← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

الأكبر فكان مثلهم مع ذلك الأستاذ كمثل رجال قائمين وسط زحام يصغون إلى خطبة واعظ قد قام على ذروة عالية ينثر مقاله على جموع محتشدة وهو من مكانه الرفيق يشرف على فضاء فسيح ومتسع رحيب بينما أولئك الرجال لا يبصرون إلا ما جاورهم ولاصقهم ولا يفهمون ما قد كمن في غضون كلمه وتضاعيف ألفاظه في المعاني العميقة. والمغازي الدقيقة. والأغراض الخفية. والمرامي القصية. ولا يدركون ماهية الجمع المصغي إلى خطابه فلا غرو وإذا رأيتهم قد شرعوا يوفقون بين كلمات ذلك الخطيب وبين قاصر علمهم ومحدود رأيهم في موضوع مطالب النوع البشري ورقي العالم الإنساني. أولئك الرجال قد غاب عنهم أن تعاليم الأستاذ عامة شاملة في طبيعتها وكنهها وينقصهم مع ذلك ألمعية النبي وتوقد لوذعيته واتصال روحه بينبوع الوحي الفياض - فلا جرم والحالة هذه إذا رأيتهم قد نسوا أن النبي إنما كان يلقي خطابه في ذروة طود عبقريته على العالم أجمع. وأولئك الرجال قد خلطوا بين المؤقت والدائم ولم يفرقوا بين الخاص والعام. وكما حدث في الكنيسة النصرانية كان كثير من أولئك الأئمة المسلمين خداماً للملوك المستبدين الجبابرة الذي كانت أغراضهم وغاياتهم لا تتفق مع وصايا الأستاذ (النبي) وأوامره. فكان أولئك الملوك يضطرون الأئمة المذكورين إلى استحداث القوانين والنظريات واختراع الأحاديث والروايات المنافية لروح الدين وإلى تأويل كلمات الوحي بما لا ينطبق على مغازيها الحقيقية ومن ثم ما نراه من أن معظم القواعد والنظامات التي تخضع لها عقائد الكثيرين من حضنة الإسلام اليوم لا يكاد يصخ القول بأنه مشتق من تصريحات الكتاب الحكيم (القرآن) بل أغلبه مستمد من كتب الشريعة التي غص بها العالم الإسلامي في القرون الأخيرة كما أن العبرانيين انصرفوا عن توراتهم إلى التلمود فكذلك انصرف المسلمون عن القرآن إلى آراء العلماء ورواياتهم. ولا نعني بهذا أنك إذا سألت مسلماً عن الكتاب المشتمل على أوامر دينه كان جوابه شيئاً خلاف القرآن ولكنا نعني أن القرآن ليس بالفعل مصدر التعليم التي تقوم عليها معتقداته وتصرفاته. وفي أثناء القرون الوسطى كان المرجع الذي يعمد إليه للفصل والقضاء في مسائل الدين المسيحي ليس هو العهد الجديد (الإنجيل) ولكن كتاب سوماتيولوجيكا تأليف توماس أكويناس وهذا هو الحاصل في هذه الأيام فإنك لا ترى الرجل النصراني الصحيح المذهب

стр. 2732

يستمد عقيدته من نظره الخاص وبحثه الشخصي في تعاليم المسيح في الإنجيل. وإذا فرض أن مثل هذا الرجل أراد فعلاً أن يطلع بنفسه على شيء من الوحي المقدس لم يزد على قراءة قواعد الإيمان فإذا اتفق أنه كان بطبيعته ميالاً للبحث والتحقيق اقتنع بقراءة قانون إيمان الكنيسة الإنجليزية ولكنه يتبجح مع ذلك فيقول أنه استمد عقيدته ودينه من الإنجيل ولا يرضى أن يعترف بالمصفاة التي من خلال ثقوبها ترشحت عقيدته. وعلى هذا النحو يستمد الدين الإسلامي في هذه العصور ويقتبس وبهذه الطريقة يبنى ويشاد. وإذا تأملت الحقيقة وجدت أن جانباً عظيماً من معتقدات مسلمي هذه العصور وتصرفاتهم لا أساس لها البتة في الكتاب الحكيم (القرآن). ونحن مع كل ذلك لا ننكر أن كل مذهب من مذاهب الأئمة يشتمل على شيء كثير من بذور الإصلاح وجذور الترقي وإذا كانت أسباب التقدم قد انتقصت اليوم ودولاب الرقي قد تعطل فإنه لا تبعة في ذلك على الأئمة المشرعين ولا حرج. وإنما السبب فيه راجع إلى عجز في إدراك أسرار القرآن وروح تعاليم الأستاذ الأكبر بل تعاليم الأئمة أنفسهم.

стр. 2733

تاريخ الزواج إن أول دور للزواج هو دور الإباحة المطلقة والمسافحة الخالية من كل قيد ونظام لا حائل يمنع الرجل من المرأة التي يريدها ولو كانت في حيازة غيره على أن حيازة النساء لم تكن معروفة في هذا الدور بل كن مشاعاً للرجال لا يستأثر أحد بإحداهن بل له أن يعاشر من يريد، ولا يوجد في القوانين والعادات ما يحرم عليه هذه المعاشرة على أن القوانين والعادات الاجتماعية كانت مفقودة في ذاك الوقت لأنها لا تنشأ بين الأفراد والمنعزلين وإنما تنشأ بين الجماعات ولم تكن الجماعات موجودة بعد بل كان الإنسان عائشاً في فئات صغيرة لا تكون اجتماعاً بالمعنى الذي يتولد عنه قيود وروابط اجتماعية. وكانت المعاشرة وقتية تنصرم في الحال ولا تلبث إلا ريثما يقضي الرجل غرضه وفي بعض الأحايين تطول إلى أن يفطم الطفل عن الرضاع ويصبح قادراً عن الأكل. ولم تكن للقرابة حومة تمنع الرجل من التمتع بذويه ولا يلحقه من جراء ذلك عار ومن آثار هذا إباحة قدماء المصريين زواج الأخوة بالأخوات وفي بعض نواحي أفريقيا إلى وقتنا هذا يتزوج الملك بابنته الكبرى والملكة بابنها الأكبر ليبقى الدم الملوكي نقياً لا يشوبه دم آخر. وكان التبذل غير مستهجن فلا يعيب الرجل أن يسترسل في شهواته ولا يشين المرأة أن تفرط في عرضها أو تتجر بعفافها بل كان العفاف رذيلة تترفع عنه النساء النبيلات ويستعيبن الامتناع عن إجابة رجل إلى طلبه. وكان لا يرغب في العذراء وإنما تحتقر وتزدرى لأن عذارتها دليل على خلوها من الصفات المحبوبة من الرجال. ومن حسن الضيافة أن يمتع الضيف بامرأة من نساء القبيلة وهذه عادات لا تزال موجودة إلى الآن بين قبائل الأسكيمو وكلفورنيا ونيوزيلندة. ولا يوجد عند القبائل الوحشية الحديثة العهد بنظام الزواج صيغة لفظية له بل ينعقد عادة بأفعال تفيد قبول أحد الزوجين معاشرة الآخر أو إذعانه كرهاً لهذه المعاشرة كأن تشعل نار ويجلس الاثنان حولها أو تقدم المراة لخطيبها قليلاً من التبغ وورقة من الفلفل أو يجلس الاثنان في وعاء من شأنه عادة أن يستعمل في حمل الماء ويوضع فيه بعض المأكولات، وعند الرومانيين يقتسم الزوجان فطيرة ويأكلانها سوية. والزواج لدى هذه القبائل ضعيف الوثاق سهل الانفكاك يكفي لحل قيوده أن يطرد الرجل زوجته ففي كلفورنيا الجنوبية يجوز للرجل أن يتزوج من النساء بقدر ما يريد ويعاملهن

стр. 2734

معاملة الرقاء وإذا مل صحبة إحداهن طردها. وإذا أخرج الرجل في نيوزيلند امرأته من داره يعتبر أنه طلقها. وفي تاهيتي ينصرم حبل الزواج متى شاء أحد الزوجين. وفي القبائل التي تسود فيها المرأة على الرجل كسكان نيكارجوا الأقدمين تنفرد المرأة دون الرجل بحق الطلاق وكلما ارتقت القبيلة وازدادت حضارتها وتوثقت عراها الاجتماعية تقلصت تلك الفوضى من الزواج ونشأت حدود ومعالم لم تكن موجودة من قبل وضاقت الدائرة التي يجوز للرجل أن يختار منها امرأته، ومن أقدم أنواع التضييق تحريم الزواج من نساء القبيلة وإباحته من نساء القبائل الأخرى وذلك لا يكون إلا بالسبي والخطف، ومن القبائل ما يعمل العكس فيحرم الزواج من الأجنبيات ويبيحه من نساء القبيلة. وقد اختلف علماء الاجتماع في معرفة أي النوعين أقدم، الزواج من داخل القبيلة أو الزواج من خارجها، وأي القبائل أرقى في المدنية والحضارة، القبائل التي تحرم الزواج من بني نسائها أو القبائل التي تحرمه من الأجنبيات، والظاهر أن كلا الفريقين في مستوى واحد من الرقي فإنه يوجد على التلال الواقعة في الشمال الشرقي من الهند وفي القوقاس قبائل يلوح عليها أنها من أصل واحد لتشابهها في اللغة والخليقة، وعلى درجة واحدة من المدنية ومع ذلك بعضها يحرم الزواج من الخارج والبعض الآخر يحرمه من الداخل. إن منشأ تحريم الزواج من بين نساء القبيلة راجع على رأي بعضهم إلى ما غرسته الطبيعة في الإنسان من حب بقاء النوع والمحافظة على النسل من الضعف والتلاشي وذلك أن تعاقب الزواج من الأقارب يورث العقم ويمنع التناسل وهذا الرأي غير وجيه إذ لو كانت الغريزة هي التي دعت إلى تحريم الزواج من بين نساء القبيلة لوجب أن يكون التحريم عاماً لدى جميع القبائل، ولما وجدت قبيلة واحدة تبيحه، أجل إن التزاوج بين الأقارب مضعف للنسل إلا أن هذا ليس العلة الأولى في تحريمه فإن مساويه لم تستكشف إلا حديثاً والتحريم قديم جداً وسابق هذا الاستكشاف الذي يقتضي خبرة طويلة وقدرة على التفكير والتعليل وربط النتائج بالأسباب، ومثل هذه الأمور غير متوفرة حتى الآن بين القبائل الوحشية التي تحرم هذا الزواج. ويرى بعض العلماء أن العلة في سبي النساء الأجنبيات للزواج بهن راجع إلى قلة نساء القبيلة بسبب عادة وأد البنات أو لسبب من الأسباب الأخرى. ولكن الواقع يكذب ذلك فليس

стр. 2735

معنى وأد البنات إبادة النساء وإفناؤهن عن آخرهن ولا إنقاص عددهن إلى ما دون عدد الرجال وإنما معناه حفظ التوازن بين الرجال والنساء وكان يقتل منهم العدد العظيم بسبب الحروب المتتابعة التي كانت تنتاب القبائل ولا يقتل من النساء إلا اليسير فعددهن والحالة هذه يزيد على عدد الرجال فاستن وأد البنات للتخلص من هذه الزيادة فقط لا لإبادتهم ولو كانت القبائل التي تخطف نساء القبائل الأخرى تفعل ذلك لقلة نسائها لما أباحت تعدد الزوجات ولكانت تمقته وتحرمه أشد التحريم بيد أن المشاهد أن سبي النساء مقترن دائماً بإباحة تعدد الزوجات وهذا كاف في تفنيد هذا الرأي. ويرى هربرت سبنسر أن عادة الزواج من خارج القبيلة ناشئة عن الحروب الطويلة التي كانت تضطرم نيرانها من وقت لآخر بين القبائل وذلك أنه في نهاية كل قتال يأخذ المنتصر من الغنائم والأسلاب ما كان سهل الحمل كثير الفائدة كالماشية والحلي والنقود أو يفخر به لدلالته على الشجاعة والاقتدار والتنكيل بالأعداء مثل الجماجم والآذان والشعور. والسبي الجامع لهاتين المزيتين فإنه يعلي قدر الرجل من حيث دلالته على الظفر بالأعداء ويكسبه زوجات يتمتع بهن وأرقاء يستخدمهن في مرافق حياته. وكلما ازداد عنده عدد هؤلاء النسوة ازداد غنى ورفعة فلا غرو أن تتفانى القبائل الحربية في اقتناء النساء المسبيات وتتيه بهن عجباً وفخراً وتعتبر الزواج بهن غاية المجد والشرف وتأنف رجالها من أن تتزوج من بين نسائها. وإذا عجز الرجل عن أن يقتنص في الحرب امرأة يتزوج بها احتال على خطفها حتى لا يكون مرذولاً عند قبيلته محتقراً بين أخوانه. ونشأ عن عادة سبي النساء وخطفهن، وعن تفكك روابط الزوجية وعدم الاعتداد بحرمتها انتساب الأطفال إلى أمهاتهم لا إلى آبائهم وذلك لتعذر معرفة الأب في معظم الأحايين ونشأ عن ذلك عادة أخرى وهي اعتبار البنات التي تولد في القبيلة من أمهات أجنبيات كأنهن كذلك أجنبيات يجوز لرجال القبيلة الزواج بهن. ولكن حينما تخلد القبائل الحربية إلى السكينة والسلام وتأخذ بأسباب التحضر لا تلبث طويلاً حتى تكف عن شن الغارات من أجل سبي النساء وتتهاون في تحتيم الزواج بالأجنبيات وتتلاشى هذه العادة وتزول ولا يبقى منها إلا آثارها فقط، وأول من يتخلى عنها طبقة الأشراف فهي التي تبدأ أولاً بالزواج من نساء القبيلة وتكتفي في ليلة العرس بتمثيل

стр. 2736

ما كان يقع عادة من السبي من الكر والفر والضرب والامتناع لتأصل هذه الأمور في النفوس وتعذر انتزاعها منها مرة واحدة. ثم تسري العدوى من هذه الطبقات إلى الطبقات الأخرى وهذا شأن كل عادة جديدة فإنها تنشأ أولاً بين الطبقات العليا ثم تنتشر منها حتى تعم الطبقات السفلى. ولا يزال جيراننا ومواطنونا سكان شبه جزيرة سيناء عالقين بأهداب هذه العادات القديمة فإنهم في ليلة العرس يقوم الرجال ويتظاهرون بالدفاع عن العروس والزود عنها ويضربون العريس ويجلدونه بالسياط مكأنهم يحاولون منعه من خطف العروس وتمتنع هي عن الذهاب معه وتقابله بالضرب واللكم والسب وتساعدها في ذلك أترابها وكلما بالغت في ذلك علا قدرها وازداد إعجاب الناس بها. أما القبائل التي لا تقوى على قتال جيرانها الأشداء وتخشى بأسهم فإنها تبتعد عن كل ما يستفز غضبهم ولا تجرأ على أن تخطف امرأة منهم بل تحرم ذلك كل التحريم وتمقته كل المقت وذلك لشدة ما كانت تلاقيه من الويلات والمحن كلما قام بعض أفرادها واختطفوا امرأة تنتمي إلى قبيلة قوية - إن لخطف النساء وضعف الروابط الزوجية وإباحة المسافحة أثراً سيئاً جداً فإن المجتمع الذي يزاول هذه الأمور يكون مفكك الروابط مشتت الشمل لا تتآزر أفراده ولا تتعاون إنما تتخاذل وتتشاكس وذلك لأن عاطفة القرابة بينهم ضعيفة جداً تكاد تكون معدومة فإن الأطفال تنتسب إلى الأمهات لا إلى الآباء والانتساب إلى الأم قصير المدى لا يشمل غير الأطفال ومن عداهم فأجانب لا يحبونه ولا يشعرون نحو بعضهم بعاطفة قرابة أو نسب بل كل منهم قائم بنفسه لا يعنيه من شؤون غيره إلا قليل ولا يعرفون من القرابة غير الأمومة والأخوة على أن عاطفة الأخوة نفسها غير تامة بينهم لأن الأخوة عندهم أخوة لأم وليسوا بأخوة أشقاء. والمجتمع الذي بهذا التفكك والانحلال لا يستقر على حال من القلق ولا يهدأ له بال ولا ترتكز له قوة سياسية تجمع كلمته وتدفع عنه أذى أعدائه. ومن مساوئ هذا النظام إهمال الرجال شؤون الأطفال وعدم الاكتراث بهم والعناية بتربيتهم وترك كل ذلك على عاتق المرأة التي لا تقدر أن تقوم به على أحسن وجه فتضعف الأطفال ويصيبهم الهزال وتتفشى فيهم الأمراض الخبيثة ويحصدهم الموت حصداً ومن ينجو منهم

стр. 2737

يعيش سقيماً طول حياته ويشيخ منم غير أوان ويدركه الهرم وهو في سن الشباب. تعدد الأزواج في وسط هذه الفوضى التي تكاد تكون مطلقة لا يخلو الأمر من أن يستأثر بعض الرجال ببعض النساء ويمنعوهن عن غيرهم ولو بالقوة أو يقصر رجل نفسه على امرأة مخصوصة أو على بضع نساء وبعبارة أخرى كانت جميع أنوا الزواج من تعدد الأزواج والزوجات والاقتصار على زوجة واحدة موجودة ولكن بلا نظام يحول دون التنقل من نوع إلى آخر والتعرض إلى نساء الغير إذا كان هذا الغير ضعيفاً. ولأسباب مخصوصة يضيق المقام عن تبيانها لتشعبها واختلافها بين قبيلة وأخرى يغلب أحد هذه الأنواع على الأنواع الأخرى ففي المناطق الجليدية من الصين حيث الغذاء قليل والطبيعة قاسية تتزوج المرأة بعدة رجال ليتعاونوا جميعاً على العناية بالطفل والاهتمام به وذلك أن رجلاً واحداً غير قادر على القيام بشؤون الطفل بل لذلك لا بد من تآزر رجال عديدين وإلا هلك الطفل وصغر الهيئات الاجتماعية وتشتتها في طلب الرزق أسباب تدعو إلى الزواج بامرأة واحدة وإلى إحكام رابطة الزواج واستمرارها مدى الحياة فالبشمن يبيحون تعدد الزوجات ولكن قل من يتزوج بأكثر من امرأة. ولا يوجد تعدد الزوجات إلا حيث يزيد عدد النساء على عدد الرجال زيادة عظيمة بسبب حرب طاحنة أودت بحياة كثيرين من الذكور أو لأن المواليد الإناث أكثر من المواليد الذكور لأسباب طبيعية غير اعتيادية إذ المعتاد أن الذكور والإناث متقاربون دائماً في نسبة المواليد إلا إذا طرأت ظروف أخلت بهذا التوازن. إن تعدد الأزواج آخذ في الاضمحلال وذلك لأن الجماعات التي تتبعه تكون حتماً قليلة النسل ضئيلة العدد لا تطيق الدفاع عن نفسها ولا تقوى على مناهضة أخصامها خصوصاً وأن روابط القرابة واهية ضعيفة لضياع الأنساب والجهل بالأسلاف لا يعرف الإنسان جده ولا أباه ولا تمت الأفراد بعضها إلى بعض بحبل القرابة إلا من جهة الأم فقط وقرابة الأم قصيرة المدى لا تمتد إلا إلى جيل أو جيلين على الأكثر ثم تنقطع وتصبح الأقارب أجانب ولا ينتصرون لبعضهم ولا بشد أحدهم إزر الآخر ويتنافس الأزواج فيما بينهم ويتنازعون الرئاسة وهو معروف بين القبائل التي تعيش في الداخل من جزيرة سيلان حيث يجوز للمرأة الغنية أن تتخذ من الأزواج بقدر ما تريد وبين قبائل الأسكيمو حيث يجوز للمرأة أن

стр. 2738

تتزوج بعدة رجال ولكل رجل من هؤلاء أن يتزوج بعدة نساء. وهو على أربعة أنواع: - النوع الأول أن تتزوج المرأة بعدة رجال لا قرابة بينهم ويتزوج كل رجل من هؤلاء الأزواج بعدة نساء وبعباة أخرى يتكون هذا النوع من مزيج من عائلات تجمع بين تعدد الأزواج وتعدد الزوجات فيكون لكل رجل عدة زوجات ولكل امرأة عدة أزواج مثل قبائل الأسكيمو. النوع الثاني أن تتزوج المرأة بعدة رجال لا قرابة بينهم أيضاتً ولكن لا يسمح للرجل بأن يتزوج بامرأة أخرى بل يقصر نفسه على امرأة واحدة ولا يتعداها إلى غيرها. النوع الثالث أن تتزوج المرأة بعدة رجال بعضهم أقارب بعض. النوع الرابع أن تتزوج المرأة بعدة رجال أخوة. وأحط هذه الأنواع وأقربها إلى الفوضى النوع الأول وذلك لأن الطفل الذي يولد في هذه البيئة لا يعرف أباً ينتسب إليه ولا يجد عطفاً من أحد. ومن يعطف عليه والرجال لا يعرفون أولادهم بل لا يمكنهم أن يعرفوا أن لهم أولاداً حقيقة ولا في أي فئة من الأطفال الذين يغشون أمهاتهم توجد أولادهم حتى يشملوا هذه الفئة خاصة بالعناية والرعاية حباً بأطفالهم. أما الأنواع الأخرى ففيها مكان للشفقة الأبوية فإن الرجل وإن كان لا يعرف ولده تحقيقاً إلا أنه من مفروض أن هذا الولد إن وجد فهو موجود بين أطفال المرأة المتزوج بها ومن الجائز أن يعرفه بواسطة العرافين أو بأخبار المرأة بذلك، ويمتاز النوعان الثالث والرابع بكون الأزواج أقارب أو أخوة وبذلك لا تكون أطفال المرأة الواحدة أخوة لأم فقط بل يكونون بين أخوة أشقاء أو أولاد أعمام تجمعهم وحدة الدم ورابطة القرابة الأبوية. ولكنهم لا ينتسبون إلى أب واحد بل إلى مجموع الأزواج الذين ينتسبون هم أيضاً إلى مجموعة أجداد وهلم جرا. تعدد الزوجات تعدد الزوجات لا يوجد إلا في البلاد التي يزيد فيها عدد النساء على عدد الرجال زيادة عظيمة أما البلاد التي يتساوى فيها العددان أو يكونان قريبين من بعضهما فإنها تحرمه بتة أو تمقته وذلك لأن زواج البعض في هذه الحالة بأكثر من امرأة يحرم البعض الآخر من وجود نساء يتزوج بهن ويقضي عليه بالعزوبة طول حياته. ولهذاالسبب ولأسباب أخرى

стр. 2739

أهمها زيادة الحاجيات والتغييرات التي طرأت على حياتنا الاقتصادية والاجتماعية أصبح تعدد الزوجات ممقوتاً من الذوق العام بعد ما كان من المفاخر التي يتسابق إليها الأغنياء ويحسدهم عليها الفقراء وأمسى زوج الاثنين يخجل من أن يعلم عنه ذلك ذلك فيخفيه وكان بالأمر يظهره ويتيه به على الأخوان. إن تعدد الزوجات غير خاص بالشعوب الإسلامية بل شائع بين أمم أخرى كثيرة مختلفة العادات والأديان والأجناس والمناخ فتراه في نيوزيلاندة وصومطرة وفي شمال أمريكا وجنوبها وفي مجاهل أفريقيا وجنوبها وشرقها وفي الكنجو ومدغشقر وفي كثير من نواحي آسيا ومباح أيضاً في بلاد أخرى كثيرة ولكنه غير معمول به فيها لأسباب عديدة أهمها الفقر مثل البشمن فإنهم يجيزون تعدد الزوجات غير أنه نادر بينهم لشدة فقرهم. وحيثما يوجد تعدد الزوجات يوجد الزواج بامرأة واحدة على نسبة أعظم فلا ترى بلداً انفرد بها تعدد الزوجات أي لا يتزوج الواحد من أهلها إلا باثنتين أو أكثر بل المشاهد في جميع البلاد التي تبيح تعدد الزوجات أن المتزوجين بأكثر من امرأة أقلية صغرى وأن الأكثرية تكتفي بالزواج بامرأة واحدة. ويرجع تعدد الزوجات في أصل وجوده إلى سببين مختلفين أحدهما تاريخي والثاني اقتصادي فالأول يرجع إلى عهد القبائل الحربية وتعديها على جيرانها لسلب الأموال وسبي النساء وإلى تفوق بعض الأفراد جثمانياً وعقلياً وتفردهم بالسطوة والجاه وأخذهم كل امرأة تعجبهم من القبيلة اقتساراً، والسبب الثاني يرجع إلى استخدام المرأة في الأعمال الشاقة وذلك أن الرجل في بعض البلاد لا يزاول عملاً ما غير الصيد والقتال، والمرأة هي التي تقوم بكل الأعمال الأخرى فيقتني الرجل من الزوجات بقدر طاقته ليستخدمهن في أعماله ويستثمرهن في إنماء ثروته وكلما كثرت نساؤه ازداد غنى وخف بالتالي الحمل الملقى على عاتق كل منهن ولذا لا تجد النساء في هذه البلاد ينكرن على أزواجهن الإكثار من الزواج ولا ينقمن عليهم من أجل ذلك بل على العكس يفرحن له. سبق أن بينا أن الارتباط العائلي والاجتماعي في الجماعات القائمة على نظام تعدد الأزواج ضعيف واه يكاد يكون في حكم العدم لجهل الإنسان بآبائه وأجداده أما الجماعات القائمة على نظام تعدد الزوجات فالروابط العائلية والاجتماعية فيها أشد وأمتن لوجود صلة الدم

стр. 2740

والنسب بجانب صلة المصاهرة وعلم الناس بها ومعرفتهم لها واحترامهم إياها. ولكن لتعدد الزوجات مضار عظيمة، منها فقدان المحبة والإخلاص بين الرجل وزوجاته وتجرد علاقات الزوجين ببعضهما من روح الكمال والجمال واقتصارها على إشباع الرغبات المادية فلا تخلص المرأة لزوجها الود ولا تغار على صالحه كثيراً ولا يعني الرجل بشؤون امرأته ولا يعتد بما تحب وتكره بل يهملها ويهمل أولاده منها ويتركهم لعنايتها من غير أن يرعاهم هو أيضاً ويتدبر أمورهم وما أضر هذا الإهمال على الأطفال، يورثهم أمراضاً كثيرة مادية وأدبية. وقد ذكر بعض السياح أن سود أفريقيا لا يغازلون نساءهم ولا يغارون عليهم ولا يفقهون معنى الحب بل ولا توجد في لغاتهم لفظ يدل عليه. وأشد من هذا، الكراهية التي يبذرها تعدد الزوجات بين الأخوة لأب فإنهم يشبون على البغضاء الضغينة ويضمرون لبعضهم الحقد لكثرة ما يقع بين أمهاتهم من التحاسد والشقاق وما تلقنه كل أم لأولادها من بغض الآخرين وما أشد ما لاقته الدول الشرقية من جراء تعدد الزوجات فإنه لا يكاد الخليقة أو السلطان يموت حتى تهب الثورة وتتمزق أحشاء الدولة وتنقسم إلى فرق وأحزاب يقود كلاً منها أحد أبناء السلطان المتوفي ليحارب أخاه لأبيه ويغتصب منه الملك ولقد تلافى أحد السلاطين هذه الكارثة بأن ذبح جميع أخوته حين جلوسه على العرش واستأصل شأفتهم ولا تزل بعض العائلات الشرقية تتقلب على أحر من الجمر وتصطلي جذوة الانقسام والشقاق بسبب تعدد الزوجات. يتوهم البعض أن تعدد الزوجات يفضل الزواج بامرأة واحدة من حيث التناسل وزيادة السكان ونمو العمران وهو وهم لا أساس له من الصحة إلا في حالة واحدة وذلك حينما يفوق عدد النساء عدد الرجال بكثير أما إذا كان العددان متساويين أو متقاربين فالزواج بامرأة واحدة خير وأدعى إلى التكاثر فإن المتزوج بنساء كثيرات لا يسعه أن يلتفت إليهن جميعاً على السواء ويساعدهن على أداء وظيفتهن التناسلية بدون محاباة بل لا بد أن يهمل بعضهم لعيب فيهن ويفقدن وظيفتهن وبقدر عدد هؤلاء النسوة المهملات تقل نسبة المواليد. إن الاقتصار على زوجة واحدة خير من تعدد الزوجات فإنه يدعو الزوجين إلى التآلف والوداد ويغرس في قلوب الأطفال محبة بعضهم البعض ويجعل من أفراد الأمة كتلة صلبة عمادها التضامن الاجتماعي ولحمتها الارتباط العائلي المتين.

стр. 2741

عبده البرقوقي

стр. 2742

حديث المائدة لعل قراءنا الأفاضل لم ينسوا أنا نشرنا في هذا الكتاب الرائع نحواً من اثني عشرة قطعة مختارة في السنة الثانية والثالثة والرابعة - وقد طلب إلينا اليوم أن نعود إلى هذا الكتاب فنستوعب أطيب ما فيه كما طلب إلينا أن نعود إلى حضارة العرب في الأندلس وإلى دون جوان للشاعر بيرن - وحديث المائدة هذا كما بينا في غير مكان من هذه المجلة يقع في ثلاثة أجزاء فجزء للشاعر وآخر للأستاذ - ونحن الآن نختار من جزء الأستاذ والكتاب للكاتب الأمريكي الأشهر وندل هولمز. (١٣) قال الأستاذ: أردت أن أجعل أو لظهوري على المائدة محلى بكلمة نبيلة وحكمة جليلة تكون بمثابة قانون عام ووصف دقيق للحياة البشرية. فوجهت نظري إلى رجل فقيه من رجال الكنيسة كان جالساً أمامي لأجاذبه أهداب المحاورة حتى تسنح الفرصة فأقذف بين يديه بالكلمة النبيلة والحكمة الجليلة أعني الغرض الأهم الذي ترمي إليه هذه الحياة فقلت له: تفضل عليّ بقطعة من السكر الذي أمامك يا سيدي. الإنسان حيوان محتاج إلى معونة بني جنسه. فقال الفقيه: ما أقلّ ما سألتنيه يا سيدي. ثم ناولني السكر. فقلت: الحياة حزمة كبيرة مؤلفة من أمور صغيرة. فابتسم الفقيه كإنما ظن أن كلمتي هذه هي خاتمة عبارات الشكر والثناء الموجهة إليه بمناسبة مسالة السكر. فقلت له: أراك تبتسم، لعل رأيك في الحياة هو أنها حزمة صغيرة مؤلفة من أمور كبيرة. فقهقه الفقيه ضاحكاً ولكنه كبح جماح ضحكته ثم قال: الرأي عندي أن الحياة حزمة كبيرة مؤلفة من أكور كبيرة. وهنا رأيت الفرصة قد سنحت لإبراز الحكمة الجليلة فانبريت أقول: الغرض الأعظم من هذه الحياة. . . في هذه اللحظة قاطعني جاري وكان فتى حديث السن يدعونه جون فقط بلا لقب ولا كنية. فقال لي: صه! أنصت إلى رأس الغول فإنه يريد أن يتكلم.

стр. 2743

فتلفت حول المائدة أفتش ببصري على رأس الغول الذي أشار إليه جاري جون فأبصرت لدى الطرف الأقصى من المائدة رأساً كبيراً فوق جثة ضئيلة معوجة مشوهة موضوعة فوق كرسي عال قد رفع محموله (أي الجالس عليه) إلى مستوى المائدة وأصاره بمتناول سهل من طعامه. وكان منظر هذا المخلوق من فرط غرابة التشويه وقبح الهيئة بحيث يخيل إلي أو أنه إحدى لعب الأراجوز وأن وراءه محركاً مستتراً قد أبرزه هنيهة تأملاً وعما قريب يسحبه ويبرز لعبة أخرى من تصاوير حرفته وتهاويل مهنته. فأقبلت أنصت إلى مقالة هذا الرجل المشوه فإذا هي كما يأتي: بلدي بوستون إنه محتدي ومسقط رأسي وفيه أريد أن أموت وأقبر وفي ترابه المحبوب تدفن عظامي ويغيب رفاتي، ولا تعيرونني بضيق مساحة بلدي وتواضع بنيانه وتهدم بعض أركانه واعوجاج طرقاته والتواء مسالكه. فلقد ولدت بأشدها اعوجاجاً وفيه درجت وترعرعت وفي تعاريجه الملتوية رتعت ومرحت. فقال الفتى جون بصوت خافت لم يسمعه المحدث المشوه الخلقة وسمعته أنا لأني جاره وملاصقة لا عجب أنك لطول جولانك في مسالك بلدك المعوجة خرجت كأنما أفرغت في قوالبها فأتيت أشد الخليقة تلوياً واعوجاجاً. هذه الكلمة لم تصل إلى أذن الرجل الدميم الضئيل فاستمر في مقاله. أجل، إن مدينة بوستون مملوءة بالطرق الحرجة المعوجة ولكني أقول واصرح بأنها قد فتحت من الطرق المؤدية إلى حرية التفكير وحرية القول وحرية العمل أكثر مما فتحته أي بلدة أخرى حاضرة أو غابرة - حية أو ميتة - مهما بلغ من سعة سبلها وارتفاع مناراتها!. وهنا دخل في حلبة الحديث رجل من أصحاب المائدة نبيل الهيئة له سمت وأبهة وكبرياء وروعة أسود الشاربين غزيرهما عليه صدرية ممن القطيفة وسلسلة ضخمة ذهبية ودبوس من الماس قد بلغ من فرط الضخامة ما يدعو إلى ظل خفيف (لا تخطئ غرضي أيها القارئ - فإني لا أعني أكثر من ظل خفيف فقط) من الشك والارتياب بحقيقة جوهره وكنه معدنه. هذا الرجل ينتمي إلى مدينة عظيمة من أعيان مدائن البلاد (الولايات المتحدة) وهو يجلس على المائدة إلى جانب ابنة صاحب الفندق - فنتاة حسناء عظيمة الثقة بصاحبنا المذكور راسخة العقيدة في حوله وقوته وهي أيضاً موضع اهتمامه وعنايته ومطمح أمله

стр. 2744

ورغبته. قال هذا الرجل: ما مبلغ ارتفاع دار الندوة (مجلس الشورى، مجلس البلد الذي هو أشبه بمجلس المديرية أو البلدية) في بلدتك بوستون؟ قال الرجل المشوه: ما مبلغ ارتفاع دار ندوتنا؟ ارتفاعه يوازي أول درجة في السلم المؤدي إلى ذروة الفكر الحر واستقلال الإرادة والعمل، أليس ذلك كافياً؟ فقلت: أجل إنه لكذلك. وهنا ألقي بالحكمة الجليلة التي قد ضاق بها صدري وصبري فطرحتها على بساط المحاورة دون انتظار الفرصة أو المناسبة فقلت: الغرض الأعظم من الحياة هو التوفيق بين الإنسان وبين ظام الكائنات. وقد قامت الكنيسة بذلك إذ كانت هي الآلة الموسيقية الوزانة التي بفضلها تتم الموازنة والملاءمة بين نظام الإنسان ونظام الكائنات. ولكن هذه الآلة الوزانة (أعني الكنيسة) تحتاج هي ذاتها إلى ضبط وميزان. فمن ذا الذي ترى يقوم بوزنها وضبطها؟ فتقدمت للكلام امرأة حادة الصوت حادة الطرف حادة المفاصل حادة الأخلاق عليها ثوب أسود كأنما كانت لبسته في الأصل للحداد ثم أبقته بعد ذلك على سبيل الاقتصاد فقالت: إذا كنت تطلب من يقوم بضبط هذه الآلة الوزانة (أي الكنيسة) التي وظيفتها التأليف بين نظام الإنسان ونظام الكائنات فعليك بالإنجيل. فقلت لها: هذا كلام مستحسن ولكن فيه مجالاً لشيء من التعليق والتعقب تقولين اذهب إلى الإنجيل وقد غاب عنك أن الإنسان إنما يستمد من الإنجيل بمقدار ما يحمل إليه - أعني بمقدار ما يحتويه صدره من العلم بالحياة والخبرة بشؤون الدنيا المكتسبة بالنظر والتأمل والتجارب فضلاً عن سلامة الفطرة ونفاذ البصيرة. وأنت إذا قارنت بين نظرة الرجل الساذج في الكتاب المقدس وبين نظرة رجل مثل مارتين لوثر صاحب المذهب البروتستانتي أو قارنت بين اطلاعة تلميذ من طلاب الأدب على بعض صفحات شكسبير وبين اطلاعة مثلها من النقادة الجهبذ (وليم هازليت) أو العلامة الضليع (وليم سكليجل) اللذين فنيا العمر في دراسة نفثات ذلك الشاعر الأكبر فأي فرق بعيد وأي بون شاسع. وإنما مثل الأذهان البشرية المختلفة في انغماسها في كتاب أحد الفحول العظماء واستمدادها العلم من ينابيعه كمثل المواد المختلفة الجوهر تغمسها في سائل بعينه فإنها لا تأخذ كلها من السائل بمقدار واحد بل كل واحدة تتشرب منه على قدر كفاءتها وقوتها أو كما يقول علماء

стр. 2745

الكيمياء على قدر قابليتها فهي لا تزال تمتص من السائل حتى تتشبع تماماً أي حتى تبلغ أقصى غاية التشبع الت يسميها أولئك الكيماويون نقطة التشبع وعلى هذا الحد فإن قابلية التشبع في ذهن مارتن لوثر وذهن وليم هازلت أو ذهن وليم سكليجل أعظم بمقدار غير محدود منها في ذهن الرجل الساذج أو تلميذ الأدب كما أن نقطة التشبع في تلك الأذهان الهائلة الرهيبة أبعد بمسافة غير محدودة منها في ذهن ذلك التلميذ أو ذلك الساذج. فلا يفوتك أيتها السيدة أن الرجل الذي قد عاشر الناس ولابسهم وخبرهم وجربهم - الذي قد سبر أغوارهم وقاس أعماقهم - الذي قد عامل القساوسة والشمامسة والأساقفة وساومهم وعقد معهم عقود المبايعات والمقارضات بدلاً من مجادلتهم في المسائل الدينية والنقط الفقهية - اتضح له بعد طول الممارسة أن الدنيا تشتمل على عدد عديد من الغدرة الخونة المتنكرين فقي ثياب الأخيار والفجرة المكرة المتظاهرين بهيئة الأتقياء الحاملين شعار القديسين والأبرار - والذي يفضل غوصه على درر الحقائق في أوقيانوس الحياة وبفضل إفضائه وخلوصه إلى لباب الإنسانية وصميمها وجوهرها - أدرك أن جميع ما تنطوي عليه صفحات الكتب المقدسة من روح الله وسره وآياته إذا قورن وقيس بالموجود في السموات والأرضين وكا بينهما وفي غضون لجة الإنسانية المائجة الملتطمة المضطربة وفي أنحاء هذا الشعور (أعني الحياة) الحي المتدفق العديم الحصر والحد ظهر كأنه نقطة في القوس الكهربائي الهائل العظيم الذي يصل ما بين قطبي الأبديتين - (١) قطب الأبدية الماضية (أبدية القدم) السالب و (٢) قطب الأبدية المستقبلة (أبدية الخلود) الموجب - أجل إن أمثال هذا المجرب الخبير جدير أن يدرك في النهاية أن كل ما تستطيع الكتب المقدسة أن تحتويه من الروح والسر الإلهي هو بالقياس إلى ما تحتويه بطارية هذا الكون المتحركة الفعالة كذرات التبر المطلية بها صفحات كتاب مؤلف من الأوراق الذهبية الرقيقة إذا قيست بالكامن في أحشاء الأرض من كتل الذهب وأفلاذ العسجد. أجل إن الرجل المتقلب بين الأحياء يسمع كلماتهم ويبصر حركاتهم ويفهم نواياهم ويدرك خباياهم لجدير أن يعلم من الأمور والمسائل ما لم يكن ليجده بين دفات إنجيله. لقد انقرض ذلك العهد الذي كان فيه علماء الدين والفقه والفلسفة يحبسون أنفسهم في حجراتهم ويخندقون حولها. أما إنك لن تستطيعي أن تحبسي الغاز في مثانة ولا العلم في دماغ العالم الفني والأخصائي إذ في

стр. 2746

الحالة الأولى لا بد أن يتسرب من منافس المثانة فيخرج بعضه من حيث يدخل الهواء فيحل محله نتف متفرقات من المعلومات العامة - فهذا ما لا بد من أن يحدث ولو عصبت دماغ ذلك الأخصائي وحصنته ولففته في خمسين غلاف من دبلوماته العديدة المصنوعة من الجلد السختيان أو المسكوفي. هذا رأيي ومعتقدي وإني لأقسم لك بأغلظ الإيمان أنه ما لم يمزج الطب بشيء من البديهيات والتجارب وما لم تمزج العلوم الدينية بشيء من الأمانة والصدق فلسوف ترانا نحن الأمة نثب ونثور فننقض على ما تحتوي هذه الصروح الثلاثة - الدب والدين والقضاء - من شرفات الهذر والهراء والهذيان بالمعاول والفؤوس والقضب والصوالجة فندمرها تدميراً ونردها أنقاضاً مهدمة كأن لم تغن بالأمس. إذا أراد المرء أن يكون من مذهب المحافظين (الذين يذهبون إلى وجوب إبقاء القديم من العادات والمذاهب والنواميس والشرائع) فليكن في ذلك معتدلاً أي أنه لا يكون جامداً البتة. فإما أن يترك الإنسان مصارف روحه وبالوعاتها مسدودة ونوافذها مغلقة فيحجب أشعة النور من المغرب وأنفاس النسيم من المشرق - ويترك الفيران مطلقة تعيث وتفسد في مخازن المؤن والذخائر، والديدان والحشرات تملأ بطونها في الحجرات والمقاصير، والعناكب تحيك نسيجها وتضرب خيامها على المرايا حتى يتولد تيفوس الروح بسبب الإهمال فنغط في سبات غشيته. أو نهذي في حميا سوريته، فذلك ما لا يصح لعاقل قط أن يفعله. لقد أطلت الكلام جداً وأفرطت إطناباً وغسهاباً. ولكن ذلك دأبي وديدني ولا عجب فأنا أستاذ المائدة وماذا عسى تنتظرين من أستاذ ميدانه قاعة التدريس وأفراسه كرائم الكلم المهذب وغاياته دقائق المعنى البديع وقد قضى أيامه يتكلم وغيره ينصت، لا أنكر أن ذلك قد يكون من معايبي ولكن لا حيلة لي وليس في طاقتي تغيير خلقي. ولقد أذكر كلمة قالها لي صديقي وسلفي في زعامة أصحاب المائدة أعني (المتصرف في نادي المائدة) بهذه المناسبة وفي هذا الصدد إذ قال لي ذات مرة: خبرني أيها الأستاذ، أرأيت إذا كنت تقول ولا تصغي لقائل وتسلب ذهنك حلي الحكمة ولا تكسوه من أسلاب غيره من اللباب الحالية وتستنبط مت ينابيع صدرك ثم لا تمدها بفيوض القرائح الثجاجة، ألا تخشى أن يصاب ذهنك يوماً ما بالجدب والمحل وبالعقر والعقم؟ سأحدثك بحديث لي

стр. 2747

يشبه عملك هذا عسى أن يكون لك عبرة وموعظة اجتمع عندي مرة مبلغ من النقود فأودعته بعض المصارف وأخذت عنه دفتراً من الشيكات يمكنني من سحبه على دفعات ملائمة لمقتضيات الحاجة. فاستمرت الحالة على أحسن ما يرام مدة من الزمن كلما أردت المال بعثت بواحد من الشيكات إلى البنك فعاد إلي بالضالة المنشودة كعفريت سليمان قبل أن يرتد طرفك وكأنما دفتر شيكاتي هذا قاموس من قواميس الأحكام النافذة والأوامر المطاعة اينما فتحته أصبت منه ما شئت من مترادفات اللذة والسعادة ففي ذات يوم وقد أرسلت شيكاً إلى البنك رد إلى الشيك مكتوباً عليه قد نفذت ذخيرتك - إنا لله وإنا إليه راجعون. لقد أصبح دفتري كمية من الأوراق المهملة! وهكذا يكون مصيرك أيها الأستاذ إذا بقيت تنفق من بنك معلوماتك بإدمان الحديث دون أن تمده بالذخيرة عن طريق الإصغاء للغير. وسيجيء يوماً تريد أن تسحب من مصارف ذهنك فيرتد إليك الشيك مكتوباً عليه قد نفذت ذخيرتك. فقلت: هذا كلام لا بأس به ولكني أعلم أن الحياة أسرع إلي ضرب دنانير الأفكار وصوغ نقود الآراء من لساني إلى صرف هذه العملة على شكل ألفاظ ولكمات. أفرأيت أنك لو عمدت إلى أزهار بستانك لتمسح بمنشفتك قطرات الندى من عيون نرجسها وخدود وردها وثغور أقاحها في ريعان بكرة صلة أو في ظلال عشية مطلولة أتظن أن أزاهيرك تبقى بعد ذلك عاطلة من عقود الندى وقلائد الطل أم تصوغ لها يد السماء من جمانها ولؤلؤها حلياً جديدة؟ لا مراء أنك لا تلبث أن تجدها محلاة بل أبهى مما سلبت يداك درراً صغاراً وكباراً. ولآلئ عوناً وأبكاراً. ها أنا ذا أستاذ المائدة - رجل ما زال يقطف أزهار الحياة حتى بلغ إلى ثمارها فلم يجدها في كل الأحايين مرة شاحبة الصبغة حزينة اللون بل وجدها أحياناً حلوة بهيجة اللون مصقولة الأديم، رجل كان يتعثر وسط الكتب والمؤلفات طفلاً صغيلاراً وإذا مد الله من أجله فلسفو يتعثر بينها شيخاً متهدماً كبيراً - رجل مملوء ذهنه بأفكار وخطرات هي على علاتها جياشة نغازة قد صيرت ذهنه أشبه شيء بالساق النائمة التي إنما سميت نائمة لفرط يقظتها وتنبه أعصابها - فامتلاء ذهنه بالخطرات النغازة هو كامتلاء الساق النائمة بالأبر والأشواك الوخازة. رجل يعرض من لوح قلبه على مؤثرات الحياة وعوامل الكون عوداً

стр. 2748

رناناً أوتاره المشاعر الحية والعواطف الحساسة - رجل له معرفة بالخيوط الدقيقة والألياف الرقيقة المكون منها ذلك النسيج المهلهل الذي نسكنه نحن معشر الحشرات الآدمية الطنانة الصخابة برهة قصيرة ننتظر ذلك العنكبوت الشاحب الرهيب المسمى الموت - رجل راض مستسلم لحقائق الحياة المرة القاسية وإن كان يحمل في يده مفتاحاً ذهبياً لمارستان خصوصي في أعماق نفسه لا يعلم به سواه ولا يطلع عليه غيره مملوء بالخيالات الخرافية والأوهام الخزعبلية والأحلام الكاذبة والأماني الخداعة الجنونية - رجل هو أميل إلى إرسال ذهنه يرتع في أفانين شتى من رياض الفكر والتأمل من أن يقصره على ينبوع واحد من صنوع الآبار العلمية يغوص فيه حتى يسبر أغواره ويبلغ قراره - رجل يعنى بأدق دقائق الكون وأجل جلائله على حد سواء لا ينصرف عن تأمل ألطف ذرة في تركيب أضأل جراثيم الأرض استصغاراً ولا عن تدبر نظام أروع أبراج الفلك استعظاماً واسكتباراً - رجل هذا مزاياه وخلاله أتظن أنه لن يجد على مائدة الكون - بعد أن التهم سلفه (المتصرف) ما أصاب عليها من العلف والزاد - شيئاً يشبع جوعه ويسكن شغفه بطلب العلم وولوعه!. إن عملية التفاعل أعني التجاذب والتدافع والتآلف والتنافر والتمازج والتزايل بين ذهن الإنسان وجو انسلنية المحيط به لهي عملية دائمة ومستمرة سواء أراد ذلك أم لم يرد فهي كعملية التفاعل بين دمه وبين الهواء الذي يتنفسه في رئتيه. وكما أن لعملية التفاعل الحادثة بين الدم والهواء المتنفس نتيجة أي حاصل أي مادة جديدة ناشئة من اتحاد بعض عناصر المادتين المختلفتين بعد تحلل كل مادة إلى عناصرها المكونة لها - فكذلك عملية التفاعل الحادثة بين الذهن وحو الإنسانية المحيط به لها نتيجة أي حاصل يمكن التعبير عنه باصطلاح الكيماويين بأنه المادة الغازية المتخلفة عن عملية الاحتراق الذهني أو عملية الفكر المحترق - أو باصطلاح الفيسيولوجيين بأنه إفراز عملية التنفس الذهني - هذا الحاصل الناتج عن عملية التفكير لا يمكن إحرازه ونيله أي إخراجه إلى حيز التعبير الصريح الواضح الجلي إلا بشرطين أساسيين وهما (١) موافقة صاحب التفكير المحدث من أذهان سامعيه جواً ذهنياً تكون درجة حرارته ملائمة مناسبة و (٢) قابلة (هي في اصطلاح الكيماويين الوعاء الذي تنتهي إليه خلاصة العملية الكيماوية أعني الحاصل الكمياوي وهي هنا كناية عن درجة استعداد السامعين وقابليتهم لفهم مغازي

стр. 2749

الحديث) صالحة ملائمة. ولذلك كان حسن التعبير عما يجيش بالنفس من أشق المشاق في كثير من الأحايين ولا سيما عندما تحولب دونه عقبات وموانع من كدورات الذهن وارتباكاته أو من علل البدن وآفاته. فلقد حدثني مرة عالم مشهور وأديب مذكور فقال أنه لما أراد أن يلقي أول محاضراه ضاق عليه مجال القول وانحبس به عنان الكلام فأتم محاضرته في ربع ما كان قد حدد لها من الزمن وأحس كأنما قد أنفذ ذخيرة معلوماته ونفض إلى السامعين جملة معارفه ومحفوظاته. وخرج مرة إبراهيم (نبي الله) إلى قومه لينشدهم إحدى أناشيده المعروفة المألوفة فارتج عليه فلم يفه ببنت شفة إذ خانته الذاكرة وطفق يكد القريحة لتجود له بفاتحة الأنشودة وعبثاً حاول فلم يجد مخرجاً من هذه الأزمة إلا شرح الحالة إلى الجموع المحتشدة لسماع أنشودته فأسعفوه فوراً فصاح منهم ألف صوت في نفس واحد بما قد نسيه من فاتحة تلك الأنشودة. وقد كان الشاعر المقدس (جون ملتون) لا يجيد قرض الشعر ولا توحي إليه ملائكته (لا أقول شياطينه) إلا في موسم محدد من العام - من منتصف الخريف إلى منتصف الربيع. وأعرف رجلاً من مشاهير الخياطين من سلالة الشاعر المذكور لعله قد ورث شيئاً من دقة إحساسه ورقة شعوره وفرط تأثره بألطف المؤثرات وأخفى الأسباب والعوامل فمما حدثت عن ذلك الرجل أنه ترك مرة أحد الزبائن يفلت من قبضته دون أن يشتري حلة من بضاعته وكان إلى جنبه إذ ذاك صاحب لي فقال له ذلك الخياط النابغة وضرب بيده على جبينه (تباً لهذا الصداع. أما والله لولاه لألبست هذا الرجل حلة برغم أنفه) عجيب وايم الله! نبضة خفيفة في رأس ذلك الخياط ولكنها عطلت تلك الآلة الدقيقة (الذهن) التي من شأنها استدراج الآدمي الطارئ (س) إلى الدخول في قطعة معلومة من القماش (ص). مثل الرجل المفكر في أول ظهوره وتسليط أفكاره الحادة على ما يحيط به من العادات والعقائد والتقاليد المرلفة من مزيج من الحق والباطل كمثل الكيماوي الذي يصب أحماضه الحادة على المواد القلوية فيحدث تفاعلاً بين الحامض والقلوي ينتهي باتحاد العناصر المتآلفة من الفريقين وصيرورتها ملحاً متعادلاً لا هو بالحامض ولا هو بالقلوي. فهذا الملح المتعادل هو الرأي النهائي للرجل المفكر عن أي نظرية أو مشكلة من المسائل ومتى وصل إلى هذا الرأي الأخير الناضج ألقى كانونه وبودقته. ومخباره وأنبوبته. ووضع ملحه

стр. 2750

المستخلص في زجاجة ثم جلس فاستراح وادعاً مغتبطاً. ولهذا السبب تراني إذا دخلت إحدى المكاتب فرمقت المؤلفات والمصنفات في قماطرها خيل إلي أنها دكان كيماوي دهني مملوءة بأصناف الأملاح على اختلاف أشكالها وألوانها مما هو نتيجة اتحاد الفكر الفردي مع الحوادث المحلية والنظريات العامة.

стр. 2751

نابليون في منفاه كلمة للشاعر الكبير اللورد بيرون عن نابليون في منفاه مذيلة بنبذة فلسفية في مطامع الملوك والغزاة والفاتحين وأصحاب الثورات الفكرية والانقلابات الدينية - وخواطر في موضوع الوجدانات والعواطف - وهذه الكلمة مختارة من قصة دون جوان. لقد هوى أعظم الناس - ولا أكذب إن قلت - وأصغرهم - ذلك الذي جمع الضدين، وضم النقيضين، فبينا يحاول من الأمور أجلها، إذا هو يزاول أضألها وأقلها غلو في جميع شأنه وإغراق! ولو توسطت أيها الجبار لبقي لك سلطانك أو لعلك لم تكن لتناله البتة ولا كنت ارتقيت إلى عرش ولبقيت إلى عرش ولبقيت كأصلك في غمار الناس مغموراً. وفي زوايا الخمول والغموض مستوراً. فإن غلوك في الجرأة وتطرفك في الطموح هو الذي سما بك ورفعك. وهو أيضاً الذي هوى بك وخفضك. ومن عجب أنك لا تزال حتى الساعة تحاول استرداد سلطانك فتتبوأ أريكة العالم ثم تزلزل أركانه وتزعزع بنيانه وتصفق فوقه بأجنحتك الهائلة المخوفة وتصم آذانه بزماجرك العاتية العنيفة كأنك في سمائه المكفهرة إله البرق والرعد. مالك الأرض أنت وأسيرها. وفاتح الدنيا وسجينها، واراها لا تزال ترتعد وتنتفض لمجرد ذكرك. وإن اسمك المخوف قد أصبح الآن أبشع ما كان إذا أصبحت لا شيء - اللهم إلا سخرة الصيت الشائع، وهزأة الذكر الذائع. وأضحوكة الحظ الذي سجد لك حيناً طوع إشارة بنانك، عبد دولة سلطانك. حتى عددت نفسك إلهاً مرهوباً ورباً مخشياً مهيباً. وكذلك عدك العالم ورأتك دول الأرض المبهوتة الحيرى المقهورة الحسرى. أيها الرجل الذي فوق الإنسان أو دونه - آنا تعفر خدود القياصرة بين قدميك، وترغم مغاطس الأكاسرة تحت نعليك. وتجعل جباه الجبابرة مداساً. غطرسة وبأساً. وآونة تروح كأصغر جنودك. وأحقر عبيدك. مقهوراً حسيراً مغلوباً أسيراً. ليبت شعري وأنت اللاعب بالدول والممالك. العابث بالعروش والأرائك تهدم الدول ثم تبنيها، وتنشر الممالك وتطويها كيف أعياك أن تقمع أضعف شهواتك، وتقدع أدنى رغباتك ونزعاتك. ليت شعري وأنت النافذ النظرات الثاقب اللمحات المستجلي غوامض السرائر المستشف كوامن الضمائر المحدث بما في القلوب. المستطلع ما وراء الغيوب، كيف حيل بينك وبين النظر في أعماق صدرك واكتناه حقيقة أمرك وقدرك. كيف غاب عنك أن الأقدار مهما سعدت فإنها الخائنة

стр. 2752

الغادرة. والأقضية مهما أسعفت فهي الخاترة الخافرة. وأن الحظ وإن نهض أحياناً فلا تؤمن عثرته. والجد يتلألأ أزماناً ثم تأفل نجمته. ولكن يروعني منك ثباتك في اللأواء ورسوخ طودك تحت الزعازع الهوجاء مظهر أقصى حكمة الفيلسوف وما تعلمت فلسفة في مدارس، ولا تلقنت مذاهبها عن عامل في فنه نبراس. وساء نعدها منك حكمة أو قسوة أو جموداً أو ركوداً أو عزة وكبرياء فإنها والله لخلة روعاء فيها كيد الحسود، رغم أنف المبغض اللدود وهي أشد على الأعداء من حصد الجماجم، وأمض للأعداء من حز الغلاصم. لله أنت ومواكب الأعداء محتشدة تنظر إلى هزيمتك وتريد أن تشمت بك وتسخر من تضاؤلك وخشوعك فإذا بك قد كذبت ظنونها وأقذيت عيونها بنظراتك القوية الطامحة المنبعثة عن عيني أجدل أو عقاب يرامق عين الشمس فيبهرها حدة وثقوباً وأذبت شحمة أكبادها باستهانتك بالخطب الجسيم واستهزائك بالكرب العظيم. أيها الرجل الجليل! لقد رأيتك في بلواك أعظم منك في نعماك. ولكن سكينة المنفى وهدوء العزلة هو جحيم الرجل المتوقد الذهن القلق الجنان، إلا أن في النفس لجمرة تتألق، وعاصفة تثور وتياراً يتدفق، تأبى أن تنحبس بين جدران وعائها الضيق، ولكنها تطمح إلى ما وراء الحد اللائق، ودون غاية الملائم الموافق، فمتى اشتعلت هذه النار ففار بركانها، واندلع لسانها، وطمح دفاعها وطار شعاعها أصبحت ولا وقود لها إلا المخاطرات المهيبة، والمجازفات الرهيبة، ففي هذه تستطير وتمرح وتبتهج وتفرح ثم لا يجيئها الملل والضجر إلا من ناحية الراحة وطريق السكينة إن هي إلا حمى في صميم الفؤاد شؤم على حاملها وعلى كل من صحبه وتبعه. هذه الحمى هي الأصل في ظهور مجانين العظمة والبطولة الذين تركوا الأمم والشعوب مجنونة بتأثير عدواهم! أولئك هم الغزاة والملوك وأرباب الملل والنحل والمذاهب والسفسطائيون والشعراء والساسة وكل من إليهم من أولي النفوس الثوارة والقلوب الجياشة، من اتخذوا العالم لعبة وأضحوكة، وأضحوا هم أنفسهم ضحكة العالم ولعبته، وخدعوا النوع البشري وسخروا منه وكانوا أثناء ذلك مخدوعيه وسخرته، يحسدهم الناس وهم بالراحة أولى! أي لذعات ولفحات تحز وتأكل في قلوبهم، أما وربك لو فتح لك قلب

стр. 2753

من هذه القلوب فأبصرت ما به لألفيته مدرسة تعلم من شهد قاعاتها الحزينة كراهة الزعامة والسلطان، وتلهم من قرأ صحائفها السوء إبغاض التاج والصولجان. أولئك المجانين العظماء - أنفاسهم القلاقل والاضطرابات وحياتهم زوبعة هوجاء على ظهرها يركبون فيعصفون حيناً في ميادين العالم ثم يهبطون فيسكنون ولكن جرثومة القلق والطماح والشرود والجماح لا تزال بعد كامنة في صميم أفئدتهم تلدغ وتلسع كحمة العقرب وناب الفعوان فإذا رأيتهم في دار عزلتهم رأيت الليوث الضراغم في أقفاص الحديد حيرى مولهة تارة تجول من القلق وتصول. ومن فرط التبرم تهمهم وتدمدم وتغمغم. وتارة تخشع فتستكين. وتطرق إطراقة الحزين، دأبها ذلك حتى تموت كالسيف الحسام ينبذ في زوايا الإهمال فيصدأ ويتآكل ويذوب ويضمحل كالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله من ارتقى إلى قمة الجبل وجد أعلى ذرا ملتفعة بالسحاب. ملتفة في الثلج والضباب، ومن ساد الناس وأخضعهم كان جديراً أن يجد نفسه مبغضاً مكروهاً. فهو وإن أشرقت فوق رأسه شمس المجد والفخار. وانفسحت تحت قدميه الأرضون والبحار يظل في وحدة ووحشة لا يحيط به إلا صخور الثلج وجلامد الجليد ولا يحيي أذنيه سوى دوي العواصف وضجيج الرعود القواصف، حيث تصدم رأسه العاري هوج الأعاصير وتلطم وجهه الحاسر نفحات الزمهرير. وهذا كل جزائه على بلوغه القمة العلياء. أيها المرددون ذكر الغرام والود، والمجد والسؤدد، خبروني عن معاني هذه السماء؟ هل هي بروق كاذبة ما إن تزال حولنا تومض وتخطف تلمح فوق رؤوسنا وقلما تهبط علينا فتقف. يا رحمتا لنا بني الإنسان نرفع أبصارنا إلى هذه البوارق الخلب ونحن بالتراب لاصقون، وإلى أديم الأرض مغلولون، فتتلألأ لأعيننا المبهورة أنوارها العديدة الألوان والأشكال، وتدهش ألبابنا الحائرة أشبحها الجمة الإبهام والأشكال. ثم تضمحل بغتة فتزول وتتركنا لا نعرف ما نقول. لو علم الناس حقائق الأمور لبكوا على إني إلى الضحك من هذه الحياة أميل. . ولا حرج علي ولا جناح. إني لأضحك من كل ما في الوجود لأني أعلم أن الوجود بحذافيره ورمته ما هو إلا شبح وخيال.

стр. 2754

إنهم ليتهمونني: أنا ناظم هذه الأبيات - بأني أميل إلى إنقاص الفضيلة الإنسانية، والاستهزاء بالمقدرة البشرية. . يا لله! هل قلت في ذلك أكثر مما قاله دانتي وديوجانس وسليمان وسيرفانتس وسويفت وما كيافيللي وروشفوكول وفينيلون. ولوثر وأفلاطون وتليتسون ووسلي وروسو. الذين أدركوت أن هذه الحياة لا تساوي فتيلاً ولا قطميراً. فما ذنبي أو ذنب هؤلاء الفلاسفة إذا كانت الدنيا بهذا الحد من الخسة والدناءة! لقد قال سقراط إنما أقصى علمنا أن نعلم أنا لانعلم ولن نستطيع أن نعلم أدنى شيء من هذا الوجود. فيا لها من منزلة رفيعة في العلم تسوي بين الحمار وبين أنبغ حكماء الحاضر. والمستقبل والغابر. وكذلك زعم نيوتون (مضرب الأمثال في العلم والذكاء) إذ قال - بالرغم من عجيب مستكشفاه ونادر مبتدعاته - إني لا أرى نفسي إلا كطفل يلتقط الصدف والمحار على ساحل البحر العظيم - الحقيقة. وقد قال الأنبياء ومشايخ الأديان في قديم الزمان إن (الحياة كلها غرور) وكذلك قال أحدث الوعاظ وصدقت أقوالهم أفعالهم بما أظهروا من احتقار الدنيا وترك شهواتها وهجران لذاتها. وكذلك كل العقلاء والمفكرين يعلمون ذلك أو سيعلمونه. أفبعد ما اعترف بفناء الوجود ولا شيئية الحياة طوائف الأنبياء والقديسين والحكماء والقسيسين والشعراء والمنطقيين حجم أنا عن القول بغرور الحياة خشية المعارضين النقاد؟. أيها الناس يا زمرة الكلاب - إني لأعطيكم من المدح فوق ما تستحقون إذ سويتكم بالكلاب لأنها خير منكم وأكرم - سواء عليّ أتقرأون أم لا تقرأون ما أقدم لكم من وصف حقيقتكم وبيان ماهيتكم وسرد مساويكم وعد مخازيكم. وكما أنه لا يضير السحاب نبح الكلاب فسيصب عليكم عارضي الهتان دوافقه وينزل فوق رؤوسكم صواعقه مهما علا صياحكم وكما أن الأقمار لا تحفل بعواء الذئاب فكذلك ملائكة شعري ستشرق في سمائها بالرغم من عوائكم: فاملأوا الدنيا صراخاً فإنكم لن تمنعوا ملائكة القريض أن تضيء سبلكم المظلمة. وترصع بسبائك لجينها جوانب حياتكم المعتمة.

стр. 2755

الإسبراتيواليزم (٣) جمعية الأبحاث النفسانية كان من أثر مسعى أولئك البحاثين الذين بسطنا لك تاريخهم في العددين الماضيين أمثال الوسطاء هوم وستانتون وموسى وغيرهم، ومن جراء تأثير المجلات والعدد العديد من الكتب والأسفار التي خرجت في هذا العلم والأبحاث التي تسوقها الصحف، والشواهد التي تزجيها الجرائد السيارة، أن أصبح موضوع الإسبراتيواليزم مشغلة المشاغل في بلاد البريطان، حتى أن كثيرين من سادة العلم وأبطال الأدب والفكر والفنون الرفيعة راحوا يهتمون به ويعقدون عليه الأهمية الكبرى، وحتى قال العلامة سير جوبك من أكبر أساتذة علم العلم الحديث أن من أكبر الفضيحة للعلم الحديث وأغرب المناقضة له أن يجتمع هذا الفريق العظيم من الثقات وأساطين المفكرين والعلماء على الاعتراف بهذه الظاهرة الروحانية ثم تظل هذه الفكرة باقية لم يعترف بها من الجميع أو لم تدحض دحضاً تاماً لا قائمة له بعدها، ولهذا تبين للقوم أن الحاجة ماسة إلى إنشاء جمعية علمية للبحث في هذا الموضوع وتقصيه وفحص بيناته وشواهده، ومن هنا انتدى جمع من العلماء والأبطال عام ١٨٨٢ بالذكر منهم السير وليام بارت والعلامة سرجوبك ومستر أدموند جرف وجمعا من الوسطاء الروحانيين فأسسوا جمعية الأبحاث النفسانية، وبدأت تلك الجماعة تضع نصب أعينها البحث في التنويم المغناطيسي ونقل الفكر والظاهرة الطبيعية للإسبراتيواليزم ومحاضرة الأرواح، وقد دونوا نتائج أبحاثهم في خمسة وعشرين مجلداً وخمسة عشر سيفراً من صحيفتهم التي يصدرونها وقد تعاقب على رئاسة تلك الجمعية كثيرون من الأساطين في العلم من أمثال مستر بلفور وهنري برجسون وهو النجم المتألق اليوم في سماء العلم - والسير ويليام كروكس والأستاذ ويليام جيمس والكاتب الطائر الذكر أندرو لانج وللعامل العلم السير أوليفر لودج. وهذه الجمعية لا دين لها خاص بها ولا عقيدة معينة، إذ لكل عضو من أعضائها دينه وعقيدته، وفيهم العقليون الذين يشكون في كل شيء بجانب المؤمنين الذين يؤمنون بكل شيء، على أننا نقول أن السواد الأعظم من أعضائها يؤمنون بصحة (التليباتي) أو انتقال

стр. 2756

الأفكار من ذهن إلى ذهن، بل إن فريقاً من أكبر رؤسائها وأبطالها قد مضوا غي عقيدتهم بعيداً وذهبوا إلى القول بأن كثيراً من الظواهر تثبت صحة وجود أذهان وأرواح بلا أجسام تطوف حول الكون. وقد كان الفضل أو السبب في هذا الاعتقاد يعود إلى الوسيطة الأمريكانية الطائرة الصيت مسز بايبر وهي التي ظل أعضاء الجمعية يستخدمونها في أبحاثهم مدة ثلاثين سنة. ومسز بايبر هذه وسيطة منومة أعني أنها تروح في سبات أو حالة أشبه شيء بالذهول ثم تتكلم أو تكتب وهي على تلك الحال، والمظنون أن روحاً من أرواح الموتى تستخدم لسان تلك الوسيطة أو يدها في ذلك أو إن شئت فلك أن تسميها (امرأة مأخوذة ويصعب علينا أن نتجنب الاستنتاج الذي يدل على أن هناك ضروباً من القوة غي رالطبيعية تستخدم تلك المرأة) فنحن نقول مثلاً أن في أوائل عهد تلك السيدة بهذه الحالة التنويمية جعلت تتكلم على لسان روح محام يسمى مستر بلهام وكان معروفاً في حياته لدى العلامة هودجسون من أكبر أعضاء تلك الجمعية. وقد جلس الأستاذ هودجسون إلى تلك السيدة عدة جلسات وقدم إليها أكثر من مائة وعشرين شخصاً مختلفين ومنهم كثيرون من أصدقاء بلهام وهو على قيد الحياة وذكروا للمسز بايبر بأسماء مختلفة إخفاء لأسمائهم الحقيقية عنها فجعلت الروح تتكلم على لسان مسز بايبر تعين أصدقاءها من هؤلاء الأشخاص وتذكرهم بأسمائهن وتعين ألقابهم وتخاطبهم بلغة الصداقة التي كانت في الحياة تكلمهم بها. وقد حدثت مسألة غريبة في بابها في هذا الشأن وهي أن تلك الروح عجزت أن تتبين شخصاً من أولئك الأشخاص أول الأمر مع أن الشخص المذكور كان سيدة وهي كانت تعرف بلهام في حياته ولكن ظهر أخيراً أنه كان يعرفها وهي فتاة صغيرة وأنها لم تجلس إلى مسز بايبر إلا بعد موته بخمس سنوات وقد كبرت بالطبع في خلال هذه المدة الطويلة وتغيرت كثيراً واستحالت معارفها ولذلك لم يكن عجز الروح عن معرفتها غريباً ومستحق الدهشة والعجب ولكن لما ذكرها الأستاذ هودجسون بقوله. هل تتذكر مسز وارنر؟ وكانت هذه هي أم السيدة وصديقة من صواحب المحامي المتوفى بلهام. لم تلبث أن قالت الروح. هل أنت ابنتها دعها تتذكر الكتاب الذي أعطيتها إياه لتقرأه ثم ذكر عدة أحداث وبينات أدركتها السيدة وتذكرتها وعلمت صحتها.

стр. 2757

هذه الحادثة منفردة في نوعها ولها معان ومظاهر كثيرة فإننا لو قلنا بأن هذا نوع من التليباتي أو انتقال الصور الذهنية من ذهن الشخص إلى ذهن الوسيط لاستطاع الوسيط أن يعرف اسم الشخص بكل شسهولة كما عرف أسماء سائر الأشخاص ولو كان هذا مظهراً من مظاهر انتقال الصور الذهنية قلنا أن نسأل وكيف عرفت الشخصية الثانية التي تتكلم بها الوسيطة أي بلسان المحامي بلهام أصدقاءها من بين الجمع، وينبغي أن نقول هنا أن مسز بايبر الوسيطة لم تكن من صواحب المحامي المتوفى، وإنما التقت به بضع دقائق يوم كان على قيد الحياة، ولهذا لا يحتمل أن تكون مسز بايبر عليمة بأصدقاء المحامي وجميع معارفه. وقد كان الأستاذ هودجسون في أول الأمر إزاء هذه الحادثة شاكاً مستريباً منكراً غير مصدق، وكان أول من أراد أن يبحث عن سر هذه المخادعة لأنه حسبها خدعة يومذاك، ولكن الحقائق جعلت تصدعه وتدهشه، وجعل يجلب للوسيطة غرباء ويسميهم بأسماء مستعارة، بل أدى به الولع بإظهار الحقيقة أو كشف السر إلى أن جاء بقوم مقنعين، وكذلك لبث عدة سنوات يبحث فيها ويستخدم في سبيل بحثه مسز بايبر حتى اقتنع آخر الأمر بصحة المناجاة، وجواز مخاطبة الأرواح. ومن الوسيطات المشهورات التي شغلت زمناً أذهان العلماء وجلس إليها أمثال سير أوليفر لودج وسير وليام كروكس نذكر سيدة أخرى تدعى تومبسون ولعل خير ما في أمرها أنها لم تكن مأجورة أو تطلب مالاً من المناجاة وكانت النتائج التي ظهرت من ناحيتها مدهشة مقبولة طيبة، فمن بين الرواح التي جعلت تتكلم بواسطتها سيدة تدعى مسز ب فإن هذه الروح مضت تقص تفاصيل عن حياتها في الأرض وتحقق القوم من صحتها وجعلت تبسط قصصاً وأنباء عن حياتها في هذه العاجلة تثبت حقيقتها لأصدقائها ومعارفها، ولم تكن الوسيطة تعرف شيئاً عن هذه الحقائق عن تلك السيدة مطلقاً، فاستطاع العلماء بهذه الحقائق أن يطمئنوا على أن الموضوع ليس من التليباتي أو انتقال صورة ذهن إلى ذهن آخر. وإذا انتفى التليباتي جاز القول بإمكان مناجاة الأرواح لأهل الأرض.

стр. 2758

حول نهضة السيدة المصرية فأنت ترى أن هذه الرفعة الموهومة كانت شؤماً على أربابها فأضعفت فيهم ملكة التمييز حتى احتقروا أثمن حلية فابتعدوا عنها لأن العلم في الواقع سلاح في الحياة يذلل للمرء سبيلاً لا عوج فيه وهو جالب للفضيلة والعفاف ومقو لهما إذا هما وجدا في الفطرة الإنسانية. فالريفية العادية التي لا تخرج من مثل تلك البيئات الشاذة إذا فاتها حظ العلم المدرسي فلا يفوتها العلم بأساليب العيش التي تأتي من طريق المران والتجربة وقد بينت في مقالي السابق أنها حصلت فعلاً على قسط وافر من النجاح الذي لو قرن يوماً ما بالعلم النقي الصحيح لرفعها إلى مستوى أعلى من زميلاتها الأوروبيات المتحضرات. أما تلك الفئة الشاذة التي أشرت إليها - وأفكارها والحمد لله سائرة في سبيل نمو الطبيعي - فواجب تفهميها حقيقة الحياة وفرضية العلم، وارى أن أقوم سبيل لذلك أن تكون للجمعيات النسائية مجلات تبحث في أحوال المرأة ورقيها ومنزلتها في الحياة الاجتماعية توزع على النساء والرجال على السواء، وإني لا أشك أن تلك النشرات تأتي بالفائدة المقصودة. أما في المدن الكبرى حيث توفرت اليوم سبل التعليم فقد كثر عدد المتعلمات ولكنا نتساءل هل هذا التعليم كاف؟ وهل هو موافق لروح العصر الذي نحن فيه وهل يكفل لنا حسن المستقبل والإصابة في تربية أبنائنا فقد أثبتت التجربة أن نظام التعليم في بلادنا فاسد فساداً تاماً وأن مواده قشرية محضة وهو بالاختصار نظام مضطرب رزح تحت عبئه أكثر الناشئين إلا قوماً سدوا ذلك النقص باطلاعهم الخارجي ونظراتهم المصيبة في معنى الحياة. فمنذ سنين قلت الشكوى من ذلك النظام ومواده بالرغم من اتساع مجال التجربة أمامنا فمن باب أولى أن لا ينفع السيدات وهن ألين طبيعة وأضعف فطرة وأقل احتمالاً. وإني أرى أن هذا التعليم لا يصقل نفس الفتاة بالقدر اللازم ولا يصبغها الصبغة اللائقة بالحياة الحالية وأرى أنه في مدارس البنات لا تعطى عناية كافية بالجزء العملي وهو تدبير المنزل وقوانين الصحة وأحكام تربية البنين، وإني بلا شك أصفق فوحاً لكل نهضة ولكني لا أغفل لحظة عن المجاهرة بالنقص ما دام واقعاً حقيقة. وإني أرى الشكوى عامة في تبذير السيدات وإسرافهن في التبرج والمغالاة في الزينة

стр. 2759

العرضية على قلة فائدتها. وأما اللواتي يتخرجن من المدارس الأوروبية فهن أحسن حالاً ممن سواهن وأوفر عقلاً وتهذيباً لأن هناك عناية كبرى بأمر التعليم وكنت أفرح بالإكثار ممن يخرجن من هناك لولا خطر داهم يتهدد الحياة القومية ألا وهو التنصل من المصرية والنفور مما هو مصري والاندفاع في تحسين كل ما هو أوروبي على غير علم بالحقيقة بينما نحن أشد الحاجة إلى قوم يفهمون (المصرية) ويقدرونها. ولا شك أن الجمعيات النسائية تؤدي خدمة كبرى في هذه السبيل وترفرف فوق ذلك روح التضامن وروح التضحية. عند هذا الحد أريد الوقوف الآن بسيداتنا فلا أطلب لهن غلواً في السفور. سيقولون كيف حبذت سفور الريفيات وأنكرته على سواهن ولكن هي الحكمة تدعو المرء إلى التمييز بين البيئات المختلفة وما يلائمها فالريف تغلب في جوه السذاجة وها نحن اليوم نراها تتدنس شيئاً فشيئاً أما في المدن فإن مستوى الآداب منحط جداً ولا يطهره إلا تغيير جوهري في التعليم والنظم المدرسية، فاحتفاظنا بعفاف سيداتنا وكرامتهن لا نطلب لهم اليوم المزيد من السفور كما إني لا أبغي لهن حجاباً يثقلهن بل أقول يكفينا التوسط اليوم والالتفات لتربية أبنائنا وتدبير منازلنا ولتكن غايتنا اليوم نساء ورجالاً إصلاح ما فسد في بيوتنا وما جره الإسراف والالتفات إلى العرض دون الجوهر فإذا فرغن من ذلك فالحياة العامة تنتظرهن وهن إذا قمن بهذا الإصلاح يقمن برهاناً على صلاحيتهن في الحياة العامة. والخلاصة أني أقول: أصلحوا التعليم أحسنوا تربية أبنائكم وتدبير منازلكم وأكثروا من النصيحة العملية في سبيل إنهاض الأمة من عثارها وبذلك تخلقون جواً جديداً في هذا البلد يتصرف في التأثير على عقول أبنائها نساء ورجالاً كما شاء حتى إذا جاءنا السفور أو غيره مما هو ثمرة من ثماره قلنا هذا طبيعي النضج فاحصدوا ثمار ما بذرتم. (لها بقية) محمد محمود جلال

стр. 2760

باب تدبير المنزل تربية الطفل (٧) البيئة المنزلية - الجزاء والعقاب يقولون إن الملك لا يستطيع أن يحدث شراً ويجوز لنا أن نردف هذه الكلمة بكلمة أخرى ولو أن السبب مختلف ووجه العلاقة متباين فنقول (ولا الأطفال كذلك) فعليك أن يكون هذا مبدأك في منزلك وإزاء أطفالك وأهل بيتك، وتعلم أن العقاب والتأنيب وما أشبه ذلك لا محل له من التربية ولا وجوب ولا ضرورة، بل ينبغي أن لا تكون في ثنايا روحك أية قطرة من الغضب أو ظل الانتقام، أو ريح العقاب والاقتصاص، وقد يجوز أن يفعل طفلك ما هو مسيء غير محمود، ولكن عليك أن تتذكر أنه لم يفعل ذلك وهو يعلم أنه مسيء وغير محمود، فلو أنك أدركت أن الأطفال أبرياء من الذنب ولم تجعل لهذا المبدأ أي استثناء ووطنت نفسك على أن تعتقد أن الأطفال لا يقصدون حقيقة الإساءة وارتكاب الذنوب، إذن لسهل عليك أمر التربية وذلك لك سبل التأديب. وقد يخيل إليك على الرغم من أنك تعتقد أن طفلك لا يقصد حقاً الإساءة أن إظهار علائم الغضب أو أخذه بشيء قليل من القصاص أو نهره أو زجره كل أولئك قد يعلمه الفعال الحسن وترك الإساءة والشر، على أن هذا المبدأ لا يعمل إلا على إغراء الطفل بالإساءة وترغيبه في الشر والأذى، وقد دلتنا التجاريب على أن قولنا للناس (نرجو من مروءتكم وكرم عواطفكم) أفعل في نفوس الناس وقولنا (لا تفعلوا هذا وإياكم أن تقربوه أو حذار أن تقتحموه) وقد مررت يوماً بصديق لي بغابة قد كتب عند مكان منها لوحة تحتوي هذه الكلمات (الذين يجتازون هذا السور سيعاقبون) فلم يكن من صديقي إلا أن قال: (إذن فلنجتزه ولنمر على الرغم من هذا التهديد). ومن هنا ندرك أن الرفق واللين والمعروف أفعل في نفس الصبي والشيخ من كلمة التهديد وألفاظ الوعيد، فإن اللهجة المهددة لا تزال لهجة مستحثة مستثيرة مغرية وإن قولك لإنسان (لا يلزم أن تفعل هذا) لا بد أن يثيره إلى إجابتك بالكلام أو بالفعل. بل سأفعل! لأن الطلب الرقيق المتأدب الكريم يخجل الإنسان ويغريه بإنجازه ويشجعه على تحقيقه، ولهذا يجب أن تكون فكرتك في تربية أطفالك أنك إزاء تلاميذ وأنك منهم مكان المعلم من صبيته ولهذا

стр. 2761

يلزمك رباطة من الجأش وضبط نفسك وبعد النظر حظ وافر. ومن هذا تعلم أن البيئة المنزلية يجب أن تكون بيئة السعادة والفرح والتهلل والكرم ووداعة الخلق لأن السعادة من الأثر في نماء أطفالك ما للشمس في نماء الزرع وعلم النبات. وإذا كان ذلك كذلك فعلم أطفالك أن لا يجيبوا إنساناً على سؤال، ولو كنت أنت سائله إذا لم يقل من فضلك أو أرجو أو تكرم علي وإذا نسي أحد الناس أن يقولها إذا طلب شيئاً أو سأل رجاء وجعل يكرر السؤال ويلح في إعادة الرجاء ولا مجيب ولا جواب، كان ذلك باعث اللهو والمزاح حتى يتذكر السائل أنه لم يقلها فيقولها. واعلم أن فعل السيئ وإحداث الشر والأمر الكريه قد يكون في أكثر الأحايين نتيجة الجهل وعدم إدراك وجه الإساءة، ولهذا كان خليقاً بك أن تعلم طفلك مثلاً كيف يجب أن يمسك الملعقة أو السكين وكيف ينبغي له أن يبلع الطعام، وعليك أن تجتهد جهد المعلم في تعليم الأطفال كل دقيقة وصغيرة وطفيفة، دون أن تفقد الصبر أو تتسخط أو تنوء بجانبك، لأن الطفل لا يعلم ماذا يراد منه، وما هذا إلا لأنه ليس سريع الفهم أو سريع النسيان، ولهذا لا يصح أن تتوقع أن العادة الطيبة الحميدة، قد تنال في أقصر مدة من الزمن لأن خلق عادة من العادات تقتضي في الغالب إزالة أخت لها أو شبيهة بها، فلو أنك استعجلت ولم تأخذ في الأناة في أمر تربية أطفالك على العادات، وكنت قلقاً غير مطواع الإرادة لما لبثت العادات الرديئة ن تجتمع وتحتشد حتى لا تفتأ تؤنب وتحذر وتنهر دون جدوى أو أية فائدة، ولا يكون من ذلك إلا أن أطفالك لا يلبثون أن يكتسبوا خلقاً مضطرباً فوضوياً ثواراً عاصفاً لم تكن تريده لهم. وعلى العقلاء من الآباء أن يحلوا الصعوبات التي تعترض أمر تربية أطفالهم بالطريقة التي يسوون بها (دفاتر حساباتهم) أي واحدة فواحدة، كلما اعترضت وعلى فترات من الأيام. وإذا أردت النجاح والتوفيق قصدت فعليك أن تعمل على خلق عادة أو عادات متشابهة في وقت واحد. فإنك إذا أكرهت صبيتك على حسن السلوك في أسبوع أو وصيتهم بعدة عادات في أيام معدودات فإنك غير حاصد من ذلك غلا الخيبة والألم والفشل، إذن فينبغي أن تجمع كل قوتك لخلق عادة أو عادتين في وقت واحد وترك غيرهما بعد إتمامها لوقت آخر.

стр. 2762

إذا صح هذا فلا تطلب من بنيك شيئاً كثيراً لكي تتم لك طواعيتهم، ويستمعوا إليك جهد أسماعهم، ولا تجعل تعليمك إياهم على عادة واحدة شفيعاً لتعليمهم أشياء أخرى كثيرة ثم عليك أن تدع أطفالك يقدرون العادة المحمود حق قدرها ويعرفون السبب لماذا ينبغي أن يفعلوا الشيء الحسن، ويدركون شيئاً من علم النفس، كالذي حدث به أحد الناس عن طفلة في الخامسة أدركت معنى كلمة (علم النفس) إذ قالت أنه إذا كانت الأم أذعنت إلى صراخ طفلها ونزلت على حكمه خوفاً من استرساله في صياحه عما طلب، فلا يتنازل الطفل عن الصراخ كلما أراد من أمه شيئاً. واعلم أن كل شيء سيسير في منزلك على نظام، إذا كنت من أهل الطبائع الوديعة، ولم تك ذا خلق ناري حاد ومزاج محتدم مضطرم فإنك لا تلبث إذ ذاك أن تجد العادات سريعة النشوء والاستتباب والتكوين. وتجد أطفالك يحبون تلك العادات واتباعها واللصوق بها لما تدخل على أنفسهم من الفرح وما في الإذعان إليها من الروحانية والراحة، وعلى نقيض ذلك ترى الشراسة والشدة والتقطيب والتجهم والاكفهرار لا تخلق إلا تحللاً ووهناً في الخلق أو طفلاً فاسداً سيئاً شريراً - إذن فعليك أن تكون مفراحاً متهلل الأسارير تر بنيك يتحملون الآلام بصبر في سبيل التخلق بحسن الأدب وتجد الآداب الفاضلة والعادات الطيبة لا تلبث أن تنمو وتزكو كما يزكو النبات في الأقاليم التي يسطع فيها نور الشمس وتهب عليها علائل الأرواح وفي أمثال هذا الجو لا تني تموت جراثيم الأمراض وتتحل من نفسها وتذبل وتتلاشى.

стр. 2763

قصة عجيبة للكاتب الروسي الكبير إيفان تيرجينيف قال هـ: منذ خمسة عشر عاماً اضطرتني واجبات خدمتي المصلحية إلى قضاء أيام قلائل في عاصمة إقليم ت. فنزلت بفندق جميل كان قد أقامه هنالك قبل قدومي بستة أشهر رجل يهودي اغتنى بعد فاقة. ولقد وجدت ذلك الفندق إذ ذاك في أوج بهائه إذ كانت أخشاب أثاثه الجديدة تتصدع أثناء الليل فتحدث انفجارات أشبه بدوي الرصاص. وكانت ملاءات الفرش وأغطية الموائد والمناضد والمناشف (الفوط) تفوح برائحة الصابون، وخشب الأرضية المنقوش يفوح برائحة الزيت الذي كان خادم الفندق - وهو رجل في منتهى التأنق وحسن الذوق ولكنه قليل العناية بمسائل النظافة - يره أحسم دواء لانتشار الحشرات. وقد كان هذا الخادم سابقاً في خدمة البرنس ج وكان مشهوراً بفرط جرأته وصراحته مع الزبائن وبفرط اعتداده بنفسه وعرفانه بعظيم قيمتها. وكان يلبس دائماً ريدنجوتاً (نصف عمر) وشبشباً قد أخذ البلى من نعله ويتأبط منشفة وعلى خديه عدة من الدمامل. وكان يلقي على الزبائن ملحوظاته القسرية الخطيرة مشيراً أثناء ذلك بيديه القاطرتين بالدهن والودك إشارة الخطيب المصقع. وكان يشملني بعين رعايته ويحمد مني فطنتي إلى عظيم مواهبه. وإدراكي خبرته بالحياة وسعة تجاربه. وكان اسمه أرداليون. وفي أثناء إقامتي بهذه المدينة رأيتني مضطراً إلى زيارة بعض رجال الإدارة فاستحضر لي إرداليون عربة وسائقهاً كلاهما رث مفكك الأوصال ولكن السائق كان يلبس زي خدمة الأشراف وكانت العربة محلاة بشعار الأمراء. فبعد أن أديت زيارات يالرسمية انطلقت في العربة لزيارة رجل من أهل الريف كان من أصدقاء أبي وكان قد استوطن المدينة منذ عهد طويل وكنت لم أره منذ عشرين عاماً كان قد تزوج في خلالها ورزق عدة من البني ثم ماتت زوجته فترمل من بعدها وجمع ثروة وكان عمله يختص باحتكارات الحكومة أعني أنه كان يقرض المقاولين المشتغلين بالاحتكارات مبالغ بأرباح باهظة. فبينا أنا في الحديث مع هذا الصديق إذ دخل علينا الغرفة فتاة صغيرى تقدم رجلاً وتؤخر أخرى ولا تكاد قدماها تلمسان الأرض من خفة وطئها. وهي في السابعة عشرة نحيفة القد مهضومة الحشا رقيقة البدن واهنة النبيان. وقال صاحبي (هاك كبرى بناتي - صوفيا.

стр. 2764

اسمح لي أن أقدمك إليها. إنها تشغل مكان زوجتي المرحومة فهي تسوس البيت وتدبره وتعنى بشؤون أخواتها وأخوتها) فانحنيت مرة أخرى للفتاة (وقد ألقت بنفسها على كرسي دون أن تفوه بكلمة) وقلت في نفسي ما أبعد ما بين منظر هذه الفتاة وبين تدبير المنازل والعناية بشؤون الأخوة والأخوات. تالله ما لأمثال هذه الأمور خلقت هذه الفتاة. فقد كان وجهها مستديراً عليه سيما الطفولة، أعضاؤه صغيرة مستملحة لكنها جامدة الحركة - بعينين زرقاوين تنبعث منهما نظرة حادة دهشة مبهوتة كأنما قد بصرتا شيئاً غير منتظر. وكان فمها الصغير الممتلئ المتقلص الشفة العليا لا يبتسم بل يلوح عليه كأنه لا يعرف الابتسام مطلقاً. وكان صدرها يتنفس تنفساً ناعماً ليناً وذراعاها تستندان إلى خصرها النحيل بضغط شديد وبغير رشاقة وثوبها الأزرق مرسل على قدميها الدقيقتين وهو غفل من زخارف التكسير والتغضين كثياب الأطفال. فكان منظرها على العموم يقع من نفسي موقع الألغاز والمعميات. فرأيت فيها شيئاً أكثر من مجرد فتاة ريفية شديدة الحياء والهيبة - أجل رأيتها صنفاً وحيداً في ذاته، فريداً في صفاته، مغايراً لكل ما رأيت قبلها من صنوف الفتيات. ولكن ما هو هذا الصنف؟ ذلك ما لست أدري ول أستطيع أن أدري ولكن كل ما شعرت به هو أني لم أر في حياتي شخصية أشد وفاء وإخلاص من تلك الشخصية. ولئن سألتني أي عاطفة من عواطفي أثارها منظر الفتاة لقلت لك الرحمة. أحل - الرحمة والحنان هو الذي جاش في أعماق نفسي لرؤية هذه الروح الحية اليقظة المتحفزة الجادة المخلصة! الله وحده يعلم لماذا؟ إن الخواطر والأفكار التي جاشت بصدري لرؤية هذه الفتاة لم تكن من أفكار هذا العالم الأرضي الكثيف - ولكنها في العالم الروحاني وإن كان وجه الغادة خالياً من كل ما يصح أن يسمى معنى روحانياً وقد كان دخولها الغرفة لغير شيء سوى أداء تلك الشؤون المنزلية التي ذكرها أبوها. شرع الوالد يتكلم عن طريقة العيشة في مدينة ت وملا امتازت به من ضروب الملاهي الاجتماعية والمنافع العظيمة فقال: نحن هنا في أتم سكينة وهدوء فمحافظ المدينة رجل مطراق كئيب ومارشال الإقليم رجل أعزب ولكن ستقام حفلة رقص عظيمة في قاعة الأشراف بعد غد. فيا ليتك تمضي إليها فإني كفيل لك أن تجد بها ما تشتهي من الفتيات الملاح والفتيان الأذكياء.

стр. 2765

فقلت ملتفتاً إلى فتاة وأردت أن أسمع صوت لفظها أتريدين الذهاب إلى هذه الحفلة؟. فأجابت: أبي ينوي الذهاب وسأكون معه. فوجدت صوتها ليناً بيناً ووجدت ألفاظها صحيحة المخارج وهي تنطق الحروف بتأن وإشباع كالحائر في أمره. قلت لها: إذا كنت ستصحبين أباك إلى هذه الحفلة فاسمحي لي أن ارقص معك الدور الأول فحنت رأسها إجابة قبولاً. ولكنها لم تبتسم حتى في هذه الآونة التي لا يسع المرء فيها إلا الابتسام. ثم إني خرجت بعد هنيهة وتركتهما ولا أزال أذكر أن النظرة التي رمقتني بها إذ ذاك كانت من فرط الغرابة بحيث أني التفت خلفي لأرى هل هنالك شخص أو شيء تريده بتلك النظرة فلم أر شيئاً. عدت إلى الفندق وبعد الغداء جلست على المتكأ وأطرقت أكفر، وكان موضوع تفكيري هو صوفيا هذه الفتاة اللغزية الغامضة الشأن ابنة صديقي الشيخ. ولكن إرداليون (خادم الفندق) أول إطراقي وتفكيري تأويلاً آخر حسب نطره الخاص فنسب حالتي هذه إلى الملل والسآمة. ً فابتدأ القول بتعطفه المعهود وتنازله المعروف وهو في أثناء ذلك ينفض ظهور الكراسي بفوطة أكل قذرة - وهو كما تعلم أسلوب من أساليب التنظيف يمتاز به خدمة الفنادق ذوو التربية العالية (لا عجب ذا عرض لك الضجر والملل فإن بلدنا هذه قليلة الملاهي للزوار نعم قليلة الملاهي جداً - جداً. ثم استرق نحوي نظرة من مؤخر عينه. واستمر في كلامه فقال: ولكني أعرف سبيلاً للسرور والتمتع لو أنه يصادف منك قبولاً. ثم رمقني بنظرة معنوية كالسالفة ولكنها ضاعت عندي كسالفتها ولم تبد على وجهي علامات القبول لما يريد أن يقترح. ثم أن الخادم الراقي المهذب تقدم نحو الباب وأطرق هنيهة ثم عادة وبعد تحركه حركة قلق وتردد أقبل علي وانحنى على أذني وقال بابتسامة المداعب: ألا تحب أن ترى الموتى؟ فحملقت في وجهه بنظرة الحائر المندهش.

стр. 2766

فاستمر في حديثه همساً فقال: أجل إن هنا رجلاً كالموتى، وهو صانع بسيط أمي لا يعرف القراءة ولا كتابة ولكنه يأتي بالمعجزات. فإذا ذهبت إليه فسألته أن يريك أي أصحابك الذين ضمتهم المقابر فتأكد أنه يريكه لا محالة. ويكف يصنع ذلك؟ هذا سره فإنه على الرغم من جهله بل من كونه أمياً واسع العلم هائل المقدرة في المسائل الروحانية، وإن له لمكانة مكينة علينا عند طبقة التجار!. قلت: وهل كل من بالمدينة يعرف هذا؟ قال: يعرفه من هو بحاجة إلى معرفته. ولكن لا أخفي عليك أنه يجب الاحتراس من البوليس لأن هذه المسائل محظورة محرمة مهما قلت في تبريرها والدفاع عنها وهي من دواعي الغواية للعوام أعني الرعاع وأنت اعلم أن الرعاع سراع إلى الملاطمة والملاكمة. قلت: وهل أراك الموتى؟ فقال إرداليون وهز رأسه: نعم لقد استحضر أمامي أبي كما لو كان حياً. فحدقت في وجه إرداليون فضحك وطفق يعبث بفوطته ونظر إلي نظرة تنازل وتعطف ولكن بمنتهى الثبات والصلابة. قلت: هذا والله العجب العجاب! أما أستطيع التعرف بهذا الصانع. قال: إنك لا تستطيع الذهاب إليه مباشرة ولكن بواسطة أمه وهي عجوز ذات رزانة ووقار تبيع المخلل على الكوبري فإذا شئت فاتحتها في الأمر من أجلك. قلت: سألتك بالله أن تفعل. فسعل إرداليون سعلة من رواء كفه وقال: ولا تنس أن الشيخة تأخذ مقداراً تافهاً من النقود - أي شيء طبعاً - وليس بالكثير - شيئاً لا يذكر. وسأبذل جهدي في تطمينها وتأمينها من جهتك فأعرفها أنك ضيف زائر لا غير. وأنك نبيل مهذب. وعليك بعد أن تعرف أن هذا سر خطير وأنه لا يصح لك بأية حال أن توقع الشيخة في أدنى كربة أو ورطة. ثم إن إرداليون رفع الصينية بإحدى يديه ثم دورها واستدار معها هو بحركة رشيقة خفيفة وسار نحو الباب. فصحت من ورائه وهكذا أعتمد عليك في هذا الشأن.

стр. 2767

فمضى وهو يقول بصوت المغتبط السعيد: ثق بنا واعتمد علينا سنكلم العجوز في شأنك ونأتيك بجوابها. انتظرت الجواب بفارغ الصبر فلما كان المساء دخل علي إرداليون فخبرني أنه لم يوفق إلى مقابلة العجوز ولكني دفعت بالرغم من ذلك ليرة على سبيل التشجيع فلما كانت صبيحة الغد عاد إلي فرحاً متهللاً وقال أن العجوز سمحت بمقابلتي، ثم صاح إرداليون بغلام صغير فقال: يا صبي، يا غلام. . فدخل طفل في السادسة من عمره مطلي كله بالهباب محلوق الرأس عليه رداء واسع ممزق وحذاءان تتيه فيهما قدميه من فرط السعة. وقال له إرداليون: أنت تعرف أين تذهب بالسيد وأشار نحوي. ثم التفت إلي وقال وأنت يا سيدي إذا بلغت المكان فسل عن مستريديا كربوفنا (اسم العجوز). فهز الغلام رأسه إجابة وانطلقنا. سرنا مسافة طويلة في طرقات المدينة ت التربة حتى انتهينا إلى أشدها وحشة وإقفاراً فوقف دليلي أمام دار خشبية وشرع يمسح أنفه المهبب في كم ردائه ثم قال (ها هنا اذهب يمينا) فولجت الباب إلى الدهليز الخارجي ثم ذهبت أتعثر نحو اليمين فإذا باب حقير منخفض قد بدأ يصر على مفاصله الصدئة وإذا أمامي شيخة عجوز بادنة ضخمة عليها ثوب أسمر مبطن بفرو الأرنب وعلى رأسها منديل ملون. قلت مستفهماً: مستريديا كربوفنا فقالت العجوز: هي هي في خدمتك ادخل يا سيدي، ألا تأخذ كرسياً؟ وكانت الغرفة التي أدخلتني فيها العجوز مزدحمة بكل أصناف الخرق البالية وسقط المتاع والوسائد والفرش والأكياس والركايب حتى لا تكاد تجد فيا مجالاً للحركة. وكانت أشعة الشمس لا تكاد تنفذ من زجاج نافذة صغيرة تربة. وسمعت من إحدى زوايا الغرفة ومن وراء كثيب من الصناديق المركومة فوق بعضها صوت ولولة وأنين ضعيف لم أدر ماذا كان مصدره - لعله طفل عليل أو لعله لعبة من اللعب الخشبية الصياحة. فجلست على كرسي وقامت المرأة بين يدي وكان وجهها مصفراً نصف شفاف كأنه صنع من الشمع.

стр. 2768

وكانت عيناها الغائرتان الرماديتان تبثان نظرات اليقظة والذكاء والدهاء من تحت جبينها المشرف العظام. وكان أنفها الحاد بارزاً كالمغزل يتنفس هواء الله بنشاط وقوة وكأنه يقول: إني لذو قوة ونشاط. . وكان يفوح منها رائحة النبيذ. بينت لها القصد من زيارتي فأصغت إلي وهي تطرف بعينها طرفاً متوالياً سريعاً ورفعا أنفها الحاد كأنه تهم أن تنقر. وثم قالت: أجل أجل لقد حدثني إرداليون كاتسفيتش حديثاً كهذا إنك تريد أن تبصر آيات فاسينكا ولكنا لا نستطيع أن نثق يا سيدي العزيز لا نستطيع أن نثق. . فقلت معارضاً: ولماذا أما من ناحيتي فاطمئني غاية الاطمئنان فلست مخبراً ولا جاسوساً. قالت المرأة بسرعة: معاذ الله يا سيدي أستغفر الله ماذا تقول؟ أيدور بخلدك أنا نجرأ على اتهام جنابك بمثل هذه التهمة! وماذا يستطيع المخبر أو الجاسوس أن يبلغ عنا أو يعزو إلينا؟ أترانا نأتي خطيئة أو إثماً. كلا يا سيدي ما كان نجلي ليقترف المنكر قط. . وما هو من السحرة. . معاذ الإله والعذراء والسيد المسيح! وهنا صلبت العجوز مراراً إنه لأتقى الناس وأنقاهم وأقومهم بفرائض الصلاة والصوم ولهذا أفاض الله عليه من نوره ومن وحيه. وما يأتي نجلي من عنده شيئاً إنما هو من عند الله ومن نفحات الملكوت الأعلى. قلت: وكذلك توافقين إذن خبريني متى ألقى غلامك؟ قالت العجوز وطرفت بعينها كما بينت لك ونقلت منديلها المطوي من كمها الأيمن إلى الأيسر. هذا يا سيدي ما لا أقدر أن أحدد. قلت: اسمحي لي يا مسيريديا كربوفنا أن أقدم لك هذا، ثم أعطيتها ليرتين. فاختطفتها العجوز بأصابعها المسينة المعوجة التي هي أشبه شيء بمخالب البومة ثم دستهما بسرعة في كمها وأطرقت ملياً كأنما قد عزمت وأبرمت قراراً ثم ضربت بيديها على فخذيها وقالت لا بلهجتها السالفة ولكن بصوت أخشع وأخفت. (ائت هنا الساعة السابعة مساء. ولكن لا إلى هذه الغرفة بل تفضل بالصعود إلى الدور الأعلى تجد باباً على يسارك فافتحه فإنه يفضي بك إلى حجرة خالية فيها كرسي فاجلس فيه وانتظر. ومهما تر وتسمع فلا تحدث أدنى حركة ولا تنبس ببنت شفة. بل لا تكلم ابني

стр. 2769

نفسه لأنه حديث السن وعرضة للنوبات العصبية. وهو سريع الفزع والهلع. ويروعه أدنى شيء حتى تراه يرتعش وينتفض كالعصفور بلله القطر يا لله يا لله. فنظرت إلى مستريدا وقلت (تقولين أنه حديث السن، ولكن بما أنه ولدك. . .) ولدي في الله فقط - في المذهب والطريقة وكم غيره من اليتامى أقوم عليهم وأنشر فوقهم ظلال عنايتي وأجنحة رعايتي. قالت هذا وأومأت برأسها نحو الركن الذي يصدر منه البكاء والأنين واستمرت فقالت يا لله والأم المقدسة العذراء! وهل جنابك فركت قبل المجيء إلى هنا أي أقاربك أو أصحابك المرحومين - لهم الجنة - تريد أن ترى؟ أرجع الفكرة كرة في سجل مرحوميك وعين من تشاء وأبقه في ذاكرتك من الآن حتى تقابل ولدي!. قلت: أفلا أذكر لولدك اسم من. . . قالت: لا لا لا تفه بأدنى كلمة. لمحدث بما في سرك مطلع على مكنون صدرك يأخذ من بنات أفكارك ما يحتاج إليه بعلمه الثاقب. وكل ما عليك هو أن تبقي صاحبك المرحوم في ذاكرتك. ولا تنس أن تشرب على الغذاء قطرة من النبيذ كأسين أو ثلاثاً فإن النبيذ لن يعدم نفعه وفائدته. ثم أن العجوز ضحكت وتلمظت بشفتيها وأمرّت يدها على فمها وتنهدت. قلت لها ونهضت من الكرسي: وكذلك موعدنا الساعة السابعة. قالت: الساعة السابعة يا سيدي الساعة السابعة. استأذنت من العجوز وعدت إلى الفندق وما عندي شك في أنهم سيخدعوني ويجعلوني أضحوكة ولكني لم أدر ماذا يكون أسلوبهم في ذلك، وهذا ما أثار حيرتي وعجبي. ولما قابلت إرداليون لم أتبادل معه أكثر من كلمتين أو ثلاثاً إذ سألني وعقد جبينه: هل قابلتها؟ قلت: معم فصاح قائلاً: قاتل الله العجوز إنها كأدهى سياسي!. ثم إني شرعت في تنفيذ وصية (السياسي) فرجعت الفكرة كرة في سجل أمواتي. وبعد تردد طويل وقع اختياري على شيخ كبير كان قد توفي منذ عهد بعيد وكان معلماً في حين ما وكان فرنسي الجنسية ولم يكن اختياري له دون غيره لجاذبية خاصة بل لأن شكله كان عجيباً نادراً فذاً لا يوجد له مثيل بين أشكال أناس اليوم بحيث يصبح تقليده من المستحيلات. فكان له رأس مفرط الضخامة وشعر أبيض منفوش وحاجبان أسودان كثيفان

стр. 2770

وأنف مقوس كأنف الصقر في وسط جبهته. وكان يلبس ريدنجوتاً أخضر ذا أزرة نحاسية ملساء وصدرية مخططة بياقة واقفة وكمين مهدبين فقلت في نفسي: أما لو آراني شخص معلمي القديم المسيو ديسير لأشهدن له بالبراعة في السحر!. وفي أثناء الغذاء نفذت وصية العجوز فشربت من نبيذ لافيت من الطراز الأعلى - كذلك نعتها إرداليون بالرغم من أن مذاقها كطعم الفل المحترق وأنها أرسبت راسباً كثيفاً في قرارة كل كأس. ولما كانت الساعة السابعة بالضبط كنت واقفاً حيال منزل العجوز وكان مغلق النوافذ موصدة مصاريعها ولكن بابه كان مفتوحاً فدخلت وارتقيت السلم المضطرب متمايلاً حتى بلغت الدور الأعلى ففتحت باباً على اليسار فوجدتني كما قالت العجوز في غرفة خالية واسعة. وكان على صفة النافذة شمعة من الشحم تبعث في المكان شعاعها الضعيف المتضائل، وإلى الجدار المقابل للباب كرسي من القش فأصلحت المشعة وجلست على الكرسي وبدأت أنتظر. مضت العشر الدقائق الأولى بلا ملل - إنه لم يكن بالغرفة أدنى ما يلفت النظر ولكني جعلت برغم ذلك أنصت لكل صوت حادث وأحملق في الباب المغلق وكان قلبي يخفق وبعد العشر الدقائق الأولى مرت عشر أخرى ثم ثلاثة أرباع الساعة لم آنس حركة فيما حولي فسعلت مراراً لأعلن عن وجودي ثم دب الملل والضجر وهممت أن أترك المكان فمضيت نحو الشمعة لآخذها تضيء لي ظلمة السلم ثم تناولتها وبعد إصلاحها التفت أستقبل الباب للذهاب فما راعني إلا شخص رجل مسند ظهره إلى الباب وكان قد دخل بمنتهى السرعة والخفة فلم أحس بحركته. كان هذا الرجل في برد أزرق وكان ربعة بادناً وكان واقفاً يداه مضمومتان وراءه ورأسه مطرق وهو يرمقني بحدة، وكان ضوء الشمعة المتضائل لا يمكنني من استجلاء سحنته تماماً، فكل ما بدا لي من شخصه هو خصل مجعدة كثيفة من الشعر مرسلة فوق جبهته وشفتان غليظتان مقلصتان قليلاً وعينان مبيضتان فهممت أن أخاطبه ولكني ذكرت وصية مستريدا وعضضت على شفتي واستمر الرجل ينظر إلي وأعجب شيء أني أحسست في قلبي إذ ذاك شيئاً كالخوف وشرعت في الحال أفكر في معلمي القديم كأني في ذلك مؤتمر
следующие страницы →