Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
حضارة العرب في الأندلس
الرسالة الثانية من المرية إلى قرطبة
أظنك يا أخي لا تزال على ذكر من أن الرسالة الأولى من هذه الرسائل كتبت ونحن على متن البحر - قبل أن نصل إلى مرافئ الأندلس، أما هذه الرسالة الثانية فقد وضعناها بعد أن انفصلنا من مرفأ المرية وحططنا رحالنا في قرطبة حضرة هذه البلاد عاصمتها وقد خصصت هذه الرسالة بوصف كل ما مر بنا من حين اقترابنا من ميناء المرية إلى أن وصلنا إلى قرطبة.
أما المرية فهي إحدة مدن الأندلس الكبيرة واقعة في شرقيها، وهي على ساحل البحر الرومي البحر البيض المتوسط وهي مرسى للسفن القادمة إلى هذه البلاد الأندلس - وفي مينائها يربض الجانب الأكبر من أسطول الأندلس الأعظم والجانب الآخر يرسي في بجاية - وسيمر بك قريباً واف على هذين البلدين - المرية وبجاية ـ.
ولما صافح مركبنا أمواه المرية - وكان يسير بحذائنا مركب آخر علمنا أن فيه أبا علي القالي اللغوي وافد العراق وسائر من قاموا معنا من الإسكندرية في مركب أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر - آنسنا من جانب الميناء - ميناء المرية أسطولاً كبيراً قادماً علينا حتى إذا صار منا أدنى ذي ظلم أخذ يحيينا من فيه بالرايات والأعلام - وكان فيه الأمير عبد الرحمن بن رماحس قائد أساطيل الأندلس الأكبر - إذ أمره الحكم بن أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر وولي عهده أن يتلقانا في وفد من وجوه الأندلسيين ويجيء معنا إلى قرطبة تكرمة من الأمير لنا ولأبي علي القالي حفظه الله - فكان من رجال ذلك الوفد شاعر الأندلس يوسف بن هارون الرمادي وأبو بكر بن القوطية سيد علماء اللغة في الأندلس وابن رفاعة الألبيري أحد أدباء البيرة وفتى نشأ يتوقد ذكاء ويقطر أدباً وألمعية يسمى أبا بكر الزبيدي وكثير غير أولئك من علماء الأندلس وأعيانها وقوادها - وهذه عمرك الله آية محسة على عناية الأمير بالعلم وأهله - ولا بدع فقد وقفنا من ذلك على الشيء الكثير الذي سما بهذا الأمير في أعيننا. فمن ذلك فيما تحققناه أنه يبعث الحين بعد الحين في شراء الكتب إلى الأقطار، رجالاً من التجار، ويرسل إليهم الأموال لابتياعها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه في ربوعها، وقد بعث في كتاب الأغاني لأبي فرج الصفهاني وأرسل
стр. 2802
إليه فيه ألف دينار من الذهب العيني، فبعث إليه بنسخة منه قبل أن يخرجه إلى العراق وكذلك فعل القاضي أبي بكر الأبهري في شرحه
ثمت قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل
وأنشد القالي الكلمة في البيت - أعرافها لأيدينا مناديل - فما كان من الأديب ابن رفاعة الألبيري - وقد لاحظنا في خلقه حرجاً وزعارة إلا أن استعاد أبا علي البيت متثبتاً مرتين في كلتيهما ينشد أعرافها فقام ابن رفاعة وقال: مع هذا يوفد على أمير المؤمنين ويتجشم الرحلة لتعظيمه وهو لا يقيم وزن بيت مشهور بين الناس لا تغلط الصبيان فيه والله لا تبعته خطوة ثم هم بالانصراف، فندبه الأمير ابن رماحس أن لا يفعل فلم سيجد فيه حيله، فاضطر ابن رماحس إلى أن يكتب إلى الحكم يعرفه ويصف له ما جرى من ابن رفاعة ويشكوه، فجاء جواب الحكم إلى ابن رماحس بما نصه كما أطلعني عليه ابن رماحس:
الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطيء وافد العراق إلينا، وابن رفاعة أولى بالرضا عنه من السخط، فدعه لشأنه وأقدم بالرجل غير منتقص من تكريمه، فسوف يعليه الاختبار إن شاء الله أو يحطه
وفي عصر ذلك اليوم دعانا الأمير ابن رماحس لأن نتفرج برؤية الأساطيل وهي تلعب لعبتها التي تلعب إذا هي همت بحرب أو رجعت من قتال ظافرة وذلك لأن أسطولاً أندلسياً آب من إفريقية في ذلك اليوم مفلجاً مظفراً في معركة نشبت بينه وبين أسطول المعز لدين الله - فذهبنا إلى الميناء وركبنا زورقاً وأخذنا نشاهد حركة الأسطول ونجتلي أنواعه وعدده وآلاته ونحن نأتي لك على شيء مما شاهدنا. . .
стр. 2803
روح الإسلام
مقدمة هذا الكتاب
إن استمرار الرقي الديني بين البشر لموضوع عظيم الأهمية لدى المولعين بدراسة الحياة البشرية وإن تيقظ الذهن الآدمي إلى إدراك أن هناك شخصية أي إرادة عليا تشرف على الكون، وإن ما عاناه الأفراد والأمم من المجهودات والتطورات حتى وصلوا إلى فكرة أن هناك روحاً عامة تتخلل جميع أجزاء الكون وتدبره وتنظمه - لتفسح المجال لمباحث من أهم وأخطر ما يعنى به الإنسان.
إن تطور العقيدةالدينية من عبادة الأشياء المادية إلى عبادة الله قد صادف من العقبات ما أخره عن حينه المناسب. فلقد انحرف جماعات وأفراد من الناس عن منهج الرقي والتقدم وأطاعوا الأغراض والمطامع وانقادوا لأهواء نفوسهم ومآربها. فارتدوا إلى عبادة شهواتهم ممثلة في معبودات طفولتهم. ولكن صوت الله الخفي لا يزال يرسل دعوة الحق وإن لم تسمعها الآذان - فإذا جاء الأجل قام أولياؤه بإعلان واجبات الإنسان نحو نفسه ونحو الخالق. أولئك رسل الله الصادقون. قد ظهروا بين شعوبهم فلم يزد أمرهم على أن كانوا أبناء عصورهم ونتائج أوقاتهم. فكانوا لذلك يمثلون أماني الروح البشرية وطمحاتها نحو الحقيقة والنزاهة والنقاء والعدل. فكان كل واحد من أولئك الرسل كأنه مجموعة الاحتياجات الروحانية الكامنة في صدر عصره. لذلك جاء كل منهم ليشرف أمة وضيعة. ويرفع من قدرها ويطهرها ويصلحها. فمنهم ن جاء مدلياً إلى الناس بتعاليم محصورة، فهذا لا يتعدى تأثيره منطقة محدودة. ومنهم من جاء برسالة ليملأ بها السماء والأرض وينشرها في أرجاء العالم أجمع - رسالة ليست بمقصورة على شعب واحد أو أمة واحدة بل موجهة إلى الإنسانية بأسرها - كذلك كان محمد. فلم تكن رسالته مقصورة على العرب ولم يبعث لعصر واحد أو إقليم واحد. ولكن للناس كافة إلى آخر الأبد، إن ظهور هذا المعلم الكبير الذي كانت حياته صحيفة نقية بيضاء لم يكن مجرد صدفة واتفاق أو حادث منفصل غير متصل بسلسلة تاريخ العالم فإن عين تلك الأسباب وتلك الآفات وتلك الحاجة الشديدة إلى إيجاد الثقة والاعتقاد في القوة الخفية المنبثة في ذرات الوجود المسيطرة على الكون - تلك الأسباب والدواعي التي أدت إلى ظهور نبي كانت حياته مأساة على شواطئ الجليل في
стр. 2804
عهد أغسطس قيصر - تلك الأسباب بعينها هي التي تحركت وثارت وأحدثت من النتائج الهائلة ما أحدثت في القرن السابع بعد الميلاد أي قبل ظهور محمد.
كانت فاتحة القرن السابع بعد الميلاد عصر انحلال وطني واجتماعي وديني وكانت ظواهره تتطلب عقيدة جديدة تسترد القوى الشاردة الضالة إلى سبيل الرقي الروحاني المؤدي إلى تطهير العبادة الشخصية. هذه الظواهر كلها كانت تتطلب ديناً أدل على القدرة الإلهية وأظهر للسلطة السماوية من اليهودية والنصرانية. هذا وإن اللهيب المقدس الذي أذكاه زرادشت وموسى وعيسى كان قد انطفأ في دماء البشر إذ لبثت ديانة زرادشت بعد فسادها تكافح المسيحية التي كانت قد أصبحت أفسد منها قروناً عدة - فخمدت أنفاس الإنسانية ما بين معترك الملتين وراحت أسعد أقاليم الدنيا من جراء هذا العراك وهي موارد بلاء ومسايل دماء وما زال استمرار التنازع على السيادة وتمادي الحرب الضروس حتى امتص دماء الحياة من قلوب أمم العالم. وأصبح سكان الأرض تدوسهم القسوسية الجامدة والكهنوتية الميتة تحت أقدامها الحديدية وهم يضجون إلى الله من مظالم زعمائهم، فلا غرو أن أصبحت الحاجة أشد ما كانت إلى منقذة ومخلص.
بناء على ما تقدم أقول أننا إذا أردنا أن ندرك قيمة ما أداه محمد في العالم الأدبي الروحاني فعلينا أولاً أن نلقي نظرة عامة على الحالة الاجتماعية الدينية لأمم الأرض قبيل وحوالي الوقت الذي ظهر فيه الإسلام.
يزعم المؤرخون أن هضبة بكتيريا التي يسميها جغرافيو العرب أم البلاد هي مهد البشر ومنبت الأديان والأمم. ونحن إذا نظرنا إلى هذا الموطن القديم - مهد النوع الإنساني - بمصباح الإثنولوجي (علم أجناس البشر) فتأملناه من خلال نور ذلك المصباح المبهم الضئيل - رأينا طوائف أسرات مجتمعة في هذا المكان العتيق لا تزال تأتلف وتلتئم فتكون فضائل وقبائل ثم يدفعها التكاثر والتزاحم فتندفق وتستفيض أمواجاً تترى متواليات لتعم وجه البسيطة. والظاهر أن الفرع الحامي (نسبة إلى حام) كان أول من انشق عن الجرثومة الصلية وهجر الوطن الأولي. ثم تبعه الطورانيون الذين يقال أنهم شعبة من الأسرة اليافثية. ويظهر أن بعض هؤلاء ضرب شمالاً ثم انتشر في الشرق فأسس الفرع المغولي الحاضر. وقسم سار غرباً فاستوطن أذربيجان وهمذان وغيلان وهي بقاع واقعة في جنوبي
стр. 2805
بحر قزوين وجنوبه الغربي وكانت تعرف قديماً ببلاد ميديا. ثم انشعب فيما بعد قسم من هؤلاء فانخدر جنوباً إلى سهول بابل الممرعة الخصيبة فأسر الجاليات الحلامية القديمة ثم خالطها وامتزح بها على توالي الأزمان فكون معها الأمة الأكاديين وهم الـ الكوشيون الذين جاء ذكرهم في الإنجيل والتوراة فهذا الشعب الخليط أوجد بابل وأحدث نوعاً من الدين كان من أسمى مجاليه وأرقى أطواره أشبه بمذهب الحلول (مذهب ألوهية العالم أعني الاعتقاد بأن الله حال في كل شيء حتى يصح القول بأن كل شيء هو الله وأن الله هو كل شيء) أما في أسفل أطواره فإن هذا الدين بما فيه من عبادة الشياطين وآلهة الشمس والقمر وتضحية بالأطفال للإلهين بعل ومولوخ وتضحية عذر الأبكار للإلهين بلتيس وأستوريث وتحليل السفاح - فإنه آية على عصر اقترنت فيه المدنية الراقية بأرذل الفسق والفجور والفحشاء والمنكر وأباح الدين فيه استعمال العنف والقسوة.
ثم هاجر بعد ذلك من الوطن الأصلي الفرع السامي (نسبة إلى سام) فاقتفوا آثار الطورانيين ذاهبين غرباً حتى استوطنوا شمالي دلتا الجزيرة ثم قووا وتكاثروا فغزوا الدولة البابلية وقهروها وأسسوا مملكة مترامية الأطراف كانت لها السلطة والسيادة على جميع الولايات المجاورة أولئك هم الآشوريون الذي استتب لهم الملك واستكمل لهم الجبروت والصولة في مقر دولتهم المؤيدة المنصورة بين النهرين العظيمين دجلة والفرات فارتقوا حيناً ما إلى منزلة الديانة التوحيدية (القول بوحدانية الله) كما تشهد بذلك تعاليمهم الدينية.
وبينما كان السواد الأعظم من الجالية السامية يتدرج في مراتب التقدم والرقي ويأخذ في أسباب القوة والتكاثر في أعلى الدلتا انحدرت فئة قليلة نحو الجنوب إلى بقعة يقال لها يور داخل حدود المملكة الكلدانية. وكان لهذه القبيلة زعيم وقد حكم على نفسه بالنفي والطواف في الأرض. هذا الزعيم هو والد الذين تألف منهم التاريخ في المستقبل. أما سيرة هذا الرجل وما تضمنت من منفاه وتجولاته اندمجت في سلك الأساطير المقدسة لعدة من الأديان.
ولعل الأسرة اليافثية كانت أطول تلك الأسرات مكثاً في المواطن الأولى. فبينما الشعوب الأخرى التي انشعبت عن الجرثومة الأصلية كانت تؤلف دولاً وتحدث أدياناً كان الفرع اليافثي يتطور على أسلوب خاص به. لكن سير الأمم الذي بدأ لم يكن ليوقفه شيء. فجعلت
стр. 2806
القبائل واحدة أثر أخرى تهاجر نحو الغرب مدفوعة بروح القلق والتطلع الغريزية في القبائل الهمجية أو بضاغط التزاحم والتكاثر وضيق المجال وطلب النجعة في مواطنهم الأصلية. فأول من هاجر من القبائل اليافثية البلجيون والكلت. ثم تبعهم قبائل أخرى حتى لم يبقى في المواطن القديمة إلا الآريون الأصليون. فقسم من هؤلاء كان يقطن جوار باداخستان وقسم عند بلخ حيث لبثا قروناً عدة منعزلين عن الأمم المجاورة لا يتأثران بحروبهم ولا بحركاتهم. وأن ضوء التاريخ الذي طلع فجره على الشعوب الغربية مؤسسي الممالك والمدنيات ليسقط شعاعه أيضاً على هؤلاء الأقوام القديمة ويجلو لنا كما لو كان من وراء غيم وضباب عدة قبائل منها على تلك الهضبة حتى نراها قد برزت من الوحشية إلى الهمجية وأخذت تشعر بوجود معنى روحاني يعم الكون ويشمل الوجود أجمعه. في ذلك الحين أخذت الأفكار الروحانية تحل محل القوى الطبيعية والظواهر الكونية التي ما برحت حتى ذلك الحين تعبد من أولئك الأقوام عبادة خوف وخشية مشفوعة بالرعشة والارتجاف فجعل بعض هؤلاء الأقوام يرجعون كافة المعاني والتصورات المنتزعة من القوى الطبيعية والظواهر الكونية إلى مصدرين أساسيين - النور والطلام - فجعلوا الشمس بشير الحياة والنور رمز الإله والخير الذي بالرغم من احتباس قوته وتقيد صولته سيفوز فيما بعد على قوة الشر والظلام ويقهرها. وعند البعض الآخر من هؤلاء الأقوام كانت المعاني والتصورات التي أصبحوا ينسبونها للوثن الذي كانوا يعبدونه من قبل تتداخل وتتدامج بعضها في بعض - فأحياناً تبدو كوحدات كاملة شخصية متفرقة متميزة وأحياناً تتضام وتتلاحم حتى تصير شيئاً واحداً. وبعد ذلك نرى سحب الغموض والإبهام تنجاب وإذا بتلك التألفات القبلية والتكونات الفصائلية قد تحولت إلى تألف النظامات الملوكية وإذا بالمشروعات الزراعية قد حلت محل رعي الماشية وسوم البهائم وشرع في إيجاد الصنائع والفنون الأولية، وانتشر استعمال المعادن، وأهم منكل هذا هو أن فكرة وجود شخصية عليا مسيطرة على الوجود أجمع أخذت تتسرب إلى تلك الأذهان المقفلة وتكره نفسها على الدخول فيها عنوة وقسراً. فالملوك الأقدمون أمثال كيومورز هوشانج وغيرهما ممن شاد بذكرهم وتغنى بحديثهم شاعر الفرس الأكبر الفردوسي بشعر يسحر الألباب هو أمثلة ونماذج على مدنية تتقدم وترتقي. والظاهر أن دخول النظامات الملوكية في القبائل الآرية
стр. 2807
الأصلية كان معاصراً لتلك المشاحنة الدينية التي وقعت بين فرعي الأسرة الآرية فأدت إلى طرد الفرع الشرقي من مواطنه الأصلية هضبة بكتريا. وذلك أن أستاذاً يدعى زرادشت أحدث بين الآريين الغربيين ثورة دينية عظيمة فنشبت عن الحركة المذكورة معركة دينية شديدة كان من آثارها تلك اللعنات الشائعة الخالدة التي صبها شعراء الفيديين على عدو أمتهم ودينهم - زرادشت هذا. وإن أهاجي أولئك الشعراء الموجهة ذد الملة الجديدة هو أقطع دليل على أن هذا الانشعاب الديني كان السبب في انشعاب فرعي الأمة الآرية الأصلية وانصداعهما.
ولعلها كانت اول حرب دينية وقعت للبشر. في هذه الحرب استطاعت القبائل الغربية المتدينة بمذهب الثنوية (أي القول بوجود إلهين - إله خير وإله شر أو أصلين هما النور والظلمة) أن يطردوا أخوتهم - المتدينين بمذهب خليط - نصفه الإسراك أي تعدد الآلهة ونصفه الحلول أي الاعتقاد أن الله حال في كل شيء - فيقحموهم أرض باروبا ميسادي وعلى ذلك تدفق الآريون الشرقيون في بلاد الهند فاجتاحوا الأمم القديمة السوداء يوسعونهم ذبحاً وأسراً ويعاملونهم معاملة الأرقاء والعبيد.
على أن الفرق بين الديانتين الفيدية والزرادشتية لم يكن إلا نسبياً محضاً - وذلك أن ديانة زرادشت استعاضت عن عبادة الشيء بعبادة السبب فصيرت آلهة الفيديين أبالسة وصيرت عبدة الفيدية كفاراً. بينما شعراء الفيديين من وجهة أخرى وصموا إله أضدادهم أهورا بالشر وسموع أصورا أي القوة المعادية للإله وصبوا اللعنات الملتهبة على رأس زرادشت.
إن تاريخ ميلاد زرادشت الأول ومسقط رأسه مجهولان محتجبان في ظلمات الخفاء. غير أنه قد زهر في عهد داراهستابيس أستاذ آخر تسمى بعين هذا الاسم زرادشت فأحيا التعاليم القديمة ونظمها ووسع أساسها.
تدفق سيل الغزوات الآرية في الهند مستفيضاً شرقاً وجنوباً مدة عدة قرون وبديهي أن الجاليات الآرية تأثرت بوثنية الأمم التي غزتها وملكتها أو التي استقرت بينها - حتى نتج عن ذلك التأثر السيء عبادة السكتي الوحشية الخبيثة القذرة من ناحية - وشهوانية مذهب كرشنا السافلة من ناحية أخرى.
ولكن صميم الأمة الآرية بقي لقرون عديدة محتفظاً بالأفكار والعواطف التي انتقلت معه من
стр. 2808
وطنه الأصلي واستمرت هذه الأفكار والعواطف تؤثر فيه تأثيرها غير أن هذا الصميم (صميم الأمة الآرية) كان قد كتب عليه أيضاً أن يفقد هذه البقية الباقية من الفكار والعواطف. وذلك أن القوم طاب عيشهم وصفا زمانهم ولاحظتهم عيون الإقبال والسعادة وانفسحت لهم نعمة فانغمسوا في اللهو والترف وباتوا بمعزل عن الحياة الجدية العملية التي كان يحياها أخوانهم الآريون الغربيون - وكانوا فوق ذلك واقعين تحت تأثير مخيلاتهم التي كانت مخصبة لدرجة فاسدة مريضة ولم يكن لهم نظام أخلاقي أدبي موضوع في قانون نافذ فعال ففقدوا عقيدة اسلافهم الروحانية ثم أحرزوا على توالي الأيام قانوناً - ولكن هذا القانون كان يمثل تلك الأفكار التي تتفشى في عصور مادية قذرة خبيثة.
ثم حدثت بعد ذلك ثورة نشأت عن غرائز ثورية وسلبية تسلطت على الذهن الهندي، ولكن البوذية على ما امتازت به من الأغراض السامية والمطامح العالية لم تكن بأية حال ديانة إيجابية فعلية. فهي وإن وافقت الزاهد المنعزل المتعبد عديمة التأثير على الجماعات والجماهير. وإن فشلها وخيبتها مع وجود أحسن الظروف ملاءمة ومناسبة كانت خاتمة سيرتها في الهند باعتبارها نظاماً دينياً.
стр. 2809
المرأة والروح العسكرية
للأستاذ عبده برقوقي المحامي
إن للأنظمة السياسية والاجتماعية واصطباغها بالروح العسكرية والاقتصادية شأناً كبيراً وتأثيراً عظيماً في تحديد مركز المرأة الاجتماعي ودرجتها من الاحترام العام. وذلك لأن الأمة التي تتغلب عليها الروح الاقتصادية مهما كانت جهالتها وسذاجتها تعظم نساءها وتعلي قدرهن وتحيط حقوقهن بسياج متين من القوانين والعادات التي تدفع عنهن كل افتيات. فال تبيح تعدد الزوجات وإن إباحته مقتته ولا تجعل للرجل سلطاناً مطلقاًَ على المرأة بل تبين حدوده ومعالمه بشكل نير واضح. ولا تكره البنت على الزواج بالشاب الذي يختاره لها والدها بل المرجع في ذلك إلى رأيها واختيارها.
وللبنت في بعض القبائل الساذجة التي من هذا القبيل أن تخطب بنفسها الشاب الذي تريده ولا تنتظر أن يتقدم إليها بل ترسل والدها إليه ليخطبه. أما الأمم والقبائل التي تتغلب عليها الروح العسكرية فعلى عكس هذا الخلق. تستهين بالنساء وتعبث بحقوقهن وتسيء معاملتهن.
وإذا تصفحنا الأمم واستقرأنا العادات واستوعبنا القوانين تتجلى لنا صدق هذه النظرية. ففي بولينيزيا نجد قبيلتي فيجيان والسامون على طرفي نقيض من الأخلاق. فالأولى مفطورة على حب القتال وترى الروح العسكرية منسكبة في مشاعرها وأنظمتها.
فرؤساؤها يتمتعون بسلطة لا حد لها وهي منقسمة إلى طوائف بعضها فوق بعض الأدنى يطيع الأعلى طاعة تقرب من العبادة وعلى رأس الجميع رجال الحرب وهم على جانب عظيم من القسوة والعنف. ولها جيش منظم على رأسه ضباط بدرجات مختلفة. فهذه القبيلة الحربية يذيع بينها تعدد الزوجات إلى أبعد مداه ويقتني رؤساؤها عشرات الزوجات إلى المئة وتحتقر النساء وتزدريهن وتبيح للرجل أن يبيع زوجته وأن يذبحها ويأكل لحمها إذا أراد.
أما القبيلة الثانية فالروح الاقتصادية سائدة فيها. لها حكومة دستورية ورؤساؤها يعينون بالانتخاب. وسلطتهم مقيدة محدودة. وبها نظام اقتصادي محكم الترتيب والنظام. فحث الإضراب عن العمل معروف لديها ومسموح به للعمال وبها نقابات للصناع وأجراء يعملون
стр. 2810
باليومية.
يقابل هذا أن النساء فيها مستمتعات بنصي بوافر من الرفاهية والاحترام العام لا يعملن إلا الأعمال السهلة الخفيفة. وإذا تزوج رجل بامرأة وجب على كل منهما أن يحمل بائنة وفي الغالب تكون البائنتان متساويتان وإذا افترقا بعد عشرة طويلة تقسم ثروتهما بينهما مناصفة فتأخذ الزوجة النصف.
وإذا انتقلنا إلى الأمم الراقية القديمة منهاوالحديثة نجد أن قدماء المصريين كانوا على درجة عظيمة من المدنية، ويجلون الصناعة ويتقنون أنواعاً كثيرة منها ويقدسون الفنون الجميلة ويعنون بها عناية كبيرة كما تدل عليهم آثارهم المجيدة. وكانوا على جانب عظيم من العلم وحسن الملاحظة وبعد النظر ورفاهية العيش. ولم يصلوا إلى هذه الغاية إلا بعد تدرج طويل وتطور استغرق قروناً عديدة في أثنائها ثبتت الروح الاقتصادية واستقرت في أعماق قلوب المصريين حتى أن الروح العسكرية التي ظهرت بينهم فيما بعد وقدستها ديانتهم لم تقو عليها، وظلت الروح الاقتصادية سائدة على مشاعر المصريين وأفكارهم. وكانت المرأة إزاء هذه المدنية الزاهرة محترمة الحقوق، وكان تعدد الزوجات على الرغم من إباحته نادراً ومستهجناً والطلاق ممقوتاً من الذوق العام والحصول عليه من أصعب الأمور. وكانت الروابط العائلية واضحة نيرة وخاضعة إلى أحكام دقيقة، وكان أساس الحياة الزوجية التآزر والتضامن والمساواة بين الزوجين. وكانت النساء تغشى المنتديات وتشارك الرجال في الحفلات العمومية كما تفعل الأوروبيات الآن.
وظلت المرأة المصرية حافظة مركزها مع ما أصاب مصر من الرزايا والكوارث الوطنية التي أفقدتها استقلالها وأوقعتها تحت نير الأجنبي. ولم تقدر قوانين الأمم التي تداولت الحكم على مصر أن تضعف مركز المصرية أو تهضم حقها. وظل مواطنونا الأقباط متمسكين بتراث أجدادنا فقد نقل المقريزي عن أخلاق وعادات الأقباط في عهده أنه لو باع أحدهم شياً يذكر في العقد أنه باع بعد الاستئذان من زوجته. ولا تزال العادات القبطية إلى عصرنا هذا تحرم الطلاق وتعدد الزوجات بتة ولذا تجد الحركة النسائية بينهم سائرة إلى الأمام بخطوات واسعة، وعن قريب ستتوج المحافل المصرية بنسائها الأقباط. ولكن المصريين لمسلمين عدولا عن كثير من عادات أجدادهم وذلك لامتزاجهم بالأمم الحربية التي فتحت
стр. 2811
بلادهم واستقرت بين ظهرانيهم واقتبسوا بعض عادات وأخلاق الفاتحين.
ولا يغيب أيضاً عن البال أن عهدنا بالإتجار في الرق غير بعيد، وأن كثير من الوجهاء إلى وقت قريب كانوا يذهبون إلى الأستانة ويشترون النساء للتزوج منهن أو التسري بهن.
غير أن هذا كله كان قاصراً على الطبقات العليا أما سواد الأمة وجمهورها فقد ظل بعيداً عن ذلك تقية منه. فالفلاح المصري الصميم يقنع عادة بزوجة واحدة ولا يطلقها إلا في الندرة ويعاملها معاملة القرين بخلاف الطبقات الأخرى التي اختلطت بالعرب والترك وغيرهم من الأمم الحربية التي نزحت إلى مصر فإنها شديدة البأس على نسائها وأطفالها، يكاد الرجل أن يكون ملكاً مستبداً، كلما قام أو قعد وقف له الجميع إجلالاً وإعظاماً، وإذا جلسوا معه فخشب مسندة مطرقين إلى الأرض لا ينبسون بكلمة ولا يردون له رأياً ولا يأنسون به. ولن تجد في مصر أكثر زواجاً وطلاقاً من البدو أو ممن أصلهم بدو.
لكن منذ أمد غير بعيد أخذت هذه الطبقات تتجانس مع بقية الأمة وتقترب عاداتها من العادات المصرية القديمة وتتقلص عنها قسوتها على النساء وشدتها على الأطفال والفضل في ذلك راجع إلى شرف محتد الأمة المصرية ومجدها الأثيل وإلى نسيم الرقي الاقتصادي والعلمي الذي هب على مصر فأنعش حياتها المادية والأدبية وحملها على السعي في إصلاح شؤونها السياسية والاجتماعية وتطلب نصيب أوفر من الحرية في الحكومة والعائلة وسيصل بها التطور في المستقبل القريب إلى ائتلاف في العادات والأخلاق ووحدة في الأحوال الشخصية فيتقاضى المسلم والقبطي أمام محكمة واحدة وعلى قانون واحد ولا يكون بينهما فرق في الزواج والطلاق. وقد برهنت المرأة المصرية في حركة الأمة الأخيرة على صدق هذه النبوة فقد اشتركت النساء في تعضيد الحركة الوطنية وضممن أصواتهن إلى أصوات الرجال وقابلن ذوي الشأن من أجانب ووطنيين وعرضن عليهم مطالب الأمة وسرن في الشوارع وعلى رؤوسهن تيجان الكمال والوقار يشهدن العالم كله على أن المرأة المصرية الحديثة جديرة بمركز نساء الفراعنة العظام.
إن نظام الحكومة صورة من النظام العائلي وعلى قدر ما لرئيس العائلة من سلطة يكون سلطان الحكومة. وإذا كان رب الدار جباراً مستبداً كان الحاكم كذلك. والبلد الذي تكون روحه عسكرية يكون الرجل فيه خشن المعاملة قاسي القلب شديد البطش صعب المراس
стр. 2812
يحتقر من دونه من النساء والأطفال والضعفاء. فالحاكم الروماني أول عهد رومة بالحياة السياسية كان مطلق الإرادة لا رقيب عليه ولا حسيب وكذلك كان الأب الروماني في ذويه، والسبب في ذلك أن رومة كانت أمة حربية من قمة رأسها إلى أخمص قدميها. وظل الاستبداد فيها آخذاً برقاب العائلة والأمة إلى أن ضعفت الروح العسكرية، ورجحت عليها الروح الاقتصادية، وقد تم هذا حينما أصبحت رومة إمبراطورية عظيمة تضم بين ذراعيها بلاداً شاسعة وأمما عديدة وقلت بذلك نسبة المشتغلين بالحرب إلى مجموع الأمة فإن الروح العسكرية لا تتوقف قوتها على كثرة الوقائع التي انتصرت فيها الأمة وإنما على نسبة الجنود إلى مجموع الذكور القادرين على العمل فإن كان جميع الذكور جنوداً مستعدين للقتال والنزال كانت الروح العسكرية على أتم قوتها وإن لم يكونوا كذلك وازدادت طبقة العمال والتجار والزراع ضعفت الروح العسكرية بنسبة هذه الزيادة وتقوت الروح الاقتصادية، والأمم الصغيرة المتعادية إذا اتحدت وألفت منها إمبراطورية عظيمة تضعف فيها الروح العسكرية ولو أنها في هذه الحالة تزداد خطراً على جيرانها وتكثر مواطن الخلف بينها وبين ما يماثلها من الإمبراطوريات فإن نسبة المحاربين فيها مهما كانت عظيمة لا تصل إلى النسبة التي كانت في جزئياتها. وهذه هي حال الإمبراطورية الرومانية بعد تأسيسها واتساعها. وهناك أمر آخر جدير بالعناية وهو أن الاحتفاظ بالبلاد الشاسعة التي امتلكتها رومة أوجب عليها ترقي الصناعة والزراعة وإشغال عدد كبير من رجالها في تهيئة أدوات القتال ومعدات النقل لجيشها العرمرم وفي أثناء هذا الرقي الاقتصادي والنمو السياسي كانت المرأة الرومانية تعلو أيضاً حتى وصلت مع الإمبراطورية إلى ما يقرب من الكمال ثم تدهورت وانحط شأنها حينما انفرط عقد الإمبراطورية وتناثرت أجزاءها إلى إقطاعيات صغيرة متعادية فانتعشت الروح العسكرية وضعفت الروح الاقتصادية ولبثت المرأة كذلك مهملة محتقرة حتى انقرضت الإقطاعيات ونشأت على أنقاضها الممالك الحديثة.
والممالك الأوروبية الحديثة ليست كلها على وتيرة واحدة في معاملة النساء لأن الروح العسكرية فيها على درجات مختلفة من الشدة والضعف فمركز المرأة الفرنساوية أو الألمانية أقل من مركز المرأة الإنكليزية لأن الروح الفرنساوية أو الألمانية أميل إلى
стр. 2813
العسكرية من الروح الإنكليزية وليس لإنكلترا بسبب موقعها الجغرافي وانفصالها عن القارة الأوروبية جيش كبير بخلاف فرنسا وألمانيا فإن الخدمة العسكرية فيهما تستنفد عدداً عظيماً من الشبان وتمنعهم من القيام بنصيبهم من الأعمال وتلقي بعبء هذا النصيب عل عاتق النساء.
فترى النساء في فرنسا وألمانيا يشاركن الرجال في العمل في الحقول ويزاولن خارج المنازل أشغالاً كثيرة بخلاف الإنكليزيات فإن عملهن سهل خفيف والإنكليزي مشهور بظرفه مع النساء حتى يضرب به المثل في ذلك ويترك لأولاده الذكور والإناث على حد سواء مجالاً عظيماً من الحرية.
أما الألماني فيعود أولاده على الطاعة والنظام وقد قالت سيدة ألمانية أقامت مدرسة في إنكلترا مدة طويلة أن متاعب التدريس في المدارس الإنكليزية أشد منها في ألمانيا وذلك لنزوع الروح الإنكليزية إلى الحرية وانطباع الروح الألمانية على الطاعة والنظام.
وقد بلغت الروح العسكرية في فرنسا مدة حكم نابليون الأول مبلغاً عظيماً أقست قلوب الرجال وملأت نفوسهم كبراً وأنفة حتى أنستهم واجبهم نحو الضعفاء في كثير من الأحيان.
وقد حكي عن نابليون أنه قال يجب أن يكون للزوج على امرأته سلطان مطلق.
أما في أمريكا فقد بلغت المرأة مركزاً سامياً لم تبلغه نساء البلدان الأخرى لضعف الروح العسكرية وعدم الحاجة إلى جيش كبير.
وإذا رجعنا إلى الشرق الأقصى تتجلى لنا صحة النظرية بوضوح تام فإن الصين منذ ألفي سنة لم تستقر على حال من القلق والثورة بسبب تفكك أجزائها وتحللها ثم تجمعها واتحادها وتعاقب ذلك على مدى هذه القرون الطويلة ومكثت أجيالاً عديدة في حرب وكفاح مع التتار والمغول وفشا عن ذلك روح عسكرية قوية واستبداد مطلق في الحكومة والعائلة واستهتار بالمرأة إلى درجة الإتجار فيها والتسري بها وإشغال كاهلها بأشق الأعمال كجر العربة والمحراث ولكن في هذه الأيام الأخيرة تحسنت حالتها نوعاً ما بفضل ما أصاب الرأي العام من التطور والرقي والطموح إلى الحرية.
وكذا اليابان فإن حروبها الداخلية الطويلة أكسبتها روحاً عسكرية ووصمت الحكومة فيها والعائلة بطابع الاستبداد المطلق فالمرأة من زمن غير بعيد كانت تسام الهوان وتباع
стр. 2814
وتشترى للتسري بها وكان الرجل يعاملها بمنتهى القسوة ويطلقها متى أراد ويقتلها أوي صلبها إذا ظن بعفافها سوءاً. ولكن منذ ما أخذت اليابان بأسباب المدنية الحديثة والرقي الاقتصادي ارتفع شأن المرأة وارتخت قيودها وزال عن كاهلها مظالم كثيرة.
стр. 2815
أثران خالدان
خطابان من مازيني إلى مسز كالاريل
نقلهما إلى العربية الكاتب الفاضل على أفندي أدهم الموظف بجمرك مصر وأهداهما إلى البيان
يذهب فريق من المفكرين إلى أن ولوع بع النفوس بالكمال المطلق وشغفها بالمثل الأعلى هما كتعلقها بأمل لا يتحقق وكلفها بوهم لا يصدق ولكنهم لا ينكرون على ذلك الولوع بالكمال فائدته في تهذيب النفوس وإيقاظ الشعور ولا يجهلون أثره المحمود في حياة الفرد والجماعة، وهم يشبهونه بحجر الفيلسوف وأكسير الحياة اللذين كانا من أشد البواعث على تقدم علم الكيمياء وأنا نري أن نلحظ الموضوع من جانب آخر وهو أن كل بطل باسق الأفعال ضخم الآمال يعبر لنا ن نفسه عن حلم رائع أرسلته فيها الطبيعة وهو يستفرغ همته ويبذل غاية ما في وسعه في أن يلائم بين العالم الخارجي وبين ذلك الحلم المشتملة عليه نفسه وأن السعي وراء ذلك هو على شقاء العظماء ومصدر ما يلاقونه من الصعاب وإذا نظرنا إلى حياة رجل من فحولة الرجال مثل مازيني في ظلال تلك الفكرة تبدت لنا أسباب الأخطار التي صادفته في حياته فلقد عاش الرجل أكثر حياته طريداً كالمثل الشرود ولما نبت به بلاده وأخذت تلفظه الأقطار إلى أن ألقى عصا المسافر في لندن التقى هناك بعائلة كارليل ونشأت له صداقة متينة معها وكان يخص المسز كارليل بالجانب الأوفر من تلك الصداقة ويجمل الظن بالحياة أن يقف الإنسان على حقيقة تلك الصداقة وذلك الود النقي المتبادل إذ يعلم أن الصداقة الشريفة والصفاء المحض ليسا وهماً من أوهام العقول المسترسلة وراء الأحلام الهائمة في أدوية الخيال، وقد كانت مسز كارليل شاعرة أدبية من النساء العبقريات الساميات اللب الكبيرات الروح وقد كان في مزاجها نزوع إلى الحزن ولم يكن أسلوب الحياة المنعزلة التي كانت تعيشها مع زوجها ما يسلسل أنوار السرور في ليل الحياة المكتئبة وكانت معاشرة زوجها من أشق الأمور وأصعبها احتمالاً لوعورة أخلاقه وتسخطه الدائم وملله المستمر، وقد كتب إليها مازيني خطابات عدة جديرة أن تلهم النفوس الحائرة الصبر والقوة بما يتفجر في خلالها من ينابيع التفاؤل العذبة ومن بين هذه الخطابات الخطابان الآتيان.
стр. 2816
١
خطاب من مازيني إلى مسز كارليل
صديقتي العزيزة:
لم أجد سبيلاً إلى الكتابة إليك أمس كما كان في نيتي لوفاة زوجة صديقي بتروسي. لقد كانت حزينة لدى والموت ولكنه حزن معافى من العيوب بريء من النقصان، وهكذا ينبغي أن يكون حزنك وهذا ما أريده بك، بل هذا ما يبتدر إليك ويستبق نحوك لو عملت الروية لحظات وجلت هنيهات في مضمار الفكر وقد أحاط بك اليقين وانبعث في صدرك الإيمان. إن الأفراح والآلام وإيماض الآمال ببروق النجح وانقشاع غبرتها عن الخيبة هي - كما تعودت أن أقول - مثل الأمطار وضوء الشمس لا بد للمسافر أن يلاقيها في طريقه، فلنحمد الله ولنشكره إذا طلع علينا أضواء الشمس، ولنشتمل في بردتنا ونوثق عراويها ونضم أزرارها إذا حل علينا الغيث نطاقه وأرسلت السماء أمطارها، ولا يخامرنا الشك أو يداخلنا الريب في أن سقوط الأمطار أو لشروق الشمس أدنى تأثير على نهاية الرحلة المنشودة، ومثل هذا لا تسقط دونه معرفتك ولا يعزن عن علمك ولكنه يعوزك يقين يعمر قلبك ويهبك القوة على النهوض بما يوحي به إليك فكرك ويرد إلى فسك ذلك اليقين من إضمار المحبة للناس والانطواء على المودة لهم وقد يخلص لك إذا أشرقت في مدجيات أحزانك أنوار الإيمان الديني وربما يسلس لك القياد ويعطيك الليان إذا أنت فكرت فيمن مات من الأحباب والأصدقاء ونشرت مطوى أخبارهم وجددت قديم ذكرهم، وأنت تعرفين كلفي بك ونزوعي إليك فلا تصوحي مني أزاهير اليقين ولا تنضبي فيّ ينابيع الرجاء ولا تكوني عليّ حرباً فكفاني مساورة تلك الأضاليل التي تحف بي من كل جانب وتطالعني من كل مرقب وتميل بنفسي إلى ناحية الهاوية السحيقة ولا تزيدي نفسي حزناً ولوعتي اتقاداً بسوء أسوتك وشر قدوتك وبما يبدو عليك من شواهد المادية ولوائح الأنانية، وإن عهدي بك راسخة العقيدة ناصعة الإيمان فلماذا لا تحضرك خاطرة أن الله أراد بهذه الحياة الفانية أن يبلونا وأنه عما قليل سيقيمنا في ظلال راحته ويبسط فوقنا جناح حنانه إذ لك والدين وإن كانا الآن بعيدين عن منال الإحساس مرتفعين على متعلق المشاعر فلم لا تفضين إليها بذات صدرك وتناقلينهما حديث أشجانك فإن لحظة واحدة تستغرقينها في مناجاتهما لأجدى عليك من
стр. 2817
كلماتي برمتها وأجمل أثراً في نفسك من نصائحي بجملتها، ولو كان والداك أحياء الآن كما يقول الناي أما كنت تستفيضين في جوارهما وتفزعين إليهما وتخبئين رأسيك في صدريهما فيتسرب السلو إلى قلبك ويتندى برد الهدوء على كبدك فتحسين بأنك مدينة لهما بالقوة حتى لا يستشعرا منك الخجل أم قد تشعبت بك الظنون وتقسمتك الأوهام فدار في خلدك أنهما قد سلكا طريقاً لا رجعة منها وأن روحيهما الخالدتين الفياضتين بالحب قد انتثر عقدهما وانحل نظامهما فليس لهما أبد الدهر ناظم يقدح عندك في معاقد حبك لهما ويقلل من فرط إجلالك إن غيبتهما المقابر ونصبت عليهما الصفائح.
ولقد طال ما استشعرت أن مناجاتي لأرواح أصدقائي كانت لي مصدر قوة غير منتظرة ومثار عزم غير مرتقب ولقد كانت تتصبب في نفسي مسايل تلك القوة وتجيش فيها غوارب ذلك الاعتزام وأنا على سطح تلك الغراء ولم أرتفع بعد عن الأرض، تودين الآن أن تصدعي منا متلائم الشعب وتفرقي مجتمع الشمل كوني منيعة الجانب على المكاره وجلدة على الخطوب وكوني صادقة العهد لمن أوقفت لهم حبك وحبست عليهم إعجابك وكوني ملء عيون أصدقائك مهابة وقلوبهم جلالاً فإن أكثرهم يلقى من عاديات الزمن ونكبات الدهر وما يحلل من بأس الأقوياء ويوهن من عزائم الأشداء، بل تكاد نفسه تسيل على نصال الألم في صمت وسكون تعوزه كلمة منك ترفه عن نفسه وتخفف من جواه وتبعث فيه القوة والعزيمة فانهضي إلى العمل ولا تنتبذي منا مكاناً قصياً واعلمي أن الشيطان لما أراد أن يغوي المسيح زين له العزلة وحبب إليه الخلاء.
صديقك مازيني
٢
خطاب آخر من مازيني لمسز كارليل
صديقتي العزيزة:
قضيت سحابة الأمس خارج المنزل وقرـ خطابك لما عدت في المساء فلم أجد نهزة صالحة للكتابة إليك، وكانت روح الحزن تطالعني من خلال كلماتك القليلة ذلك الحزن العميق الولاج، ولا أقول الحزن الذي ليس لصدعه رأب ولا لدائه طباب، ومما يستدعي الأسف ويستوقد اللوعة أنه ليس في وسع أحد مهما بسط له من القوة وأوتي من الأيد أن
стр. 2818
يرد عنك عرام الحزن ويكف غرب المصاب فأنت وحدك - وإذا أرسلت رائد طرفك في صفحات حياتك الغابرة بهدوء لا ترنق صفوة رياح العواطف، ولا تهتاج ساكنة ثوائر النزعات - في وسعك أن تعمري في ليل النسيان تلك الخيالات التي تزورك، والأشباح التي تطرقك، أنت - ولا أحد سواك - في وسعك أن تبصري نفسك أن الحاضر سواء أصلدت أخلاقه صلابة أم رقت عذوبة لا منصرف لنا ولا متحول عن أن نلاقيه بأنفس كثير الرزايا عندهن قليل، فلا تزدهف لبناً حوادثه ولا تهفو بأحلامنا رواياه وإلا فأين منازل الإجلال اللائق بروحك الخالدة ومعاهد الإيمان بالزمن المقبل الخطوات، ذلك المستقبل الذي ستشرق فيه الشمس جلواء الطلعة لا تحجبها عن النواظر مطارف الغيوم أو جلابيب السحب. إن كل ما تحويه قدرتي وتحده طاقتي أن أنصح لك أن تنصبي في طلاب القيام بالواجبات، وليس مرمى خاطري هنا الواجبات التي تضفي على حياتك ظلال السعادة، فإن السعادة من وراء طاقة البشر ومن فوق إمكانهم، وإنما معقد أفكاري وقبلة خواطري الواجبات الدينية التي تفيض في نفسك قوة المثابرة وتكسو الحياة حلة مقدسة وتهون عليك الاستسلام للمقادير، ولكني على ثقة أن نصيب تلك الواجبات منك الصد والاستهتار، إنا كلينا يحمل في مخيلته صورة للحياة جد مختلفة عن الصورة المرتسمة في ذهن الآخر، وقد كتب لنا في لوح المقدور أن نسير في طريقين متوازيين، ولكن عرفاني بقيمة تلك الواجبات ما زال هو الدافع الصادق الذي يتجافى بنفسي عن مهابط الكفر والإلحاد، وينأى بي عن مساقط اليأس والقنوط ويحثني على المسير متلفعاً برد الهدوء في طريق حياة تزداد على تسلسل الأيام إقفاراً ويتكاثر حملها على تجرم الأعوام ثقلاً. وإني أعترف إليك وأنا مبلول الجوانح قرير العين أنه بما استقر في علمك عني ومما سأدرجه عنك في سبائب الكتمان أني أضطلع من الأيام بأعباء ترق عنها صفحة احتمالك، وقد لاقيت من مؤلم الخداع ومرير الشكوك ما لم يضطرب بمثله جنانك ولم يتلجلج نظيره في خاطرك ولكني جاعل قيد عياني أن لا سعادة تحت السماء وأن حياتنا تضحية لغرض أسمى وأنبل وأوفر سعادة وأكثر بلهنية، وكفاني من الأيم أن يكون لي أحباب وإذا بخلت الأيام بذلك فكفاني أن يكون لي والدة ترصدني رعايتها وتكلؤني عنايتها من نواحي إيطاليا أو من نوافذ السماء فذلك كاف ليحميني الوقوع في الشرك والارتطام في الوهدة وما يسفر
стр. 2819
عنه ذلك من التفرق والانشعاب وذلك يكفيني لأنصلت في طريقي مجتمع القوة مثابراً على السعي والدؤوب حتى تصل بي الأيام إلى حافة القبر - القبر الذي ستوجف إلي ساعته إن لم أكن في طلبه دائم الإلحاح مرتفع العقيرة.
فانهضي أيتها العزيزة وانشطي من عقال الأحزان وانفضي عنك غبار الهموم واعلمي أن مسيرنا سواء أرمضتنا الهموم أم لم ترمض ضربة لازب - ذلك المسير الذي تجلل وجوهنا فيه تلك الابتسامة الحزينة ونتقارض فيه التشجيع. إنا نحمل بين جنبينا سراً مقدساً لا يجب أن نزيله لمخلوق مهما تعاظمت قدرته وتعالت كلمته، تقولين أن حياتك خاوية فارغة - أكانت حياتك ناضبة من فعال الخير ممحلة من الحب فأعيدي ذكر والدتك وافعلي الخير وارتقبي عناية الله واعلمي أن وجودنا ليس سخرية من الله وإنه لم يرسل في نفوسنا عبثاً ذلك النزوع إلى الكمال ولم يلهمنا ضلة ذلك الطموح إلى السعادة الذي نشقى منه الآن وثقي بالله الأيام الباقية.
стр. 2820
رسائل في علم الفلك
الرسالة الأولى
الفلك عند الأقدمين
علم الفلك هو العلم الذي يبحث في العالم السماوي وما فيه، كالشمس والقمر والنجوم والكواكب، وكل ما يتعلق بهذه الأجرام كحركتها وأحجامها وأبعادها وكسوفها وخسوفها، والوظيفة التي يؤديها كل منها في هذا النظام المحكم الدقيق.
وينماز الفلك عن سائر العلوم الطبيعية، بأنه بحث في أشياء هي فوق متناولنا فلا يستطيع المرء أن يصل إليها فيعلم منها ما جهل، ولا أن يحصل على أجزاء منها ليختبرها ويمتحنها فتعينه على الاستنباط والاستنتاج. ومعلوم أن هذه الأجرام هي أبدية بالنسبة إلى آجال الباحثين فيها وأعمارهم. ولهذا العلم فضل المتقدم هو أنه الذي حدا بالإنسان - وهو في طفولته الأولى - على أن ينعم النظر في السماء وما حوت، ويجتهد في أن يحلل ما يراه من ترتيبها ونظامها ويعلل ما يشاهد من سيرها وحركاتها، حتى وجدت فيه ملكة الملاحظة وقوة التفكير وأمكنه الوصول بعقله فحسب إلى نتائج دونها عقبات حتى تكاد تكون فوق طاقة البشر.
وإنا لا ندري متى ابتدأ علم الفلك، فقد أتى عليه ولا مراء حين من الدهر كان في حيز العدم. ولكن هذا الوقت وراء التاريخ، ليس ثم من يعرفه على التحقيق. وحسبنا دليلاً على مقدار قدمه، وبعد عهده، أن أجدادنا الأقدمين - الذين عاشوا آلاف السنين قبل المسيح ﵇ خطوا فيه خطوات واسعات، ونهضوا به نهضة حفظ لهم الدهر ذكراها على مر السنين وتتابع الدهور. حتى أن من بين الأقاويل التي تحوم حول أهرامهم الخالدة، ما يؤيد أنها شيدت بناء على مشاهدات فلكية صحيحة ودقيقة. ثم تلقنه اليونان عن المصريين، فأعاروه جانباً عظيماً من اهتمامهم، ووسعوا نطاقه، وأحدثوا فيه أشياء كثيرة. . ومما يروى أيضاً أن للهينيين آثاراً فيه منذ القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، وللهنود علم به قبل هذا التاريخ، وأن قساوسة بابل قد ضربوا فيه بسهم حوال ذلك العهد.
على أن أقدم المشاهدات الفلكية التي يوثق بصدق روايتها حدثت في القرن الثامن قبل الميلاد.
стр. 2821
ومن البديهي أن أول ما يلفت نظر الإنسان - منذ تكونت فيه القوى العقلية - هو أن هنالك نورين يتناوبان الإضاءة على هذا العالم: أحدهما، وهو الأقوى يظهر نهاراً وثانيهما وهو أقل من سابقه يظهر ليلاً، وأن هناك ضوءاً ثالثاً هو اضعف بكثير من الاثنين يسطع في السماء ليلاً كأنه المصابيح المتألقة - وهو ضوء الكواكب. بيد أن هذه المشاهدة مع بساطتها المتناهية، أدهشت عقول أهل تلكم الأجيال الغابرة، وحيرت أفهامهم، وجعلتهم يذهبون في تعليل نظامها مذاهب شتى، ويلصقون بها الأقاصيص الجمة والخرافات العديدة ومنهم من عظم في نظره ش أنها إلى حد أن اتخذها إلهاً يسبح بحمدها ويقدس لها كما قال تعالى في الذكر الحكيم عن إبراهيم ﵇:
﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي، فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة قال ربي هذا أكبر، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون﴾
فلما انعموا النظر في هذه الأضواء وطفقوا يراقبونها، تبين لهم أنها لا تنير فقط، بل تتحرك في وقت معاً - فالشمس مثلاً - وهي مصدر الضوء الأقوى - تشرق كل يوم من المشرق، ثم تصعد في السماء إلى أن تبلغ كبدها في منتصف النهار، وبعدها تأخذ في الانحدار حتى تغيب في المغرب. على أنهم لاحظوا فوق ذلك أن نقط الأفق التي تظهر منها الشمس، والأخرى التي تغيب فيها وارتفاع الشمس وقت الظهيرة، وحدة إضاءتها - كل هذه ليست ثابتة وإنما يتخللها اختلاف تدريجي يصحبه تغيير محسوس في الجو والزراعة وما إلى ذلك.
ففي الوقت الذي تكون فيه الشمس أعلى ما يكون وقت الزول، تكون حرارتها شديدة ويكون النهار أطول أمداً من الليل. فإذا جاء الوقت الذي يقل فيه ذلك الارتفاع إلى النهاية، ضعفت حرارتها وارتد النهار قصيراً. وبذلك عرفت الفصول المختلفة وسمي المدى الذي يكمل فيه هذا التغيير (عاماً).
وراقبوا القمر - وهو مصدر ضوء الليل - فإذا به يتقلب في أشكال عديدة لا يخطئها البصر، تتعاقب بترتيب منتظم في مدة ثابتة معينة. فيكون هلالاً صغيراً ضئيلاً يظهر بعد غروب الشمس مباشرة ولا يلبث أن يختفي، ثم ينمو في الليالي التالية فلا يكاد يمضي
стр. 2822
الأسبوع الأول حتى يظهر في شكل نصف دائرة قطرها في اتجاه مضاد للغرب. ثم يستمر في الازدياد حتى يصير في نهاية الأسبوع الثاني قرصاً كامل الاستدارة يظهر عند غروب الشمس ويأفل عند شروقها. . ثم ينقص شيئاً فشيئاً حتى يعود كما بدا (كالعرجون القديم) ثم يختفي بعد ذلك ليلتين أو ثلاثاً يظهر بعدهن الهلال الجديد ليدور نفس الدورة مرة أخرى.
وتعرف هذه الأشكال المختلفة بأوجه القمر وبواسطتها وبواسطة المدة التي تتم فيها - وهي الشهر القمري - وباختلاف الحالة الجوية التي مر ذكرها منذ هنيهة - التي تعرف بالفصول - بواسطة هذه الأشياء استطاع الناي في تلكم الأزمان الغابرة أن يقسموا أوقاتهم، وينظموا أعمالهم ويعينوا مواعيد اجتماعاتهم وغزواتهم ومواقيت زرعهم وحصادهم. وتسنى لرعاتهم أن يعلموا مواطن العشب والكلأ ويعرفوا متى يقيمون ومتى يظعنون.
أما الكواكب فإنهم ألفوها منتشرة في الفضاء أنى نظروا وحيثما ولوا وجوههم فلما راقبوها أثناء الليل رأوا أنها تتحرك حركة بطيئة مع حفظ مراكزها بالنسبة لبعضها تماماً حتى ليخيل للرائي أنها مثبتة على ظهر كرة هائلة تدور بها عل نقطة ارتكاز ثابتة. وتسمى هذه الكرة الوهمية (الكرة السماوية) كما أن النقطة الثابتة تدعى (القطب) وتجلى لهم أن النجوم التي على مقربة من ذلك المرتكز الخيالي لا تغيب عن الأبصار مطلقاً بل تتحرك في دوائر كاملة لا تتجاوز الأفق مهما اتسعت. . أما باقي أجزاء من دوائر قد خفي عنا باقيها. . وأن منها ما يبزغ في وقت معين في السنة ثم يحتجب، كما أن منها ما يظهر في ليالي الشتاء فقط وأخريات في ليالي الصيف.
ولما كانت النجوم جماً عديدها، متشابهة أشكالها، متقاربة أحجامها لم يك ثمة طريقة لتعيين إحداها إلا بمراعاة مركزها بالنسبة إلى النجوم الأخرى، لذلك قام الفلكيون منذ نيف وأربعة آلاف سنة فقسموها إلى مجموعات أطلقوا عليها أسماء ما تشابهه ولو بعض الشبه - من الأشياء المعروفة لديهم. . . فالدب الأكبر مثلاً يطلق على السبع النجوم الظاهرة الترتيب في السماء المعروفة باسم بنات نعش ولو أن الشبه بين ترتيب نجوم هذه المجموعة وبين الدب بعيد ضعيف لا يكاد يذكر.
وقد اختبرت اثنتا عشرة مجموعة هي على شكل دائرة في السماء لتدل على موضع الشمس في أي شهر من شهور السنة، وأسموها الأبراج وهي: العقرب، والقوس، والجدين
стр. 2823
والدلو، والحوت، والحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان.
وكونت في السماء، عدا هذه الأبراج، من ثلاثين إلى ستة وثلاثين مجموعة منها المثلث، والقوس، والنسر الطائر، والثعبان، والكأس، والسفينة.
ولقد علم الأقدمون وثبت لديهم أن النجوم تظل مضيئة في السماء نهاراً كما تبين ساهرة ليلاً. ولتلك من أعظم ما استكشفوا وأهم ما وصلوا إليه، إذ أنها أول استنتاج لحقيقة لم يروها بأعينهم بل كان رائدهم إليها التفكير ليس غير. وإن هذه النتيجة أيضاً من القدم بحيث لا يعي التاريخ لها اسماً تعزى إليه.
ومن آثار الأقدمين أيضاً أنهم استكشفوا أجراماً خمساً لا تتحرك كقطعة واحدة في المجموعة السماوية بل تشابه الشمس والقمر في أنها تسير وتغير أماكنها بالنسبة للنجوم الأخرى. وأنها لتشابه القمر على وجه خاص في أن نورها ينقص ويزيد من آن لآخر. فأطلقوا عليها اسم (الكواكب أو السيارات) ليفرقوا بينها وبين النجوم الثابتة. وهذه النجوم هي:
عطارد: وهي أقرب الكواكب إلى الشمس وأسرعها سيراً. وهو لا يظهر إلا أحياناً على مقربة من الأفق بعد غروب الشمس أو قبل شروقها مباشرة.
الزهرة: وهي ثاني الكواكب قرباً إلى الشمس، وتلقب (بنجمة العشاء) عندما ترى بعد الغروب وبنجمة الصباح عندما ترى قبل الشروق.
المشتري: ويضاهي نوره - في بعض الأحيان - ضوء الزهرة وهي عند تمامها.
المريخ وزحل: ويكون نورهما كنور أسطع النجوم الثابتة عندما يأخذان من السماء مكاناً حسناً.
ولا يهذبن بك الوهم فتظن أن الأقدمين قد جهلوا شكل الأرض، فإنهم قد علموا ذلك علم اليقين. وأثبتوا كرويتها من عدة قرون قبل الميلاد، ببراهين لا تقل وضوحاً وجلاءً عن تلك التي نقرؤها في أحدث كتب الجغرافيا وأن منهم من قاس قطرها أيضاً كما سيمر بك في الرسالة الثانية.
стр. 2824
حديث المائدة
قال الأستاذ: فرح أصحاب المائدة بعودتي إليهم حتى قال لي أحدهم على سبيل الإطراء (إنك لتتكلم كالذي يعتقد صحة كلامه) فكأن هذا الرجل كان يرى ذلك فيّ خلقاً نادراً وخلة غير معهودة حتى ذكرها لنا.
قلت (أي الأستاذ): من حاول التحدث بجد وإخلاص عرض نفسه للوقوع في آفتين الأولى: الصراحة المؤلمة. والثانية: الغلظة. ولا يخفى أن الغرض من التحدث إلى رجل أجنبي هو أن يعطي الإنسان ويأخذ من الحياة الحقيقية الخاصة بالاثنين أقصى ما تسمح به الفرصة. ولكن الحياة والحديث كثيراً ما يتضاءلان حتى يستحيلا إلى مجرد ألفاظ فارغة. ولقد روى لنا المستر (هاك) عدة نوادر عن أسلوب المحاورة بين رجلين من أهالي الصين كانا يتحدثان الأحاديث الطويلة المسهبة دون أن يلفظ أحدهما بكلمة ذات معنى: وهذه الأعجوبة ليست مقصورة على القاطنين وراء السد (سد يأجوج ومأجوج - حائط الصين) من الجنس الأصفر ولكنها تصادف كثيراً في النازلين دون السد من الأجناس الأخرى وأبرع المحدثين من الصينيين بضع نساء حسان أعرفهن وألقاهن أحياناً. فإذا رأيتهن فما شئت من ظرف وإيناس ومنطق حلو رخيم الحواشي تتطاير منه شظايا الملق والتقريظ تطاير نتف الوريقات الذهبية في الماء المعطر - وتنسجم ألفاظه انسجام الجدول السلسال - لا ترى فيه طغياناً ولا ركوداً - ولكن كلمات مؤتلفات متناسقات لا يتخللها مجاز بديع ولا استعارة مدهشة - فهن يصغن من الهواء ألفاظاً حلوة الانسجام لا تجد فيها من المعنى إلا مثلما تجد في السحاب من القصور الخيالية أو في جمرات موقد الشتاء من الوجوه الوهمية.
لعلك أيها القارئ، كنت يوماً في قطار ففصلت عنه الآلة البخارية قبل بلوغه المحطة بمسافة بعيدة على أن القطار استمر بالرغم من ذلك في مسيره بسرعة وسكينة كما لو كانت الآلة لم تزل متصلة به وتسحبه. ولو لم تكن قد أبصرت بعينك الآلة تفصل وتنعطف في طريق جانبي لما هجس بظنك أنك تسير بقوة حقيقية ميتة. فهذا كمثل أولئك النسوة الحسان الآنفات الذكر - فلعمري إن فيهن من تفصل ذهنها فصلاً تاماً عن حديثها ـ.
وأعجب من ذلك أننا لا نشعر بما صنعت فلا نرى البتة فرقاً. فشفاههن تساقط الكلم المستعذب كما تساقط أناملهن قطرات النغم المستملح من معازفهن - فالاعتياد المجرد من الإدراك يحول المعنى حروفاً ملفوظة على نحو ما يحول المعنى الموسيقى حروفاً نغمية
стр. 2825
(حروف النوطة) ولكنهن بالرغم من ذلك كله يحكمن العالم ويملكن أعنة الوجود - وما ذلك إلا لأن الجمال هو عنوان حقيقة أجل وأعظم من الحكمة.
هنا سألتني السيدة الأرملة ربة الوقار والجد تفسير جملتي الأخيرة.
قلت لها: سيدتي إن الحكمة خلاصة الماضي. أما الجمال فهو ثمرة المستقبل.
هذه كلمة استطرادية ثم نرجع إلى ما كنا فيه فنقول: هبني جلست على مائدة الإفطار إلى جنب رجل إنكليزي ذي فطنة وذكاء. فأول ما يجري بيننا هو أن كلينا ينظر في وجه صاحبه ثم نتبادل بضع كلمات.، وقد قرر كل منا في نفسه شيئاٍ - وهو تحاشي إساءة جليسه واستعمال الرقة واللطف والمبالغة في المجاملة والاحتفاء إذ كانت العواطف التي يشعر بها كل نحو الآخر ودادية محضة. فإذا تنازعنا الشراب. فنفض من حمرته على وجهينا ومن جمرته في دمائنا ازددنا رقة ودماثة.
قالت الأرملة: ما أحسب الذين يتحادثون على الخوان خلقاء أن ينطقوا بشيء من جوامع الكلم أو نوابغ الحكم ولاسيما إذا خالطت رؤوسهم المدام وصدمتهم حميا الكاس قبل الشروع في هرائهم ورطانتهم.
قالت الأرملة هذه الجملة بحموضة مسكرة كما لو كانت ألفاظها قد غمست في مادة (خلات الرصاص) ومثل هذه الجملة كان يسميها زملاء شبيبتي (الطعنة الخلس).
قلت في نفسي لا بد من القضاء على هذه المرأة.
فنظرت إليها وقلت: سيدتي إن المعلم الأعظم السيد المسيح كان مولعاً بالحديث على الخوان لأن هذه العادة كانت في زمن غابر ومكان قصي نسيت عظم قيمتها وجليل مزيتها؟
نسيت أنها كانت ولائم صادقة التف على موائدها أناس جياع ظماء شتى المذاهب والطبقات. ويحتمل أن القوم كانوا يديرون أحيناً أحاديث الخلاعة والمجون. ولا شك أنهم يديرون أكواب العقار.
إن الخمر مهما تكن منافعها ومضاره الصحية فإنها ولا شك أحسن دواء لعلاج الولائم البليدة المملة. ولا يخفى أنه كلما أقيمت مأدبة حرها طائفة من الناس مختلفوا الحالات النفسية والبدنية فالغرض المقصود والحالة هذه محاولة التسوية بين هؤلاء الجماعة في مسافة ساعة حتى يجمعهم صعيد واحد من الأنس والابتهاج والبشر. فالطعام وحده قد يستطيع أن
стр. 2826
يصنع ذلك ولكن بفرد واحد من الجماعة. والحديث وحده قد يكفي فرداً آخر. ولكن المسوى الأعظم والموحد الأكبر هو الخمر التي ما زالت اليوم على عهدها يوم (أبصرها الماء فاحمر خجلاً) ويوم استحلت الستة الأوعية المملوءة ماء إلى خمرة صرف عتيقة.
نرجع بعد هذا الاستطراد إلى ما كنا فيه من موضوع المحادثة مع الرجل الإنكليزي ذي الفطنة والذكاء. فنقول:
يبدأ المتحادثان بالمناوشة ببضعة معان خفيفة - تبحث عن الأفكار وتستكشفها كما يفعل الكيماوي الكهربائي عندما يحاول استكشاف تياره، فيستعمل ورقة من عباد الشمس الأزرق للاستدلال على الأحماض وورقة تورموريك للاستدلال على القلويات - طريقة الكيماويين في تعيين ماهية المركبات المجهولة. وتارى ترى المتحادثين يرميان المسبار في الماء ثم ينتزعانه فيفحصان ما جاء به من الرمل والمحار ليعرفا هل سيبقيان طويلاً في الأوشال والطحاطيح (الماء القليل القريب القعر) أو قد أشرفا على الغمار وأوشكا أن يلقيا (حبل الماء العميق).
إن تيار أفكاري منقسم إلى ثلاث طبقات فوق بعض. وبيان ذلك أني إذا جالست إنساناً فطفق يتحدث إلي تبعت أقواله وأحواله بالطبقة العليا من تيار أفكاري ولكن تحت هذه الطبقة العليا يفيض تيار آخر سفلي من انتقاداتي على أقواله وأحواله وتحت هاتين الطبقتين تجري طبقة ثالثة من شعور مستقل لا علاقة له بما فوقه. وهاك بيان هذه النظرية بالكتابة.
(أ) الطبقة العليا - الفكر وهو يتبع امرأة تتكلم.
(ب) الطبقة الوسطى - الخواطر التي تصحب الطبقة العليا.
(ج) الطبقة السفلى - وسوسة فكرة ذاتية مترددة ملحة.
الشرح
(أ) حلة بيضاء ذات أهداب زرقاء محلاة بأزهار حريرية وباقة من زهر التفاح - أساور دمالج وقلادة من اللؤلؤ وقرط من اللؤلؤ وقرط من الذهب - حذاء من القطيفة وجورب من الحرير الأبيض.
(ب) خيبة الله على هذه المرأة! يا للسخف ويا للحماقة! ما أرذل هراءها وما أثقل ثرثرتها
стр. 2827
(نظرة من النافذة على الشارع - ثلاث صفحات في وصف مستوعبات هذه النظرة لو حاولنا كتابتها - على أن النظرة لم تستغرق أكثر من عشر ثانية) تباً لك أيتها المرأة العجوز وسحقا! (تقع العين على صورة معلقة فوق الموقد) ما أشبه أنفها بأنف أمها وسائر أنوف أسرتها! هذه أنف زنجية لماذا لا تخرمها وتلبس فيها حلقة؟.
(ج) أخشى أن أتأخر عن ميعاد المحاضرة - أخشى أن أتأخر عن ميعاد المحاضرة - أتأخر عن ميعاد المحاضرة، عن ميعاد المحاضرة - ميعاد المحاضر - ميعاد المحاضرة الخ الخ الخ.
إن الطبقة الفكرية العميقة قد تبرز أحياناً إلى حيز الشعور بالكيفية الآتية: تستمر الطبقة أو الطبقتان الفكريتان العاديتان في الاطراد والجريان ولكن تشوبهما قوة خفية لا تزال تعترضهما وتزعزعهما بكيفية غامضة مبهمة - دأبها ذلك حتى تراني أصيح فجأة قائلاً (ها هي! لا زلت أعرف أن هناك شيئاً يقلقني ويكدر صفوي) وإذا بالفكرة التي ما برحت تتغلغل خلال الطبقتين الآنفتي الذكر قد نفذت فيهما فنجمت منهما وطفت على وجههما واضحة بينة - واجباً ثقيلاً أو ذكرى أليمة.
بدأ الرجل القزم المشوه الوارد ذكره في النبذة السالفة بتقريظه بلده بوستون واسترسل في ذلك مسهباً مستفيضاً كدأبه وديدنه.
فرد عليه الفتى الجميل الجالس بحذائه وهو من أهالي ماريلند قائلاً: لم هذه المقارنات والمفاضلات بين مختلفي المدن والبلدان؟ أليست كلها أمريكية وكل أمريكي منسوب إلى أمريكا بما ضمنت من البلاد والقرى؟ وهب أنكم أهالي بوستون أرجح أحلاماً وأرحب إفهاماً من سائر أهل أميركا فمن ذا يحسدكم على ذلك أو يبغضكم من أجله. نحن أمريكيون جميعاً. وحيثما رفعنا أبصارنا فرأينا الراية الأمريكية تخفق فوقنا وترفرف فذاك مستقرنا وموطننا!
قلت: إن حصر الذهن في أي نقطة محدودة يعوق نموه ويكدي شبابه ويرده قزماً قصيراً دميماً.
قلت ذلك وفاتني أن في هذه الكلمات تعريضاً بقصر الرجل ودمامته ولكنها لم تفته فأسرها في نفسه وتململ لها أسفاً وكمداً وامتقع لونه. ثم اشتد به الكرب فما أطاق استقراراً في
стр. 2828
مجلسه فهم بالقيام قائلاً:
اسمحوا لي أن أنصرف.
هنا ارتفع صوت حلو رخيم فيه رنة حنان ورقة قائلاً: كلا إنه لا يقصد إلى ما ذهب إليه ظنك. وإنما قال ما قال غير متعمد كلا والله لن تذهب. ورفعت ي بضة عضة بيضاء فاستقرت على عضد الرجل المسكين.
هذه هي الفتاة إيريس العذراء اليتيمة الحسناء - إحدى جلاس المائدة.
هنا ارتفع صوت أناثي آخر بلهجة كأنها محلول حمضي شديد من الجد والوقار والحشمة خال من أدنى أثر من اللطف والرقة فقال: إيريس عزيزتي رويدك انظري ما تصنعين!
ولكن الفتاة لم تبال بتحذيرات الأرملة ذات الوقار وبقيت واضعة يدها على عضد القزم المشوه - فكانت صورة بديعة يعدها المصور غنيمة وفرصة - دامت بضع ثوان ولا عجب. فأي شيء أغرب وأندر من منظر المليحة الحسناء في ريعان الشباب ورونق الصبا والقزم المشوه الدميم عليه وصمات الطبيعة القاسية وآفاتها ولعناتها ينظر أحدهما في عيني الآخر وقد امتزجت نظراتهما واختلطت لحاظهما.
لأكبر ظني أن القزم لم يظفر قط في حياته بمثل هذه النعمة ولم يفز بمثل هذه النظرة من حسناء قبل إيريس ولا شك أن الفتاة لم تنظر قط في عينين كهاتين تغلغلت ألحاظهما إلى أعماق روحها - لا أقول أن عيني القزم كان لهما بريق وإشراق خارق للعادة - ولكن كان فيهما تلك النار الحزينة التي تلتهب في أرواح من ينظرون إلى جمال المرأة بلا أمل - ولكن يأسها لمزيد الأسف مصحوب أبداً بالوجد والهيام والكمد. فخيل إلى القزم أن هاتين العينين كانت كمياه الجدول الشفاف وأنه قد أبصر في أعماقهما المبهمة روضة أنفاً مغلقة الأغلفة والبراعم تنتظر طلوع فجر عاطفة شديدة فتتفتح أزهارها وتينع ثمارها وتدوي خمائلها برنين نغمات الهزار والبلبل.
هذه الاستعارة من بنات أفكاري أنا - أستاذ المائدة - لا من بنات أفكار القزم، فإن القزم لم يتخيل مثل هذه الاستعارة في تلك اللحظة وليس في مقدوره ذلك ولا في مقدور أي إنسان آخر في مثل ذلك الموقف الحرج. وإنما كل ما جاش بصدر القزم إذ ذاك هو لوعة حزن وحرقة بث وأسى لا يعبر عنها لسان ولا يصفها بيان - ثم أنين باطن صامت.
стр. 2829
قال القزم للفتاة بنوع من التغزل (نحن رهناء أدنى إشارة من السيدات - وطوع بنان الجنس اللطيف) قال ذلك وحدثته نفسه البشرية والطبيعة الغريزية - تلك الطبيعة التي تحنو وتتحدب على جميع أولادها، ولا تترك أشقى المخلوقات وأبأسهم وأشدهم تشويهاً وأكثرهم علة وآفة بلا عزاء طفيف من اعتداد بالنفس واعتقاد بأن لا تخلو من بعض المحاسن والمزايا - تلك الطبيعة حدثته بأنه قد أجاد وأحسن في رده على الفتاة وأن جوابه الخلاب لا بد قد أصاب حبة قلب الغادة - وهنا غرق ذهنه في لجة من الخيالات العذبة والأحلام اللذيذة ثم أن الأوهام الجنونية القديمة والخواطر المتهوسة العتيقة التي ما برحت تحوم على الأبواب التي يحرسها العقل والرأي الصحيح وما فتئت تنتظر غفلة العقل وترقب غرته - إذ كانت تعلم أنها إذا حاولت الدخول طردها العقل رفساً بالقدم مع التحقير والإهانة - هذه الأوهام الجنونية القديمة والخواطر المتهوسة العتيقة هجمت على تلك الأبواب في هذه الفرصة وتهافتت متكاثفة متراكمة يطأ بعضها على أعقاب بعض وهي في حالها هذه مبهمة متقطعة غامضة خجلة ن نفسها ولكنها تتزاحم وتتضاغط في أعماق الفؤاد حتى حمي الفؤاد واستحر من شدة احتكاكها واصطكاكها - وإليك بضعة أمثلة من هذه الأوهام الجنونية والأفكار المتهوسة: ألا تذكر أن جون ويلكيس أقبح الناس خلقة وأبشع أهالي إنكلترا صورة قال لبعض أصحابه أني إذا سبقت أجمل الرجال إلى لقيا أي سيدة بمسافة نصف ساعة فقط ضمنت لكم أن أصيبها وأسبينه فأستحوذ على لبها بما لا يدع فيه محلاً لغيري؟ (٢) ألا تذكر كاديناس الشيخ الأشيب الهرم المتوحش الهمجي يقتاد الغانيتين الفتانتين (ستيلا) و (فانيسا) وقد استهواهما وأسر لبهما؟ (٣) ثم يهجس بعد ذلك ببيت من الشعر:
وكأن تحت لسانه ... هاروت ينفث فيه سحراً
فكأنما يقول لنفسه أن المعول في استياء قلب المرأة إنما هو على اللسان الخلاب والمنطق الجذاب وليس على الخد الأسيل والطرف الكحيل والمنظر الجميل. أجل إن خلابة المنطق وسحر البيان هو الذي ما زال يفتن ويستهوي حواآتنا من قديم الأزل ألا تذكرون أن أبشع الحيوانات طراً وأقبحها هو الذي فتن أمنا الأولى وبذلاقة لسانه واستهواها حتى أقبلت عليه تصغي لزخرفة أباطيله وتمويه أضاليله - فوق الشر والبلاء.
стр. 2830
ويل لنا معشر الرجال، إنا إذا استرسلنا في أمانينا وأحلامنا شرعنا نمثل في عالم الخيال دور هرقل إله القوة وهو يهز صولجانه فيخضع به الرجل والمرأة - يخضع الرجل بقوة الصولجان والمرأة بمهارة هزه وتقليبه - أجل نمثل دور هرقل ونحن جلوس إلى الموقد نتخذ من المحثة الباردة صولجاناً نهزه فنخضع به بني الإنسان وما أسهل ذلك علينا. فإذا نزلنا معترك الحياة الحقيقية وجدنا المحثة في النار فإذا تناولناها فالغالب أننا نجدها أحر من أن نستطيع إمساكها وقد تكون من فرط الحرارة بحيث تسلخ يدنا فنترك عليها جلدنا حين نقذفها أو نلقيها صارخين صرخة عالية أو صامتة.
стр. 2831
الموت
مخافة الموت غريزة بشرية أحسن دواء لها أن يذكر الإنسان أن للحياة بداية كما أن لها نهاية، فلقد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاًَ مذكوراً، ومع ذلك فإن هذا لم يضره ولم يعنه ولم يأبه له ولم يكترث، فلماذا يعني ويهتم ويتأفف من أنه سيجيء عليه حين من الدهر لا يكون شيئاً مذكوراً. إنه ليس بودي إن كنت حياً أرزق منذ مائتي عام أو أثناء عهد الملكة اليصابات. فلماذا يسؤوني ويؤلمني أني لن أكون على قيد الحياة بعد مائتي عام - في عهد لا أدري من!.
ليس الموت إلا عودة إلى الحالة التي كنا عليها قبل مولدنا التي لا نستطيع اعتبارها إلا فرجة لنا وخلاصة للنفس وإطراحاً لأعباء همومها، فلقد كانت هذه الحالة عيداً لنا وكنا بخير لم ندع إلى الظهور على مسرح الحياة للبس الحلل الزاهية أو الأطمار البالية - للضحك أو للبكاء - لاستحسان الجماهير حركاتنا وأعمالنا أو لاستهجانهم إيانا.
ولكنا كنا راقدين في زوايا الفقدان وكهوف العدم بمعزل عن الأذى، وقد نمنا ملايين القرون لا نريد أن نستيقظ آمنين مطمئنين خالين من الهم والأسى مدة ذلك العدم الطويل في نومة أهدأ وأعمق من نومة الطفولة ملفوفين في رداء من أنعم التراب وألينه. ومع ذلك ترانا نظل وأخوف مخاوفنا أن نعود إلى هذه الحالة - إلى الراحة النهائية إلى دار الخلاص من الأحزان والمصائب بعد حياة تعسة شقية كلها كرب وضيق آمال كاذبة ومخاوف باطلة.
ليس في فكرة حياة سابقة لميلادنا من عوامل التشويق والترغيب مثل الذي يشعر به المرء نحو حياة مستقبلة تجيء بعد حلول الأجل. فلقد يسرنا أنا بدأنا الحياة حين بدأناها ولا يسوؤنا أننا لم نبدأها قبل ذلك فحسبنا ما عانينا وكابدنا وما كافحنا وجاهدنا مدة عمرنا القصير. فلا ضير علينا أنا لم نشهد حرب طروادة ولم نبصر مصرع هكتور وآخيل ولم نر اليونان تدحر الفرس في ثرموبولي. فحسبنا أن نقرأ أنباء ذلك في الكتب والأسفار ونقف ننظر إلى البحر الهائل الذي يفصل ما بيننا وبينها. تلك العصور كانت في بكرة الدهر وطفولة الدنيا إذ كان العالم لم تمهد به أسباب الراحة والرخاء بعد فإن تكن الحياة إذ ذاك فأخذنا العدد لقطع مراحل العيش فنحن لا نرى خساراً علينا في فقدنا الستة الآلاف الأعوام التي سلفت قبل ظهورنا. ولا نشعر نحو ذلك بأدنى اهتمام أو اكتراث. ولا نتوجع ونتفجع لأنا لم نر كرنفال الحياة الأكبر يسير أمامنا موكبه العظيم الهائل طول تلك المدة
стр. 2832
وإن كان يحزننا أننا سنجبر على ترك موقفنا قبل مرور سائر الموكب.
وقد يقال في تعليل ذلك الفرق أن قد نعلم من الأخبار المنقولة والروايات المأثورة ما جرة في عهد الملكة اليصابات بل في عهد دارا واسكندر بل في عهد الآشوريين والفينيقين. ولكن لا سبيل لنا إلى معرفة ما سيحدث في المستقبل إلا انتظارنا الحوادث وتوقعنا الوقائع. وعلى قدر جهلنا بالغيب واحتجابه عن ظنوننا وأوهامنا يكون فرط تطلعنا إليه وتشوفنا نحوه. ولكن هذا التعليل خطأ محض لأنه لو كان حقيقة لكنا لا نزال نتطلع إلى عمل سياحة في أراضي جرينلندة أو رحلة إلى القمر ونحن لا نرغب البتة في هذا ولا ذاك كذلك لا رغبة لنا البتة في الإفضاء إلى غيوب المستقبل والاطلاع على أسراره إلا أن نجعل ذلك علة إلى استطالة أعمارنا. فنحن لا يهمنا أن نكون أحياء بعد مائة أو ألف عام إلا كما يهمنا أن نكون قد عشنا قبل ميلادنا بمثل هذه المدة ولكن الحقيقة والواقع هو أن كل إنسان يود لو أن الساعة الحاضرة تصبح أبدية سرمدية أجل كلنا يود أن يبقى كما هو وأن الدنيا تبقى كما هي لتمده بأسباب النعيم واللذة.
كلنا يود أن يحرز اللذة الحالية ويستبقها ويستديمها إلى نهايتها القصوى ويكره جداً أن يراها تسلب منه وتنتزع فيبقى مكانها خالياً ثم يعوض بها بدلاً فديدنه في ذلك قول القائل:
خذ زمانك ما أعطاك مغتنماً ... وأنت ناه لهذا الدهر آمره
فالعمر كالكاس تستحلى أوائله ... لكنما ربما مجت أواخره
إن الحزن والكمد واللوعة والحرقة هي في ألم الفراق وفي مضاضة الاستلاب والانتزاع وفقد المألوف والمحبوب وترك الأوطار والأماني غير مقضية والآمال والأماني غير محققة ينتج من ذلك أن حب الحياة هو علاقة وألفة وليس بغريزة مستقلة. فمجرد الكينونة لا يفي بحاجة الإنسان الفطرية ولا يشفي رغبته الطبيعية. وإنما الذي فيه قضاء لحاجته وشفاء لرغبته هو الكينونة في مكان وزمان وظروف خاصة بعينها. فنحن نؤثر الوجود في هذا الآن - في هذه الجزيرة، من بحر الحياة على أن نختار أي حين مستقبل أو نقتطع سلخة من الوقت قدرها ستون عاماً من الأبد.
فهذا دليل على أن تشبثنا بالحياة ليس متوقفاً على مجرد الوجود أو الوجود بحالة طيبة - ولكنا ميالون بالفطرة أشد الميل إلى البقاء على ما نحن فيه من الظروف والأحوال كما
стр. 2833
هي. فالجبلى لا يترك صخرته. ولا الهمجي عشته، كما أنا لا نحب أن نتخلى عما نخن فيه من منهج العيش الخصيص بنا بكل ما فيه من آفات ومزايا ومحاسن ومساويء ولو أعطينا بدله أي عيشة أخرى مهما كانت، وما أحسب أن في الدنيا إنساناً يرضى أن يتبادل العيش والحياة مع آخر مهما بلغت عيشة هذا الثاني من النعيم والرغد والسعادة فلأسهل علينا أن لا نكون مطلقاً من أن نكون غير أنفسنا. إني أعرف أناساً يبلغ من بسطة أرواحهن وفرط تطاولها أنهم يودون لو يعيشون ثلاثمائة عام ليروا إلى أي ذروة من النفوذ والقوة تصل أمريكا هلال هذه المدة. فهذه غاية وراء أقصى مطامح. ومع ذلك لا أنكر أني أود البقاء إلى أن أرى دولة البوربون تنهار فتنهدم وتضمحل فتنعدم. وكلما عجل إليها انقضاء ذلك كان أشهى إلى قلبي وأندى على كبدي.
من شيمة الفتيان والشباب أنهم لا يذكرون الفناء ولا يهجس ببالهم أنهم سيموتون مطلقاً قد يتصور أحدهم أن غيره من الناس يموت وقد يوافق على المذهب القائل بأن:
كل حي لاق الحمام فمودي ... ما لحي مؤمل من خلود
باعتباره نظرة معنوية ولكن يصعب عليه جداً أن يطبق هذه النظرية على نفسه. وذلك أن ميعة الشباب وحدته ونشاطه وشرته وجيشان مرجل الصبا في جوفه وغليانه. واحتدام تنوره وفورانه - كل ذلك مناقض لفكرة الهرم والموت فهو ينفر بالفتى عن هذه الفكرة ويشرد.
فإذا استرسل به الفكر برهة في وادي التأملات والتصورات فعرضت له فكرة الموت بدا له الشبح المخوف على مسافة كأقصى ما ينصوره الذهن تنحسر دون غايتها الأوهام، ثم ما أبعد الخلاف وما أشد التناقض بين بطء قدوم هذا الشبح الغامض المبهم وتراخي مسيره وثقل حركته وبين ساعتنا الحاضرة من اللهو والطرب والمراح وأحلام المنى وفرحة الأمل! فنحن نرقب أقصى حافة الأفق وأنأى مرمى الحدق ثم نقول في أنفسنا أي مسافة مترامية الأنحاء متنراخية الأرجاء لا بد من طيها قبل أن تبلغ غاية سفرنا البعيد ونلقي عصا التساير على ساحل الحياة. هذا ما نقوله لأنفسنا ونحدث به ضمائرنا وبينا نحن كذلك إذا بالضباب تحت أقدامنا من حيث لا نشعر ولا نتوقع وإذا بظلمات الهرم تلفنا وتغشانا. ماذا جرى؟ لقد اختلط شطرا العمر إحداهما بالآخر وامتزجا وتداخلا واندمجا وإذا بالطرفين
стр. 2834
الأقصيين قد تلاقيا ولم نستمتع بتلك الفترة اللذيذة التي كانت تتراءى بينهما لعين خيالنا والتي كنا نعول عليها ونعتمد وبدل الذي كنا ننتظره من خريف الكهولة وحدائقه الحواء وأوراقه الصفراء وأزاهيره اللمياء وأصائله الذهبية وشمسه المدنفة العليلة التي آذنت بالمغيب وقد نفضت على الأفق الغربي ورساً مزعزعاً:
ولاحظت النوار وهي مريضة ... وقد وضعت خداً على الأرض أضرعا
وظلت عيون النور تخضل بالندى ... كما اغرورقت عين الشجي لتدمعا٣
يلاحظها صوراً إليها روانيا ... ويلحظن ألحاظاً من الشجو خشعا
كما لاحظت عواده عين مدنف ... توجع من أوصابه ما توجعا
وبدلاً من ظلال عشيات هذا الخريق المنتظر المملوءة بأصداء الشباب الراحل وهمسات الأبدية القادمة الممسكة الأرجاء المعطرة الجوانب بما لا يزال يعبق بأردانها من نفحات لذات الصبا الدابر والنعيم الغابر وما لا يزال يهب عليها من عوالم الذكرى من شذا عهد الشباب وعصر اللهو والبطالة - بدلاً من ذلك كله لا نبصر إلا ضباباً بارداً ثلجياً يلف كل شيء ويغشى جميع الكون بعد انقضاء الشباب وذهاب روحه. وحينذاك نظل بحالة إذا نظرنا أمامنا وجدنا قفراً خراباً وأسوأ من ذلك أنا إذا التفتنا وراءنا وجدنا تلك المناعم والمطارب التي كان يكسوها الصبا بهجة ورونقاً وتلوح لعين الشباب بديعة رائعة جميلة قد عادت في عين الشيخوخة غثة تافهة حقيرة وعلى ذلك أن ملاذ حياتنا قد بليت ورثت وذهبت في فيافي الزمن أو لعلها قد حولت نحونا جوانبها المقفرة ونواحيها الجدبة الموحشة. أو لعل ما كابدناه من ضرباتها المتولية وصدماتها المتواترة قد أوهنتنا. ونهكتنا وأبلتنا فلم تترك بنا رغبة أو ارتياحاً لملاقاتها بعين الذكرى. ولا غرو فأي لذة في استثارة الأدواء الكمينة ونبش الأوجاع الدفينة فمن ثم ترانا لا نريد أن نجدد شبابنا كما تتجدد للظى السعير جلود أهل جهنم فحسبنا ما جرى وكفانا. فدع الشجرة الساقطة لات تقمها. وأغلق الكتاب واختم الحساب لا تفتحه ولا تفض ختامه آخر الأبد.
وقد شبه بعض الشعراء الحياة باستكشاف طريق كلما تقدمنا به ازداد ضيقاً وظلمة ولم يترك لنا مجالاً للرجوع فيه من حيث أتيناه، وفي نهايته نختنق لانبهار النفس على أني شخصياً لا أشتكي كثافة الجو كلما دنوت من النهاية ولكني أشتكي قلة الأنيس وفقد العماد
стр. 2835
والمستند. فياويلتا إني أمد يدي أبتغي ما أركن غليه وأتشبث به فلا أجد، بل أراني في عالم من المعنويات، أرى خريطة الحياة تنشر عارية خالية أمامي وأرى شبح الموت يتمشى في القفر الخراب لاستقبالي لقد كنت لا أبصر ذلك الشبح في صباي لتزاحم أفواج المرئيات والعواطف على قلبي وبصري ولاعتراض شخص الأمل بيني وبين الشبح المخوف يقول لي (لا تكترث لذلك الشيخ الهرم ولا تحفل) أما وربك لو كنت عشت عيشة سعيدة رغداً لما حفلت بالموت ولا باليت. ولكن كيف لا أحفل بالممات ولا أبالي وما قضيت من عيشتي وطراً ولا بلغت أملاً. لقد خانتني الآمال الكذابة وخدعتني الأماني الخلابة ثم راحت وهي تسخر مني وتهزأ وإني ليعز علي أن أترك الحياة ولم أر الإنسانية تظفر بأقل ما كنت أرجو لها في صباي من الأوطار والمآرب، أو ترقى إلى أدنى ما كنت أبغي لها من منازل السمو ومراتب الكمال كما أني لا يسرني أن أموت ولم أترك ورائي مؤلفاً جليلاً أو مصنفاً سامياً نبيلاً. وبودي فوق ذلك أن ألقي لدى فراش الردى إذا جاءت سكرة الموت وأخذ الحمام بالكظم صديقاً صدوقاً ورفيقاً رفيقاً يشيع جنازتي ويحثو تراب حفرتي. فبهذه الشروط ألقى الحمام مستسلماً إن لم أكن مرتاحاً وأكتب على قبر (شاكرٌ راضٍ) ولكني قد قتلت نفسي تفكيراً وتأملاً فيعز علي أن يذهب كل هذا التفكير والتأمل ضياعاً. وإني إذا استدبرت ماضي خيل إلي كأنما قضيت عمري نائماً في حلم علىسفح جبل العلوم حيث جعلت أتغذى بالكتب والأسفار والآراء والأفكار لا يصل مسمعي من ضجة العالم وجلبة الإنسانية المحتشدة في الحضيض إلا صدى أقدامهم ودوي ضوضائهم فلما انتبهت من هذه الحالة المبهمة (الشفقية) بضجة موكب الإنسانية السائر تحت قدمي آنست رغبة في النزول إلى عالم الحقائق للدخول في حلبة ذاك السباق، ولكني أخشى أن يكون وقت ذلك قد فات وأنه أولى لي أن أعود إلى خيالاتي الكتيبة وأحلامي المدرسية. وما لي ولأهل هذا العالم لست منهم ولا هم مني وما كنت لأروعهم بغرابة منظري وشذوذ فكري وإني كأصحاب الكهف لو طلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً.
ليس عجيباً أن ادكار الموت وتأمل معناه يصبح أكتر تردداً على خواطرنا كلما ازددنا منه دنواً وإن عباب الحياة يزداد جزراً وانكشافاً كلما برد في عروقنا دم الشباب وجف فيه معينه. وأنه كلما أبصرنا جمع ما يكتنفنا ويحيط بنا من الكائنات عرضة للطوارئ
стр. 2836
والظروف والصدف وصروف الزمان وتقلبات الحدثان، وكلما رأينا قوانا تخور ومحاسننا تزول وآمالنا تبيد وشهواتنا تموت وخلاننا تدرج فتقبر - كلما رأينا ذلك دبت إلينا تدريجياً فكرة الفناء وبدأنا نشعر أننا هالكون.
في الذاهبين الأول ... ين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
أرى الناس يضيفون إلى مخافتهم الطبيعية من الموت نوعاً من الألم لا لزوم له ولا ضرورة - وأعني بذلك ما يظهرون من التوجع للفجيعة التي ستصيب أهلهم وأقاربهم لفقدهم إياهم. فلو كان الأمر مقصوراً على هذا فجدير بنا أن نريح أنفسنا من هذه الوجهة فإن مصاب أهلنا لموتنا أخف وأهون مما نتصور ولقد رأيت أن ما يكتب عادة على قبر الميت من أمثال هذه العبارة (تعزوا ولا تحزنوا علي يا أولادي الأعزاء ويا زوجتي الحبيبة) يعمل به دائماً وذلك أننا لا نترك بموتنا في المجتمع ذلك الفراغ الهائل الذي تخيله إلينا أنانيتنا تعظيماً لأنفسنا الضئيلة وتعزية لها بما توهمنا من اهتمام الغير بنا واكتراثهم لنا. أجل إن الفراغ الذي نتركه حتى في أسرتنا ليس من العظمة كما نحسب. فلقد رأيت الثلمة تسد والجرح يندمل في أقرب مما نتوهم.
سيعرض عن ذكري وتنسى مودي ... ويحدث بعدي للخليل خليل
بل أعجب من ذلك أن الفراغ الذي نتركه ربما عدا أحياناً في نظر الأسرة أفضل وأنفع من وجودنا وما أحكم ما قال الشافعي في هذا المعنى:
ستألف فقدان الذي قد فقدته ... كإلفك وجدان الذي أنت واجد
ألم تر إلى الناس كيف يظلون رائحين في الطرقات والشوارع في غد يوم وفاتنا كما كانوا يفعلون في أمسه والمجتمع بحاله وعلى عهده لا يرى فيه أدنى نقص ولا يحس. لقد كنا ونحن أحياء نحسب أن الدنيا لم تخلق إلا لنا، وأن الأرض لم تأخذ زينتها وزخرفها إلا لتقر أعيننا، وتشرح صدورنا، والسماء لم ترصع بسبائك اللجين ولم تزين بمصابيح الفلك إلا
стр. 2837
لتبهج نفوسنا وتنير سبلنا. وإن كل ما في الكون وكل ما تقل الغبراء وتظل الخضراء لم يوجد إلا لمنفعتنا ولذتنا فما بال العالم كعهده وعلى حاله بعد ما سكت نبضنا وعدنا جثة هامدة وجمرة خامدة لقد زلنا وما زالت من النجم لمعته ولا من الروض نضرته.
أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
إن الطبيعة لا تحزن وكذلك الجماهير الجماعات لا رحمة عندها ولا حنان ولا رثاء. وأنها لا تأبه لي ولا لك كما لو كنا من سكان المريخ أو أهل القمر. وليس عجيباً نسيان العالم إيانا عقب مغادرتنا مسرح الحياة لأنهم لم يكادوا يشعروا بنا ونحن فوقه وليس الأمر مقصوراً على أن أسماءنا لا تعرف في بلاد الصين بل الحقيقة أنه لم يسمع بها في الشارع المجاور لنا ولا في الزقاق المصاقب. فإذا كانت هذه منزلتنا لدى المجتمع الإنساني ونحن أحياء فماذا عسى تكون منزلتنا عنده ونحن عظام نخرة ورمة بالية. وما كان (لحفنة من التراب) أن تثور في وجه العامل لأنه لا يأبه لها، أو تشاحن الملأ وتقاتله لأنه لا يشعر لوجودها. ولو أن لها لساناً ينطق لقالت (أيتها الدنيا اذهبي لشأنك! دوري دورتك في الأثير الأزرق وتشكلي لكل عصر شكلاً وتلوني لكل جيل لوناً - فلن يكون بيني وبينك اتصال أو احتكاك البتة).
إن ما يبديه الناس من هذا التشبث الصبياني بالحياة من حيث هي فكرة ومعنى إنما هو نتيجة هذه المدنية الحديثة المصطنعة، فلقد كان الناس في القديم يغشون ساحات الحروب ويغامسون القحم والأهوال والمهالك ويخاطرون بالأرواح لأدنى سبب وأتفه عله ويلقون بأنفسهم في المتالف من أجل غرض فذ أو بغية واحدة فإذا لم يظفروا بها عادت الحياة وهي عبء فادح عليهم ونكبة ومصيبة لا تطاق ولا تحتمل. أما الآن فقد تغيرت الحال. وأصبح جل همنا من الحياة وأقصى بغيتنا من العيش هو التفكير والتأمل، وعاد أهم ملاهينا وشهواتنا هو قراءة الروايات والأشعار والقصص الجديدة - وهذا ما نستطيع إتيانه على مهل وفي هينة وتحت ظلال الأمن والسلام والطمأنينة.
ونحن إذا نظرنا في قديم التواريخ والقصص قبل أن يؤثر الأدب الحديث تأثيره في شؤون البشر وأحوالهم بإدخال روح الفتور والبلادة عليها - رأينا أن الأبطال والبطلات كانوا يرتقبون الفرص للمخاطرة بأرواحهم بغير باعث سوى مجرد احتدام نار الحمية والحماس
стр. 2838
في قلوبهم. وما يجيش بنفوسهم من حميا الفتوة وغلواء البأس والمراح والهمة. لقد كان أولئك الأبطال يتمادون في ولوعهم بأمر ما ويلجون في شغفهم بوطر من الأوطار حتى يبلغوا بهذا الولوع والشغف أقصى درجات الجنون فيبذلون في سبيل إدراكه كل غال ونفيس من مال وروح إذ يرون كل ما عداه بخساً خسيساً بل حثالة ونفاية. فهم يتهافتون على سرير الموت كأنه سرير العرس. ويضحون بلا أدنى تأسف ولا تندم أنفسهم وغيرهم على منسك (مذبح) الغرام أو الشرف أو العقيدة أو غير ذلك مما يكون قد تملك قلوبهم من الوجدانات والعواطف. ألم تر إلى روميو كيف قذف (بزورقه المتعب المنهوك) على صخرة الموت لما رأى أنه قد فقد معشوقته جولييت وكيف طوقته هي بذراعيها في سكرة الموت وتبعته إلى ساحل الفناء. لقد كانت الفكرة تستولي على نفس الرجل فتستبد بها وتطرد كل ما عداها - ثم تصبح الحياة - بدون تحقيق تلك الفكرة - شيئاً تافهاً غثاً بل بغيضاً كريهاً. ورأيي أن مثل هذه الحياة أشرف وأجل من حياتنا لأن فيها من قوة الخيال وحدة الشعور والإحساس وصرامة العزيمة وشدة الجرأة على المخاطر والأهوال ما لا نظير له في حياتنا الموصومة بالجبن والحذر والنكوص والنكول والفتور والتراخي وحب البقاء من أجل ذاته الحقيرة الخسيسة القليلة القيمة. وإنه لخير لنا وأكثر بطولة أن نرمي إلى غرض جميل أو جليل فإذا أخطأنا المرمى وبؤنا بالفشل والخيبة تحملنا تبعة مخاطرتنا بجلد وقوة ورجولة - من أن نجدد عقد إيجارنا لحياة متعبة مضجرة مسئومة مملولة خالية من المتاع واللذة ومن السحر والفتنة قد يجوز أن نخسرها بعد ذلك في مشاجرة مرذولة من جراء غرض خسيس عديم القيمة، أفلا ترى فيما وصفناه من الاستخفاف بالموت والجرأة على مهاجمة شيئاً من روح التضحية والاستشهاد ونوعاً من سطوة التوحش وعرام الهمجية المعجبة الرائعة؟ ألم يكن للدين دخل في ذلك؟ - وما بالك بتلك العقيدة الخالصة التي تملأ المرء يقيناً بحياة آخرة تتضاءل إزاءها الحياة الدنيا حتى ترى المجاهد أو العاشق أو الفارس يهون عليه أن يخلع هذا الرداء الترابي ويلقي بروحه العارية في أحضان الأبدية وهذا ما يحجم عنه الفيلسوف العصري شكاً وريبة. وجبناً ورهبة مع كل ما يفخر به من حكمته ولبه وقضاياه المنطقية ونظرياته الفلسفية - أسلحة عاجزة يصبح بفضها أضعف قلباً وأوهن ركناً من المرأة. وخلاصة القول أن أحسن دواء لمخافة الموت هو أن يقدر
стр. 2839
الإنسان حياته حق قدرها. فإذا كان جل همه من البقاء هو التمادي والاسترسال في أهوائه المتقلبة الطائشة الجائرة وشهواته القذرة الأليمة المضادة فأولى له أن يمضي على عجل وإذا كان حبه الحياة لما ينشد من خيرها ويرجوا من نفعها فلن يجد في فراقها شديد عناء ولا كبير ألم.
وليم هازلت
إلف هذا الهواءِ في الأنف ... س أن الحِمامَ مُرُّ المذاق
والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق
المتنبي
стр. 2840
باب الزراعة
آلات زراعية جديدة
احتفلت شركة مهنا ومجيد لتوريد الآلات الميكانيكية - والكهرباء - يوم الأحد ٢٨ سبتمبر سنة ١٩١٩ في التوفيقية في أملاك سعادة علي باشا مهنا بتجربة سيارات للحرث بحضور جم غفير من العظماء يتقدمهم سعادة فتحي باشا الوزير السابق وسعادة خيري باشا مدير البحيرة سابقاً ومفتشو دائرة سمو الأمير عمر طوسون الذي له اليد البيضاء في مساعدة المشروع والسيد حسين القصبي وعميد عائلة وار بالبحيرة وسعادة عبد الحمد بك الصحن مفتش المالية ومهندسو الشركات الأجنبية وكثير من المزارعين.
وبعد تجربة السيارات وظهور نجاحها أمام الجمهور مدت الموائد وألقي بعد ذلك محمد علي بك مهنا كلمة شكر للحاضرين ثم تبعه الأستاذ عبد الله أفندي عبد المجيد وألقى المحاضرة الآتية ننقلها بفصها ونصها لأهمية موضوعها من الوجهة العلمية.
المحاضرة
أيها السادة:
إني أضم صوتي لصوت زميلي محمد بك علي مهنا في شكر سمو الأمير عمر طوسون لاهتمامه بمشروعنا وشكركم، وأتمنى أن تعيروني آذانكن لحظة حتى أسيح معكم في عالم الحياة الجديدة للزراعة.
لا أود أن أذهب بكم إلى الماضي، فنحن ما زلنا نعيش فيه. وما علينا إلا أن ننظر إلى محاريثنا وطريقة بذرنا الأرض. وحصدنا النبات، ودراستنا للقمح نحن أيها السادة لا نزال مع الماضي ولم نفتح الحياة الجديدة لمصر اللهم إلا لنفر قليل من المزارعين العقلاء المستنيرين.
أريد أن أبحث معكم الآن من الوجهة الزراعية المحضة في حياتنا الحالية لأبرهن لكم أن خصوبة أرض مصر التي تغنى بها اليونان والرومان والعلماء الزراعيون الحاليون هي فوق ما يقولون، وإنما ينقصها تطبيق النظريات العلمية والعملية حتى تجود بالنضار الكثير. وتفيض على العالم من خيراتها كما كانت تفيض عليه من قبل.
لمَ تُحرث الأرض أيها السادة؟
следующие страницы →