← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

مطالعات أبو الصلت أمية بن عبد العزيز من بين شعراء الإسلام الذين ضربوا بسهم صائب في الأدب والشعر فضلاً أنهم ممن حذقوا صناعة الطب وفن الموسيقى والعلم الرياضي أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الداني الأندلسي. قال ابن أبي أصيبعة: بلغ في صناعة الطب مبلغاً لم يصل إليه غيره من الأطباء، وحصل من معرفة الأدب ما لم يدركه كثير من سائر الأدباء، وكان وحيداً في العلم الرياضي متقناً لعلم الموسيقى وعمله، جيد اللعب بالعود، وكان لطيف النادرة، فصيح اللسان، جيد المعاني، ولشعره رونق. قال: وأتى أبو الصلت من الأندلس إلى ديار مصر وأقام بالقاهرة مدة قم عادة بعد ذلك إلى الأندلس وكان دخوله إلى مصر في حدود سنة عشر وخمسمائة في خلافة الآمر بأحكام الله الفاطمي ووزارة الأفضل بن أمير الجيوش. قال: واتفق له وهو في الإسكندرية أن مركباً موقراً نحاساً وصل إليها فغرق قريباً منها ولم تكن لهم حيلة في تخليصه لطول المسافة في عمق البحر ففكر أبو الصلت في أمره وأجال النظر في هذا المعنى حتى تخلص له فيه رأي واجتمع بالأفضل بن أمير الجيوش وأفهمه أنه قادر إن تهيأ له جميع ما يحتاج من آلات أن يرفع المركب من قعر البحر ويجعله على وجه الماء مع ما فيه من الثقل فتعجب من قوله وفرح به وسأله أن يفعل ذلك ثم أعد له جميع ما يطلبه من الآلات وغرم عليها جملة من المال، ولما تهيأت وضعها في مركب عظيم على موازاة المركب الذي غرق وأرس إليه حبالاً مبرومة من الإبريسم وأمر قوماً لهم خبرة بالبحر أن يغوصوا ويوثقوا ربط الحبال بالمركب الغارق، وكان قد صنع آلات بأشكال هندسية لرفع الأثقال من المركب الذي هم فيه، وأمر الجماعة بما يفعلونه في تلك الآلات، ولم يزل شأنهم ذلك والحبال الإبريسم ترتفع إليهم أولاً فأولاً وتنطوي على دواليب بين أيديهم حتى بان لهم المركب الذي كان قد غرق وارتفع إلى قريب من سطح الماء وعند ذلك انقطعت الحبال الإبريسم، وهبط المركب راجعاً إلى قعر البحر. قال: ولقد تلطف أبو الصلت جداً فيما صنعه، وفي التحيل إلى رفع المركب إلا أن القدر لم يساعده، وحنق عليه الأفضل لما غرمه من الآلات وكونها مرت ضائعة وأمر بحبسه، وبقي في الاعتقال مدة إلى شفع فيه بعض الأعيان وأطلق.

стр. 2627

قال: ومن تواليفه: ١ - كتاب الأدوية المفردة. ٢ - رسالة في الموسيقى. ٣ - كتاب في الهندسة. ٤ - كتاب تقويم منطق الذهن. ٥ - الرسالة المصرية. ذكر فيها ما رآه في مصر من هيئتها وآثارها ومن اجتمع بهم فيها من الأطباء والمنجمين والشعراء وغيرهم من أهل الأدب الخ. ومن شعره: تقريب ذي الأمر لأهل النهى ... أفضل ما ساس به أمره هذا به أولى وما ضره ... تقريب أهل اللهو في النَّدره عطارد في جل أوقاته ... أدنى إلى الشمس من الزهره وقال في موضع المعروف ببركة الحبش بمصر: لله يومي ببركة الحبش ... والأفق بين الضياء والغبش والنيل تحت الرياح مضطرب ... والسيف سلته كف مرتعش ونحن في روضة مفوفة ... دبج بالنور عطفها ووشى قد نسجتها يد الربيع لنا ... فنحن من نسجها على فرش وأثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الصبا فلم يطش فعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش وسقني بالكبار مترعة ... فتلك أروى لشدة العطش وقال: وراغب في العلوم مجتهد ... لكنه في القبول جلمود فهوى كذى عنة به شبق ... أو مشتهي الأكل وهو ممعود وقال في البراغيث: وليلة دائمة الغسوق ... بعيدة الممسى من الشروق كليلة المتيم المشوق ... أطال في ظلمائها تشريقي أحب خلق لأذى مخلوق ... يرى دمي أشهى من الرحيق يغب فيه غير مستفيق ... لا يترك الصبوح للغبوق لو بت فوق قمة العيوق ... ما عاقه ذلك عن طروقي كعاشق أسرى إلى معشوق ... أعلم من بقراط بالعروق

стр. 2628

من أكحل منهما وباسليق ... يفصدها بمبضع دقيق من خطمه المذرب الذليق ... فصد الطبيب الحاذق الرقيق وقال: ساد صغار الناس في عصرنا ... لا دام من عصر ولا كانا كالدست مهما هم أن ينقضي ... عاد به البيدق فرزانا وقال يصف هرمي الجيزة بعيشك هل أبصرت أعجب منظراً ... على طول ما أبصرت من هرمي مصر أنافاً عناناً للسماء وأشرفا ... على الجو إشراف السماك أو النسر وقد وفيا نشزاً من الأرض عالياً ... كأنهما نهدان قاما على صدر

стр. 2629

فضل الشرق على الغرب وأثر المغرب على المشرق من أكبر العقائد التي مضى عليها أهل الغرب أن مدنيتهم الحديثة هي مبتكر عقولهم، ووليدة مسعاهم، ونتاج عملهم وافتنانهم، وأن الحضارة وقف على أممهم، واحتكار احتكرته شعوبهم، ولا يزال كتاب منهم وعلماء من أعلام صفوفهم يرمون الشرق بالجمود ويقرفونه بالتأخر، ويتراءى لهم الشرقي رجلاً متبلداً خامد القريحة، مغلول العزيمة، لا ينزل عليه وحي العظمة، ولا تمده الطبيعة بمستلزمات الرقي، ولم تمهد له القوة الإلهية أسباب المجد والرفعة، والسمو والعلاء، وإن الشرق لم يكن يوماً موطن العظماء ومهبط قواد الدنيا الأجلاء، بل قد كانت المدنيات التي أشرقت في جوانبه ووثبت في أنحائه نزوة من النزوات، وفلتة من الفلتات. وأنها لم تكن صالحة لأن تمكث في الأرض وتستقر. حتى أصبح جمع من كتابهم إذا كتبوا شيئاً عن الشرق نعتوه بالشرق الذي لا يتحرك! كأنما خيل لأهل الغرب أن العظمة تجري عليها سنن النباتات. والمواقع الجغرافية، وطبائع الإقليم، فلا تنبت إلا في منطقة معينة من مناطق هذا الكوكب. ولا تنقل أصولها وجذورها فتفرع وتزكو في غيرها من المناطق، وسواها من التخوم والأقاليم. وكأنما العظمة لا توجد إلا في مناطق الثلج والجليد كاللحوم المثلجة التي تنقل منها إلى البلد البعيد. وتستورد من أصقاع البرد والثلج الشديد. وكأن العظمة لا تحتمل وقدة الشمس وسعير القيظ حتى تطلع في مشرق الأرض، بل لا تجمد ولا تتكون إلا في مغيبها. وإن كانت العظمة من أكبر مطالبها الحرارة. وأكبر أعراضها اللهيب والتوقد والاضطرام. فهي خليقة أن تخرج مع الشمس. وتنمو على أشعة ذكاء في مهدها ومنشئها، ولا تصلح باردة ضاردة، تنمو مع مغرب الشمس واصفرارها في أفقها. وقد نسي هؤلاء أن الشرق موطن المدنيات العظيمة. ومسرح الحضارات الكبرى. وأن العظماء قد طلعوا فيه فخلدوا تاريخه. وأنه لا يزال قابلاً للرقي. كلما طلعت الشمس على العالم. وصالحاً للتقدم والعظمة لمتانة نفوس أهله. وقوة جذوة أرواحهم واضطلاعهم بالفضائل وقربهم من مواطن الأديان ومهد النبيين والقديسين. وإذا نحن أردنا أن نتغلغل في البحث عن الأسباب التي دعت جموعاً عظيمة من أهل الغرب إلى إنكار عظمة أهل الشرق واستكبار الحضارة على بلدانه والجهل بحقه وفضله

стр. 2630

على الدنيا كلها، وعلى الغرب خاصة، وهم المعتزون بحرية الفكر النافجون باستقلال الرأي، المفاخرون بأن صراحة نفوسهم واستقلال أذهانهم وتحرر عقولهم تجعلهم في عاصم من متابعة الهوى والسكون إلى التحيز الرضا بذبذبة الرأي، فلا نلبث أن نجد أن هذا الاستقلال الفكري الذي به يعتزون ليس في الحقيقة إلا استقلالاً ظاهرياً أكثر منه حقيقة صادقاً، وأن الناس لا يزالون في إسار من ناحية الأذهان إذا هم أرادوا أن يروا أو يحكموا عن أعمال غيرهم وفضل سواهم من سائر أهل الإنسانية، فإنه في كل رجل من أهل الغرب يوجد رجلان ويتألف منه شخصان، الرجل الحديث العصري (آخر طبعة) وليد العلم والوسط الأدبي والذهني الذي نشأن فيه، والرجل القديم العتيق الذي لا يزال سلسلة مركبة تربطه بالماضي البعيد ومن هذا الرجل الذي يطل بين ثنايا الإنسان يستمد كل خص آراؤه في الناس وأحكامه في أخلاقهم وشؤونهم ومكانهم من الحياة والرقي بجانبه ويلوح لنا أنه يعز على أهل الغرب أن يعترفوا بأن الشرق هو الذي رقى الغرب. وأن الشرقيين هم سادات الدنيا في الحضارة. وعنهم أخذ الغربيون هذا الفضل العظيم الذي يزهون اليوم بآثاره في جميع أنحاء الأرض لأنهم يرون حاضر الشرق والنكسة التي انتكسها اليوم. والركود الآسن الذي جرى في أهله. فيشفقون من أن يعترفوا بالماضي ويدينوا للحق. ويصدعوا برأيهم العميق الخفي. في عظمة الشرق. فيكون من ذلك إنهاض لهمم الشرقيين واستثارة لعزائمهم واحتثاث علم على إعادة آثار ذلك الماضي المجيد والدولة التي لهم في عين الشمس. على أن الشرق وإن أصر الغربيون واستكبروا استكباراً لا يقل اليوم في مادة العظمة عن الفرب وإن تقاوي العظمة وبذورها لا تزال توجد في كثير من بلدانه وأقطاره، وإن لم تتيسر الظروف لزرع تلك البذور وسقيها، ولم تمهد الأرض الصالحة لإنباتها. وإخراج شطئها، ولكن تلك الظروف ولا ريب سانحة في مستقبل الأيام. والأرض عما قليل مخصبة صالحة لثمار تلك الزروع الطيبة. وإذا كان الغربيون ينكرون اليوم، ويدعون بأن العظمة احتكار من احتكارات شركاتهم وأممهم. فإن التاريخ لم يحرق بعد، ولا يزال كتاب الدنيا مفتوحاً يقرأ الناس فيه ما كان من المشرقين، وما كان من فضل الحضارتين.

стр. 2631

ونحن نبسط للقراء ما كان من أثر مدنية من أكبر مدنيات الشرق في تهذيب بلاد الغرب. وهي المدنية الإسلامية. ثم نعقب بذكر شيء من آثار الغرب في بلاد الشرق. لنتبين أي الفضلين أعظم، وأي الحضارتين خلعت على الأخرى المآثر والمكرمات والحسنات الكبار. (٢) فضل الشرق على الغرب من ناحية الأخلاق والآداب إن هذه الأخلاق التي يعجب بها أهل الغرب ويفخرون بها وتلك الآداب الجميلة التي يعتزون بها ويتسامون من إفساح الطريق للسيدات إذا خطرن وتلقيهن بالحفاوة إذا قدمن وتقديمهن على الرجال في المجالس. وما على تلك الألوان المختلفة التي يظهر فيها أهل الغرب عبادتهم لنسائهم. ومن احترام الشيوخ وإكبار المتقدمين في السن، والعطف على الأطفال والرحمة بالوالدان. وتقديس الإيمان والأقسام والبر بالوعود وكراهية الحنث بالمواثيق وجملة تلك الآداب الطيبة كل أولئك أخذه الغرب عن الحضارة الإسلامية. يوم بثت آدابها في الشرق والغرب. وانحدرت إلى إسبانيا. فكانت تلك الدولة في وحشية وهمجية وانحطاط لا تجد لها اليوم مثيلاً في أواسط إفريقيا، فلما هبط المسلمون تلك البلاد نفض أولئك القوم عنهم بربريتهم واتخذوا آداب الفروسية ومطالبها شعائر لهم ورسوماً. وفي العصر الذي قامت فيه الحروب الصليبية يشهد التاريخ والغربيون أنفسهم كما ذكر العلامة جوستاف لوبون أن الشرق كان إذ ذاك بفضل مدنية الإسلام ينعم بحضارة مشرقة النور فياضة الحواشي، مفعمة الروح بالآداب وألوان الرقي المختلفة، على حين كان الغرب مرتطماً في حمأة الهمجية. ونحن ننقل هنا رأي صاحب كتاب حضارة العرب في هذا الموضوع إذ يقول: أما الشرق فلم يستفد أهله من أهل المسيحية في تلك الحروب شيئاً، بل لم يكن منها إلا أن أثارت في قلوب الشرقيين الاستخفاف بالغربيين. ولم يكن منها إلا العصبية الموحشة القاسية للأديان، وهو الأمر الذي ما فتئنا نحا ربه اليوم ونعمل على إطفاء جذوته. حتى هذه الساعة. ولكن الغرب استفاد منها أعظم الفائدة في التجارة والصناعة والعلوم والآداب ومختلف الفنون، وذلك بفضل مدنية الشرق. فالشرقيون هم الذين أخرجوا الغربيين من الهمجية وأنقذوهم من وصمة البربرية وأعانوهم على حضارتهم الحاضرة.

стр. 2632

ويقول المؤرخ العدل المنصف بارتلمي سانت هيلير: بفضل آداب العرب ومدنيتهم الإسلامية، استطاع سادات القرون الوسطى في بلادنا الغربية أن يخففوا من شر عاداتهم الوحشية. واستمد فرساننا من الاختلاط والمجالدة مع المسلمين جملة من العواطف الرقيقة والمشاعر العظيمة الجليلة والوجدانات الإنسانية التي لم يكن لهم بها عهد من قبل، ونحن في شك وريب من أن المسيحية وحدها هي التي أوحت بتلك الآداب، وارسلت فيهم روح تلك العواطف، لو لم يكن من حضارات الإسلام. (٣) فضل الشرق على الغرب في الآداب والعلوم والفنون إن أهمية الأثر العظيم الذي أحدثته المدنية الإسلامية في الغرب لا تتيسر معرفتها وإدراك حدودها ومبلغ ما كان منها إلا إذا بسطنا للقراء حال أوروبا في العصر الذي دخلت فيه تلك المدنية أرض الغرب. فإذا ألقينا البصر إلى القرنين التاسع والعاشر من التاريخ المسيحي وهو العهد الذي أشرقت فيه مدنية الشرق في إسبانيا فلا نجد شيئاً هو أقرب إلى المدنية في الغرب من تلك القصور العظيمة التي كان يسكنها النبلاء والسادات وهم في الجهالة يعمهون، حتى أن كثيرين منهم كانوا يعتزون بأنهم لا يتنزلون إلى معرفة القراءة والكتابة، وكان أعلم العلماء في ذلك العصر طائفة من القساوسة الفقراء كانوا يصرفون أيامهم في تلاوة كتب العهود القديمة واستظهار آداب العصور الغابرة قبلهم. ولم تنشأ للعلم في الغرب بواكر ولم تبدر له بوادر إلا في أوائل القرن الثاني عشر إذ بدأ أهل الغرب يفطنون إلى وجوب أخذ مبادئ العلم والمدنية عن العرب فكانت إسبانيا وصقلية وإيطاليا الموارد التي ينتجعون إليها لإصابة حظ من المدنية، وكانت هي السبيل التي نفذ منها العلم إلى أوروبا بأسرها. ومنذ عام ١١٣٠ نشأت في قرطبة جامعة لترجمة أسفار العرب وتواليفهم وكان أثر تلك الكتب عظيماً، إذ فتح للغرب مغاليق علم جديد كانوا منه مقفرين وعرفوا منها فلاسفة العصور القديمة من الرومان واليونان وكانوا بهم جاهلين وراحت كتب العرب المنقولة إلى لغات الغرب، هي الموارد الأولى والمراجع الكبرى لجامعات أوروبا ومعاهد العلم في بلادها نحواً من ستمائة عام أو تزيد.

стр. 2633

وعنها تقدمت العلوم الحديثة التي زهى علينا اليوم بها أهل الغرب، كالطب والعمارة والفلسفة والآداب والكيميا والطبيعة وما إلى تلك العلوم من أخوات لها وأقارب. ولو أنك اطلعت اليوم إلى إسبانيا لألفيت فيها آثاراً تدل على الإسلام وما كان من حضارته، ولا تحسب أن المدنية الإسلامية ماتت في تلك البلاد وعفت القرون عليها العفاء فلا تزال ثمت مدائن كثيرة ولا سيما إشبيلية غنية اليوم بآثار العرب مفعمة بالذكريات المتعددة عن مدنيات الإسلام فالبيوت لا تزال تبنى على الطراز الإسلامي ولا تختلف عن بيوت الإسلام وقصوره إلا بفقرها من الزينات والزخارف الجميلة ولا يزال الرقص فيا عربياً والموسيقى عربية ولا تزال المدنية الشرقية تدل على نفسها في وجوه الإسبان ومعارف محياهم، ومن هذا تعلم أنك قد تقتل الأمة من الأمم بأسرها وتحرق كتبها وتهدم آثارها، وتعفى على ذكرياتها ولكن لا تستطيع أن تستأصل الجذور استئصالاً وتنزع التأثير القديم نزعاً وليس في مقدرة الإنسانية أن تقتل ذلك الأثر، ولا تستطيع القرون أن تمحو منه إلا الشيء النزر اليسير. هذه آثار أوجزنا فيها الإيجاز كله على فضل الشرق وابتعاثه على الغرب على التقدم وإغرائه بالرقي وإنشائه هذه الحضارات الزاهية الألوان اليوم، فماذا كان من الغرب في الشرق وماذا ترك الأولون للآخرين. (٢) آثار الغرب في الشرق ما كاد العرب يخرجون من الأندلس ويتركون غرناطة مهد الإسلام في المغرب حتى أخذ الغربيون يسومون أخلافهم فيها العذاب كله وكان أخلق بهم أن يتعلموا ذلك التسامح الذي نشره المسلمون في تلك البلاد وبثوا بذوره ولكنهم جعلوا يقتلونهم تقتيلاً حتى افنوا منهم خلقاً كثيراً وكان ينتظر إذ ذاك أن تفتح الإسبان بعد ذلك عهداً جديداً. وتخرج حضارة كبرى. ولكن إسبانيا لم تقم لها قائمة منذ خرج عنصر الإسلام منها. وتركتها الحضارة الإسلامية ولا تزال حالها قمينة بالرثاء. وهي في ضجعة لا تصحو منها وفي سبات عميق لا يعرف حده. ولا يدرك متى تستيقظ منه. وإذا أنت أجلت البصر في الشرق اليوم، وهو لا يزال في إسار الغرب فما أنت واجد شيئاً تستطيع أن تذكره فضلاً من أفضال المغرب على المشرق إلا إذا كانت المضاربات

стр. 2634

والمقامرات والوسائل التجارية غير المشروعة وتوريد الخمر والبنادق والكتب المقدسة. والتعاليم الفوضوية، والمبادئ الحمقاء. تعد فضلاً وتذكر بالخير والثناء. حتى اشتد الفقر في جميع بلاد الشرق. وعم البؤس. والمجاعة والجدب. ولم تنجح مدنيات الغرب في بلاد الشرق مطلقاً ولم تصب رائد التوفيق لاختلاف مبادئ الشرقيين وأخلاقهم عن مبادئ الغرب وأمثلته العليا. . وتباين نوع الحياة في الشرق عنها في الغرب وتضارب عواطف الشرقيين وعواطف الغربيين. ومن هذا جعل الشرقيون يستشعرون الاستخفاف بالحضارة الغربية. ويجمدون على آدابهم. ويعضون بالنواجذ على كرائم خلقهم. أما مدنية الغرب في البلاد المتوحشة فكانت نتيجتها قاتلة مبيدة بسرعة مدهشة ففي إفريقيا جعل الزنوج يبيدون شعوباً وقبائل. من جراء شيوع الخمر والبنادق في بلادهم. هذا كل ما فعله الغرب في الشرق استناداً على ذلك الحق الجديد الذي أخرجته الفلسفة الحديثة. وهو حق القوي وتنازع البقاء وبقاء الأصلح. وها قد راح الغرب اليوم يمني الدنيا بالمنى المعسولة. وهو أن يعيش الناس جميعاً في عصبة واحدة تحت ظلال السلام المقيم. والأخوة العامة. والإنسانية المشتركة. وهي خدعة من الخدع الماضية. ولا يعلم إلا الله ماذا يراد بالضعيف منها. وماذا يبتغي الأقوياء من ورائها. لأن المعنى لا يزال في بطن الشاعر!.

стр. 2635

عظمة المرأة الشرقية ومركزها في الإسلام لمناسبة مظاهرة السيدات المصريات في هذا الشهر فالمرأة المصرية المسلمة التي كان الناس في بلاد الفرنجة يقرفونها بالجهل ويرمونها بعيشة الحريم وحياة العزلة الصامتة ويضعون التواليف العديدة عن ظلم الرجال لها، وقبرها في خدرها، ولحدها في بيتها، وينشئون الأبحاث المتعددة المترادفة عن المركز الحقير الذي وهموا أن الدين الشرقي العظيم قد أحلها فيه ووضعها عنده، قد نهضت اليوم فما تركت للمرأة الغربية من ناحية الروح الاجتماعية شيئاً تنفج عليها فيه وتعتز به عليها، وتنظر منه ساخرة إليها، وكان من هذا الحادث التاريخي الجليل من ناحية المرأة المسلمة ما يقنع أولئك الذين اتهموا الإسلام بما هو منه بريء ويرد مطاعنهم ويدمغ حججهم في تأخر المرأة الشرقية، على أننا لا نرى من هذه المظاهرات التي أسهمت فيها النساء المصريات أمراً خارقاً للعادة وشيئاً غريباً عن تعاليم هذا الدين الإسلامي العظيم فقد جعل للمرأة مكاناً لم تكن للمرأة الغربية التي يزهى الفرنجة بها اليوم علينا، وكانت المرأة في الإسلام تشرف على جميع الشؤون الاجتماعية والأدبية والأهلية وكانت النصف المتمم للأمة، ومن هذه الوجهة لا نجد خيراً في بسط آراء رجل من كبار فلاسفة الغرب وعلمائها الاجتماعيين الطائري الذكر وهو العلامة جوستاف لوبون في مكانة المرأة في الإسلام ليكون تأييداً لهذه الحركة الجميلة الرائعة. وهذا هو البحث الذي آثرنا أن نستشهد به في قضيتنا الحاضرة. لقد كان للإسلام أثر يذكر في تغيير حال نساء الشرق وتقدمهن، والعمل على رقيهن، فهو لم يخفض من شأنهن، كما يقرفه عن جهالة أولئك الناس الذين لم يهدهم الله فضل البصر وبعد النظر، بل رفع من مكانتهن كثيراً، وسما بهن سمواً كبيراً، ونشلهن من وهدتهن الاجتماعية، بل أن القرآن نص عليهن نصوصاً هي خير كثيراً من السواد الأعظم من شرائعنا الغربية، ولقد كانت المرأة قبل عهد النبي محمد تعد من المخلوقات الوسطى بين الحيوان والإنسان لا تصلح لشيء إلا أن تلد أطفالاً وأن تكون خادماً لسيدها وبعلها، وكان مولد البنات يعد كارثة وزرءاً عظيماً، وكان الآباء يئدوهن، ويدسوهن في التراب أحياء

стр. 2636

تجري فيهن الحياة والروح، ولم يكن هناك قانون يمنع الناس من هذا الأذى والجرم العظيم، كما لا يمنع الإنسان من رمي الكلاب الصغيرة في اللج والماء، وإذا نحن أردنا الآن أن نبحث في التأثير الذي مهد له الإسلام في اعتبار المرأة فعلينا أن نبحث في المكان الذي بلغت إليه المرأة المسلمة إبان حضارة العرب وفي العهد الذي تقدمت فيه مدنية الإسلام، وقد أثبت المؤرخون أن النساء كن يشغلن في الحياة مكاناً لم تبلغ إليه نساء أوروبا العظيمة إلا بعد قرون عديدة، لما انتشرت مبادئ العرب وفروسيتهم وأخلاقهم العظيمة في معاملة النساء عن طريق إسبانيا والأندلس يوم فتحها العرب وبثوا حضارتهم في المشرق والمغرب، فإن سكان أوروبا إنما استفادوا من العرب مبادئ النجدة وأخلاق الفروسية والاحترام العظيم للنساء الذي سنته تلك المبادئ ونصت عليه أخلاق الفرسان وتعاليم الشهامة والنجدة فالإسلام لا المسيحية كما وهم الناس عامة، هو الدين الوحيد الذي رفع المرأة من وهدتها الماضية فبلغ بها إلى المكان الجليل الذي تنعم به اليوم في العالم، فإن سادات أهل القرون الوسطى - وكانوا بالمسيحية مستمسكين - لم يروا للمرأة نصيباً من احترام ولم يعترفوا لها بمكان ولو أنن ألقينا البصر على تواريخنا القديمة لزال كل شك في حقيقة هذا الأمر فقبل أن يتمكن العرب من تعليم المسيحيين معاملة النساء بالحسنى وتلقينهم مبادئ الرفق والإحسان إليهن، والعمل على احترامهن كان الفرسان الغلاظ الأكباد في عهود الإقطاعيات في بلاد الغرب يسيئون إلى النساء أكبر إساءة ويعاملونهن أغلط المعاملة. وقد أظهر لنا التاريخ كيف كان مكان النساء وكيف كان الرجال يعاملونهن في عهد شارلمان، بل وكيف كان شارلمان العظيم نفسه ينظر إليهن إذ ذكر المؤرخ جاران دي لوهران أن شارلمان - ذلك الملك الكبير - في محاورة وقعت بينه وبين أخته نهض متوثباً عليها فأمسك بها من جدائل شعرها وجعل يضربها ضرباً مبرحاً حتى كسر لها ثلاث أسنان بقفازاته الحديدية التي كان يغطي بها يده ولا ننكر أنه تلقى منها الدفاع عن نفسها عدة لكمات طيبة، فإذا كان الملك شارلمان العظيم في عهد غير بعيد من تاريخ الدنيا قد أتى هذا الأمر الإد المنكر الدنيء، فإن الحوذي العصري وسائق المركبة في هذا الزمن يأنف من ذلك ويروح أكثر رفقاً بامرأته وأخواته منه. وخلف بعد العرب خلف أضاعوا تلك الحضارة المشرقة الجليلة وضعف بذلك مكان المرأة،

стр. 2637

ولكن على الرغم من كل ذلك لا تزال حال المرأة المسلمة خيراً من حال أختها في بلاد الغرب وأقل أذى وضيراًـ، وأقرب إلى الصلاح والتقوى منها، على أنه وإن كان نصيب المرأة في الرقي قد ضعف ووهن كما بسطت لك من قبل، فلم يكن هذا من أثر القرآن أو عن رضا من الإسلام بل كان على كره منه ولم يكن للإسلام في إحداثه يد أو عامل من العوامل. وخلاصة ما نقول أن الإسلام هو الدين الذي رفع من قدر المرة، بل هو الدين الأوحد الذي سما بها دون جميع الأديان.

стр. 2638

باب تدبير المنزل طلب إلينا كثير من قرائنا الغيورين أن نفتح هذا الباب في البيان - وأن ننشر فيه الإرشادات النافعة والأمثلة العليا الصالحة لملكات البيوت والأسر السيدات في ضروب تربية الطفل - وتدبير الصحة والمنزل وما إلى ذلك. كيف يربى الطفل وقد رأينا أن ننشر اليوم خلاصة ما ذهب إليه علماء الدنيا السابقون واللاحقون من المبادئ التي نصحوا للإنسانية بضرورة إنفاذها في أكبر علوم الاجتماع، ونعني به التربية لتكون الفصول التي نعقدها هي جماع الطرائق الطلية ولب النظريات التي لا تحصى ولا تعد في فن التربية. (١) - التربية ينبغي أن تبتدئ منذ ساعة الميلاد: لو أننا استطعنا أن تحدث جميع التطورات والتغيرات الاجتماعية التي تصبو إليها نفوسنا وأتعب المصلحون وطلاب الأمثلة العليا أنفسهم في سوق الناس إلى الدنو منها، لما عتمنا إذ ذاك أن نخيب في غرضنا، ولعجزنا عن مواتاة هذا التغيير والإصلاح ولانتكسنا نكسة مكروهة وعدنا رجعة سريعة رهيبة، وذلك أن الناس ليسو متساوين أعدالاً من ناحية المطالب الكمالية ولا تلبث الأخلاق والعادات والظروف المحيطة بالأفراد والمنازع النفسية أن تحل ما أنجزنا بالوسائل الآلية، وتفسد علينا ما فعلنا من التغيير الاجتماعي، فإن التربية المهملة في المبدأ لا يستطيع أحد إصلاحها من جميع وجوهها أو علاجها من جميع عللها، وكثيراً ما تؤدي المساعي التي نبذلها في تقويم اعوجاج الكبار وإصلاح نفوس الشبان إلى نتائج متباينة وغايات متباعدة غير متشابهة وهذا المبدأ ينطبق على جميع ما نشاهده من التجاريب فالفرد الذي تهدمت صحته منذ صغره لا يفتأ يعاني نتائج ذلك كوال حياته، ومهما احتاط لنفسه، واجتهد في العناية بصحته، وقد يعنى أكبر العناية بالإفراط في النظافة والتماس الهواء الطلق السليم للنقي، واختيار الطعام الطيب السريع الهضم واتخاذ الرياضات البدنية الصالحة ثم لا يزال يرى نفسه مع أولئك ضعيفاً مريضاً ضاوياً مهزولاً على أنك تجد الرجل القوي الجثمان الصحيح البدن قد يتمادى في إهمال نفسه، وإطراح العناية بصحته، ولا يكترث البتة بقوانين الصحة، ويضحك منها ساخراً، وينظر إلى العاملين على

стр. 2639

الاستمساك بأهدابها هازئاً ضاحكاً ثم لا نراه مريضاً ولا تلفيه يشكو من صحة أو علة أصابته، اللهم في أندر النادر، ومن ذلك تعلم أن بذل الجهد في العناية بأنفسنا، بلا مبدأ ولا احتفال من الصغر لا يفيد فتيلاً ولا يرد مرداً، وهذا يبعثنا على الاعتقاد بأن الأخلاق تجري هذا المجرى، وتصح عليها هذه الطريقة وهي تتبع السنن التي تنطبق على الطبيعة الإنسانية ومن هذا يتبين لك أن لا بد من البدء بتربية خلق الإنسان وشخصيته من ساعة الميلاد. (٢) - التربية ينبغي أن تسير على نظام معين، فإذا كانت الطبيعة قد هيأت لك وأغنت عنك أمر التطور الطبيعي لطفلك ونمائه الجثماني فقد تركت لك أن تنفذ مقاصدك ومبادئك التي تريد أن يشب عليها طفلك في كل مرحلة من مراحل هذا النماء فعليك أن تكون عليماً بالغرض الذي تريده والوسائل التي تستخدمها في تنفيذ هذا الغرض، فإن أي إنسان أوتي شيئاً من العقل والملاحظة يدرك أن التربية التي لا تجري على نظام، ولا تمشي على شيء معروف لا تحدث إلا اليأس، ولا تنشيء نتيجة طيبة، ولا تجدي أيما جدوى، ومثل ذلك كمثل رجل مصاب بزكام حاد وجعل يأخذ أدوية كثيرة ويحاول علاجاً كثير الألوان ثم يعجب لماذا لم ير للزمام دليلاً على أن سيهم بالرحيل عن أنفه والاختفاء عنه فمهما كانت نظريتك في التربية على جانب عظيم من الحسن والسداد والرجاحة فلا عون لك على الاستفادة منها إلا العناية الشديدة بإنفاذها واستخدام الذكاء واللباقة في اتخاذها، وغلا كانت النظرية الطيبة والنظرية الفاسدة المجنونة سيان من ناحية النتيجة، أما السآمة والضجر والقلق التي يعانيها المربي من جراء اتخاذه طريقة منظمة في تربية أطفاله فهي لا تكاد تذكر بجانب المتاعب التي يعانيها سواه من جراء إهماله إيجاد تربية على نظام معين فإن الأطفال مثلاً قد يصرخون ويصيحون طلباً لشيء من الأشياء أو طمعاً في قطعة من الحلوى أو ما أشبه ذلك، فلا يلبث الآباء أن يبرموا بصراخهم وينزعجوا من صياحهم فينزلوا لهم عن مطالبهم، فلا يؤدي هذا إلا إلى أن الأطفال يعتادون اتخاذ الصياح والبكاء الواسطة الكبرى لغاياتهم ومقاصدهم، ومن هذا كان كثيرون من الآباء بانقيادهم إلى أطفالهم وإذعانهم إلى صياح ولدانهم طلباً للراحة، وإبعاداً للانزعاج لا يصيبون من إذعانهم هذا إلا الألم والاضطراب العصبي ويجد الطفل نفسه أقل سعادة ورضا، إذ يفتقد المرشد والهادئ

стр. 2640

ويعوزه الحارس والرقيب ولكن كل ذلك يستطيع الناس اجتنابه إذا هم اختطوا لأنفسهم طريقاً صائبة طيبة في التربية تعمل على تهذيب الطفل، وتؤدي إلى الغرض الكمالي المطلوب، ومشوا على تلمك الطريقة، وجمدوا على تلك السنة، فلا يحيدون عنها ولا يعتسفون غيرها. فإذا أنت اتخذت هذه الطريقة ولم تنزل للصبي أو الولد عن طلبته بصراخه وخوفاً من ضجته وصياحه، ألفيت نفسك في أول الأمر تعاني منها آلاماً شديدة وتجد منها رهقاً كبيراً، ولكن عليك أن تتحمل صابراً جميع تلك الآلام، وتضطلع بهذا الرهق راضياً، فإن الصحة الجيدة في الآباء وسيلة من وسائل تخفيف تلك الآلام، وإذا كان الآباء أقوياء الأعصاب استطاعوا أن يهزأوا بالألم ويتحملوا العناء غير ساخطين ومن هذا تدرك أن عليك في بادئ الأمر أن لا تكون قلقاً جموحاً مضطرب الأعصاب، تقابل صياح الأطفال بالصياح ويستصرخونك فتستصرخهم وعليك أن لا تتململ ولا تجزع من شقاوة أطفالك. بل يجب أن لا تقاوم أو تحاول استئصال النشاط الوثاب الصياح الصارخ المعول الذي تهب الطبيعة الأطفال في طفولتهم الأولى. (يتبع)

стр. 2641

العدد ٤٨ - بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩١٩

стр. 2642

حضارة العرب في الأندلس الرسالة الأولى من الإسكندرية إلى المرية وكان سيرنا في محاذاة الساحل بحيث نبصره رأي العين، وصرنا نسرح النظر في عمائر وقرى متصلة، وحصون ومعاقل في قلل الجبال مطلة، وقد أرسل إلينا الله ريحاً طيبة رخاء زجت السفينة تزجية طيبة، فكانت تلك الساعة من أطيب ما يظفر به السفر، في هذا البحر، وما زلنا في أنعم حال وأطيبها حتى استقام ميزان النهار وقام قائم الظهيرة وإذ ذاك أبصرنا عن يميننا تسع جزائر متجاورة آنسنا فيها دخاناً يصاعد من جبلين في جزيرتين من هذه الجزائر، فرأيت بعض المسافرين وقد ضربوا بأذقانهم الأرض، لما ألم بهم من الذعر، فقال أبو عبد الله الصقلي لا عليكم أيها الأخوان، ولا تكونن قلوبكم كقلوب الطير تنماث كما ينماث الملح في الماء، إن هذه البراكين مأمونة الناحية، وليست تزفر في النهار إلا هذا الدخان الذي ترون، أما البركان المخوف فهو ذلك الرابض في الجزيرة الكبرى (صقلية) وقد ابتعدنا عنه والحمد لله، وهنا سأله بعض القادمين من المشرق الإفاضة في صوف هذه البراكين وسر تلك الفظائع التي تتوارد أخبارها إلى المشرق، فأخذ أبو عبد الله يفيض في القول على طريقته الفلسفية، ولا بأس إذا نحن أثبتا هنا زبدة قوله إتماماً للفائدة. البراكين في صقلية والجزائر المجاورة لها وما قاله فلاسفة الإسلام في ذلك قال أبو عبد الله ما ملخصه: من المعلوم الذي لا خفاء به أن هذه الكرة الأرضية السابحة في الفضاء بجملتها وأجزائها ظاهرها وباطنها طبقات، ساف فوق ساف، مختلفة التركيب والخلقة، فمنها صخور وجبال صلبة، وأحجار وجلاميد صلدة، ورمال جريشة، وطين رخو، وتراب لين وسبارخ وشورج، بعضها مختلف ببعض، أو متجاورة كما قال الله جل شأنه ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ وهي مختلقة الألوان والطعوم والروائح فمن ترابها وأحجارها وأجبالها حمر وبيض وسود وخضر وزرق وصفر كما قال جل ثناؤه: ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، وهي مع ذلك كثيرة التخلخل والثقب والتجاويف والعروق والجداول والأنهار داخلها وخارجها، كثيرة الأهوية والمغارات

стр. 2643

والكهوف وفيها من أنواع المعادن السائلة والجامدة ما لا يحصى كثرة، وهذه الأهوية والأواه إذا حمي جوف الأرض بتأثير الشمس فيه كتأثير القمر في مد البحر وجزره سخنت تلك الأمواه ولطفت وتحللت وصارت بخاراً وارتفعت وطلبت مكاناً أوسع، فإن تكن الأرض كثيرة التخلخل تحللت وخرجت تلك البخارات من تلك النوافذ، وإن يكن ظاهر الأرض شديد التكاثف حصيفاً منعها من الخروح وبقيت محتبسة تتموج في تلك الأهوية لطلب الخروج، وربما انشقت الأرض في موضع منها وخرجت تلك الرياح مفاجأة وانخسف مكانها ويسمع لها دوي وهدة وزلزلة، وإن لم تجد لها مخرجاً بقيت هناك محتبسة وتدوم تلك الزلزلة إلى أن يبرد جو تلك المغارات والأهوية ويغلظ وتتكاثف تلك البخارات وتجتمع أجزاؤها وتستحيل إلى ماء وتخر راجعة إلى قاع تلك الكهوف المغارات، وتمكث زماناًـ، وكلما طال وقوفها ازدادت صفاء وغلظاً حتى تصير زئبقاً رجراجاً وتختلط بتربة تلك المعادن وتتحد بها، وقد تستحيل إلى كبريت أو نفط أو غيرهما حسب اختلاف ترب القاغ، فيكون من ذلك ضروب الجواهر المعدنية المختلفة الطبائع - قلنا أن في الجبال جبالاً وفي الرض أرضين يجوفها كهوف ومغارات وأهوية حارة ملتهبة، فهذه الكهوف قد تجري إليها مياه كبريتية أو نفطية دهنية فتكون لها دائماً - فإذا اختنقت هذه المواد بفعل الحرارة ذهبت صعداً تطلب الخلاص - فقد تكون هذه المواد دخاناً صرفاً كما هي حال هذين البركانين في هاتين الجزيرتين، وهذا الدخان يخرج بقوة شديدة حتى لقد يقذف فيه الحجر الكبير فترده رداً قوياً - وقد تكون هذه المواد أحجاراً محترقة ومواد أخرى كبريتية ونفطية نارية تخرج كالسيل العرم فلا تمر بشيء إلا أحرقته كما يكون من جبل النار الذي في الجزيرة نفسها، وترى هذا الجبل يرمي فيما يرمي بجمر كبير كأعدال القطن يقع بعضه في البر فيصير حجراً ابيض خفيفاً يطفو على وجه الماء لخفته، والذي يقع في البحر يصير حجراً أسوداً مثقباً تحك به الأرجل في الحمامات، وهو كذلك لخفته يطفو على الماء، ومن غريب الأمر أنه إذا وقع هذا الحجر على حجر احترق ذلك الحجر واشتعل كما يشتعل القطن حتى يصير ذلك الحجر غباراً كالكحل، أما الحشيش وسائر ضروب النبات فلا تحترق، ولا يحترق إلا الحجارة والحيوان، فكأنها نار جهنم التي وقودها الناس والحجارة.

стр. 2644

هذا ويسمي الأهالي عندنا أحد البركانين الموجودين في هاتي الجزيرتين (بركاناً) ويسمون الآخر (استنبري) ومعنى بركان واستنبري فيما علمت الرعد والبرق. وقد لاحظت أن معادن الكبريت الأصفر لا توجد في الأعم الأغلب إلا بجانب البراكين، ففي هاتين الجزيرتين معدن كبريت لا يوجد مثله بموضع آخر، رأيته ورأيت القطاع الذي يقتطعونه - رأيتهم وقد تمرطت شعورهم ونصلت أظفارهم من حره ويبسه وهم يذكرون أنهم يجدونه في بعض الأيام سائلاً متميعاً فيتخذون له في الأرض مواضع يجتمع فيها م يجدونه في غير ذلك قد تحجر فيقطعونه بالمعاويل، وكذلك ترى بجانب جبل النار الذي في الجزيرة نفسها آبار زيت النفط الذي لا يخرج منها إلا في وقت معلوم من السنة - في شهر شباط وشهرين بعده - فتراهم في ذلك الوقت ينزلون في هذه الآبار على درك ويخمر الرجل الذي ينزل فيه رأسه ويسد مسام أنفه - منخريه - وإن تنفس في أسفل البئر هلك لساعته، وما يستخرجونه من هذا الزيت يضعونه في أواني فيعلو الدهن منه وهو المستعمل، وذلك كله مما يدل على طبيعة هذه الأرض الغريبة الشن ولله في خلقه شؤون، سبحانه مالك الملك لا لإله غيره. مدينة بلرم حضرة جزيرة صقلية ولقائي أميرها أبا الحسين أحمد كان وصولنا إلى مدينة بلرم بعد انفصالنا من مدينة مسيني بيومين كاملين، وكان تعريجنا عليها دون قصد منا إليه، إذ كانت الريح غير موافقة في ذلك اليوم وهو يوم الأحد الخامس عشر من شهر جونيو الرومي سنة ست وخمسين وتسعمائة من مولد السيد المسيح، فاضررنا أن نقيم في هذه المدينة ريث أن تأتي الريح الموافقة، ولقد اهتبلت هذه الفرصة فجلت في المدينة جولة وقفت فيها على أشياء كان لا بد من اجتلائها، وقد أسعدني الحظ فقابلت أميرها من قبل المعز لدين الله الفاطمي أبا الحسين أحمد بن أبي الحسن الكلبي وجرى بيني وبينه حديث مشوق سأذكره لك بعد أن آتي على وصف هذه المدينة إن شاء الله. مدينة بلرم هي حضرة جزيرة صقلية، ففيها يقيم الوالي الذي يوليه الفاطمي وفيها قاضي

стр. 2645

القضاة وديوان الحسبة ودار الصناعة، وفي مينائها يربض أسطولها الأعظم، ومنها يغدو ويروح مختالاً في ثبج هذا البحر فيغزو ما شاء أن يغزو من جزائره وعدوته الشمالية - جنوب أوروبا - وهي لذلك كله وبفضل ما أحدثه المسلمون فيها من ضروب العمران تراها من أجمل المدن وأفخمها - فهي بهذه الجزائر أم الحضارة، والجامعة بين الحسنين غضارة ونضارة، فما شئت فيها من جمال مخبر ومنظر، ومراد عيش يانع أخضر، تتطلع لك بمرأى فتان، وتتخايل بين ساحات وبسائط كلها بستان، فسيحة السكك والشوارع، تروق الأبصار بحسن منظرها البارع، مبانيها كلها بمنحوت الحجر المعروف بالكذان يشقها نهر ينساب فيها مثل الحية المذعور، أو السيف المشهور، ويطرد في جنباتها أربع عيون زاخرة عليها أرجاء كثيرة لا تحصى. بلد أعارته الحمامة طوقها ... وكساه حلة ريشه الطاوس كأنما الأنهار في ساحاتها ... خمر وكأن ساحات الديار كؤس وهي تنقسم إلى خمسة أقسام محدودة متباينة متجاورة، فقسم هو المدينة الكبرى التي تسمى بلرم، يسكنها التجار، وفيها المسجد الجامع، الذي كان في القديم بيعة للروم، وهو الآن لبديع ما فيه من الصنعة والغرائب المبتكرة من ضروب التصاوير وصنوف التزاويق التي أبدعها المسلمون فيه يعد من أعجب عجائب الدنيا النامة عن حذق العرب ومهارتهم في الصناعة إلى الحد الذي لا وراءه، في هذه المدينة وفي أقسامها الأخرى نيف وثلاثمائة مسجد ولم أر مثل هذا العدد في بلد من البلدان، ومن غريب الأمر أني كنت واقفاً في جوار دار أحد الفقهاء الأعيان في هذه المدينة وهو أبو محمد القفصي الوثا قي فبصرت فريباً من مسجده على مقدار رمية سهم عشرة مساجد، ومنها المسجد تجاه المسجد لا يفصلهما إلا الطريق وأغرب من ذلك أن من بين هذه العشرة المساجد، وغلى نحو عشرين خطوة من مسجد الفقيه القفصي المذكور مسجداً لابنه ابتناه ليتفقه فيه، منعزلاً عن أبيه، وهذا عمرك الله مما يستشف الناظر من ورائه أبهة القوم واعتزازهم بسلطانهم وأنهم سادة هذه البلاد ولا جرم كان ذلك باعثاً لهم على التنافس في المفاخر والمكارم وسائر خلال الخير والكمال، وهو معنى من المعاني التي يستتبعها الملك والغب والسلطان. أما القسم الثاني من أقسام بلرم فهو المعروف بالخالصة، وهو مقام الوالي وأتباعه، وليس

стр. 2646

فيه أسواق ولا فنادق، وبه حمامان، وفيه مسجد جامع مقتصر صغير، وفيه حبس الوالي ودار صناعة البحر والديوان. والأقسام الأخرى الثلاثة، فقسم يعرف بحارة الصقالبة، وهذا القسم أعمر من القسمين السابقين وأجل ومرسى البحر به، وآخر يسمى حارة المسجد، وثالث يسميه القوم الحارة الجديدة، وأكثر الأسواق في هذا القسم كسوق الزياتين والصيارفة والصيادلة والخرازين والصياقلة والنحاسين وسوق القمح وسائر الصناع على اختلافهم، وفي هذه الحارة الجديدة نحو من خمسين ومائة حانوت لبيع للحم وهذا مما يدل على استبحار العمران في هذه الجزيرة ورخاء أهليها وكثرة عديدهم، فسبحان المعز لمن يشاء. ولقد حدثني الفقيه الوثائقي حديثاً يجمل بنا أن نجلوه لك الآن فقال: إن المسلمين لما فتحوا هذه الجزيرة، وبلاد قلورية من بر الأرض الكبيرة واستوثق لهم الأمر، ومدت لهم أمم الفرنجة يد الإذعان أخذوا حسب عادتهم في كل بلاد يفتحونها بنية الإقامة فيها، وإصلاح حال أهليها، في أن يستنقذوا هذه البلاد من تلك الحمأة المنتنة التي كانت مرتطمة فيها أيام حكم الرومان، فنشروا في البلاد ألوية العدل، وعمدوا إلى الزراعة فانتعشت بعد صرعتها، وإلى التجارة فهبت من رقدتها، وإلى الصناعة فانتاشوها من وهدتها، ووثب الأهلون وثبة كأنما أنشطوا من عقال، فكثرت الأموال واغدودقت الخيرات إلى الحد الأقصى، وافتن الناس فاتنانهم في ضروب الترف والنعيم واتساعالعيش والتأنق فيه والتلون بأزهى ألوانه. قال الفقيه: أما عدل المسلمين فإنك لتجد انصارة هذه البلاد لا يكاد المسلمون ينمازون عنهم بشيء، فالجميع يرتعون متبحبحين متحابين، وكل متمتع بعيشه وعقيدته وطقوسه فللنصارى كنائسهم كما أن للمسلمين مساجدهم، وإذا جاء عيد من الأعياد رأيت أعلام النصارى بجانب أعلام المسلمين، أما علم النصارى فقد صور فيه صليب مذهب في بهرة ساحة حمراء، وعلم المسلمين قد رسم فيه حصن أسود في ساحة خضراء، وأما نساؤهم فربما رأيتهن اليوم (الأحد) وهن ذاهبات إلى الكنائس، وقد تشبهن بنساء المسلمين لأن المغلوب كما تعلم مولع دائماً بتقليد الغالب، فانتقبن بالنقب الملونة، وانتعلن الأخفاف المذهبة، ولبسن الحرير الموشى بالذهب، والتحفن اللحف الرائقة، وتزين بكل ما يتزين به المسلمات: إن من يدخل الكنيسة يوماً ... يلق فيها جآذراً وظباء

стр. 2647

وليس يطلب من النصارى سوى تلك الأتاوة التافهة المفروضة عليهم لقاء قومة السلطان على الرعية، وهي دينارات يؤديهما غنيهم في كل شهر، ودينار واحد يؤديه صناعهم وأرباب الحرف منهم، أما النساء والأطفال فليس بمفروض عليهم وهم يقرون بأنهم لم يذوقوا طعم هذا العيش الأخضر إلا على عهد المسلمين. أما الزراعة فقد شققنا الأنهار، واحتفرنا الجداول، وأقمنا عليها القناطر الحاجزة وأحيينا الأرض الغامرة، فأخصبت ودرت وربت، وأخذت زخرفها وازينت، وجلبنا إلى هنا كثيراً من الأشجار والأزهار وضروب النبات التي لم يكن ليعرفها أهل البلاد الأصليون مثل القطن والقصب وشجرة الزيتون والبردي الذي لا يوجد إلا في مصر وكثير غير ذلك. وأما الصناعة فقد خطت بفضل المسلمين خطوات بعيدة المدى فاستثرنا دفائن الأرض ومعادنها من الفضة والنحاس والرخام والحديد، ومهر المسلمون في ضروب الصناعات الشتى الألوان، فحذقوا صنع الحرير والصباغة وما إليهما وكذلك تراهم قد برعوا وأربوا وتفوقا في سائر العلوم الصناعية بله الأدبية والدينية والفلسفية حتى أن الفرنجة لانبهارهم من براعة المسلمين فيما بلغني يقرفونهم بالسحر، وما هو عمر الله بالسحر، إن هو إلا تسنمهم ذورة الكمال، وهوى هذه الأمم الحمراء إلى الحضري الأوهد والنجم تستصغر الأبصار صورته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر. وأما التجارة فلعلك فد شاهدت كثرة السلع والبضائع المجلوبة إلى هذه البلاد، والحوانيت والمتاجر المتكاثرة في شوارع البلد، وكذلك عساك قد أبصرت الحركة المباركة في مينائنا وعمار المكوس فيها مما تتحقق منه أن الجزيرة قد شأت شأواً بعيداً في التجارة بفضل نشاط المسلمين وإقدامهم وبعد هممهم، وكل ذلك بما أثر فيهم روح هذا الدين القويم وآدابه الإلهية. لقائي الأمير أبا الحسين أحمد ابن أبي الحسن الكلبي والي جزيرة صقلية وإني لجالس مع الفقيه الوثائقي في مسجده بعد أن تغدينا وصلينا صلاة الظهر ثم أخذنا بأطراف الحديث بيننا إذ دخل علينا المسجد خادم من قبل الأمير، فذعر الفقيه عندما أخذت

стр. 2648

عينه هذا الخادم فذعرت لذعره ثم قال الخادم إن الأمير يدعوك الساعة إليه ومعك ضيفك المصري، فقلت للفقيه أثم ما يخاف منه فأفرخ روعي وقال الآن لا أظن ثمت شيئاً أكثر من رغبة الأمير في أن يستطلع منك طلع مصر والمصريين، وأميرنا حفظه الله من خواص أهل الأدب وعليتهم، وإنه لذو حظ عظيم من رجاحة العقل وسجاحة الخلق يحب الأدباء ويقربهم إليه ويتحدث معهم كما يتحدث النظير مع النظير، على أن اليوم في صقلية كأنه عيد من أعياد الأهلين، إذ كان قد ورد من أيام على الأمير كتاب من أمير المؤمنين المعز لدين الله يأمر الأمير فيه بإحصاء أطفال الجزيرة وأن يختتنهم ويكسوهم ويحبوهم بالعطايا في اليوم الذي يختتن فيه ولد أمير المؤمنين، فكتب الأمير خمسة عشر ألف طفل ثم اختتن ولده وأخوته، وقد أمر اليوم باختتان سائر أطفال الجزيرة وخلع عليهم وفرق فيهم مائة ألف درهم وخمسين حملاً من الصلات وردت عليه من أمير المؤمنين فكيف نتوقع شراً من الأمير في مثل هذا اليوم المبارك. وقد كان مع الخادم بغلتان فارهتان من مطايا الأمير وقد جللتا بالديباج وحليتا بالفضة، فركبت أنا والفقيه وسرنا حتى وصلنا إلى دور الإمارة فوقعت عيني على شيء لم تقع على مثله من قبل: قصور كالكواكب لامعات ... يكدن يضئن للساري الظلاما * * وقبة ملك كأن النجو ... م تفضي إليها بأسرارها لها شرفات كأن الربيع ... كساها الرياض بأنوارها * * كأن جن سليما الذين ولوا ... إبداعها فأدقوا في مغانيها ولما أن وصلنا إلى دور الإمارة اشار علينا الخادم بالنزول وأسلمنا إلى الحجاب فساروا بنا في ممر مفروش بالصحباء، تتخللها الفسيفساء، ثم سلكوا بنا حدائق فيحاء، مترامية الأنحاء، قد اغلولبت فيها الأشجار، وتعلقت بأغصانها الأطيار، وانسربت فيها الجداول، واعشوشبت فيها النجوم والأزهار. والجو من أرج الهواء كأنه ... ثوب يعنبر ويمسك

стр. 2649

وما زلنا إلى انتهينا إلى قصر الأمير، فرجع الحجاب بعد أن أسلمونا إلى الحجاب المقربين، فرقي بنا هؤلاء سلماً من الرخام ينتهي بالراقي عليه إلى بهو عظيم يملأ صدر الناظر إليه مهابة وجلالاً فاجتزناه واجتزنا بعده غرفاً ومقاصير عدة حتى انتهينا إلى مجلس الأمير، وناهيك به ملجساً لم أر ما هو أحق منه بقول من قال: قصر لو أنك قد كحلت بنوره ... أعمى لعادة إلى المقام بصيرا أبصرته فرأيت أبدع منظر ... ثم انثنيت بناطري محسورا فظننت إني حالم في جنة ... لما رأيت الملك فيه كبيرا تجري الخواطر مطلقات أعنة ... فيه فتكبو عن مداه قصورا ضحكن محاسنه إليك كأنما ... جعلت لها زهر النجوم ثغورا وإذا الولائد فتحت أبواه ... جعلت ترحب بالعفاة صريرا عضت على حلقاتهن ضراغم ... فغرت بها أفواهها تكبيرا فكأنما لبدت لتهصر عندها ... من لم يكن بدخوله مأمورا ومصفخ الأبواب تبرا نظروا ... بالنقش فوق شكوله تنظيرا وإذا نظرت إلى غرائب سقفه ... أبصرت روضاً من السماء نضيرا وصنعت به صناعها أقلامها ... فارتك كل طريدة تصويرا وكأنما للشمس فيه ليقة ... مشقوا بها التزويق والتشجيرا فلما أقبلنا على المجلس غلبني البهر من جلالة الأمير، فسلم الفقيه الوثائقي ثم سلمت بعده بالإمارة فرد علي السلام باشاً في وجهي وأذن لنا بالجلوس، وقد كان قاضي القضاة جالساً على يسار الأمير، ثم أخذ الأمير في أحاديث شتى يقصد بها لعله أن يؤنسني وينفي الوحشة عن ساحتي، وبعد أن آنس مني الأنس به قال: أي منتوى ينتوي أخونا المصري إن شاء الله، فقلت إني أنتوي يا مولاي القطر الأندلسي، فقال: ومتى زايل مصر؟ فقلت منذ نيف وعشرين يوماً فقال: وكيف فارقتها.؟ فقلت: على أحسن حال يا مولاي الأمير. فقال: وكيف حال الأمير أنوجور وحال كافور معه فقد اتصل بنا أن كاوفراً قد استبد به وغلبه على أمره. فقلت: إذا كان كافور يا مولاي قد استبد بالأمير أنوجور فإن المصريين قد استبدوا بكافوا، فقد أصبح كافور للمصريين لا لنفسه ولا للأمير، فسيرته فينا عادلة رشيدة، وحاله

стр. 2650

معنا جميلة سديدة لأنه يعلم أن الملوك إنما هم خدام الرعية فكيف يظلمونها ويستجيزون كيدها ولم يستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ على أن كافوراً ليس هو وحده الذي ينهض بأعباء الملك، وإنما يشد إزره، ويشاركه أمره، وزيرنا الأعظم، أبو الفضل جعفر بن الفرات وغيره من رجالات الدولة. فقال الأمير: ولكن أليس أليق بكم وأسمى وأنبل أن يلي أمركم ابن بنت رسول الله صلى الله علية وسلم أمير المؤمنين المعز لدين الله، وأنت تعلم أيها الأخ أن العباسيين قد ضعف أمرهم، وتضعضعت حالهم، والتاث عليهم ملكهم، وانتزى الأعاجم والأتراك على البلاد فاقتطعوا الممالك منهم وتفردوا بالأمر دونهم - أما عبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس فقد اكتفى بما في يده من الممالك المترامية الأطراف، فلم يبق إلا أن يستظلوا بظل خلفائنا الفاطميين حتى يحموكم ويردوا عنكم طمع الطامعين. وهنا طار طائر الغضب إلى رأسي فلم ألبث أن اندفعت قائلاً: إن مولاي الأمير حفظه الله يعلم أنه إذا عد من أظلم الظلم وأنكر النكر أن ينقض جارح من الجوارح على وكر طائر آمن في سربه فيزعجه في سكنه، وينغص عليه عيشته، ويستلبه سراحه وحريته، ويضطرهإما إلى الظعن إلى جو غير جوه، أو الإقامة بجواره بين مخلبه وظفره، فإن من الظلم الذي لا ظلم وراءه أن تعدو أمة على أخرى وحجتها في ذلك أن تحميها من طمع الطامعين. أليس من السفسطة، وابعد ما يقال في باب المغالطة، أن يعدو قوم على قوم بحجة أن هذا العدوان إنما هو وقاء لهم من عدوان الآخرين؟ ولم لا تبدأ هذه الأمة بنفسها فتريح غيرها من عدائها إن مولاي الأمير ليعلم أن فطرة الإنسان معجونة بحب وطنه، ولذلك يقول بقراط: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه، ويقول جالينوس: يتروح العليل بنسيم بلده كما تتروح الأرض الجدبة ببلل القطر، والكريم يا مولاي يحن إلى جنابه، كما يحن الأسد إلى غابه، فلا جرم أن يتغلغل حب مصر والمصريين في السواد من حبة القلب مني، حتى لكأني المعني بقول من يقول: كأن فؤادي من تذكرة الحمى ... وأهل الحمى يهفو به ريش طائر وكيف لا أحب بلداً ولدت فيه، وأرضه هي أول أرض مس جلدي ترابها وقد طعمت غذاءها، وشربت ماءها النمير، ماء نيلها المبارك الذي يعذر الأقدمون عن زعمهم أن الجنة منبعه انسرب منها إلى هذه الخضراء:

стр. 2651

بلد صبحت به الشبيبة والصبى ... ولبست فيه العيش وهو جديد فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أفنية الشبات تميد * * ألا يا حبذا وطني وأهلي ... وصحبي حين يذكر الصحاب وما عسل ببارد ماء مزن ... على ضمأ لشاربه يشاب بأشهى من لقائكم إلينا ... فكيف لنا به ومتى الإياب ومولاي الأمير يعلم علماً ليش بالظن أن الحكام الغرباء عن البلاد مهما كانت منزلتهم من العدل لتأبى عليهم سنة الله في خلقه إلا أن يضيموا الرعية التي لا تمت إليهم برحم أو آصرة موطن، أما رهط المرء فرحم الله من قال: لعمري رهط المرء خيرٌ بقيةً ... عليه وإنا عالوا به كل مركب إذا كنت في قوم عداً لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب لذلك كله أقول وأنا آمن الأمير: ولي وطن آليت أن لا أبيعه ... وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا وهنا أطرق الأمير ثم ابنعث قاضي القضاة قائلاً: أظن أخانا المصري لا يغيب عنه أن الأرض ملئت اليوم جوراً ظلماً وعدواناًَ، وذاع الفساد في البلاد وعم الشر وطم، فلا بد من إمام عادل يملأ الدنيا قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلما، ولا يكون هذا الإمام إلا من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وها هو ذا قد صدق رسول الله وعده وجاء إلينا إمام المسلمين العادل الرحيم البار برعيته، الداعي إلى الحق والقائم بنصرته مولانا وابن مولانا المعز لدين الله ابن مولانا المنصور ابن مولانا القائم ابن مولانا عبيد الله المهدي أدام الله تأييده، هذا إلى أنه لا يوجد اليوم بين ملوك المسلمين من هو أعز من مولانا نفراً وأكثر مالاً ووفرا، وأقوى سلاحاً وشوكة وأبعد في سياسة الأمم تجربة وحنكة، فكان لذلك من الواجب الحتم على كل مسلم أن يعمل على نشر دعوته، ويستظل برعاتيه، فما كاد قاضي القضاة أن يتم كلامه حتى ابتدرت فقلت: إن المصريين لا ينكرون على أمير المؤمنين المعز لدين الله شيئاً مما قلت بيد أن مولانا حفظه الله يعرف مما عرف من طبائع البشر أن الأمة التي تغلب على أمرها، ويخفق عليها لواء غيرها، وتصبح بالاستعباد آلة

стр. 2652

لسواها وعالة عليها، يقصر أملها ويبلى رجاؤها وتضوى أرواحها. واحتمال الأذى وروية جاني ... هـ غذاء تضوى به الأجسام وذلك لما خضد الغلب عليها من شوطكتها، وكسر من حميتها، فيفضي ذلك على كر الأدهار، وتعاقب الليل والنهار، إلى أن ترأم الذل والاستخذاء، وتشتمل بأردية الكسل والوناء، فيكون من نتاج ذلك ضعف النشاط في القوى الحيوية وهلم حتى يتناقص عمرانهم وتتلاشى مكاسبهم ويعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم، فيصبحوا مغلبين لكل متغلب، طعمة لكل آكل، نهباً مقسماً لكل ناهب، وثمت شيء آخر وهو أن الإنسان يا مولاي رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له، والرئيس إذا غلب على رآسته، كبح عن غاية عزه تكاسل حتى عن شبع بطنه ورى كبده، وهذا سر ركب في غرائز البشر كما أنه يوجد مثله في الحيوانات المفترسة، فإنها لا تسافد كما يقولون إذا كانت في ملكة الآدميين. ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام

стр. 2653

الإنسان وضميره مختارات من فلسفة الدكتور رولسون وآرائه طبع في هذه الأيام الأخيرة كتاب ممتع، غريب المنحى بقلم الرئيس ويلسون اختص بطبعه فرنسا وحدها، ولم ينشر قبل اليوم في غيرها، لا في أميركا ولا في بلاد البريطان، وقد وسمه ذلك السياسي العظيم بعنوان عندما يثوب الإنسان إلى نفسه والناظر في هذا الكتاب يتبين من تضاعيفه أصول هذه النزعات الطريفة التي جعلت من ذلك الرئيس حامل الوحي السياسي، وواضع خريطة الدنيا القادمة. ونحن نقتطف من ذلك الكتاب الجديد الذي وضعه هذا الرجل جملة من الآراء والشذرات الطيبة الصالحة. أولئك الذين يريدون أن يعيشوا على المثل الأعلى، ويضعوا نصب أعينهم مبدأ سامياً، ويمشوا في العالم على هدي سنة كمالية، إنما يأخذون على عواتقهم مطلباً صعباً، ويلزمون أنفسهم واجباً قاسياً شامساً، ولكنه ولا ريب لا يزال واجباً جميلاً نيراً بهيجاً ممتلئاً حياة ونشاطاً وقوة. لكي يصل الإنسان إلى ضميره، ويصدر في أعماله عن وجدانه الحقيقي، ينبغي أن لا يفكر في مصالحه الذاتية خاصة، بل كان لزاماً عليه أن يطرح حقائر الأمور، ويدع جانباً صغائر الفعال، ولا يشغل ذهنه باعتقاده أنه المركز من العالم كله، والقطب من رحى الدنيا، بل عليه أن يجيل البصر بعينيه المتفتحتين المحملقتين في الكون. ويكتشف بنظره مجاهل العالم، وأن يتعلم كيف يرى الدنيا على حقائقها حتى يتبين المكان الذي يشغله منها، والدور الذي ينبغي له أن يلعبه فوق مسرحها. ولا ريب في أن الطريق إلى بغيته هذه محفوفة بالأشواك يتخللها القتاد، ويفرع فيها العوسج، وسيلقى في سبيله الإغراءات، وتفتنه الأوهام، وتخدعه الخدائع، وستهوي تحت مواقع قدميه مدارج السلم وتختفي مصاعد المرقى، ولكنه إذا تعلم كيف يتخلص من الهواجس الإنسانية، وطائشة أفكار الدنيوية وإغراءات العمل وهموم الفعل وتنصبه ومتاعبه، إذن فالهدى هداه والنور مضيء له الشبهات، وهو إلى النجاح موفض مسرع. وعلى رغم الدموع والعبرات، والآلام والنكبات، لن يفقد ثباته، ولن يرتد عن مطلبه، ما دام قد حشد قوته لبلوغ الغاية، ووضع عينه على إحراز المقصد، بل سيبقى في نجوة من

стр. 2654

الهواجس والأوهام، بل لا يكون من تلك الأوهام إلا أن ترسل إليه ضياء يهتدي به، ونبراساً يستصبح بنوره نور مطلق فياض، أشبه شيء بأشعة الشمس المخلصة الصريحة الطلعة، يشرق في طريقه ويجعل سبيله فرحة مطمئنة آمنة راضية. إن الساعة التي يثوب الإنسان فيها إلى ضميره تختلف باختلاف الأشخاص والأفراد، فمن الناس فريق لا يرون أنفسهم بحاجة إلى هذه العملية النفسانية، لأنهم وضعوا أمامهم قدوة واحدة. وهي أولئك الرجال الذين استطاعوا أن يتغلبوا على متاعبهم وآلامهم. وكل إنسان أهل للمكان الذي يشغله بين الناس الذين يعيشون معه في مضطرب واحد. ويشتركون معه في عمل موحد. وإذا كان الإنسان لم يولد ليعيش مقصياً في عزلة. منتبذاً عن الدنيا مكاناً بعيداً وحيداً. فلذلك كانت معيشته مرتبطة بالمصالح التي يشاطرهم إياها والروابط التي تربط الجميع. على أن الناس يعملون مختلفين متباينين كل في وجهة، وكل إلى غاية ففريق لا يجدون مرشداً، ولا يضعون للحياة خططاً وهادياً، ولا يفكرون ولا تجري في أذهانهم خواطر ولا تسنح لهم آراء، وآخرون لا يرون إلا مصلحتهم الذاتية، والفائدة التي سيجتازونها من عمل معين أو سبيل معروفة وقليل من الناس أولئك الذين يعملون بنفاذ بصيرة في سبيل تحقيق خطة مرسومة ويسعون سعيهم في سبيل غاية سامية. ليكونوا خدام فكرة من الفكر. أو منفذي مبدأ من المبادئ يضحون في سبيل إنجاحه قلوبهم. ويذيبون من أجله أدمغتهم وعقولهم. ويستنفدون مواهبهم أولئك هم الذين اكتشفوا أنفسهم أولئك الذين وصلوا إلى القطب من أرواحهم. أولئك الذين تعلموا كيف يبلغون الناحية السامية من قلوبهم. وتلك مزية لا يصل المرء إليها إلا بعد تجاريب عدة. وسلسلة من المشاهدات والمرهقات. وما أشد التطورات وأكثر العوارض التي تعترض سبيله إلى هذا المختم العجيب. فالتجربة الأولى لا تني تثب إذ يخرج الشاب من الجامعة أو معهد العلم. ويحس الفتى أنه صار رجلاً فجأة. ويعلم أن حياته قبل ذلك كانت سهلة لامعة مشرقة. في ظل صحابة له يشاركونه آراءه وخواطر شبابه وأنه قد قرأ كثيراً وتعلم كثيراً وأحرز إجازات وشهادات ولكن الذي لا يزال منه في جهل ولا بد من أن يتعلمه بنفسه هو ماذا ينتظر العالم منه. ويرى أنه سيركب بحراً مضطرباً عاصفاً معتلج اللج في وسط سحاب ثقال. تحجب عنه

стр. 2655

المنارة. ولكنه إذا كان من أولئك النفوس العالية ومن الجوهر الإنساني السامي النادر استطاع أن يجعل تلك السحائب سحائب صيف عما قليل تنقشع. اعتاد مسيو باجشو أن يقول أن الرجل الأعزب ليس إلا من الغواة في الحياة ومن الحق أن الرجل الذي لا يعيش إلا لنفسه لم يبتدئ بعد الحياة. ولا يزال تحت التمرين والاختبار وليس من الضروري أن يتزوج حتى يكتشف نفسه. ولكن عليه أن يعرف ما هو الحب. حب لأب أو أم. يضحي بنفسه في الإخلاص لهما. أو حب لمبدأ يتوفر على خدمته بجميع قوى روحه. إذن فعليك بتنمية زهرة التضحية في رفق بقلبك. سواء أكانت التضحية لمخلوق أم كانت لمبدأ. فإذا فعلت جعلت للحياة المعنى الأسمى لها. لأن ما تطلبه الروح من السمو هو أن ينسى الإنسان نفسه في سبيل غيره. كل إنسان في العالم يملك قوتين. وينعم بضربين من المقدرة مقدرة مطلقة ومقدرة نسبية. فأما المطلقة ففي الإنسان قد منح طبيعة ومواهب خاصة به وأما نسبية فإن ذلك فيما يشترك الإنسان فيه مع الجماعات الإنسانية العامة وفيما يجب عليه العمل معها والتضامن والارتباط بها ولا يستطيع الإنسان أن يكتشف نفسه إلا إذا أدرك أنه جزء من هذا الكل وعرف الفريضة التي لزمته من التعاون في سبيل النفع العام وإعطاء مواهبه الحد المتسع لإظهار نفسها. كان الناس منذ عهد غير بعيد إذا تكلموا عن جماعة السياسيين راحوا يتحدثون أحاديث السوء عنهم ويظهرون الاشمئزاز منهم والاحتقار لهم. وكانوا يعدونهم آفة لا بد منها وضريبة ملعونة. ولكن لا مناص منها ولا مفر. لا بقاء السلطان على الفرد وحكومته والنهي والبت في أمره. وتلك نظرية الأنانيين الذين يستخدمون كل شيء لأجلهم. ولا يعملون إلا لمنفعتهم الخاصة، وهذه النظرية قد أحدثت من السوآت والآثام في العالم السياسي ما لا قبل لنا بإحصائه.

стр. 2656

روح الإسلام الفصل الثاني أصول هذا الدين الحنيف وآدابه لكي يكون لهذا الدين روح ثابتة محفوظة باقية وضع محمد لمبادئه وتعاليمه بضعة أركان وفرائض أهمها ما يأتي (١) الصلاة، (٢) الصيام. (٣) الزكاة ورابعتها الحج. إن إيمان الإنسان بالقوة العالية التي تحيط بكل شيء وعجزه في معركة الكون وتقديره بركة الله ورحمته، كل أولئك تجعله يصب مشاعر نفسه والإحساس المستفيض في حبة قلبه. من ألفاظ وكلم من الشكر والقنوت والحب أو الندامة والإنابة والضراعة والابتهال لربه الرحمن الرحيم وليست الصلاة إلا لغة العواطف التي تملأ شغاف القلب الإنساني على أن هذه العواطف لا تزال ترجع إلى تهذيب عظيم. فإن المتوحش الهمجي إذا لم يجد مجيباً لضراعته، محققاً لابتهالاته لا يلبث أن يعمد إلى تأديب معبوده والانتقام من الرب الذي اتخذه لنفسه وضربه بالسياط. ولكن كل نظام ديني وعقيدة منظمة مهذبة لا تزال تعترف بفضل الصلوات. وإن كان يغلب على الكثير منها روح الخرافة والشعوذة ويضعف فيها المظهر الروحاني الخلقي، ثم تجد بعض الأديان خلواً من العنصر الروحاني بتة. فقد كان المجوس والصابئة يعيشون متوفرين على الصلوات مخلدين إلى العبادات وكان المجوسي يصلي ويدعو الله إذا عطس وإذا قلم أظافره أو قص شعر رأسه أو هيأ الخوان. أو أعد مائدة الطعام ليل نهار. وعند إشعال المصباح أو المشكاة ولئن كانت الفكرة الروحانية تجري في قلوب القليلين منهم. فلم يكن لها أثر ما في أذهان العامة وسواد القوم. وقد كان للمجوس صيغتان من العبادة صيغة مقصورة على الطبقات الكبيرة من رجال الدين وأخرى لا يشترك فيها إلا العوام وحثالة الناس. ولم تشتمل الشريعة الموسوية على قوانين خاصة بالصلاة، ولم تنص إلا على أنه عند دفع العشور للقساوسة وتقديم المواليد والأطفال الصغار إلى البركة تؤدى صيغة من صيغ الصلوات إذ كان الوالد أو رب العشيرة يسأل يهوذا أو إسرائيل البركة. ولكن بفضل نشر فكرة أكثر روحانية عن الله بين اليهود وأقطابهم وأساتذتهم لم يلبث اليهود أن أدركوا المعنى الجوهري للصلاة من أنها نجوى بين الله والناس، وكان من فضل الزمن والطقوس

стр. 2657

والعادات عند خلو الدين الموسوي من قانون معين واضح عن شرائط الصلاة وأركانها أ، اليهود أصبحوا شعباً يحتفظ بتأدية الصلوات، وإذ ذاك ضربت مواقيت للعبادة، وعينت ساعات، وهي ثلاث في اليوم، في التاسعة والثانية عشر والثالثة. على أ، الاحتياج إلى عون القساوسة والكهنة والافتقار إلى نموذج انحدر من صاحب الشريعة نفسه وصيغة أخذت عنه ذاته، لم يلبثا أن جعلا من الصلاة عند السواد لأعظم من اليهود عملاً آلياً لا أكثر ولا أقل. أما تعاليم المسيح وهي الخطوة الثانية التي خطتها الإنسانية إلى تهذيب الروح الدينية في الإنسان فقد احتوت الروح والجوهر والمعنى الحقيقي للصلاة. وقد جعلها صاحب الشريعة المسيحية فريضة عملية. بأن وضع هو بنفسه لها النموذج ونصب نفسه لها القدوة. وجاء هو بالصيغة. وقد احتذى حواريوه الأولون حذوه فألقوا الأهمية الكبرى حول وجوب عبادة الله وشكرانه ولكن الحاجة إلى قاعدة متينة تسترشد بها الجماهير على مدة الزمن ومر الأجيال وكر الدهور تركت المسيحيين بلا هاد يضيء لهم السبيل إلى الصلاة الصحيحة وجعلتهم خاضعين للقساوسة إذ احتكر هؤلاء الحق في تحديد العدد والمدة والنصوص الواجبة للصلوات ومن هذا نشأت الطقوس الكثيرة والمجالس والمجامع التي تنعقد لحل شؤون الدين. والنظر في اعترافات الضمائر والوجدانات. ومن هنا نشأت عبادة الرهبنة الكسلى البليدة واحتشاد الجموع العظيمة من أهل المسيحية في الكنائس في يوم واحد من أيام الأسبوع لسد العجز الذي حصل لهم من طعام الأرواح في الستة الأيام الباقية. ومن هنا صار القسيس الذي كان معناه في الأصل (الخادم للدين) بمثابة وارث الإمارة الدينية عن المسيح. وقد انتهت جميع هذه المناقص والضلات إلى الحد البعيد وبلغت أقصاها في القرن السابع من الميلاد إذ ظهر محمد النبي العربي فبدأ ينادي العالم إلى سنة منقحة مهذبة من الأديان فلما سن للصلاة سنناً وقواعد. أدرك نزوع الروح الإنسانية إلى صب حبها لله وشكرها للخالق في عبارات وكلم فجعل تأدية هذه الفريضة على مواقيت محدودة وبذلك وضع النظام لها للمحافظة عليها وحمايتها من الزيغ. ومنع الأفكار من أن تضل فتهيم في وادي المادة والمحسوس.

стр. 2658

ودق كتب كاتب من كتاب الإنكليز عن الصلاة والعبادة في الإسلام فقال من أكبر مفاخر الإسلام أن معابده لا تقوم ولا تشاد بالأيدي وأن فرائضه وشعائره يصح أن تؤدى في أي مكان من أرض الله أو تحت سمائه كذلك تعلم أن أي مكان يعبد فيه الله بإخلاص وإيمان طاهر مقدس. وأن المسلم إذا كان في داره أو خارج داره وآذنت الساعة بالصلاة لا يني يصب مشاعر نفسه في خطاب موجز رهيب موجه لله . ولا يتعب المسلم الإطالة في الصلاة، لأنها تجري في روح واحدة وهي الخشوع لله، وتمجيد الرحمن والشكر للغفار الوهاب والركون إلى مغفرته، والثقة برحمته ولم تؤت المسيحية من عظمة روح العبادة واضطلاع النفوس بعاطفة التسبيح مثل ما أوتي الإسلام وقد أجمع الرواة وتضافرت الأسانيد وهي المؤرخ الصادق والمحدث الثقة عن الماضي على شرح كيف كان النبي يبكي في الصلاة في حرارة عاصفة واشتعال العبادة في فؤاده وكيف كان ابن عمه الفتى النبيل والسيد العظيم يسترسل في صلاته ويستأنى في عبادته حتى تتخدر أطرافه وتكل قدماه من أثر السجود. والإسلام بعد ذلك لا يعترف بطوائف من القساوسة ونظام الكهنوت ولا يأذن لقوم باحتكار رعاية الدين. وقصرها على أنفسهم. ولا يسمح لفريق بالتفرد بالبركة الإلهية وحق التوسط بين الله والناس. بل إن كل روح تناجي خالقها بلا وساطة وسيط. ولا سمسرة سمسار ولا حاجة بالمسلمين إلى تقريب القرابين للظفر بالقربى من الله. بل كل فرد هو قسيس نفسه. وليس في إسلام محمد رجل أسمى من رجل. وفرد يفضل فرداً بل الجميع سواء. وقد شكا كتاب الغرب من العقلاء تعقد الصلوات في الإسلام وتشعبها وكثرتها ولكن الشرعة التي وضعها القرآن هي من السهولة والبساطة والوضوح والجلاء بحيث تشاء فهي تنص النصوص على مطالب الإيمان وأركان الدين. ولكن قلما توضع قواعد وأحكاماً محدودة لطريقة تأديتها. على أن النبي هو الذي استن عدة شعائر للمحافظة على الصلوات. وإن طريقة التعميد في الديانة المسيحية. وكذلك عادة الدهانات التي كان يتبعها قدماء المصريين واليهود ورجال الدين في نحل الشرق القديمة وأديان الغرب البالية تدل على الأهمية التي كان يعقدها أولئك القوم على التطهر الخارجي والنظافة السطحية. فلما جاء محمد احتفظ بهذه الشعائر. واستمسك بهذه السنة ولكنه لم يرتض الطهارة الخارجية وحدها.

стр. 2659

بل علم الناس أن النظافة الظاهرية والتطهر البدني لا يقتضيان الإيمان الصادق والعبادة المطمئنة وأنه لا بد من تطهر الروح بجانب طهارة البدن. ولا غناء عن خشوع النفس وغسل أردانها في سبيل القربة من الله. ولكي يبقى مهد الإسلام حياً باقياً في ذاكرة العالم الإسلامي، علم محمد قولوه أن يولوا وجوههم شطر مكة وجعلها القبلة التي شهدت الضياء الأول من نور الحق الجديد ورأى ببصيرة النبي الآثر العظيم الذي يحدث من تحديد بقعة عامة تجتمع عندها على كر الأدهار عواطف أهل دينه والمؤمنين بعهده فوصى المسلمين أن يولوا وجوههم عند الصلاة صوب الكعبة. وفي هذا يقول ستانلي لين بول: إن مكة للمسلم بمثابة أورشليم للإسرائيلي فهي تعيد إليه قروناً وأجيالاً من الذكريات. وتحمل المسلم فتعود به إلى مهد إيمانه ودينه ومولد نبيه. وتذكره عهد النضال الذي كان بين الدين القديم والدين الجديد. وتحطيم الأصنام وكسر شوكة الأوثان وتأسيس دين الله الواحد القهار. بل فوق كل هذا تدعوه إلى ا، يذكر أن أخوانه المسلمين جميعاً يعبدون الله موجهين وجوههم صوب المكان الذي ولى هو وجهه نحوه. وأنه ليس إلا فرداً في شركة من المؤمنين. تربطهم جميعاً عقيدة واحدة. وتجري في نفوسهم آمال واحدة. يقدس الفرد منهم ايقدس الجمع. ويجتمعون على عبادة إله واحد. وقد دل محمد باحتفاظه بذكر المهد الأول للإسلام على علمه الواسع. ونفاذ بصيرته وتمكنه من معرفة النزعات الدينية الصحيحة في الإنسان!. إن فريضة الصوم وجدت بين جميع الأمم ولكن ينبغي أن نقول أن المعنى الذي كان يفهم منها والفكرة التي كانت تلتصق بها في العالم القديم وفي أهل الدين الغابرين جميعاً بلا استثناء هي أدنى إلى التعذيب منها إلى قمع الشهوات. حتى أن فكرة الصوم في الشريعة اليهودية لم تلبث أن نمت حتى أصبح يفهم منها أن الصيام ليس إلا المغالاة في تعذيب النفس وسومها العذاب الشديد والرهق العظيم، ومنهم أخذ المسيح هذه الفكرة كذلك. وقد كان استمساك عيسى بهذه الفريضة الباعث الذي جعل الصوم عند المسيحيين فريضة مقدسة ولكن الفكرة السائدة لدى أهل المسيحية عامة من ناحية الصلاة هي أنها الصوم يقصد به إلى التكفير والاقتداء بالمسيح على أن وسائل تعذيب البدن طواعية واختياراً كانت شائعة

стр. 2660

في أهل المسيحية شيوعها في كثير من الأديان الأخرى. ولكن تلك العذابات الجثمانية كانت تنتهي في أغلب الأحايين بقتل القوة الذهنية وهدم القوة الجثمانية. والذهاب بالنشاط وإحداث ضرب من البلادة والمرض العقلي والزهد الممقوت. ولكن المقصد من الصوم في الإسلام ليس إلا قمع الشهوات بالاحتماء من إشباع الشهوة مدة معينة من الوقت وحرمان النفس مباهج الحواس، وتوجيه الروح الحيوانية في الإنسان إلى سبيل صحية نقية طاهرة. أما تعذيب البدن وإرهاقه الإرهاق الذي لا جدوى منه ولا موجب له فمحرم في الإسلام، منهي عنه، وذلك أن الصوم فريضة على أقوياء الجسوم وأهل الجلد والبأس والصحة ليكون وسيلة لهم إلى تطهير الروح بوضع حد لشهوة البدن وبحرمان الجثمان أما الضعفاء والمرضى الذين في سفر أو طلاب العلم ودراس الجهاد الأكبر والنساء في المحيض فقد أغناهم الدين عن الصوم وأعفاهم من فريضته. فإذا نحن ذكرنا ما كان من نهم اليونان القدماء وشهوانية الرومان والفرس وإغراق عرب الجاهلية الأولى في اللهو وإفراطهم في الشهوات ومباهج البدن، وضروب الحيوانية، والشرور والمناقص، فلا نلبث أن ندرك قيمة هذه الفريضة ونتبين نفعها وصلاحها لقمع شهوات الإنسان، ولا سيما بين الشعوب التي لم تصب حظاً عظيماً من المدنية. على أ، الصوم في الإسلام كما اقتضت حكمة القرآن مقصور على النهار وللمسلم في الليل أن ينعش جهازه البدني بالاعتدال في تناول الطعام والشراب وتمتيع جثمانه في غير محرم أو إثم وهذه شرعة سهلة لا يراد بها قتل النشاط، وإحداث البلاهة والجنون، وقد قرر علماء الإسلام وأساطينه ومشرعوه بوجوب تطهير الذهن في خلال الصوم من الأفكار الشريرة والخواطر الآثمة. وعدم الاقتصار على تطهير البدن. لم يسبق الإسلام دين من الأديان سن شرعة للصدقات وإيتاء الأرامل واليتامى والمساكين، ووضع مبادئها من بين أركان الدين وأدمجها في الفرائض وخصها بجزء عظيم من أصوله، ولقد كانت المسيحية الأولى أعياد تسمى أعياد الصدقات، ولكن أمثال هذه الأعياد كانت تتوقف على إرادة الناس، ولذلك كان تأثيرها ضعيفاً عرضياً لا يلبث أن يزول، ود أثبت التاريخ أن تلك الأعياد التي كان يتصدق فيها أهل المسيحية الأولى لم تلبث أن أبطلت بعد زمن قصير من سنها واشتراعها وتقريرها.

стр. 2661

ولكن كل فرد ملزم شرعاً في الإسلام أن يخص جزءاً معيناً من نشبه ومالة في سبيل إعانة المساكين وأهل الحاجة، وهذا الجزء مقدر بواحد من أربعين من قيمة العقار أو النشب أو الأملاك أو أرباح التجارة وما إلى ذلك جميعاً على أن الصدقات لا تجب إلا إذا بلغت الثروة مقداراً معيناً وكانت ملك صاحبها عاماً كاملاً ولا تستحق الزكاة عن الإبل التي تبتذل في زراعة الأرض، أو في حمل الأثقال وإذا انتهى شهر رمضان وحل يوم عيد الفطر رضخ كل رب عشيرة بصدقات عن نفسه وأفراد بيته والضيف الذي أفطر ونام في بيته خلال شهر الصوم. وقد عين القرآن أهل الحاجة الذين تجب لهم الزكاة والصدقات، ولعل أحسن ما في الإسلام أنه جاء بمبادئ عيسى من ناحية التصدق والإحسان على الفقير فجعلها في قوانين محدودة وألبسها لباس السنة والتشريع. والحكمة التي أدخلت على الإسلام ميقاتاً مضروباً للحج كل عام إلى مكة ومقام الكعبة لم يكن منها إلا أن بثت في دين محمد روح الإخاء والائتلاف والود والامتزاج على كثرة اختلافات الفرق الدينية ومنازعات أهل النحل. فإن أعين العالم الإسلامي إذ تستقر على تلك القبلة العامة، إنما تحيي في صدر كل مسلم شعلة من القبس السماوي الذي أنار العالم وذهب بظلمات الجاهلية الأولى، وهنا نرى حكمة ذلك المشرع صاحب الرسالة والوحي تسطع وتشرق علينا في وجوهنا إذا نحن تدبرنا الشروط اللازمة لإنفاذ الحج والقيام بهذه الفريضة وهي بلوغ الرشد والعقل والبصيرة والحرية التامة الكاملة واستطاعة دفع نفقات النقلة والطعام في السفر ومكنة طالب الحج من الإنفاق على بيته في غيابه في الحج وسهولة الطريق إليه وامتناع المشقة والعنت في السفر. ولما كانت العرب في الجاهلية يستمسكون بتقاليد وشعائر دقيقة تكاد تكون أشبه شيء بالشعائر البراهيمية في شدتها ودقتها، وذلك من ناحية صلاحية ضروب من الأطعمة والأكل وفساد أخرى فقد نصح النبي لأهل ملته أن يعتقدوا بأن كل لحم أو طعام محلل، إلا أشياء حرمها ونهى عن أكلها وورد ذكرها في القرآن وأما الخمر والميسر وهما الآفتان الوبيلتان اللتان طاحتا بالجماعات المسيحية، وكانتا حرباً على كثير من أهل الطبائع الدنيا والنفوس الغثة الضعيفة فقد حرمهما الإسلام تحريماً قاطعاً، ونهى عنهما النهي المطلق،

стр. 2662

على أن ليس في جميع الشعائر التي وضعت للعالم، والتعاليم التي لقيت لتهذيب أهل الدنيا، تعاليم ولا شعائر هي أسهل منالاً وأحنف مقصداً وأوفق للطبائع وأدعى لتقدم الناس وتزكية نفوسهم من تعاليم النبي العربي لأن القواعد القليلة التي سنها للشعائر الدينية، لم يراع فيها إلا استتباب النظام في الجماعات الإسلامية وتأسيس المساواة والاتحاد والولاء ولكنها لم تكن من الصلابة بحيث لا تقبل مرونة ولا ترتضي ليناً وتهذيباً بل أذن في التجاوز عن نصوصها والتنصل من قيودها في عدة وجوه من مرض أو بواعث أخرى، لأن القرآن يقول يريد الله بكم اليسر لأن الإنسان خلق ضعيفاً وإذا كان محمد قد أحاط تعاليمه بطائفة من السنن والشرائع والتقاليد فإنما كان ذلك منه ليؤدي فكرة محسوسة عن الدين لعامة البشر. وقد وضع عيسى سنتين اثنتين، التعميد والعشاء الرباني، ولو أنه عاش أكثر مما عاش في الأرض لأضاف عليها وحشد لها وحشدها. ولكن الأمر الذي لا ريب فيه هو أنه لو كان عاش لرأى أن يضع دينه على قاعدة نظامية أكثر مما هي عليه، ولأقام تعاليمها على جدار متين، وهذا النقص الأساسي في المسيحية هو في الحق السبب الجوهري الذي بعث المسيحيين على إنشاء مجالس الكهنوت، ومجامع أهل الدين، وإنشاء النحل والمذاهب والعقائد المختلفة الألوان والآراء والبنود والنصوص التي تتحطم وتتهدم إذا مسها العقل أو عالجها التفكير المتخلص من القيود وهكذا ترك المسيح عمله غير تام. وأبقى لمصلح آخر غيره واجب تنظيم مبادئ الخلق والآداب الاجتماعية وأنت فتعلم أن علاقتنا مع الله أمر يخص الضمائر وأما علاقتنا بالمخلوق فيجب أن تسن لها آداب عامة وقوانين محدودة، وليس في الدنيا نفوذ أو سلطان هو أدعى إلى ضمان إنفاذ هذه الآداب، وإطاعة تلك القوانين، من سلطان الأديان، وينبغي أن لا نعد الدين مجموعة تعاليم وعظات تنحدر إلى عامة الناس من ذوائب منابر الخطباء والوعاظ ولا أن نرى الدين عقيدة تغذي أهل الأذهان الخيالية التي تعيش على الأحلام وإنما ينبغي أن نعتبر الدين قانون الحياة كلها، وأن نعد الغرض الأكبر منه السمو بالإنسانية إلى الكمال الذي هو الغاية من الوجود، فإذا كان هذا هكذا فإن الدين الذي يضع المبادئ الأساسية للأخلاق ومجموعة الفضائل ووالفرائض الأدبية على قاعدة منظمة، ويسن القوانين للروابط الاجتماعية والفرائض الإنسانية ويقربنا رويداً رويداً باتفاقه والفطرة ومشيه وسمو الذهن وعمله على تهذيب القلب، من الكمال

стр. 2663

الأعظم - لي إلا ديناً خليقاً بالاحترام والإكبار وقد امتاز الإسلام وتفردت شخصيته بأنه يجمع في صميمه جميع المبادئ العالية والسنن السامية في الأديان القديمة وكل ما يمشي مع العقل ويتابع الغريزة، وترتضيه الفطرة الإنسانية وليس الإسلام فقط شريعة تحتوي طائفة من القواعد الأدبية القائمة على المعرفة الصحيحة لفطرة الإنسان ولكنه كذلك سن طائفة من السنن لتهذيب العقل، والضمير ولهذا كانت موافقة مبادئ الإسلام لجميع العصور ولجميع الأمم والشعوب واتفاقها ونور العقل وهدى اللب وتخلصها من العقائد الغامضة التي ترسل ظلامها على الحقائق الأولى المتأصلة في الصدور الإنسانية ليست إلا دلائل على أن الإسلام هو الخطوة الأخيرة التي خطتها الدنيا في ترقية المشاعر الدينية في الإنسان والذين جهلوا المغزى التاريخي المراد من كل مبدأ من مبادئه قد أدى بهم الجهل إلى أن قالوا بأن خشونة تلك المبادئ ومخالفتها لأساليب الفكر الحديث، ومناقضتها للمدنيات الحاضرة ينبغي أن تحرم الإسلام من أي حق في الانتشار والذيوع في الدنيا عامة، ولكن النظر ملياً إلى المغزى التاريخي الذي يفهم من الشرائع والمبادئ الإسلامية، والتسامح قليلاً في البحث والإنصاف في الدرس والفحص لا يلبثا أن يزيلا هذا الفهم السيئ الممقوت فإن صلاحية الإسلام واتساعه وذيوعه وقبوله جميع الآداب الأخلاقية كثيراً ما أسيء فهمها أو أخذت على غير حقائقها أو أخفاها تعصب الأديان المنافسة له، والإسلام من بين جميع أديان الدنيا التي سيطرت على ضمائر الإنسانية هو الدين الفذ الذي جمع بين تلك الآراء التي أنشأت في عصور مختلفة من حياة البسر مصدر سلوك الناس، وأقامت قانوناً يضبط أفعالهم، وبين الشعور بمكان الإنسان وإدراك الطبيعة الإجرامية فيه، فإن اعتقاد المسلم بأنه سيحاسب على ما اجترح، ويجزى بما فعلته يداه، يبعثه على إنكار ذاته ويوحي إليه عاطفة المحبة العامة، والإحسان إلى الناس جميعاً، واعتقاده في العناية الإلهية وفي رحمة الله وحبه وقدرتنه التي وسعت كل شيء يسوقه إلى التواضع أمام الديان، والاستكانة والخشوع إزاء الخالق، ويغريه بتأدية تلك الفضائل الجبارة العظيمة التي تطالب مؤديها بأصعب الأمور، وتحمله العنت والرهق، كالصبر والاستسلام والثبات أمام البلاء الذي يبتلى به الله الناس، وهذه الفضائل هي التي دعت كثيرين من الكتاب إلى اتهام الإسلام بأن فضائله مرهقة تعذيبية أليمة وتجعل المسلم يسائل ضميره ويلح في الحكم عليه وأخذه بالزجر والنهر

стр. 2664

ويدرس البواعث التي تغريه ويستريب بمقدرته أمام عظمة الكون، ويركن إلى عناية الله، في المعركة القائمة بين الشر والخير. وقد كانت الشرائع التي وضعها بعض الأديان وسنت بها فرائض، وأقامت أعمالاً معينة وواجبات، خلواً مما يجعل هذه الشرائع سهلة الإنفاذ ممكنة التأدية، ذلولاً عن الاختبار، وكانت مفتقرة إلى معرفة طبيعة الإنسان تبدو عليها طبيعة الأحلام والأوهام، وتتجلى عليها إمارات الخيال وطلب الكمال من ناحية الوهم والحلم، ولذلك لم تلبث عند تطبيقها في معركة الحياة أن ظهرت بلا جدوى، عقيمة لا نفع منها، وأنت تعلم أن مقدار دين من الأديان من السهولة واللين وإمكان التنفيذ، وسلطانه على العلاقات التي تربط الناس بالناس، في الحياة اليومية، وأثره في الجماهير، وسيطرته على الجماعات، هي الوجوه الحقيقية التي يمكن للناس أن يحكموا على صلاحيته ورجاحة شرائعه، ونحن لا ننظر إلى العقول الشواذ العظيمة والألباب السامية الراقية على مستوى العقول العامة، لنتبين أثر دين من الأديان، بل إنما ننظر ونبحث ونجيل البصر في الجماهير والجماعات لندرك أثره فيهم وموقعه من قلوبهم، ولنرى ما كان من عمق سلطانه عليهم ومقدار السمو الذي يسمو بهم ولنبحث فيما إذا كانت شرائعه قد ألهمتهم معرفة الحق من الباطل، والخير من الشر، ولنتبين هل يصلح هذا الدين سكان أبعد البلاد، وآهلة الأقطار المعتزلة في أركان الدنيا، إذا هو حمل إليهم، وشاع فيهم، أو هل يُسف بهم، ويهوي إلى الدرك الأسفل، ويحط من مكانهم، وهذه هي الأسئلة التي ما نفتأ نسألها إزاء كل دين نريد أن ندرك مكانه من الرجاحة والصلاح. فإذا أردت أن تطبق جميع ذلك على الإسلام ألفيت هذا الدين يجمع بين مبادئ كمالية من السمو بحيث لا يدرك علاؤه، ومبادئ عقلية حقيقية منطقية تقبل التطبيق وترتضي التنفيذ والعمل بها والاسترشاد. ولم ينكر الإسلام الطبيعة الإنسانية ولم يدخل في دروب بعيدة عن المحسوس والواقع والمعقول. بل كان مبدؤه الأول الارتفاع بالإنسانية إلى حدود الكمال المطلق. وكان سبيله إلى بلوغ ذلك الكمال بإدراك أن طبيعة الإنسان في هذه الحياة ناقصة. فإذا لم تقل مبادئ الإسلام (إذا ضربك أخوك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر) وإذا أدنت بمعاقبة المسيء على قدر إساءته. فقد علمت الناس كذلك فضيلة العفو والمغفرة والصفح

стр. 2665

والخير والرفق ومقابلة الشر بالخير. ولم تكن هذه المبادئ العالية باعثة عواطف كاذبة، وتصنع باطل، ورياء من رياء العاطفة. بل ما فتئت عند المسلم الحق المؤمن برسالة محمد المنفذ لوصاياه وتعاليمه هي مبادئ الحياة المحققة المنفذة. ذلك إسلام محمد، فهو ليس عقيدة ورأياً ومذهباً لا غير. بل هو حياة تعاش ودين العمل خير العمل والتفكير خير لتفكير والقول خير القول. دين مؤسس على الحب الإلهي. والحسنة العامة والمساواة التامة بين الناس أمام رب الكون. ولئن كان أساتذة الإسلام في عهدنا قد أطفأوا شيئاً من مجد ذلك السيد النبي العظيم حتى ليصبح الإنسان كذلك كتاباً من نقائص وعيوب الإسلام في عهده الحاضر فإن ذلكم الدين الذي يقيم منار الحق والعدل، يستحق أن يعترف به محبو الإنسانية وطلاب الخير للعالم الإنساني.
следующие страницы →