← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

ولكن كل فرد ملزم شرعاً في الإسلام أن يخص جزءاً معيناً من نشبه ومالة في سبيل إعانة المساكين وأهل الحاجة، وهذا الجزء مقدر بواحد من أربعين من قيمة العقار أو النشب أو الأملاك أو أرباح التجارة وما إلى ذلك جميعاً على أن الصدقات لا تجب إلا إذا بلغت الثروة مقداراً معيناً وكانت ملك صاحبها عاماً كاملاً ولا تستحق الزكاة عن الإبل التي تبتذل في زراعة الأرض، أو في حمل الأثقال وإذا انتهى شهر رمضان وحل يوم عيد الفطر رضخ كل رب عشيرة بصدقات عن نفسه وأفراد بيته والضيف الذي أفطر ونام في بيته خلال شهر الصوم. وقد عين القرآن أهل الحاجة الذين تجب لهم الزكاة والصدقات، ولعل أحسن ما في الإسلام أنه جاء بمبادئ عيسى من ناحية التصدق والإحسان على الفقير فجعلها في قوانين محدودة وألبسها لباس السنة والتشريع. والحكمة التي أدخلت على الإسلام ميقاتاً مضروباً للحج كل عام إلى مكة ومقام الكعبة لم يكن منها إلا أن بثت في دين محمد روح الإخاء والائتلاف والود والامتزاج على كثرة اختلافات الفرق الدينية ومنازعات أهل النحل. فإن أعين العالم الإسلامي إذ تستقر على تلك القبلة العامة، إنما تحيي في صدر كل مسلم شعلة من القبس السماوي الذي أنار العالم وذهب بظلمات الجاهلية الأولى، وهنا نرى حكمة ذلك المشرع صاحب الرسالة والوحي تسطع وتشرق علينا في وجوهنا إذا نحن تدبرنا الشروط اللازمة لإنفاذ الحج والقيام بهذه الفريضة وهي بلوغ الرشد والعقل والبصيرة والحرية التامة الكاملة واستطاعة دفع نفقات النقلة والطعام في السفر ومكنة طالب الحج من الإنفاق على بيته في غيابه في الحج وسهولة الطريق إليه وامتناع المشقة والعنت في السفر. ولما كانت العرب في الجاهلية يستمسكون بتقاليد وشعائر دقيقة تكاد تكون أشبه شيء بالشعائر البراهيمية في شدتها ودقتها، وذلك من ناحية صلاحية ضروب من الأطعمة والأكل وفساد أخرى فقد نصح النبي لأهل ملته أن يعتقدوا بأن كل لحم أو طعام محلل، إلا أشياء حرمها ونهى عن أكلها وورد ذكرها في القرآن وأما الخمر والميسر وهما الآفتان الوبيلتان اللتان طاحتا بالجماعات المسيحية، وكانتا حرباً على كثير من أهل الطبائع الدنيا والنفوس الغثة الضعيفة فقد حرمهما الإسلام تحريماً قاطعاً، ونهى عنهما النهي المطلق،

стр. 2662

على أن ليس في جميع الشعائر التي وضعت للعالم، والتعاليم التي لقيت لتهذيب أهل الدنيا، تعاليم ولا شعائر هي أسهل منالاً وأحنف مقصداً وأوفق للطبائع وأدعى لتقدم الناس وتزكية نفوسهم من تعاليم النبي العربي لأن القواعد القليلة التي سنها للشعائر الدينية، لم يراع فيها إلا استتباب النظام في الجماعات الإسلامية وتأسيس المساواة والاتحاد والولاء ولكنها لم تكن من الصلابة بحيث لا تقبل مرونة ولا ترتضي ليناً وتهذيباً بل أذن في التجاوز عن نصوصها والتنصل من قيودها في عدة وجوه من مرض أو بواعث أخرى، لأن القرآن يقول يريد الله بكم اليسر لأن الإنسان خلق ضعيفاً وإذا كان محمد قد أحاط تعاليمه بطائفة من السنن والشرائع والتقاليد فإنما كان ذلك منه ليؤدي فكرة محسوسة عن الدين لعامة البشر. وقد وضع عيسى سنتين اثنتين، التعميد والعشاء الرباني، ولو أنه عاش أكثر مما عاش في الأرض لأضاف عليها وحشد لها وحشدها. ولكن الأمر الذي لا ريب فيه هو أنه لو كان عاش لرأى أن يضع دينه على قاعدة نظامية أكثر مما هي عليه، ولأقام تعاليمها على جدار متين، وهذا النقص الأساسي في المسيحية هو في الحق السبب الجوهري الذي بعث المسيحيين على إنشاء مجالس الكهنوت، ومجامع أهل الدين، وإنشاء النحل والمذاهب والعقائد المختلفة الألوان والآراء والبنود والنصوص التي تتحطم وتتهدم إذا مسها العقل أو عالجها التفكير المتخلص من القيود وهكذا ترك المسيح عمله غير تام. وأبقى لمصلح آخر غيره واجب تنظيم مبادئ الخلق والآداب الاجتماعية وأنت فتعلم أن علاقتنا مع الله أمر يخص الضمائر وأما علاقتنا بالمخلوق فيجب أن تسن لها آداب عامة وقوانين محدودة، وليس في الدنيا نفوذ أو سلطان هو أدعى إلى ضمان إنفاذ هذه الآداب، وإطاعة تلك القوانين، من سلطان الأديان، وينبغي أن لا نعد الدين مجموعة تعاليم وعظات تنحدر إلى عامة الناس من ذوائب منابر الخطباء والوعاظ ولا أن نرى الدين عقيدة تغذي أهل الأذهان الخيالية التي تعيش على الأحلام وإنما ينبغي أن نعتبر الدين قانون الحياة كلها، وأن نعد الغرض الأكبر منه السمو بالإنسانية إلى الكمال الذي هو الغاية من الوجود، فإذا كان هذا هكذا فإن الدين الذي يضع المبادئ الأساسية للأخلاق ومجموعة الفضائل ووالفرائض الأدبية على قاعدة منظمة، ويسن القوانين للروابط الاجتماعية والفرائض الإنسانية ويقربنا رويداً رويداً باتفاقه والفطرة ومشيه وسمو الذهن وعمله على تهذيب القلب، من الكمال

стр. 2663

الأعظم - لي إلا ديناً خليقاً بالاحترام والإكبار وقد امتاز الإسلام وتفردت شخصيته بأنه يجمع في صميمه جميع المبادئ العالية والسنن السامية في الأديان القديمة وكل ما يمشي مع العقل ويتابع الغريزة، وترتضيه الفطرة الإنسانية وليس الإسلام فقط شريعة تحتوي طائفة من القواعد الأدبية القائمة على المعرفة الصحيحة لفطرة الإنسان ولكنه كذلك سن طائفة من السنن لتهذيب العقل، والضمير ولهذا كانت موافقة مبادئ الإسلام لجميع العصور ولجميع الأمم والشعوب واتفاقها ونور العقل وهدى اللب وتخلصها من العقائد الغامضة التي ترسل ظلامها على الحقائق الأولى المتأصلة في الصدور الإنسانية ليست إلا دلائل على أن الإسلام هو الخطوة الأخيرة التي خطتها الدنيا في ترقية المشاعر الدينية في الإنسان والذين جهلوا المغزى التاريخي المراد من كل مبدأ من مبادئه قد أدى بهم الجهل إلى أن قالوا بأن خشونة تلك المبادئ ومخالفتها لأساليب الفكر الحديث، ومناقضتها للمدنيات الحاضرة ينبغي أن تحرم الإسلام من أي حق في الانتشار والذيوع في الدنيا عامة، ولكن النظر ملياً إلى المغزى التاريخي الذي يفهم من الشرائع والمبادئ الإسلامية، والتسامح قليلاً في البحث والإنصاف في الدرس والفحص لا يلبثا أن يزيلا هذا الفهم السيئ الممقوت فإن صلاحية الإسلام واتساعه وذيوعه وقبوله جميع الآداب الأخلاقية كثيراً ما أسيء فهمها أو أخذت على غير حقائقها أو أخفاها تعصب الأديان المنافسة له، والإسلام من بين جميع أديان الدنيا التي سيطرت على ضمائر الإنسانية هو الدين الفذ الذي جمع بين تلك الآراء التي أنشأت في عصور مختلفة من حياة البسر مصدر سلوك الناس، وأقامت قانوناً يضبط أفعالهم، وبين الشعور بمكان الإنسان وإدراك الطبيعة الإجرامية فيه، فإن اعتقاد المسلم بأنه سيحاسب على ما اجترح، ويجزى بما فعلته يداه، يبعثه على إنكار ذاته ويوحي إليه عاطفة المحبة العامة، والإحسان إلى الناس جميعاً، واعتقاده في العناية الإلهية وفي رحمة الله وحبه وقدرتنه التي وسعت كل شيء يسوقه إلى التواضع أمام الديان، والاستكانة والخشوع إزاء الخالق، ويغريه بتأدية تلك الفضائل الجبارة العظيمة التي تطالب مؤديها بأصعب الأمور، وتحمله العنت والرهق، كالصبر والاستسلام والثبات أمام البلاء الذي يبتلى به الله الناس، وهذه الفضائل هي التي دعت كثيرين من الكتاب إلى اتهام الإسلام بأن فضائله مرهقة تعذيبية أليمة وتجعل المسلم يسائل ضميره ويلح في الحكم عليه وأخذه بالزجر والنهر

стр. 2664

ويدرس البواعث التي تغريه ويستريب بمقدرته أمام عظمة الكون، ويركن إلى عناية الله، في المعركة القائمة بين الشر والخير. وقد كانت الشرائع التي وضعها بعض الأديان وسنت بها فرائض، وأقامت أعمالاً معينة وواجبات، خلواً مما يجعل هذه الشرائع سهلة الإنفاذ ممكنة التأدية، ذلولاً عن الاختبار، وكانت مفتقرة إلى معرفة طبيعة الإنسان تبدو عليها طبيعة الأحلام والأوهام، وتتجلى عليها إمارات الخيال وطلب الكمال من ناحية الوهم والحلم، ولذلك لم تلبث عند تطبيقها في معركة الحياة أن ظهرت بلا جدوى، عقيمة لا نفع منها، وأنت تعلم أن مقدار دين من الأديان من السهولة واللين وإمكان التنفيذ، وسلطانه على العلاقات التي تربط الناس بالناس، في الحياة اليومية، وأثره في الجماهير، وسيطرته على الجماعات، هي الوجوه الحقيقية التي يمكن للناس أن يحكموا على صلاحيته ورجاحة شرائعه، ونحن لا ننظر إلى العقول الشواذ العظيمة والألباب السامية الراقية على مستوى العقول العامة، لنتبين أثر دين من الأديان، بل إنما ننظر ونبحث ونجيل البصر في الجماهير والجماعات لندرك أثره فيهم وموقعه من قلوبهم، ولنرى ما كان من عمق سلطانه عليهم ومقدار السمو الذي يسمو بهم ولنبحث فيما إذا كانت شرائعه قد ألهمتهم معرفة الحق من الباطل، والخير من الشر، ولنتبين هل يصلح هذا الدين سكان أبعد البلاد، وآهلة الأقطار المعتزلة في أركان الدنيا، إذا هو حمل إليهم، وشاع فيهم، أو هل يُسف بهم، ويهوي إلى الدرك الأسفل، ويحط من مكانهم، وهذه هي الأسئلة التي ما نفتأ نسألها إزاء كل دين نريد أن ندرك مكانه من الرجاحة والصلاح. فإذا أردت أن تطبق جميع ذلك على الإسلام ألفيت هذا الدين يجمع بين مبادئ كمالية من السمو بحيث لا يدرك علاؤه، ومبادئ عقلية حقيقية منطقية تقبل التطبيق وترتضي التنفيذ والعمل بها والاسترشاد. ولم ينكر الإسلام الطبيعة الإنسانية ولم يدخل في دروب بعيدة عن المحسوس والواقع والمعقول. بل كان مبدؤه الأول الارتفاع بالإنسانية إلى حدود الكمال المطلق. وكان سبيله إلى بلوغ ذلك الكمال بإدراك أن طبيعة الإنسان في هذه الحياة ناقصة. فإذا لم تقل مبادئ الإسلام (إذا ضربك أخوك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر) وإذا أدنت بمعاقبة المسيء على قدر إساءته. فقد علمت الناس كذلك فضيلة العفو والمغفرة والصفح

стр. 2665

والخير والرفق ومقابلة الشر بالخير. ولم تكن هذه المبادئ العالية باعثة عواطف كاذبة، وتصنع باطل، ورياء من رياء العاطفة. بل ما فتئت عند المسلم الحق المؤمن برسالة محمد المنفذ لوصاياه وتعاليمه هي مبادئ الحياة المحققة المنفذة. ذلك إسلام محمد، فهو ليس عقيدة ورأياً ومذهباً لا غير. بل هو حياة تعاش ودين العمل خير العمل والتفكير خير لتفكير والقول خير القول. دين مؤسس على الحب الإلهي. والحسنة العامة والمساواة التامة بين الناس أمام رب الكون. ولئن كان أساتذة الإسلام في عهدنا قد أطفأوا شيئاً من مجد ذلك السيد النبي العظيم حتى ليصبح الإنسان كذلك كتاباً من نقائص وعيوب الإسلام في عهده الحاضر فإن ذلكم الدين الذي يقيم منار الحق والعدل، يستحق أن يعترف به محبو الإنسانية وطلاب الخير للعالم الإنساني.

стр. 2666

أبطال الحرية الزعيم كوشيوسكو البولوني ننشر تحت هذا العنوان كلما سنحت الفرصة، وواتانا الزمن، تاريخ أولئكم العظماء الذين وقفوا في طليعة شعوبهم، وسعوا سعيهم للنهوض بأممهم، وأسالوا مهجهم في سبيل إعلاء كلمة بلادهم، ومنحها الحقوق المقدسة التي أراد الله بالناس أن يكونوا في هذا الكوكب الأرضي ناساً بها، وجعلها المزية الأولى، واللازمة الواجبة للحياة، أولئكم البطال الذين إذا ذكرت أسماؤهم على أفواه أهل جلدتهم هزت قلوبهم هزاً، وأرسلت روح الملائكية تشع في حنايا أفئدتهم أولئك الذين يقفون يوم يحشد الله الناس أمام عزته الإلهية صفاً صفاً ويحشرهم جنداً محضرين، في الصفوف الأولى ممن الإنسانية خلف مواقف الأنبياء والمرسلين، وفي المكان السامي الذي أعده الرحمن لهداة الإنسانية ورسله الذين هذبوا من جوانب الحياة، بلا رسالة تنزلت عليهم ولا كتاب جاؤوا به، وإنما قاموا ووحي الله ينهض في جنوبهم، ونور السماء يضيء في أضلاعهم فكانوا أبطال الأرض الذين ظهروا أرجاءها من ذلال الظلم، ومفسدة حكم الإنسان للإنسان. ولسنا نجد شخصية من تاريخ عظماء الدنيا وثبت في بلد من أغرب بلاد الله، هي أحق أن نبدأ بذكر ما كان منها لبلادها من شخصية الزعيم كوشيوسكو بطل بولونيا العجيب فتلكم أجمل صورة من صور أبطال الشعوب، ظهرت في أروع زمن من أزمان الدنيا، وهو الزمن الذي اجتمعت فيه فرنسا وبولونيا وأمريكا في صعيد واحد للاشتراك في حرب الحرية. في المدرسة الحربية بفرسوفيا عاصمة البلاد البولونية، حوال عام ١٧٦٨ كان شاب بولوني يمشي في أفنية الدار ويخطر في رحاب المعهد، يشار إليه بالبنان ويوصف بأن لا مثيل له ولا ضريب في حميته للعمل وتوفره على الدرس والبحث، فبينما كان فتية المدرسة وقرناؤه في المعهد، يلهون ويمرحون، ويرتعون ويجرون في مراكض الشباب، كان يجري من المدرسة إذ ينصرف الطلاب إلى حجرته، فينكب ليالي طوالاً لا يغمض له جفن على دراسة كتب الرياضة والتاريخ وكان إذا عاكسه النوم وأخذ الكرى بمعاقد جفنيه يحاول طرده، ويتحيل الحيل للخلاص منه، فيضع قدميه في صبارة الشتاء في ماء مثلج،

стр. 2667

ولم يشأ بعد أن استطالت به العادة أن ينقع برنامجه ويهذب من خططه، إلا على أن ينام إذا انتصف الليل، وينهض من نومه في الساعة الثالثة من الصبح. أما اللهو والتماس الابتسامة النسائية الحلوة في المرقص، وافتقاد النظرات النواعس من عيون الحسان في المقصف، والجلوس حول المائدة الخضراء تحت حمى القمار، فأي عار كان يراه في ذلك وأي معاب وأي ذام بل كانت بولونيا بولونيا المنكودة المعذية التي تعيش إذ ذاك أسوأ العيس، في الدرك الأسفل من الحياة، إذ وقعت فريسة بين ثلاث دول من الدول الجارحة بروسيا والنمسا والروسيا. وكانت تلك المملكة الأسيفة مفتحة معرضة لكل مغير فاتح. لا حول لها في داخليتها ولا قوة. لا تملك إلا ماضيها الفخم الرائع الجليل. والمفخرة الكبرى بأنها كانت قروناً وأجيالاً السور المنيع الناهض حيال أوروبا يمنع الإغارة الشرقية من ناحية تركيا والتي ظلت أبداً جميلة رفيعة فارسية كريمة. أرض الشعر ومملكة الشمس - تلك كانت الرؤيا التي تتراءى لذلك الفتة الملتهب المتوقد الجياش العاطفة، في أحلامه، وبولونيا كانت الحلم الذي يتجلى له في نجواه ومنامه. وجعل يصيح في أعماق فؤاده. ترى من الذي ينقذها وما السبيل إلى خلاصها! فإذا بلغت به النجوى إلى هذا الحد لم يلبث أن يتحمس فيرفع قبضة يده إلى الخريطة المعلقة فوق الجدار، والمصور الجغرافي الذي تلوح منه الدول الثلاث المفترسة بلاده العزيزة مهدداً مغضباً حانقاً. ثم يعود بعد أن تخفت حدة خلقه فيسقط إلى قراءة كتب فلوطرخس ويدفن وجهه في صفحات كتاب العظماء. ذلطكم الفتى الذي حدثناكم عنه كان يدعى سادي كوشيوسكو، الوطني ذا القلب الحديدي ولد هذا الفتى في اليوم الثاني عشر من شره فبراير عام ١٧٦٤ في نوفومبرودك وعاش في ذلك الإقليم جميع عهد طفولته في الهواء (الطلق) والجو السجسج العليل والريف القروي الهادئ، بين أبيه وهو رجل من أهل الشرف والجندية، هجر العالمن وغادر عيش الجند، وأسلحة القتال، وأخلد إلى العزلة والحياة الساكنة، وبين أمه وأختين صغيرتين. وكان له عم شيخ جعل يعود العشيرة الفينة بعد الفينة فيقضي أشهراًُ معهم ويعلم الطفل الرياضة والرسم واللغة الفرنسية، وزار يوماً صديق من أصدقاء أبيه، وهو البرنس آدم زارتوريسكي وكان رفيق الوالد في الجندية - بيت هذه الأسرة فرأى كوشيوسكو وراعه ما

стр. 2668

قرأ في وجه ذلك الصبي من أسطر القوة والإرادة، وتنبأ بما يضطرم في فؤاده من اللهيب، ويستعر من العاطفة، ولم يكن الصبي كوشيوسكو جميلاً على فتنة جمال، ولم تطن تقاطيع وجهه رائعة متناسبة، ولكن أي قدر عظيم، وقوة هائلة، كانا يتجليان على ذلك الوجه الروماني المعذب، كأنما جميع معارف ذلك الوجه تريد أن تقول (إنا من أولئك الذين يولدون ليكونوا أبطال المبادئ المقدسة، وليضعوا حياتهم في أيديهم، ولا يختموها إلا غزاة عظماء، أو معذبين شهداء). وبفضل حماية ذلك الأمير زارتوريسكي دخل الفتى المدرسة الحربية فلما كان عام ١٧٧٠ كان من بين الفتية الأربعة الذين انتخبهم الملك لتأدية سياحة خارج البلاد على نفقته، فسافر إلى باريس ودرس دهراً في الأكاديمية الحربية بفرسايل ثم تلقن في مدينة برست فن الحصون والاستحكامات والفنون البحرية، وهناك في فرنسا يوم كان بها عام ١٧٧٣ سمع النبأ المخيف الهائل، الذي كان من صحته في ريب أيام نشأته الأولى، وهو نبأ تقسيم وطنه العزيز بين روسيا - وهي التي أصابت نصيب الأسد من الفريسة - وبين النمسا وبروسيا، فعاد إلى فرسوفيا عاصمة بولونيا حزيناً متألماً مجروح الكبد، وانزوى في نفسه، وأخلد إلى العزلة، وراح يمشي وحيداً متوحشاً نافراً مجتوياً العالم، غاضباً من الدنيا، حتى جعل يرفض الدعوات إلى الولائم، والذهاب إلى المآدب، ولا يلقى الناس، ولا يجلس في مجالسهم، بل قصر ساعات يومه على النظر والتفكير في شؤون فرقة الظوبجية التي عهد الملك إليه تقلد مقاليدها، والإخلاء إلى أبحاثه الحربية. ولا عجب أن يقع هذا الشاب المعتزل الوحيد إذ ذاك فيحب ويحتبل في أشراك الهوة، كان هو الحب الوحيد الذي أدركه في حياته، وذلك أن الكونت زامويسكي أقام سنة ١٧٧٦ حفلة رقص عظيمة في يوم عيد الملك ودعا جميع ضباط المملكة إليها فلم يستطع كوشيوسكو أن يفر من هذه (السخرة) الدنيوية أو يتنصل من هذه الضريبة الاجتماعية فلم يكد يضع قدميه في بهو البيت المشرق بالأنوار حتى التقى نظره بوجه فتاة بولونية على فتنة عظيمة، وكانت الفتاة ابنة الجنرال العظيم سوستوسكي مارشال ولاية ليثوانيا. فلم يلبث أن وقع في حبها، كما ينتظر من تلك النار التي تحترق في خبايا قلب ملتهب مثل قلبه، فالتقى بها مرة أخرى، وأعاد اللقاء مرات، ورأى في أثناء ذلك أن حبه متبادل بينه وبين الفتاة قم لم يلبث

стр. 2669

أن تحطم فؤاده إذ سافر الجنرال وابنته عائدين إلى ليثوانيا. ففي العام التالي: وبعد سنة محزونة قضاها في كاراكوفيا ساقت الأقدار كوشيوسكو إلى الانتقال إلى ليثوانيا مع المعسكر وتعين ياورا للمارشال، وقضى ذلك له بأن يقيم في القصر، وهنا اشتدت وقدة الحب، وحميت نار العاطفة، وتمكنت منه حتى وقع يوماً على قدميه أمام المارشال الوالد يطلب يد ابنته، ويبكي ويتضرع، فلم يلق من الرجل إلا هزة كتف سخرية واستكبار، ورفضاً مؤلماً مهيناً، إذ زعموا أن الفتى من بيت صغير، وأسرة غير عريقة في المحتد والشرف!! ومن ذ ذلك اليوم أقاموا حوله الحراس والحفاظ، فاحتج واستنكر، وفكر أخيراً في خطف الفتاة، ورضيت هي به مختطفاً، بعد أن أبوها عليه زوجاً كريمة، وفي ليلة حالكة عاشقة رومانية ساكنة هرب العاشقان وانطلقا مبتعدين أميالاً، فرحين بالنجاة، محبورين بالسعادة، ولكن لم يلبث أن تقلص ظل هذا الفرح، إذ أحاط الجند بهما بالرصاص والنار فشهر كوشيوسكو سيفه ولقيهم لقاء المستميت، وناهدهم مناهدة الشهم المستأيس وقتل منهم خلقاً كثيراً، وخر مضرجاً بدمه لا يعي ما حوله، فلما أفاق من غشيته، لم يجد الفتاة بجانبه، فقام يتعثر في مشيته، ومشى متسانداً متحاملاً حتى بلغ بيت صديقه الشاعر الجندي نيمسويك فطلب دواة وقلماً وقرطاساً وأرسل في الحال استقالته من الجيش إلى فرسوفيا، فبعد أيام معدودات غادر بولونيا وهو لا يحمل من ذكريات ذلك الحب الأليم إلا منديلاً واحداً ذا رائحة وعبق. كانت المستعمرات الأمريكية إذ ذاك قد رفعت في وجه إنجلترا علم الاستقلال، ولما كان كوشيوسكو قد ولد للدفاع عن الحرية في أي بلد من بلاد الله، وتحت كل سماء تظل الأرض، وفي سبيل أي شعب من شعوب الدنيا، غادر كوشيوسكو فرنسا قاصداً أميركا فبلغها في اليوم الخامس من شهر يوليو عام ١٧٧٨ وقدم نفسه إلى البطل العظيم واشنطن، فانبرى ذلك القائد الكبير يسأله ماذا جاء بك أيها الفتى إلينا؟ فلم يكن جواب كوشيوسكو إلا أن قال: جئت لأحارب متطوعاً في سبيل حرية أمريكا!. فقال واشنطن: فيم تصلح أيها الرجل؟. فكان جوابه: جربني تر ما تريد فدفع به واشنطن إلى فرقة من جيوش الأميركان لا مهارة لديها ولا فن فأبلى البلاء الحسن

стр. 2670

وأظهر البراعة التامة في شؤون الحرب، فلما انتصر في موقعة هائلة راح الزعيم الفرنسي بطل الحرية يسأل: من ذا يكون هذا الرجل الذي أبلى البلاء الحسن في هذه الموقعة!، فأجابه أحد ضباط أركان حرب الجيش ذلكم شاب فتى شهم مغوار بولوني الجنسية، أظنه يدعى، إن لم يخطئني حدسي الفتى كوشيوسكو فأجمع لافاييت على أن يرى هذا الشاب، فلما أمسى المساء راح يتنقل في المضارب، وينطلق من مضرب إلى مضرب، حتى دخل عليه في خيمته فألقاه وقد علاه التراب والدم، يفترش الثرى، ويمتهد الخشن من الأرض، ومنذ ذلك العهد راح الرجلان رسولا الحرية كوشيوسكو ولافاييت صديقين حميمين إلى الأبد. وانتهى وطيس القتال عام ١٧٨٣ وظفرت أمريكا بنعمة الحرية والاستقلال بعد أن كان لهذا الزعيم البولوني العظيم فيها شأن يذكر، حتى أن واشنطن قبل أن يعتزل العمل، ويأوي إلى السكون والوحدة في بيته في مونت فرنوف أبي إلا أن يصافح يد ذلك الرجل البطل، وينادي به قائداً من قواد المدفعية، وعرضت عليه الولايات المتحدة لقب الوطني، وأذنت له في الجنسية الأمريكية، واستعدت لأن توظف له وظيفة شهرية مذكورة، وأقطعته أملاكاً واسعة وإيراداً عظيماً فلم يشأ كوشيوسكو أن يبقى في أمريكا، وهزه الحنين إلى وطنه، فسافر إلى ساحل فرنسا، ومن الهافر أسرع إلى بلوغ بولونيا، وقد سبقه إليها مجد مؤثل، وذكر طائر مطير البرق وأشعة الشمسي فاستقبله الجيش أي استقبال، ولكنه لم يطأ بقدميه أرض وطنه، حتى عاد إليه الرثاء لحالها، فأوى إلى عزلته الأولى، ولم يلبث أن أثار إذ ذاك حرباً عواناً على الروسيا التي أبت إلا أن تجعل من أمته شعباً ذليلاً مستكيناً متطامناً وأكره جيوش الروس مرات على التقهقروأوقع بهم القتل والذبح، وانطلقت حميته في قلوب جنده فما تركت قلباً إلا وقعت فيه، ولكن أين لهذا الرجل الوحيد، وجنده القلائل، القبل بتلك الجيوش العظيمة، ولذلك لا غرو أن ينهزم آخر الأمر، وكان من ذلك أن اتفقت الدول الثلاث على تقسيم بولونيا للمرة الثانية. فلم يكن لكشيوسكو الحزين العاجز المتألم أن يقف يشاهد هذا التقسيم اشنيع في وطنه وهو مشبك الذراعين، ينظر صامتاً لا يحرك يداً، بل لم تشأ عيناه أن تنظر إلى ذلك الغزو البطيء الذي أعده الروس لوطنه ويرى قومه في ذل الإسار ويشهد أبناء وطنه يساقون إلى

стр. 2671

الخسف، مشردين في رؤوس الجبال، معتصمين بالغاب الكثيفة، هاربين لواذاً من الطغاة، ورأت كاترين قيصرة الروس هذه الحمية في ذلك الرجل، الذي كان الوطنية مجسمة، والشرف ممثلاً، فشاءت أن تغريه بالمال، وظنت أن المفاتن والإغراءات قد تطفئ شعلة الوطنية في فؤاده، وتكسبه إلى صفوفها، وتشتري وطنيته بثمن بخس دراهم معدودات، وحسب أن إنعامها عليه بألقاب الشرف وأسامي النبل قد تحدث فتنتها فيه، وتطمسي على بصيرته فلا يرى، على أن كوشيوسكو لم يكن خلق لأمثال هذا الخزي، ولم ترتض طبيعته هذا العار المشنوء البغيض، فلا غرو إذا رفض مشمئزاً وهاجر أصدقاءه الجند، واعتزلهم وهو يصيح: رباه. . رباه أعني مرة أخرى أشهر سيفي لأجل وطني فتوجه إذ ذاك إلى دريسدن، ثم إلى لينبرج وهناك تلقى شهادة تثبت أنه فرنسوي الأصل، وهذا الإثبات منحته إياه لجنة الدفاع الوطني في مجلسها الذي انعقد في اليوم السادس والعشرين من شهر أغسطس عام ١٧٩٢. وعند ذلك قضى عاماً فارسياً جواباً أفاقاً فطاف ألمانيا طولها والعرض، وانحدر إلى إيطاليا فراح فيها ضالاً طوافاً هائماً يحمل وطنه في فؤاده ويتحسر على حالة أبناء أرضه، ويرتقب الفرصة التي تمكنه من الدفاع عنها مرة ثانية. فلم يلبث أن وثب رجل من عرض العامة في بولونيا، وطني من الصفوف الأولى من الوطنيين المتقدمين حمية وإخلاصاً لبلده، صانع حبال يدعى كلينسكي، فجمع عشرين ألف صانع من صناع الحبال والخياطين والنساجين، فلما سمع السفير الروسي ريبنسين بنبأ هذا الثائر، حاول عبثاً أن يهدئ من ثائرته ويطفيء مفيه حميته للقتلا والدفاع عن الوطن، حتى دعاه آخر الأمر فلما مثل هذا الرجل العامي بين يديه، جعل ينظر إلى السفير نظرة اعتيادية ساكنة لا تدل على شيء من الاكتراث أو الخوف بل هي إمارة الاستخفاف والهدوء فلم يكن من هذا السفير الذي كان ملك بولونيا نفسه يرتعب منه ويفرق من خشيته، إلا أن قال مغضباً: أيها الرجل ألا تدري أمام من أنت الآن واقف؟ ولم يكد يتم عبارته حتى فك أزرار معطفه فإذا بسترته مفعمه بالأوسمة العديدة والنياشين! وراح يصرخ في البولوني: إذن فانظر وارتعب! ولكن لم يكن من ذلكالعامل البسيط إلا أن قال: لا أرى إلا نجوماً صناعية في صدرك، ولكن أرى مثلها في السماء، يا صاحب الفخامة، ولهذا لا أرتعب ولا أرتعد!.

стр. 2672

واستثارت وحشية الروس القوم إلى القتال، إذ أصر مندوب القيصرة كاترين على أن يخفض عدد الجيش البولوني من ثلاثين ألف مقاتل إلى سبعة عشر لا أكثر، وكان يعني ذلك الأمر تجريد الوطن من السلاح، أو قل معناه العجز ثم الموت السريع!. فثار الجيش البولوني واحتدم غيظه، ونهض منكراً هذا النير الثقيل حتى أن قائد فرقة الفرسان رفض في اليوم الثاني عشر من شهر مارس عام ١٧٩٤ أن يسلم أسلحته وانطلق مفلتاً من فرسوفيا حمي الأنف كبير الإباء، والتحم في موقعة دموية وجند البروسيان إذ أرادوا أن يحموه الطريق، ويمنعوه السبيل، واحتل راوا وانحدر إلى كاركوفيا وكانت الساعة التي كان أهل بولونيا يرقبونها ارتقاب الصديان للماء الزلال، قد دقت إذ ذاك وأذنت، فلما كان الثالث والعشرون من ذلك الشهر، كان كوشيوسكو في بهرة الجند والجيش، وكان قدومه ليلاً فلم ينم أحد من الأهلين ولم يشتمل سرير من السرر على الراقدين فيه، بل لقد كانت ليلة ساهرة ما يغمض فيها جفن، وما يتنزل النوم فيها على محجر أو عين، وقد أشعلت ألوف من المصابيح، ومشى القوم بألوف من المشاعل، وقد تردد في جميع أرجاء المدينة صوت عظيم أجش هائل يقول في واحد ليحيى كوشيوسكو ليحيى منقذ البلاد ليحيى المخلص، مسيح الوطن ولكن الرجل لم تشكره مشمولة ذلك الترحيب الحار البديع، بل أبى أن يضيع دقيقة واحدة وإنما هرع إلى إدارة محافظة المدينة وأقفل جميع أبواب كاركوفيا وجمع كل ما وصل إلى يده من الأسلحة، وأوحى إلى مجلس الشيوخ أن يجتمع بكل سرعة، فاجتمع وقدم إليه عصا القائد العام للجيوش البولونية، وخول له سلطة عرفية تامة، وفي جنح ذلك الليل، أمر بتجنيد شباب الشعب وفتيانه، بلا تمييز قوم دون قوم، أو إعفاء أبناء طبقة دون طبقة، وحدد السن من الثامنة عشرة إلى السابعة والعشرين ولم يكد ينبثق الفجر، وتبدو جيوش النور من المشرق حتى تعاهد القائد كوشيوسكو وجنده على الموت في سبيل الدفاع عن الوطن. فلما طلع النهار ألقى أمر بجمع ما في الخزائن العمومية من الأموال، ومصادرة ما في القصور من الكنوز وجمع الثروات الأهلية، وصادر بعد ذلك أموال الخونة المارقين، فاجتمع له من كل ذلك في بضع ساعات نصف مليار حشدها لقضية الحرية والاستقلال، ولم يلبث قليلاً حتى ترددت أصداء هذه النهضة في جميع أنحاء بولونيا، فهجر الصناع مصانعهم وغادر العمال الأعمال التي فيها

стр. 2673

يمتهنون أنفسهم ويبتذلون، وهرعوا يطلبون الزعيم كوشيوسكو وفيهم من يحملون الفؤوس، وآخرون يشهرون المطارق والمعاول وأهطع القرويون والمدنيون والحضريون مشهرين سيوفاً، أو متنكبين رماحاً، وهجر الفلاحون في الحقول محارثهم ومناجلهم وتسلحوا بألوان من الأسلحة وكان كوشيوسكو إنما يريد من كل أسرة تتركب من خمسة أفراد فرداً واحداً، ولكنه رأى المتطوعين ينسلون إليه من كل مكان عارضين عليه نفائسهم وحياتهم مسترخصة في سبيل الحرية، وخامت النساء حلاهن، وهرعن يطلبن نصيباً من القتال، فما أروع منظر بولونيا يومذاك، وما أفتن ذلك القبس السماوي الإلهي الذي تجلى في أفقها!! وكذلك انتصر كوشيوسكو في المعارك الأولى، وشق طريقه إلى فرسوفيا ففتحها على صرخات الجيوش (كوشيوسكو والحرية) ولكن أبى القضاء إلا أن تغلب الكثرة، وينتصر الأكثرون نفيراً فسقطت في أيديهم كركوفيا في أيدي الروس، ولم يبق للبولونيين إلا الدفاع عن فرسوفيا، فلما كان اليوم التاسع والعشرين من شهر سبتمبر خرج كوشيوسكو من فرسوفيا في عشرين ألف مقاتل وأرد أن يخطب جيوشه ويلقي إليهم كلمة واحدة هي كلمة (التوديع) إذ راح يصيح في ذلك الحشد العظيم رفاقي الشجعان! وأخوان السلاح الأعزاء، هل تريدون أن تنقذوا معي الوطن، وتحتفظوا بالعهد الذي عاهدنا، وهو الانتصار أو الموت والبوار، فمن كان منكم متردداً، أو ذا قلب هواء، أو مزعزع الحمية، فليخرج من الصفوف ويلقي السلاح جانباً، ونحن آذنون له في أن يعود إلى داره وعشيرته التي تأويه! فلم يخرج من الصف رجل واحد! بل صاح الجميع نحن معك أيها القائد إلى الموت، وعلى مشرق الضياء أقسم كوشيوسكو إلا أن ينقذ الوطن أو ليموتن، وانطلق القوم في أثره يهتفون الأنشودة الأهلية التي مطلعها بولونيا لن تموت. واستبسل القوم في الدفاع ولكن الجيوش العظيمة التي وقفت حيالهم جعلت تنقص من أعدادهم شيئاً فشيئاً حتى لم يبق لكوشيوسكو من جنده إلا خلق قليل، ولكنه جعل يقاتل ويثب ويناضل، وهو في لباس الجندي البسيط ولكن هل كانت تغني عنه شرذمته القليلة إزاء تلك الغابات الإنسانية المتكاثفة المتحركة، ولهذا لا غرو أن يقع في المعركة الأخيرة جريحاً، إذ طارت قنبلة فالتهمت كتفه، وتلقى ثلاث طعنات من الأسنة في صدره، وكاد القوزاق أن يجهزوا عليه، لو لم يعرفه رجل من جيش العدو فصاح بهم أن لا يقتلوه، فحمل

стр. 2674

إلى قائد الروس فلما رأى العدو منظره الرائع بكوا واستعبروا، وانحنو خاشعين أمام هذه الوطنية الهائلة الجبارة التي أبت إلا أن تقاتل ملايين من الناس في سبيل إبائها وشرفها. ماتت بولونيا إذ ذاك بانهزام ذلكم القائد، فأراد أن يعتزمل أرض وطنه فأوى إلى فرنسا، حيث قضى أخريات أيامه، فتلقته باريس عند قدمه باحتفال مهيب. وفي المأدبة التي أدبت تكريماً له، وقد تذاكر المدعون الشقاء الذي حل بأهل بولونيا نديت عينه بالدموع وانفجرت بصبيب العبرات، فلما رفع الكأس ليشرب نخب فرنسا (عاجله القوم فقاطعوه صائحين) بل لنشرب نخب دموع كوشيوسكو العظيمة! وأرادت الأندية السياسية أن تحتاط به وتلزم رفقته، ولكنه أبى إلا أن يعود إلى عزلته الأولى يوم كان في مطارف الشباب لأن العزلة هي الملجأ الوحيد الذي يستريح فيه الأبطال الذين خانتهم الأقدار، وتنكر لهم الزمن، وأرادت مدام دي ستايل وهي من هي ومكانها معروف في دولة الأدب، أن تتنازل عن كل شيء في الحياة في سبيل أن تجلس إليه وتدنو منه وتتسمع إلى حديثه، ولكنه لما كان يعلم من حبها لألمانيا، وإعجابها بالعظمة البروسية، لم يعجب بها ولم يمكنها من بغيتها، فإذا جلس في مجلس، أو حضر في ندوة، وأعلن الخادم قدوم مدام دي ستايل، لم يكن من ذل الرجل العظيم الجبار إلا أن يأخذ قبعته وعصاه وينطلق من المجلس هارباً. واجتمع به القيصر ألكسندر في باريس وطلب أن يحادثه، فلما تم له ذلك راح الكسندر يسأله: ماذا ترى من الوسائل الواجبة لسعادة بولونيا فلم يجب كوشيوسكو على سؤاله بل مشى إلى خريطة أوروبا المعلقة فوق الجدار فوضع إصبعه على نهر الدنيبر ثم على نهر الدوينا ولم يفه ببنت شفة، فأدرك القيصر مراده ووعده خيراً. وفي شهر أكتوبر عام ١٨١٧ أصيب كوشيوسكو بمرض خطير، فدعا إليه المسجل ووصى بجميع ممتلكاته إلى فلاحي قريته، وخص شيئاً منها لتربية اللقطاء، فلما اشتدت عليه العلة، صاح قائلاً: الآن قد شفيت وطلب أن يجيئوا له بسيفه الذي كان يقاتل به في معارك الوطن فلما وضع أمام عينيه أخذه إلى فمه فقبله طويلاً ولثمه لثمات حادة، وإذ ذاك اشتدت الحمى، وهو لا يفتأ ثغره مبتسماً. فلما حل اليوم الخامس عشر من الشهر، أحس أنه اليوم الأخير من حياته فنادى إليه

стр. 2675

أصحابه فقبلهم جميعاً وودعهم آخر توديع ثم سقطت رأسه على الوسادة، ثم نام نومة الأبد!. على أننا قبل أن نختم هذا التاريخ المبكي الأسيف، لا بد أن نذكر أنه قبل منيته بأيام، وقع له نبأ مفرح، وذلك أن الفتاة التي اختطفها في شبيبته ثم استلبت منه كتبت إليه تقول، أنها قد أصبحت أرملة وأنها ستطير إليه حتى تلقاه. ولكن لما وصلت الحبيبة القديمة كان الحبيب القديم قد مات.

стр. 2676

أبهة الملك ترجمها من الإنكليزية الشاعر محمود عماد قال شكسبير على لسن الملك هنري الخامس لما أن سمع سخط الشعب عليه في معركة (أجنكورت): عند الملك نفتقد حياتنا ورفاهتنا. وفي ذمته نودع أرواحنا وأشخاصنا ومن خزانته نطلب وفاء ديوننا، وعلى عاتقه نلقي مسئولية جرائرنا وآثامنا، وليس للملك لقاء ذلك إلا الخضوع والخنوع!!. فيا لها من شروط باهظة تطالب بها أبهة الملك وحدها، ويالتعاسة هذه الأبهة التي تستهدف للعنات الأنانيين الذين لا يتململون إلا من آلامهم الشخصية. الأبهة هي الميزة الفذة التي ينماز بها الملك عن شعبه، بينما ينماز الشعب عن ملكه بميزات كثيرة لا يحيط بها العدد. فما عساك تكونين أيتها الأبهة المحسدة؟ ما كنهك وماهيتك؟ ما دخلك وخرجك؟ ولأي ضرب من ضروب المعبودات تنتمين. فلم نر قبلك معبوداً هو أكثر ألماً من عابديه!! ولعمري كيف استأهلت هذه العبادة؟ وبأي مرقاة موفقة رقيت إلى مستواها السامق السحيق. ألست سوى مرتبة مبهرجة من الوهم تشع الفزع في قلوب مبصريها فيهابونها وهي من أحل هذه الهيبة تشقى وتتألم؟. وهل سقيت يوماً عوضاً عن شراب الإخلاص السائغ الاسم الملق الزعاف. إمرضي أيتها الأبهة الموقرة آءنة ما، وسلي وقارك أن يهبك الشفاء. ثم انظري أترين نار حماك المتأججة تعود عليك برداً وسلاماً إذا رشت بشيء من ندى التبجيل والتعظيم؟؟. إلا أن الركوع والسجود لا يشيعان ضراً ولا يستقبلان نفعاً!! بل انظري. . أكنت معيدة إلى ركبتين تثنيان أمام عظمتك وجلالك شفاءهما إذ دب إليهما السقم؟. كلا ما أحسبك تصنعين أيتها القوة الوهمية الخبيثة التي تعبث براحة الملك وسعادته. . إني كل. فأنا أعرفك جد العرفان. وأعرف أن زيت التتويج المقدس، والصولجان، والسيف، والتاج الإمبراطوري، والثوب الموشى بالذهب والجوهر والألقاب المنمقة التي تتدفق أمام

стр. 2677

الملك، والدست الذي يتربع فيه، وتيار المظهر الضخم الفخم الذي يلتطم بين شواطئ العالم، كل هذه - أيتها الأبهة المتطرفة في العظمة - إذا جمعت في شخص واحد، ونامت في سرير واحد، لا يمكن أن تظفر من النوم الهادئ بمثل ما يظفر به العبد الوادع، الصحيح الجسم، الخالي الروع، إذا قصد فراشه وفقد امتلأت معدته من خبز حصل عليه بكده ونصبه!!. أجل. ما أراها إلا بليلة مظلمة كأنما تجمعت من دخان الجحيم بينما ذلك السوقي الحقير، الذي يتصبب عرقاً طوال يومه أمام عين فوبس (إله الشمس) يظفر إذا نام بليلة هانئة رخيمة تجمعت من ظلال الجنة!!. وما هو إلا أن يدركه فجر الغد فينهض من سباته ليعضد هايبريون (سائس مركبة إله الشمس) ويعاونه في تجهزي خيله. وكذلك يمضي سنيه المطردة المتعاقبة في العمل المنتج إلى أن تسكن نأمته ويسكن رمسه. فلولا الأبهة وحدها لكان هذا العامل المغمور الذي يسلخ نهاره في العمل المضني، وليله في النوم المريح، أسبغ نعمة، وأسمى مكانة من الملك. وليته يعلم - وما أراه عالماً وهو فرد من أفراد الشعب الذي يستدر رزقه من أخلاف الأمن العام - كم يتكلف الملك من الجهد عند ما يريد نفسه على توطيد دعائم هذا الأمن.

стр. 2678

القاتل الرحيم أوى يقتل الناس مستمكناً ... بعينيه والناس لا تعلم يخدر أفهامهم بالجمال ... فما تبصر الموت أو تفهم ويأخذهم بعد تخديرهم ... بما أكبروه وما عظموا ويزعم أن قد أوتي رحمة ... فيالضلال الذي يزعم متى كان من يقتل الأبريا ... ء وإن لم يمثل بهم يرحم مغالطة تترك الحق وهما ... فيا حسن حتى متى توهم يمن عليهم بتنويمهم ... وتقتيلهم وهمو نوم وللجرم فيما يمن به ... ولكن يخادعنا المجرم فلو أنه لم ينومهمو ... لفروا من الموت واستعصموا ترانا إذا ما هتفنا به ... لعينيك يا مدعي أسهم يقول افتريتم عليّ وإلا ... فحسبي برهاني المفحم أطالعكم من وراء الزجا ... ج وأمعن فيكم ولا يحطم محمود عماد

стр. 2679

حول نهضة المرأة المصرية للمرأة أثر بين في حال الجماعة يعترف به الأكثرون، وبقدر رقيها وتهذيبها يكون ذلك الأثر، فإما نزاعاً إلى التقدم في سبيل الكمال، أو مدعاة للتقهقر والهوى. فعلى الأمة التي تريد نهوضاً يكسبها مكاناً عليناً بين الأمم الأخرى أن تعنى بتهذيب نسائها، وليس أبسط من تلك الحقيقة ولا أسهل منها فهماً، إذ أن تربية المرأة خطوة كبرى في سبيل تهذيب البنين، فالأبناء في طراءة العمر أي في الدور الذي ترسخ في أذهانهم التعاليم التي يتلقونها يقضون أكثر الوقت في رعاية الأمهات ولئن شذ في ذلك بعض الأسر فسلموا أمر الرعاية للمربيات فلا أقل من أن تكون للأم مهمة الرقابة. وأرى أن النهضة الحالية - وهي التي استفزتني لطرق هذا الموضوع - ليست دليل بدء حياة جديدة كما قال أكثر من كتبوا في هذه الأيام بل هي مظهر عادي من حياة طيبة راقية موجودة فعلاً، وهذه الحياة لا تضن بأن تدلي ببرهان وجودها في كل ظرف تطلب ذلك. ويلوح لي أن بعض الكاتبين يغالون في وصف شقاء المرأة وتقييدها، وعندي أن هؤلاء يعيشون في عالم الخيال إذ المرأة المصرية مستمتعة في الواقع بكل ما ينعم به الرجل من الحرية ولها حرمة مرعية عند زوجها ورأي محترم في عشيرتها. خير للأمة أن يعمد قادتها ومرشدوها إلى بيان أسباب النجاح، وطرق الرقي، وأيها أسهل منالاً وأوفق لحالنا من الإكثار في التقبيح والإفراط في الملام. لأن هذه النغمة - نغمة الندب والعويل - تهيج من غير أن ترشد فمن عرفها ووقف على كنهها أنكرها ومن تنبه بها هاج وتمرد على سنته الأولى فإذا به يجد الطريق الآخر ظلاماً فيخشى إن هو سار فيه أن يعتسف، فيقف حائراً متلدداً، فلا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. مثل أولئك الغلاة في سلوكهم كمثل رجل يسكن مع أخوته الصغار فإذا بالمنزل يحترق ذات ليلة من إحدى جهاته فبدلاً من أن يأخذ بيدهم إلى منجاة من الناحية الأخرى يقصر نفسه على الصياح النارالنار حتى بعد استيقاظهم فيقف الصغار مذهولين حتى تلتهمهم النار جميعاً. علينا واجب نؤديه في هذا السبيل. علينا أن نبذل النصح خالصاً لما يجب على لامرأة عمله، علينا أن نشرح كيف ترتقي المرأة. أعود إلى حال المرأة المصرية متبسطاً مع القراء في شرحه حتى نفهمه جيداً ثم نقرر أي

стр. 2680

الوسائل أنجع في السير إلى الأمام، وأيها أولى بنا، إذ أن ناجع الدواء متوقف على معرفة الداء. المرأة المصرية ريفية أم حضرية؟ أما في الأرياف فترى سفوراً لم تشبه حتى اليوم خبائث المدينة، وتتجلى لك مشاركة المرأة للرجل في العمل في أسمى مظاهرها فبينما هي تقدم لزوجها طعام الصباح البسيط إذ بها بعد خروجه تعد له الغذاء ثم تلحقه في حقله تساعده في الأعمال بأكثر أنواعها إذا لزم ذلك، وتجالسه وتبدي آراءها بكل صراحة، ورأيها في الغالب محترم وفي أكثر الأحوال مأخوذ به ولها الحرية التامة في اختيار حاجات المنزل، وكثيرات منهن يأخذن بأسباب التجارة، وكثيراً ما ينجحن وفيهن الماهرات في الأخذ والعطاء. وهؤلاء يسعدن غالباً في زواجهن من أجل عاملين قويين: (١) القناعة والصراحة التي يصحبان السذاجة غالباً، فالصفة الأولى تبعد بصاحبتها عن التغالي في النقد، والصفة الثانية تساعدها على رفض من يعرض عليها ولا تراه صالحاً. (٢) تمكنها من رؤية الرجل في أدوار متعددة من أدوار العمر فتستطيع درسه والحكم في أمره. وأفراح الريف بسيطة لا تبذير فيها، وتلك محمدة حبذا لو عمت فشملت المدن. ومن عرف أن الريفية تبذل جهدها في تعليم بنتها كل ما تعلم من واجبات الحياة حكم لأول وهلة أن تلك الأم لو تعلمت لكان لها أثر كبير ظاهر في تكميل بناتها وتهذيبهن. وليس في أخلاق الريفيات ما يؤاخذن عليه إلا ما كان من خروجهن في الجنائز وعادة الندب الممقوتة. تلك مجموعة من أخلاق الريفيات تبين حال المرأة القروية، فيها الحسن والقبيح شرحتها بقدر ما يصل إليه علمي وبصفتي قروياً يعني على الدوام بدرس ما حوله وها هي نتيجة أبحاثي فيما يختص بأكثرية الريفيات. وهناك أقلية تختلف في حالها اختلافاً بيناً أرجئ بسط حالها وتعيين علاجه إلى مما بعد تقرير علاج الأكثرية. يتضح لمن قرأ تلك الملاحظات أن أقرب وسيلة للنهوض بالمرأة الريفية أولاً هو تعميم التعليم بعد تنقيح نظمه الحالية التي أثبتت التجارب فسادها وعدم ملاءمتها للعصر الحاضر

стр. 2681

بشرط أن تكون روح النظام المنشود محببة للعمل حاثة عليه داعية إلى كرم الأخلاق مفهمة للمرأة حقيقة واجبها. (٢) أن يقوم العقلاء وأصحاب النفوذ بمنع النساء من الخروج في الجنائز. وإني لأذكر لهذه المناسبة ما رأيت في بعض قرى الأرياف فإنهم منعوا خروج السيدات في الجنائز على تلك الحالة المرذولة وأبطلوا التعديد والندب. (٣) أن تفرد أقسام خاصة في المساجد ليسمع النساء الوعظ والإرشاد في أيام الجمع. هنا أقف قليلاً أسكت دمعة طفرت بالرغم مني لذكرى باحثة البادية رحمها الله، تلك التي كانت تملأ البلاد نصحاً وتعد في سبيل النهوض أكبر قائد فقد سبقتني إلى هذين الاقتراحين في المؤتمر المصري المنعقد سنة ١٩١١. أما حال الأقلية التي أشرت غليها فهي: تنقسم تلك الأقلية إلى قسمين القسيم الأول يقضي أغلب الوقت في المدن الكبرى مع أسرهن ويتعلمن كما تتعلم فتيات المدن وهن إن كن أقل سفوراً من القرويات غير أن علمهن ووقوفهن على أسرار كثير من العلوم الحديثة وواجبات الحياة الاجتماعية بديل مما فقد ولهذا أدعهن في صف نساء المدن لأن حالهن واحد. أما القسم الثاني فهو المظلوم حقاً: وهو الذي يجب الإسراع في تحريره وعلاج أسقامه؟ تلك أقلية من الأسر الريفية أكثر مالاً أو أقوى عصبية من سواها نرى أن عزها في الحجاب الشاق ومنهن من يجبرن على المكث في منازلهن حتى يبقين غير عالمات بشيء مما يحيط بهن ولو اقتصر الحال على ذلك لسكتنا ولكنه يتعداه إلى تحقير التعليم فيرون من العاب الذميم تعليم الفتيات. من هنا تذهب الفتاة ضحية الجهل والظلم. وفي المقالة الآتية إن شاء الله تتمة الموضوع محمد محمود جلال

стр. 2682

نهضة الأمم تحت هذا العنوان ننشر أبحاثاً مستفيضة من الحين إلى الحين عن الشعوب الصغيرة التي كانت تعيش في زوايا الخمول، وضحية العزلة والسكون، ثم نهضت اليوم على الصوت الذي تردد في جميع أنحاء الأرض داعياً الدنيا إلى وئام عام، وسلام أبدي مقيم، وتحرير الشعوب الصغيرة، ومنح كل ذي من الأمم حقه غير مغبون فيه، أو مصروف عنه. ونحن الآن نبدأ بنهضة شعب غريب لم نكن نعرفه من قبل ولم نسمع بخبره وهو شعب اليوجوسلاف، الذي من أجله وقعت المشكلة السياسية الكبرى في مؤتمر السلام على أثر حادثة فيوم والمطالبة بها، ولا يزال الخلاف قائماً. شعب اليوجوسلاف أو سلاف الجنوب يسأل الناس ما تلكم ولايات اليوجوسلاف وأمة اليوجوسلاف التي لا تزال في طور التكوين في أوروبا الوسطى، وما هي الشعوب وما هي المملكة التي تتألف منها، وما مستقبلها في العالم وما مكانها من الدنيا في قادمة السنين وأخيراً ما منشأ هذا الخلاف الذي حمي وطيسه بين هذا الشعب الذي لا يزال في دور الطفولة وبين أمة الطليان حتى أرسل سحابة مظلمة كثيفة على سماء مؤتمر الصلح. تلك هي الأسئلة التي تدور الآن على الشفاه. ونحن عليها مجيبون ولها شارحون في السطور الآتية: نبدأ أولاً بشرح معنى لفظة اليوجوسلاف التي ولا ريب أدهشت مسامع القراء لغرابة تركيبها ووقعها في الأذن، فنقول أن هذه اللفظة معناها في اللغات السلافبة سلاف الجنوب أي الشعوب السلافية التي تقطن جنوب أوروبا تمييزاً لها عن سلاف الشمال من أجناس التشيك والسلوفاك والبولونيين والروس. وسلاف الجنوب يبلغون نحواً من اثني عشر مليون نسمة، وهم منتشرون في الركن الغربي لشبه جزيرة البلقان وفي الحد الشرقي لسلسلة جبال الألب والحد الجنوبي لحوض نهر الدانوب (الطونة) ويحدها من ناحية الغرب بحر الإدرياتيك ومن الجنوب خط يلتقي بتخوم الجبل الأسود مما يلي سالونيك ثم من الشرق بمضيق يلتقي بجبال الفرداو الذي ينسرب فيه

стр. 2683

نهر الطونة من سهو المجر إلى سهولة مملكة رومانيا ثم أخيراً من الشمال القمم الأخيرة لجبال الألب ونهر الدراف، ذلكم النهر القوي الفضفاض الذي ينصب في نهر الطونة. هذه هي حدود اليوجسلافيا على وجه التقريب، ونحن إنما نقول على التقريب لأن هذه الأمم والأجناس في أغلب المواقع تتعدى هذه الحدود، كما هي الحال في سفح جبل ترانسلفانيا، إذ يتنازعون ثمت الحق في تمسفار مع أهل رومانيا على حين ترى سواحل الأدرياتيك آهلة بخلق كثير منهم يعيشون تحت نير الطليان، وأنت تعلم أن سكان شبه جزيرة البلقان ما يفتأون على كر الأدهار ممتزحين بعض ببعض متداخلين، حتى لتجد في أغلب الأحايين الولايات متنازعة بين دولتين، بحق الرابطة اللغوية من ناحية، وبحق الرابطة الجنسية من الأخرى، وأحياناً تجد أمماً متعددة تطالب بالأحقية في ولايات آهلة بسكان مختلفي الأجناس والنحل واللغات، وكل يطالب بها، ويؤيد حقه بتقديم إحصاءات يراد به أن يبين أن الأغلبية من أهلها تنتسب له، ومن هذا ندرك أن من الصعب تحديد الحدود التي يقطن فيها جنس من الأجناس البلقانية. ولم يظفر بالاستقلال من بين سلاف الجنوب قبل نشوب الحرب إلا الشعب الصربي وشعب الجبل الأسود، وظلت الأجناس الباقية تحت نير النمسا والمجر، فلما انحلت الإمبراطورية النمسوية، وتخلصت هذه الشعوب من ذلكم النير، أرادت تلكم الشعوب أن تؤلف منها جميعاً أمة يطلق عليها أمة اليوجسلاف وهذه الأمة ستتصل بأمة التشيل والسلوفاك من ناحية جنوب الطونة، وستتألف وحدتها من جزء من النمسا والمجر ومن ولايات استيريا وكازنتيا وكارمنيول وكرواتيا وسلوفونيا ودلماسيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود. ولكي يتجلى لك مستقبل الخريطة الأوروبية السياسية من جراء هذا التنقيح الذي يراد أن يتم اليوم ينبغي أن نذلل لك سبيل المقارنة، فنقول أن صربيا في عام ١٨٩٠٤ كانت مساحتها ضعف مساحة سويسرا، وكان سكانها يبلغون أربعة ملايين ونصفاً، ولكن اليوجسلافيا ستحتوي نيفاً واثني عشر مليوناً أي نحواً من نصف سكان فرنسا. وهذا الجنس السلافي يشتمل على ثلاث قبائل، ففي جبال الألب - أي من ناحية الشمال تجد قبائل (السلوفين) وفي السهول - بين نهري الدراف والساف وكذلك في دلماسيا، ترى

стр. 2684

القبائل الكرواتية ثم الصربيين في الصرب والبوسنة والهرسمك والجبل الأسود، فأما السلوفيين فيتكلمون رطانة خاصة بهم وحدهم، وأما الكرواتيون والصربيون فلهم لسان واحد، ورطانة مشتركة، على حين أن الأولين يكتبون الحروف اللاتينية، وأما الآخرون فيكتبون اللغة الروسية، وأضف إلى هذا أن السلوفيين والكرواتيين يتبعون الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بينا ترى الصرب ينتسبون على الكنيسة الرومية أو (اليونانية) وفي البوسنة والهرسك نحو نصف مليون من المسلمين، وإذا كان هذا هكذا فلا غرو أن تجد هؤلاء الشعوب على انقسام واختلاف وشحناء، ولا عجب أن يتنبأ السياسيون الكبار بالصعوبة الكبرى التي ستعترض توحيد هذه الأجناس وتليف أمة واحدة منها. واعلم أن مملكة اليوجوسلاف من ناحية الجمال الطبيعي تعد من أجمل ممالك أوروبا، وأنضرها طبيعة وفتنة، ففي كرواتيا شمالاً ترى نهاية جبل الألب العجيبة وقممها المغطاة بالثلوج، وهذه الجبال ليست متناهية في السمو والاستطالة ولكنها متوسطة الارتفاع، تفرع خلالها الغابات الرائعة، والمراعي الفخمة، وتنسرب فيها الجداول النميرة تحت نور الشمس الوسطى المشرقة الساطعة، ثم من ناحية الجنوب ترى تلك الجبال منحدرة متدانية حتى تصبح سهولاً شاسعة، تتخللها الهاويات السحيقة، والوديان البطحاء العميقة، وقد شبه الشعراء تلك القطعة الجميلة البيضاء من الأرض بقطعة من القمر سقطت على الكوكب الأرضي، حتى لقد سماها بعض الناس أرض العرب. ولا ترى لهؤلاء القوم أية صناعة هامة، ولا تراهم تعملون أو يشتغلون في أية حرف طيبة، ولا أهمية لتلك البلاد غلا من ناحية أنها الصلة بين الدول، والطريق الساربة إلى بلغراد والقسطنطينية وستكون تلك المملكة الطريق العظيم بين أوروبا الغربية وساحل البوسفور، ومن الآن بدلاً من أن ينفذ قطار إكسبريس الشرق من جنوب ألمانيا فالنمسا فالمجر، سينطلق القطار من نفق سمبلون إلى ميلان فالبندقية، ثم يشق تلك الأرض فيبلغ بلغراد ومنها إلى الأستانة. والآن لنبحث في منشأ الخلاف الذي وقع فيه اليوجسلاف والشعب الطلياني فنقول أن إيطاليا تطالب بولاية استريا وثغر فيوم وجزء من دلماسيا، على حين تريد اليوجسلاف أن تحتفظ بتلك المواقع والولايات، وهذا الخلاف خطير، والمشكلة صعبة ودقيقة، لأن في

стр. 2685

الظفر بتلك البلدان الظفر بالإشراف على الإدرياتيك، وأنت ترى إذا ألقيت البصر إلى المصور الجغرافي، أن الأدرياتيك أشبه شيء ببحيرة مستطيلة الشكل تفصل إيطاليا عن البلقان ولا مخرج لها إلى البحر الأبيض المتوسط إلا من مضيق صغير، أي من كعب الحذاء الطلياني، (لأن إيطاليا أشبه بحذاء وذلك المضيق الكعب منه) إلى سواحل ألبانيا، حيث قناة أوترونتو، إذ يبلغ اتساعه نحواً من تسعين كيلومتراً، ومن هذا تدرك أن هذا البحر ليس إلا حوضاً مغلقاً، والاحتفاظ به وملكية السلطان عليه قد يسوق إلى نتائج سياسية خطيرة هي اليوم باعث الخلاف ومشكلة المشاكل. ثم إذا تدبرنا الموضوع من وجهة أخرى، ألفينا السهول التي تمتد إلى تلك السواحل تقوم سوراً منيعاً يحجز الأرض الواقعة وراءها، ولا يوجد بين المملكتين إلا ممرات ومخارج نادرة قليلة، ثم لا تنس أن فينيسيا أو مدينة البندقية منذ القرون الغابرة كانت مركزاً عظيماً، وكانت في القرون الوسطى أول مدينة في التجارة وأهم ثغر في الغرب بأسره وبحكم الطبيعة استطاعت أن تلقي سلطانها على البلاد المقابلة لها في الشاطئ الآخر ففتحت في القرن العاشر من البلاد دلماسيا واستريا وكرواتيا، واستوطن أهلها بها زمناً طويلاً وبقيت جزءاً من الجمهورية الفنيسية حتى معاهدة كامبيو فورميو عام ١٧٩٧، ومن هذا ترى أن هذه الأودية البحرية ظلت فينيسية الشكل لاتينية الشخصية وأن الزائر لها لا يشعر بانه قد غادر إيطاليا أو انحدر عنها إلى أرض أجنبية، ففي مدينة بولا وفي فيوم وفي إسبالاتو، لا يزال السائح يشهد آثاراً رومانية تدل على النفوذ الذي كان لإيطاليا في تلك البلاد، ونحن بصرف النظر عن تريستا التي لم يقم حولها شيء من الخلاف، نقول أن جميع موانئ أستريا وكرواتيا ودلماسيا لا تزال مستعمرات إيطالية كبرى وإن كانت آهلة باليوجسلاف، ثم لا تنس كذلك أن اللغة الإيطالية هي لغة الإدرياتيك وهي لها الحق في أن تعم جميع سواحل ذلك البحر، على أن إيطاليا لم تطالب إلا ببعض أقسام من السواحل الشرقية للأدرياتيك وأبقت لليوجوسلاف طائفة من المرافئ الخطيرة الطيبة، وأنت تعلم أن الطليان يقيمون مطالبهم على حجج كثيرة لها علاقة بالنظام الحربي وبواعث الحماية الأهلية، التي أظهرت الحرب الحاضرة خطورتها الكبرى، وهذه الحجج تتلخص في أن السواحل الشرقية معرضة لاستخدام الأعداء لها، وفي هذا البلاء على إيطاليا، ولا يزال موقف إيطاليا حيال

стр. 2686

الساحل الشرقي موقف إنكلترا حيال أنفرس في بلجيكا، إذ يقول فيه نابليون أن من يقبض على ساحل دلماسيا كالقابض على مسدس مصوب إلى قلب إيطاليا.

стр. 2687

تحية مصر لحضرة صاحب العزة العالم النابغة الجليل والكاتب الشاعر النبيل، شاعر العربية والتركية الفارسية، سعادة صاحب التوقيع حفظه الله. بدرت لمصر بوادر الإقبال ... بشرى فتلك براعة استهلال نجم هوى عن أفق عرش هلالها ... فغدت نجوم تزدهي بهلال شفق على راياتها الحمراء أم ... راياتها الشرف الرفيع العالي وعلى جوانبه دم فمسلم ... عن كل شائبة من الإذلال لبت على أصواتها ملأ العلا ... تالله هذي آية الإجلال انظر إلى المتظاهرين وسيلهم ... إن لم تشم عرفات في الترحال إحرامهم حلل التآخي بينهم ... وذبيحهم شهداء الاستقلال يتهافتون لكعبة الحق التي ... نكست جبابرة من الأقيال شعب كأن النيل زحزح سده ... والمشرفون كهيئة الشلال ماضيهم تحت القيود وحالهم ... حر يراقب خير الاستقبال ناداهم الدستور في أسراهم ... يا أقدم الأمصار في الأفضال أنتم أساس النور أول شعلة ... لمعت وراء غياهب الإضلال أنتم أبو المدنية الفيحاء بل ... أنتم منارة صيتها الجوال فيكم يشير السلم (أخناتون) من ... منه الغزالة أصبحت تمثالي فيكم (سزوسريس) الذي ملك الملا ... وحمى الفنون ببذل الأموال أذكر لقدرتهم بحيرة (مورس) ... وبدائع (اللبرنت) بالإبجال أو ما سمعت النصح من (أمنمهت) ... حتى تقدر كيف كان جثا لي ماذا جرى عن كفرن وكيوبس ... لأوابد الهرمين من أهوال لمَ أحرقوا جدثيهما من غيظهم ... وأسميهما لعنوا مدى الأنسال وحذار من دنس التفرق بينكم ... فلوحدة الآمال شوق وصالي حرية الأقوام شمس حياتهم ... بزغت لنشر عظائم الأعمال منها استنار تمدن العصر الأخ ... ير فقام يبدع معجز الأفعال هي نعمة قدسية أزلية ... هي منبر يرقى لكل الحال

стр. 2688

هي سلم لولاه ما كانت ترى ... أمم على أوج الرقي الحالي هي منبع العمران والعرفان بل ... هي مطلع لسعادة الأجيال هي آية الأفضال بل هي غاية الإ ... جلال بل هي معقد الآمال يا مرسل العدل المبين على الثرى ... نفدي جلالك بالنفيسالغالي لبيك ما تدعو فدينك رحمة ... وهداية للناس بعد ضلال إن الشبيبة قوة لو أرعدت ... تركت جبال الأرض في زلزال (نور)

стр. 2689

البولشفية عثرنا بهذا الموضوع في إحدى المجلات الفرنسية فرأينا أن تحف به قراء البيان. قال مسيو تيير وهو من أكبر رجال السياسة في فرسنا في القرن المنصرم (احذروا الدب الروسي) وقد خيل إليه ماذا يكون من أثر شعب من مائة وسبعين مليون نفس، وشعب شاب فتي قدير على أن ينتظم تحت سلطن شديد، وقانون صلب متين، في مستقبل العالم بأسره، وماذا سيحدثه في سير الدنيا ونظامها، وماذا يمكن أن يغير من معالمها، أو ينقص من أطرافها، ولكن قد تغيرت الحال اليوم فلم نعد نرى في الروسيا صورة المحارب الشاب الفتي الطموح إلى الغزو والفتوح، بل لقد نهضت اليوم أمام أعيننا صورة شبح مخيف مارد ملوث الفم بالدماء يخطر في ميدان عظيم من الذبح والسفك، والهدم والتخريب، كلما افترس اشتدت به الشهوة للافتراس، وازداد قرمه لأكل لحوم الناس، وكذلك في القرن العشرين أبى العالم الإنساني المتحضر، وهو الذي كان يطارد الآفات والأوبئة، إلا أن يتبع الروسيا ويمشي في آثارها وراء ذلك الوباء العظيم الذي طاح بالعالم كله، ونعني به. . . البولشفية. على أن وصفنا هذه الحمى الخبيثة التي ظهرت في الدنيا حديثاً بكلمة (الوباء) لا يعد وصفاً كافياً لتصوير ما كان من هذه النهضة التي حلت جميع الروابط الأهلية، وفصمت عرى الروابط الاجتماعية وأحدثت في الروسيا من الشنائع ما لم يسجل التاريخ قبل اليوم ضريباً له، أو ما يمثاله، ولكنا نريد أن نجمل، وصف أثر التخريب الذي أحدثته البولشفية في روسيا، ولكي يزن القراء ما كان منها، يجمل بنا أن نلقي نظرة على ما كانت عليه الروسيا قبل نشوب الحرب الكبرى. قبل الثورة إن إمبراطورية القياصرة التي تبلغ مساحتها خمسة ملايين وأربعمائة وخمسة وثمانين ألف كيلومتر مربع، كانت تملك خير مصادر الثراء من زراعة وصناعة ومناجم، ولئن كانت السكك الحديدية فيها غير كافية، فلقد كانت تملك أهم وسائل الملاحة البحرية في أوروبا كلها وكانت الزراعة - وهي أهم الصناعات الأهلية فيها تخرج نحواً من أربعة وسبعين مليون طن من الحبوب المختلفة، وكانت صناعة السكر في خير حال، وكانت المصانع تبلغ نحواً من ٣٩٨٨٧ مصنعاً يشتغل فيها من الصناع عدد يربو على مليونين ونصف،

стр. 2690

وتخرج من الثروة ما يزيد على أربعة مليارات وثمانمائة وأربعة وثمانين مليون روبلة. وكان مقدار ما تخرجه روسيا من الذهب يقدر بثمانية في المائة من مجموع ذهب الدنيا كلها، وجملة القول كان ينتظر الروسيا مستقبل باهر في التجارة والاقتصاد. بعد البولشفية فلما نهضت البولشفية، لم يكن منها أن ألقت بها في درك الوحشية الأولى، وهدمت آمالها الجميلة، وحطمت أمانيها الأهلية، بل هدمت كذلك تجارتها التي كانت لها قبل الحرب، وذهبت بزراعتها وصناعتها، وعطلت استخدام أي مصدر من مصادر الثروة فيها، لأن الثائرين البولشفيين لم يعبأو بشيء من ذلك، لأنهم إنما يريدون أن يرجعوا الإنسان إلى بساطته الأولى، ويعتقدون بصلاحية الثورات، ويدينون بفضلها، وحسبهم أن ينشئوا حكومة ثورية على أنقاض حكومة مدنية، حتى يتمكن أحط طبقات الناس في أوروبا وأشدهم تأخراً في بلاد الغرب من الصعود، واعتلاء دست الحكومة، والنهوض في رأسي المدنية وإملاء الشريعة الجديدة للعالم كله، إذ لا ننسى أن خمسة وتسعين في المائة من سكان الروسيا أميون يعيشون في ظلمات الجهل، وهم يركنون إلى روح الجماهير ورأيها ويظنون أن الجماهير معصومة عن الخطأ لا يرد لها رأي ولا تخطيء في شيء، وأن الجماهير هي أعرف الطبقات بمطالب الحياة الصحيحة. وبفضل سلطان لينين وتأثير تروتسكي لم تلبث الثروة الاقتصادية التي تعتمد على أمام الأفراد، وضمان الحقوق، واحترام العقود، أن اختفت فيه وتلاشت من الروسيا، وقد وحدت حكومة السوفييت الثروة كلها، إذ قسمتها على الطريقة الاشتراكية بين الجميع، من سائر الثروة والإنتاج والاستهلاك من مناجم ومصانع ومصارف مالية وسكك حديدية، ومصادر زراعية، إذ نزعتها من أيدي أصحابها الذين كانوا يملكون جميع وسائل الاستثمار، وكانت النتيجة أن اختفت جميع المواد المقرر عليها الضرائب ولم يكن من هذا إلا أن هدم جميع مصادر الحياة المالية، وتعطل العمل بسببه في كل مكان، واقتصرت أشغال الفلاحة على حاجات الأفراد والقرويين فساقت المجاعات إلى المدائن والمراكز الصناعية. الاضطرابات المالية الدليل الأكبر، والبرهان الأول، من الاضطراب الأهلي، والنكبة القومية، ظهرت بالطبع

стр. 2691

في ميزانية الأمة، وليس شيء يخيف أشد مما تخيف الأرقام، وهي وسائل الإقناع القوي المتين الذي لا يمكن لمحاج أن يماري فيه. في خلال المدة من أكتوبر سنة ١٩١٧ أعني مبدأ تاريخ الثورة البلشفية، على نوفمبر سنة ١٩١٨ استولت الحكومة البولشفية على ٥١٣ مشروعاً من مشاريع النقل والتجارة ولذلك نقص مقدار الضريبة المقررة على الصناعة والتجارة إلى واحد وتسعين مليوناُ من الروبلات على حين كان في العام الذي سبقه قد بلغ ٣٠٤ مليوناً، وقد تعطلت الإيرادات العمومية بتة واحدة إذ لم ييق ثمت ما تجمع الضريبة المقررة عليه، وقد قدرت حكومة البولشفيك للمصروفات التي يتوقع صرفها عام ١٩١٨ مبلع ٤٦ ملياراً ونصف مليار روبل أعني نحو مائة مليار وخمسة مليارات فرنك ولما لم يجد البولشفيون إيراداً داخلياً ولا إيراداً خارجياً، فكروا في إصدار الأوراق المالية فجعلت تطبع في موسكو وبطرغراد ثم لم تلبث جميع مطابع السوفييت أن راحت تطبع هذه الملايين العديدة من تلكم الأوراق فتصور الإفلاس الذي سيجره إصدار جبال من الأوراق المالية. الاضطرابات الزراعية وقد وقفت رحى الأعمال الزراعية، وسكنت نأمتها، وارتفع من جانب المدائن هذا الصوت الضاج الصارح، لا تتركونا نموت من الجوع، إنكم إن لم ترسلوا لنا الطعام والميرة، كنتم تؤيدون النظام الأول الذي قامت الثورة لتهدمه. ولكن الفلاحين ظلوا صامتين لم يأبهوا بهذه الصرخات، وقنعوا بأن يخرجوا الشعير اللازم لحاجتهم والبرسيم المطلوب لحيوانهم. إذ علموا أنهم إن حفظوا شيئاً توقعاً لمحصول سيء في المستقبل، فقد يستدل عليه الحرس الأحمر فيضربونهم بالرصاص هم وعشائرهم كي يستلبوه منهم استلاباً، ففي بطرغراد مثلاً - وهي تلك المدينة التي كانت قبل الحرب مدينة الثراء والنعمة والخير العميم، وكانت مواد البيع فيها رخيصة بخسة لا إرهاق فيها لم يكن يصل في شهر إبرايل عام ١٩١٩ إلا مركبتان أو مركبة واحدة من القمح في كل يوم، إذا لم يقدر للمركبة أو المركبتين أن يهاجمها الحرس الأحمر في الطريق فيستلبوها أو يثب إليها سكان المدن التي على الطريق فيحتكروها لأنفسهم ثم في سيبريا وهي الإقليم الذي كان يمد روسيا كلها بالماشية والأغنام، لم تعد ترسل لا بقرة ولا ثوراً، ولا خنزيراً ولا شاة

стр. 2692

ولاخروفاً، وجعل القوم يأكلون لحوم الخيول، وبيعت الأربعمائة جرام أو أقل من نصف الكيلو بثلاثين روبلة أعني نحو من ٧٢ فرنكاً، وكان من رابع المستحيلات أن يجد الإنسان بيضة واحدة في الروسيا كلها، وكانت البيضة الواحدة في شهر فبراير الماضي تباع بنحو ١٥٠ روبلة أي ٣٦٠ فرنكاً وكذلك لم تعد فنلندا ترسل ألباناً حتى أن بطرغراد التي كانت تتلقى كل يوم ٥٤٠ ألف رطل من اللبن لم تعد تتلقى أكثر من ٤٨٠٠ رطل فقط. أما الرز والبن والخضر والأقمشة والأحذية فقد اختفى أثرها من روسيا كلية. وقد استيأس القوم، وضاق ذرعهم بالعذاب، ولكن عمركم الله ماذا يصنعون، وماذا يحدثون، والسجون مختنقة بالمحبوسين، والذين يضربون بالرصاص في كل يوم خلائق كثيرون، وكل ثورة تقوم اللاحتجاج على هذه الفوضى لا تلبث أن تغرق في لجة عظيمة من الدماء. تعطل الصناعة وعسيتم تسألون وما حال الصناع في تلك الأرض وهل هم أسعد حالاً وأخف ويلاً من قرنائهم - وجواب ذلك بالنفي - فليس في روسيا من السعداء إلا اللصوص والهاربون والعاطلون والمشردون والمتبطلون الذين لكي ينعموا بالعيشة الراضية سالكون بأنفسهم في سلك الجيش الأحمر، وبذلك أصبح لهم الحق في كل شيء وأول تلك الحقوق النهب والسلب، وكذلك تعطلت المصانع وهجر الصناع صنائعهم وأقفلت معامل الصناعة أبوابها من غلاء المواد وارتفاع الأجور حتى أن قاطرة السكة الحديد التي كانت تصنع في مصنع بونيلوف وهو أكبر مصنع في الروسيا كانت تباع بنحو سبعين ألف روبلة فأصبحت الآن تكلف خمسة ملايين! وقد كان عدد العمال في ذلك المصنع ي أول يناير عام ١٩١٧، ٥٢ ألف صانع فبلغ العدد في أول يناير سنة ١٩١٨ نحواً من ٤٧٩٨ ليس أكثر، وعلى ذلك قس جميع المصانع الأخرى وقد احتشد جميع العاطلين فآثروا أن يسلكوا في جند الحرس الأحمر إذ رأوا أن طعامهم في تلك الفرقة ميسور مكفول ووجدوا المرتب طيباً يبلغ في الشهر ثلاثة آلاف روبلة ثم فوق كل هذا الحق في النهب وسلب الطبقات الوسطى وتجريدها من جميع ممتلكاتها بل من أثوابها ورياش منازلها ومغانيها أما الذين لم يظفروا بمكان لهم في الجندية فانكفأوا إلى قراهم ومواطنهم الأولى آملين أن يجدوا ما يسد أرماقهم. غلاء المعيشة

стр. 2693

وقد غلت حاج الحياة إلى حد شنيع لم يقع في بلد من بلاد الله إذ بلغ رطل اللحم وكان يباع في الماضي بعشرين إلى ثلاثين كوبيك - بخمسة عشر روبلة أي بنسبة فرنك إلى ٣٥ فرنكاً، وثمن رطل الخبز عشر روبلات، بعد أن كان يباع بعشرة كوبيكات، أي بنسبة مائة ضعف، ولما لم يستطع البولشفيون أن يجدوا دواء لعلاج هذا الويل الوبيل فكروا في تجنيد أهل الطبقات الوسطى وإكراهم على العمل في المنافع العمومية وفي الحقول والمصانع لكي يعينوا الفقراء على الحياة ولكن الفقراء لا يزالون أشقى حظاً من سواهم. الهول عام فإذا كان الصناع في شقاء تحت نظام هدم جميع أساس المجتمع، محا جميع أصول العائلة والملكية واحترام الحقوق وحرية العمل فما نصيب البقات الأخرى من الشقاء، ونحن نقول أن كل شخص ليس من عامة الشعب يسام العذاب ألواناً وقد أصبح جمع من الأشرار قلائل في يدهم عسف الشعب والطغيان فيه وتعذيبه وهدم سعادته، وقد اتخذ البولشفيون في الطغيان وسائل كثيرة لم يفكر في مثلها نيرون الطاغية العظيم، فإن الطبقات الوسطى (البورجوا) لا نصيب لها في الحياة إلا التقتيل وسلب أموالها والسجن والذبح لأوهى الأسباب، حتى لا يستطيع رجل منهم في المدائن الكبيرة أن يخرج مساء من داره وقد حوصرت منازلهم، ووقف الموت بأبوابهم، ولا تستطيع أن تحصي عدد السفاكين الذباحين، جنوداً وبحارة أو لصوصاً لابسين لبوسي الجنود والبحارة ومسلحين ببنادق أو المسدسات. ولا يفترون عن القتل في المنازل والسجون والمستشفيات وفي الجيش وفي الريف وفي كل مكان لأسباب أوهى من نسيج العنكبوت. وقد ماتت الحرية الشخصية وجن جنون البولشفية، فبعد أن جعلوا الناس شركاء في الاجتماع أبوا تحت تأثير تلك الجنة المرعبة إلا أن يجعلوا النساء حقاً اشتراكياً مباحاً للجميع. وهذه الجريمة هي كبرى الجرائم التي ارتكبها أهل البولشفية. ولكي تعلم النزعة البلشفية في الآداب والأخلاق فعليك صحف القوم وأوراقهم ورسالاتهم تر الدليل القاطع فإن الصحيفة التي ينشرها البولشفيون تحت عنوان الفقر كتبت في عددها الصادر في ٢٧ ديسمبر عام ١٩١٨ ما يأتي: في مدينة نيفل تقرر تجنيد الطبقات الوسطى (البرجوا) في المدن والقرى، وعلى أهل هذه الطبقة أن يشتغلوا بلا أجر وقد قررت اللجنة

стр. 2694

المركزية لحكومة السوفييت في موسكو أن تسن في جميع المراكز والأقاليم ضرورة الشغل الجبري على كل رجل من الطبقة الوسطى يتراوح سنه ما بين الثامنة عشر والخمسين. ثم كتبت صحيفة (لسان حال الفلاحين) في عددها المؤرخ في أول أكتوبر الماضي: لقد جندت حكومة السوفييت في إقليم أوديوف جميع أهل الطبقة الوسطى والقساوسة والطفيليات الأخرى لاستخدامهم في الأشغال العمومية من ترميم المراحيض العمومية والأرصفة وتطهير الترع والجسور. ولو أردنا أن نحصي أمثال هذه النشرات والأوامر والقرارات لما كان في المكنة إحصاؤها وإنما ننشر هنا كذلك أمراً صادراً من رئيس حكومة السوفييت إلى رجل منهم يدعى جريجوار سافليف هذا نصه: (قد أذنا بموجب هذا إلى الزميل سافليف أن يأخذ من إقليم بريانسك ستين امرأة وعذراء من الطبقة الوسطى ويضعهن في الثكنة لخدمة الجند). وقد قررت اللجنة التنفيذية أن تخرج أهال (البورجوا) من مساكنهم وتسكن الشعب والفقراء فيها وتخص صاحب الدار بركن من المنزل وتأذن لأفراد من الشعب بالتنعم بسكنى طباق المنزل كلها، وقد نشرت صحيفة (بولشفية في ٢١ سبتمبر عام ١٩١٨ قرار حكومة السوفييت في ذلك فقالت: لأجل ملافاة أزمة المساكن قد قرر مجلس سوفييت مدينة موسكو أن تفحص جميع المنازل، وتسكن الطبقة الوسطى في بيوت العمال والصناع وتسكن العمال في قصور البورجوا الشاهقة. أنهار من الدماء وحدث عن المذابح البولشفية ولا حرج فإن أقل كلمة طائشة أو أقل تهمة واهية كافية لأن تجر إلى السجن أو الإعدام بالرصاص وليست التهم فقط هي الكفيلة بتلقتيل بل حسب الإنسان أن يكون قاطناً في قرية من القرى فيغير عليها الحرس الأحمر فينشب القتال بين هؤلاء والطبقة الوسطىـ، فيقبض عليك لبلا ذنب ولا جريرة، فترمى بالرصاص مع المقتولين، والفلاحون الذين يرفضون أن يقدموا غلاتهم لا نصيب لهم إلا القتل رمياً بالرصاص ومجلس السوفييت تبررد المذابح بدعوى أنها تريد وضع يدها على القمح والغلات وتنتزعها من أيدي الذين يخزنونها أو يستأثرون بها، والحق الأول في روسيا اليوم هو أن لا حق لإنسان في أن يأكل إذا لم يكن بلشفياً. وهب البولشفيين يستأثرون بكل

стр. 2695

شيء من ميرة وكساء فلا يصيب الإنسان إلا قدر طبقته من المجتمع الروسي وهناك أربع طبقات: طبقة الحرس الأحمر والعمال. وهؤلاء لهم الحق في رطل من الخبز كل يوم وخمس سمكات، ثم طبقة المستخدمين الأصاغر والخدم وهم يستحقون ربع رطل من الخبز وخمس سمكات في اليوم وطبقة الموظفين السابقين والقدماء وهؤلاء يصرف لهم ثُمن رطل من الخبز وثلاث سمكات وأخيراً طبقة البورجوا والمفكرين وأصحاب المواهب العقلية وهؤلاء لا حق لهم في شيء مطلقاً ولا سبيل لهم إلى الحصول على ما يقتاتون به إلا بشق النفس وبالثمن الباهظ الذي يرهق أشد الإرهاق ولا يتيسر إلا للأغنياء المكثرين من الثراء وأما الخبز فلا يعثرون عليه ولا يقدم إليهم إلا فيما ندر. هذه هي الحالة التي ظلت عامين في روسيا وهي باقية. وكادت ترسل عدواها الشنيعة فتعم العالم بأسره. . وقانا الله شرها.

стр. 2696

الإسبراتيواليزم أو مناجاة الأرواح (٢) تاريخها في الغرب ومن بين الذين اشتهروا في هذا العلم خلاف هوم - الذي قضى نحبه عام ١٨٨٦ وكان له شأن عظيم في نمائه وتقدمه نذكر القس ستانتون موسي في بلاد الطليان فإن تاريخ حياته أكثر إدهاشاً وتحييراً للعقول من حياة هوم هذا، وقد كان مولد هذا الرجل عام ١٨٣٩ وكان أبوه ناظر مدرسة نحو وآجرومية في لينكولنشير فنشأ على ما نشأ عليه أبوه، وكان له في جامعة أكسفورد شأن يذكر. ثم دخل الكنيسة فصار قسيساً في غربي إنجلترا وقد أصابته علة في حنجرته فاضطر إلى ترك أعمال القسيس، واشتغل مؤدباً خصوصياً لابن الطبيب ستانهوب سيبر من أشهر أطباء ذلك العهد ففي عام ١٨٧٢ قرأ كتاباً ظهر في أمريكا عن الإسبراتيواليزم فتأثر فيه تأثراً شديداً حتى أنه جلس إلى وساطات متعددة ومن بينها هوم الذي سبق ذكره وشاهد تجاريب عديدة. ومن هنا بدأت موهبته في هذا العلم تظهر، وأصبح كذلك وسيطاً للأرواح وكانت له اليد الطولى بعد ذلك في تأسيس الجمعية البريطانية الأهلية لعلماء الإسبراتيواليزم. ثم كان عضواً هاماً في جمعية الأبحاث النفسانية حتى استقال منها عام ١٨٨٦ لأنه لم يرض عن تلك الحيطات التي جعلت الجمعية تتخذها والاضطهادات التي كانت تظهر حيال كثيرين من الوسائط ثم أصبح منذ ذلك العهد رئيس الجمعية الإسبراتيولية في لندن إلى عهد وفاته سنة ١٨٩٢، وكان عدة سنوات محرراً لمجلة (الضياء النفسانية). وأعجب ما كان من خلق هذا الرجل أنه كان على مثال هوم لا يتخذ هذا العلم حرفة يكتسب منها بل كان أرقى نفساً من هوم لأنه لم يكن يتقبل عطاء أو أجراً على ما يفعل أو تحفة أو هدية كهوم على عمله، ولم يكن يطلب الشهرة والإعلان عن نفسه وحشد الناس حوله، بل كان يأوي إلى كهف صديقه الدكتور سبير وزوجته وعاش عيشة ساكنة شريفة، محترماً من جميع الذين عرفوه، ولم تدرك عليه ريبة، أو يلحظ القوم عليه ميناً أو خداعاً،

стр. 2697

بل لم يتهم بأقل تهمة من هذا القبيل أو يقرف بأية ظنة أو شك في سيرته وعمله. وبعد وفاة هذا الرجلن راس تحرير مجلة الضياء داوسون روجرس، الذي قضى عام ١٩١٠ ويقوم الآن على رئاسة تحريرها مستر والس وإليه يعود فضل احتفاظ تلك المجلة بمبدئها الأول، ورقيها وانتعاشها الحاضر، ويعذر علينا أن نحصي عدد العلماء والكتاب الذين يحفلون بالأبحاث الإسبرايتيوالية، ولكنا نقول أنهم لم يؤلفوا بعد جمهوراً عظيماً، على أنه لا تزال هناك جمعيات منتشرة في بلاد كثيرة تقيم يوم الأحد قداساً لها وتنتدي في ذلك اليوم الديني المسيحي فتلقي الأناشيد والخطب، وجلسات عدة لمناجاة الأرواح، حيث يصف الوسيط أرواح الموتى وأشكالهم لأقاربهم أو أصدقائهم الحاضرين في المجلس، وقد يبلغ الوصف في بعض احيان إلى حد الحقيقة والبينة والإثبات المقنع ولا سيما إذا ذكر الوسيط اسم الميت لذوي قرباه. على أننا نقول مع ذلك أن الاجتماعات التي تقيمها تلك الجمعيات لا تجذب فريقاً من الراقين المهذبين حتى لا تجد الجلسات الإسبرايتولية في الأقاليم لا يحضرها إلا الغوغاء والعامة ولكنها ولا ريب توافق حاجات طائفة من الناس، لا تقل مستوى عقولها عن الطبقات التي تدخل الكنائس ودور الصلوات. على أن هذه الحركة الإسبرايتوالية لا تزال قوية في فرنسا ولكنها تختلف عن الحركة في إنجلترا بميزة وحيدة وهي أن الإسبرايتواليزم في فرنسا ينزع إلى مبدأ تقمص الأرواح، وهذا يرجع إلى كتابة كاتب قديم يدعى آلان كورديك كان يؤمن بصحة تقمص الأرواح، ويلوح لنا أنه حاول إقناع الأرواح بالاعتراف بذلك، ومن ذلك ترى الوسطاء في فرنسا يعلمون الناس وينشرون مبدأ تقمص الأرواح على حين لا يفعل ذلك علماء الإنكليز بل ينكرون هذه الفكرة بتاتاً. وهذا اختلاف يكاد يكون مضحكاً لأنه ضد الفكرتين. أما في ألمانيا فلم تنتشر الإسبراتيواليزم انتشارها في إنكلترا وفرنسا، وإن كان العالم زولتر والعالم ويبر قد أثرا أثراً شديداً في أذهان الجماهير في زمنهما. ولكن يلوح لنا أن التصوف في ألمانيا قد بز الإسبراتيواليزم واستبقه وعلا عليه وقد أصبح الدكتور رودلف استرنر الخطيب الأكبر والقسيس الأعظم لهذه الطريقة الصوفية في برلين. وقد كان في إيطاليا أبحاث كثيرة في هذا الشأن ولا سيما إذا نبغت تلك المرأة العجيبة التي اشتهرت بأنها من أكبر الوسائط الروحية، وهي من أهل نابولي وتدعى يوزابيا بلادينو،

стр. 2698

وقد استطاعت أن تقنع عدة أبطال من علماء هذا المبدأ والعلماء الآخرين، أمثال العالم الطلياني لومبروزو وثقم مروسيلي وريشت، وكذلك السير أوليفر لودج بصحة جلساتها، ومخاطبتها الأرواح، ويوجد في ميلان اليوم مجلة شهرية للإسبراتيواليزم تسمى (ليس أومبر). أما عن البلدان الأخرى، فنقول أنه توجد جمعية للإسبراتيوليزم في بلاد الأرجنتين في أمريكا الجنوبية، وأخرى في إسبانيا ومركزها لشبونة ثم لا تزال هناك جمعيات منتشرة في هولاندة، والدانمارك وروسيا ولكن هذه الحركة لم تذع ولم تشتهر إلا في البلاد الإنكليزية وفي أرض فرنسا ولا سيما المستعمرات البريطانية وبالأخص في مدينة ملبورن في أوستراليا إذ تصدر هناك مسز أني برايت المجلة المسماة (رسول النور). وخلاصة هذه الحركة أن الإسبراتيواليزم في شكله الحاضر يعلم الناس أولاً أن المخلوقات الإنسانية تعيش بعد الموت وأن الحياة التي بعد العاجلة تشبه هذه في المشاغل والمصالح، وأن مآلنا تلك يتوقف على عملنا في هذه، وهذا رأي من الوجهة الفلسفية راجح، ومن الوجهة الأخلاقية باعث على الأمل والرجاء والعزاء فإننا إذا كنا لنا أن نفكر أو نتخيل الحياة الأخرى فلا بد من أن نتخيلها على شكل الحياة الوحيدة التي عشناها أي الحياة العاجلة. وقد يكون ذلك خطأ وخيالاً فاسداً ولكن ذلكم كل ما في مكنتنا، ولا يسعنا أكثر من ذلك، وأما من الناحية الأدبية، فليس أصلح للنفوس وأبعث للآمال، وادعى للعزاء من الاعتقاد بأننا على قد رما نزرع نحصد، ونفعل نجزى، والإسبراتيواليزم كذلك يراد منه كما يراد من اليتوبيا الاعتقاد بأن الموتى مرفرفون حولنا، حافون بنا، وإن كانت عيوننا الحسيرة الآدمية لا تستطيع أن تشق الحجب فترآها عياناً، لأنه (كما يقول كتاب النزعة الإسبراتيولية) يعد من القسوة ولا ريب، لو أنهم طرحوا جانباً الرغبة في زيارة أصدقائهم ورؤية أصحابهم وشهود ذوي قرابتهم، الذين كان يربطهم بهم في هذه الحياة الحب المتبادل، والصداقة المشتركة، والألفة العظيمة، بل كان خليقاً بهذه الصداقة وتلك اللفة أن تزداد في الأخيار وتشتد، لا أن تضعف وتهن، ومن هنا تدرك أن علماء الإسبراتيوالزم يعتقدون أن الموتى حاضرون حياتنا كشهود ومتفرجين لأعمالنا وفعالنا.

стр. 2699

هذا وسننشر أبحاثاً أخرى عن تاريخ جمعية الأبحاث النفسانية وما يتعلق بالإسبراتيواليزم من جميع الوجوه في الأعداد القادمة.

стр. 2700

باب تدبير المنزل تربية الطفل (٢) الغرض من التربية يجب على الآباء أن يضعوا نصب أعينهم الغرض الذي يريدون أن يحققوه من تربية أبنائهم وأن يبدأوا أمر تلك التربية منذ ساعة الميلاد، على أننا نجد الآباء في كثير من الأحيان لا يعملون لغاية معينة، ولا يربون الطفل لمقصد وضعوه مبدأ لهم، ولهذا يخرج الطفل إلى نور الدنيا فلا يكون ثمت مبدأ من مبادئ التربية يرفرف فوق مهاده، وترى الآباء ينظرون إلى القادم الجديد عجباً وحيرة، ولا يعتمدون في تربيته إلا على ما يلهمون به إلهاماً من الظروف والزمن والعادات، ويجعلون كل أولئك المرشد الأول في تربية هذا الفرد الطارئ على المجتمع. ولهذا العجب الذي يأخذ الأب والأم إذ يخرج لهم طفل ثلاث ظواهر وحالات. فأولاً: ترى الأب والأم ينظران إلى الطفل كأنه لعبة تبعث اللهو وطرفة تمدهما بالمرح والابتهاج، وكما أننا نرمي قطعة السكر إلى الدب كي نبتهج برؤيته وهو يلهو بها ويظهر عجائب خلقه، لا نفتأ نفسد الطفل حتى يظهر غرائب طبائعه، على أنه لا خير ثمت ولا أذى من العبث بالطفل في غير فحش أو بذاء، أو مفسدة، إذا نحن لم نكن بالطفل مستخفين، أو كنا عمي البصائر عن أثر هذا العبث بالوليد، ولكن ليس من اللهو ولا من الأدب ولا من الطهر والواجب في شيء إذا جعلنا الطفل فريسة لهذا الضرب من اللهو، ورضينا له العذاب والآلام في سبيل فرحنا وضحكاتنا. وثانياً: ترى الأبوين ينظران إلى الطفل وكأنه موضوع الرحمة، وشيء خليق بالرثاء، ومخلوق يستحق الشفقة، لأن عجزه عن الحركة، وافتقاره إلى الحول والقوى، يثيران في قلوبنا الرحمة، وكثيراً ما تؤدي هذه العاطفة إلى ترك الطفل يفعل ما يشاء والسعي في التجاوز على كل ما يسيئه وإن كان فيه النفع له، ومهما كان للشفقة من الخير إذا قامت على أساس متين، وكان لها باعث راجح سديد، ومهما كنا نحترم هذه العاطفة والذي بعث عليها، فلا ريب في أن الطفل سيتألم، إذا لم يجد رقيباً عتيداً يرده، أو سلطاناًُ من ابويه ينهره، أو ضابطاً ينظم حركاته وسكناته، أما النتائج التي تنجم عن هذا التساهل والإشفاق
следующие страницы →