائلاً: إلى الملتقى!.
فمشت بجانبه حتى أوصلته إلى باب البيت وراحت تسأله. ألم يعد القطار الذي يصلا المدينة عند منتصف الخامسة مساءً يجري اليوم بين المدينة والضاحية؟
فأجفل مذعوراً وقال: لا أدري ولكن لم هذا السؤال؟
قال: لا شيء إلا أنك اعتدت دهراً طويلاً أن تصل في ذلك القطار.
ألم يكن الأمر كذلك؟
стр. 2614
فأجاب: نعم. كان كذلك.
فعادت تقول: لقد كنت أظن الآن وقد ذهب الطفلان أنني أصبحت أستوحش غيابك.
فأجاب مرتبكاً: إذن سأجتهد. . إلى اللقاء. . .
وفي ذلك المساء دهش كثيرون من المارة، واستغرب جمع عظيم من السابلة إذ رأوا رجلاً كهلاً في أثواب نظيفة يجري على آخر نفس في الشارع.
وكان هذا الكهل الذي يعدو كأنه قد عاد طفلاً. وآض شاباً واستحال عريساً جديداً، هو نوربرت. فقد نهضت الذكريات البعيدة في صفحة ذهنه وخيل إليه أن العشرين عاماً التي مضت على زواجه لم تكن إلا حلماً في الكرى وإيماضة برق لامع. وكانت فيولا اعتادت في أوائل العهد بالزواج أن تجلس إلى النافذة فتطل منها مرتقبة مطلع زوجها المحبوب من ناصية الشارع وتناديه باسمه الجميل الذي خلعته عليه وهو الغزال. حتى لقد كان الجيران يسخرون منها ويعتبون عليها فيه وينتقدونها من أجله.
والآن جعل نوربرت يجري في الطريق وهو يسائل نفسه هل سيراها الآن بعد عشرين عاماً من جلستها تلك، واقفة بالنافذة تنتظر عودته وإذ ذاك أجابه صوت نفسه بأنها لا ريب لن تكون كذلك، فإن هذه الفكرة مضحكة مجنونة. على أنه ما كاد يلم بناصية الشارع الذي يحوي منزله حتى تطلع إلى النافذة فلم يجد أحداً. وإذ ذاك هدأ من أنفاسه ومشى مطرق الرأس إلى الباب فتحسس جيوبه ليرى مفتاح الباب. ولكنه لم يلبث أن رأى الباب قد انفتح وإذا بفيولا واقفة أمامه، ووجهها تعلوه صفرة الموت. وشفتاها ترتعشان وقالت متلعثمة وقد هجمت الدموع إلى عينيها ريتشارد وإذ ذاك عرف المعنى الذي أرادت أن تفصح عنه، فإن المصائب والأنباء السوء أصبحت تدرك اليوم بالإشارة. لا تحتاج إلى كثرة شروح وإفاضة حديث، وفي هذه المدنية العجيبة التي جاء بها القرن العشرون.
فقرأ التلغراف وهو جاف العين والحلق، ولم يستطع أحد منهما الكلام وجاءت الخادمة بعد برهة تعلنهما بأن العشاء قد تهيأ، فأخذ كل مجلسه من الخوان، ومرت ألوان الطعام أمامهما، فلم تمد إليه يد، ولم تمس صحفة من الصحاف، وعادا إلى حجرة الحديث فجلس هو في مقعد مطرق الرأس وجاءت هي وراءه، فوقفت، وحاولت فيولا الكلام فاحتبس المنطق في صوتها، ولكنها لم تلبث أن استجمعت قواها فقالت بعد جهد. . . لقد كنت خائفة عليه يوم
стр. 2615
ذهب للقتال.
فقال ولم يزد. . . أجل!
وساد السكون لحظة طويلة.
وقالت أخيراً: لقد كنت أحبه أعظم حب أيها الوالد. . ولكنها إذ تلفظت بهذا الاسم الأخير وجدت أنه قد أصبح خطأ فغيرت الاسم بغيره فقالت لقد كان ابني الوحيد يا غزالي!
هنا مد نوربرت ذراعه إليها فأخذت راحته فوضعتها فوق خدها وقالت: نبئني لماذا تحدث هذه الأحداث، وهل ينبغي أن تحدث؟
قال: علم ذلك عند الله.
وأسند رأسه إلى صدرها وراحت أناملها تلعب في شعره.
وهنا كأنها بمعجزة أو وحي غريب انحنت ليه فطبعت فوق ذوائب شعره الأفحم. . قبلة حارة. . .!
انتهت.
стр. 2616
الإسبراتيواليزم
أو الاعتقاد بوجود الأرواح وإمكان مناجاتها
منشأ الإسبراتيواليزم
الإسبراتيواليزم ليس شيئاً جديداً في العالم، ولا هو بالأمر الطريف بل أن الاعتقاد بأن الموتى يحيون في عالم آخر، وأن في الإمكان مخاطبتهم ومناجاة أرواحهم، لا تزال عقيدة عامة في الإنسانية من أبعد العصور، ويلوح لنا أنها جاءت عن طريق الأحلام، وكان الباعث عليها الرؤيا في المنام لأن المتوحش الهمجي إذا رأى في الحلم بعض أصدقائه الموتى، أو فريقاً من الأعداء في الرؤيا وهم يحاربون ويعيشون كأنهم لم يوسدوا الثرى، وكأنهم لا يزالون أحياء فلا يتأول من ذلك إلا أنهم ولا ريب أحياء في مكان بعيد من الدنيا، وإلا فما هذا الذي يظهرهم ويجعلهم يتكلمون ويتحدثون إليه، ويخرجون إلى القنص معه، وصيد الوحش في رفقته، ويجب أن نعلم كذلك أن الفرق بين الحياة في النوم والحياة في اليقظة عند المتوحش الهمجي لا يكاد يكون محسوساً لديه. معروفاً منه، بل قد يمتزج أحدهما بالآخر. ويختلطان ويدخل كل في صاحبه، حتى أن الذين يحلمون قد يشكون في أغلب الأحيان وتأخذهم الريبة فيما إذا كانت الحادثة التي رأوها حصلت حقيقة أو إنما رأوها في الرؤيا ليس غير. ولا بد من أنه كان هناك في أدوار التطور الإنساني دور في أبعد عصور التاريخ كان الناس فيه لا يجدون فرقاً ما بين الأحداث التي تقع لهم في النوم وتلك التي تقع في البقظة، وكانت الحوادث التي يراها النائم تلوح له حقيقية كأنما وقعت في عهد اليقظة والصحو.
ويلوح لنا أن رؤية الموتى ومخاطبتهم كانت في العهود القديمة من التاريخ معروفة تحدث بوسائط تنويم مغناطيسي، ومن كتب الفلاسفة الأقدمين أمثال أفلاطون وفلوطرخس يتبين لنا أن عادة مناجاة الأرواح كانت معروفة في أزمانهمـ، وأنه كان يحدث شيء منها في الأعياد والطقوس، ولكننا لم نستطع أن ندرك مما كتب أولئك التفاصيل والحذافير وكان بين اليهود عادة السحر والتنجيم ذائعة متفشية، ووقع في الإمبراطورية الرومانية ما وقع في اليونان فقد دل التاريخ على أنه كان قبل مولد المسيح بنحو مائة عام طائفة من عظماء رومة وأشرافها تحت مراقبة الشرطة إذ اتهموا بأنهم كانوا يستحضرون أرواح الأموات،
стр. 2617
وقد ابان العلامة تيلور في كتابه (الديانات الأولى للإنسانية) براهين عدة على العقائد والمشاهدات التي تدل على أن فكرة مناجاة الموتى وتنفيذها كانت معروفة في جميع أنحاء العالم قديماً وحديثاً.
وعادة مخاطبة الأرواح عامة في الصين حتى اليوم، وطريقتهم في ذلك أنهم يستخدمون نوعاً من التختة أو الصابورة يلجأون إليها في قراءة المستقبل، والحفلة التي تعد لذلك علنية، تقام أمام هيكل في معبد، وتدفع الرسوم عند الدخول وهي تخص القساوسة، ثم إذا انتظم عقد الحفل سأل السائل ما يريد فيكتب السؤال في ورقة ثم تحرق أمام المذبح قبل ان يتمكن أحد البتة من معرفة ما فيها، ثم يتلقون الجواب من الله إذ يرتفع صوت غريب بألفاظ تخط فوق صينية من الرمل كلمة فكلمة وقد ثبت من التاريخ الصيني أن هذه العادة يرجع منشأها إلى عدة قرون ماضية.
على أن الإسبراتيواليزم في شكله الحاضر، وحركته اليوم في بلاد الغرب، يعود تاريخه إلى عام ١٨٤٧ وذلك أن في شهر ديسمبر من تلك السنة تقاطر الناس وازدحم القوم على باب رجل يدعى جون فوكس كان يعيش إذ ذاك في ولاية نيويورك، في الولايات المتحدة وكانت أسرة الرجل تتألف منه هو وزوجته وفتاتين أحدهما تناهز الربيع الخامس عشر وأختها في الربيع الثاني عشر، وإذ أذاع الناس عنه أن له اتصالاً بالأرواح، إذ سمع الناس روحاً تتكلم في بيته فقالت الروح أنها كانت تشتغل في هذه الحياة بائعاً من باعة الأسواق الطوافين الجوابين وأن عمره في الواحد والثلاثين وأنه قد ترك أسرة تتألف من ثلاث بنات وولدين وأنه قتل من أجل ماله، فذاع الخبر عن ذلك البيت، وانطلق ألوف الناس ليروا وليسمعوا، حتى انتهى الأمر بأن ظهرت هذه الظاهرة كذلك في عدة بيوت وسرت العدوى إلى الولايات الشرقية، ولبث الخلاف والشكوك بضع سنين في هذا الشأن فمن مصدق ومن مكذب، فوقعت التهمة على ابنتي الرجل فوكس فاعترفت إحداهما بأن الدقات التي كانت تسمع إذ ذاك هي أثر دقات ركبتيها فوق بعضهما، وقد تأيد هذا الاعتراف بأن شهد ثلاثة من الأطباء بأن الدقات التي كانت تسمع لم تعد تسمع عندما أمسكوا بركبتي الفتاة ولم يدعوها تصدمهما إحداهما بالأخرى، ولكن دلت الأبحاث التي قام بها بعد ذلك السير وليام كركس، وهو من أبطال هذا العلم، والأبحاث التي أجراها السير أوليفر لودج بعده، على أن
стр. 2618
هذه الدقات في الحقيقة جائزة الحصول، في بعض أشخاص أوتوا استعداداً مخصوصاً، وأجسام وأرواح تخالف الأرواح والأجسام المألوفة، وقد ذكر أحد العلماء أن له صديقاً كان يستطيع أن يحدث هذه الدقات بعظمة داخلية من عظام كتفيه، وهذا الرجل لم يكن له أية علاقة بالإسبراتيواليزم وكان يحدث تلك الدقات للمجون فقط والضحك، وأن صديقاً آخر له صحا من نومه مذعوراًً في الساعة التاسعة من الليل على دقات شديدة فوق جدار الباب الخارجي لبيته وكان الجدار منفصلاً عن غيره ولا بيوت ولا منازل بجانبه، فلما أراد التحقق من مصدر هذا الطرق الشديد، لم يجد أحد لدى الباب، ولم يجد سبباً يدعو له من داخل البيت، فبلغ به الذعر مبلغاً جعله محموماً مريضاً، ولكن ظهرت النتيجة بعد ذلك له، وهي أن أخاه المحبوب لديه قتل قضاء وقدراً قبل الشروع في هذه الدقات بعشرين دقيقة فقط.
ولنعد الآن من الكلام على الظاهرة الجسمانية إلى الظواهر النفسية لعلم الإسبراتيواليزم فنقول أنها بدأت منذ عهد بعيد وكان أكبر أبطالها مستر وسويدنبرج، أما فريدريك أنطون مسمر فعاش حتى عام ١٨١٥ وكان مولده عام ١٧٣٤، وهو طبيب نمسوي من مدينة ويانة بدأ عمليات الجديدة الخاصة بهذا العلم في باريس، ونجح نجاحاً باهراً في معالجة الأمراض وشفائها، وافرغ تعليمه في قلوب مئات من أتباعه وأثرت مهارته في أفئدة ألوف من أنصاره، وأخذ بعده كثيرون من الأطباء يؤيدون مبدأه، وهو أن تنويم المريض يمكنه من تشخيص مرضه بنفسه ووصف الدواء الناجع له، فانتقلت هذه التعاليم المسمرية إلى الولايات المتحدة، وذاعت في بلاد الغرب، ومضى كثيرون من الأطباء المسمريين يعالجون الناس بهذه الطريقة وثبت إذ ذاك أن المريض المنوم قد يستطيع أن يشخص علته بنفسه ويصف لها الدواء اللازم، وقد يستطيع أن يحكم بعله غيره ويصف له الدواء، وقد ذهب كثيرون إلى أن هؤلاء الأشخاص المنومين إنما كانوا يتلقون شرح العلل ووصف الأدوية لها من أرواح أطباء الموتى، حتى أن أحد المنومين أكد للقوم في حالة نومه أو هو الطبيب اليوناني القديم غالن بنفسه.
أما عمانويل سويدنبرج فكان مولده عام ١٦٨٨ ومتوفاه عام ١٧١٢ فبعد أن ظل خمسين عاماً في دأبه العلمي وتقلبه في المناصب الكبرى بدأ آخر مرة يتلقى الوحي، وتتراءى له
стр. 2619
الأشباح وتتبدى له الأرواح إذ جعل يناجي رجالاً كثيرين من عظماء الدنيا الذين ماتوا قبله من قديسين وفلاسفة وملوك وباباوات فخاطب أرواح لوثر وكلفن وشيشرون وموسى وبولص ويوحنا وكثيرين غيرهم، وتلقى كذلك ما يسمونه اليوم بالكتابة المكتوبة بذاتها، إذ جعلت يده تندفع في الكتابة بلا إرادة منه، ولاوعي من لبه، فذهب في ذلك إلى أن الأرواح هي التي كانت تدفع يده إلى الكتابة فتكتب، على أن سودنبرج لم يشجع الناس على أن يخاطبوا الأرواح، ولم يبعث غيره على التكلم معهم، لأنه كان يعتقد أنه هو المختار من الأرواح وحده ولكن كثيرين ولا ريب يأخذون عنه ذلك ويحدثون هذه الجلسات نفسها مع الرواح.
فهذه العوامل واجتماعها بروح تلك العصور المضطربة الثائرة القلقة، كالثورة الفرنسية ونشوء الروح الاشتراكية، ساعدت على تقدم هذه الحركة وشيوع الإسبراتيواليزم، حتى هبط إنجلترا في عام ١٨٥٥ رجل غريب يعد من أكبر الوسائط التي يلتمسها الناس سبيلاً على مخاطبة الرواح، وهو يدعى هوم، وقد جاء إليها بعد أن طاف كثيراً من بلاد الغرب فاستحضر أرواحاً في حضرة إمبراطور فرنسا لويز وزوجته، وزار قيصر الروس فأجرى جلساته بين يديه، وكان الرجل لا يتقبل مطلقاً أجراً على عمله نقداً أو مالاً، وإن كان ولا ريب يرفض الهدايا، وهي أعز ثمناً وأغلى قدراً. ولم يقبض عليه يوماً وهو يحاول غشاً في محاضراته، ولم يدرك الناس عليه مطلقاً خدعة أو بلفاً على أنه كان الشاعر بروننج الطائر الصيت في ذلك العصر وضع قصيدة عنوانها ليخسأ وسيط الأرواح وكان يقصد بها إلى التهكم على (هوم) فإنما كان الشاعر فيها يتبع هواه وأخذ بالظنة في أمر الرجل، ولم يحكم البرهان ولم يقم الدليل، كما شهد على نفسه بعد ذلك واعترف، ولعل النقطة المشكوك فيها من تاريخ هوم هي ما يختص بقصة المرأة التي تدعى مسز ليون. وكانت أرملة مثرية أهدت إليه أربعةوعشين ألف جنيه وتبنته ثم ندمت على ما فرط منها من هدية ووقفية فزعمت أن الرجل احتال عليها واثر في ذهنها وخدعها وادعى أن الرواح هي التي أوحت إليها أن تمنحه تلك المنحة وتخصه منها بهذا الفضل. وانتهت الخصومة إلى المحكمة فحكم لها برد المبلغ إليها ولكن القاضي أبان بفصيح القول أن لا دليل أو بينة يعتمد عليها من ناحية السيدة، وأنه لم تثبت الإدانة مطلقاً على أن هوم اعتدى عليها في مالها واستلبه
стр. 2620
استلاباً.
وكانت مقدرة الرجل غريبة فكان يرى أرواح أصدقائه الموتى وأقارب الذين يطلبون إلي استحضارهم، وكان يجيء بأسماء الأرواح، وبينات منهم تثبت حقيقتهم لأقاربهم، ولكنه ولا ريب اختص بالظاهرة الطبيعية من هذه الأبحاث فكانت الموائد في حضرته ترتفع بنفسها إلى الفضاء بدون أن يمسها أحد مطلقاً، وكانت المقاعد تتحرك في جوانب الحجرة، وكانت الكراسي الصغيرة تجري وترقص وتهتز وكانت الأزاهر تخرج من قصرياتها وتوزع نفسها على الحضور، وأعجب ما في أمره أن من الذين كانوا يشاهدونه رجالاً من كبار العلماء وأعضاء المجمع العلمي البريطاني، وقد كتب السير ويليام كروكس كتاباً عنه أثبت فيه صحة محاضراته.
وقد مات هوم عام ١٨٨٦ وقد أربى على الخمسين وتزوج مرتين وقد اشتهر كثيرون غيره من أبطال هذا العلم، ستقرأ آثارهم في العدد القادم إن شاء الله.
стр. 2621
قوانين الحياة اليومية
طائفة من الإرشادات العامة
ننشئ هذا الباب خاصة لنشر طائفة من القوانين التي تختص بشؤون الحوادث اليومية، وجملة من الإرشادات التي تتعلق بما يجري بين الناس من بيع وشراء واتفاقات وعقود، ومتجر وارتباطات ومواثيق، وهو بحث طريق مفعم بالمعلومات التي قد تغيب عن أذهان الكثيرين.
الأمتعة المفقودة والتي يعثر أحد الناس بها صدفة
كل فرد يعثر بشيء من المتاع فقده صاحبه في مكان عمومي له الحق فيه قبل غيره بعد صاحبه الحقيقي، فإذا لم يوجد صاحب المتاع، ولم يمكن الاستدلال عليه فإن للعاثر به الحق في ملكيته، ولكن ينبغي على ملتقط المتاع من الطريق أن يجتهد ويبذل قصارى سعيه في العثور على صاحبه الحقيقي، وإلا اتهم بالسرقة، وصحت عليه تهمة الاختلاس، فأماالصكوك والأوراق المالية والأمتعة ذات القيمة فمن السهل الاستدلال على أربابها وأما العملة المسكوكة وغيرها من الأمتعة فمن الصعب معرفة أصحابها، وعلى الشخص الذي يعثر بهذه الأشياء أن يسلمها إلى إدارة الشرطة: فإذا مضى الأجل المضروب الذي تحدده السلطة الإدارية لاسترداد الأمتعة المفقودة فعلى إدارة الشرطة أن تردها إلى الشخص الذي عثر بها إذا لم تكتشف صاحبها الحقيقي، فإذا عثر شخص بسلعة أو متاع في مكان ليس بالعمومي فعليه أن يسلمه إلى صاحب ذلك المكان، والمكان أو المحل العمومي هو المكان الذي يرتاده الجمهور ولا يحول أحد دونه في سبيله إليه كمكان السكة الحديدية، أو القطارات التي تهم بالرحيل، والملهى والتياترو، أي أنه لا يلزم في إطلاق كلمة المحل العمومي أن يكون الدخول إليه بلا مقابل.
ومن القوانين المصطلح عليها في إنجلترة أن سائقي المركبات الذين يسلمون إلى إدارة الشرطة البضائع أو الأمتعة التي يتركها الركاب في مركباتهم لهم الحق في عشرة في المائة من قيمتها فإذا مضت ثلاثة أشهر على تلك الأمتعة، ولم يطالب بها صاحبها أصبحت حقاً من حقوق الحوذي.
الديون الخاصة بشراب الخمور
стр. 2622
الديون المتعلقة بشرب الجعة أو الخمور لا يمكن تحصيلها أو ردها من المدين بثمنها إذا كانت قد احتسيت أو شربت في المحل الذي بيعت فيه، ولا تدفع ديون الخمر إلا إذا اشتريت في وقت واحد وكان ثمنها يزيد عن جنيه، أو كانت قد وردها الخمار إلى المدين في محل إقامته بكميات لا تقل عن ستة زجاجات.
التعويضات عن الإصابات
إذا جلب شخص إلى أرضه أو أملاكه حيواناً مفترساً بطبيعته أو زرع أعشاباً أو أشجاراً سامة في عصارتها، وتقرر أن من هذه الحيوانات والنباتات خطراً من ناحيتها، فإن صاحبها مسؤول عنها، إذا هي فرت من لدنه أو أحدثت أذى أو خطراً وهذا بصرف النظر عن أنه اعتنى بحفظها أو حبسها أواتخذ الحيطة دونها، أو عرف أو لم يعرف خطرها أو الأذى الذي قد ينجم عنها، وهذا ينطبق على الأفراد الذين يملكون قردة أو نمرات أو فيلة أو كان يتصاعد من مداخن منازلهم أو مصانعهم أو معاملهم شرر يتطاير، ويسري الشرر الذي يتطاير على قطارات السكة الحديدية فيضر بالمحصول، على شرط أن لا يزيد ثمن المحاصيل التي أصابها الضرر عن مائة جنيه فإذا زادت قيمة التلف عن هذا القدر فلا تكون الشركة أو مصلحة السكة الحديد مسؤولة عن التعويض، إلا إذا ثبت أن الإهمال نجم عن أن القطار لم يكن على الطراز الحديث الذي يحتاط به من إحداث هذا الشرر المتطاير، أما فيما يختص بالإصابات التي قد تحدث من الحيوانات فلا يلزم بها صاحبها إذا كانت قضاءً وقدراً، أو من تحرش المصاب بها، أو بجريرته، أو تعرضه لها بأذى أو ضرب أو إحراج، وكذلك إذا حدثت الإصابة من جراء تحرش شخص آخر بالحيوان أو استنفاره، ولا رقابة لصاحب الحيوان على هذا الشخص ولا سبيل له عليه ولا سلطان، أما في الضرر الناجم عن الحيوانات الداجنة المتسبب للأشخاص أو الأمتعة، فلا يعد صاحبها ملزماً إلا إذا ثبت إهماله وكان يعلم أن الحيوان مؤذ أو خطر فإذا عض كلب شخصاً، فلا شأن لصاحبه في ذلك، ولا إلزام عليه، إلا إذا كان يعرف أن كلبه عض من قبل إنساناً سواه، أما الكلب الذي يؤذي الماشية والأنعام فمسؤول صاحبه في جميع الأحوال حتى في العضة الأولى أو الإيذاءة الأولى، أما الأضرار التي تحدث للناس من عيوب أو خلل في المباني أو الدور، فن الساكنين في تلك الأبنية مسؤولين عنها، وعندما تكون الأبنية لا تزال في دور الإقامة
стр. 2623
والبناء فإن صاحبها مسؤول لو أن حجراً أو لوحاً سقط على إنسان فآذاه، وعلى أصحاب المنازل التي لا تزال في دور الإنشاء والتشييد أن لا يتركوا حفراً أو أخاديد دون أن يسوروا عليها بسياج، وإذا أولم رجل وليمة، أو دعاه إلى مأدبة في بيته، فسقط الجدار عليه أو خر السقف، فأحدث له إصابات، أو تبع الوليمة، من ذلك أذى أصبح ملزماً أمام القانون عن تلك الإصابات، لأنه لم يحذر المدعو لها عندما أدب له تلك المأدبة الملعونة، والأشخاص الذين يعودون الأطباء في عياداتهم، أو يدخلون حوانيت المتجر لابتياع ما يروق لهم، ويصابون من خلل في تلك الأبنية لهم الحق في مقاضاة أولئك الأطباء أو التجار عما وقع لهم من الأذى والضر.
العقود التي تبرم مع المجانين أو السكارى المنزوفين
العقد الذي يبرم مع مجنون، والفريق الثاني لا يعلم بأمر جنونه، ولم تصل إليه دعوة ذهاب عقله، ثم يكون العقد عادلاً لا غبن فيه على المجنون، ولا رهق له ولا عسف، يعد صحيحاً قانونياً منفذ لا حائل دون العمل به.
أما العقود التي تبرم مع السكران الذي لا يدري ماذا فعل فيصح الطعن فيها وإلغاؤها، إذا أفاق من سكرته، واستعاد صوابه، أما إذا ابتاع المنزوف الذي لعبت الخمر برأسه سلعاً من السوق، أو أمتعة من المتاجر، وهو سكران في حالة الغيبوبة، ثم إذا أفاق حفظها لديه، وأبقاها في حوزته، فلا يصح استرجاعها، أو الانفلات من دفع أثمانها إذا لم يكن التاجر قد قبضها إذ ذاك.
ركاب القطارات
شركة السكة الحديدية أو مصلحتها مسؤولة عن الحوادث والإصابات التي تقع للركاب أو أصدقائهم من جراء إهمال عمالها، وهذا ينطبق كذلك على الأفراد القادمين إلى المحطات في عمل من الأعمال المشروعة كاستلام الطرود أو إرسالها أو في سبيل التحريات أو غيرها، أما عن الأشخاص الذين يذهبون إلى المحطات طلباً للنزهة أو التلهي، أو لابتياع صحف الأنباء، فإن مسؤولية السكة الحديد عن إصابتهم التي قد تحدث لهم في تلك المحطات ليست من الأهمية بمكان ولكن على عمال السكة الحديد إذا علموا بأمر خطر أو أذى قد يصيب جمهور الواقفين في تلك المحطات أن يحذروهم من ذلك الخطر، وينذروهم
стр. 2624
باحتمال وقوعه، وإلا أصبحت المصلحة ملزمة بتعويضهم عن الإصابات التي قد تحدث لهم ولكن السكة الحديد ليست ملزمة بأن تدفع للناس تعويضاً عن أخطار أو إصابات أصيبوا بها من شر أناس مسافرين بلا تذكرة بقصد الغش والتدليس، والأطفال الذين يسافرون في القطارات رفقة أقربائهم بلا تذاكر لصغر أعمارهم يستحقون تعويضات عما قد يصيبهم فيها، وكذلك على المسافرين الذين يسافرون بلا تذاكر ويثبت للقضاة أنهم كانوا عازمين حقيقة على دفع أجورهم.
وليست مصلحة السكة الحديد مسؤولة إلا عن الإصابات التي تحدث من جراء الإهمال، أما إذا اتخذت المصلحة جميع الحيطات، فلا سبيل لأحد عليها في دفع تعويض له عن إصابة تحدث له، فإذا أصيب شخص فعليه أن يتخذ لنفسه الحذر إذا هو تقبل منها تعويضاً عرضته عليه لأنه إذا قبله عن رضى منه فلا يستطيع بعد ذلك أن يقاضي الشركة في سبيل نيل تعويض أكبر منه إذا ظهر أن الإصابة التي وقعت له أشد خطورة مما ظن لأول وهلة.
وفي إنجلترة ينص القانون على أنه قد تحدد له في جدول المواعيد ميعاد معين لقيامه ثم لم يقم في ذلك الميعاد بعينه، إذ قام من المحطة المحدودة ثم تأخر في الطريق من إهمال عماله، فإن كل فرد من الركاب اضطر بحكم هذا التأخير إلى صرف نفقات كثيرة من جيبه يستحق شيئاً من التعويض، أعني أنه يستطيع أن يطالب بأجرة الفندق إذا دعت الحال إلى مبيته في تلك الليلة، ولكن ليس له أن يطالب بنفقة استئجار قطار مخصوص لمواصلة سفره، بل لا يستطيع أن يسترد من النفقات إلا ما دفع من جراء التأخير وعدم المواظبة في المواعيد، على أنه لا يكلف الشركة أن تدفع إليه الفوائد والأرباح التي قد كان يرتقب اغتنامها من الموعد الذي كان بينه وبين أحد الناس، أو مهمة من المهمات كان مسافراً من اجلها.
فإذا تخلف مسافر في إحدى المحطات المتوسطة، فلا يستطيع بالتذكرة نفسها أن يواصل سفرته، فإذا اضطر مسافر إلى السفر إلى محطة بعد المحطة التي تخول تذكرته له السفر إليها، دون قصد إلى غش أو تدليس، فعليه أن يدفع الأجرة الإضافية، فإذا ركب المسافر في درجة أعلى من درجة تذكرته، فإنما يرتكب مخالفة إذا هو أراد من ذلك الغش، ولكن لا
стр. 2625
غش، ثمت ولا تدليس إذا ألفى راكب الدرجة الثالثة أن مركبات تلك الدرجة مزدحمة ولا مكان فيها له، ثم اضطر إلى الركوب في الدرجة الثانية، لا يصح أن يدفع أجرة هذه الأخيرة على أنه ملزم بأن يعود إلى درجته، إذا خلت المقاعد فيها وتيسر الجلوس، فإذا اضطر المسافر بحكم الزحام إلى السفر في درجة دون الدرجة التي ابتاع التذكرة عنها، فيصح له مطالبة المصلحة بفرق الأجرة ولا يحق له أن يسلم تذكرته، ما لم يسترد هذا الفرق، فإذا سلم تذكرته، فله أن يلفت نظر محصل التذاكر (الكومساري) على هذه الحقيقة، ويأخذ رقم التذكرة ويعطيه اسمه وعنوانه، فإذا رفضت الشركة أن ترد الفرق غليه، فله أن يقاضيها في ساحة المحكمة، وحيث أن كل حجرة أو قمرية تسع مقداراً معيناً من الركاب فإن كل شخص يصر على الدخول فيها بعد أن امتلأت مقاعدها ويجد ممانعة من الجلوس فيها، ثم رفض، يلزم بغرامة، ويجوز للمسافر الذي يمنعه أن يرده ولا يسمح له بالدخول فيها، ولكن لا سلطان عليه في إخراجه إذا هو دخل ووجد فيها مجلساً له، أما المسافر الذي يبتاع تذكرة له في الدرجة الأولى وينزل بها ثم يأتي عمال القطار فيملأون درجته التي هو بركاب من الدرجة الثالثة فلا سبيل له ولا سلطان على المصلحة أن تخرجهم منها.
стр. 2626
مطالعات
أبو الصلت أمية بن عبد العزيز
من بين شعراء الإسلام الذين ضربوا بسهم صائب في الأدب والشعر فضلاً أنهم ممن حذقوا صناعة الطب وفن الموسيقى والعلم الرياضي أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الداني الأندلسي. قال ابن أبي أصيبعة: بلغ في صناعة الطب مبلغاً لم يصل إليه غيره من الأطباء، وحصل من معرفة الأدب ما لم يدركه كثير من سائر الأدباء، وكان وحيداً في العلم الرياضي متقناً لعلم الموسيقى وعمله، جيد اللعب بالعود، وكان لطيف النادرة، فصيح اللسان، جيد المعاني، ولشعره رونق. قال: وأتى أبو الصلت من الأندلس إلى ديار مصر وأقام بالقاهرة مدة قم عادة بعد ذلك إلى الأندلس وكان دخوله إلى مصر في حدود سنة عشر وخمسمائة في خلافة الآمر بأحكام الله الفاطمي ووزارة الأفضل بن أمير الجيوش. قال: واتفق له وهو في الإسكندرية أن مركباً موقراً نحاساً وصل إليها فغرق قريباً منها ولم تكن لهم حيلة في تخليصه لطول المسافة في عمق البحر ففكر أبو الصلت في أمره وأجال النظر في هذا المعنى حتى تخلص له فيه رأي واجتمع بالأفضل بن أمير الجيوش وأفهمه أنه قادر إن تهيأ له جميع ما يحتاج من آلات أن يرفع المركب من قعر البحر ويجعله على وجه الماء مع ما فيه من الثقل فتعجب من قوله وفرح به وسأله أن يفعل ذلك ثم أعد له جميع ما يطلبه من الآلات وغرم عليها جملة من المال، ولما تهيأت وضعها في مركب عظيم على موازاة المركب الذي غرق وأرس إليه حبالاً مبرومة من الإبريسم وأمر قوماً لهم خبرة بالبحر أن يغوصوا ويوثقوا ربط الحبال بالمركب الغارق، وكان قد صنع آلات بأشكال هندسية لرفع الأثقال من المركب الذي هم فيه، وأمر الجماعة بما يفعلونه في تلك الآلات، ولم يزل شأنهم ذلك والحبال الإبريسم ترتفع إليهم أولاً فأولاً وتنطوي على دواليب بين أيديهم حتى بان لهم المركب الذي كان قد غرق وارتفع إلى قريب من سطح الماء وعند ذلك انقطعت الحبال الإبريسم، وهبط المركب راجعاً إلى قعر البحر. قال: ولقد تلطف أبو الصلت جداً فيما صنعه، وفي التحيل إلى رفع المركب إلا أن القدر لم يساعده، وحنق عليه الأفضل لما غرمه من الآلات وكونها مرت ضائعة وأمر بحبسه، وبقي في الاعتقال مدة إلى شفع فيه بعض الأعيان وأطلق.
стр. 2627
قال: ومن تواليفه: ١ - كتاب الأدوية المفردة. ٢ - رسالة في الموسيقى. ٣ - كتاب في الهندسة. ٤ - كتاب تقويم منطق الذهن. ٥ - الرسالة المصرية. ذكر فيها ما رآه في مصر من هيئتها وآثارها ومن اجتمع بهم فيها من الأطباء والمنجمين والشعراء وغيرهم من أهل الأدب الخ. ومن شعره:
تقريب ذي الأمر لأهل النهى ... أفضل ما ساس به أمره
هذا به أولى وما ضره ... تقريب أهل اللهو في النَّدره
عطارد في جل أوقاته ... أدنى إلى الشمس من الزهره
وقال في موضع المعروف ببركة الحبش بمصر:
لله يومي ببركة الحبش ... والأفق بين الضياء والغبش
والنيل تحت الرياح مضطرب ... والسيف سلته كف مرتعش
ونحن في روضة مفوفة ... دبج بالنور عطفها ووشى
قد نسجتها يد الربيع لنا ... فنحن من نسجها على فرش
وأثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الصبا فلم يطش
فعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش
وسقني بالكبار مترعة ... فتلك أروى لشدة العطش
وقال:
وراغب في العلوم مجتهد ... لكنه في القبول جلمود
فهوى كذى عنة به شبق ... أو مشتهي الأكل وهو ممعود
وقال في البراغيث:
وليلة دائمة الغسوق ... بعيدة الممسى من الشروق
كليلة المتيم المشوق ... أطال في ظلمائها تشريقي
أحب خلق لأذى مخلوق ... يرى دمي أشهى من الرحيق
يغب فيه غير مستفيق ... لا يترك الصبوح للغبوق
لو بت فوق قمة العيوق ... ما عاقه ذلك عن طروقي
كعاشق أسرى إلى معشوق ... أعلم من بقراط بالعروق
стр. 2628
من أكحل منهما وباسليق ... يفصدها بمبضع دقيق
من خطمه المذرب الذليق ... فصد الطبيب الحاذق الرقيق
وقال:
ساد صغار الناس في عصرنا ... لا دام من عصر ولا كانا
كالدست مهما هم أن ينقضي ... عاد به البيدق فرزانا
وقال يصف هرمي الجيزة
بعيشك هل أبصرت أعجب منظراً ... على طول ما أبصرت من هرمي مصر
أنافاً عناناً للسماء وأشرفا ... على الجو إشراف السماك أو النسر
وقد وفيا نشزاً من الأرض عالياً ... كأنهما نهدان قاما على صدر
стр. 2629
فضل الشرق على الغرب
وأثر المغرب على المشرق
من أكبر العقائد التي مضى عليها أهل الغرب أن مدنيتهم الحديثة هي مبتكر عقولهم، ووليدة مسعاهم، ونتاج عملهم وافتنانهم، وأن الحضارة وقف على أممهم، واحتكار احتكرته شعوبهم، ولا يزال كتاب منهم وعلماء من أعلام صفوفهم يرمون الشرق بالجمود ويقرفونه بالتأخر، ويتراءى لهم الشرقي رجلاً متبلداً خامد القريحة، مغلول العزيمة، لا ينزل عليه وحي العظمة، ولا تمده الطبيعة بمستلزمات الرقي، ولم تمهد له القوة الإلهية أسباب المجد والرفعة، والسمو والعلاء، وإن الشرق لم يكن يوماً موطن العظماء ومهبط قواد الدنيا الأجلاء، بل قد كانت المدنيات التي أشرقت في جوانبه ووثبت في أنحائه نزوة من النزوات، وفلتة من الفلتات. وأنها لم تكن صالحة لأن تمكث في الأرض وتستقر. حتى أصبح جمع من كتابهم إذا كتبوا شيئاً عن الشرق نعتوه بالشرق الذي لا يتحرك! كأنما خيل لأهل الغرب أن العظمة تجري عليها سنن النباتات. والمواقع الجغرافية، وطبائع الإقليم، فلا تنبت إلا في منطقة معينة من مناطق هذا الكوكب. ولا تنقل أصولها وجذورها فتفرع وتزكو في غيرها من المناطق، وسواها من التخوم والأقاليم. وكأنما العظمة لا توجد إلا في مناطق الثلج والجليد كاللحوم المثلجة التي تنقل منها إلى البلد البعيد. وتستورد من أصقاع البرد والثلج الشديد. وكأن العظمة لا تحتمل وقدة الشمس وسعير القيظ حتى تطلع في مشرق الأرض، بل لا تجمد ولا تتكون إلا في مغيبها. وإن كانت العظمة من أكبر مطالبها الحرارة. وأكبر أعراضها اللهيب والتوقد والاضطرام. فهي خليقة أن تخرج مع الشمس. وتنمو على أشعة ذكاء في مهدها ومنشئها، ولا تصلح باردة ضاردة، تنمو مع مغرب الشمس واصفرارها في أفقها. وقد نسي هؤلاء أن الشرق موطن المدنيات العظيمة. ومسرح الحضارات الكبرى. وأن العظماء قد طلعوا فيه فخلدوا تاريخه. وأنه لا يزال قابلاً للرقي. كلما طلعت الشمس على العالم. وصالحاً للتقدم والعظمة لمتانة نفوس أهله. وقوة جذوة أرواحهم واضطلاعهم بالفضائل وقربهم من مواطن الأديان ومهد النبيين والقديسين.
وإذا نحن أردنا أن نتغلغل في البحث عن الأسباب التي دعت جموعاً عظيمة من أهل الغرب إلى إنكار عظمة أهل الشرق واستكبار الحضارة على بلدانه والجهل بحقه وفضله
стр. 2630
على الدنيا كلها، وعلى الغرب خاصة، وهم المعتزون بحرية الفكر النافجون باستقلال الرأي، المفاخرون بأن صراحة نفوسهم واستقلال أذهانهم وتحرر عقولهم تجعلهم في عاصم من متابعة الهوى والسكون إلى التحيز الرضا بذبذبة الرأي، فلا نلبث أن نجد أن هذا الاستقلال الفكري الذي به يعتزون ليس في الحقيقة إلا استقلالاً ظاهرياً أكثر منه حقيقة صادقاً، وأن الناس لا يزالون في إسار من ناحية الأذهان إذا هم أرادوا أن يروا أو يحكموا عن أعمال غيرهم وفضل سواهم من سائر أهل الإنسانية، فإنه في كل رجل من أهل الغرب يوجد رجلان ويتألف منه شخصان، الرجل الحديث العصري (آخر طبعة) وليد العلم والوسط الأدبي والذهني الذي نشأن فيه، والرجل القديم العتيق الذي لا يزال سلسلة مركبة تربطه بالماضي البعيد ومن هذا الرجل الذي يطل بين ثنايا الإنسان يستمد كل خص آراؤه في الناس وأحكامه في أخلاقهم وشؤونهم ومكانهم من الحياة والرقي بجانبه ويلوح لنا أنه يعز على أهل الغرب أن يعترفوا بأن الشرق هو الذي رقى الغرب. وأن الشرقيين هم سادات الدنيا في الحضارة. وعنهم أخذ الغربيون هذا الفضل العظيم الذي يزهون اليوم بآثاره في جميع أنحاء الأرض لأنهم يرون حاضر الشرق والنكسة التي انتكسها اليوم. والركود الآسن الذي جرى في أهله. فيشفقون من أن يعترفوا بالماضي ويدينوا للحق. ويصدعوا برأيهم العميق الخفي. في عظمة الشرق. فيكون من ذلك إنهاض لهمم الشرقيين واستثارة لعزائمهم واحتثاث علم على إعادة آثار ذلك الماضي المجيد والدولة التي لهم في عين الشمس.
على أن الشرق وإن أصر الغربيون واستكبروا استكباراً لا يقل اليوم في مادة العظمة عن الفرب وإن تقاوي العظمة وبذورها لا تزال توجد في كثير من بلدانه وأقطاره، وإن لم تتيسر الظروف لزرع تلك البذور وسقيها، ولم تمهد الأرض الصالحة لإنباتها. وإخراج شطئها، ولكن تلك الظروف ولا ريب سانحة في مستقبل الأيام. والأرض عما قليل مخصبة صالحة لثمار تلك الزروع الطيبة.
وإذا كان الغربيون ينكرون اليوم، ويدعون بأن العظمة احتكار من احتكارات شركاتهم وأممهم. فإن التاريخ لم يحرق بعد، ولا يزال كتاب الدنيا مفتوحاً يقرأ الناس فيه ما كان من المشرقين، وما كان من فضل الحضارتين.
следующие страницы →