Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
فاستمر في حديثه همساً فقال: أجل إن هنا رجلاً كالموتى، وهو صانع بسيط أمي لا يعرف القراءة ولا كتابة ولكنه يأتي بالمعجزات. فإذا ذهبت إليه فسألته أن يريك أي أصحابك الذين ضمتهم المقابر فتأكد أنه يريكه لا محالة.
ويكف يصنع ذلك؟
هذا سره فإنه على الرغم من جهله بل من كونه أمياً واسع العلم هائل المقدرة في المسائل الروحانية، وإن له لمكانة مكينة علينا عند طبقة التجار!.
قلت: وهل كل من بالمدينة يعرف هذا؟
قال: يعرفه من هو بحاجة إلى معرفته. ولكن لا أخفي عليك أنه يجب الاحتراس من البوليس لأن هذه المسائل محظورة محرمة مهما قلت في تبريرها والدفاع عنها وهي من دواعي الغواية للعوام أعني الرعاع وأنت اعلم أن الرعاع سراع إلى الملاطمة والملاكمة.
قلت: وهل أراك الموتى؟
فقال إرداليون وهز رأسه: نعم لقد استحضر أمامي أبي كما لو كان حياً.
فحدقت في وجه إرداليون فضحك وطفق يعبث بفوطته ونظر إلي نظرة تنازل وتعطف ولكن بمنتهى الثبات والصلابة.
قلت: هذا والله العجب العجاب! أما أستطيع التعرف بهذا الصانع.
قال: إنك لا تستطيع الذهاب إليه مباشرة ولكن بواسطة أمه وهي عجوز ذات رزانة ووقار تبيع المخلل على الكوبري فإذا شئت فاتحتها في الأمر من أجلك.
قلت: سألتك بالله أن تفعل.
فسعل إرداليون سعلة من رواء كفه وقال: ولا تنس أن الشيخة تأخذ مقداراً تافهاً من النقود - أي شيء طبعاً - وليس بالكثير - شيئاً لا يذكر. وسأبذل جهدي في تطمينها وتأمينها من جهتك فأعرفها أنك ضيف زائر لا غير. وأنك نبيل مهذب. وعليك بعد أن تعرف أن هذا سر خطير وأنه لا يصح لك بأية حال أن توقع الشيخة في أدنى كربة أو ورطة.
ثم إن إرداليون رفع الصينية بإحدى يديه ثم دورها واستدار معها هو بحركة رشيقة خفيفة وسار نحو الباب.
فصحت من ورائه وهكذا أعتمد عليك في هذا الشأن.
стр. 2767
فمضى وهو يقول بصوت المغتبط السعيد: ثق بنا واعتمد علينا سنكلم العجوز في شأنك ونأتيك بجوابها.
انتظرت الجواب بفارغ الصبر فلما كان المساء دخل علي إرداليون فخبرني أنه لم يوفق إلى مقابلة العجوز ولكني دفعت بالرغم من ذلك ليرة على سبيل التشجيع فلما كانت صبيحة الغد عاد إلي فرحاً متهللاً وقال أن العجوز سمحت بمقابلتي، ثم صاح إرداليون بغلام صغير فقال:
يا صبي، يا غلام. .
فدخل طفل في السادسة من عمره مطلي كله بالهباب محلوق الرأس عليه رداء واسع ممزق وحذاءان تتيه فيهما قدميه من فرط السعة. وقال له إرداليون: أنت تعرف أين تذهب بالسيد وأشار نحوي. ثم التفت إلي وقال وأنت يا سيدي إذا بلغت المكان فسل عن مستريديا كربوفنا (اسم العجوز).
فهز الغلام رأسه إجابة وانطلقنا.
سرنا مسافة طويلة في طرقات المدينة ت التربة حتى انتهينا إلى أشدها وحشة وإقفاراً فوقف دليلي أمام دار خشبية وشرع يمسح أنفه المهبب في كم ردائه ثم قال (ها هنا اذهب يمينا) فولجت الباب إلى الدهليز الخارجي ثم ذهبت أتعثر نحو اليمين فإذا باب حقير منخفض قد بدأ يصر على مفاصله الصدئة وإذا أمامي شيخة عجوز بادنة ضخمة عليها ثوب أسمر مبطن بفرو الأرنب وعلى رأسها منديل ملون.
قلت مستفهماً: مستريديا كربوفنا
فقالت العجوز: هي هي في خدمتك ادخل يا سيدي، ألا تأخذ كرسياً؟
وكانت الغرفة التي أدخلتني فيها العجوز مزدحمة بكل أصناف الخرق البالية وسقط المتاع والوسائد والفرش والأكياس والركايب حتى لا تكاد تجد فيا مجالاً للحركة. وكانت أشعة الشمس لا تكاد تنفذ من زجاج نافذة صغيرة تربة. وسمعت من إحدى زوايا الغرفة ومن وراء كثيب من الصناديق المركومة فوق بعضها صوت ولولة وأنين ضعيف لم أدر ماذا كان مصدره - لعله طفل عليل أو لعله لعبة من اللعب الخشبية الصياحة. فجلست على كرسي وقامت المرأة بين يدي وكان وجهها مصفراً نصف شفاف كأنه صنع من الشمع.
стр. 2768
وكانت عيناها الغائرتان الرماديتان تبثان نظرات اليقظة والذكاء والدهاء من تحت جبينها المشرف العظام. وكان أنفها الحاد بارزاً كالمغزل يتنفس هواء الله بنشاط وقوة وكأنه يقول: إني لذو قوة ونشاط. . وكان يفوح منها رائحة النبيذ.
بينت لها القصد من زيارتي فأصغت إلي وهي تطرف بعينها طرفاً متوالياً سريعاً ورفعا أنفها الحاد كأنه تهم أن تنقر.
وثم قالت: أجل أجل لقد حدثني إرداليون كاتسفيتش حديثاً كهذا إنك تريد أن تبصر آيات فاسينكا ولكنا لا نستطيع أن نثق يا سيدي العزيز لا نستطيع أن نثق. .
فقلت معارضاً: ولماذا أما من ناحيتي فاطمئني غاية الاطمئنان فلست مخبراً ولا جاسوساً.
قالت المرأة بسرعة: معاذ الله يا سيدي أستغفر الله ماذا تقول؟ أيدور بخلدك أنا نجرأ على اتهام جنابك بمثل هذه التهمة! وماذا يستطيع المخبر أو الجاسوس أن يبلغ عنا أو يعزو إلينا؟ أترانا نأتي خطيئة أو إثماً. كلا يا سيدي ما كان نجلي ليقترف المنكر قط. . وما هو من السحرة. . معاذ الإله والعذراء والسيد المسيح! وهنا صلبت العجوز مراراً إنه لأتقى الناس وأنقاهم وأقومهم بفرائض الصلاة والصوم ولهذا أفاض الله عليه من نوره ومن وحيه. وما يأتي نجلي من عنده شيئاً إنما هو من عند الله ومن نفحات الملكوت الأعلى.
قلت: وكذلك توافقين إذن خبريني متى ألقى غلامك؟
قالت العجوز وطرفت بعينها كما بينت لك ونقلت منديلها المطوي من كمها الأيمن إلى الأيسر.
هذا يا سيدي ما لا أقدر أن أحدد.
قلت: اسمحي لي يا مسيريديا كربوفنا أن أقدم لك هذا، ثم أعطيتها ليرتين.
فاختطفتها العجوز بأصابعها المسينة المعوجة التي هي أشبه شيء بمخالب البومة ثم دستهما بسرعة في كمها وأطرقت ملياً كأنما قد عزمت وأبرمت قراراً ثم ضربت بيديها على فخذيها وقالت لا بلهجتها السالفة ولكن بصوت أخشع وأخفت.
(ائت هنا الساعة السابعة مساء. ولكن لا إلى هذه الغرفة بل تفضل بالصعود إلى الدور الأعلى تجد باباً على يسارك فافتحه فإنه يفضي بك إلى حجرة خالية فيها كرسي فاجلس فيه وانتظر. ومهما تر وتسمع فلا تحدث أدنى حركة ولا تنبس ببنت شفة. بل لا تكلم ابني
стр. 2769
نفسه لأنه حديث السن وعرضة للنوبات العصبية. وهو سريع الفزع والهلع. ويروعه أدنى شيء حتى تراه يرتعش وينتفض كالعصفور بلله القطر يا لله يا لله.
فنظرت إلى مستريدا وقلت (تقولين أنه حديث السن، ولكن بما أنه ولدك. . .)
ولدي في الله فقط - في المذهب والطريقة وكم غيره من اليتامى أقوم عليهم وأنشر فوقهم ظلال عنايتي وأجنحة رعايتي. قالت هذا وأومأت برأسها نحو الركن الذي يصدر منه البكاء والأنين واستمرت فقالت يا لله والأم المقدسة العذراء! وهل جنابك فركت قبل المجيء إلى هنا أي أقاربك أو أصحابك المرحومين - لهم الجنة - تريد أن ترى؟ أرجع الفكرة كرة في سجل مرحوميك وعين من تشاء وأبقه في ذاكرتك من الآن حتى تقابل ولدي!.
قلت: أفلا أذكر لولدك اسم من. . .
قالت: لا لا لا تفه بأدنى كلمة. لمحدث بما في سرك مطلع على مكنون صدرك يأخذ من بنات أفكارك ما يحتاج إليه بعلمه الثاقب. وكل ما عليك هو أن تبقي صاحبك المرحوم في ذاكرتك. ولا تنس أن تشرب على الغذاء قطرة من النبيذ كأسين أو ثلاثاً فإن النبيذ لن يعدم نفعه وفائدته. ثم أن العجوز ضحكت وتلمظت بشفتيها وأمرّت يدها على فمها وتنهدت.
قلت لها ونهضت من الكرسي: وكذلك موعدنا الساعة السابعة.
قالت: الساعة السابعة يا سيدي الساعة السابعة.
استأذنت من العجوز وعدت إلى الفندق وما عندي شك في أنهم سيخدعوني ويجعلوني أضحوكة ولكني لم أدر ماذا يكون أسلوبهم في ذلك، وهذا ما أثار حيرتي وعجبي. ولما قابلت إرداليون لم أتبادل معه أكثر من كلمتين أو ثلاثاً إذ سألني وعقد جبينه: هل قابلتها؟ قلت: معم فصاح قائلاً: قاتل الله العجوز إنها كأدهى سياسي!.
ثم إني شرعت في تنفيذ وصية (السياسي) فرجعت الفكرة كرة في سجل أمواتي. وبعد تردد طويل وقع اختياري على شيخ كبير كان قد توفي منذ عهد بعيد وكان معلماً في حين ما وكان فرنسي الجنسية ولم يكن اختياري له دون غيره لجاذبية خاصة بل لأن شكله كان عجيباً نادراً فذاً لا يوجد له مثيل بين أشكال أناس اليوم بحيث يصبح تقليده من المستحيلات. فكان له رأس مفرط الضخامة وشعر أبيض منفوش وحاجبان أسودان كثيفان
стр. 2770
وأنف مقوس كأنف الصقر في وسط جبهته. وكان يلبس ريدنجوتاً أخضر ذا أزرة نحاسية ملساء وصدرية مخططة بياقة واقفة وكمين مهدبين فقلت في نفسي: أما لو آراني شخص معلمي القديم المسيو ديسير لأشهدن له بالبراعة في السحر!.
وفي أثناء الغذاء نفذت وصية العجوز فشربت من نبيذ لافيت من الطراز الأعلى - كذلك نعتها إرداليون بالرغم من أن مذاقها كطعم الفل المحترق وأنها أرسبت راسباً كثيفاً في قرارة كل كأس.
ولما كانت الساعة السابعة بالضبط كنت واقفاً حيال منزل العجوز وكان مغلق النوافذ موصدة مصاريعها ولكن بابه كان مفتوحاً فدخلت وارتقيت السلم المضطرب متمايلاً حتى بلغت الدور الأعلى ففتحت باباً على اليسار فوجدتني كما قالت العجوز في غرفة خالية واسعة. وكان على صفة النافذة شمعة من الشحم تبعث في المكان شعاعها الضعيف المتضائل، وإلى الجدار المقابل للباب كرسي من القش فأصلحت المشعة وجلست على الكرسي وبدأت أنتظر.
مضت العشر الدقائق الأولى بلا ملل - إنه لم يكن بالغرفة أدنى ما يلفت النظر ولكني جعلت برغم ذلك أنصت لكل صوت حادث وأحملق في الباب المغلق وكان قلبي يخفق وبعد العشر الدقائق الأولى مرت عشر أخرى ثم ثلاثة أرباع الساعة لم آنس حركة فيما حولي فسعلت مراراً لأعلن عن وجودي ثم دب الملل والضجر وهممت أن أترك المكان فمضيت نحو الشمعة لآخذها تضيء لي ظلمة السلم ثم تناولتها وبعد إصلاحها التفت أستقبل الباب للذهاب فما راعني إلا شخص رجل مسند ظهره إلى الباب وكان قد دخل بمنتهى السرعة والخفة فلم أحس بحركته.
كان هذا الرجل في برد أزرق وكان ربعة بادناً وكان واقفاً يداه مضمومتان وراءه ورأسه مطرق وهو يرمقني بحدة، وكان ضوء الشمعة المتضائل لا يمكنني من استجلاء سحنته تماماً، فكل ما بدا لي من شخصه هو خصل مجعدة كثيفة من الشعر مرسلة فوق جبهته وشفتان غليظتان مقلصتان قليلاً وعينان مبيضتان فهممت أن أخاطبه ولكني ذكرت وصية مستريدا وعضضت على شفتي واستمر الرجل ينظر إلي وأعجب شيء أني أحسست في قلبي إذ ذاك شيئاً كالخوف وشرعت في الحال أفكر في معلمي القديم كأني في ذلك مؤتمر
стр. 2771
بأمر آمر وبقي هو لدى الباب وجعل يتنفس تنفساً عسيراً ثقيلاً كهيئة المبهور من صعود جبل أو رفع ثقل بينما عيناه أخذتا تتسعان وتتمددان كأنهما تدنوان مني فشعرت بكربة وضيق تحت تأثير نظراتهما الحادة الثقيلة اللجوجة المهددة وتارة كنت أرى هاتين العيني تتوهج فيهما نار خبيثة باطنة أشبه شيء بما يتوقد في عيني كلب الصيد عندما يرمق أرنباً - وكذلك ككلب الصيد أيضاً جعل هذا المخلوق يقفو بنظراته نظراتي عندما أحاول تحويلهما عن شخصه.
وعلى هذه الحال مر علينا لا أدري كم من الزمن - لعلها دقيقة أو لعلها ربع ساعة، وأنه لا يزال يحملق إلي وأنا لا أزال أشعر بكربة وضيق ووحشة ولا يزال دهني يذكرني بذلك المعلم الفرنسي المتوفي، وقد حاولت مرتين أن أقول لنفسي ما هذه السخافات والترهات، وحاولت أن أبتسم وأهز كتفي استخفافاً بالأمر واستهزاءً - وحاولت كل ذلك ولكن عبثاً حاولت! لقد تسلطت على نفسي قوة خفية فسدت ينابيعها وجمدت غدرانها - قوة لا أرى ما هي ولا أعرف ماذا أسميها. فإني لكذلك إذ رأيت الرجل قد ترك الباب بغتة وصار بموضع أقرب مما كان فيه بمقدار خطوتين ثم وثب وثبة خفيفة بقدميه معاً فصار أقرب، ثم فعل مرة ثم أخرى، والعينان المهددتان أثناء ذلك مثبتتان في وجهي معقودتان به واليدان لا تزالان مضمومتان إلى خلف والصدر العريض يتنفس ويتنهد بحالة المتألم، فرأيت في هذه الوثبات من السخافة ما هو جدير بالضحك ولكني بقيت برغم ذلك خائفاً وجلاً، وأعجب من ذلك أني أحسست ثقلاً كثقل النعاس قد استولى عليّ بغتة، فاشتبكت أهدابي بعضها ببعض. ثم أن الشبح الأشعث المبيض العينين الأزرق الثوب بدأ أمامي مزدوجاً قم تلاشى البتة فهززت نفسي فإذا هو قد عاد ماثلاً بيني وبني الباب ولكن أقرب إلي من ذي قبل - ثم تلاشى ثانياً - كأنما قد سقط عليه من الضباب ثم ظهر ثانياً ثم تلاشى ثم ظهر وفي كل مرة يتقدم ويقترب وإذ ذاك أحسست أنفاسه العسرة المبهورة تهب علي ثم سقط الضباب ثانياً ومن جوف هذا الضباب أبصرت رأس معلمي القديم الشيخ ديسير يتكون ويأخذ شكلاً واضحاً جلياً - بادئاً بالشعر الأبيض المنفوش! أجل وربك لا مجال للشك فهاك حاجبيه الكثيفين وهاك ثؤلولته وهاك أنفسه المقوس! وهاك ريدنجوته الأخضر النحاسي الأزرار وصدريته المخططة عند ذلك صرخت ونهضت، فتلاشى الشبح من أمايم ورأيت مكانه
стр. 2772
الرجل ذا الثوب الأزرق ثانياً - فسار متعثراً نحو الجدار فاسند إليه رأسه وذراعيه ثم تنهد كالفرس المكدود المحمل فوق طاقته وقال بصوت أبح (الشاي!) فما راعني إلا شخص العجوز مستريدا وقد طارت إليه سريبعة - لا أدري كيف جاءت بهذه السرعة المدهشة، فأقبلت عليه وهي تقول بصوت المتلهف فاسنكا! فاسنكا ما بالك وماذا تريد؟. ثم أخذت تمسح العرق المتحدر من وجهه وشعره فهممت أن أدنو منهما ولكنها قالت بصوت متوجع يفتت الأكباد: كلا يا سيدي العزيز رحمة من لدنك وحناناً مكانك! اذهب يا سيدي انطلق. فأخذتني الشفقة ورق قلبي لفرط ولهها فأطعتها والتفتت هي إلى ولدها فقالت له بصوت خافت لين: يا ولدي العزيز يا كاسب الرزق ومصدر الخير سيجيئك الشاي في الحال - في التو واللحظة وأنت يا سيدي يحسن بك أن تتعاطى كوبة من الشاي في منزلك.
فلما بلغت منزلي أعني الفندق طلبت كوبة من الشاي عملاً بنصيحة مستريدا وكنت أشعر بتعب بل بضعف ووهن.
وقال لي إرداليون: خيراً هل ذهبت إلى هناك؟ هل رأيت شيئا؟.
قلت له: نعم لقد أراني بالفعل شيئاً لم يكن في الحسبان.
قال إرداليون: إنه لصاحب آيات ومعجزات وله منزلة سامية في نفوس طائفة التجار.
ولما ذهبت إلى الفراش وجعلت أتدبر ما وقع لي بد لي أني قد توصلت إلى حل مقبول لذلك المشكل العويص. وهو أن ذلك الرجل فيه قوة مغناطيسية عظيمة وأنه أثر على أعصابي بوسيلة لا أدري ما هي فأثار في ذهني صورة الشيخ المعلم الذي كنت أفكر فيه ظاهرة في أقصى منتهى الجلاء والوضوح حتى خيل إلي أني أبصره أمام عيني وقد أقر العلم الحديث نظرية هذه التنقلات الحسية. لا أنكر أن هذا حل لا بأس به ولكني لا أزال أرى أن القوة القادرة على إحداث أمثال هذه التأثيرات والنتائج لهي شيء مجهول خفي. معجز لغزي. ومهما قال القائلون في تفسير هذا الحادث وتأويله فإنه لا ينقص من هوله وغرابته. ومهما كثرت التعليلات العلمية والبيانات الفيزيولوجية والبسيكولوجية فلقد رأيت بعيني رأسي معلمي المقبور ماثلاً أمامي كما كان في حياته!.
في غد ذلك اليوم أقيمت حفلة الرقص في قاعة الإشراف. فزارني والد صوفيا وذكرني بموعدي الذي عقدت مع ابنته. فلما كانت الساعة العاشرة مساءً كنت واقفاً إلى جانبها في
стр. 2773
مرقص مضاء بعدة مصابيح نحاسية أتهيأ لأداء فريضة الرقص على نغمات الموسيقى الحربي. وكانت القاعة غاصة بجمهور من الناس بينهم عدد عديد من الغانيات الحسان. ولقد كانت رفيقتي جديرة أن تفضل وتقدم على سائرهن وتعطى المكان الأول من بينهن لولا ما كان يشاهد في عينيها من تلك النظرة الغريبة المستوحشة المولهة. وقد لاحظت عليها أن عينيها لم تكن تطرف البتة. وأن معاني الإخلاص والوفاء التي كانت تنطق في عينيها لم تستطع أن تمحو سوء أثر تلك النظرات الغريبة الخارقة للعادة. ولكنها كانت مع ذلك رشيقة القد مستملحة الحركات مع شيء من الثقل والتقيد. ولما كانت في أثناء الرقص تستلقي قليلاً إلى الوراء وتميل جيدها الأغيد شطر كتفها الأيمن كأنها تحاول التخلي عن رفيقها لم يكن ثمت في الوجود شيء هو ألذ وطرب وأجلب للهوى. وأدعى إلى الصبا. وكان عليها حلة بيضاء مزدانه بصليب من الفيروذج على شريط أسود.
ثم سألتها دوراً ثانياً من الرقص وحاولت أن أحادثها فكانت أجوبتها ثقيلة تدل على عدم رغبة في الكلام وإن كانت لم تقصر في حسن الإصغاء والالتفات وعلى وجهها أثناء ذلك علامات عزوب الذهن واستغراق الفكر كالذي شاهدت فيها أول ما رأيتها. هذه الفتاة لم يكن يرى عليها أقل دلالة على الغربة في إيناس جليسها وتسلية عشيرها مع غضارة شبابها وجمال منظرها - لقد كان ثغرها لا يعرف السبيل إلى الابتسام والضحك وكانت عيناها مع دوام نظرهما إلى مخاطبها كأنهما تنظران إلى شيء آخر قد شغلتا به عن كل ما عداه. ما أعجب هذه الفتاة! ولما أعيتني الحيل إلى استمالتها واستلانتها فكرت في إخبارها بحادثتي السالفة.
فأصغت إلي باهتمام ولكن الحديث لم يثر في نفسها من الدهش والاستغراب ما كنت أتوقع، فكان كل جوابها هو: أليس اسم هذا الرجل فاسيلي؟ فتذكرت أن العجوز نادته بالأمس فاسينكا فقلت بلى إن اسمه فاسيلي، أعترفينه؟.
قالت: إن بهذه المدينة رجلاً قديساً اسمه فاسيلي فلعله هو.
قلت: لا دخل للتقديس والقداسة في هذا الموضوع فإنه لا يعدو كونه تأثير المغناطيسية وهو موضوع يهم الأطباء وعلماء الفيزيولوجيا والبسيكولوجيا.
ثم شرعت أشرح نظرية القوة المسماة المغناطيسية أعني إمكان تسليط إرادة إنسان على
стр. 2774
إرادة أخرى وإخضاع الثانية للأولى وهلم جرا، ولكن شروحي وإيضاحاتي - التي كان بها ولا شك شيء من الخلط والتشويش - لم تحدث أدنى تأثير في نفس الفتاة، وجعلت تصغي ويداها المقبوضتان ملقاتان على ركبتيها وفيهما المروحة لا تحركها ولا تعبث بها كعادتها، وشعرت كأن كلماتي كانت تقع عليها فترتد عنها إلي كما لو كانت تمثالاً من الرخام، لقد كانت تسمع هذه الكلمات ولكنها كانت تعتقد اعتقادات أخرى ليس في قوة اللغة والإقناع إبطالها وإزالتها.
قلت لها: ما أراك ممن يعتقد بالمعجزا!.
قالت: بلى أعتقد بها ارسخ اعتقاد وكيف يستطيع الإنسان غير ذلك، ألم ينبئنا الإنجيل أنه من آمن بالله مثقال ذرة استطاع أن يزحزح الجبال عن مواضعها؟ وما على المرء إلا أن يؤمن حتى يستطيع أن يأتي المعجزات!.
قلت لها: الظاهر أن الإيمان في هذا الزمان قليل وعلى كل حال فنحن لا نزال نسمع بحدوث المعجزات.
قالت: ومع ذلك فإن المعجزات تحدث، أفلم تر بعينك، كلا! لم يفن الإيمان بعد من العالم، ورأس الإيمان. . .
فقاطعتها قائلاً: رأي الحكمة مخافة الله.
فاستمرت صوفيا فقالت: رأس الإيمان إذلال النفس وقهرها وامتهانها.
قلت: أو يبلغ الأمر الإذلال والامتهان؟
قال: أجل إن كبرياء الإنسان وغطرسته وغروره وزهوه - هذه هي أحق الأشياء بالإبادة والاستئصال، إنك قد ذكرت الإرادة في كلمتك السالفة - هذه الإرادة هي ما يجب أن يسحق ويمحق.
فتأملت شخص الفتاة الصغيرة التي جعلت تنطق بهذه الكلمات. . فقلت في نفسي: وايم الحق إن هذه الطفلة لتصدر القول عن أعماق نفس جادة صادقة لا تقول إلا ما تعتقد.
ثم نظرت إلى من حولي من الراقصين فخيل إلي أنهم يجدون مسلاة وملهاة فيما يبدو على إذ ذاك من علامات الدهشة والاستغراب بل لقد لمحت أحدهم يبتسم إلي ابتسام من يشاطرني عواطفي ويشاركني مشاعري كأن لسان حاله يقول لي: ليت شعري ما رأيك في
стр. 2775
فتاتنا الغريبة الأطوار والأحوال ليس في هذا المكان إلا من يعرف نزعاتها وأميالها وأفكارها وآراءها.
والتفت إلى صوفيا فقلت: وهل حاولت سحق إرادتك ومحقها؟.
فقالت بلهجة العنيد المستبد برأيه: كل امرئ ملزم أن يفعل ما يظنه الصواب.
قلت بعد فترة قصيرة من السكوت: اسمحي لي أن أسألك هل تعتقدين بإمكان استحضار الموتى؟.
فهزت صوفيا رأسها وقالت:
ليس هناك أموات.
قلت: ماذا تقولين؟
قالت: ليس هنالك أرواح ميتة. الأرواح لا تموت البتة وهي تستطيع أن تظهر متى شاءت. . وهي أبداً ترفرف علينا وتحوم حولنا.
قلت: عجباً!! أتظنين مثلاً في هذه اللحظة أن يجوز أن تكون إحدى الأرواح الخالدة حائمة حول رأس ذلك الضابط الطويل ذي الأنف الأحمر؟.
قالت: ولم لا؟ إن ضوء الشمس ليسقط عليه وعلى أنفه الأحمر أفليس ضوء الشمس وكل ضوء غيره من الله؟ وماذا تهم المظاهر؟ إن الرجل النقي يرى كل شيء نقياً، وكل ما يحتاج إليه المرء هو الاهتداء إلى معلم - إلى قائد مرشد.
قلت لها: ولا أنكر أن قولي كان يشوبه شيء من الهمز واللمز (معذرة معذرة. . تقولين أنك في حاجة إلى القائد والمرشد. . فما فائدة قسيسك إذن؟.
فنظرت إلي نظرة فتور وجمود ثم قالت: أتريد أن تسخر مني وتضحك؟ إن قسيسي ينبئني بما ينبغي علي أن أفعل، ولكن الذي أحتاجه هو قائد يريني بأفعاله كيف يضحي الإنسان بنفسه!.
وهنا رفعت الفتاة عينيها إلى السقف، فأذكرني وجهها الصبياني وما عليه من دلائل عزوب الذهن واستغراق الفكر وسيما الدهشة والحيرة الخفية المستمرة صورة عذراء روفائيل.
قم استرسلت في حديثها فقالت ولم تلتفت نحوي ولم تكد تحرك شفتيها: لقد قرأت في بعض الكتب حديثاً عن رجل كبير القدر عالي المنزلة أنه أوصى أن يدفن بعد مماته تحت عتبة
стр. 2776
كنيسة إن كل من دخل الكنيسة يدوس عليه بقدمه - فهذا ما يجب على الإنسان أن يفعله في حياته.
وعنا ارتفعت أصوات الطبول من فرقة الموسيقى (بوم! بوم! ترا - را - را!) ودوي طنينها، ولا اخفي على القارئ أني رأيت ذلك الحديث الذي دار بيني وبين الفتاة أثناء الرقص ضرباً من الشذوذ، على ا، الخواطر التي أثارها في نفسي لم تكن في شيء من العواطف الدينية ففرحت بتقدم أحد الحاضرين إلى رفيقتي لترقص معه إذ كان في ذلك إيقاف للخوض في أمثال هذه الموضوعات.
وبعد ربع ساعة أوصلت الآنسة صوفيا إلى والدها. وبعد يومين غارت مدينة ت. وما هي إلا أيام قلائل حتى سقط على ذاكرتي صورة الفتاة ذات الوجه الصبياني والروح المحصنة المنيعة التي لا تخترق حجبها الظنون ولا تنفذ إلى لبابها الأوهام.
مضى على ذلك عامان ثم اتفق أن هذه الصورة عادت فجأة إلى ذاكرتي وبيان ذلك أني كنت أحادث وميلاً لي كان قد عاد حديثاً من رحلة في جنوبي روسيا قضى أثناءها برهة في مدينة ت فجعل يسرد لي أخباراً عن هذه البلدة وما حولها إلى ان قال: خبرني هل تعرف شيئاً عن ف. ج. ب؟
قلت له: أعرفه بالطبع
قال: وابنته صوفيا، أتعرفها؟
قلت: بلى قد رأيتها مرتين.
قال: أليس من أعجب العجائب أن هذه الفتاة قد فرت من بيت أبيها؟
قلت: وكيف كان ذلك؟
قال: لست أدري وكل ما أعلم أنها اختفت منذ ثلاثة أشهر ولم يسمع عنها شيء حتى الآن. وأعجب ما في الأمر أنه لا يعرف مع من فرت؟ لقد رفضت كل طالب وردت كل خاطب. وكانت في سلوكها مثال الطهر ونموذج العفاف. ويلي ثم ويلي من أولئك الفتيات المتدينات! ومن أكبر البلية أنه قد انتشرت عهنها في أنحاء الإقليم إشاعة سوء وأصبح عرضها هدفاً لسهام القذف والقدح ومخاضاً للألسن الشتامة. والشفاه النمامة. وقد راح أبوها رهينة الكمد واليأس. وإني لأعجب ماذا كان سبب فرارها. لقد كان أبوها لا يضن عليها بشيء وكان
стр. 2777
حريصاً على إجابة مطالبها وقضاء مآربها. وأعجب من كل ذلك أن جميع ربات الخلاعة والتبرج من فتيات الإقليم باقيات في دور آبائهن لم تهرب منهن واحدة.
قلت: وللآن لم يعثروا عليها؟
قال: يعثرون عليها؟ كلا وما أظنهم يجدونها ولو غاصوا عليها في قرار المحيط! وماذا يهم ضياع مثلها! سينقص عدد الوارثات المثريات واحدة، وهذا أسوأ ما في الأمر.
أدهشني ذلك النبأ غذ كان لا ينطبق على ما بقي في ذاكرتي من صورة صوفيا. ولكن الحادثات تكون. وليس في هذا الحياة مستحيل ولا مستبعد. والدنيا أم العجائب.
بلى أنها الأيام أصبحن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
في خريف هذا العام ذاته ساقني القدر ثانياً بمناسبة الأعمال الرسمية إلى إقليم س المجاور لإقليم ت. وكان الجو مطيراً. والبرد زمهريراً فنزلت أثناء سفري في بعض محطات البريد وكان الوقت قرب المساء وكنت قد بلغت من النصب والإعياء ما عزمت معه على قضاء الليلة في فندق المحطة. فأعطيت فيه غرفة ذات كنبة خشبية مهدمة وأرض منحدرة وجدران مغشاة بورق بال ممزق وكان يفوح في أرجائها خليط من رائحة البصل وحصر القش وزيت النفط. وتزدحم طوائف الذباب على كل ما فيها. ولكني بها على كل حال ملاذاً من الريح العاصفة. ومعاذاً من الديمة الواكفة. فطلبت زجاجة نبيذ واتكأت على الكنبة وأطلقت العنان لخواطري وأوهامي.
فإني لكذلك إذ طرق أدني صوت خبطات ثقيلة في الحجرة العمومية التي كان يفصلها عن غرفتي حاجز من الخشب وكانت هذه الخبطات مشفوعة برنات معدنية متولية كطنين السلاسل ثم فاجأ مسمعي صوت مذكر خشن يقول: بارك اله في كل من يسكن هذا النزل! بارك الله فيهم! بارك الله فيهم آمين. . آمين بدد الله شمل أعدائهم! وكان في الصوت تمتمة وحشية وتقطع مستنكر. . ثم سمعت زفرة شديدة وسقوط جسم ثقيل فوق مقعد مع طنين السلاسل الآنفة الذكر وانبرى الصوت يقول: أكولينا! خادمة الله! تعالي إلى هنا. إني في أطمار رثة وأسمال بالية ولكني مغمور ببركة الله. مشمول برحمته ورضاه. رحماك اللهم يا ارحم الراحمين يا أرحم الراحمين! يا خالق هذا الجسد انظر إلى عجزي وتقصيري أو - هو - هو - ها - ها. . . تفو! اللهم اغمر هذا المنزل بفيض إحسانك وإنعامك.
стр. 2778
فقلت مستفهماً من ربة الفندق وهي داخلة علي بزجاجة النبيذ: من هذا؟
فقالت بخفوت وسرعة: هذا يا سيدي رجل من الصالحين الأبرار المقدسين وهو حديث العهد في بلدتنا. وقد ومن علينا بالزيارة في مثل هذا الجو العاصف الواكف وإن قطرات البلل لتتحدر من ثيابه كالجدول! وعليه من السلاسل ما لا يطيق حمله مخلوق.
واستأنف الصوت دعواته فقال رحة الله وبركاته! أكولينا رهيبي أكولينا كولينوشكا صديقتي وخليلتي! أين جنتنا وفردوسنا؟ اين جنة نعيمنا وفردوس لذاتنا؟ في القفار الموحشة فردوسنا وجنتنا. . الغبطة والرخاء والسعادة لهذا المنزل. . . أو. . . أو. . . أو) ثم جمجم الصوت بكلام غير مبين وتثاءب تثاؤباً طويلاً ثم ضحك ضحكة خشنة بحاء وبصق بصقة شديدة.
قالت ربة الفندق كأنما تحدث نفسها وكلها إصغاء والتفات عند الباب: وا أسفاه إن الرجل المقدس ينثر الدعوات الصالحات على من حوله وأنا معمزل عنه أحرم من عظيم بركاته وكريم نفحاته تالله لأهرعن إليه.
ثم انطلقت من الغرفة بسرع من لمح البصر.
وكان في الجدار شق فوضعت عيني عليه فرأيت الرجل الموسوس جالساً على مقعد وظهره لي فلم تأخذ عيني منه سوى رأس ضخم أشعث في مثل حجم المرجل الكبير وظهر عريض محني في قميص مرقع. وكانت تركع على الأرض بين يديه امرأة نحيفة رقيقة في مثل رداء طبقة الصانعات وقطرات البلل تتصب من ردائها وعلى رأسها منديل أسود وقد تدلى إلى عينيها. وكانت تحاول انتزاع نعلي الرجل المقدس وأصابعها تزل وتزلق من فوق الجلد الوحلي المبلول. وكانت ربة المنزل واقفة إلى جانبها مضمومة اليدين على صدرها تنظر إلى (ولي الله) بعين ملؤها الخشوع والإجلال والهيبة وهو يجمجم كما أسلفنا بألفاظ معجمة غير واضحة المخارج.
وأخيراً استطاعت المرأة أن تخلع النعلين وكادت من شدة الجذب أن تقع على ظهرها ولكنها تداركت نفسها وشرعت تحل لفائف الخرق البالية المطوية حول ساقي الرجل الشريد. وكان في بطن قدمه جرح بليغ فزويت وجهي تأففاً.
وقالت له ربة المنزل بصوت تذلل وخشوع: ألا تأمرني آتيك بكوبة من الشاي يا عزيزي؟.
стр. 2779
فأجاب الرجل المقدس بلهجة الهازئ: ما أجمل هذا الرأي! أنت تريدينني على مضاء شهوات الجسد المجرم الأثيم؟ أو - هو - هو! إنما الواجب على المرء أن يحطم عظام جسده الأثيم! ولكني أراها تدكر الشاي! أجل أيتها المرأة البرة الكريمة إن للشيطان علينا لسلطاناً أي سلطان. وأرانا مهما قاتلناه بكل ما لدينا من الوسائل كالجوع والعطش وبالبرد وبالقيظ وبكل هام من القطر سجاج. وكل هاطل من البرد الملحاح - فلن نؤثر فيه شيئاً. ولا يبرح بعد كل ذلك كما كان شدة بأس. وصعوبة مراس، وحولاً وقوة، وصولة وفتوة. فتذكروا يوم تشفع لكم العذراء ستعطون يومذاك كل الخير، وتحمون من كل الشر!.
فلم تملك ربة النزل أن ارسلت زفرة لإعجاب خافتة.
واستمر الشريد فقال: أيها القوم أعيروني أذناً صاغية، وقلوباً واعية! أنفقوا في سبيل الله من كل ما لديكم تصدقوا برؤوسكم تصدقوا بقمصانكم إذا سئلتم فأعطوا وإذا لم تسألوا فأعطوا. لأن الله يبصر كل شيء وليس تخفى عليه خافية. أترون أنه يصعب عليه تهديم سقوفكم. . لقد أعطاكم الخبز من فضله فاخبزوه في أفرانكم. إنه على كل شيء مطلع! مطـ. . . . طـ. . . . . . . لع! من ذا الذي عينه في المثلث؟ من. .؟ من. .؟ خبروني عين من.
فصلبت ربة النزل في خفية تحت مبذلتها وصاح المجنون المتصوف مردداً قوله مراراً وهو يصرف نابه حنقاً وغيظاً: إن العدو القديم (الشيطان) صخرة صماء! صمـ،. . . . . . . ماء!. . . صمـ. . . . . . ماء! تباً للأفعوان الصل! تباً للحية الرقشاء ولكن الله سيثور ويبدد شمل أعدائه. . . . هاـ هاـ تفوه!.
وهنا سمعت صوت آخر خافت يقول همساً: هل عندكم زيت أعطوني قليلاً أصبه على الجرح،. . وعندي خرقة نظيفة. .
فنظرت من الشق فرأيت المرأة التي تصحب الشريد لا تزال تعالج الجرح في قدمه فقلت في نفسي (هذه مجدولين جديدة فيما أرى).
قالت ربة الفندق: سآتيك به سريعاً يا عزيزتي. ثم أنها دخلت غرفتي فأخذت ملعقة زيت من المصباح المشعل أمام صورة العذراء.
قلت لها مستفهماً: من تلك التي تعنى به وتعالج جرحه؟.
стр. 2780
قالت: لا تعلم يا سيدي أظنها أيضاً تريد التوبة والخلاص والتكفير عن خطاياها وسيئاتها. ولكن أي رجل مقدس هذا الرجل!.
في أثناء ذلك كان المجنون المتصوف يردد الكلمات التاية (أكولينوشكا - ابنتي المحبوبة - طفلتي العزيزة) ثم أجهش بالبكاء.
عند ذلك رأيت المرأة الراكعة تحت قدميه ترفع إليه عينيها. . . يا لله! لقد أذكر أني رأيت هاتين العينين قبل اليوم. . ولكن أين!
وانطلقت ربة الفندق إليها بملعقة الزيت فأخذتها وأكملت علاجها ثم نهضت واقفة وقالت: هل عندكم مصطبة نظيفة وشيء من الحشيش (وهو الكلأ اليابس). . إن فاسيلي نيكاتيتيش بطيب له النوم على الحشيش.
قالت المرأة: أجل عندنا. امض معي. . ثم التفتت إلى الرجل المقدس فقالت: امض معنا يا عزيزي لتجفف ثيابك وتستريح.
فسعل الرجل وقام من مقعده في بطء - وسمعت أنين سلاسله ثانياً - ثم استدار حتى واجهني وجعل يتأمل صورة العذراء ويصلب على صدره.
فعرفته في الحال وعلمت أنه هو عين ذلك الصانع فاسيلي الذي أراني صورة معلمي المتوفى!
وكانت له لحية كثة ملبدة. وكان عليه ثياب رثة بالية وله سحنة وحشية مولهة حائرة. فكانت هيئته أبعث على النفور والاشمئزاز منها على الذعر والرعب وجعل هذا الرجل العجيب يدير عينيه الذاهلتين في أركان المكان وفي أرضه كمن ينتظر شيئاً.
وقالت المرأة الت يمعه: فاسيلي نكتيتش سير معي يا عزيزي.
فرفع الرجل رأسه بغتة والتفت ولكنه عثر فتمايل. . فهرعت إليه رفيقته في الحال وأخذت بعضده. . وكان صوتها وشكلها يدلان على حداثة سنها. أما وجهها فكان لا يكاد يرى.
وقال الرجل الشرير مرة أخرى بصوت رعش مرتجف وفمه مفتوح عن آخره وهو يضرب صدره بقبضة يده (أكولينوشكا صديقتي!) ثم زفر زفرة شديدة خرجت من أعماق صدره.
وغادرت الغرفة ربة المكان ومضى الرجل ورفيقته على أثرها.
стр. 2781
واضطجعت على الكنبة وفكرت ملياً فيما رأيت. إن الرجل المغناطيسي قد أصبح مجنوناً دينياً (مجذوباً) إلى هذا الحد قد أوصلته القوة العجيبة التي لا يسع الإنسان إلا الاعتراف بها!.
في غد ذلك اليوم قال لي خادم الفندق: هل رأيت يا سيدي أمس الجوالة الموسوس؟
قلت: نعم وماذا في ذلك؟
قال: ورأيت رفيقته أيضاً؟
قلت: نعم رأيتها.
قال: إنها لسيدة صغيرة من أسرة شريفة.
قلت: ماذا تقول؟
قال: إنما الحق يا سيدي لقد نزل هنا اليوم جماعة من التجار وقد عرفوها، وقد خبروني باسمها ولكني نسيته.
فأثارت كلمته هذه في خاطري ذكرى كلمح البرق.
قلت له: أو لا يزال الجوالة هنا.؟
قال: بلى، وما أظنه قد رحل بعد.
قلت: وهل السيدة معه؟
قال: أجل قائمة في خدمته.
ذهبت إلى السلم فصوبت النظر إلى الجوالة المجذوب فوجدته جالساً فوق مقعد على باب الفندق منحنياً ضاغطاً بكلتا يديه على مقعد يهز رأسه المنكس يمنة ويسرة كأنه الوحش البري في قفصه، وكانت خصل شعره الكثيفة تغطي عينيه وتهتز من جانب لآخر وكذلك كانت شفتاه الغليظتان اللتان كان يخرج منهما همهمة مما لا يفوه به آدمي وكانت رفيقته أمامه حاسرة الرأس (كانت قد غسلت رأسها وهي تهم أن تجففه بمنديل، فما هو إلا أن وقعت عيني عليها وهي على هذه الحال حتى رفعت يدي نمحو السماء تعجباً. . ماذا أرى! هذه صوفيا واقفة أمامي.
والتفتت صوفيا بسرعة وشخصت إلي بعينيها الزرقاوين جامدتين لا تطرفان كدأبهما أبد الدهر. وكانت قد هزلت ورق بدنها كثيراً واخشوشنت بشرتها ولوحت الشمس وجهها
стр. 2782
وأشحبت لونها ولكن جمالها مع ذلك لم ينقص. . غير أن سيما الحيرة والاندهاش الذي لا يفارق وجهها أصبح الآن مشفوعاً بمعنى آخر - معنى اعتزام وجد وجرأة وتسام وترفع - وقد زال عن وجهها كل أثر لمعاني الحداثة والطفولة.
فذهبت إليها وصحت قائلاً: صوفيا فلاديميروفانا! أو يمكن أن تكوني أنتي صوفيا! وفي مثل هذا الثياب. . ومع مثل هذا الرفيق!.
فانتفضت مذعورة وحملقت في وجهي كأنما تريد أن تعرف من ذا الذي يخاطبها ثم استدارت فجأة وأسرعت إلى رفيقها دون أن تنطق بكلمة.
وقال المجذوب بصوت ملجلج ملعثم وزفرة شديدة
أكولينوشكا - خطايانا خطايانا!
قالت صوفيا فاسيلي نكيتتش هيا بنا نرحل في الحال ألا تسمع ما أقول؟ هيا بنا في الحال في الحال ثم جذبت القناع على جبينها بيد وأمسكت عدد الرجل بالأخرى: امض بنا في الحال من ههنا يا فاسيلي إن هنا لخطراً يهددنا.
قال الجوالة الموسوس بطاعة وخضوع: إني آت يا ابنتي المحبوبة إني أت، ثم قال بجملة جسده إلى الأمام ونهض من مقعده اصبري ريثما أربط هذه السلسلة.
وتقدمت إلى صوفيا مرة ثانية فنبأتها اسمي وطفقت أتضرع إليها أن تصغي إلي أو تفوه لي بكلمة واحدة. وكان المطر إذ ذاك يهمي. وينهمر فسألتها بالله أن تشفق على نفسها من صوب شؤبوبه وابتهلت إليها أن ترفق بجسدها الضعيف وتلتفت لأمر صحتها وصحة رفيقها ثم ذكرت لها والدها. . ولكنها كانت بأشد حالات الغيظ والحنق والاهتياج فأعرضت عني إعراضاً وصدت ونفرت أيما نفور وتنفست تنفساً شديداً وسحبت رفيقها وهي تحثه على السير بصوت خفيض ثم مضت به وهي تحرق أنيابها حفيظة موجدة وجعلت في أثناء سيرها تحزمه بنطاقه الحديدي وتعقد عليه سلاسله ثم قنعت رأسه بقبعة طفل مهدمة القمة ووعت عصاه في يده وطرحت على ظهرها حقيبة الزاد وانطلقت به من الفندق إلى الطريق العام. . فرأيت في هذه الحال أنه ليس من حقي أن أحجزها كرهاً وقسراً ولو فعلت لما كان فيه أدنى ثمرة فأرسلت في إثرها آخر صيحة فلم تكترث بي ولم تلتفت إلي ولكنها مضت قدماً تخوض أوحال الطريق والرجل المقدس ولي الله مستند عليها معتمد
стр. 2783
على ذراعها وما هي إلا لحظات حتى اختفى عني وراء حجب الغيم وسجوف الضباب المرصعة بأسلاك القطر المشتبكة وقلائد لؤلؤ المزن المنحلة المنفرطة شخصا الرفيقين المتلازمين. الجوالة الموسوس وصوفيا. . وكذلك كان آخر عهدي بهما.
عدت إلى غرفتي وأطرقت أفكر وأحاول حل ذلك المشكل المعضل فلم أهتد إلى حلة على أي وجه وبأي اعتبار أجل لم أستطع أتبين بأي علة وأي عذر وحجة يتفق أن فتاة مليحة حسناء قد نشأت في لين العيش ورفاهيته تتفيأ ظلال السعادة وتتقلب في أحجار النعيم يلذ لها أن تهجر الدنيا ولذاتها وتنسلخ من أهلها وأسرتها وقومها ومنزلها ووطنها وخلانها وأصحابها ولداتها وأترابها وتنجرد من عاداتها وسننها ومن لذائذ العيش ومناعمه فلماذا كل ذلك؟ لاتباع الرجل مشرد موسوس مجذوب تلازمه وتقوم في خدمته كأحقر العبيد! لم يكن عندي أدنى شك في أن الباعث لها على ذلك كان شيئاً خلاف الحب والهوى! كلا إن صوفيا ما برحت عفة الإزار طاهرة الذيل. لقد ضحت صوفيا بنفسها في سبيل ما اعتقدت به أنه الحق والواجب الذي من أجله خلقت ولأدائه تعيش وتبقى إنه لم يسعني سوى السف والأسى لما قد أتت صوفيا من اختيار هذا السبيل. . ولكني لم أبخل عليها عليها من ذلك بإعجاب - بل بالاحترام والإجلال. . لقد كانت حدثتني حديث وجد وإخلاص عن تضحية النفس وقهرها وإذلالها ولقد صدقت القول بالفعل وهي التي تحقق أقوالها أعمالها. . لقد كانت تلتمس الدليل والقائد ثم وجدته وأي دليل - والعياذ بالله - وأي قائد!.
أجل لقد طرحت نفسها لتداس بالأقدام. . وقد بلغني على ممر الزمن أن أهلها استطاعوا أخيراً أن يعثروا عليها ويرجعوها إلى دارها، ولكن لم تعش في دارها طويلاً فماتت ميتة صامتة ساكتة دون أن تنبس لأحد ما بكلمة أو لفظة.
سلام الله عليها وريحانه،. ورحمة الله عليها ورضوانه على تلك المخلوقة المسكينة الخفية الأمر المجهولة الشان! لعل صاحبك فاسيلي نكتيتس لا يزال في تجوالاته الجنونية يكدح ويكد. . ألا عجباً لأبدان أمثاله الحديدية، وبنيتهم الصخرية على إني أخشى أنتكون نوباته الشللية قد أسكتت نفسه، وأسكنته رمسه.
كلمة على هذه القصة
هذه القصة العجيبة هي بحث سيكولوجي يراد به إيضاح الفرق الأساسي الذي يميز الشعب
стр. 2784
الروسي عن الشعوب الغربية، وإن كلمة بطلة الرواية صوفيا وهي أنك تحدثني عن الإرادة - والذي أرى وأعتقد هو أن الإرادة يجب أن تسحق وتمحق. هذه الكلمة تبين بأجلى وضوح وأرسخ عقائد النفس الروسية وأعمق أمانيها وأغراضها فرغبة الروسي في تعريض نفسه لآلام الحياة ومنغصاتها وتوقانه إلى إذلال نفسه وقهرها وطرحها تحت أقدام الغير توطأ وتداس، كل هذا يدل على أن الروسي ذو إرادة ضعيفة ضئيلة، وإنه يجد الاستكانة والاستسلام أسهل عليه من محاولته أن يكون مقتدراً قوياً مظفراً منصوراً رفيع القدر، عالي القيمة، وهذا الاستسلام واللين والرقة التي تميز طبيعة الروسي هي منبع فضائله ومناقبه المميزة له على غيره. ولكن التدين عند الغربي له معنى آخر، وهو الرغبة في أن يكون المرء رفيع المنزلة من حيث الآداب والأخلاق قابضاً بيده على سراج الحق المنير متسنماً ذروة الفضيلة والكمال. وأن يكون لي الله المصطفى وصفية المختار. أما معنى التدين عند الروسي فهو مهانة النفس وإذلالها وبخس قيمتها والحط من قدرها، بل محوها وإعدامها البتة، أعني خضوعها وركوعها وتضعضعها واضمحلالها أمام إرادة العرش الأعلى وأمام محبة المرء لأخيه حباً خالصاًَ في سبيل الله. فالذهن الغربي يرقى إلى العظمة بحصر قوة الإرادة في مجال الكد والعمل وإبراز جملة قواه الكامنة. وكفاآته الباطنة. وبدفعه عن نفسه كافة المؤثرات والعوامل التي من شأنها التسلط عليه أو تشويشه أو إضعافه. أما الذهن الروسي فإنه بفضل حرمانه من قوة الإرادة والصرامة والصلابة فإنه يرقى إلى العظمة بما يمتاز به من خلال التوكل والاستسلام والاستكانة وقبوله الحياة على علاتها ورضاه بالمعيشة على آفاتها ورحمته ورثاؤه للمصاب والمنكوب. وعطفه ومواساته للشقي والمكروب. ولا أنكر أنا إذا اعتبرنا الروسي من حيث الحياة العملية وجدناه فاقداً لكثير مما تمتاز به الشعوب الغربية من الفضائل النافعة وحائزاً لمعظم رذائلهم. ولكن رحمته وسخاءه وعطفه ومواساته لمن هو أباس منه وأشقى، هذه الفضائل إنما تصدر وتنجم عن اعتقاده بضعفه وعجزه وصغر قيمته وحقارة قدره اعتقاد المعترف بسلطان القضاء والقدر وبالعجز عن مغالبته ومقاومته. وكذلك إذا تأملنا سيرة صوفيا بطلة هذه القصة وجدنا أن فرط رغبتها في تضحية نفسها وراسخ عقيدتها في أن الحق والصواب هو تعريض النفس لمكابدة المشاق والآلام هو أشبه بأخلاق الروس وغرائزهم من حيث
стр. 2785
الاستسلام للأقدار والانقياد صحبة تيارها لا عكسه. ومن ثم مصدر تلك الروح المخيفة - ورح الجيل الحديث الذي ضحى بنفسه في حركة النيهليست فإن باعث تضحية النفس كان يدفع بالشاب الغيور المتوقد على غايته المقصودة على الرغم من كافة المؤثرات والعوامل الحائلة بينه وبين غرضه. وعلى ذلك فإن صوفيا بطلة القصة هي فتاة نهلستية سابقة لأوانها.
قلنا أن فقدان القوة والإرادة من النفس الروسية هو أصل الفضائل والرذائل الروسية وبهذه المناسبة نقول أن من العجائب أن نرى روح كل شعب إنما تنمو وتنبعث من نزعة هذا الشعب إلى طلب الصفات والمميزات التي قد حرمها بالفطرة. مثال ذلك أن الذهن الألماني الذي هو أشد الأذهان تيقظاً وانتباهاً إلى ماديات الحياة وإلى وجوب إحراز الفوائد المحسوسة والمنافع الملموسة تراه مع ذلك، بتأثير قانون الموازنة ورد الفع، يرخي وتر قوسه ويحبس عنان فرسه، وبدلاُ من التشمير في إحراز الماديات والتحفز لانتهاز فرص الحياة ينغمس في بحور التصورات والتخيلات ويمعن في أودية الأوهام والأحلام، ثم انظر الذهن الفرنسي الذي هو أهدأ الأذهان وأبردها واصفاها وأدقها تحليلاً لما في نفسه من بواعث ونزعات تراه مع كل ذلك بتأثير قانون التوازن أيضاً، يعمد إلى تضليل نفسه بين دهاليز المجازات وألغاز الكنايات والاستعارات منصرفاً عن جلاء الأفكار الواضحة إلى غموض العواطف المبهمة. وعلى هذا النحو أرى أن تسخط الذهن الروسي على حركات نفسه وكامن استيائه من نزعاته وتصرفاته هو الذي يثير في ذلك الولوع الشديد بانتقاد كل ما هو باطل ومبالغ فيه حتى نراه يحتقر ما في الأدب الفرنسي من صنوف البديعيات وزخارف الاستعارات وما في الأدب الألماني من الإغراق في التخيلات والأحلام ثم نرى أن فقدان الإرادة م الذهن الروسي تزيد روحه تعمقاً واتساعاً من حيث نظراته وتأملاته في الوجود فهو يستسلم للكون ومؤثراته ولا يمكن ظل حظه الذاتي وظل شخصيته الفردية، مهما أظلم واسود، من الحيلولة بني روحه وبني صحيفة هذا الوجود الهائل كما تفعل إرادة الرجل الغربي، تلك الإرادة المهاجمة المغالبة المنازعة المدافعة التي تحاول أن تعطي شخصيته أوفر نصيب من التصرف والظهور. فمركز الروسي من الكون هو أشبه شيء بالوعاء الذي يحوي ويحفظ كل ما يهبط عليه من آفاق الحياة. في حين أن مركز الرجل
стр. 2786
الغربي من الكون هو كالوعاء المقلوب يحجب كل ما يسقط عليه من آفاق الحياة.
стр. 2787
تفاريق
يقول العقلاء
اعف ما استطعت عن غيرك، ولا تعف مرة عن نفسك.
الفرصة تقرع الباب، والمشقة تعالجه حتى تفتحه.
حب المرء العمل ما لا يدل على إتقانه له أو تفوقه فيه.
كلما كبر الرجل العالم رأى مقدار جهله.
سمكة تغرق سفينة
اختفت الباخرة (سيكلوبس) الأميركية في بحر كاريبيان منذ عام تقريباً، وعليها ٢٩٥ مسافراً دون أن يعلم عن أمرها شيء، فاضطربت الأفكار لذلك وكثرت التآويل ولكن الناس رجحوا أخيراً أن يكون قد اعترضها بعض الأسماك الضخمة فأغرقها.
ولا يعد هذا التأويل خرافياً أو بعيداً عن العقل، ففي هذه البحار تعيش أسماك بل وحوش مائية يتراوح طولها بين التسعة والثمانية عشر قدماً (من ٢. ٧٠ إلى ٥. ٤٠ من الأمتار) كما يتراوح طول ذراع الواحدة منها بين العشرين والثلاثين قدماًُ (بين ٦ - ٩ أمتار) ومحيطه بين القدم والقدمين.
وهذه الحيوانات المائية تميل بطبعها إلى الهدوء والسكينة ولكنها إذا اهتيجت كان هنالك الهول والفزع الأكبر. وقد اتفق أن رآها بعض الناسي في حالة غضبها، فهي تعلو إلى سطح الماء وتطوق الدفة بذراعيها ثم تجذب السفينة بقوتها الهائلة فتحطمها شر تحطيم.
ولا يبعد أن يكون هذا ما حدث للباخرة سيكلوبس، أو أن هذه الحيوانات الغريبة اجتمعن حولها وأخذن يلتقطن من عليها الواحد إثر الواحد وتركنها تسير خالية خاوية حتى اصطدمت في صخر أرسل بها إلى قاع المحيط.
الفتاة: يقولون أن القبلات هي لغة الحب.
الفتى: إذن دعينا نتجاذب أطراف الحديث
الرجل: من الغريب أن امرأتي تعرف الطهي ثم تدعي الإنكار. . أفبعد هذا إغاظة ومضايقة؟!.
صاحبه: أجل، وهو أن امرأتي لا تعرف الطهي مطلقاً ثم تضطرني لأن آكل ما تصنع!!
стр. 2788
الروائح كمشروبات روحية
من مجلة الإجابات الإنجليزية
قبض البوليس في الأيام الأخيرة على سيدة في حالة سكر، وبعد التحري والبحث ثبت أنها مدمنة على شرب (ماء الكولونيا) بدلاً من أنواع الخمور المختلفة، وقد عرف بعض الكيماويين هذه السيدة وقالوا أنها تشتري منهم زجاجات كولونيا كبيرة كل أسبوع.
وليست هذه هي السيدة الوحيدة التي تتعاطى هذا المشروب الغريب، بل هنالك كثيرات من النساء مصابات بهذا الداء العضال، وإن عددهن قد ازداد كثيراً في السنوات الأخيرة، وقد صرح مدير إحدى الشركات الكيماوية الكبرى بهذا الصدد فقال أنه بالرغم من ارتفاع أثمان الروائح العطرية في خمس سنوات الحرب ارتفاعاً باهظاً لم يك ثم نقص في كمية البيع.
على أن هذا المشروب هو بلا شك أبلغ ضرراً وأشد فتكاً بالجسم من أي نوع آخر من المشروبات الروحية المعروفة لوفرة ما فيها من الكحول، ولذا لا تلبث المرأة التي تتعاطاه إلا ردحاً قصيراً من الزمن حتى تضمحل قواها ويفسد عقلها وتنحط آدابها مع أنها ربما ابتدأت ذلك لمجرد اللهو والتسلية.
قال أحد القضاة لمتهم يدعي الإنكار:
- فكر قليلاً فكلنا معرضون للخطأ والنسيان، فإني مثلاً كنت أظن أني أحضرت ساعتي معي، ولكني وجدت أني نسيتها في المنزل.
فلما ذهب القاضي إلى بيته في المساء قالت له زوجته: أرجو أن تكون قد استلمت الساعة سليمة فإني أعطيتها للرجل الذي أرسلته من المحكمة.
стр. 2789
العدد ٥٠ - بتاريخ: ١ - ٩ - ١٩١٩
стр. 2790
محاورة بين فقيه متدين وفيلسوف ملحد
للفيلسوف الألماني الكبير آرثر شوبنهور
الفقيه: يسؤوني منك أيها الفيلسوف تهكمك على الدين وسخرك منه جهاراً، وكان خليقاً بك أن تذكر أن دين كل امرئ مقدس في نظره وكذلك يجب أن يكون في نظرك.
الفيلسوف: لا أراني ملزماً باحترام الأباطيل والأضاليل لمجرد أن غيري من الناس غبي أبله. ولا أنكر أني أحترم الحقيقة أينما كانت واحترامي للحقيقة هو الذي يدعوني إلى احتقار كل ما ينافيها.
الفقيه: يجب عليك أن ترى في الدين الدواء العام لأرواح البشر. وأن تذكر أن احتياجات الناس ينبغي أن تعالج حسب قوة مداركهم ومبلغ أفهامهم. وأن الدين هو الوسيلة الوحيدة لجعل العامة والطغام ذوي العقول الضعيفة والأذهان الكثيفة المنغمسة في الحقائر والسفاسف والماديات ومداق المكاسب ومساف الأرباح - أقول أن الدين هو الوسيلة الوحيدة لجعل من هذا شأنهم يشعرون بشريف غرض الحياة وسامي مغزاها. وذلك أن الرجل العادي لا يفكر ولا يهتم إلا بما يقضي حاجاته البدنية وشهواته الحيوانية فيفسح له مجال للهو واللذة. فيظهر مؤسس الأديان والفلاسفة في الدنيا لينفضوا عن مثل هذا الرجل غبار البلادة والاسترخاء ويكشفوا له عن جلال معنى الوجود - فأما الفلاسفة فيؤدون هذه الرسالة للفئة المتنورة القليلة، وأما مؤسسوا الأديان فيؤدونها للأغلبية الغبية - للعامة والدهماء. فالديانة هي فلسفة العامة فلا بد لهم من الاحتفاظ بها. ولذا يجب احترامها لأن إنكارها يؤدي إلى زوالها. وكما أن هنالك شعراً عامياً وحكمة عامية (في الأمثال السائرة) فكذلك يلزم أن يكون ثمت فلسفة عامية. لأن العوام يحتاجون أيضاً إلى شرح لمعاني الوجود وتفسير لألغاز الحياة وهذا الشرح والتفسير ينبغي أن يكون ملائماً لأذهانهم، والأديان في جميع الأزمنة والأمكنة تقدم للناس هذا التفسير في صورة ثوب رمزي للحقيقة - وهذا الثوب الرمزي يؤدي من النفع والفائدة لبني الإنسان فيما يتعلق بحياتهم العملية ووجداناتهم أعني من حيث اعتباره دليلاً مرشداً في معاملاتنا ومعاشراتنا وعزاء وسلوة في الأحزان والمصائب وعند حلول الموت - هذا الثوب الرمزي للحقيقة يؤدي من النفع والفائدة من هاتين الوجهتين مثلما كانت تؤدي الحقيقة ذاتها لو أننا عرفنا فأحرزناها. فلا
стр. 2791
تستنكر أيها الفيلسوف ما يبدو لك من سخافة هذا التفسير - هذا الثوب الرمزي الذي يقدمه الدين إنارة لأذهان البسطاء وشفاء لغليلهم. ولا تمقت ما يطهر لك من فاحش زخرفته وزبرجه وظاهر باطله ومحاله وغلوائه وإغراقه لأنك مع ما قد أوتيته من فضل وعرفان وعلم واسع لا تستطيع أن تتصور ما يلزم اتخاذه من لمناهج الملتوية والمسالك المتعرجة الملتفة لإيصال الحقيقة إلى أذهان البسطاء السذج. فالأديان المختلفة إنما هي قوالب مختلفة تفرغ فيها الحقيقة ليستطيع الناس إدراكها إذا كانوا يعجزون البتة عن فهمها وهي عارية مجردة - وكان من المستحيل عليهم تصور هذه الحقيقة منعزلة عن الثوب الرمزي. فلا تغضب أيها الصديق إذا قلت لك أن ازدراءك وهزءك بهذه الثواب الرمزية - بهذه الأشكال والصور والقوالب - دليل السخف والظلم.
الفيلسوف: أوليس من السخف والظلم أيضاً أن يطلب الفقهاء بمحو كل فلسفة غير تلك الفلسفة التي تقول أنت من مؤسسي الأديان صاغوها لمعالجة حاجات الجماعات وشفاء غليلهم من حيث المعاملات المادية والأماني الروحانية وجعلوها طبق أذهانهم الضيقة ووفاق أفهامهم السقيمة؟ أيصح أن تجعل تعاليم الدين أقصى حد لطموحات الذهن البشري ومقياساً لكل تأمل وتفكير بحيث تصبح فلسفة الفئة القليلة المتنورة (باعترافك أنت) وجل همها وغايتها مطابقة وتأييد فلسفة العوام وشرحها وتفسيرها؟
وهل يصح أن يصبح التساهل والتسامح دعوة صادرة عن الدين الذي هو مثال التشدد والقسوة؟ وهل تراني في حاجة إلى تذكيرك بمحاكم الزندقة والإلحاد ومحاكم التفتيش والحروب الدينية والصليبية ومصارع سقراط وبرونو وفانيني بالسم والنار. أي عقبة هي أكأد في سبيل الفلسفة الصائبة الحكيمة والبحث الصادق عن مكامن الحقيقة الذي هو أسمى وظيفة لأسمى العقول البشرية من هذا النظام الفلسفي التوطئي (أعني التعاليم الدينية) المؤيد من جانب الحكومات التي يبالغ في غرس مبادئه في كل رأس منذ أوائل الطفولة بكل جد وهمة وتحمس غرساً شديداً عميقاً تصبح معه تلك المبادئ مستحيلة الإزالة إلا من الأذهان التي أوتيت من المرونة درجة خارقة للمعتاد؟ ألا أن نتيجة هذا هو إفساد قاعدة التفكير الحر وأساس التعقل الصحيح إفساداً تاماً أبدياً لا يرتجى إصلاحه حتى ترى مقدرته الضعيفة على حرية التفكير وإصدار الأحكام العادلة فيما يختص بكافة الشؤون والأحوال
стр. 2792
والأشياء قد أصابها الشلل والتلف الدائم.
الفقيه: وهذا معناه أن الناس قد وصلوا إلى عقيدة لا يرضون أن يبيعوها بعقيدتك؟.
الفيلسوف: لو أنها عقيدة مبنية على النظر الصحيح لقدمنا براهيننا ولاقينا الخصم في ساحة الجدال وميدان المناظرة بمثل سلاحه وعدته. . ولكن الأديان لا تقيم عقيدتها على البرهان ولكن على الوحي والتنزيل. وقابلية الاعتقاد أقوى ما تكون في عهد الطفولة. فإذا ألقيت على الإنسان في هذا العهد طائفة من التعاليم والعقائد بلهجة جد ووقار وحمية وحماسة مع نفي كل ما يعترض من الشكوك والريب في صحة هذه المقولات ومع تهديد المرتاب بالخسران الدائم والنكال الأبدي كان لذلك من شدة الوقع ورسوخ الأثر في نفس الإنسان ما يدفعه إلى اليقين التام بصحة ما يلقى عليه بحيث يصبح الشك في صحتها أصعب عليه من الشك في الوجود نفسه. ومن ثم نرى أنه لا يكاد يوجد فرد واحد في عشرات الألوف يستطيع أن يشذ عن الجماعة فيسائل نفسه هل هذا صحيح؟ فمثل هذا جدير ولا ريب أن يسمى قوي الذهن. أما الذهن العادي فتنغرس فيه أسخف السخافات وأبعد المستحيلات إذا ألقيت فيه بالطريقة الآنفة الذكر. فإذاً أفهم مثلاً أن قتل زنديق أو ملحد وسيلة إلى رضوان الله جعل ذلك جل همه وغايته في الحياة كما كان يفعل أهل إسبانيا. وكما كان يصنع فريق من الهنود كانوا يظهرون تدينهم وطاعتهم للإلهة كالي بقتلهم أخوانهم ورفاقهم كلما سنحت الفرصة للاستيلاء على أموالهم وأملاكهم وكانوا قد أقنعوا أن عملهم هذا محمود مشكور يورثهم غفران الله ورحمته ورضوانه ويكسبهم نعيم الآخرة.
ولا بدع في ذلك ولا غرابة فإن العقيدة الدينية المغروسة في الصغر يكون لها من قوة الأثر ما يفسد الضمير ويمحو الرأفة والحنان والرحمة. ولكن إذا شئت أن ترى بعينك قوة تأثير التعاليم الدينية في الصغر فانظر إلى الأمة الإنكليزية. وانظر إلى هذه الأمة التي ميزتها الطبيعة على سائر الأمم ووفرت حظها من العقل والذكاء وحسن التمييز وأصالة الرأي وصرامة العزيمة وقوة الخلق - وتراها مع كل ذلك منحطة المنزلة بين الأمم ساقطة القدر وسط الشعوب لفرط مت قد أفسدت الخرافة الدينية رأيها وشوهت جمال ذهنها - فلقد يبدو هذا العنصر الخرافي وسط سائر مزاياها العقلية ومحاسنها الأخلاقية كفكرة ثابتة راسخة أو بعبارة أدق كفكرة جنونية.
стр. 2793
وسبب ذلك راجع إلى القساوسة القائمين بأمر التعليم والتربية إذ يبذلون أقصى الجهد في نقش قواعد الإيمان على صدور الصغار في أيام الطفولة بطريقة تؤدي إلى شلل جانب من الدماغ - هذا الشلل يظهر لنا أثره وتبدو أماراته فيما لا يزال يشاهد فيهم طول أعمارهم من التعصب الممقوت والجمود المستنكر الذي قد يسف والغباوة يصبحون معه لغزاًَ غامضاً وأحجية معماة. وإذ قد ثبت لنا أن التعاليم الدينية لا يمكن غرسها وترسيخها في القلوب إلا في عهد الطفولة اللين الرقيق فإن فكرة البعثات الدينية هي لا شك باطلة ومشروعها ضرب من العبث محكوم عليه بالخيبة والفشل - وهو فرق ذلك نوع من اللجاجة المرذولة والفضول الممقوت والجور والطغيان والحمق والسفه - بدليل أن هذا المشروع لا يقصره أربابه على الأمم التي لا تبرح في طور الطفولة كأمة (الهوتنتوت) و (الكفرة) وأهالي جزائر البحر الجنوبي وإضرابهم ممن قد ظهر فيهم نجاح المشروع بالفعل - بل يحاولون تنفيذه في بعض الأمم ذات المدنيات القديمة والأديان العميقة المهذبة.
فتراهم إذا حاولوا تنصير البراهمة من الهنود فلا يكون من أولئك البراهمة إلا أنهم يقابلون ما يعرض عليهم المبشرون من عقائد المسيحية بابتسامة الساخر الهازئ المتفضل على محدثه بالتنازل إلى استماع حديثه أو يقابلون ذلك الحديث بهزة استهزاء من أكتافهم. فلا يكون نصيب المبشرين من أمثال هؤلاء الأقوام إلا الفشل والخيبة.
وقد جاء في بعض التقارير الموثوق بها بالعدد الحادي والعشرين من مجلة (اشياتيك ريفيو) المجلة الآسيوية لعام ١٨٢٦ أنه بالرغم من مجهودات المبشرين العظيمة المتوالية مسافة أعوام عدة في كافة بلاد الهند (البالغ فيها عدد المحكومين بالدولة البريطانية مائة وخمسة عشر مليون نفس) لا يربو عدد المتنصرين عن ثلاثمائة وقد اشتهر أولئك المتنصرون فضلاً عن ذلك بمنتهى الفسق والفجور وفساد الأخلاق. أجل هذه الملايين العديدة لا يبلغ فيها عدد المرتشين القليلي الذمة المتجرين بعقائدهم وأرواحهم أكثر من ثلاثمائة ولا أرى أن النصرانية ازدادت رواجاً في الهند منذ ذلك العهد بالرغم مما يبذله المبشرون الآن - ضد المعاهدات والاتفاقات - من التأثير في نفوس الأطفال في مدارس موقوفة على بث تعاليم الكنيسة الإنكليزية بقصد تهريب المسيحية إلى داخل بلاد الهند ولكن الهنود لسوء الحظ واقفون لتلك البضاعة المهربة بالمرصاد فتنصر أولئك الكبار من الهنود والكبار على
стр. 2794
الإطلاق واستعارتهم ديناً جديداً وعقيدة مستحدثة ما هو إلا قناع يسترون به مصلحة شخصية. وإيقان الناس ذلك دون أدنى شك هو الذي يسقط الرجل المتحول عن دينه إلى دين آخر في عهد رجولته من عيون الناس في كل آن ومكان - وهذا يدل على أن الناس لا يرون الدين نظرية تقبل أو ترفض بالبراهين المبنية على أصول المنطق والمعقول ولكن عقيدة تغرس في الطفولة قبل عرضها على أي مسبار أو ميزان منطقي.
والدليل على أن رأي الناس هذا في الدين صحيح أن التشبث الأعمى بدين الآباء والأسلاف ليس مقصوراً على الجماعات والجماهير الضعاف العقول بل يشمل كذلك طائفة القساوسة من كل ملة ونحلة الذين قد درسوا أصول الأديان وعقائدها وبراهينها وقواعدها وفروقها واختلافاتها. ومن ثم كان من أندر الأمور وأبعدها انتقال أي قسيس من ديانة آبائه إلى أي دين آخر. إلا أن من أفظع الفظائع أنه حيثما يولد امرؤ تغرس فيه تعاليم بعينها في زمن طفولته وحداثته ثم يحمل على الاعتقاد بأنه إذا أبدى أو أضمر أدنى شك في صحة هذه التعاليم كان عقابه الحرمان الأبدي ن نعيم الآخرة. بيد أن هذه التعاليم الدينية لها تأثير شديد على أصول سائر العلوم والمعارف - فإذا كانت صحيحة جعلت قاعدة نظرنا وأسلوب بحثنا في ماهية كافة الأشياء صحية - والعكس بالعكس.
وأيضاً لما كانت التأثيرات المنبعثة عن هذه التعاليم لا تزال تشن الغارات على مجموع نظام العلوم والمعارف فقد أصبح مجموع المعارف البشرية متأثراً بها أشد التأثر في جميع أنحائه وأجزائه وهذا ثابت من مؤلفات كل أمة وجيل ولاسيما مؤلفات القرون الوسطى وأيضاً مؤلفات القرن الخامس عشر والسادس عشر. فمن اطلع على هذه المؤلفات لم يعدم دليلاً قاطعاً على أن أذهان الجلة الفحول من مفكري هذه العصور كانت مشلولة بتأثير تلك الآراء والتعاليم الأساسية فكانت ماهية مادة الكون ونظام حركته ممنوعة محصنة من جميع جهاتها من نظرات البحث العميق والفحص الدقيق. ولا نزاع في أن الاعتقاد بوجود الله مازال طول مدة العصور المسيحية جاثماً كأثقل كابوس على كافة المجهودات العقلية وعلى الأخص المجهود الفلسفي بما قد صد ووقف كل عوامل الرقي والتقدم.
ففي اعتقاد النوابغ من علماء هذه العصور كان الإله والشيطان والملائكة والجان يحجبون الكون والطبيعة بأسرها. فلم يجترأ على الاستمرار في أي مبحث على نهايته ولا على
стр. 2795
فحص أي موضوع إلى أقصى أعماقه. فكل شيء لا يرون علته ضمن سلسلة العلل الواضحة والأسباب الظاهرة ينسبونه بلا أدنى تردد إلى أحد هؤلاء (إلى الله أو الشيطان أو الجان أو الملائكة) فإذا ظهر في الناس من قد أوتي مرونة الذهن - أعني الخلة الوحيدة التي تمكن الإنسان من صدع القيود التواطئية وتحرير ذهنه من أغلالها - الفى هو وكتاباته في النار - كما وقع للعالمين برونو وفانيني.
أما الذهن العادي فإن مبلغ عجزه وشلله بتأثير التعاليم الدينية في الصغر يبدو لك في أجلة مظاهره وأسخفها وأجدرها بالهزء والسخرية عندما يحاول نقد ديانة أجنبية فكل ما يصنعه الرجل العادي هو محاولته إثبات أن تعليم الدين الأجنبي مخالفة لتعاليم دينه فهو يجهد نفسه ليثبت أن الخلاف بين هذه التعاليم وتلك ليس منحصراً في اللفظ فقط بل يتعدى ذلك إلى المعاني والمقاصد ثم تره لفرط سذاجته وبلهه يتوهم أنه قد أثبت بذلك بطلان الديانة الأخرى. وكأنما لم يخطر بباله البتة أن يسائل نفسه أي الدينين أصح؟.
ولا عجب فإنه يرى في تعاليم دينه قضايا مسلمة ومبادئ مفروضاً فيها الصحة قبل الشروع في البحث والمقارنة. ومن أعجب الأمثلة على هذه الطريقة المضحكة ما أورده القسيس الفقيه المستر موريسون في العدد الثاني والعشرين من المجلة الآسيوية في مقاله المشتمل على نقد ديانة الصينيين وفلسفتهم.
الفقيه: أذلك رأيك أيها الفيلسوف؟ ألا فاعلم أن هنالك رأياً أعلى - ذلك هو أنه لا بد قبل كل شيء من وضع نظام يكبح جماح الجماعات ويصد نزعاتهم السيئة وأميالهم الشريرة حتى لا يأتوا الرذائل والمنكرات والخبائث ولا يرتكبوا الجرائم والفظائع. ونحن إذا تركناهم بدون هذه القيود والموانع حتى يعرفوا الحقيقة ويفهموها كان في ذلك تأخير للمنفعة لا تحمد عقباه. وهب أنهم عثروا على الحقيقة فسيجدونها ولا شك فوق مداركهم ودون منال أفهامهم. وعلى كل حال فإن هؤلاء الجماعات لا يصلح لهم ولا ينفعهم إلا ما كان من قبيل الرموز والاستعارات والخرافات. ولقد قال كانت يجب أن يكون هنالك قاعدة عامة للحق والباطل توطد أركانها وتؤيد دعائمها ويرفع لوائها في كل آن. فمتى كانت النقوش الرمزية الموقومة على هذا اللواء تعبر عما وضعت له من ناموس الحق والباطل فليس من المهم اختلاف أشكالها وتعدد صورها.
стр. 2796
فمثل هذه الحقيقة الرمزية لا يزال في كل زمان ومكان خير بدل وأحسن عوض لعامة الناس من حقيقة لا يستطاع الوصول إليها أبد الدهر ومن فلسفة لا يتأتى لها فهمها - فضلاً أنها مستمرة التغير والتبدل تتلون كل برهة لوناً وتتشكل كل يوم شكلاً. فلا جدال يا صديقي في أن المقاصد العملية مفضلة من كل الوجوه على المقاصد النظرية.
الفيلسوف: كأني بك تقول لي أنه يجب إرضاء الجماعات والجماهير حتى نكفى شر حملاتهم وهجماتهم ونأمن انحطاط سيل غضبهم علينا ونحن جلوس على مائدتنا نأكل ونشرب هنيئاً. ولكن هذا الرأي باطل بمقدار ما هو مستحسن محمود. ومن ثم إسراعي إلى تفنيده. أجل من الزور والباطل أن تظل الحكومة والعدالة والقانون ولا قوام لها ولا حول ولا قوة إلا بمعونة الدين وتعاليمه وأن المحاكم والبوليس لا تستطيع تنفيذ قوانينها إلا بتداخل الدين. أولم تر القدماء ولاسيما اليونان كيف كانوا يديرون أمورهم أحسن إدارة، ويدبرون شؤونهم أحكم تدبير بدون الاضطرار إلى اتباع هذه الخطة العقيمة. وأولئك اليونان لم يكن عندهم أدنى شيء مما نسميه نحن الدين. فلم يكن لديهم كتب مقدسة ولا تعاليم محتم حفظها ودرسها ونقشها على صحائف القلوب في الصغر.
وكان خدام الدين وسدنته في تلك الأمة لا يلقون الخطب الدينية والمقالات الوعظية ولا يبدون أدنى اهتمام بمسائل الأخلاق والآداب والواجبات والمعاملات أعني بما يأتيه الناس وما يتركونه. أجل لم يعن قساوسة اليونان ولم يحفلوا بأي شيء من هذا القيل. ولكن واجباتهم كانت محصورة في شعائر المعبد ومناسك الهيكل والصلوات والأناشيد والضحايا والمواكب والتطهيرات وما شالك ذلك مما لا علاقة له البتة ولا مساس بإصلاح الفرد وتهذيب أخلاقه. ولم يكن شهود هذه الحفلات محتماً على غير الكهنة القائمين بشعائرها ولم يطالب أحد قط من غير هؤلاء الكهنة بالتصديق بها والاعتقاد بصحتها. ولم يؤثر عن العصور القديمة والدول العتيقة بأسرها ما يدل على أنه كان فيها أدنى إرغام للأفراد أو للجماعات على الاعتقاد بأي مذهب أو ملة.
وكل ما هنالك هو أن العقوبة كان تقصر على من يجاهر بإنكار وجود الآلهة أو الطعن عليها. إذ كان صنيعه هذا يعد بمثابة إهانة وتحقير للحكومة التي تخدم الآلهة المذكورة. ولكل امرئ بعد هذا أن يرى في تلك الآلهة رأيه الخاص.
стр. 2797
وإذا شاء أي إنسان أن ينال رضا الآلهة في السر والكتمان بواسطة الصلاة أو القربان فله أن يفعل ذلك على حسابه وتحت مسؤوليته. فإذا لم يفعل فليس لأحد ما أن يتناوله بالقدح والمذمة - وابعد الناس من أن يصنع به ذلك الحكومة. وقد كان كل روماني يحرز في داره الآلهة التي يعبدها، وما هي في الحقيقة إلا صور أسلافه الأول. ولم يكن للأقدمين آراء محدودة ثابتة مقررة معتقدة عن مسألة خلود الروح والحياة الأخرى.
ولكن كل فرد كان يذهب في هذا الصدد مذهبه الخاص مكوناً من أفكار متقلبة متجددة مبهمة مشوشة تخمينية، وعلى نحو هذه الحال من التعدد والتنوع والغموض كانت أفكارهم عن الآلهة.
ونتيجة هذا أن القدماء لم يكن لهم دين بالمعنى المعروف لدينا. فهل كان لذلك تأثير سيء على حالة النظام والأمن العام في تلك الدول القديمة؟ أليست هي منشئة القوانين والنواميس التي لا تبرح حتى الآن أساس قوانينا وقواعد شرائعنا؟ الم يكن أهل هذه العصور آمنين على أملاكهم مستوثقين منها مع أن معظمها كان من العبيد الأرقاء؟ ألم تدم هذه الحالة أكثر من ألف عام؟.
إزاء هذه الحقائق أرفض وأحتج على ما تعزوه إلى الأديان الحاضرة من المقاصد العملية، وما تقرره من ضرورة وجودها كأساس لازم تقوم عليه كافة النظامات التشريعية. . لأننا إذا قررنا صحة ذلك أصبح لا حق لطلاب الحق الصراح وأنصاره المولعين بالتماسه والتنقيب عن مواطنه - في اتهام العقيدة الدينية باغتصاب أريكة الحق وإبقائه في حوزتها بالتمادي في الغش والخديعة.
الفقيه: ولكن الدين ليس مناقضاً للحقيقة لأنه هو ذاته يعلم الحقيقة. وكل ما هنالك هو أن الدين لا يبرز الحقيقة مجردة عارية. لأن منطقة نفوذ الحقيقة ودائرة تصرفاتها ليست ضيقة محدودة ولكنها الإنسانية بأسرها والعالم أجمع. ولذا وجب أن تكون الحقيقة مطابقة وملائمة لهذا المجموع العظيم المختلط، فلا يصح للدين والحالة هذه أن يجرع الناس الحقيقة محضة صريحة بل يجب تسهيلاً لتجرعها أن يقدمها لهم في برشامة من الخرافة. ويمكن أيضاً تشبيه الحقيقة من هذا الاعتبار ببعض المواد الكيماوية التي هي في ذاتها غازية ولكن تسهيلاً لاستعمالها وتيسيراً لحفظها في الأوعية أو نقلها من موضع إلى آخر تعقد بمادة
стр. 2798
أخرى (أو بالتعبير الكيماوي) توصل بقاعدة ثابتة ملموسة منعاً لها من التطاير. مثال ذلك مادة الكلور إذا أريد استخدامها في الأغراض الآنفة الذكر أبرزت في صورة كلورور.
ولما كانت الحقيقة النقية المجردة الخالصة من كل رمز أو خرافة ستبقى أبد الدهر فوق متناول العالم أجمع وضمنه الفلاسفة فيصح تشبيهها بمادة الفلور التي لا يمكن البتة عرضها منفردة بل لا بد من ضمها إلى مواد أخرى. وهاك تشبيهاً آخر وهو أن الحقيقة لا يمكن إبرازها والتعبير عنها إلا بطريق الرمز والخرافة، فهي في ذلك كالماء لا يمكن حمله ونقله إلا بواسطة وعاء. فالفلاسفة الذين يأبون إلا إحرازها خالصة مجردة هم كحاطم الإناء للحصول على الماء منفرد بذاته.
وعل كل حال فالدين هو الحقيقة مبرزة في قالب من الرموز وصيغة من الخرافة حتى يتسنى للناس بهذه الواسطة فهمها وهضمها. لأن الناس لا يستطيعون بحال ما هضمها خالصة غير ممزوجة كما أننا لا نستطيع أن نحيي في الأوكسجين الخالص بل نحتاج إلى إضافة الأوكسجين إلى أربعة أمثاله من الآزوت.
أجل إن مغزى الحياة البعيد ومعناها العميق وغرضها السامي لا يمكن كشفه وإبرازه للعامة إلا بواسطة الرموز لأنهم لا يستطيعون فهم الحياة بمعناها الحقيقي. أما الفلسفة فهي كالأسرار تخص بها الفئة القليلة المختارة.
الفيلسوف: لقد فهمت فحوى كلامك فغاية تفسيرك لهذا المشكل هو أن الحقيقة تبدو في زي الباطل وتلبس ثياب الكذب. ولكنها بصنعها هذا تدخل في محالفة مشؤومة. فأي سلاح خطر فتاك يلقى في أيدي من يخولون استخدام الكذب والباطل كمطية للحقيقة. فإذا كان الأمر كذلك فإني أخشى أن تربو مضار الكذب والباطل على منافع الكذب.
ولو أن الرموز والقصص الخرافية كان يقر ويعترف بأنها كذلك لما قمت معارضاً ومحتجاً ولكن الإقرار والاعتراف بأنها رموز وخرافات يسلبها كل وزن وقيمة ويسقط منزلتها في الأعين فيضيع تأثيرها ونفوذها ولذلك كان حتماً على هذه الرموز والخرافات أن تدعى - وتؤيد دعواها - أنها حق في ذاتها وكنهها لا من الوجهة الرمزية فقط وهنا موضع الداء العضال والشر الدائم. ومن هنا لا يزال الدين ولن يزال في نزاع مستمر وحرب عوان مع المجهود الشريف والسعي الحر إلى التماس الحق الصراح.
стр. 2799
الفقيه: إن فلسفة المعقول راشناليزم تخطئ كل الخطأ من افتراضها أن الدين يزعم أن رموزه وخرافاته هي حقيقة مطلقة. وبناء على هذا الفرض تشرع الفلسفة المذكورة عند نقدها الدين في محاولة إثبات أن تلك الرموز والخرافات كاذبة عارية عن الصحة أو أنها إذا سلم بصحتها فهي لا تعدو كونها سخافات. وأما الواقع فهو أن الخرافة والرموز عناصر أساسية للدين ولكن بشرط أن تقوم بسد الاحتياجات الروحانية لبنى البشر فتشغل مكان الحقيقة الفلسفية المحضة التي هي غاية في الصعوبة ومستحيلة المنال.
الفيلسوف: نعم تشغل مكان الفلسفة المحضة كما تشغل الرجل الخشبية مكان الرجل المبتورة. أنها لأسوأ عوض عن الرجل الطبيعية ومع ذلك فهي تطلب أن تعد بمثابتها وأن تعطى مكانتها. ومع هذا فهنالك فرق بني المشبه والمشبه به - وذلك أنه بينما ترى أن الرجل الطبيعية أسبق وجوداً من الخشبية فإن الدين لم يزل في كل بقعة أسبق عهداً من الفلسفة.
الفقيه: قد يكون هذا صحيحاً ولكنك لا تنكر أن الرجل الخشبية عظيمة القيمة عند من لا رجل له. ولا تنس أن حاجيات الإنسان الروحانية لا بد من سدها - غذ أنه يجب تحديد نطاق فكره لا أن يترك مبهماً غير محدود والإنسان العادي معدوم ملكة الحكم الصحيح التي تمكنه من وزن الأسباب والعلل والتمييز بين ما هو حق وما هو باطل.
وفضلاً عن ذلك فإن الأعمال والواجبات التي تفرضها عليه الطبيعة واحتياجاتها لا تترك لديه فراغاً لأمثال هذه المباحث ولا فرصة لإحراز العلوم والمعارف التي تمهد السبيل للاشتغال بالمباحث المذكورة. ولذلك فلا موضع البتة لتصورك أن مثل هذا الإنسان يمكن إقناعه بالأسباب والعلل فلم يبق له والحالة هذه إلا الإيمان والتسليم بأقوال الثقات بلا بحث ولا جدال.
وهنا وصلنا إلى مذهب فلسفي صحيح فأحللناه محل الدين فإنك ترى تسعة أعشار الناس يأخذونه قضية مسلمة فيصبح كما كان الدين قبله مسألة إيمان وعقيدة بيد أن الثقة صفة لا تثبن وتتقرر إلا بمرور الزمن وبتأثير ظروف خاصة فليس في طاقتنا أن نلصقها بما لا مزية له سوى الحجة والبرهان.
وعلى ذلك فلا يصح لنا أن نعزوها إلا إلى ما نالها بمضي العصور، ولو لم يكن إلا حقيقة
стр. 2800
رمزية. فهذا الصنف من الحقيقة المؤيدة بالثقة يلائم المزاج الروحاني للإنسان أشد الملاءمة - أعني ما يلائ \ م احتياجه إلى نظرية تفسر له لغز الكون الذي بدهه ويواجهه في كل آن ولحظة، والذي ينشأ وينجم من شعوره بأن الشيء الطبيعي في الكون لا بد أن يكون خلقه شيء وراء طبيعي - شيء ثابت لا يتغير ولكنه أساس لهذا التغيير الدائم في الوجود. هذا الصنف من الحقيقة المؤيدة بالثقة يلائم أيضاً مخاوف وآمال الإنسان العاجز الضعيف الفاني الدائم الافتقار والاحتياج - فالدين يمده بالآلهة والشياطين التي يستنجد بها ويستصرخ ويأوي ويلجأ ويركن ويسكن ويبتهل ويتضرع وهي (أعني الحقيقة المؤيدة بالثقة) تلائم أيضاً شعوره الأخلاقي (شعوره بالفضيلة الرذيلة وبوجوب إتيان الأولى وترك الثانية) الذي لا شك في وجوده - وتعيره تأييداً وتوثيقاً لولاه لصعب عليه جداً مقاومة الأهواء والشهوات في معترك الحق والباطل.
فالدين من هذه الوجهة مصدر عزاء وسلوة لا ينفد في مرحلة هذه الحياة المملوءة هموماً ومصائب وأحزاناً - عزاء لا يخذل الإنسان ساعة الموت بل يعطي إذ ذاك أكرم فضائله وأنفس مزاياه ويؤثر أحسن أثره.
افلدين في ذلك أشبه شيء بالهادي الذي يأخذ بيد الأعمى فيرشده إذ كان لا يبصر سبيله بنفسه - وكل ما يحتاجه ذلك الأعمى هو بلوغه غاية منهجه لا أن يبصر كل ما يمر به في طريقه.
لهذه المحاورة بقية يبلغ مقدارها مثلي ما نشر منها في هذين العددين نرجو أن نوفق على نشرها كلها في العدد القادم.
стр. 2801
حضارة العرب في الأندلس
الرسالة الثانية من المرية إلى قرطبة
أظنك يا أخي لا تزال على ذكر من أن الرسالة الأولى من هذه الرسائل كتبت ونحن على متن البحر - قبل أن نصل إلى مرافئ الأندلس، أما هذه الرسالة الثانية فقد وضعناها بعد أن انفصلنا من مرفأ المرية وحططنا رحالنا في قرطبة حضرة هذه البلاد عاصمتها وقد خصصت هذه الرسالة بوصف كل ما مر بنا من حين اقترابنا من ميناء المرية إلى أن وصلنا إلى قرطبة.
أما المرية فهي إحدة مدن الأندلس الكبيرة واقعة في شرقيها، وهي على ساحل البحر الرومي البحر البيض المتوسط وهي مرسى للسفن القادمة إلى هذه البلاد الأندلس - وفي مينائها يربض الجانب الأكبر من أسطول الأندلس الأعظم والجانب الآخر يرسي في بجاية - وسيمر بك قريباً واف على هذين البلدين - المرية وبجاية ـ.
ولما صافح مركبنا أمواه المرية - وكان يسير بحذائنا مركب آخر علمنا أن فيه أبا علي القالي اللغوي وافد العراق وسائر من قاموا معنا من الإسكندرية في مركب أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر - آنسنا من جانب الميناء - ميناء المرية أسطولاً كبيراً قادماً علينا حتى إذا صار منا أدنى ذي ظلم أخذ يحيينا من فيه بالرايات والأعلام - وكان فيه الأمير عبد الرحمن بن رماحس قائد أساطيل الأندلس الأكبر - إذ أمره الحكم بن أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر وولي عهده أن يتلقانا في وفد من وجوه الأندلسيين ويجيء معنا إلى قرطبة تكرمة من الأمير لنا ولأبي علي القالي حفظه الله - فكان من رجال ذلك الوفد شاعر الأندلس يوسف بن هارون الرمادي وأبو بكر بن القوطية سيد علماء اللغة في الأندلس وابن رفاعة الألبيري أحد أدباء البيرة وفتى نشأ يتوقد ذكاء ويقطر أدباً وألمعية يسمى أبا بكر الزبيدي وكثير غير أولئك من علماء الأندلس وأعيانها وقوادها - وهذه عمرك الله آية محسة على عناية الأمير بالعلم وأهله - ولا بدع فقد وقفنا من ذلك على الشيء الكثير الذي سما بهذا الأمير في أعيننا. فمن ذلك فيما تحققناه أنه يبعث الحين بعد الحين في شراء الكتب إلى الأقطار، رجالاً من التجار، ويرسل إليهم الأموال لابتياعها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه في ربوعها، وقد بعث في كتاب الأغاني لأبي فرج الصفهاني وأرسل
стр. 2802
إليه فيه ألف دينار من الذهب العيني، فبعث إليه بنسخة منه قبل أن يخرجه إلى العراق وكذلك فعل القاضي أبي بكر الأبهري في شرحه
ثمت قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل
وأنشد القالي الكلمة في البيت - أعرافها لأيدينا مناديل - فما كان من الأديب ابن رفاعة الألبيري - وقد لاحظنا في خلقه حرجاً وزعارة إلا أن استعاد أبا علي البيت متثبتاً مرتين في كلتيهما ينشد أعرافها فقام ابن رفاعة وقال: مع هذا يوفد على أمير المؤمنين ويتجشم الرحلة لتعظيمه وهو لا يقيم وزن بيت مشهور بين الناس لا تغلط الصبيان فيه والله لا تبعته خطوة ثم هم بالانصراف، فندبه الأمير ابن رماحس أن لا يفعل فلم سيجد فيه حيله، فاضطر ابن رماحس إلى أن يكتب إلى الحكم يعرفه ويصف له ما جرى من ابن رفاعة ويشكوه، فجاء جواب الحكم إلى ابن رماحس بما نصه كما أطلعني عليه ابن رماحس:
الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطيء وافد العراق إلينا، وابن رفاعة أولى بالرضا عنه من السخط، فدعه لشأنه وأقدم بالرجل غير منتقص من تكريمه، فسوف يعليه الاختبار إن شاء الله أو يحطه
وفي عصر ذلك اليوم دعانا الأمير ابن رماحس لأن نتفرج برؤية الأساطيل وهي تلعب لعبتها التي تلعب إذا هي همت بحرب أو رجعت من قتال ظافرة وذلك لأن أسطولاً أندلسياً آب من إفريقية في ذلك اليوم مفلجاً مظفراً في معركة نشبت بينه وبين أسطول المعز لدين الله - فذهبنا إلى الميناء وركبنا زورقاً وأخذنا نشاهد حركة الأسطول ونجتلي أنواعه وعدده وآلاته ونحن نأتي لك على شيء مما شاهدنا. . .
стр. 2803
روح الإسلام
مقدمة هذا الكتاب
إن استمرار الرقي الديني بين البشر لموضوع عظيم الأهمية لدى المولعين بدراسة الحياة البشرية وإن تيقظ الذهن الآدمي إلى إدراك أن هناك شخصية أي إرادة عليا تشرف على الكون، وإن ما عاناه الأفراد والأمم من المجهودات والتطورات حتى وصلوا إلى فكرة أن هناك روحاً عامة تتخلل جميع أجزاء الكون وتدبره وتنظمه - لتفسح المجال لمباحث من أهم وأخطر ما يعنى به الإنسان.
إن تطور العقيدةالدينية من عبادة الأشياء المادية إلى عبادة الله قد صادف من العقبات ما أخره عن حينه المناسب. فلقد انحرف جماعات وأفراد من الناس عن منهج الرقي والتقدم وأطاعوا الأغراض والمطامع وانقادوا لأهواء نفوسهم ومآربها. فارتدوا إلى عبادة شهواتهم ممثلة في معبودات طفولتهم. ولكن صوت الله الخفي لا يزال يرسل دعوة الحق وإن لم تسمعها الآذان - فإذا جاء الأجل قام أولياؤه بإعلان واجبات الإنسان نحو نفسه ونحو الخالق. أولئك رسل الله الصادقون. قد ظهروا بين شعوبهم فلم يزد أمرهم على أن كانوا أبناء عصورهم ونتائج أوقاتهم. فكانوا لذلك يمثلون أماني الروح البشرية وطمحاتها نحو الحقيقة والنزاهة والنقاء والعدل. فكان كل واحد من أولئك الرسل كأنه مجموعة الاحتياجات الروحانية الكامنة في صدر عصره. لذلك جاء كل منهم ليشرف أمة وضيعة. ويرفع من قدرها ويطهرها ويصلحها. فمنهم ن جاء مدلياً إلى الناس بتعاليم محصورة، فهذا لا يتعدى تأثيره منطقة محدودة. ومنهم من جاء برسالة ليملأ بها السماء والأرض وينشرها في أرجاء العالم أجمع - رسالة ليست بمقصورة على شعب واحد أو أمة واحدة بل موجهة إلى الإنسانية بأسرها - كذلك كان محمد. فلم تكن رسالته مقصورة على العرب ولم يبعث لعصر واحد أو إقليم واحد. ولكن للناس كافة إلى آخر الأبد، إن ظهور هذا المعلم الكبير الذي كانت حياته صحيفة نقية بيضاء لم يكن مجرد صدفة واتفاق أو حادث منفصل غير متصل بسلسلة تاريخ العالم فإن عين تلك الأسباب وتلك الآفات وتلك الحاجة الشديدة إلى إيجاد الثقة والاعتقاد في القوة الخفية المنبثة في ذرات الوجود المسيطرة على الكون - تلك الأسباب والدواعي التي أدت إلى ظهور نبي كانت حياته مأساة على شواطئ الجليل في
стр. 2804
عهد أغسطس قيصر - تلك الأسباب بعينها هي التي تحركت وثارت وأحدثت من النتائج الهائلة ما أحدثت في القرن السابع بعد الميلاد أي قبل ظهور محمد.
كانت فاتحة القرن السابع بعد الميلاد عصر انحلال وطني واجتماعي وديني وكانت ظواهره تتطلب عقيدة جديدة تسترد القوى الشاردة الضالة إلى سبيل الرقي الروحاني المؤدي إلى تطهير العبادة الشخصية. هذه الظواهر كلها كانت تتطلب ديناً أدل على القدرة الإلهية وأظهر للسلطة السماوية من اليهودية والنصرانية. هذا وإن اللهيب المقدس الذي أذكاه زرادشت وموسى وعيسى كان قد انطفأ في دماء البشر إذ لبثت ديانة زرادشت بعد فسادها تكافح المسيحية التي كانت قد أصبحت أفسد منها قروناً عدة - فخمدت أنفاس الإنسانية ما بين معترك الملتين وراحت أسعد أقاليم الدنيا من جراء هذا العراك وهي موارد بلاء ومسايل دماء وما زال استمرار التنازع على السيادة وتمادي الحرب الضروس حتى امتص دماء الحياة من قلوب أمم العالم. وأصبح سكان الأرض تدوسهم القسوسية الجامدة والكهنوتية الميتة تحت أقدامها الحديدية وهم يضجون إلى الله من مظالم زعمائهم، فلا غرو أن أصبحت الحاجة أشد ما كانت إلى منقذة ومخلص.
بناء على ما تقدم أقول أننا إذا أردنا أن ندرك قيمة ما أداه محمد في العالم الأدبي الروحاني فعلينا أولاً أن نلقي نظرة عامة على الحالة الاجتماعية الدينية لأمم الأرض قبيل وحوالي الوقت الذي ظهر فيه الإسلام.
يزعم المؤرخون أن هضبة بكتيريا التي يسميها جغرافيو العرب أم البلاد هي مهد البشر ومنبت الأديان والأمم. ونحن إذا نظرنا إلى هذا الموطن القديم - مهد النوع الإنساني - بمصباح الإثنولوجي (علم أجناس البشر) فتأملناه من خلال نور ذلك المصباح المبهم الضئيل - رأينا طوائف أسرات مجتمعة في هذا المكان العتيق لا تزال تأتلف وتلتئم فتكون فضائل وقبائل ثم يدفعها التكاثر والتزاحم فتندفق وتستفيض أمواجاً تترى متواليات لتعم وجه البسيطة. والظاهر أن الفرع الحامي (نسبة إلى حام) كان أول من انشق عن الجرثومة الصلية وهجر الوطن الأولي. ثم تبعه الطورانيون الذين يقال أنهم شعبة من الأسرة اليافثية. ويظهر أن بعض هؤلاء ضرب شمالاً ثم انتشر في الشرق فأسس الفرع المغولي الحاضر. وقسم سار غرباً فاستوطن أذربيجان وهمذان وغيلان وهي بقاع واقعة في جنوبي
стр. 2805
بحر قزوين وجنوبه الغربي وكانت تعرف قديماً ببلاد ميديا. ثم انشعب فيما بعد قسم من هؤلاء فانخدر جنوباً إلى سهول بابل الممرعة الخصيبة فأسر الجاليات الحلامية القديمة ثم خالطها وامتزح بها على توالي الأزمان فكون معها الأمة الأكاديين وهم الـ الكوشيون الذين جاء ذكرهم في الإنجيل والتوراة فهذا الشعب الخليط أوجد بابل وأحدث نوعاً من الدين كان من أسمى مجاليه وأرقى أطواره أشبه بمذهب الحلول (مذهب ألوهية العالم أعني الاعتقاد بأن الله حال في كل شيء حتى يصح القول بأن كل شيء هو الله وأن الله هو كل شيء) أما في أسفل أطواره فإن هذا الدين بما فيه من عبادة الشياطين وآلهة الشمس والقمر وتضحية بالأطفال للإلهين بعل ومولوخ وتضحية عذر الأبكار للإلهين بلتيس وأستوريث وتحليل السفاح - فإنه آية على عصر اقترنت فيه المدنية الراقية بأرذل الفسق والفجور والفحشاء والمنكر وأباح الدين فيه استعمال العنف والقسوة.
ثم هاجر بعد ذلك من الوطن الأصلي الفرع السامي (نسبة إلى سام) فاقتفوا آثار الطورانيين ذاهبين غرباً حتى استوطنوا شمالي دلتا الجزيرة ثم قووا وتكاثروا فغزوا الدولة البابلية وقهروها وأسسوا مملكة مترامية الأطراف كانت لها السلطة والسيادة على جميع الولايات المجاورة أولئك هم الآشوريون الذي استتب لهم الملك واستكمل لهم الجبروت والصولة في مقر دولتهم المؤيدة المنصورة بين النهرين العظيمين دجلة والفرات فارتقوا حيناً ما إلى منزلة الديانة التوحيدية (القول بوحدانية الله) كما تشهد بذلك تعاليمهم الدينية.
وبينما كان السواد الأعظم من الجالية السامية يتدرج في مراتب التقدم والرقي ويأخذ في أسباب القوة والتكاثر في أعلى الدلتا انحدرت فئة قليلة نحو الجنوب إلى بقعة يقال لها يور داخل حدود المملكة الكلدانية. وكان لهذه القبيلة زعيم وقد حكم على نفسه بالنفي والطواف في الأرض. هذا الزعيم هو والد الذين تألف منهم التاريخ في المستقبل. أما سيرة هذا الرجل وما تضمنت من منفاه وتجولاته اندمجت في سلك الأساطير المقدسة لعدة من الأديان.
ولعل الأسرة اليافثية كانت أطول تلك الأسرات مكثاً في المواطن الأولى. فبينما الشعوب الأخرى التي انشعبت عن الجرثومة الأصلية كانت تؤلف دولاً وتحدث أدياناً كان الفرع اليافثي يتطور على أسلوب خاص به. لكن سير الأمم الذي بدأ لم يكن ليوقفه شيء. فجعلت
следующие страницы →