← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

الإسبراتيواليزم أو مناجاة الأرواح (٢) تاريخها في الغرب ومن بين الذين اشتهروا في هذا العلم خلاف هوم - الذي قضى نحبه عام ١٨٨٦ وكان له شأن عظيم في نمائه وتقدمه نذكر القس ستانتون موسي في بلاد الطليان فإن تاريخ حياته أكثر إدهاشاً وتحييراً للعقول من حياة هوم هذا، وقد كان مولد هذا الرجل عام ١٨٣٩ وكان أبوه ناظر مدرسة نحو وآجرومية في لينكولنشير فنشأ على ما نشأ عليه أبوه، وكان له في جامعة أكسفورد شأن يذكر. ثم دخل الكنيسة فصار قسيساً في غربي إنجلترا وقد أصابته علة في حنجرته فاضطر إلى ترك أعمال القسيس، واشتغل مؤدباً خصوصياً لابن الطبيب ستانهوب سيبر من أشهر أطباء ذلك العهد ففي عام ١٨٧٢ قرأ كتاباً ظهر في أمريكا عن الإسبراتيواليزم فتأثر فيه تأثراً شديداً حتى أنه جلس إلى وساطات متعددة ومن بينها هوم الذي سبق ذكره وشاهد تجاريب عديدة. ومن هنا بدأت موهبته في هذا العلم تظهر، وأصبح كذلك وسيطاً للأرواح وكانت له اليد الطولى بعد ذلك في تأسيس الجمعية البريطانية الأهلية لعلماء الإسبراتيواليزم. ثم كان عضواً هاماً في جمعية الأبحاث النفسانية حتى استقال منها عام ١٨٨٦ لأنه لم يرض عن تلك الحيطات التي جعلت الجمعية تتخذها والاضطهادات التي كانت تظهر حيال كثيرين من الوسائط ثم أصبح منذ ذلك العهد رئيس الجمعية الإسبراتيولية في لندن إلى عهد وفاته سنة ١٨٩٢، وكان عدة سنوات محرراً لمجلة (الضياء النفسانية). وأعجب ما كان من خلق هذا الرجل أنه كان على مثال هوم لا يتخذ هذا العلم حرفة يكتسب منها بل كان أرقى نفساً من هوم لأنه لم يكن يتقبل عطاء أو أجراً على ما يفعل أو تحفة أو هدية كهوم على عمله، ولم يكن يطلب الشهرة والإعلان عن نفسه وحشد الناس حوله، بل كان يأوي إلى كهف صديقه الدكتور سبير وزوجته وعاش عيشة ساكنة شريفة، محترماً من جميع الذين عرفوه، ولم تدرك عليه ريبة، أو يلحظ القوم عليه ميناً أو خداعاً،

стр. 2697

بل لم يتهم بأقل تهمة من هذا القبيل أو يقرف بأية ظنة أو شك في سيرته وعمله. وبعد وفاة هذا الرجلن راس تحرير مجلة الضياء داوسون روجرس، الذي قضى عام ١٩١٠ ويقوم الآن على رئاسة تحريرها مستر والس وإليه يعود فضل احتفاظ تلك المجلة بمبدئها الأول، ورقيها وانتعاشها الحاضر، ويعذر علينا أن نحصي عدد العلماء والكتاب الذين يحفلون بالأبحاث الإسبرايتيوالية، ولكنا نقول أنهم لم يؤلفوا بعد جمهوراً عظيماً، على أنه لا تزال هناك جمعيات منتشرة في بلاد كثيرة تقيم يوم الأحد قداساً لها وتنتدي في ذلك اليوم الديني المسيحي فتلقي الأناشيد والخطب، وجلسات عدة لمناجاة الأرواح، حيث يصف الوسيط أرواح الموتى وأشكالهم لأقاربهم أو أصدقائهم الحاضرين في المجلس، وقد يبلغ الوصف في بعض احيان إلى حد الحقيقة والبينة والإثبات المقنع ولا سيما إذا ذكر الوسيط اسم الميت لذوي قرباه. على أننا نقول مع ذلك أن الاجتماعات التي تقيمها تلك الجمعيات لا تجذب فريقاً من الراقين المهذبين حتى لا تجد الجلسات الإسبرايتولية في الأقاليم لا يحضرها إلا الغوغاء والعامة ولكنها ولا ريب توافق حاجات طائفة من الناس، لا تقل مستوى عقولها عن الطبقات التي تدخل الكنائس ودور الصلوات. على أن هذه الحركة الإسبرايتوالية لا تزال قوية في فرنسا ولكنها تختلف عن الحركة في إنجلترا بميزة وحيدة وهي أن الإسبرايتواليزم في فرنسا ينزع إلى مبدأ تقمص الأرواح، وهذا يرجع إلى كتابة كاتب قديم يدعى آلان كورديك كان يؤمن بصحة تقمص الأرواح، ويلوح لنا أنه حاول إقناع الأرواح بالاعتراف بذلك، ومن ذلك ترى الوسطاء في فرنسا يعلمون الناس وينشرون مبدأ تقمص الأرواح على حين لا يفعل ذلك علماء الإنكليز بل ينكرون هذه الفكرة بتاتاً. وهذا اختلاف يكاد يكون مضحكاً لأنه ضد الفكرتين. أما في ألمانيا فلم تنتشر الإسبراتيواليزم انتشارها في إنكلترا وفرنسا، وإن كان العالم زولتر والعالم ويبر قد أثرا أثراً شديداً في أذهان الجماهير في زمنهما. ولكن يلوح لنا أن التصوف في ألمانيا قد بز الإسبراتيواليزم واستبقه وعلا عليه وقد أصبح الدكتور رودلف استرنر الخطيب الأكبر والقسيس الأعظم لهذه الطريقة الصوفية في برلين. وقد كان في إيطاليا أبحاث كثيرة في هذا الشأن ولا سيما إذا نبغت تلك المرأة العجيبة التي اشتهرت بأنها من أكبر الوسائط الروحية، وهي من أهل نابولي وتدعى يوزابيا بلادينو،

стр. 2698

وقد استطاعت أن تقنع عدة أبطال من علماء هذا المبدأ والعلماء الآخرين، أمثال العالم الطلياني لومبروزو وثقم مروسيلي وريشت، وكذلك السير أوليفر لودج بصحة جلساتها، ومخاطبتها الأرواح، ويوجد في ميلان اليوم مجلة شهرية للإسبراتيواليزم تسمى (ليس أومبر). أما عن البلدان الأخرى، فنقول أنه توجد جمعية للإسبراتيوليزم في بلاد الأرجنتين في أمريكا الجنوبية، وأخرى في إسبانيا ومركزها لشبونة ثم لا تزال هناك جمعيات منتشرة في هولاندة، والدانمارك وروسيا ولكن هذه الحركة لم تذع ولم تشتهر إلا في البلاد الإنكليزية وفي أرض فرنسا ولا سيما المستعمرات البريطانية وبالأخص في مدينة ملبورن في أوستراليا إذ تصدر هناك مسز أني برايت المجلة المسماة (رسول النور). وخلاصة هذه الحركة أن الإسبراتيواليزم في شكله الحاضر يعلم الناس أولاً أن المخلوقات الإنسانية تعيش بعد الموت وأن الحياة التي بعد العاجلة تشبه هذه في المشاغل والمصالح، وأن مآلنا تلك يتوقف على عملنا في هذه، وهذا رأي من الوجهة الفلسفية راجح، ومن الوجهة الأخلاقية باعث على الأمل والرجاء والعزاء فإننا إذا كنا لنا أن نفكر أو نتخيل الحياة الأخرى فلا بد من أن نتخيلها على شكل الحياة الوحيدة التي عشناها أي الحياة العاجلة. وقد يكون ذلك خطأ وخيالاً فاسداً ولكن ذلكم كل ما في مكنتنا، ولا يسعنا أكثر من ذلك، وأما من الناحية الأدبية، فليس أصلح للنفوس وأبعث للآمال، وادعى للعزاء من الاعتقاد بأننا على قد رما نزرع نحصد، ونفعل نجزى، والإسبراتيواليزم كذلك يراد منه كما يراد من اليتوبيا الاعتقاد بأن الموتى مرفرفون حولنا، حافون بنا، وإن كانت عيوننا الحسيرة الآدمية لا تستطيع أن تشق الحجب فترآها عياناً، لأنه (كما يقول كتاب النزعة الإسبراتيولية) يعد من القسوة ولا ريب، لو أنهم طرحوا جانباً الرغبة في زيارة أصدقائهم ورؤية أصحابهم وشهود ذوي قرابتهم، الذين كان يربطهم بهم في هذه الحياة الحب المتبادل، والصداقة المشتركة، والألفة العظيمة، بل كان خليقاً بهذه الصداقة وتلك اللفة أن تزداد في الأخيار وتشتد، لا أن تضعف وتهن، ومن هنا تدرك أن علماء الإسبراتيوالزم يعتقدون أن الموتى حاضرون حياتنا كشهود ومتفرجين لأعمالنا وفعالنا.

стр. 2699

هذا وسننشر أبحاثاً أخرى عن تاريخ جمعية الأبحاث النفسانية وما يتعلق بالإسبراتيواليزم من جميع الوجوه في الأعداد القادمة.

стр. 2700

باب تدبير المنزل تربية الطفل (٢) الغرض من التربية يجب على الآباء أن يضعوا نصب أعينهم الغرض الذي يريدون أن يحققوه من تربية أبنائهم وأن يبدأوا أمر تلك التربية منذ ساعة الميلاد، على أننا نجد الآباء في كثير من الأحيان لا يعملون لغاية معينة، ولا يربون الطفل لمقصد وضعوه مبدأ لهم، ولهذا يخرج الطفل إلى نور الدنيا فلا يكون ثمت مبدأ من مبادئ التربية يرفرف فوق مهاده، وترى الآباء ينظرون إلى القادم الجديد عجباً وحيرة، ولا يعتمدون في تربيته إلا على ما يلهمون به إلهاماً من الظروف والزمن والعادات، ويجعلون كل أولئك المرشد الأول في تربية هذا الفرد الطارئ على المجتمع. ولهذا العجب الذي يأخذ الأب والأم إذ يخرج لهم طفل ثلاث ظواهر وحالات. فأولاً: ترى الأب والأم ينظران إلى الطفل كأنه لعبة تبعث اللهو وطرفة تمدهما بالمرح والابتهاج، وكما أننا نرمي قطعة السكر إلى الدب كي نبتهج برؤيته وهو يلهو بها ويظهر عجائب خلقه، لا نفتأ نفسد الطفل حتى يظهر غرائب طبائعه، على أنه لا خير ثمت ولا أذى من العبث بالطفل في غير فحش أو بذاء، أو مفسدة، إذا نحن لم نكن بالطفل مستخفين، أو كنا عمي البصائر عن أثر هذا العبث بالوليد، ولكن ليس من اللهو ولا من الأدب ولا من الطهر والواجب في شيء إذا جعلنا الطفل فريسة لهذا الضرب من اللهو، ورضينا له العذاب والآلام في سبيل فرحنا وضحكاتنا. وثانياً: ترى الأبوين ينظران إلى الطفل وكأنه موضوع الرحمة، وشيء خليق بالرثاء، ومخلوق يستحق الشفقة، لأن عجزه عن الحركة، وافتقاره إلى الحول والقوى، يثيران في قلوبنا الرحمة، وكثيراً ما تؤدي هذه العاطفة إلى ترك الطفل يفعل ما يشاء والسعي في التجاوز على كل ما يسيئه وإن كان فيه النفع له، ومهما كان للشفقة من الخير إذا قامت على أساس متين، وكان لها باعث راجح سديد، ومهما كنا نحترم هذه العاطفة والذي بعث عليها، فلا ريب في أن الطفل سيتألم، إذا لم يجد رقيباً عتيداً يرده، أو سلطاناًُ من ابويه ينهره، أو ضابطاً ينظم حركاته وسكناته، أما النتائج التي تنجم عن هذا التساهل والإشفاق

стр. 2701

العقيم للأخلاق، فحدث عن خطورتها ولا حرج. وأخيراً: ينبغي للآباء أن يحذروا منم عادة نهر الأطفال ومعاقبتهم وزجرهم وتأديبهم، كلما صرخوا، أو كانوا في قلق واضطراب، بل عليهم أن يبحثوا عن السبب ويتقصوا الباعث. ولهذا يجب أن يكون غرض الآباء في التربية وخطتهم في التأديب هي: (أ) أن تكون شفقتهم سديدة راجحة غير حمقاء ولا طائشة. (ب) أن لا ينظروا يوماً على أطفالهم بشدة أو غلظة وأن لا يخرجوا عن طورهم أمامهم، وهدوءهم ووداعة أخلاقهم. (ج) أن يسترشدوا في التربية بمبدأ عال اجتماعي مدني. (د) أن يسعوا إلى تحقيق هذا المبدأ بالثبات والعاطفة الكريمة والوداعة والتهلل والفرح والتهذيب والذكاء ونفاذ البصيرة. (٣) واجبات الآباء والمراضع والمربيات منذ عدة قرون كانت العادة في بلاد الغرب أن يستخدم الصناع اليدويون في المدارس كمعلمين ومؤدبين، ولكن اليوم وقد تقدمت الحضارة، نرى الجامعات في مدينة بال تصر على أن لا يتعاطى حرفة التدريس إلا كل رجل أمضى إجازته الجامعية مدة معينة، أما من وجهة التربية المنزلية فلا زلنا في شيء كثير منها حيث تركتنا القرون الوسطى، فإن أية فتاة تقبل الآن وتكفي لرعاية أطفالك، ولا بأس عليك من قبول أية امرأة للاهتمام بشؤون أصبيتك، ثم نحن لا نزال نجد السواد الأعظم من الأمهات جاهلات لم يؤتين نصيباً من التعليم الثانوي، ولم يصبن قسطاً من علم التربية بل ما فتئنا نسمع اليوم القوم يقولون أن التعليم العالي للنساء يجعلهن غير صالحات للقيام بوظائف الأمومة، وأن واجب المرأة أن لا تسهم في شؤون السياسة وأن لا تكسب رزقها بنفسها، بل فريضتها أن تجمل المنزل، وتترك من حسنها في المنزل حسناً وتخلع من جمالها على دارها، وترعى لأطفالها، وتقوم على تربية أبنائها، ولكن يجب أن لا ننسى أننا نريد من الأم أن تربي أولئك الأطفال الذين سيقفون يوماً ممثلين على مسرح العالم وأن نظرية الغريزة وترك الأم في عملها تسير على وحي الطبيعة، لا يراد منها إلا أن يجر الطفل في الحياة جراً، لا أن يربى ويهدى إلى الرشد، ونحن لا ننكر أن المعوان الأكبر للأم في التربية هو حبها الغريزي لطفلها، ولكن

стр. 2702

هذا الحب ولا ريب يروح أقوى وأشد سلطاناً، وأفعل أثراًَ إذا اجتمع معه التهذيب ونور العلم والتجربة. ولهذا ينبغي أربعة أمور: (أ) أن يكون الأبوان على علم وتربية كافيين. (ب) أن يعملا على أخذ نصيب من علم التربية المنزلية. (ج) أن يكون الأبوان (الأم والأب معاً) على شيء من التجربة العملية. (د) أن تربى المراضع والمربيات التربية الواجبة. (٤) اتفاق الآباء على نوع واحد من التربية لو كان معلمو المدارس متعلمين أكمل تعليم فلا خطر إذا خرج من المدرسة مدرس وحل محله معلم آخر، على أننا إذا زرنا فرقاً متعددة من مدرسة يعلم فيها معلمون أكفاء، فإن أي فارق نراه في الأطفال لا يكون باعثه إلا المدرسون أنفسهم، وكذلك لو كان الأبوان والمراضع والمربيات جميعاً على مقدار متساو من علم التربية المنزلية، ولكن للأسف ليس الحال كما نريد، فإنك ترى للأم والأب والمرضع آراء مخالفة جد المخالفة عن صاحبه في المثل الذي يضعه، والقدوة التي ينشأها لطفله، وليس الطفل المسكين إلا أن يذعن لقوانين ثلاثة من الخلق، ويتقبل ثلاثة مبادئ في التربية، ولهذا ينبغي للأبوين أن يكونا على علم تام بالخطر الذي ينجم عن هذا الاختلاف وأن يعملا على استخدام مبادئ واحدة وأن يطلبا إلى المرضع - إذا كانا قد استخدما للطفل مرضعاً - أن تنفذ تلك المبادئ وأن لا تحيد عنها إلى مبادئ لها خاصة وأرى أن يحسن بالأبوين أن يضعا معاً طريقة معينة في التربية أو أن يستعينا بمشد عام فيها، ولو اتبعت هذه النصيحة لتحسنت روابط الزواج بين الزوجين. (٥) أثر الأطفال الكبار في الصغار قد يحتمل أن يكون لك ابن أو طفل واحد، فإذا كان ذلك فقد نجوت على الأقل من خطر واحد شديد، وإن كان الطفل ولا ريب سيخسر كثيراً، من جراء افتقاره إلى رفاق معه وأخوان. ولكن قد يحتمل كذلك أن يكون لديك أطفال كثر فإذا كان الأمر كذلك، فإنك ولا ريب ستعاني أمراًَ لا مرد عنه وهو أن كل طفل سيقلد أخاه، وهذا التقليد يبين في أول

стр. 2703

عهود الطفل الأصغر، إذ تراه صارفاً كل وقته إذا كان له أخ أكبر منه بعام أو أكثر من محاولة تقليد كل عمل يعمله وفي الإعجاب بكل ما يفعله أخوه الأكبر واحتذاء حذوه في جميع حركاته وسكناته وكذلك تجد الطفل الأصغر لا ينبعث إلى عمل إلا على هدي أخيه ولا يخف إلى فعل إلا مقلداً شقيقه الأكبر، وكذلك يبقى حتى الربيع الخامس من العمر، إذ تتسع ملكته فتقل رغبة التقليد لديه، ويفكر بعض التفكير في العمل على هواه وسنته. وأنت تعلم أن القدوة والمثل والأسوة معدية بين الأطفال فإذا أنت أحسنت تأديب أطفالك الكبار خف عنك بعض أعباء تربيتك الصغار إذ تجعل الكبار هم الذين يربون في الحقيقة أخوتهم الصغار ويكونون لهم قدوة تحتذى ومثالاً يترسم ولهذا ينبغي عليك أن تضاعف مجهودك ودأبك في العناية بتأديب صغارك لأن سلوكهم سيحدث تأثيراً بينا في أولادك الذين سيخرجون للحياة بعدهم، وذريتك المستقبلين، وعليك أن تربي أطفالك الكبار ليكونوا قادة للصغار وهداة، وليشعروهم بالمسؤولية اللزام عليهم وبقوتهم على الخير والإحسان فلو نجحت في ذلك استفدت أنت وأطفالك الصغار وأمددت الكبار بباعث يحثهم على النماء الخلقي والذهني، فلا تنس مطلقاً هذا المبدأ وهو أ، يكون بنوك الكبار معلمين ومرشدين وهداة للصغار. فإذا خابت مساعيك في هذه، فإنك حاصد من خيبتك أذى وضراً إذ لا تلبث أن تجد بنيك الكبار معلمين وهداة وقادة للشر والنقيصة والإثم ولهذا كان خليقاً بك أن تمسك بالزمة من ذوائب شعره ولا تضيع وقتاً في الدأت على تربية طفلك البكر الأول. وما أعجب ما تؤدي إليه عاطفة التقليد، فإذا وضعت الطفلة إصبعها في فمها أو هزت كتفها وقطعت شعرها بأناملها وأصرت على أن يكون ما تريد، وأن تفعل ما تحب وأن لا تعبأ بما يقال لها، وكانت هي أكبر أخوتها وأخواتها، فلا تلبث أن تجد هؤلاء يفعلون جميع ما فعلت ويقطعون شعرهم بأناملهم، ويبكون مثلها ويصرخون ولا يكون من ذلك إلا أن يصبح المنزل حديقة من حدائق القردة أو الدببة وبدلاً من أن تصلح خلق طفل واحد من أطفالك، ترى أنه ينبغي عليك أن تعالج سلسلة متماثلة من النقائض في جميع أطفالك. ولهذا عليك أن تكون أبداًُ على مرصد مفتح العين مرتقباً، تعالج كل نقيصة بمجرد ظهورها، وتمنع سريان نقيصة من طفل إلى جميع بنيك.

стр. 2704

إرشادات طبية لحضرة النطاسي المفضال الدكتور محمد عبد الحي الشيب ليس في الدنيا من لا يكره الشيب، وعبثاً يحاول المرء تسلية نفسه بأساليب الاحتيالعلى عواطفه، وليس بدعاً أن يكون ذلك أمر الناس والشاعر يقول: والشيب إحدى الموتتين تقدمت ... إحداهما وتأخرت الأخرى وكأن من حلت به صغراهما ... يوماً فقد حلت به كبراهما وقوله: عريت من الشباب وكنت غضا ... كما يعرى من الورق القضيب ونحت على الشباب بدمع عيني ... فما نفع البكاء ولا النحيب فياليت الشباب يعود يوماً ... فأخبره بما فعل المشيب فالشيب مثار أفكار الناس ولا سيما الذين درجوا منهم على الدلال والترف وغشيان مناعم النفس من طرب يلذ، وأي حسرة للشيب أن تتحطم كؤوس الهناء حينما يمنعه عنها الحياء والحرير آجره الله يقول: نهاني الشيب عما فيه أفراحي ... فكيف أجمع بين الراح والراح وهل يجوز اصطباحي من معتقة ... وقد أنار مشيب الرأس إصباحي محا الشيب مراحي حين خط على ... رأسي فأبغض به من كاتب ماحي ولو لهوت وفودي شائب لخبا ... من المصابيح من غسان مصباحي قوم سجاياهم توقير ضيفهم ... والشيب ضيف له التوقير ياصاح هذا هو الصنف الوقور الذي الناس منه ويجهرون ببغضه لا لشيء إلا لأنه نذير الكبر مؤدب النفس غير أن الناس والشعراء شديدو التشاؤم إذ ليس الشيب في العادة دليل التقدم في السن وبالتالي ليس نذير الموت ولإيضاح ذلك أتقدم شارحاً هذا الموضوع وعلاجه الممكن تطميناً لخواطر الشيب وتهدئة لثائرة نفوسهم وتبشيراً لهم بطول العمر. الشيب أو بياض الشعر ينشأ إما عن فقدان اللون أو امتلاء قصبة الشعرة بالهواء وفي الحالة الأولى يكون لون الشعرة مائلاً إلى الصفرة وفي الثانية يكون ضارباً على بياض

стр. 2705

كالبرد. وينقسم الشيب إلى قسمين الخلقي والمكتسب فما نشاهد في الأجهر (عدو الشمس) وعند هذا تكون المادة الملونة معدومة من الجلد أيضاً بل ومن القزحية والشبكة (في العين) والأرنب الأجهر يكون شعره أبيض وعيناه قرنفليتين ويكون في العادة أم ولكن الشائع من النوع الخلقي هو ضغك (حزمة) من العشر الأبيض يظهر في الرأس ويشاهد في الجد والابن أو ابن الابن وقد يخطئ الابن إلى ابن الإبن. أما المكتسب فيشاهد منه الكثير كل يوم وليس بخاف على نفر من الناس لأأن الشيب قد يكون من فزع أو خوف أو هم مستطير وذلك طبعاً معروف طبياً ومعترف به وهو نتيجة تأثير عصبي خاص على الشعر ومن ذلك الشيب قبل الأوان ويشاهد في عائلات خاصة دون الأخرى. أما الشيب في الأوان فهو وحده الطبيعي وينجم عن اختفاء اللون الملون وامتلاء الشعرة بالهواء. أما الشيب الخلقي والشيبب في الأوان فلا سبيل إليهما إلا بالخضاب. فلو دام لي هذا الخضاب حمدته ... وكان بديلاً من خليل قد انصرم غير أن الخضاب يجب أن ينتقى حتى لا يجهز على البقية الباقية من سواد العشر وعلى كثير مما بقي من الصحة والعافية ويحسن أن يؤخذ رأي الطبيب في هذا من وقت لآخر. أما الشيب قبل الأوان فله علاج يفلح في أكثر الأحايين وينحصر ذلك في تمرير الكهرباء عد أسابيع مع بعض تعليمات طبية يراها الطبيب نافعة. الصوم نعاجل نحن معشر الأطباء الآن البول السكري بالصوم ونعالج ارتفاع الضغط الدموي بالصوم ونعالج الأملاح بالصوم وكثير من أمراض المعدة فهل في ذلك شيء من العظمة لمن لا يصومون؟.

стр. 2706

جمعية المواساة الإسلامية بالسويس أهدى إلينا حضرة الأديب الفاضل علي أفندي عبد السلام سكرتير نادي الآداب بالسويس وجمعية المواساة الإسلامية بها تقرير أعمال هذه الجمعية في العام الماضي فتصفحناه وأثلج صدورنا ما علمناه من أن الجمعية تسير بخطى واسعة في سبيل النجاح والتقدم وأنها موضوع عناية أهل السويس الكرماء الأماجد الذين لا يألون جهداً في الرضوخ لها بأموالهم وصدقاتهم للفقراء وأهل الحاجة. وقد بلغت مصروفاتها في العام الماضي نحواً من ثلاثمائة وخمسين جنيهاً وإيراداته نيفاً خمسمائة وسبعين ولا يزال الأمل كبيراً في نجاحها بفضل إقبال أهل ذلك الثغر الكريم على التبرع والاكتتاب ونحن يجمل بنا أن نشكر لمحافظ السويس حضرة العزة خليل بك رياض الرئيس الفخري للجمعية، وصاحب العزة وكيله الشهم محمد بك غالب كفافي والسراة والأغنياء والتجار الذين خفوا إلى تعضيد تلك الجمعية، هذه المهمة النبيلة وفق الله تلك الجمعية في عملها المشكور.

стр. 2707

العدد ٤٩ - بتاريخ: ١ - ٦ - ١٩١٩

стр. 2708

حضارة العرب في الأندلس الرسالة الأولى من الإسكندرية إلى المرية وهنا كأن الأمير أراد أن يطوي بساط هذا الموضوع فانتقل فجأة إلى معنى آخر فقال: هل يحفظ أخونا المصري شيئاً مما مدح به المتنبي الشاعر كافوراً، وهل لا يزال هذا الشاعر مقيماً في مصر؟ فقلت: نعم يا مولاي الأمير، لقد فارقت مصر ولما يزل المتنبي في خدمة مولانا أبي المسك كافور ولقد امتدحه بأحسن المدح، وحق له أن يمتدحه، إذ اللُّها يا مولاي تفتح اللَّها كما يقولون، فما يعلق بالذاكرة مما أنشدنيه قوله فيه، بعد أن وصف الحيل التي سرت به إليه: قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحراستقل السواقيا فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضاً خلفها ومآقيا وقوله في قصيدة: وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملى عليَّ فأكتب إذا ترك الإنسان أهلاً وراءه ... ويمم كافوراً فما يتغرب ومن جملة هذه القصيدة: يضاحك في ذا العيد كل حبيبه ... حذائي وأبكى من أحب وأندب أحن إلى أهلى وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب فإن لم يكن إلا أبو المسك أو هم ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذب وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب فقال الأمير: بيد أن لهذا الشاعر في سيف الدولة بن حمدان ما هو أبرع مما مدح به كافوراً، ويعجبني من قصيدة له في هذه الأبيات الحكيمة: إنما أنفس الأنيس سباع ... يتفارسن جهرة واغتيالا من أطاق التماس شيء غلاباً ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا كل غادٍ لحاجةٍ يتمنى ... أن يكون الغضنفر الرئبالا وهذه الأبيات

стр. 2709

إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم يرى الجبناء أن العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم ثم قال الأمير: وهل لا يرى أخونا المصري لأبي القاسم ابن هانئ الأندلسي شاعر أمير المؤمنين المعز لدين الله ما يستأهل به أن يلز مع المتنبي في فرن؟ فقلت: إني أخشى يا مولاي أن أصرح برأيي فقال: قل وأنت آمن. فقالت: إني لا أشبهه يا مولاي إلا برحى تطحن قرونا. وني كلما أنشدت شعره فكأني أسمع جعجعة ولا أرى طحناً، فأربد وجه الأمير غضباً ثم تحالم وقال: وهل يقال مثل هذا فيمن يقول: يا بنت ذي السيف الطويل نجاد ... أكذا يجور الحكم في ناديك عيناك أم مغناك موعدنا وفي ... وادي الكرى ألقاك أم واديك منعوك من سنة الكرى وسروا فلو ... عثروا بطيف طارق ظنوك حسبوا التكحل في جفونك حلية ... تالله ما بأكفهم كحلوك وجلوك لي إذ نحن غصنا بانة ... حتى إذا احتفل الهوى حجبوك ويقول في أبيات في وصف الخيل: تكاد تحس اختلاج الظنو ... ن بين الضلوع وبين الحشى ومن رفقها أنها لا تحس ... ومن عدوها أنها لا ترى وتحسب أطراف آذانها ... يراعاً بريد لها بالمدى جرين إلى السبق في حلبة ... إذا ما جرى البرق فيها كبا ديار الأعزة لكنها ... مكرمة عن مشيد البنا وهل لمولانا المعز الذي يقول مثل هذا الشعر أطلع الحسن من جبينك شمساً ... فوق ورد في وجنتيك أطلا وكأن الجمال خاف على الور ... د جفافاً فمدّ بالشَعر ظلا أن يقرب ابن هانئ إليه ويؤثره على غيره ويعتز به ويفاخر لولا أن رآه من الشعر بحيث لا يكاد يتخلف عن المتنبي؟ بلى وإذا كان في المشرق المتنبي ففي المغرب ابن هانئ. وإذا كان فيه عبد الله بن المعتز فعندنا ابن مولانا المعز - الأمير أبو علي تميم الذي يقول:

стр. 2710

وكما يمل الدهر من إعطائه ... فكذا ملالته من الحرمان ويقول: وما أم خشف ظل يوماً وليلة ... ببلقعة بيضائ ظمآن صاديا تهيم فلا تدري إلى أين تنتهي ... مولهة حيرى تجوب الفيافيا أضر بها حر الهجير فلم تجد ... لغلتها من بارد الماء شافيا فلما دنت من خشفها انعطفت له ... فألفته ملهوف الحوائج طاويا بأوجع مني يوم شدت حمولهم ... ونادى منادي الحي أن لا تلاقيا ويقول: أما والذي لا يملك الأمر غيره ... ومن هو بالسر المكتم أعلم ... لأعلانها عندي أشد وآلم وبي كل ما يبكي العيون أقله ... وإن كنت منه دائماً أبتسم وبعد ذلك رأيت من الحزامة أن لا أطيل سبب المحاجة، فخرجت بالصمت عن لا ونهم، ثم أمر لي الأمير بعطاء سني، ثم أذن لي في الانصراف من حضرته. جزائر ميورقة ومنوورقة ويابسة وقبل أن أختتم هذه الرسالة آتي لك على شيء مما اعترضنا في طريقنا بعد أن انفصلنا من بلرم قاصدين المرية، فمن ذلك أنا ونحن إزاء جزيرة كبيرة تسمى سردانية أبصرنا أسطولاً كبيراً قادماً من ناحيتها، وقد علمنا أن هذا الأسطول هو أسطول المعز لدين الله، غزا هذه الجزيرة، وبلاد جنوة من بر الأرض الكبيرة، وغنم وسبى شيئاً كثيراً يخطئه العد والإحصاء وما خام في سائر غزواته عن اللقاء، على ما في ذلك من الغرر، إذ أن وراء هذه البلاد من أمم إفرنجة عديد الذر، غير أن المعز يفعل ذلك الفينة بعد الفينة، لأنه يعلم أن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبه عنه ألبسه الله الذل وسيما الخسف وديت بالصغار، وأن أمة من الأمم تريد أن تكون عزيزة مهيبة لا بد أن تغزو غيرها قبل أن يغزوها الأغيار، ورضي الله عن علي بن أبي طالب إذ يقول في إحدى خطبه: ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا. وهذه سردانية جزيرة كبيرة في غرب هذا البحر الرومي غزاها المسلمون حوال ٩٢

стр. 2711

هجرية الموافقة سنة ٧١٠ ميلادية في عسكر موسى ابن نصير وملكوها حيناً من الدهر ثم تركوا حبلها على غاربها ثم هم الآن يغزونها من وقت لآخر ويغنمون ويسبون لما علمت. وقد مررنا فيما مررنا به من جزر هذا البحر بجزائر ثلاث متجاورات تسمى ميورقة ومنورقة ويابسة، وهي جزائر عامرة مأهولة بالمسلمين يرجع أمرها إلى صاحب الأندلس. وعليها وال من قبله. ومن هنا تعلم أن المسلمين قد ملكوا ناصية هذا البحر الرومي بما فيه من الجزائر الكبيرة والصغيرة علاوة على جزائر بحر الظلمات المحيط الأطلسي كما أسلفنا لك فسبحان المعز لمن يشاء، وإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. تمت هذه الرسالة - وقد كتبت على متن البحر وبيننا وبين المرية مسيرة يوم أو بعض يوم وذلك في شهر جونية الرومي سنة ست وخمسين وتسعمائة الموافقة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة هجرية. أرجأنا الرسالة الثانية إلى العدد القادم.

стр. 2712

موضوع غريب أي أصناف الجمال الرجالي أحب إلى النساء بحث سيكولوجي فتاوى طائفة من مشهورات السيدات في موضوع من أهم ما تعنى به النساء، وهو - أي الوجوه أحب إلى النساء؟ الوجوه الدالة على القوة البدنية - أم الذكاء الحاد - أم الروح الخيالية؟ وأي هذه الثلاثة تختارين أن يكون رفيقك في الحياة؟ ولماذا؟ وقد عرضت إحدى المجلات الغربية الوارد فيها هذا المقال صور إثني عشر رجلاً مختلفي الصيغة الجمالية ولكن كلهم كان في حياته مشهوراً بالجمال، وطلبت إلى السيدات المذكورات أن تختار كل واحدة منهن صورة من هذه الصور باعتبار أنها أجمل الجميع في نظرها. (١) رأي البارونيس أوركازي إن موضوع الجمال في الذكور موضوع عويص معضل، لأن جمال الرجال أمر يتوقف على أشياء كثيرة خلاف الوجه، وإني لأسأل القارئة الكريمة قبل كل شيء ما هي العناصر التي منها يتكون جمال الرجل؟ هل هي حسن أعضاء الوجه وانتظامها وتناسبها؟ كلا إن هذا وحده لا يكاد يكون الجمال المستملح في الرجال. فإن الوجوه التي هذا شأنها تكون في الغالي خالية من معاني القوة والمتانة والمضاء والصرامة. وعلى العكس من ذلك ترى أن الأجسام البادنة المكتنزة بالعضل المجدول والعصب المتين خالية من بريق الذكاء المتوقد في العينين، ثم ترى في أقفائها العريضة المسطحة دليلاً على كثافة الذهن وانحطاطا القوى العقلية. ثم من وجهة أخرى ترى الوجوه الناطقة بالمزايا الذهنية أو النفية تكون غالباً مصحوبة بضعف البدن ووهن أنسجته وبنوع من معاني التأنيث في الهيئة والشكل مما لا يستهوي الفريق الأكبر من النساء. وعندك أيضاً الوجه القوي: وهو ذو الأعضاء الخشنة الحادة والعينين العميقتين والفك المتين المربع - فهذا ولا شك جذاب جداً - ولكنه لا يكون البتة مستنيراً ببهجة البشاشة ورونق الطلاقة أو مزداناً بوميض حلاوة الظرف والفكاهة التي هي سر الجمال في الرجال وشرطه الأساسي وأهم أركانه. وإذ قد عرفت ذلك فاطلب هذه المزية الكبرى في وجوه الرجال - ابحث عن أسارير

стр. 2713

البشاشة وسطور الابتهاج حول شفاه الرجال - ابحث عن بريق الجذل ووميض الظرف والفكاهة في أعينهم - فأينما وجدت ذلك فتشبث بصاحبه واعلم أنك قد ظفرت بما هو خير لك وأفضل من أدونيز وهرقل. إني أرى بين الاثني عشر رجلاً المختارين صديق صباي المعشوق. ورفيق شبابي المرموق اللورد تيتون. وإني لا أتردد لحظة في تمييزه دون الباقين باختياري. وإفراده من بينهم بإيثاري، فلقد كان وجهه عنوان شخصيته الساحرة وصفاته الباهرة. إذ كان عليه سيماء الفحولة والقوة خالياً من أدنى ظل للعنف والقسوة. وسيما النبوغ الفني خالياً من أدنى معاني الأنوثة والضعف، ودلائل الملكات الذهنية الباهرة خالياً من أدنى شواهد الغرور والزهو. وقد كان مع كل هذا مكللاً بأجمل المزايا البشرية - مزية الطلاقة والبشاشة ورقة الظرف وحلاوة الفكاهة، واحسرتاه لقد عاش ومات أعزب. رأي المس إيليس جفريز لا أدعي الخبرة بعلم الفراسة بأية حال. ولذلك فإني أستصعب ما أسند إلي من هذه المهمة، وإني لأسأل القارئ، أيصح لامرأة أن تجعل جمال المنظر وحده أساساً لاختيار رفيقها في الحياة؟ أما أنها لو فعلت لكان أقل ما في الأمر أنها تعرض نفسها لخطر جسيم فلقد جاء في قديم الأمثال (إنما الجمال جمال الفعال) وإني لأرى الاثني عشر رجلاً المختارين ههنا قد أتو من الفعال الجليل والجميل وأتوا كذلك القبيح والدنيء. إن القوة البدنية لمن الفضائل المحمودة، والمحاسن المحسودة. كما أن الذهن المولع بالمخاطرات والمجازفات البعيد الطمحات المتوقد الحركات لهو من أشرف المزايا وأجل الصفات. ومن أجل ذلك كان موضع اختياري ومحل إيثاري هو اللورد كتشنر. وإني في اختياري هذا مدفوعة بفرط إعجابي بالرجل وعظائم أفعاله. وبدافع أشد من ذلك وأعظم وهو ما يبدو على وجهه من إمارات الرقة والعطف والبر والمروءة - كافة العناصر الإنسانية - وهو عكس ما ينسب إليه من الجمود والجفاء والعبوس والصمت وفقدان العاطفة وقلة المؤاساة للغير. هذا لا ينافي ما قد يبدو عبينه أحياناً من النظرات القارة القارسة. النافذة القارصة. عند مقتضيات الأحوال. ولكني إذا نظرت في الصورة المعروضة خيل إلي أن عين الرجل تلين وتسجو وتخلع عنها نظرة اليأس والقسوة عندما

стр. 2714

يخلق الرجل لباس الجد والوقار والأعمال الرسمية ويمتزج بالناس امتزاج العشرة والوداد والألفة. هذا وإني ذلك الشارب لا يخفي ما تحته من معاني الظرف والاستئناس والبشاشة المتألقة حول الفم التي هي في نظري من أفتن محاسن ذلك الوجه النبيل. وإن صورة اللورد كتشنر التي تجلوه على أبصارنا مبتسماً لا تزال في رأيي أحسن عنوان على طيب النفس ورقة الظرف الحقيقية. وما تبتغي النساء بعد ذلك؟ ذهن وقاد وخلق رائع سما إلى أوج العلى وبلغ غاية الفخار بالفتح المبين وباهر الانتصار. رأي المسز س. ن. وليمسون إن غرائزنا الفطرية - نحن السيدات - وطبائعنا الوراثية تدفعنا من حيث لا نفهم ولا نشعر إلى اختيار الصنف الحربي من الرجال. فنحن نرتكن إلى هؤلاء لأننا طالما ارتكنا إليهم واعتمدنا عليهم، ألم يكونوا ملاذنا وعصمتنا يوم كانوا يدفعون عنا غوائل المردة والشياطين والغيلان والسعالى والتنانين ومن عصائب لصوص الهمجيين من الشعوب الوحشية والقبائل البربرية - آفات العصور الماضية. وبلايا الحقب الخالية؟ ولكن رأيي بالرغم من ذلك أن نموذج الجمال الرجالي هو ما جمع بين البدن الضليع والذكاء السريع. والخيال البديع. وإن أقرب الناس في نظري من هذا النموذج الكامل هو اللورد كتشنر. فلقد كان ذا خيال بديع وخلق غريب - مفرد فذ منقطع القرين بدليل أنه لم يجد قط في جماعات النساء من هي كفؤ له في غرابة الخلق والروح حتى يتخذها قرينة ورفيقة. أضف إلى ذلك أن حياته كلها كانت سلسلة مخاطرات هائلة. ولقد امتاز بالنظر في لغات سكان القفار والصحاري وفي صفحات قلوبهم وألواح ضمائرهم. وكلنا يعلم أي شجاع باسل كان!. رأي نورة سكليجل المصورة المشهورة إن من أصعب الأمور أن تختار المرأة رفيق حياتها باعتبار جمال المنظر لا غير على أن في رأيي ومذهبي في هذا الصدد اجتناب الشعراء لخلوهم من عنصر المزاح والفكاهة والمراح وتغلب الحزن والكآبة على نفوسهم. والحق يقال أن الضحك أحسن المزايا البشرية. وأعظم مسهل لمصاعب الحياة وأنفع علاج لآلامها وأنجع ترياق لسمومها.

стр. 2715

فالضحك مطر الحياة ونسيمها ونورها. وإني لأبصره في عين كيرلي بيلو وسيدني باراكلو. رأي المسز بيلي رينولدز ما أظن أن امرأة من المتعلمات المستنيرات في هذا العصر تختار رفيقها في الحياة لسواد عينيه أو حمرة وجنتيه وإن كان جمال المنظر يدخل ولا شك ضمن العوامل الباعثة على الاختيار. هذا وإني أستنكر في الصورة المعروضة ههنا معنى أن يشترك فيها إلا اثنين أو ثلاثاً - ذلك المعنى هو شعور كل شخص من هؤلاء الأشخاص بأنه حسن مليح - هو اعتداد كل منهم بمحاسنهم وتيهه وخيلائه بملاحاته ومفاتنه. (ومما شاهدت من أخلاق البشر أن الرجل الجميل أشد شعور بجماله وأكثر اختيالاً بحسنه من المرأة الجميلة) فهذا الزهو بالملاحة والحسن هو ما لا يحتمل ولا يطاق من الرجل. وإني إذا تأملت هؤلاء الرجال المعروضة صورهم وجدت أن الرجل الوحيد الخالي من هذا العيب هو اللورد كتشنر وإن كنت أشك في صواب إدخاله في رزمة من يستحقون صفة الجمال البارع. وعلى كل حال فلقد كان الرجل بريئاً من وصمة (اتخاذ الجمال حرفة وصناعة) وكان عليه سيما الرجل الخليق أن يأتي من الأمور ما يفيد وينفع. رأي المسز وينفريد جراهام إني أخص باختياري كرلي بيلو بشرط أن يحلق شعره! فإن له وجهاً كوجوه كبار المصلحين - ولعله ورث عن أبيه الذي كان من مشاهير الوعاظ وخطباء الكنيسة، وإني لأرى في عيني الصورة آية السحر والفتنة ودليل الإخلاص والفاء كما أن الذقن تدل على قوة العزم والمضاء. وإن كان لا يظهر به تلك النقرة أو النون (ما يسميه العامة طابع الحسن) التي كانت إحدى مزاياه المعروفة. هذا وإن الأنف الدقيق المستوي المحدد والذقن القوي الدال على مضاء العزيمة يوازيان بل يرجحان بما يكسو سائر الوجه من رقة جمال الأنوثة وفي هذا الوجه أيضاً تعرف سيما الخيال والشعر بينما الجبين يشبه جبين بيرون (الشاعر المشهور) - وهذا ما أشار إليه صاحب الوجه في كثير من الأحايين أما العنق فيدل على القوة البدنية. وأما شكل الحاجبين وانفساح ما بينهما فدليل على دماثة الطبع وحلاوة الشمائل والرغبة في فعل الخير. رأي المسز كلار شريدان

стр. 2716

النحاتة المشهورة إن أبدع المعروض من هذه الصور في رأيي ومذهبي هو صورة شيلي (الشاعر المشهور) ولعلي أكون في ذلك محابية لأني ما زلت طول حياتي منغمسة في شيلي (أي في أشعاره ومؤلفاته وما كتب عنه من السير والتراجم). ولقد عشت في مصيفه بإيطاليا والتهمت كل ما ورثه العالم من كتاباته وآثار شخصيته وروايات سيرته. عليه رحمة الله لقد كان ذا شخصية رائعة باهرة هائلة. ولو كان اليوم عائشاً لغرد أغاريده. وشدا أناشيده احتفالاً بانتصار المرأة في ميدان الحياة. ولوددت والله أني كنت زوجة شيلي لأني كنت أفهمه لا محالة وأدرك حقيقة أمره. واستجلي غامض كنهه وسره. أما بيرون فإني أتنصل عنه، وأنفض يدي منه، فأجمل منوجهه وجه روبيرت بروك وأمتن من خلقه خلق تيتس. أما باقي الأشخاص المعروضة فما أراني القادرة على الحكم عليهم وإبداء الرأي عنهم وذلك لقلة ما أعرفه من شؤون حياتهم وتفاصيل أحوالهم ودقائق صفاتهم وخلالهم. ورأيي أن الجمال لا ينحصر في أنف ولا عين ولا فم ولا ذقن ولا جبين. ولكن فيما وراء ذلك. وإني لا أضن بالاستحسان والثناء على متانة بنية العوام الشهير الكابتن وب والملاكم الشهير كوربيت ولكن أرى وجهيهما عاديين خاليين من أدنى معاني الفتنة والسحر والغرابة. فهما لا يمتازان عما لا نزال نبصر كل ساعة في غدواتنا وروحاتنا من الآلاف المؤلفة من وجوه جماهير العامة. فالكابتن وب هو أشبه الناس برجال طائفة المعمار وكان الأليق به أن يحمل القادوم والمطمار. رأي هنريتارا المصورة المشهورة لا أتردد في اختيار اللور ليتون. فإن هذا من الأمور البديهية التي لا جدال فيها من وجهة اعتبار من كان مصلي يتعاطى حرفة التصوير. أقول إني أختاره دون الباقين وإن صورته المعروضة ههنا تمثله وهو في دور شيخوخته وهرمه قبل وفاته بقليل ولكني عرفته في نضرة شبابة وزهرة صباه وخالطته سنين عدة فوجدت أن الجمال الذهين المشرق في صحيفة وجهه يشف عن روائع شيمه الباهرة. ةغرائب خلقه الساحرة. وعجائب ملكاته

стр. 2717

النادرة. مما لا ينكره ممن رآه إنسان. ولا يختلف فيه ممن عرفه اثنان. رأي المسز ماي أدجنتون إني لأعلم بيقين أي أصناف الجمال الرجالي هو أجذب للمرأة - المرأة العادية - وأخلب. فإنها إن لم توفق إلى الرجل الجامع لجملة المحاسن البشرية بين بدنية وذهنية وعاطفية فإنها لتفضل - في صميم قلبها وغن حاولت كتمان ذلك ومداراة ومواراة بباعث الاستحياء والترفع - أنها لتفضل الوجه الدال على القوة البدنية والبنية الحديدية. ذلك لأن الرجل ذا القوة البدنية العظيمة خليق دائماً أبداً أن يدخل على حياة المرأة شيئاً كثيراً من دواعي الأنس والمراح والطرب وبواعث اللذة واللهو والشهوة. ما الرجل ذو الذهن الوقاد والذكاء الحاد فخليق أن يكون له من الأناة والتؤدة وفرط الوقار والرزانة وكثرة التدبر والتأمل وطول الإطراق والروية والتفرس في حركات الناس وتصرفاتهم والتفتيش عن سرائرهم والخوض بنظراته الكشافة في أغوار ضمائرهم. وتشريح نفوسهم وأرواحهم على منصة بحثه بمبضع ذهنه المرهف المشحوذ كما يشرح الجراح الحاذق الجثة - يكون له من كل ذلك ما يفسد بينه وبني المرأة من صلات التآلف والامتزاج التي يجب أن يكون سداها الضحك والمرح ولحمتها التساهل والتغافل - فلا غرو إذا ندت عنه وأعرضت ونفرت لأنه يخيفها ويفزعها ويملأ قلبها هيبة ووحشة ولا تجد في جوه ذلك الإشراق والصفاء والدفء التي ليس إلا بها تتفتح زهرة قلبها وتينع ثمار عواطفها. فنصيحتي إلى المرأة أن تلتقط رجلاً شديد قوة البدن ثم تنفث فيه من ينبوع عواطفها نفثة من روح الأماني العجيبة والخيالات الغريبة - من الروح الروائية الخرافية - فستجدين فيه إذ ذاك النموذج الكامل والمثل الأعلى. فإذا ألفيت بعد ذلك نقصاً في ذكائه وقصوراً في فطنته فلا يسوءك ذلك فإنه لو كان غير ذلك لأحاط علماً بظاهرك وباطنك وليس هذا مما يسرك. وإذا وجدته ساذجاً بسيطاً فاحمدي حسن حظك وسعد طالعك ودعيه يبقى كذلك. أما من وجهة رأيي في الصور المعروضة ههنا فإن أجذبها عندي وأخلبها صورة كوربيت الملاكم. رأي المسز بيلوك لونديز إن الفريق الأكبر من النساء يفضل ولا شك بالفطرة والغريزة الرجل القوي البدن المتين

стр. 2718

البنية - سواء كان جميل الطلعة أو عاديها. وكذلك معظم الرجال - بل كل الرجال ما عدا الفئة النادرة الشاذة - يفضلون المرأة المؤنثة أعني اللينة الناعمة الرقيقة الغريرة. ولا نزاع في أن القوة الخفية المسماة الفتنة النسائية أعني العين الساحرة ذات اللحظ الخلاب أو كما يسميها فريق من الشعراء العين الداعية إلى الصبابة الآمرة بالولوع والاستهامة - لا شك أن هذه من أقوى العوامل في اختيار الرفيق. واشد البواعث على اصطفاء العشيق. ولكنها من المزايا النادرة جداً سواء في الرجال والنساء وقلما يكون فيها ضمان السعادة الدائمة أوالوفاء والأمانة في الحياة الزوجية. ولا أشك في أن الرجال والنساء جميعاً يخضعون لسلطان الحسن والملاحة - ومن ثم كان ذلك النجاح الباهر الذي يظفر به بعض ذوي المحاسن الباهرة من الممثلين والممثلات ولكني أشك في أن هؤلاء الممثلات والممثلين يستطيعون استبقاء هذه المزية النادرة في غضون حياتهم المنزلية. إن من النساء لفريقاً يستهويه الصيت والشهرة في الرجال. فأمثال هؤلاء النساء لا تحجم إحداهن عن الاقتران بالرجل القبيح الصورة والسيء الخلق الشاذ الطباع بشرط أن يكون شاعراً مذكوراً أو فارساً مشهوراً وأعجب من هذا وأغرب أنها تعيش معه سعيدة. إذا كنت مختارة واحداً من بين هؤلاء الرجال المعروضة هنا صورهم فإني أختار اللورد كتشنر.

стр. 2719

كيف يداوى الضجر والقلق مقال مفعم بالنصائح العملية من آراء العلماء الفنيين الذين درسوا هذا الموضوع درساً خاصاً الضجر آفة باطلة وداء كاذب لا ثمرة فيه ولا طائل تحته. وكأني بك تعرف ذلك ولكن الداء الخبيث قد تمكن منك بطريقة ما ويخيل إليك أن غير مفلت من قبضته أو خارج من أزمته. رويدك لا تقنط! واستعن بنصيحة من وقف قسطاً من وقته ومجهوده على دراسة ذلك الأمر وفحصه. فاقرأ ما كتبوا عن ذلك. وحاول العمل بنصائحهم وثق بأنك ستستفيد صحة في الذهن والبدن، وخلاصاً وبراءة من داء القلق والضجر. واعلم بادئ الأمر أن التعب هو السبب الخفي الأعظم المؤدي إلى معظم ما ينطوي عليه هذا العالم من قلق وضجر - أجل هو التعب - تعب الذهن أو تعب الجسم أو كليهما - ولا أقصد به ذلك التعب المؤقت الذي لا تلبث ساعة من الراحة أن تزيله ولكني أقصد ذلك التعب الذي لا يزال يتزايد علينا ويتراكم حتى يصير عبأ فادحاً وداء قاداً. وآفة تبتلي جميع وظائف الذهن والبدن. خذ مثلاً على ذلك الحقيقة الآتية المثبوتة - وهي أنك إذا أدمنت تحريك أصبعك حتى تكل عضلاتك فإن هذه الإصبع تصبح محتاجة إلى استراحة ساعتين لتستعيد من خلالهما قوتها وتجدد نشاطها حتى يصير في إمكانها إعادة عين المقدار السالف من العمل بالضبط، فإذا أنت لم تعط إصبعك من فترة الراحة إلا ساحة فقط فلا تحسبن أنها تصبح قادرة على أداء نصف عملها الأول كما يدلك حسابك واستنتاجك - بل تأكد أن ما تستطيع أن تؤديه إصبعك من العمل بعد ذلك هو ربع المقدار الأول فقط أو بعبارة أخرى - إذا أنت لم تعط نفسك من الراحة إلا نصف حقها فإنها لا تعطيك من العمل إلا ربع ما كنت آخذاً منها لو أنك أعطيتها وافر قسطها من الراحة. إن التعب البدني يؤثر في إيراد الدم المخصص للدماغ من حيث مقداره ومادته فلذا كان من الحمق والخرق محاولتنا تشغيل الدماغ عندما تكون أجسادنا متعبة منهوكة وأحمق من ذلك محاولتنا إزالة تعب الدماغ وتجديد نشاطه بالإفراط في الرياضة البدنية وممارسة التمرينات

стр. 2720

الجسدية العنيفة. وانتهاك القوى الذهنية لا يمكن إزالته بانتهاك القوى البدنية، ولا يعقل أن كد الدماغ ينفيه كد الجسد. ولكن التمرين البدني المعتدل قد يعين على تجديد القوى الذهنية بإصلاح الدورة. أما التمرين العنيف فإنه يزيد الطين بلة. من العجيب أن ترى الكثيرين من الناس يتحامون الإفراط في الشراب ويتحاشون البطنة والكظة خجلاً واستحياء ثم لا يستحون بعد ذلك من رذيلة الإفراط في العمل وانتهاك أذهانهم وأبدانهم في الكد والكدح. إنهم يأنفون ويستنكفون أن يقتلوا نفوسهم سكراً ول يأنفون أن يقتلوها عملاً وكداً. وقد كان من الواجب على المرء أن يرى من الخزي والعار أو على الأقل من الإساءة والأذى لأسرته وأصحابه أنه لا يزال يلقاهم بذهن مكدود وبدن منهوك وروح ضجرة ونفس برمة ووجه عابس عليه قترة الهم وظلمة الكدر. ولسان معتقل بأصفاد التعب والضجر. فإن لأخوانه وأهله عليه حق التودد إليهم والضحك في وجوههم والإشراق عليهم بنور الإنس والطلاقة والبشاشة. وإرتاعهم من أخلاقهم مرتعاً معشباً نضيراً. وإيرادهم من سجاياه مورداً عذبا نميراً. وهذا لا يتأتى لرجل متعب مجهود قد نكس الهم رأسه. وصعد القلق أنفاسه. وكيف يجود للناس بأسباب السرور من هو منه مسلوب. ويفيض على الناس بالأنس من هو منه محروم. وكيف يجني من الشوك الثمار أو يجود الجهام بالديمة المدرار. هذا واجب على كل امرئ لأهله وخلانه فهو دين لهم عليه ينبغي سداده في مواعيده أعني كلما لاقاهم وصادفهم. فإذا كان لا يزال كلما لقيهم عبس وأطرق تسخط وتبرم كان بمنزلة المدين الدائم المماطلة، والغريم المدمن المراوغة والمطاولة. والآن نأخذ في فحص أهم أسباب الضجر وعلاجه فنقول: من أهم هذه الأسباب شدة اشتغال ذهنك بواجباتك وأمالك فإذا اضطجعت لتنام وأصابك الأرق - وهذا الأرق يلحق بك القلق والضجر، إذ تقول لنفسك أنه لا بد لك من ثماني ساعات من الراحة وأنه قد دقت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ولم تغمض عينك فلعلك لست نائلاً من الثماني الساعات الضرورية لحفظ صحتك إلا أربعاً أو خمساً وفي الصباح نقول: يا لها من ليلة! لم تذق عيني فيها الغمض إلا بعد الساعة الثانية، ولم يطرف جفني بعد الساعة السادسة. فكل ما

стр. 2721

نمته هو أربع ساعات، وأنا لا أستطيع الاستمرار على هذا الحال!. إن وظيفة النوم ومهمته هي أنه يمكن البدن من تجديد أنسجته والذهن من تجديد قوته، والنوم من أصلح الحالات لحدوث ذلك التجدد الذهني والبدني، على أن هذا التجدد يحدث أيضاً - ولكن بحالة أبطأ - أثناء الاستراحة الخالية من النوم. فأول نصيحة لكم يا أهل الأرق والسهاد هي هذه: لا تضايقوا أنفسكم لنفور النوم وشروده عنكم بل قولوا لأنفسكم لا بأس علينا من هذا السهاد ولا ضير في هذا الأرق. فنحن وإن لم ننم نتمتع بالراحة ولين الضجعة. فأجسامنا في دعة واستراحة. فنحن من حيث الحالة الجسدية وكما لو كنا نياماً. إذ السكون والكسل والظلام هي جل احتياجاتي الجسمية وكلها في ملكي وحوزتي فليس ثمت ما يدعو إلى الضجر والقلق. فمناجاة نفسك بهذا القول مع صحة اعتقادك إياه - وهو أهم ما نظن لأنك تكون في هذه الحالة كمن أراد ركوب القطار السريع (الإكسبريس) فلما لم يوفق إلى ذلك ركب القطار العادي، فحسبك يقينك بأنك ستبلغ ولا شك غايتك المقصودة وإن أبطأت بك المطية وشطت بك النية. ولكنك ربما قلت معترضاً ليست راحة البدن هي أهم مطالب المرء. ولكن راحة الذهن هي المقصد الأول. إن أهم أغراضي هو إيقاف حركة الفكر!. على رسلك أيها المعارض! واعلم أن راحة البدن مؤدية - وإن كان مع البطء - إلى راحة الذهن أيضاً فاعتقادك هذه الحقيقة لا بد أن يحدث نوعاً من اللين والاسترخاء في أوتار الذهن. وهذا وحده يهيئك للنوم ويقرب منك أسبابه. وسنسرد في موضع آخر من هذا المقال جملة من علاحات الأرق وجوالب النوم أما الآن فنبحث في علاقة الأرق بالضجر والقلق. فاعلم أنك إذا أرقت بالفعل الليل الطويل كله فأحييت بالسهاد ظلمته، وأشعلت بحر أنفاسك فحمته فلا ضير عليك من ذلك إلا إذا جعلته موضع اهتمامك وكدرك فطفقت تتأفف وتتوجع لأنك لم تنم. على أنه قلما يحدث أنك تحرم النوم ليلك كله إذ في الغالب أنك تنام ولو ساعات قليلة. فحرمانك شطراً من وقت نومك ليس هو السبب فيما يبدو عليك في الغد من الوهن والخور والشحوب والاصفرار والكآبة والكمد - وإنما السبب في ذلك هو توجعك

стр. 2722

وتعجبك لحرمانك من هذه الساعات القلائل. وإذا أردت أن تجيد فهم هذه النظرية فادرس قليلاً فيما يسميه (علماء الأمراض العقلية) بالحالة العواطفية للإنسان فهب أنك أرقت ليلة - فبت الساعات الطويلة نابي المضجع قلق الوساد، تتقلب على جمر الغضا وشوك القتاد. تطلب النوم ولا تجده. وتنصب له الحبائل ولا تصيده. فتجزع لذلك وتقلق. وتستشيط وتتحرق، وتعذب نفسك أسفاً. وتقطعها حسرة ولهفاً. فماذا تكون حالتك العواطفية؟ تكون ولا شك التفجع والتحسر والغيظ والجزع والتلهف. فإذا أصبحت فأخلق بك أن تكون هائج سريع الغضب سريع الانفعال - وبالتالي تكون شرساً سيء الخلق ضجراً متبرماً. فإذا جلست على مائدة الإفطار مع أهلك وأسرتك فما أسرعك إذ ذاك إلى التسخط لأدنى تافهة من الأمر، والغضب من الوهيمات والخيالات مما لا وجود له إلا في ذهنك المضطرب وعقلك المشوش فتحدث المشاحنات بينك وبين أهلك فتغادرهم إلى محل عملك وأنت تعتقد أنهم ألب عليك وحزب ضدك وأنك فريسة ظلمهم وضحية جورهم. ثم تحاول البدء فكأنما تحاول نسف الجبال. أو عد الرمال، فتذعن لليأس وتستسلم للوسواس. ثم تغلق مكتبتك وتذهب للغداء وقد تراكمت عليك الأشجان. وامتلكت الهموم والأحزان فلا غرو إذا ظلت في هذا الحالة ولا تستمري مطايب الخوان. وتهيجك وتؤلمك مداعبات الأخوان. فإذا تناولت طعامك على انفراد أقبلت على نفسك تنغصها لما قد نابها من المنغصات. وتعذبها لما قد لحقها من عذاب تلك المكدرات. وهذا يؤدي ولا شك إلى القبض وسوء الهضم. فتعود على محل أشغالك في المساء أسوأ حالاً مما كنت في الصباح ثم تغادره ليلاً أخيب مما غادرته ظهراً وتمضي على فراشك أخوف ما كنت من معاودة الأرق والسهاد. ولو كنت تعرف حقيقة آفة الضجر وخفي أسبابها وعللها وطريقة علاجها ومداواتها لما كانت هذه حالك ولم تبت بليلة القائل: فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع يسهد من نوم العشاء سليمها ... لحلي الغواني في يديه قعاقع

стр. 2723

أجل لقد كنت توقى كل هذه الغصص والكرب لو أنك أدركت أنه لا ضير عليك من السهاد وأنك واجد عوضاً عن النوم مجرد ضجعتك واستلقائك واستراحة أعصابك واسترخاء أعضائك. تحت ظلال الليلة الندية الساجية. ومشتملاً برداء ظلمتها الفاحمة الداجية. أما من حيث المشاحنات الأسرية. والمشاجرات المنزلية فقد كان جديراً بك أن لا تجسم من شأنها صغيراً. وتعظم من أمرها حقيراً. وخليق بك أن تدرك أنها زمجرة ليس وراءها صاعقة. ودوي أوتار ليسه معه سهام مارقة. ولو كان غير ذلك شأنها لما بقي على ظهر الأرض أسرة ولأقفر العالم من الدور الآنسة والمنازل العامرة وعاش كل امرئ بمعزل عن سائر الناس محتجباً في بردته. ومستكناً في جلدته. كأنه السلحفاة أو المحارة. ولكن الواقع خلاف ذلك وما هذه المشاجرات المنزلية إلا كسانح طيف أو سحابة صيف. وكم مئات من هذه المشاجرات مرت بك فلم تأخذ منك إلا كما تأخذ الرياح من أطراف الجلاميد. وأنفاس الملاح من مرآة الحديد. وما هي إلا بضعة أيام حتى تصبح المشاجرة في نظرك حديث فكاهة كلما ذكرته ضحكت منه وسخرت. وإنك إذا نظرت في أسباب معظم هذه المشاجرات المنزلية وجدتها ترجع إلى مصدر واحد - وهو استبدادك على أفراد أسرتك وحكمك عليهم أن يخضعوا لميلك وهواك في كل شيء، فيكونون معك بلا رأي ولا إرادة كاللعب في يديك تحركها كما تشاء ولا شك أنك في هذا لظالم جائر. فإن كان نظرك أصدق من نظرهم فيما تأمرهم به، ورأيك أصح من رأيهم فدعم وشأنهم لا يلبثون أن يهتدوا إلى هذه الحقيق فيأخذون برأيك وينحون منحاك. وإذا لم يفعلوا فحسبك أنك منحتهم نعمة الحرية التي ليس فوقها نعمة، وخليت بينهم وبين لذاتهم وشهواتهم فملأت صدورهم مسرة وطرباً. وهذا وحده خليق أن يولد فيك حالة عواطفية حسنة (أعني أنه يبعث فيك السرور والجذل. ولا يزال الضجر مصحوباً بنوع ما من العاطفة (أي الانفعال) والعاطفة أي الانفعال النفساني هو قوة كامنة - هو بخار مخزون لا بد له من أيجد منفذاً ومخرجاً فإذا هيء له هذا المخرج بطريق العمل والحركة فلا ضير منه ولا بأس. وإذا لم يفعل ذلك فإن هذا البخار لا بد أن يحدث انفجاراً فينسف شيئاً ما في ناحية ما وبكيفية ما فإذا لم يحدث ذلك الانفجار بالفعل فإن هذه القوة العاطفية الموجهة في غير وجهتها قد تحدث حالة من القلق

стр. 2724

الذهني لا تزال تعظم وتتزايد حتى تصير داء مزمناً من الضجر. ومن أشيع الأشكال التي يظهر فيها الضجر ويتراءى - التردد. وهذا التردد ينبعث عن علل ذهنية خبيثة أهمها الخوف الذي لا يزال يملؤك حذراً من إتيان الغلطات وخشية من عواقب أمور هي في ذاتها مأمونة العواقب على حد قول القائل: ورب أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب وفرط سوء الظن بالناس هو الذي يغريك باتهامهم في كل ما يأتونه حتى تحسب أن كل لفظة أو حركة تصدر منهم هي أذى وإساءة موجهة إليك. فلا عجب إذا شبهنا هذا المرض الخبيث - مرض التردد - بضباب قريب متكاثف يحجب عنا حقائق الأشياء. فإذا لبثت في جوف ذلك الضباب حائراً مرتبكاً لا تدري أين تذهب فأحرى بك أن تبقى واقفاً مكانك فلا تصل إلى أي غرض البتة. فالمخرج الوحيد من هذه الورطة هي أن تمضي قدماً في أي طريق مهما كان - هي أن تعقد أي نية وتبرم أي عزم. أجل اصنع شيئاً مهما يكن. فإن ذلك يخرجك من الضباب. إنه لا يبعد أن تذهب في طريق جائرة عن القصد حائدة عن الصواب فإذا كان ذلك فلا ضير عليك منه وحسبك أنك قد خرجت من الظلمة الحالكة حيث قد قضي عليك أن لا ترى شيئاً ولا تصنع شيئاً إلى حيث تستطيع أن تبصر وتميز فتعرف أنك في ضلال فتحاول الانصراف إلى الهدى. مثال ذلك أنك قد تريد كتابة رسالة فتلبث ساعات تفكر ماذا تكتب وأي المذاهب تسلك متردداً بين ألف طريقة وأسلوب. فلقد آذيت نفسك وعذبت ذهنك ثم لم تصنع شيئاً. ألا فاجلس فوراً إلى المكتب وخذ القلم والقرطاس فاكتب ما حضرك أياً كان فلعلك واجد في هذا الكلام المرتجل والمقال المقتضب ما هو قريب من بغيتك ومرادك ثم اعلم أن مجرد (عقد النية) وإبرام العزيمة - إن مجرد هذه الفعلة يعد ضرباً مفيداً م الرياضة الذهنية - وأسلوباً نافعاً من التمرينات العقلية. وأن قراراً محدداً وعزماً معيناً، إن فكرة إيجابية واضحة واحدة لهي خير من كل ما تنفقه سدى من ساعات التدبير العقيم والتفكير المجدب العديم النتيجة المشفوع بالحيرة والارتباك والقلق ألا فافعلن شيئاً. افعله بعد مقدار مناسب من التأمل والروية - ولكن افعله على كل حال.

стр. 2725

إن من أكبر أسباب الخيبة في مثل هذه الأحوال من التردد والارتباك هو إحجام المرء عن مواجهة الحقائق، هذه الحقائق، هي أشياء حاصلة ترعاها عيناك. وتلمسها يداك، فإذا كنت تستطيع إزالتها وتغييرها فافعل. وإذا كنت لا تستطيع ذلك فماذا لجاجك وإلحاحك في محاولة تبديل ما لا يبدل وتحويل ما لا يحول. وأحمق من ذلك وأسخف أنك تجلس فتقطع نفسك كمداً وحسرة لأن هذه الحقائق لا تبدل ولا تحول. ومما هو جدير بالذكر أيضاً أن تسعة أعشار الناس لا يستطيعون (العزلة الذهنية) أعني الانفراد بأذهانهم عن مشاركة الغير في الآراء والأفكار. فالإنسان مدني بالطبع يحتاج إلى تبادل الرأي والفكر مع عشرائه وجلسائه فمشاورة الصديق ومحاورة الرفيق من أوجب الواجبات ومن أهم ضروريات الحياة. وإن اختزان الأفكار والهموم في الصدر كاختزان الطعام والشراب في المعدة كلاهما يحتاج إلى دواء مسهل، فإذا غص ذهنك بالمكدرات والمنغصات من جراء أمر ما فابغ لها ما يخرجها من بطنك ويلقيها من جوفك! ولن تجد غير المجاورة والمشاورة دواء مسهلاً. وما زالت الصراحة والإفشاء أنفع الملينات الذهنية. وأنجع المسهلات العاطفية فتعاطها تبرأ بها. وأذيع مظاهر الضجر وأشغلها لبال المصاب بها هو الأرق. والأرق إذا دام أحدث ولا شك أثراً سيئاً في البنية والأجهزة الحيوية. وإني أكرر هنا أن تضجر الإنسان بسبب الأرق شر علبه من الأرق ذاته. بيد أنك على كل حال محق في حرصك على النوم. وأنت إذا ابتغيته من وجهه فلا بد أن تناله. اقتصد في طعامك وشرابك وسائر أركان حياتك. ولا تجاوز في عملك ولهوك حد الاعتدال إلى طور الإنهاك والإرهاق. فإذا لم تجد بداً في بعض الأحايين من الإفراط في الكد فابتغ سبيل الموازنة بإنالة نفسك من الراحة مقدار ما حملتها من التعب وخذ بقول القائل إني لأستجم نفس بالشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق. ويقول الآخر حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور. ولا تحمل يومك عمل الغد فوق عمله فإن ذلك ضرب من الظلم والحيف والطمع الوخيم العواقب. وإذا لهوت فكن جاداً في لهوك فاله من صميم قلبك ومن أعماق نفسك. ولا تقف متردداً بين

стр. 2726

مباهج اللهو المتشعبة ومذاهبه المتفرقة بل خذ في أيها بشرط أن تندفع فيه اندفاع الجاد المعتزم الذي وجه كل همه وأقبل بجل روحه على ما قد اختار من الملهى. وأفضل شيء أن تغوي ضرباً بعينه من الملاهي - الموسيقى أو التصوير أو السباحة أو ركوب الخيل أو الصيد أو جمع النوادر من الحشرات أو الصور أو الكتب وهلم جرا. وتناول من الطعام الساذج المغذي فخذه في أوقات محددة. وثمت من رأي شائع وهو أن الطعام لا ينهضم إلا إذا أكل بشهية حادة. فهذا من الأغلاط الشائعة. إن الطعام بلا شهية قد يبطئ هضمه ولكنه سيهضم في النهاية ولاسيما إذا أعنت عملية الهضم بالاستراحة. وبعد ذلك فإنك إذا جمعت بين حسن الغذاء وقلة التعب فقد هيأت لنفسك أصلح الحالات لاستجلاب النوم. على أنك تستطيع أن تزيد هذه الحالة صلاحية وذلك باستحمامك قبل الذهاب إلى الفراش في حوض مملوء بالماء الفاتر. ولتكن حرارته أقل من حرارة بدنك بمقدار طفيف. ولكن راع أن تكون طريقتك في هذا هي مجرد وثبة في الماء تتلوها وثبة منه بل يلزمك الاستمرار فيه ما دمت تشعر له بلذة. هذه كلها علاجات تنفعك في داء الضجر ولكن ماذا عساها تفيدك إذا كان الداء قد بلغ منك أقصى مبلغ. واستأثر بذهنك وروحك أيما استئثار. ألا ترى أنك بعد كل هذه العلاجات تذهب إلى الفراش وأنت أخوف ما تكون من أن كل هذه الوسائل لن تطرد عنك الأرق؟ فتستلقي في فراشك وتشرع في مضايقة نفسك وتنغيصها للسبب الآتي وهو أنك تخاف أن خوفك من الأرق سيجلب عليك الأرق.

стр. 2727

روح الإسلام الفصل الثاني بقية هذا الفصل الحياة الدنيا في نظر الإسلام هي البذرة التي تخرج منها الحياة الآخرة. والمبدأ الأساسي للإسلام هو السعي والعمل لمصلحة النوع البشري في تواضع وخضوع وخشوع وبذل الجهد للاقتراب من درجة كمال الذات الإلهية الكاملة. والمسلم الصادق هو كذلك مسيحي صادق من حيث قبوله رسالة عيسى واجتهاده في تنفيذ وصاياه وتعاليمه فلما لا نرى المسيحي الصادق يكرم الواعظ والمعلم (أعني محمداً) الذي نقح وهذب ما وضعه الأساتذة الأولون. أو لم يجد المعلم قوى العالم مبددة مشردة فألف شتاتها ولم شعثها وردها جميعاً إلى منهج الرقي وسبل التقدم؟. ونحن إذا استثنينا فكرة بنوة المسيح لم نجد فرقاً أساسياً بين الإسلام والنصرانية فهما في جوهرهما واحد - كلاهما نتيجة عوامل روحانية واحدة ذات فاعلية وتأثير في الحياة الإنسانية فكان أحدهما (الدين المسيحي) اعتراضاً على ما كان يدين به اليهود والرومان من مذهب المادية التي لا قلب لها، المجردة من الوجدان والشعور والعاطفة وكان الثاني (الإسلام) ثورة ضد ما كان يدين به العرب من الوثنية المزرية بالعزة والكرامة وضد عاداتهم وتقاليدهم الوحشية الفظيعة. وقد كانت الأمة التي نشر بينها الدين المسيحي وضد عاداتهم وتقاليدهم الوحشية الفظيعة. وقد كانت الأمة التي نشر بينها الدين المسيحي خاضعة لحكومة منظمة، وكانت أمثر مدنية استقراراً من الأمة التي نشر بينها الإسلام ومن ثم كانت الشرور والآفات التي قاومتها المسيحية أخف وأهون من التي قاومها الإسلام - الذي ألقى على شعوب متحاربة وقبائل متضاربة فاضطر إلى مكافحة المصالح الشخصية والخرافات العتيقة. ولا يخفى أن المسيحية في بدء انتشارها اتجهت نحو المشرق ولكنها لم تلبث أن صادفت في تلك السبيل عقبة في شخص رجل غزير العلم غريب الأخلاق والصفات إسرائيلي المحتد لكنه يوناني اسكندري من حيث التربية والمبادئ فقام هذا الرجل ينقل المسيحية إلى إغريقيى (اليونان) ورومة - وهناك استحوذت المسيحية على حضارة وثنية القرون العديدة السالفة ثم أخرجت للعالم أفكاراً جديدة وعقائد مستحدثة. ومنذ تنقلت

стр. 2728

المسيحية من مهدها زالت عنها صفة المسيحية فصارت ديانة بولس لا ديانة المسيح. وفي هذه الآونة كانت صروح الوثنية القديمة تتداعى لانهدام، وقبل ذلك كانت الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسكندرية تهيئان العالم الروماني لقبول فكرة إله غير مكون من المادة - إله اسمه (ديميرجيس) أو (ايون) قد نشأ في قلب الأبدية - وهذه الفكرة اندمجت في مسيحية بولس والمسيحية العقلية (إيديالستيك) الحديثة التي هي أحق أن تسمى مذهباً فلسفياً من أن تدعى ديانة مقررة. إنما هي نتيجة القرون العديدة من المدنية السابقة للمسيح والمدنية التالية لها. أما الإسلام فقد بث في أمة مخالفة وفي ظروف اجتماعية وأخلاقية مخالفة. ولو أن الإسلام استطاع أن يقتحم العقبة التي أقامتها في وجهه مسيحية ذلك العصر الوضيعة المنحطة فتسرب إلى الشعوب الراقية والأمم العليا من سكان الدنيا لاتخذ صبغة أخرى ومذهباً عن الرقي جد مخالف لما يراه المتأمل اليوم بين الشعوب المسلمة الأقل استنارة وعلماً. فمثل هذين الدينين كمثل نهرين ينحدران في بقعتين مختلفتين - كل منهما يحدث من النتائج ما هو ملائم لماهية التربة التي يتدفق فيها. وغير خاف أن المكسيكي الذي يعاقب نفسه ضرباً بورق الصبير وساكن جنوب أمريكا عابد للوثن والطبقات السفلى من الأمم النصرانية لا يصح اعتبارهم نصارى بأي وجه من الوجوه، وما أبعد الفرق بينهم وبين قادة الأفكار المسيحية الحديثة. وقد ثبت أن الإسلام حينما تسرب إلى الشعوب القابلة للاستنارة والرقي وجد على تمام ملاءمة لعوامل الرقي والتقدم فأعان على نشر المدنية وتهذيبها وأكسب العقائد الدينية روحانية وعقلية. إلا أن ديناً كان من نتائجه وثمراته بطولة علي وإخلاصه ورقة جعفر الصادق ودماثته وطهارة فاطمة وعفافها وقدسية رابعية - إلا أن ديناً أخرج أمثال ابن سينا والبيروني وابن خلدون وجلال الدين الرومي وإبراهيم بن أدهم وكثير غيرهم لدين مشتمل علاى كل عناصر الأمل وأسباب الفوز والفلاح. يا حسرتا ويا أسفاه على أساتذة الإسلام في العهد الأخير! لقد هبت عاصفة المشاحنات المذهبية على روضة الدين الصحيح والإيمان الصريح فأذبلت زهرتها وأذهبت نضارتها. وقد شرح أحد وعاظ النصارى في أبلغ بيان وأصدق برهان الفرق بين العقيدة الدينية وعلم الفقه وبين المضار التي حلت بكنيسته بسبب الخلط بين الاثنين وقد أصاب الإسلام من هذه

стр. 2729

الوجهة عين ما أصاب المسيحية. فجعل الدين حرفة وصناعة بعد أن كان عقيدة يعمل بوصاياها وتعاليمها، وأصبح مراسم ومظاهر بعد أن كان عبادة باعثها الإيمان والإخلاص والتقوى وإتيان ما فيه الخير للناس رغبة في الخير وابتغاء مرضاة الله. قد انطفأت جذوة الغيرة على الدين والاستهامة في حب الله والإيمان به وبرسوله وقد انعدم ذلك الإخلاص الذي لولاه ما انمازت حياة البشر عن حياة البهائم - الإخلاص في صدق العمل وصدق التفكير والنية. إلا أن مسلمي هذا الزمان قد جهلوا الروح وتشبثوا باللفظ فبدلاً من سلوكهم في الحياة المنهج الأرشد الذي أوضحه لهم أستاذهم وبدلاً من نهوضهم إلى الدرجة العليا التي أبانها لهم. وبدلاً من اتباعهم المثل الأسمى والنموذج الأسنى الذي شرح لهم ذلك الأستاذ الجليل - بدلاً من الطموح إلى أشرف الأعمال وأكرم الفعال والأخذ بالصلاح والتقوى ومحبة الله ومحبة الناس من أجله تعالى - بدلاً من كل ذلك جعلوا أنفسهم عبيداً للمصالح الشخصية والأغراض السياسية والمظاهر السطحية الباطلة، ولا غرابة في أن صحابة محمد حين أدهشهم بروائع خصاله وفعاله فملأ قلوبهم عجباً وإجلالاً أخذوا يقدسون أفكاره وأعماله العادية وطريقته في العيشة ودقائق تصرفاته في حياته اليومية ويسجلون كل ذلك ليكون مثالاً للناس ونموذجاً وقدوة فجعلوا ينقشون على صفحات القلوب تلك التعاليم والأوامر والوصايا والقواعد التي كانت تمليها ضرورات الأحوال ومقتضيات الظروف إذ ذاك في أمة صغيرة حديثة النشأة. فأما ما يزعمه الزاعمون من أن أكبر مصلح أخرجته الدنيا وأعظم مؤيد لسلطان الحق والعقل والمنطق - الرجل الذي صرح بأن الكون محكومة ومنظم بقوانين ونواميس وشرائع وأن ناموس الطبيعة إنما يقتضي التطور والارتقاء والتقدم - نقول أن ما يزعمه الزاعمون من أن رجلاً هذه صفاته وأعماله كان يتصور أن تلك التعاليم والوصايا التي أوحت بها مقتضيات الضرورة في أمة شبه همجية يصح أن تبقى على حالها بلا تغيير ولا تبديل إلى آخر الدهر - إنما هو حكم جائر على نبي الإسلام - أو كما قال الشاعر هذا محال في القياس بديع. كان محمد أدق الناس فطنة وأنفذهم بصراً باحتياجات ومطالب الرقي والتطور في هذا العالم وما تقتضيه تقلبات أحواله الاجتماعية والأخلاقية - وكان أعرف الناس بأن ما نزل عليه من الوحي ربما كان لا يلائم كل ظرف ولا يناسب كل موقف ولا يصلح لمعالجة كل

стр. 2730

طارئة ومداوة كل حادثة محتملة الحصول. ومصداق ذلك أنه لما ولي معاذ أمر اليمن سأله النبي بأي قاعدة يأخذ في إدارة شؤون ذلك القطر. فقال معاذ أمر اليمن بأحكام القرآن فقال النبي: فإذا لم تصب في الكتاب الحكيم ما تبتغي من الحكم فعلام تعول؟ قال معاذ على سنة النبي قال رسول الله ﷺ فإذا لم تجد بغيتك في ذلك فإلام تعمد؟ قال معاذ: إلى الرأي والقياس فسر النبي بهذا الجواب واستحسنه وأوصى سائر الولاة باتباعه. ذلك الأستاذ الكبير الذي كان أعرف الناس باحتياجات وقته ومطالب أمته - أمة منغمسة في حمأة الانحطاط الاجتماعي والأخلاقي الموئس - أدرك بنفاذ بصيرته وبعد رأيه بل بنبوة وجداه أنه سيجيء وقت يفرق بين ما هو مؤقت وخصوصي وما هو دائم وعمومي من النواميس والنظامات. فقد قال ﵇ ما معناه: أنتم في زمن إذا تركتك عشر ما أمرتم به بؤتم بالخسار والدمار وسيجيء زمن يفوز فيه من عمل بعشر ما يوصى به الآن. أجل إن البلاء الذي حل بأمم الإسلام لا ترجع أسبابه إلى تعاليم محمد، وكيف يكون ذلك وإن الإسلام لأوفر الأديان نصيباً من عوامل التقدم ووسائل التدرج والتطور وليس في كافة الملل والعقائد ما هو أنقى منه وأطهر وأشد التئاماً مع روح النهضة والرقي في مناحي الإنسانية. إن معظم السبب في خمود جمرة العالم الإسلامي في هذا العصر وركود ريحه وفي جمود تيار النهضة والرقي فيه راجع ولا شك إلى فكرة كاذبة قد علقت بأذهان السواد الأعظم من المسلمين ورسخت في عقائدهم أيما - وهيب أن حق الاجتهاد وحرية الرأي والتفكير قد محي وقبر مع الأئمة الأقدمين وأن الجرأة على تعاطي هذا الحق في العصور الحديثة يعد وإثماً وأن الرجل لا يصح اعتباره مسلماً صحيح الإسلام إلا إذا كان تابعاً لأحد مذاهب الأئمة الأربعة وكان قد انصرف البتة عن حرية التفكير والاستقلال بالرأي إلى إتباع آراء رجال عاشوا في القرن التاسع. وكانت أذهانهم بطبيعة الحال خالية من أدنى فكرة عن مطلب القرن التاسع عشر واحتياجاته. إن حياة وسلوك الكثيرين من مسلمي هذا العصر لهما اليوم أقل التئاماً مع تعاليم الأستاذ (النبي) ووصاياه وأكثر التئاماً مع آراء ونظريات المجتهدين والأئمة الذين حاولوا - كل على حسب مذهبه ونظره الخاص - أو يؤولوا كلمات الوحي التي هبطت على الأستاذ

стр. 2731

الأكبر فكان مثلهم مع ذلك الأستاذ كمثل رجال قائمين وسط زحام يصغون إلى خطبة واعظ قد قام على ذروة عالية ينثر مقاله على جموع محتشدة وهو من مكانه الرفيق يشرف على فضاء فسيح ومتسع رحيب بينما أولئك الرجال لا يبصرون إلا ما جاورهم ولاصقهم ولا يفهمون ما قد كمن في غضون كلمه وتضاعيف ألفاظه في المعاني العميقة. والمغازي الدقيقة. والأغراض الخفية. والمرامي القصية. ولا يدركون ماهية الجمع المصغي إلى خطابه فلا غرو وإذا رأيتهم قد شرعوا يوفقون بين كلمات ذلك الخطيب وبين قاصر علمهم ومحدود رأيهم في موضوع مطالب النوع البشري ورقي العالم الإنساني. أولئك الرجال قد غاب عنهم أن تعاليم الأستاذ عامة شاملة في طبيعتها وكنهها وينقصهم مع ذلك ألمعية النبي وتوقد لوذعيته واتصال روحه بينبوع الوحي الفياض - فلا جرم والحالة هذه إذا رأيتهم قد نسوا أن النبي إنما كان يلقي خطابه في ذروة طود عبقريته على العالم أجمع. وأولئك الرجال قد خلطوا بين المؤقت والدائم ولم يفرقوا بين الخاص والعام. وكما حدث في الكنيسة النصرانية كان كثير من أولئك الأئمة المسلمين خداماً للملوك المستبدين الجبابرة الذي كانت أغراضهم وغاياتهم لا تتفق مع وصايا الأستاذ (النبي) وأوامره. فكان أولئك الملوك يضطرون الأئمة المذكورين إلى استحداث القوانين والنظريات واختراع الأحاديث والروايات المنافية لروح الدين وإلى تأويل كلمات الوحي بما لا ينطبق على مغازيها الحقيقية ومن ثم ما نراه من أن معظم القواعد والنظامات التي تخضع لها عقائد الكثيرين من حضنة الإسلام اليوم لا يكاد يصخ القول بأنه مشتق من تصريحات الكتاب الحكيم (القرآن) بل أغلبه مستمد من كتب الشريعة التي غص بها العالم الإسلامي في القرون الأخيرة كما أن العبرانيين انصرفوا عن توراتهم إلى التلمود فكذلك انصرف المسلمون عن القرآن إلى آراء العلماء ورواياتهم. ولا نعني بهذا أنك إذا سألت مسلماً عن الكتاب المشتمل على أوامر دينه كان جوابه شيئاً خلاف القرآن ولكنا نعني أن القرآن ليس بالفعل مصدر التعليم التي تقوم عليها معتقداته وتصرفاته. وفي أثناء القرون الوسطى كان المرجع الذي يعمد إليه للفصل والقضاء في مسائل الدين المسيحي ليس هو العهد الجديد (الإنجيل) ولكن كتاب سوماتيولوجيكا تأليف توماس أكويناس وهذا هو الحاصل في هذه الأيام فإنك لا ترى الرجل النصراني الصحيح المذهب

стр. 2732

يستمد عقيدته من نظره الخاص وبحثه الشخصي في تعاليم المسيح في الإنجيل. وإذا فرض أن مثل هذا الرجل أراد فعلاً أن يطلع بنفسه على شيء من الوحي المقدس لم يزد على قراءة قواعد الإيمان فإذا اتفق أنه كان بطبيعته ميالاً للبحث والتحقيق اقتنع بقراءة قانون إيمان الكنيسة الإنجليزية ولكنه يتبجح مع ذلك فيقول أنه استمد عقيدته ودينه من الإنجيل ولا يرضى أن يعترف بالمصفاة التي من خلال ثقوبها ترشحت عقيدته. وعلى هذا النحو يستمد الدين الإسلامي في هذه العصور ويقتبس وبهذه الطريقة يبنى ويشاد. وإذا تأملت الحقيقة وجدت أن جانباً عظيماً من معتقدات مسلمي هذه العصور وتصرفاتهم لا أساس لها البتة في الكتاب الحكيم (القرآن). ونحن مع كل ذلك لا ننكر أن كل مذهب من مذاهب الأئمة يشتمل على شيء كثير من بذور الإصلاح وجذور الترقي وإذا كانت أسباب التقدم قد انتقصت اليوم ودولاب الرقي قد تعطل فإنه لا تبعة في ذلك على الأئمة المشرعين ولا حرج. وإنما السبب فيه راجع إلى عجز في إدراك أسرار القرآن وروح تعاليم الأستاذ الأكبر بل تعاليم الأئمة أنفسهم.

стр. 2733

تاريخ الزواج إن أول دور للزواج هو دور الإباحة المطلقة والمسافحة الخالية من كل قيد ونظام لا حائل يمنع الرجل من المرأة التي يريدها ولو كانت في حيازة غيره على أن حيازة النساء لم تكن معروفة في هذا الدور بل كن مشاعاً للرجال لا يستأثر أحد بإحداهن بل له أن يعاشر من يريد، ولا يوجد في القوانين والعادات ما يحرم عليه هذه المعاشرة على أن القوانين والعادات الاجتماعية كانت مفقودة في ذاك الوقت لأنها لا تنشأ بين الأفراد والمنعزلين وإنما تنشأ بين الجماعات ولم تكن الجماعات موجودة بعد بل كان الإنسان عائشاً في فئات صغيرة لا تكون اجتماعاً بالمعنى الذي يتولد عنه قيود وروابط اجتماعية. وكانت المعاشرة وقتية تنصرم في الحال ولا تلبث إلا ريثما يقضي الرجل غرضه وفي بعض الأحايين تطول إلى أن يفطم الطفل عن الرضاع ويصبح قادراً عن الأكل. ولم تكن للقرابة حومة تمنع الرجل من التمتع بذويه ولا يلحقه من جراء ذلك عار ومن آثار هذا إباحة قدماء المصريين زواج الأخوة بالأخوات وفي بعض نواحي أفريقيا إلى وقتنا هذا يتزوج الملك بابنته الكبرى والملكة بابنها الأكبر ليبقى الدم الملوكي نقياً لا يشوبه دم آخر. وكان التبذل غير مستهجن فلا يعيب الرجل أن يسترسل في شهواته ولا يشين المرأة أن تفرط في عرضها أو تتجر بعفافها بل كان العفاف رذيلة تترفع عنه النساء النبيلات ويستعيبن الامتناع عن إجابة رجل إلى طلبه. وكان لا يرغب في العذراء وإنما تحتقر وتزدرى لأن عذارتها دليل على خلوها من الصفات المحبوبة من الرجال. ومن حسن الضيافة أن يمتع الضيف بامرأة من نساء القبيلة وهذه عادات لا تزال موجودة إلى الآن بين قبائل الأسكيمو وكلفورنيا ونيوزيلندة. ولا يوجد عند القبائل الوحشية الحديثة العهد بنظام الزواج صيغة لفظية له بل ينعقد عادة بأفعال تفيد قبول أحد الزوجين معاشرة الآخر أو إذعانه كرهاً لهذه المعاشرة كأن تشعل نار ويجلس الاثنان حولها أو تقدم المراة لخطيبها قليلاً من التبغ وورقة من الفلفل أو يجلس الاثنان في وعاء من شأنه عادة أن يستعمل في حمل الماء ويوضع فيه بعض المأكولات، وعند الرومانيين يقتسم الزوجان فطيرة ويأكلانها سوية. والزواج لدى هذه القبائل ضعيف الوثاق سهل الانفكاك يكفي لحل قيوده أن يطرد الرجل زوجته ففي كلفورنيا الجنوبية يجوز للرجل أن يتزوج من النساء بقدر ما يريد ويعاملهن

стр. 2734

معاملة الرقاء وإذا مل صحبة إحداهن طردها. وإذا أخرج الرجل في نيوزيلند امرأته من داره يعتبر أنه طلقها. وفي تاهيتي ينصرم حبل الزواج متى شاء أحد الزوجين. وفي القبائل التي تسود فيها المرأة على الرجل كسكان نيكارجوا الأقدمين تنفرد المرأة دون الرجل بحق الطلاق وكلما ارتقت القبيلة وازدادت حضارتها وتوثقت عراها الاجتماعية تقلصت تلك الفوضى من الزواج ونشأت حدود ومعالم لم تكن موجودة من قبل وضاقت الدائرة التي يجوز للرجل أن يختار منها امرأته، ومن أقدم أنواع التضييق تحريم الزواج من نساء القبيلة وإباحته من نساء القبائل الأخرى وذلك لا يكون إلا بالسبي والخطف، ومن القبائل ما يعمل العكس فيحرم الزواج من الأجنبيات ويبيحه من نساء القبيلة. وقد اختلف علماء الاجتماع في معرفة أي النوعين أقدم، الزواج من داخل القبيلة أو الزواج من خارجها، وأي القبائل أرقى في المدنية والحضارة، القبائل التي تحرم الزواج من بني نسائها أو القبائل التي تحرمه من الأجنبيات، والظاهر أن كلا الفريقين في مستوى واحد من الرقي فإنه يوجد على التلال الواقعة في الشمال الشرقي من الهند وفي القوقاس قبائل يلوح عليها أنها من أصل واحد لتشابهها في اللغة والخليقة، وعلى درجة واحدة من المدنية ومع ذلك بعضها يحرم الزواج من الخارج والبعض الآخر يحرمه من الداخل. إن منشأ تحريم الزواج من بين نساء القبيلة راجع على رأي بعضهم إلى ما غرسته الطبيعة في الإنسان من حب بقاء النوع والمحافظة على النسل من الضعف والتلاشي وذلك أن تعاقب الزواج من الأقارب يورث العقم ويمنع التناسل وهذا الرأي غير وجيه إذ لو كانت الغريزة هي التي دعت إلى تحريم الزواج من بين نساء القبيلة لوجب أن يكون التحريم عاماً لدى جميع القبائل، ولما وجدت قبيلة واحدة تبيحه، أجل إن التزاوج بين الأقارب مضعف للنسل إلا أن هذا ليس العلة الأولى في تحريمه فإن مساويه لم تستكشف إلا حديثاً والتحريم قديم جداً وسابق هذا الاستكشاف الذي يقتضي خبرة طويلة وقدرة على التفكير والتعليل وربط النتائج بالأسباب، ومثل هذه الأمور غير متوفرة حتى الآن بين القبائل الوحشية التي تحرم هذا الزواج. ويرى بعض العلماء أن العلة في سبي النساء الأجنبيات للزواج بهن راجع إلى قلة نساء القبيلة بسبب عادة وأد البنات أو لسبب من الأسباب الأخرى. ولكن الواقع يكذب ذلك فليس

стр. 2735

معنى وأد البنات إبادة النساء وإفناؤهن عن آخرهن ولا إنقاص عددهن إلى ما دون عدد الرجال وإنما معناه حفظ التوازن بين الرجال والنساء وكان يقتل منهم العدد العظيم بسبب الحروب المتتابعة التي كانت تنتاب القبائل ولا يقتل من النساء إلا اليسير فعددهن والحالة هذه يزيد على عدد الرجال فاستن وأد البنات للتخلص من هذه الزيادة فقط لا لإبادتهم ولو كانت القبائل التي تخطف نساء القبائل الأخرى تفعل ذلك لقلة نسائها لما أباحت تعدد الزوجات ولكانت تمقته وتحرمه أشد التحريم بيد أن المشاهد أن سبي النساء مقترن دائماً بإباحة تعدد الزوجات وهذا كاف في تفنيد هذا الرأي. ويرى هربرت سبنسر أن عادة الزواج من خارج القبيلة ناشئة عن الحروب الطويلة التي كانت تضطرم نيرانها من وقت لآخر بين القبائل وذلك أنه في نهاية كل قتال يأخذ المنتصر من الغنائم والأسلاب ما كان سهل الحمل كثير الفائدة كالماشية والحلي والنقود أو يفخر به لدلالته على الشجاعة والاقتدار والتنكيل بالأعداء مثل الجماجم والآذان والشعور. والسبي الجامع لهاتين المزيتين فإنه يعلي قدر الرجل من حيث دلالته على الظفر بالأعداء ويكسبه زوجات يتمتع بهن وأرقاء يستخدمهن في مرافق حياته. وكلما ازداد عنده عدد هؤلاء النسوة ازداد غنى ورفعة فلا غرو أن تتفانى القبائل الحربية في اقتناء النساء المسبيات وتتيه بهن عجباً وفخراً وتعتبر الزواج بهن غاية المجد والشرف وتأنف رجالها من أن تتزوج من بين نسائها. وإذا عجز الرجل عن أن يقتنص في الحرب امرأة يتزوج بها احتال على خطفها حتى لا يكون مرذولاً عند قبيلته محتقراً بين أخوانه. ونشأ عن عادة سبي النساء وخطفهن، وعن تفكك روابط الزوجية وعدم الاعتداد بحرمتها انتساب الأطفال إلى أمهاتهم لا إلى آبائهم وذلك لتعذر معرفة الأب في معظم الأحايين ونشأ عن ذلك عادة أخرى وهي اعتبار البنات التي تولد في القبيلة من أمهات أجنبيات كأنهن كذلك أجنبيات يجوز لرجال القبيلة الزواج بهن. ولكن حينما تخلد القبائل الحربية إلى السكينة والسلام وتأخذ بأسباب التحضر لا تلبث طويلاً حتى تكف عن شن الغارات من أجل سبي النساء وتتهاون في تحتيم الزواج بالأجنبيات وتتلاشى هذه العادة وتزول ولا يبقى منها إلا آثارها فقط، وأول من يتخلى عنها طبقة الأشراف فهي التي تبدأ أولاً بالزواج من نساء القبيلة وتكتفي في ليلة العرس بتمثيل
следующие страницы →