Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
والظروف والصدف وصروف الزمان وتقلبات الحدثان، وكلما رأينا قوانا تخور ومحاسننا تزول وآمالنا تبيد وشهواتنا تموت وخلاننا تدرج فتقبر - كلما رأينا ذلك دبت إلينا تدريجياً فكرة الفناء وبدأنا نشعر أننا هالكون.
في الذاهبين الأول ... ين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
أرى الناس يضيفون إلى مخافتهم الطبيعية من الموت نوعاً من الألم لا لزوم له ولا ضرورة - وأعني بذلك ما يظهرون من التوجع للفجيعة التي ستصيب أهلهم وأقاربهم لفقدهم إياهم. فلو كان الأمر مقصوراً على هذا فجدير بنا أن نريح أنفسنا من هذه الوجهة فإن مصاب أهلنا لموتنا أخف وأهون مما نتصور ولقد رأيت أن ما يكتب عادة على قبر الميت من أمثال هذه العبارة (تعزوا ولا تحزنوا علي يا أولادي الأعزاء ويا زوجتي الحبيبة) يعمل به دائماً وذلك أننا لا نترك بموتنا في المجتمع ذلك الفراغ الهائل الذي تخيله إلينا أنانيتنا تعظيماً لأنفسنا الضئيلة وتعزية لها بما توهمنا من اهتمام الغير بنا واكتراثهم لنا. أجل إن الفراغ الذي نتركه حتى في أسرتنا ليس من العظمة كما نحسب. فلقد رأيت الثلمة تسد والجرح يندمل في أقرب مما نتوهم.
سيعرض عن ذكري وتنسى مودي ... ويحدث بعدي للخليل خليل
بل أعجب من ذلك أن الفراغ الذي نتركه ربما عدا أحياناً في نظر الأسرة أفضل وأنفع من وجودنا وما أحكم ما قال الشافعي في هذا المعنى:
ستألف فقدان الذي قد فقدته ... كإلفك وجدان الذي أنت واجد
ألم تر إلى الناس كيف يظلون رائحين في الطرقات والشوارع في غد يوم وفاتنا كما كانوا يفعلون في أمسه والمجتمع بحاله وعلى عهده لا يرى فيه أدنى نقص ولا يحس. لقد كنا ونحن أحياء نحسب أن الدنيا لم تخلق إلا لنا، وأن الأرض لم تأخذ زينتها وزخرفها إلا لتقر أعيننا، وتشرح صدورنا، والسماء لم ترصع بسبائك اللجين ولم تزين بمصابيح الفلك إلا
стр. 2837
لتبهج نفوسنا وتنير سبلنا. وإن كل ما في الكون وكل ما تقل الغبراء وتظل الخضراء لم يوجد إلا لمنفعتنا ولذتنا فما بال العالم كعهده وعلى حاله بعد ما سكت نبضنا وعدنا جثة هامدة وجمرة خامدة لقد زلنا وما زالت من النجم لمعته ولا من الروض نضرته.
أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
إن الطبيعة لا تحزن وكذلك الجماهير الجماعات لا رحمة عندها ولا حنان ولا رثاء. وأنها لا تأبه لي ولا لك كما لو كنا من سكان المريخ أو أهل القمر. وليس عجيباً نسيان العالم إيانا عقب مغادرتنا مسرح الحياة لأنهم لم يكادوا يشعروا بنا ونحن فوقه وليس الأمر مقصوراً على أن أسماءنا لا تعرف في بلاد الصين بل الحقيقة أنه لم يسمع بها في الشارع المجاور لنا ولا في الزقاق المصاقب. فإذا كانت هذه منزلتنا لدى المجتمع الإنساني ونحن أحياء فماذا عسى تكون منزلتنا عنده ونحن عظام نخرة ورمة بالية. وما كان (لحفنة من التراب) أن تثور في وجه العامل لأنه لا يأبه لها، أو تشاحن الملأ وتقاتله لأنه لا يشعر لوجودها. ولو أن لها لساناً ينطق لقالت (أيتها الدنيا اذهبي لشأنك! دوري دورتك في الأثير الأزرق وتشكلي لكل عصر شكلاً وتلوني لكل جيل لوناً - فلن يكون بيني وبينك اتصال أو احتكاك البتة).
إن ما يبديه الناس من هذا التشبث الصبياني بالحياة من حيث هي فكرة ومعنى إنما هو نتيجة هذه المدنية الحديثة المصطنعة، فلقد كان الناس في القديم يغشون ساحات الحروب ويغامسون القحم والأهوال والمهالك ويخاطرون بالأرواح لأدنى سبب وأتفه عله ويلقون بأنفسهم في المتالف من أجل غرض فذ أو بغية واحدة فإذا لم يظفروا بها عادت الحياة وهي عبء فادح عليهم ونكبة ومصيبة لا تطاق ولا تحتمل. أما الآن فقد تغيرت الحال. وأصبح جل همنا من الحياة وأقصى بغيتنا من العيش هو التفكير والتأمل، وعاد أهم ملاهينا وشهواتنا هو قراءة الروايات والأشعار والقصص الجديدة - وهذا ما نستطيع إتيانه على مهل وفي هينة وتحت ظلال الأمن والسلام والطمأنينة.
ونحن إذا نظرنا في قديم التواريخ والقصص قبل أن يؤثر الأدب الحديث تأثيره في شؤون البشر وأحوالهم بإدخال روح الفتور والبلادة عليها - رأينا أن الأبطال والبطلات كانوا يرتقبون الفرص للمخاطرة بأرواحهم بغير باعث سوى مجرد احتدام نار الحمية والحماس
стр. 2838
في قلوبهم. وما يجيش بنفوسهم من حميا الفتوة وغلواء البأس والمراح والهمة. لقد كان أولئك الأبطال يتمادون في ولوعهم بأمر ما ويلجون في شغفهم بوطر من الأوطار حتى يبلغوا بهذا الولوع والشغف أقصى درجات الجنون فيبذلون في سبيل إدراكه كل غال ونفيس من مال وروح إذ يرون كل ما عداه بخساً خسيساً بل حثالة ونفاية. فهم يتهافتون على سرير الموت كأنه سرير العرس. ويضحون بلا أدنى تأسف ولا تندم أنفسهم وغيرهم على منسك (مذبح) الغرام أو الشرف أو العقيدة أو غير ذلك مما يكون قد تملك قلوبهم من الوجدانات والعواطف. ألم تر إلى روميو كيف قذف (بزورقه المتعب المنهوك) على صخرة الموت لما رأى أنه قد فقد معشوقته جولييت وكيف طوقته هي بذراعيها في سكرة الموت وتبعته إلى ساحل الفناء. لقد كانت الفكرة تستولي على نفس الرجل فتستبد بها وتطرد كل ما عداها - ثم تصبح الحياة - بدون تحقيق تلك الفكرة - شيئاً تافهاً غثاً بل بغيضاً كريهاً. ورأيي أن مثل هذه الحياة أشرف وأجل من حياتنا لأن فيها من قوة الخيال وحدة الشعور والإحساس وصرامة العزيمة وشدة الجرأة على المخاطر والأهوال ما لا نظير له في حياتنا الموصومة بالجبن والحذر والنكوص والنكول والفتور والتراخي وحب البقاء من أجل ذاته الحقيرة الخسيسة القليلة القيمة. وإنه لخير لنا وأكثر بطولة أن نرمي إلى غرض جميل أو جليل فإذا أخطأنا المرمى وبؤنا بالفشل والخيبة تحملنا تبعة مخاطرتنا بجلد وقوة ورجولة - من أن نجدد عقد إيجارنا لحياة متعبة مضجرة مسئومة مملولة خالية من المتاع واللذة ومن السحر والفتنة قد يجوز أن نخسرها بعد ذلك في مشاجرة مرذولة من جراء غرض خسيس عديم القيمة، أفلا ترى فيما وصفناه من الاستخفاف بالموت والجرأة على مهاجمة شيئاً من روح التضحية والاستشهاد ونوعاً من سطوة التوحش وعرام الهمجية المعجبة الرائعة؟ ألم يكن للدين دخل في ذلك؟ - وما بالك بتلك العقيدة الخالصة التي تملأ المرء يقيناً بحياة آخرة تتضاءل إزاءها الحياة الدنيا حتى ترى المجاهد أو العاشق أو الفارس يهون عليه أن يخلع هذا الرداء الترابي ويلقي بروحه العارية في أحضان الأبدية وهذا ما يحجم عنه الفيلسوف العصري شكاً وريبة. وجبناً ورهبة مع كل ما يفخر به من حكمته ولبه وقضاياه المنطقية ونظرياته الفلسفية - أسلحة عاجزة يصبح بفضها أضعف قلباً وأوهن ركناً من المرأة. وخلاصة القول أن أحسن دواء لمخافة الموت هو أن يقدر
стр. 2839
الإنسان حياته حق قدرها. فإذا كان جل همه من البقاء هو التمادي والاسترسال في أهوائه المتقلبة الطائشة الجائرة وشهواته القذرة الأليمة المضادة فأولى له أن يمضي على عجل وإذا كان حبه الحياة لما ينشد من خيرها ويرجوا من نفعها فلن يجد في فراقها شديد عناء ولا كبير ألم.
وليم هازلت
إلف هذا الهواءِ في الأنف ... س أن الحِمامَ مُرُّ المذاق
والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق
المتنبي
стр. 2840
باب الزراعة
آلات زراعية جديدة
احتفلت شركة مهنا ومجيد لتوريد الآلات الميكانيكية - والكهرباء - يوم الأحد ٢٨ سبتمبر سنة ١٩١٩ في التوفيقية في أملاك سعادة علي باشا مهنا بتجربة سيارات للحرث بحضور جم غفير من العظماء يتقدمهم سعادة فتحي باشا الوزير السابق وسعادة خيري باشا مدير البحيرة سابقاً ومفتشو دائرة سمو الأمير عمر طوسون الذي له اليد البيضاء في مساعدة المشروع والسيد حسين القصبي وعميد عائلة وار بالبحيرة وسعادة عبد الحمد بك الصحن مفتش المالية ومهندسو الشركات الأجنبية وكثير من المزارعين.
وبعد تجربة السيارات وظهور نجاحها أمام الجمهور مدت الموائد وألقي بعد ذلك محمد علي بك مهنا كلمة شكر للحاضرين ثم تبعه الأستاذ عبد الله أفندي عبد المجيد وألقى المحاضرة الآتية ننقلها بفصها ونصها لأهمية موضوعها من الوجهة العلمية.
المحاضرة
أيها السادة:
إني أضم صوتي لصوت زميلي محمد بك علي مهنا في شكر سمو الأمير عمر طوسون لاهتمامه بمشروعنا وشكركم، وأتمنى أن تعيروني آذانكن لحظة حتى أسيح معكم في عالم الحياة الجديدة للزراعة.
لا أود أن أذهب بكم إلى الماضي، فنحن ما زلنا نعيش فيه. وما علينا إلا أن ننظر إلى محاريثنا وطريقة بذرنا الأرض. وحصدنا النبات، ودراستنا للقمح نحن أيها السادة لا نزال مع الماضي ولم نفتح الحياة الجديدة لمصر اللهم إلا لنفر قليل من المزارعين العقلاء المستنيرين.
أريد أن أبحث معكم الآن من الوجهة الزراعية المحضة في حياتنا الحالية لأبرهن لكم أن خصوبة أرض مصر التي تغنى بها اليونان والرومان والعلماء الزراعيون الحاليون هي فوق ما يقولون، وإنما ينقصها تطبيق النظريات العلمية والعملية حتى تجود بالنضار الكثير. وتفيض على العالم من خيراتها كما كانت تفيض عليه من قبل.
لمَ تُحرث الأرض أيها السادة؟
стр. 2841
ليست الأرض كما يتوهم البعض بجماد وإنما هي مسكونة بملايين من المخلوقات الحية. هذه المخلوقات المكروسكوبية هي التي تساعد على نمو النبات، وطبخ السباخ وتهيئته طعاماً سائغاً له. وكلما زاد عدد هذه المخلوقات زاد عملها. وأفادت الأرض وزادت الخصوبة.
الطريقة التي تزيد عدد هذه المخلوقات هي الطرق التي نطلبها نحن بني الإنسان أنا نطلب هواء جيداً ونوراً ساطعاً وشمساً تنقي الجو.
كيف نصل لذلك؟
بالحرث، إن المحراث الجيد هو الذي يقلب عالي الأرض سافلها، حتى تنقلب الأرض التي كانت معرضة للشمس، وتحل محال الأرض التي لم تكن كذلك لتصير الطبقة الزراعية موطناً صحياً للحيوان والنبات الذي يسكنها.
والمحراث المصري الذي بين أيدينا لا يقلب الأرض جيداً. فالحرث إذن ناقص نقصاً هائلاً من الوجهة العلمية العملية التي تنطبق على الشروط التي تزيد خصوبة الأرض وفوق ذلك أن المحراث البلدي لا يقاوم صدمة الأرض. وليس بالسهل إيجاد حراث ماهر. والدليل على النقص الهائل في تركيب محراثنا هو أن المزارع مضطر أن يحرث الأرض مرتين وثلاثاً حتى يمر المحراث بكل جزئيات الأرض. وانظروا كم من الوقت يضيع في هذه العمليات.
ما هو المحراث الذي يصل بنا للدرجة القصوى من المحصول؟
هو المحراث الذي يقلب الأرض جيداً، ولا يمنعه جفاف الأرض عن السبر ويمكنك أن تحرث به على أي عمق تشاء، وفي الوقت نفسه يقضي على النباتات الضارة باستخراجها من جذورها. ويدفن السباخ إلى الطبقة الأرضية حيث تجدها جذور النباتات بسهولة. ويحفظ المياه في باطن الأرض حتى إذا تأخرت المناوبات وجد النبات من رطوبة الأرض منهلاً عذباً. ويزيد سمك الطبقة الزراعية فلا تكون الأرض خفيفة بل سمينة. خصبة. جيدة.
ثم يمكنك أن تحرث بسرعة هائلة فتقتصد في الوقت، بمعنى أنه يمكنك أن تحرث به عقب الحصاد فلا تنتظر المناوبات لحرث أرض الذرة، وتحرث به القطن بسرعة تمكنك من أخذ
стр. 2842
بطنين من البرسيم بدل بطن واحدة، وبالاختصار يمكنك أن تبكر في زراعتك وأخيراًُ يعرض الأرض للشمس جيداً فتقتل الحرارة الميكروبات التي تضر النباتات والبويضات المختفية التي تنتظر الوقت الملائم فتفقس وتزحف على النبات فتضره، هذه المحاريث التي رأيتم تجربتها تعرض الحشرات والميكروبات إلى التغيرات الجوية التي لا طاقة لها بمقاومتها فتموت في أقرب وقت.
هذا أيها السادة - من الوجهة الزراعية - بعض فضائل المحراث الذي رأيتم تجربته بأعينكم وليس هذا كل ما هنالك وإنما هناك فوائد اقتصادية جمة، منها:
(١) سرعة الحرث.
(٢) الاقتصاد الهائل في قيمة حرث الفدان إذ لا يتكلف أكثر من خمسين غرشاً صاغاً مع احتساب استهلاك ثمن الآلةى وجميع النفقات.
(٣) استعمال السيارة في جر المحصول من بلد لبلد إذ يمكنها أن تجر من طن ونصف إلى ثلاثة أطنان حسب قوة الآلة المحركة.
(٤) استعمال السيارة في إدارة مكينة للدراس أو طلمبة مياه. . الخ.
ليس كل النجاح الزراعي في الحرث الجيد الاقتصادي وإنمال هناك أشياء أخرى مفيدة ولازمة من الوجهة الزراعية الاقتصادية التي تنمي قوة الإنتاج: ستنشر بقية المحاضرة في العدد القادم.
стр. 2843
الذباب المنزلي
يوجد الذباب المنزلي في جميع أنحاء الدنيا بقرب المساكن، ويضايقنا كثيراً وبخاصة في فصل الصيف حيث يتغذى بالعرق. وزيادة على ذلك أن الذباب ينقل إلينا جراثيم أمراض معدية كثيرة فهو أكبر الوسائط في نقل جراثيم الحمى التيفودية التي ينقلها نقلاً ميكانيكياً، إذ من المعلوم أن هذه الجراثيم توجد في براز المصابين. والذباب يتغذى بالبراز، فتعلق الجراثيم بأرجله وفمه، وعندما ينتقل ويقف على أي طعام يترك عليه هذه الجراثيم وبعد أن يأكلها السيء الحظ تظهر عليه أعراض المرض.
الذبابة حشرة صغيرة لونها أردوازي ورأسها أسود وتضع بيضها وسط القاذورات وأكوام الأسمدة وغيرها من المواد المتحللة حيوانية أو نباتية وبعد يوم أو اثنين يفقس البيض وتعيش اليرقات في الوسط المتقدم الذكر بشرط أن تكون به بعض الرطوبة، وبعد أسبوع أو أقل يتم نموها وتتحول إلى عذارى في المواضع نفسها، والعذراء بيضية تقريباً حمراء وبعد أربعة أيام أو خمسة تخرج منها الذبابة، ويتغذى الذباب بالمواد المتحللة السائلة وببراز الحيوانات والإنسان وكذلك بالمواد الصلبة كالسكر وذلك بكونها تنزل عليه لعابها فيذيبه ثم تمتص هذا الجزء السائل.
طرق المقامة: الذباب من أكثر الحشرات خطراً في نشر الأمراض المعدية وهذا زيادة عن مضايقته لنا فلذا يجب العمل على مقاومته بإعدام الوسط الذي يعيش فيه. (١) يفضل الذباب المواد المتحللة السائلة أو النصف سائلة ولذلك يجب تغطية أكوام السماء بطبقة جافة من الأرض ونثر قليل من الجير عليها. (٢) بما أن انتشار الذباب بكثرة هو نتيجة عدم اتباع الطرق الصحية في القرى وغيرها يجب الامتناع عن التبول أو التبرز في الطرق حيث تكون معرضة للذباب بل يجب اتخاذ محال خاصة بعيدة عنه. (٣) يجب ألا ترمى زبالة المنازل في الشوارع بل توضع في صناديق خاصة ذات أغطية إلى أن يأخذها الكناسون وليست صناديق الزبالة الموجودة الآن في شوارع القاهرة من غير أغطية. (٤) تستعمل في المنازل مصائد للذباب منها ورق مغطى بطبقة لزجة يلتصق عليها الذباب عندما يلامسها وذلك لتقليل عدده في الحجر.
نعمان محمد
стр. 2844
أستاذ علم الحشرات في مدرسة الزراعة العليا
стр. 2845
تفاريق
يقول العقلاء:
ـ إذا أردت أن تكون عظيماً فاعتن بصغائر الأمور.
ـ لا ينزعن أحدكم إلى الكسل فإنه مجلبة للشقاء.
ـ من أحسن عمله أحسن إليه عمله إن عاجلاً وإن آجلاً
ـ من بذل قصارى جهده فقد عمل كل شيء. ومن فعل دون ذلك لم يعلم شيئاً.
ـ ليكن اجتهادك في التقرب إلى من هم دونك أكثر من اجتهاد في التقرب إلى من هم أعلى منك.
ـ تأنيب الضمير دليل على الحياة الحقة.
انتحار الحيوان
هل حقيقي أن الحيوانات تتعمد الانتحار للتخلص من الحياة؟
بينما يجيب بعض العلماء على هذا السؤال بأنه خرافة لا معنى لها لأن تعمد الانتحار للتخلص من الحياة يدل على أنت المنتحر يعلم ماهية الموت ويدري عواقبه نجد آخرين يذهبون إلى أن الحيوانات التي قد تدفعها العوامل إلى قتل نفسها ويدلون في ذلك بالحجج والبراهين.
فمن ذلك ما حدث به رجل إنجليزي كبير يدعى المستر م. بريجز حيث قال:
في يوم من أيام مايو سنة ١٩٠٢ كنت مقترباً من مدينة ويانه عائداً من بودابست على ظهر سفينة تجارية صغيرة، وبينا نحن نسير في قنال الدانوب أبصرنا رجلاً يسوق جوادين قد نال من أحدهما التعب وأخذ منه النصب كل مأخذ، ولكن السائق القاسي أخذ يجبر الجواد على متابعة السير بأن يضربه على أنفه ضرباً أليماً متبايناً حتى ضاق الحيوان المسكين ذرعاً وأفلت من جلاده هذا ورمى نفسه في الماء أمام الباخرة. وإني ككثير غيري ممن شاهدوا الحادثة أعتقد أن الجواد التعس ما زال واضعاً رأسه تحت الماء حتى غرق.
ومما يروى أيضاً أن غزالين تناطحا في جنينة الحيوانات بباريس تناطحاً عنيفاً هائلاً دام نحواً من نصف ساعة ثم انتهت المعركة بهزيمة أحدهما. . قال الحارس الذي رأى الحادثة رأي العين أنه دهش لما رأى الغزال المقهور وقد جرى إلى البركة ثم غمس رأسه في
стр. 2846
الطين حتى مات كأنه آثر الموت على العار.
والأمثلة غير هذين عديدة كلها من الغرابة بحيث لا يكاد يصدقها إلا من رآها فإن صحت كان ذلك ولا شك تقدماً عظيماً في عواطف الحيوانات.
مدير الفرقة (مغضباً): لماذا تبتسم عندما تسمع حديث الموت؟
الممثل: إن العناء الذي نلاقيه ف هذه الأيام والأجور التي نتقاضاها منك تجعلني أعتقد أن الموت (أفكه) وسيلة للتخلص من الحياة.
- ما أشد عناد الأطفال، فقد ذهبت بولدي إلى المصور فجلس أمامه كئيباً لا يبتسم بالرغم من أنني نهيته عن ذلك وضربته ثلاث مرات فإنه ما زاد وجهه إلا كآبة وتقطيباً.
قال امرأة لزوجها وهما أمام قفص القردة في حديقة الحيوانات:
- انظر إلى هذا القرد ما أعظم مشابهته للإنسان.
فأجابها: حقاً إنه يشابهنا كثيراً.
الحيرة والارتباك
هما من أصعب العقبات التي تحول بين المرء وبين نجاحه وتقدمه في الحياة وفضلاً عن أنهما يسممان المخ وينهكان الأعصاب فإنه يستحيل على القوى العقلية إزاءهما أن تعجل بالانتظام المطلوب.
وما الحيرة والارتباك سوى أن يظل المرء يكرر الفكرة الواحدة المرة بعد المرة دون أن يصل إلى الحل المرضي أو النتيجة المقصودة، فإذا اعترض المصاب بهذا الداء شيء أحزنه مثلاً! وضعه نصب عينيه وجعل يتأمل فيه ويتأمل، غير مجتهد في إعمال الفكرة ليستنبط وسيلة تخرجه من المأزق الذي هو فيه. وبذلك تخيم على عقله الظلمة والجمود ويتسرب إلى نفسه اليأس والقنوط، وهذا ولا شك يضر الجسم جميعه أبلغ ضرر إذا استرسل المرء فيه.
على أنه في استطاعة الحائر المرتبك أن يشفي نفسه من هذه العلى الخبيثة وذلك المرض العضال، والسبيل إلى ذلك هو أن يريح المرء عقله فلا يجهده البتة في التفكير إذا رأى أنه غير مهتد إلى الطريق القويم وأن يقصي كل فكرة سيئة تحاول أن تتسرب إليه وأن لا يفتح أبواب مخه إلا إلى الخواطر العذبة الجميلة.
стр. 2847
فمثلاً إذا أرادت فكرة مجنونة أن تتسرب إلى عقله فليطردها وليلفته إلى وجهة أخرى يرى منها العالم جميلاً مشرقاً.
* *
الرجل (وقد أوشك أن يقوم القطار): يا أسطى! ألا يمكنك أن تسير أسرع من ذلك؟
سائق العربة: نعم يمكنني ولكنني لا أريد أن أسبق العربة.
* *
هام غني كبير بممثلة غاية في الجمال، وفي ذات يوم بينما كانا يتجاذبان أطراف الحديث، طلبت الفتاة منه أن يخبرها كم عمره بالضبط، فلم يدر ماذا يقول وغير مجرى الكلام: وبعد أن انصرفت أخبر صديقاً له بما كان وقال له:
هل هناك عاب علي إذا أنا لم أطلعها على الحقيقة؟ فأنا أبلغ الآن ٦٩ وأريد أو أوهمها بأن عمري ٤٩ لا غير فما رأيك؟
فأجابه صديقه: رأيي أنك إذا كنت تريد منها أن ترضاك زوجاً فخير لك أن تخبرها أنا في التاسعة والثمانين.
* *
كان فتى وفتاة يتحادثان فقال الأول أن في استطاعة الشاب أن يقبل أي فتاة سواء رضيت أم لم ترض. فعارضته صاحبته على ذلكن وطال الجدال والأخذ والرد في هذا الموضوع وأخيراً اتفقا على أن أحسن طريقة لحسم النزاع هو أن يجربا المسألة فعلاً فقاما إلى بعضهما وما هي إلا برهة وجيزة حتى انتصر الفتى وأخذ يقبل الفتاة تقبيلاً حاراً. ولما انتهى قامت الفتاة وقالت:
لقد أخذتني على غرة. . هيا بنا نجرب مرة أخرى!.
ٍ * *
لاحظ كثيرون ممن رأوا المسيو كليمانصو في مؤتمر الصلح أن له عادة لا يغيرها أبداً: وهي أنه يظل لابساً قفازاته أثناء الجلسات وإذا ما جلس على كرسي الرئاسة وضع يديه على المنضدة أمامه. وسواء أدامت الجلسة خمس دقائق أم خمس ساعات، فإنه لا يرفعهما.
* *
стр. 2848
تنمو أظافر الأصابع بمعدل ١/ ٣٢ من البوصة أو ٠. ٨ من الميلمتر في الأسبوع فإذا عاش المرء سبعين سنة تجددت أظافره نحو ١٨٦ مرة.
* *
تكثر ولادة التوائم (جمع توأم) في الممالك الباردة أكثر منها في البلاد الحارة، وفي النساء بين الخامسة والعشرين والثلاثين أكثر من غيرهن.
* *
رأى بخيلاً صديقاً له وقد فتح المروحة فتحة صغيرة جداً وصار يهوي بها على وجهه، فقال له لم ذلك فأجابه: إني بهذه الطريقة جعلت المروحة تعيش عشرين سنة للآن وستعيش مثلها إن شاء الله. فقال البخيل إن مروحتي عاشت ثلاثين سنة وستعيش مثلها مع إني فتحتها كلها:
ـ وكيف ذلك؟
ـ ذلك لأني أفتحها ثم أحرك وجهي أمامها ولا أحركها هي.
* *
حمير تلبس البنطلونات
هل رأيت في حياتك حماراً يلبس بنطلوناً؟ أظن كلا، ولكنهم يقولون أنه منظر عادي في جزيرة صغيرة عند ساحل فرنسا تجاه حديقة روشل.
فأهالي هذه الجزيرة يشتغلون غالباً في المياه المالحة لاصطياد الحيوانات الصدفية مثل (أم الخلول) ولما كانوا يستخدمون الحمير لنقل ما يستخرجون جعلوا (البنطلونات الطويلة) لأرجلها يربطونها إلى ظهورها بواسطة حبال وذلك لوقاية الحيوانات المسكينة من التهابات الأملاح ولدغ البعوض ونوع من الذباب يضايق الحيوانات مضايقة شديدة فلا بد أن يكون منظرها جميلاً.
* *
السيدة: من الغريب أن الخادمة غادرت المنزل ولم تترك لي كلمة واحدة.
صاحبتها: هذه أحسن بكثير من خادمتي لأنها غادرت المنزل ولم تترك لي ملعقة واحدة.
* *
стр. 2849
- أصحيح أن دواء الدكتور فلان نافع مفيد؟
- نعم إن اتبعت ما كتب عليه بالظبط!
- وما ذلك؟
- تكون الزجاجة محكمة القفل دائماً.
* *
قالت إحدى الأمهات الإفرنجيات لابنها الصغير قاصدة أن تؤثر فيه بالكلام اللين: إنك إن لم ترجع عن (شقاوتك) هذه فإنك توجع دماغي فأمرض فأموت ثم يحملونني في العربة إلى المقبرة، فأثرت هذه الكلمات في نفس الولد قليلاً ولكنه ما لبث أن ابتسم ابتسامة مكر وقال:
- هل تسمحين لي أن أركب بجانب العربجي؟
* *
القطط في مصالح الحكومة
تخصص بعض الحكومات مبالغ ليست بالقليلة تنفق على القطط (المستخدمة) في مصالحها لحراسة الأوراق والسجلات من أن تعبث بها الفيران، فإنه لا يتكاد تخلو مصلحة من المصالح من قط (لإبعاد الفيران) كما هو العنوان الرسمي للوظيفة. بيد أنه بمصلحة البوستة بإنجلترا مثلاً (قلماً) كبيراً من القطط تقوم بخراسة الخطابات ليلاً وهم يهتمون أيما اهتمام بغذائها ومسكنها.
أما في فرنسا فإنهم يمرنون القطط على أعمال الحكومة خاصة فيرسلونعها أولاً في إحدى السفن الحربية حتى إذا ما أظهرت الكفاءة في العمل (عينت) في أحد المخازن.
بعض أسباب الطلاق عن الإفرنج
نسرد للشرقيين بعض الأسباب التي تدعو كثيراً من النساء الإفرنجيات إلى أن يقفن أمام القضاء يطلبن فصلهن من أزواجهن ونحن نؤكد للقراء أنها مستخرجة من سجلاتهم الرسمية. يقلن حفظهن الله:
- أنه لم يقدم لي هدي يوم عيد ميلادي.
- إنه يقول أن الكعك جامد (ثم تبكي وتنتحب) كالرصاص.
أإنه يكرر طول النهار نغمة واحدة وهي تي تم. . تي. تم
стр. 2850
- إنه يدعي أن له الحق في أن يدخن في السرير وقتما يشاء.
- إذا كان ولا بد أن أقول فإن اقتراحه بارد جداً.
- لقد تجاسر أن يقول أن كتشنر ارتقى لأنه كان عاقلاً لدرجة أن لم يتزوج.
* *
الآذان الكبيرة البارزة تدل على أن لصاحبها ذوقاً في الموسيقى. وأما الآذان الصغيرة ذات الزوايا فتدل على أن صاحبها قاس سيء الخلق.
* *
إبادة النمل
إذا أردت أن تتخلص من النمل ومضايقته فاغمس قطعة من الإسفنج في الماء ورش عليها شيئاً من السكر ثم ضعها في المكان الذي يكثر فيه النمل فإذا اجتمع عليها للدرجة الكافية فخذها وألق بها في ماء مغلي ثم كرر العملية.
* *
الأب: ماذا تعلمت اليوم في المدرسة؟
الولد: عرفت كيف أتكلم أمام المعلم بدون أن أحرك شفتي.
* *
كان مدير إحدى الشركات الإنجليزية للتأمين على الحياة يفاخر مدير إحدى شركات التأمين الأمريكية في سرعة إعطاء المبالغ المطلوبة منه فقال الأول:
ـ أننا بمجرد ما نعلم بموت أحد معاملينا نرسل تحويلاً مالياً على أهله فوراً.
فقال الأمريكي:
ـ هذا لا يعد شيئاً بالمرة. فقد كان لنا (زبون) يسكن الطابق الذي فوق مكتبنا في نيويورك. فاتفق يوماً أن هوى من النافذة، فأعطيناه التحويل أثناء مروره بنا.
* *
كتب معلم حساب على (التختة) ٩٢. ٧ ولكي يري تلميذه تأثر ضرب هذا العدد في عشرة مسح الشرطة الإعشارية ثم التفت إلى أحد تلاميذه وقال:
المعلم: الآن أين الشرطة الإعشارية؟
стр. 2851
فأجابه التلميذ بلا تردد: في البشاورة يا فندي.
* *
ذهب ريفي إلى إحدى المدن الكبرى واستأجر غرة في نزل فخم. ولكنه قبل أن يغادر المكان سأل صاحب الفندق عن مواعيد الأكل فقال له:
عندنا الفطور من ٦ إلى ١١ والغذاء من ١١ إلى ٣ بعد الظهر والعشاء من ٣ إلى ٨ مساءً.
فدهش الريفي من ذلك وقال:
ـ إذن لن يكون لديّ وقت أشاهد فيه البلد وأقضي فيه أشغالي.
تمائم شاه العجم
إحداها سقطت من السماء
تحت هذا العنوان جاء في (مجلة بيرسن) ما تعريبه:
شاه العجم الشاب الذي زار إنجلترا وأوروبا لأول مرة في حياته، هو من أشد الناس اعتقاداً بالتمائم والتعاويذ. وأن في حيازته نحواً من مائتين منها. وأغلبها وراثي كان له شأن عظيم في تاريخ أسلافه وأجداده. وأنفس هذه التمائم هي قطعة مكعبة من الكهرمان معروف عنها أنها سقطت من السماء على النبي محمد ﷺ ولها خاصية أنها تحمي حاملها من كل مكروه وتبعد عنه الأذى والأخطار ولذا يعلقها الشاه على رقبته في أغلب الأوقات.
وعند الشاه نجمة من الذهب تجعل المجرمين والمتآمرين يقرون بذنوبهم ويعترفون.
وعنده أيضاً سيف به (ماسة) تجعل صاحبها لا يقهر ولا يغلب. . وعنده أيضاً خنجر له خاصية السيف السابق ولكن جلالة الشاه يعتقد أن فيه ميزة أخرى وهي أن الذي يقاتل به يلقى حتفه به أيضاً ولذا تجده موضوعاً في صندوق من خشب الصندل مقفل بكل عناية.
وأغرب ما في تمائم الشاه هو صندوق صغير مرصع بالجواهر يقال عنه أنه من أيام النبي وأنه قد بارك فيه. ويعتقد أن له القدرة في أن يجعل أعضاء الأسرة المالكة يختفون عن الأبصار إذا كانوا عزباً ولكن ليس هنالك ما يثبت أن أحدهم جرب قوة الصندوق من هذه الوجهة.
стр. 2852
وعند الشاه أيضاً مجموعة جواهر وأحجار كريمة تعد من أثمن وأنفس المجموعات الموجودة في العالم بأسره منها درة على شكل الكمثرى تقدر بنحو ٦٠٠٠٠ جنيه وهي تكون جزءاً ن التاج الفارسي.
* *
شرعت أمريكا في أن تستخدم الطيارات في أعمال البوليس وأنه لمن المحتمل جداً أن الحكومة هنالك ستضم قريباً أطولاً هوائياً صغيراً لقوة الشرطة الخيالة القائمة على حراسة الفلوات الشاسعة القارسة البرد الواقعة في الشمال الغربي. وبهذا تذلل كثيراً من المصاعب وتخفف كثيراً من المخاطر التي كانت تقوم في وجه أولئك الحراس البواسل.
ومما لا شك فيه أن فكرة وجود بوليس هوائي نافعة جليلة لاسيما في الممالك التي تحدث فيها الحوادث الفجائية في أماكن بعيدة نائية. ويضطر البوليس السري إلى أن يذهب إلى مكان الحادثة فيأخذ منها المعلومات المطلوبة ويرى آثار الجريمة بمجرد وقوعها. . ونحن نرجح أنه لا يمضي وقت طويل حتى نرى حكومات أخرى قد حذت هذا الحذو واتبعت هذا السبيل.
* *
كان ولد يهودي صغير يلعب على شاطئ النهر فسقط في الماء وكاد أن يغرق لولا أن رآه رجل يحسن السباحة فنزل ونجاه بعد جهد جهيد. وبينا كان هذا الرجل يستريح من النصب الذي نال منه جراء هذا المجهود العظيم، إذ برجل جاء إليه وقال:
- أأنت الذي نجيت ولدي من الغرق فأجابه الرجل وهو يلهث تعباً: نهم أنا. فقال اليهودي: وأين برنيطته؟.
* *
أرسل أحد أصحاب المحلات التجارية كاتباً له ليضع خطابين هامين في صندوق البريد بعد أن يلصق على أحدهما ورقة بوستة واحدة وعلى الثاني اثنتين. ولكن الكاتب قبل أن يرمي الخطابين في الصندوق رأى أنه عكس وضع الورق. فصحح الغلطة بحل ترآى له ثم انقلب راجعاً وقص على صاحب المحل ما كان من أمره. فقال له الرجل:
ـ إن هذين الخطابين من الأهمية بمكان فكيف تداركت الغلطة.
стр. 2853
فأجابه الكاتب: المسألة بسيطة جداً: غيرت العناوين.
* *
كان رجل وغلام يقطعان قطعة من الخشب بمنشار كبير ذي قبضتين فمر بهما رجل لم ير هذه الطريقة من قبل وبعد أن راقبهما وهما يهتزان بعنف كالمعتاد قال للرجل:
ألا تستحي يا رجل وأنت تحاول أن تأخذ المنشار من الولد الصغير؟.
стр. 2854
مطبوعات
كتاب المواكب
للكاتب الشاعر النابغة جبران خليل جبران
عرفت جبران خليل جبران كاتباً ملهماً، إذا كتب عن الحياة حسبت الحياة تكتب عن نفسها.
غير أني لم أكن أعرفه شاعراً إلا اليوم. حيث ظفرت بكتاب له اسمه المواكب أرسل فيه قصيدتين فضفاضتين، أولاهما على لسان شيخ فان غالب حياة المدنية فغلبته وصارعها فصرعته فأمضى فيها رأياً متبرماً متشائماً أملته عليه تكاليفها التي لا تقف عند حد. والأخرى على لسان فتى غض نشأ في الغابة الحرة الطليقة بين عيونها الثجاجة وجداولها الرجراجة، وجناتها الفياحة، وطيورها الصداحة، فاستقام له من حياته العذبة رأي مستبشر متفائل ينقض به رأي الشيخ في كل أدواره.
مثال ذلك قول الشيخ في الروح والجسم:
وغاية الروح دي الروح قد خفيت ... فلا المظاهر تبديها ولا الصور
فذا يقول هي الأرواح وإن بلغت ... حد الكمال تلاشت وانقضى الخبر
كأنما هي أثمار إذا نضجت ... ومرت الريح يوماً عافها الشجر
وذا يقول هي الأجسام إن هجعت ... لم يبق في الروح تهويم ولا سحر
كأنما هي ظل في الغدير إذا ... تعكر الماء ولّت وأمحى الأثر
ضل الجميع فل الذرات في جسد ... تثوي ولا هي في الأرواح تحتضر
فما طوت شمأل أذيال عاقة ... إلا ومر بها الشرقي فتنتشر
وقول الفتى:
لم أجد في الغاب فرقاً ... بين نفس وجسد
فالهوا ماء تهادى ... والندى ماء ركد
والشذا زهر تمادى ... والثرى زهر جمد
وظلال الحور حور ... ظن ليلاً فرقد
أعطني الناي وغنّ ... فالغنا جسم وروح
وأنين الناي أبقى ... من غبوق وصبوح
стр. 2855
يتخلل ذلك صور أنيقة من صنع الشاعر تؤدي مناحي شعره أحسن أداء، ومنها ترى كيف تخضع اليراعة والريشة لكف واحدة.
ولا عجب أن يلم جبران بالحياة الطبيعية والمدنية جميعاً فقد عالج الأولى في مروج لبنان والثانية غي عاصمة الأميركان، فهو ربيب الحياتين، وخريج المعهدين.
وربما كانت عبقرية هذا الرجل غريبة في نوعها فلم أعرف فيمن عرفت قبله من العبقريين شاعراً ومصوراً في آن.
وهو من هذه الناحية شاعر مرتين أو مصور مرتين فما أرى الشعر إلا تصويراً والتصوير إلا شعراً كما قلت في رواية لي:
إنما ريشة المصور تحكي ... قلم الشاعر المجيد تماما
هذه لا تني تصور محسو ... ساً وهذا يصور الأوهاما
ولأن نقرأ القصيد نقوشاً ... مثلما تقرأ القصيد كلاما
على أن جبران رغم شاعريته الجياشة المتوثبة لا يخلو شعره من سقط يقع فيه من ناحية اللفظ - فالشاعرية شيء والشعر شيء آخر ـ.
وربما كان ذلك راجعاً إلى اضطلاعه باللغات الأجنبية ومقامه في جو أجنبي.
فطالما احتال على معانيه الشريفة بلفظ سوقي أو منحوت ينبو له الذوق وتشمئز منه اللغة، وهو عيب لو تعهده بالرجوع إلى كتب العرب لأفلت منه.
من ذلك قوله:
فهو النبي وبرد الغد يحجبه ... عن أمة برداء إلا من تأنزر
وقوله:
من أمل بنعيم الخلد مبتشر ... ومن جهول يخاف النار تستعر
فإن في لفظي (الغد) بالتشديد (ومبتشر) لخزياً للشعر ومهانة للشاعر.
هذا عدا الغموض واللحن الشائعين في شعره.
فإذا غضضنا الطرف عن اللفظ وتتبعنا المعنى وحده في كتابه لأكبرنا الشاعر الإكبار كله واقترحنا على الدهر أن يسخر للشعر العربي أمثال هذا الرأس العامر الحافل ليزجي إليه الفينة بعد الفينة موكباً من مواكبه الفخمة. فإن الشعر العربي بحاجة إلى من يقول
стр. 2856
والعدل في الأرض يبكي الجن لو سمعوا ... به ويستضحك الأموات لو نظروا
فالسجن والموات للجانين إن صغروا ... والمجد والفخر والإثراء إن كبروا
فسارق الزهر مذموم ومحتقر ... وسارق الحقل يدعى الباسل الخطر
وقاتل الجسم مقتول بفعلته ... وقاتل الروح لا تدري به البشر
ولما كانت مبادئ الفلسفة تختلف في كل النفوس كان بدهياً أن لا نقر جبراناً على كل ما جاء في شعره من الآراء والمعتقدات كقوله في الدين:
إن دين الناس يأتي ... مثل ظل ويروح
لم يقم في الأرض دين ... بعد طه والمسيح
فإن الدين باق ما بقي في الأرض قلب يخفق
محمود عماد
بوزارة الأوقاف
البيان وهذا كتاب المواكب أهداه إلينا جبران أفندي بواسطة مجلة الفنون التي تظهر في نيويورك - وهو يطلب منها.
стр. 2857
ملكة الورق
للروائي الروسي الكبير اسكندر بوشكين
ترجمها للبيان الكاتب محمد السباعي
الفصل الأول
أقيمت حفلة قمار في منزل نارموف أحد ضباط فرسان الحرس، وكان ذلك في قلب الشتاء وقد تصرم الليل الطويل حتى إذا كانت الساعة الخامسة صباحاً جلس القوم على مائدة السحور فأقبل الفائزون على الطعام بشهية حادة، وجعل الخاسرون ينظرون إلى ألوان الخوان بعيون شاخصة ذاهلة، ثم جرت الكؤوس وفاضت المدام. فجرت معها جداول الأنس وفاضت ينابيع الكلام واشترك الكل في الحديث.
قال ربي البيت: كيف حالك يا سورين؟
هي على ما تعهد من الخسارة، إني سيء الحظ ولا محالة، / فإني أجيد اللعب وأكتم عواطفي وأربط جأشي ولا أجعل لشيء ما سبيلاً إلى إثارة خاطري وتهييج بالي وتراني بعد ذلك كله أخسر!.
قال أحد الجلوس وأشار إلى شاب مهندس: ما رأيك في هرمان؟ هذا الذي ما راهن ولا قامر قط ولا أمسك الورق بأصابعه. وتراه مع ذلك يسهر يرقب لعبنا إلى الفجر.
فأجاب هرمان: إني أجد في مراقبة اللاعبين لذة ولكني لا أستطيع تضحية الضروري أملاً في نيل الكمالي.
قال تومسكي: إن هرمان ألماني دأبه الاقتصاد ولكن إذا كان في الدنيا مخلوق لا أفهم حقيقته فذلك هو الكونتيس حنة فيدوروفنا - جدتي.
قال الضيوف: كيف ذلك؟
قال تومسكي: لا أفهم سبب امتناع جدتي عن المقامرة.
قال نارموف: لا عجب في ذلك وقد ناهزت جدتك الثمانين من عمرها.
لو كنت تعرف من أمرها ما أعرف لما قلت ذلك.
كلا لا أدري من أمرها شيئاً ي هذا الصدد فخبرنا.
إذن اسمعوا: إنه منذ ستين عاماً رحلت جدتي إلى باريز حيث أحدثت بفتنة جمالها رجة
стр. 2858
وضجة. فكان الناس يجرون وراءها لاختلاس نظرة أو لمحة إلى الزهرة المسكوفية وكان ضمن عشاقها الوزير الأكبر الكاردينال ريشيليو فقد بلغ من حبه إياه أنه كان يجن بها شغفاً وأوشك من فرط جفائها وقسوتها أن يذبح نفسه. وكان النساء في ذلك الحين يقامرن. فخسرت جدتي في إحدى الليالي مبلغاً هائلاً للدوق دورليان، فلما عادت إلى دارها أخبرت جدي بخسارتها على مائدة الميسر وسألت دفع المبلغ. وكان المحوم جدي ينزل من زوجته الجبارة المتكبرة منزلة وكيل الدائرة من السيدة المطاعة الثرية. فكان يخشاها خشية السبع الضاري. والنار، والسيف البتار، ولكنه لما سمع بتلك الخسارة الفادحة خرج من سجيته وزايله عقله فأحصى خسائرها وأنبأها أنها قد بددت في ظرف ستة أشهر ما لا يقل عن نصف مليون فرنك وأن ضيعتيها العظيمتين - ضيعة موسلو وضيعة سارتوف ليسا كائنتين في باريز وأنه يرفض طلبها بتاتاً. فضربته جدتي على صماخ أذنه بجمع كفها ضربة قاسية ونامت بمعزل عنه تلك الليلة علامة على سخطها وغضبها. وفي الغداة استدعت زوجها وهي ترجو أن تكون تلك العقوبة المنزلية قد أثرت فيه وألانت من شكيمته ولكنها وجدته كأصعب ما كان جماحاً لا يبض حجره ولا تندى صفاته. فشرعت لأول مرة في حياته تناقشه الحساب وتجاذبه أهداب المجادلة والمحاجة وكان شأنها معه قبل ذلك أن تأمر فيطيع وتطلب فيجيب - فأخذت تباحثه وتحاجه وتقدم له العلل والأسباب والشروح والتفاسير أملاً في إقناعه بإفهامه أن الديون ليست كلها سواء ولا يصح أن ينظر إليها بنظر واحد ولا أن تنزل منزلة واحدة من الأهمية والخطورة، وأن هنالك فرقاً عظيماً بين الدائنين إذا كان أحدهما برنساً عظيماً وكان الثاني بقال الأسرة أو خياطها.
كل هذه المجهودات والمساعي ذهبت هدراً وضياعاً على صخرة عناده الصماء كما تتمزق أمواج الخضم على ساحله الحجري. ماذا تصنع جدتي لقد ضاق ذرعها واسود بياض النهار في بصرها. فأخذت تتأمل وتتدبر وتتلمس وجوه الرأي. والحاجة تفتق الحيلة فتذكرت رجلاً نبيلاً كانت عرفته آنفاً ولعلكم سمعتم برجل يدعى سان جرمان وكان يعرف بحدة الذكاء وقوة الشخصية والقدرة على إتيان الكثير من العجائب والخوارق. وكان يزعم أنه اليهودي التائه وأنه مستكشف أكسير الحياة وحجر الفيلسوف وهلم جرا. فكان بعضهم يراه دجالاً. وقال عن المؤرخ كازانوفا في مذكراته أنه كان جاسوساً ولكن مهما قيل عنه
стр. 2859
وبالرغم مما كان يكتنفه من هذه المزاعم المبهمة وما كان يلفه ويغشاه من ظلمة الخفاء والغموض فلقد كان رجلاً جذاب الحديث فتان المعاشرة محبوباً لدى أعلى الطبقات والدوائر. ولا تزال جدتي حتى الساعة تحمد عهده وتثني أحسن السناء على سالف عشرته وصحبته - وتثور على من يذكره بسوء وينتقص من قدره. وكانت جدتي تعلم أن سان جرمات لديه وفر عظيم ومال كثير - فعزمت على الالتجاء إليه وكتبت إليه تسأله الحضور إليها على عجل. فلم تك إلا هنيهة حتى مثل الشيخ المسن بين يديها فالفاها بأسوأ حال من الحزن والأسى.
فحدثته عن قسوة زوجها ووحشيته بأفظع عبارة وأشنعها وختمت كلامها بأنها قد توجهت إليك بكل آمالها وطرحت عليه ثقل حاجتها وأعباء همها شافعة غليه بما بينهما من صداقة ومودة.
فأطرق سان جرمان مالياً.
ثم رفع راسه فقال: إني لنادر أن أمدك بالمال الذي تطلبينه ولكني أعلم أنك لن تستريحي بعد ذلك أو ترديه إلي وما كنت لأوقعك في هم جديد. بيد إني أعرف وسيلة أخرى لإخراجك من هذه الورطة وهذه هي تمكيني إياك من استرداد خسارتك بواسطة اللعب!
قالت جدتي: ولكني لا أملك يا عزيزي الكونت من المال فتيلاً ولا قطميراً فكسيف أعاود اللعب؟.
فأجاب سنا جرمان: لا لزوم للمال. تفضلي علي بالإصغاء ببرهة.
ثم أفضى إليها بسر غريب يود كل منا لو يشتريه بجميع ما لديه من ثروة.
فبدت علامات الدهشة على وجوه الشبان الضباط الأربعة وأنعموا الإصغاء إلى الرجل بكل جوارحهم.
وهنا أشعل تومسكي متبغته وأخذ يرسل أنفاسها هنيهة ثم استأنف الحديث، قال: في عين هذا المساء ذهبت جدتي إلى فرساي للمقامرة. وافتتح الدوق دورليان اللعب فاعتذرت جدتي عن عدم دفع المبلغ ألطف اعتذار ثم شرعت تلعب ضده. فاختارت ثلاث أوراق فلعبتها واحدة أثر الأخرى فربحت الأوراق الثلاثة للتو واللحظة وبذلك استردت جدتي كل ما خسرته في الليلة السالفة.
стр. 2860
قال أحد الضيوف: صدفة لا غير!
وقال هرمان: قصة ملفقة وحكاية مخترعة!
وقال ثالث: لعلها كانت أوراقاً معلمة!
قال تومسكي: بجد ووقار: ليس المر كما تزعمون.
قال ناروموف: عجباً لك! تقول ن لك جدة تعرف كيف تختار ثلاث أوراق فائزة على التوالي ولم تستطع للآن أن تستخرج هذا السر مها؟
قال تومسكي: هذا أصعب ما في الأمر وأشقه! لقد كان لها أربعة أولاد أحدهم والدي وكان كلهم مقامر متطرفاً ومع هذا فإنها لم تبح بالسر لأحد منهم على ما كان في ذلك من فائدة لهم ولي. ولكن عمي الكونت إيفان إليتش حدثني الحديث الآتي مؤكداً حالفاً بشرفه على صحته. وذلك أن المرحوم تشابلنسكي - ذلك الذي مات فقيراً بعد تبديه الملايين - خسر في صباه مرة ثلثمائة ألف روبل ربحها منه زوريتش على ما أذكر فطاش لبه حسرة ويأساً. فرثت له عمتي مع فرط قسوتها على المبذرين من الشبان فأعطته ثلاث أوراق وأمرته أن يلعبها على التوالي وأخذت عليه عهد الله وميثاقه أن لا يعاود لعب الورق بعد ذلك ما عاش. فمضى تشابلتسكي إلى خصمه الظافر واستأنفا اللعب فأخطر على الورقة الأولى خمسين ألف روبيل فربحها على الفور. ثم ضاعف المبلغ فربح م استمر على نفس الخطة فاسترد فوق ما كان خسر. .
ولكن قد آن لنا أن ننصرف فالساعة الآن ست ونصف.
الفصل الثاني
كانت الكونتيس العجوز - جالسة في غرفة التواليت أمام مرآتها يكتنفها ثلاث وصائف إحداهن تحمل علبة الأحمر والثانية علبة المداري (دبابيس الشعر) والثالثة تمسك قبعة مستطيلة ذات أهداب وأشرط حمراء زاهية. وكانت الكونتيس قد فقدت كل أثر للجمال وتخلت عن كل ادعاء للملاحة ولكن لم تتخل مع ذلك عن عادات الصبا فكانت تتبع في شأن اللباس الزي الذي كان مألوفاً منذ سبعين عاماً.
وتنفق في مهمة التزيين والتجمل من الوقت والمجهود مثلما كانت تنفق منذ ستين حجة. وكانت تجلس قرب النافذة سيدة صغيرة تشتغل على منسج تطريز.
стр. 2861
ودخل الغرفة ضابط صغير فقال مسلماً: صباح الخير يا جدتي صباح سعيد أيتها الآنسة ليزا إن لي عندك حاجة يا جدتي.
وما هي يا بول؟
إني أستأذنك في تقديمي إليك أحد أصحابي وفي التصريح لي بإحضاره المرقص ليلة الجمعة.
أحضره المرقص مباشرة وقدمه إلي هنالك. هل كنت عند ب، أمس؟
نعم وقد جرى كل شيء على أحسن منهج من الأنس والصفاء ودام الرقص إلى الساعة الخامسة صباحاً. وما كان أجمل الفتاة إيليتسكايا وأملحها.
وماذا لها من الجمال يا عزيزي وأين منها الملاحة؟ أليست هيب كجدتها البرنسيس داريا بتروفنا حذوك النعل بالنعل؟ أظن البرنسيس وجاورت ربها منذ سبعة أعوام.
هنا رفعا السيدة الصغيرة رأسها وأشارت إلى الضابط إشارة خفية فتذكر إذ ذاك أن لا يجوز مطلقاً إخبار الكونتيس بوفاة أي واحدة من لداتها وأترابها فعض على إصبعه ندماً. بيد أن الكونتيس لم تبد أدنى اكثرات لهذا النبأ.
ماتت ولم أخبر بذلك، لقد عينا وصيفتين في بلاط القيصر في يوم واحد ولما عرضنا على القيصرة. . .
وهنا أخذت الكونتيس تقص للمرة التالية للألف على مسمع حفيديها إحدى نوادر صباها.
ولما أكملت القصة قالت: ادن مني يا بول خذ بيدي فأنهضني من مجلسي ليزانكا! إن علبة السعوط؟
ثم توارت الكونتيس هي ووصائفها الثلاث خلف ستار لإتمام شعائر التواليت وبقي تومسكي وحده مع الآنسة.
قالت ليزافيتا إيفانوفنا همساً: من هو ذاك الذي تريد أن تقدمه للكونتيس؟
ناروموف، أتعريفينه؟
كلا، هل هو جندي أو ملكي؟
جندي.
هل هو في فرقة المهندسين؟
стр. 2862
كلا بل في فرقة الفرسان وما الذي حملك على الظن بأنه في فرقة المهندسين؟.
فابتسمت الآنسة ولكنها لم تحر جواباً.
وهنا صاحت الكونتيس من وراء الستار: بول ابعث لي برواية جديدة بشرط أن لا تكون من طراز الجيل الحاضر.
ماذا تعنين بذلك؟
أعني بذلك رواية لا يرتكب فيها البطل قتل أبيه أو أمه ولا يرى فيها غريق فإني لترتعد فرائصي من جثث الغرقى.
أمثال هذه الروايات لا تظهر في هذا العصر. أتريدين رواية روسية؟
أتوجد روايات روسية؟ إذا فابعث لي بواحدة يا عزيزي ابعث لي بواحدة.
وداعاً يا جدتي. إني على عجل وداعاً يا ليزافيتا إيفانوفنا وما الذي حملك على الظن بأن ناروموف من فرقة المهندسين؟
ثم انطلق تومسكي.
وبقيت ليزافيتا وحدها في الغرفة. فألقت نسيجها وشرعت تطل من النافذة فلم تك إلا بضع دقائق حتى ظهر أمام بيت في ركن الشارع على الجانب المقابل للنافذة فتى ضابط فاحمر وجه الفتاة خفراً فتناولت نسيجها ثانياً وأكبت على المنسج وفي هذه اللحظة عادت الكونتيس مستكملة اللباس حافلة بالزينة.
قالت الكونتيس: مري الخدم بإعداد المركبة يا ليزافيتا، سنخرج للنزهة.
فنهضت ليزافيتا عن المنسج وشرعت ترتب نسيجها.
ما خطبك يا بنيتي أبك صمم؟ مري بتجهزي المركبة في الحال.
فقالت الفتاة سأفعل فوراً ثم أسرعت إلى ردهة الغرفة.
وهنا دخل أحد الخدم وقدم للكونتيس بضعة كتب من البرنس بول أليكسدروفيتش.
قالت الكونتيس: بلغه عني مزيد الشكر والثناء، ليزافيتا! ليزافيتا! إلى أين تجرين؟
إني ذاهبة لألبس ثيابي.
إن لديك منفسحاً من الوقت يا بنيت، اجلسي ههنا افتحي المجلد الأول واقرأي لي.
فتناولت الفتاة الكتاب وقرأت بضعة أسطر.
стр. 2863
قالت الكونتيس: ارفعي صوتك ما خطبك يا بنية؟ هل فقدت صوتك؟ رويدك قربي مني هذا المسند القدمي، أدنيه قليلاً، كفى، كفى.
ارمي الكتاب يا ليزافيتا، أي هذر وهذيان، رديه إلى البرنس مع الشكر الجزيل. . ولكن أين المركبة؟.
قالت الآنسة وأطلت في الشارع المركبة مستعدة، كيف بقيت بلا لبس حتى الآ،؟ هذا دأبك لا تزالين تجشميني مشقة انتظارك. هذا ما لا يطاق ولا يحتمل يا عزيزتي.
فأسرعت ليزا إلى غرفتها ولم يمض عليها هنالك دقيقتان حتى شرعت الكونتيس تدق الجرس بأقصى قواها فتبادر الوصائف الثلاث مسرعات إليها من باب وهجم الخادم من الباب الآخر.
فصاحت الكونتيس مغضبة: عجباً لكن! لا تجبن لي دعاء قط كلما ناديتكن خبرن ليزافيتا إيفانوفنا أني في انتظارها.
وهنا عادت ليزافيتا لابسة برنسها وقبعتها.
قالت الكونتيسة: لقد طالت غيبتك يا ليزافيتا ولكن لماذا كل هذا التأنق في اللبس وهذا التبرج؟ ومن يا ترى تريدين اقتناصه بحبائل زينتك وفتنتك؟ وماذا ترين حالة الجو الآن، إنه ليوم ريبح.
قال الخادم: كلا يا مولاتي الجو هادئ ساكن.
إنك لا تدري ما تقول، افتح النافذة، ألا تحس الريح والبرد؟ جرد الخيل من العدة واللجم. لا داعي للخروج يا ليزافيتا. ولم تكوني بحاجة إلى كل هذا التزين والتبرج.
فقالت ليزافيتا في نفسها: ما هذا العذاب الأليم! ويلي من هذه العيشة ثم ويلي.
والواقع أن ليزافيتا كانت في شقوة وبلاء لقد قال شاعر إيطاليا المخلد (دانتي): ما أمر خبز الأجنبي وما أوعر سلعه. ولكن أي مخلوق أعرف بمرارة الاحتياج من الفتاة الشقية المقضي عليها بمرافقة عجوز غنية! نحن لا نقول أن الكونتيس كانت فظة غليظة القلب ولكنها كانت سريعة التقلب والتلون جمة الحالات والأهواء شأن المرأة التي تبطرها النعمة ويفسدها تملق الأتباع وتزلف المتقربين. فضلاً عما جبلت عليه من الطمع والأنانية، فهي في ذلك كسائر العجائز اللائي قد مر بهن أطيب عيشهن وأرغد أيامهن، فنفوسهن تذهب
стр. 2864
حسرات في أثر شبابهن وأفكارهن لا تزال مع الماضي وليس لديهن أدنى عطف على الجيل الحاضر أو ميل إليه ومجاملة له. وكانت الكونتيس مع ذلك تنغمس في لجة الحياة الأرستوقراطية العالية وتركض في ميادين لذاتها وشهواتها وتمعن في أودية غرورها وباطلها - تشهد حفلات الغناء والموسيقى وتحضر المراقص وتشهد الملاعب والملاهي وتجلس إلى موائد المقامرة فتنتبذ في هذه المحافل ناحية من القوم بزاوية من المكان حيث تقعد مدهونة بألوانها وأصباغها مزملة في ثيابها مكللة بحليها العتيقة الطراز القديمة الزي كأنها حلية من حلي البيت وزخرف من زخارفه ولكنها حلية قديمة قبيحة وزخرف عتيق ممقوت عدمه خير من وجوده.
فكلما دخل ضيف تقدم إليها فحياها بانحنائة شديدة عملاً بآداب المجاملة وجرياً على الأصول المتبعة والتقاليد الموروثة، ثم لا تجد بعد ذلك أحد يعيرها أدنى التفاتة وكانت تقيم الحفلات في دارها فتستقبل أهل البلاد كافة وترعى في ملاقاتهم كل آداب الملاطفة والحفاوة وإن كانت قد أصبحت لا تعرف وجوه الزوار والضيوف ولا تذكر واحداً منها.
وكان لديها عدد كبير من الخدم يجلسون كسالى في ردهة غرفتها وفي غرفة الخدام يزجون الوقت بالثؤباء والمطواء ويصنعون ما يشاؤون ويزدادون على مر الأيام ضخامة وسمناً ويتبارون ويتنافسون في سرقة الكونتيس العجوز بكل جرأة وقحة.
أما ليزافيتا فكانت صحية البيت وشهيدة حوادثه ووقائعه فإذا صنعت الشاي اتهمت بالإكثار من السكر وليمت في ذلك. وإذا كلفت بقراءة الروايات للكونتيس أخذت بهفوات المؤلف وسقطاته. وإذا صحبت الكونتيس في غدوانها وروحاتها ألقيت عليها مسؤولية سوء الجو أو رداءة الطريق. وكان لوظيفتها في خدمة الكونتيس مرتب ولكن كانت تقبض مع تكليف الكونتيس إياه أن تلبس من الثياب ما يلبسه خاصة النساء أعني القلائل منهن.
أما في الحفلات والمجتمعات فكانت تمثل أحزن الأدوار وأشقاها فكان يعرفها كل إنسان ولا يكترق لها أي إنسان وفي المراقص كانت لا ترقص إلا إذا اشتدت الحاجة إلى شريك. وكانت النساء لا يمسكن بذراعها إلا إذا احتجنها لحراسة ثيابهن. وكانت ليزافيتا رقيقة الشعور فكانت تتوجع لسقوط منزلتها وتحس لذلك أشد المضض. كل هذا جعلها تتلهف على من ينقذها من هذه العيشة الأليمة وتتلدد حائرة تلتمس بعينها الحزينة مخلصاً لها من
стр. 2865
هذا الكرب والضيق. ولكن الشبان والفتيان كانوا يطمحون إلى المثريات من العذارى ويشرئبون إلى ربات الأنساب والأحساب فكانوا يزوون بوجوههم عن ليزافيتا إيفانوفنا مع أنها كانت أجمل ألف مرة ممن كانوا يتهافتون عليهن من الفتيات العاطلات الوجوه من المحاسن والقلوب من العواطف.
وكم من مرة انسلت ليزافيتا المسكينة من المرقص الحافل المزدحم لتخلو بنفسها ولتبكي شجوها في غرفتها الضيقة الحقيرة التي كان جل أثاثها صندوق ومرآة وسرير وشمعة صغيرة ضعيفة اللهب ضئيلة الشعاع.
في ذات صباح: كان ذلك بعد الحفلة الموصوفة في أول هذه القصة بيومين وقبل المنظر الذي فرغنا من وصفه آنفاً بأسبوع - كانت ليزافيتا إيفانوفنا جالسة إلى النافذة تطرز على منسجها فحانت منها التفاتة إلى الطريق فوقع بصرها على فتى من فرقة الضباط المهندسين واقفاً لا يبدي حراكاً يدمن النظر إلى نافذتها فنكست رأسها واستأنفت عملها.
وبعد خمس دقائق أطلت ثانياً من النافذة فإذا بالفتى الضابط لا يزال ثابتاً مكانه. ولما لم يكن من شأنها مغازلة الضباط المارين تحت نافذتها أقلعت عن الإطلال على الشارع واستمرت في عملها ساعتين كاملتين دون أن ترفع رأسها، ثم دق جرس الغداء، فقامت وأخذت تطوي نسيجها ثم حانت منها التفاتة إلى الطريق عفواً فإذا بالضابط لم يبرح مكانه فاشتد عجبها من ذلك. وبعد الغداء عادت إلى النافذة وبها شيء من القلق والاضطراب ولكنها لم تجد للضابط أثراً فصرفت شبحه من ذهنها وتناسته فنسيته.
فلما كانت بعد هذه الحادثة بيومين تهم بالجلوس في المركبة مع الكونتيس أبصرت ذلك الضابط ثانياً وكان واقفاً خلف باب المركبة ساتراً نصف وجهه بياقته الفروية ولكن عينيه البراقتين كانتا تتوقدان تحت حافة قبعته فأوجست خيفة ليزافيتا على أنها لم تدر على ذلك الخوف وأخذت مجلسها من المركبة والرعب يرجف أوصالها.
ولما عادت إلى البيت أسرعت إلى النافذة فإذا الضابط واقف في مكانه المعتاد يديم النظر إليها فارتدت منقبضة واستولت عليها الحيرة والدهشة وتملكها نوع غريب من الشعور لم تفقه له معنى.
ومن ثم فصاعداً لم يمض يوم إلا ظهر ذلك الضابط تحت النافذة في الساعة المعهودة فنشأ
стр. 2866
بينهما نوع من الصحبة الصامتة والمعرفة الخرساء. فكانت في أثناء جلوسها إلى منسجها تحس دنوه وتشعر باقترابه ثم ترفع رأسها فتنظر إليه وتزداد نظراتها طولاً على ممر الأيام، وكأنما الفتى كان يستأنس بذلك ويرتاح له وكأن عينيه كانتا تنمان عن شكره لها تلك النعمة الجليلة. فكانت ترى بعين الشباب السريعة اللمح الثاقبة النظر تلك الاحمرارة الفجائية التي كانت تصبغ خده الشاحب كلما تلاقت ألحاظهما، وبعد مضي أسبوع بدأت تبتسم إليه. .
لما استأذن تومسكي من جدته في تقديمه إليها أحد أصحابه أخذ قلب الفتاة يخفق بشدة فلما علمت أن ناروموف ليس من فرقة المهندسين تندمت على إفشائها جانباً من سرها إلى تومسكي النزق الخفيف بإلقائها عليه ذلك السؤال.
كان هرمان إبناً لرجل ألماني استوطن روسيا وتجنس بالجنسية الروسية. وكان قد ورث عن أبيه رأس مال صغير. ولصحة اعتقاده بوجوب المحافظة على استقلاله الشخصي واستغنائه عما في أيدي الغير أمسك كل الإمساك عن مساس إيراده الخاص واكتفى بإنفاق مرتبه منصرفاً عن كل أسباب النعيم والترف. وكان فوق ذلك كبير الهمة بعيد المطامح محتشماً وقوراً، وكان لكثرة صمته واحتجازه لا يترك لجلسائه ورفاقه مجالاً للتهكم على بخله وشحه. وكان حاد الشهوات ملتهب الخيال ولكن كان له من القوة والعزم والحزم أمنع وقاية من ارتكاب هفوات الشباب المعتادة فمع فرط ميله للمقامرة لم يمس ورق اللعب طول عمره لأنه كان يرى أن حالته المالية لا تسمح له (على قوله) بتضحيته الضروري أملاً في اكتساب الكمالي ومع ذلك فلقد كان يجلس الليالي الطوال المتولية على مائدة القمار بقلب خفاق يتتبع تقلبات حظوظ اللاعبين وتطورات اللعب.
وكانت قصة الورقات الثلاث قد أحدثت أثراً شديداً في نفسه وأشعلت خياله فجعل يسهر الليل الطويل لا يفكر في سوى ذلك. فقال في نفسه في الليلة التالية وهو يتمشى في شوارع بطرسبرغ: أما لو باحت لي الكونتيس العجوز بسرها العظيم! أما لو خبرتني أسماء الورقات الثلاث الرابحة! لأقدمت على اللعب وارتقبت طالع سعدي.
نعم لا بد لي من التعرف بها والازدلاف إليها لنيل حظوتها - ولو قضت علي الضرورة مغازلتها والتشبيب بمقابحها ومساويء خلقها. . ولكن ذلك يحتاج وقتاً طويلاً والمرأة قد
стр. 2867
أربت على الثمانين فلا يبعد أن تموت في ظرف أسبوع بل في ظرف ساعات. . كلا! إنما الورقات الثلاث الرابحة ليست سوى الاقتصاد والاعتدال والجد. هذه هي أوراقي الثلاث، فبها أضعاف رأس مالي وأزيد عليه سبعة أمثالي وأنال الخفض والرخاء والسعادة.
وكذلك استرسل هرمان في هذه الخواطر وهو يجوب طرقات المدينة حتى انتهى إلى أحد شوارعها الكبار وأبصر أمامه منزلاً عتيق الطراز واسع الأرجاء وكان الشارع غاصاً بالمركبات الفاخرة وكلها يتجه عند باب تلك الدار المزدان بوهاج المصابيح فتارة ينزل من تلك المركبات إلى أرض الطريق قدم لطيفة لكاعب حسناء وتارة حذاء ثقيل لضابط من الفرسان وأخرى جورب حريري وحذاء رقيق لأحد أعضاء العالم السياسي. وكذلك جعلت الفراء الناعمة والبرانس اللينة معاً تتوالى في نظام متصل مارة إلى ساحة الدار أمام بوابها الضخم الجسيم.
فوقف هرمان وسأل الخفير القائم في زاوية الطريق: من صاحب هذه الدار؟
فأجاب الخير: الكونتيس أـ
فشخص الفتى في الفضاء وتذكر مرة أخرى نبأ الورقات الثلاث المدهش العجيب. ثم أقبل يخطر جيئة وذهاباً أمام الدار يفكر في صاحبته وسرها الغريب.
ولما عاد إلى مثواه وأراد النوم انتابه الرق والسهاد مدة طويلة فلما هوم للنعاس تراءت له في المنام مائدة القمار وعليها أوراق اللعب وأكداس الذهب والفضة والبنكنوت وأُري أنه يعلب ورقة أثر أخرى كلها رابح وأنه يصيب العسجد واللجين والبنكنوت في جيوبه صباً حتى تطفح بهذه النفائس.
ولما استيقظ في الصباح أخذ يتنفس الصعداء على ما قد خسر من تلك الثروة الخيالية. ثم غادر مثواه وانطلق في شوارع المدينة حتى أبصر نفسه كرة أخرى أمام قصر الكونتيس وكأنما اجتذبته إلى هنالك قوة خفية مجهولة. فوقف ونظر إلى النوافذ فلمحت عينه في إحداها رأساً تزينه لمة جثلة سوداء وهو منكس يحنو فوق شيء لعله كتاب أو منسج تطريز.
ثم رفع الرأس فرأى هرمان وجهاً ذا نضرة ونعمة تتألق في صفحته المصقولة عينان سوداوان.
стр. 2868
في هذه اللحظة جرى عليه القدر المحتوم ونفذ فيه حكم القضاء.
الفصل الثالث
لم تكد ليزافيتا ليفانوفنا تخلع ردائها حتى استدعتها الكونتيس ثانياً وأمرتها ثانياً أن تكلف الخدم بتجهيز المركبة. فوقفت المركبة حيال الباب وتهيأت الكونتيس ووصيفتها للركوب.
في هذه اللحظة بينما كانت السيدة العجوز تحاول الركوب ويعينها على ذلك خادمان سمينان أبصرت ليزافيتا ضابطها عند العجلة فقبض على يدها فأطاش الفزع عقلها وأطار لبها. ثم اختفى الفتى وقد ترك بين أصابعها رقعة صغيرة فأخفتها في قفازها. وبقيت مدة سير المركبة لا تبصر ولا تسمع وكان من دأب الكونتيس إذا ركبت أن لا تزال تضجر رفيقتها بأمثال هذه الأسئلة:
من ذا الذي مر بنا آنفاً؟
ما اسم هذا الكوبري؟
ما هذه الكتابة المنقوشة على تلك اللوحة؟
ففي هذه المرة جعلت الفتاة تجيب على هذه الأسئلة بأجوبة مبهمة سخيفة خارجة عن الموضوع مما أحرج صدر الكونتيسة وأثار غضبها.
فصاحت قائلة: ما خطبك يا فتاة وماذا دهاك؟
هل زايلك عقلك أو ماذا؟ ألا تسمعين ألا تعين ألا تفهمين ما أقول؟
الحمد لله لا يزال عقلي بخير وكلامي واضحاً بيناً!
ولكن ليزافينا إيفانوفنا لم تسمع توبيخها هذا. ولما عادت إلى القصر أسرعت إلى غرفتها وأخرجت الرقعة من قفازها ولم تكن مختومة فقرأتها وكان فيها تصريح بالحب وكانت مكتوبة بلهجة رقيقة مؤدبة محتشمة وكانت مكتوبة حرفاً بحرف من رواية ألمانية. ولكن ليزافيتا لم يكن لها أدنى إلمام بالأدب الألماني فلم يخالجها أدنى شك في أن الرسالة من فيض إحساس ذلك العاشق الجديد ومن بنات أفكاره فسرت بها كل السرور وطربت لحلاوة ألفاظها وسحر بيانها أيما طرب.
ومع كل هذا فقد كان ابتهاجها يشوبه مزاج من القلق والارتباك. وذلك أنها كانت لأول مرة في حياتها ترتبط مع شاب صغير بعلائق سريبة خصوصية وقد كان في شدة جرأة الفتى ما
стр. 2869
راعها وأرهبها. فعنفت نفسها على طيشها وتهورها ولم تدر ماذا تصنع أتمتنع عن الجلوس عند النافذة فتقف الفتى عند حده بهذا الصدود والانصراف؟
أترد عليه رسالته أم تجيبه عليها جواباً فاتراً أصلاً.؟ إلا أنها لتفتش حولها على مخلوق تبثه همها وتعرض عليه حالها من القلق والحيرة فلا تجد لها من صديق ولا رفيق ولا معين ولا نصير ولا مرشد ولا مشير فأصرت أخيراً على إجابته.
فجلست إلى مكتبها الصغير وتناولت قلماً وقرطاساً وشرعت تفكر، فبدأت الرسالة عدة مرات ثم مزقتها، إذ بدا لها أن أسلوب تعبيرها كان تارة يطمع ويستميل للينه ورقته وتارة يؤذي ويجرح لجفائه وقسوته. وأخيراً استطاعت أن تسطر بعض كلمات رضيتها وارتاحت لها وهي:
لا شك عندي أن غرضك نبيل وغايتك شريفة، وإنك لا تريد أن تسوءني بأدنى ما يحرج مركزي أو يضير سمعتي، ولكن لا أرضى أن تكون فاتحة تعارفنا بهذا الأسلوب الذي تسلك.
وأرجو أن لا أرى اليوم الذي أندم فيه على ما ألقاك به الساعة من هذا الإهمال والصدود الذي لم تستحقه مني.
ولما ظهر هرمان في اليوم التالي بموقفه المعهود قامت لزيافيتا عن منسجها فمضت إلى غرفة الاستقبال ففتحت نافذتها وألقت الرسالة في الطريق واثقة أن الفتى عنده من الفطنة وسرعة الإدراك ما يبعثه على التقاطها.
فأسرع هرمان إلى الرقعة فالتقطها ثم أوى إلى حانوت حلوى ففض الطرف فألفى فيه رسالته وجواب ليزافيتا وكان يتوقع ذلك فعاد على منزله وذهنه مشغول بما بدير من الدسيسة.
وبعد مشي ثلاثة أيام على ذلك جاءت صبية مشرقة العينين صانعة في حانوت ملابس إلى ليزافيتا برسالة. ففضتها ليزافيتا بيد مضطربة قلقه وهي تخشى أن تكون من صاحب دين يطالب ببقية حسابه ولكنها لم تلبث أن عرفت فيها خط هرمان.
فقالت للصبية: لقد أخطأت غرضك يا عزيزتي هذه الرقعة ليست لي.
فأجابت الفتاة مبتسمة ابتسامة معنوية: بل إنها لك يا سيدتي تفضلي بقراءتها.
стр. 2870
فنظرت ليزافيتا في الرقعة فعلمت أن هرمان يلتمس لقاءها.
فصاحت وقد راعها قحة هذا المطلب وأسلوبه: أنا واثقة أن هذه الرسالة ليست لي.
ثم أنها مزقت الرقعة شذر مذر.
فقالت الصبية: إذا كانت ليست لك فلم مزقتها، لقد كان ينبغي لي أن أردها إلى صاحبها.
فارتبكت ليزافيتا لهذه الملاحظة وقالت: أرجوك يا عزيزتي أن لا تأتيني بأية رسالة أخرى بعد الساعة وخبري مرسلك أن هذا عار عليه.
ولكن هرمان لم يكن بالرجل الذي تصده مثل هذه الصدمة فكان لا يمر يوم إلا تأتيها منه رسالة وكان يتفنن ما شاء في رسالاته المتولية في أساليب الاستمالة والاستهواء وكان لا يترجم هذه الرسائل من القصص الألمانية كما صنع في الرسالة الأولى بل كان يكتبها تحت تأثير سورة الطمع الملتهب بلغة عواطفه ووجدانه فكانت تنم عن صرامة عزمه وصلابة إرادته وتشف عن اضطرابات خياله الجامح الشرود الذي لا ترده شكيمة ولا يثنيه عنان.
فضعفت إرادة الفتاة أمام هذه القوة الهائلة فأذعنت واستكانت ولم تعد تقوى على رد تلك الرسائل إلى صاحبها كما فعلت بالأولى. بل على عكس ذلك كانت تجد لكلمات الفتى حلاوة في قلبها وروحاً على كبدها ونشوة تميل لها وتترنح كالشارب الثمل من حميا الراح والغصن الرطيب في اليوم الراح. وبدأت تجيبه على كتبه ورسائله وكانت أجوبتها إليه تزداد على مر الأيام إسهاباً وإطناباً ورقة وغزلاً وأخيراً ألقي إلهي من النافذة الرسالة الآتية:
في هذه الليلة تقام حفلة رقص في دار السفارة تحضرها الكونتيس وسأبقى معها هنالك حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فهذه فرصة لالتقائنا في خلوة. والمرجح أنه متى خرجت الكونتيس انطلق الخدم كل في شأنه فلا يبقى إلا البواب وهذا من دأبه النعاس متى ترك وشأنه.
فاطرق الدار الساعة الثانية عشرة فاصعد السلم فإذا عثر بك أحد في الردهة فسل عن الكونتيس هل هي بالدار فستخبر كلا وإذ ذاك ليس أمامك إلا الرجوع من حيث أتيت ولكن الأرجح أنك لن تصادف أحداً. وستكون الوصائف كلهن مجتمعات في غرفة واحدة فإذا غادرت الردهة فانعطف يسرة ثم سر قدماً حتى تبلغ مرقد الكونتيس ففيها تجد حاجزاً خلفه
стр. 2871
بابان. فالأيمن منهما يفضي إلى مقصورة لا تدخلها الكونتيس أبداً. والأيسر يفي إلى دهليز في أقصاه سلم متعرج - هذا السلم يؤدي إلى غرفتي.
فبقي هرمان ينتفض كالنمر أثناء انتظاره الموعد المضروب ولما جاءت الساعة العاشرة كان واقفاً حيال قصر الكونتيس وكان الجو فظيعاً إذ كانت الريح تعصف هوجاء مجنونة والجليد يتساقط صفائح عراضاً. وضوء المصابيح متضائل والشوارع قفرة خاوية ولكن هرمان كان ملتفاً في عباءة كثيفة لا يحس ريحاً ولا جليداً.
وأخيراً ظهرت مركبة الكونتيس وأبصر هرمان خادمين سميني يحملان شخص الكونتيس المحدودب المقوس ملفوفاً في الفرو الأسود وخلفها ليزافيتا في ملاءة دافئة د زينت رأسها بباقة نضرة من الزهر ثم أغلق باب المركبة وانحدرت على الثلج اللين وأغلق باب القصر وأظلمت النوافذ.
وجعلهرمان يقبل في الطريق ويدبر ويحوم حول القصر المهجور ثم وقف تحت مصباح ونظر في ساعته فألفاها اثنتي عشرة إلا عشر دقائق. فبقي ثابتاً مكانه تحت المصباح ينظر في الساعة بفارغ الصبر انقضاء الدقائق الباقية.
فلما كانت الساعة الثانية عشرة بالضبط صعد هرمان سدة الباب ودخل الساحة المشرقة بالمصابيح الوهاجة فلم يجد للبواب أثراً فأسرع هرمان مصعداً في السلم وفتح باب الردهة فألفى بها خادماً نائماً في كرسييه إلى جنب مصباح فاجتازه هرمان بقدم خفيفة ثابتة.
وكانت غرفة الجلوس في ظلام إلا شعاعاً ضئيلاً كان يتسرب إليهما من مصباح الردهة.
بلغ هرمان مرقد الكونتيسة فألفى في إحدى زواياه مزاراً مملوءاً بدمى وتماثيل للقديسين والقديسات وأرائك عليها الوسائد والحشايا اللدنة الناعمة وهي منضودة في نظام محكم قد نصلت أصباغها لطول القدم ولاحت عليها معاني الوحشة والكآبة وكانت الجدران مغشاة بأثواب من حرير الصين. وعلى أحد جانبي الحجرة كان يتدلى صورتان رسمتهما في باريز المصورة الشهيرة ليبران. إحداهما صورة رجل بادن ضخم أشقر اللون يناهز الأربعين في حلة عسكرية خضراء ناضرة على صدره نجمة.
الثانية صورة امرأة صغيرة ذات أنف أشم يزين جبينها طرة مصفوفة ويحلى شعرها وردة حمراء. وفي أركانالحجرة وزواياها تماثيل رعاة من الصيني وساعات موائد من عمل
стр. 2872
الصانع المشهور ليفتروي وصناديق حلي ومراوح غير ذلك من اصناف اللعب والطرف والزخارف مما كان يألفه النساء في أواخر القرن السالف يوم جن الناس ولوعاً ببلونات (مونتجولفيير) ومغناطيسية مسمر فوقف هرمان خلف الحاجز فألفى لدى ظهره سريراً منالحديد وعلى يمينه الباب المفضي إلى المقصورة. وعلى يساره الباب المؤدي إلى الدهليز ففتح الثاني فأبصر السلم المتعرج المنتهي إلى حجرة الوصيفة المسكينة. . ولكنه كر راجعاً فدخل المقصورة المظلمة.
مر الوقت بطيئاً وكان السكون سائداً ودقت الساعة واحدة فرن صداها في أرجاء الحجرة ثم عادا السكون ولبث واقفاً مرتكزاً على رف الموقد الخامد. وكان رابط الجأش يدق قلبه دقات منتظمة مطردة دأب الرجل الذي يكون قد عزم على أمر هائل خطر ولكنه محتوم لا مرد عنه ولا مناص منه. ثم دقت الساعة نصفاً بعد الواحدة ثم اثنتين بعد منتصف الليل. فبلغ أذنيه من أقصى مسافة دقدقة الحوافر وجلجلة العجلات من مركبة الكونتيس العائدة وهنا اعترته هزة شديدة ورجفة عنيفة. وتقدمت المركبة ثم وقف فسمع صوت سلم المركبة وهو يدلى، وإذا بالخدام والوصائف وسائر أهل القصر كلهم في هرج ومرج. فكان الخدام يتسارعون ويتسابقون في كل مكان. وقد امتلأ فراغ القصر جلبة ولجباً وأشعلت الغرف وتألقت أنوارها. ودخل مرقد الكونتيس ثلاثة وصائف عجائز وعلى أثرهن الكونتيس ذاتها وقد نهكها التعب وأعياها النصب فتهالكت على كرسي من طراز فولتير.
وقد أشرفت على الهلاك وكأن إحدى قدميها في القصر والأخرى في القبر فهي أحق أن تسمى ميتة من أن تعد مع الأحياء فنظر هرمان خلال شق في الحاجز وإذا بليزافيتا تمر به كثب وإذا به يسمع وقع قدميها السريعتين أثناء صعودها السلم الحلزوني.
فأحس لحظة من الوقت بما يشبه وخز المضير ولذعة الندم ولكنه كان إحساساً طياراً كلمحة البرق ثم عاد قلبه إلى سيرته الأولى من التحجر.
أخذت الكونتيس تخلع ثيابها أمام مرآتها فنضت قبعتها المكللة بالأزهار ثم نزعت قنزعتها المذرور عليها المسحوق عن شعرها الأشيب المجزور وتساقطت حولها المداري ودبابيس العشر كالأمطار الغزيرة وسقطت حلتها الحريرية المزركشة الصفراء على قدميها الوارمتين.
стр. 2873
وكان هرمان يطلع على هذه الخفايا المنكرة والخبايا الممقوتة من أسرار (تواليت) الكونتيس.
وأخيراً بدت العجوز في (طرطور) النوم وجلبابه - فكانت في هذا الزي الذي هو أشبه بسنها وأليق بشخصها أقل قبحاً وأخف بشاعة منها في الحلة الفاخرة والحلي الباهرة.
كانت الكونتيس كسائر العجائز مصابة بالأرق. فلما نضت ثيابها جلست على النافذة على كرسي من طراز فولتير وصرفت الوصائف ثم أخرجت الشموع وتركت الحجرة وليس بها من وسائل الإضاءة إلا قنديل واحد كما كانت قبل فلبثت الكونتيس جالسة بمكانها مصفرة الوجه والبشرة كأنما غمست في كركم تحرك شفتيها المسترخيتين وتترجح يمنة ويسرة.
وكانت عيناها الثقيلتان الكليلتان البليدتان تنم عم عزوب العقل والتدله، ويخيل إلى الناظر أن حركة اهتزاز جثتها ليست حركة اختيارية منها ولكنها ناشئة عن فعل آلة كهربائية مخبوءة في جوفها.
ولكن وجهها الميت تنكر بغتة وتبدل هيئة مدهشة فوقفت حركة ارتعاش الشفتين وفاضت الحياة في العينين، ماذا جرى؟ إن أمام الكونتيس يقف رجل غريب مجهول.
وقال بصوت خفيض واضح: لا تخافي! سألتك بالله لا تخافي! ما كنت أنالك بأدنى مضرة ولا نويت لك قط شراً. إنما جئت لأسألك حاجة.
فنظرت العجوز في صمت كأنما لم تع ما قال. وظن هرمان أن بها صمماً فأدنى فاه من أذنها وأعاد ما قاله أولاً فاستمرت العجوز على سكوتها.
وقال هرمان: إن في يديك ترفيه عيشي وإسعاد حياتي ثم لا نفقة ولا مؤونة عليك في ذلك، وإني لأعرف أنك تستطيعين تسمية ثلاث ورقات من ورق اللعب. . .
وهنا سكت هرمان إذ بدا له أن الكونتيس بدأت تفهم كلامه، وكأنها تعالج نفسها على تهيئة جواب لكلامه.
فقالت بعد الجهد الطويل: لم يكن ذلك إلا أمزوحة ودعابة. وإني أؤكد لك أنها لم تكن سوى أمزوحة.
فأجا بهرمان مغضباً: لا مزاح في الأمر اذكري تشايلنسكي الذي فرجت كربته ونفست غمته وأعنته على استرداد خسائره.
стр. 2874
فاشتد قلق الكونتيس وحيرتها وبدا في أسارير وجهها آيات الغم والكرب ثم تماسكت واستعادت ثباتها ورزانتها.
وقال هرمان: ألا تستطيعين تسمية هذه الورقات الثلاث؟
فاستمرت العجوز في سكوتها وقال هرمان:
لمن تدخرين هذا السر؟ لأحفادك؟
إنهم ليسو بحاجة إذ هم أغنياء من دونه ثم هم لا يعرفون للمال قيمة فورقاتك لا فائدة فيها ولا ثمرة للمبدد المبذر لأن الرجل الذي لا يستطيع صيانة تراث أبيه يعجز عن صون ما عداه من مال طريف ومتاع مستحدث ومثل هذا لا يموت إلا فقيراً ولو كان رهن إشارته وطوع بنانه جن سليمان يأتونه ما يشاء ويبغي ولكني لست من تلك الفئة وذلك القبيل إذ كنت أعرف قيمة المال فأوراقك الثلاث لن تذهب على سدى ولن تطيح معي جباراً فدعك من هذا الكتمان وبوحي لي بأسمائها.
ثم سكت ولبث ينتظر رجع جوابها مرتجف الأوصال من سدة انفعاله وتمادت الكونتيس في سكوتها فخر هرمان راكعاً تحت قدميها.
وقال: إذا كان شعاع الحب قد أشرق قط على ساحة قلبك.
وإذا كنت تذكرين حلاوة ذلك الشعور وطربه ولذته. .
إذا كنت جربت شعور الأم نحو طفلها الرضيع وأطرب أذنيك نغمة وليدك وهو يضحك ويغرد - إذا كان قلبك قد عرف قط أي شعور إنساني ودب إليه أدنى إحساس آدمي - فإني أستحلفك بعواطف الزوجة والوالدة والعاشقة - أعني بك ما هو مقدس في الحياة أن لا تردي دعائي ولا ترفضي طلبي بوحي لي بسرك أي فائدة لك فيه.
ومن المحتمل أن يكون هذا السر متصلاً بإثم عظيم أو جرم جسيم - بمحالفة الأبالسة ومعاملة الشياطين مما يستوجب الحرمان الأبدي من رحمة الرحمن ويستجلب لعنة الله إلى يوم الدين.
وأنت عجوز هرمة قد أكل عليك الدهر وشرب وأيامك في هذه الحياة معدودة ولعلك هامة اليوم أو غد فتدبري حالك وانظري في عاقبتك ومآلك واطرحي على كاهلي هذا السر وما يتصل به من إثم وجريمة - فإن حامله عنك ومريحك من شره وأذاه. أفشي إلي سرك
стр. 2875
واذكري أن في يدك سعادة إنسان وشقاءه ونعيمه وبلاءه.
وإني أنا وأولاد ي وأحفادي من بعد سنثني عليك ما حييت ونستمطر ضريحك سحائب الرحمة والرضوان بعد مماتك ونصلي لروحك كما يصلى لأرواح الأبرار والقديسين. كل ذلك والكونتيس صامتة لا تنبس بكلمة.
فثار هرمان لقدميه.
وصاح وهو يحرق نابه على العجوز غيظاً وحقداً: تباً لك وسحقاً أيتها العجوز الشوهاء سأرغمك على الكلام إرغاماً، ثم سحب مسدساً من جيبه.
فعند رؤية المسدس بدت علائم القلق والاضطراب على وجه الكونتيس للمرة الثانية، فهزت رأسها ورفعت يديها كأنما تحاول اتقاء الطلق. .
ثم استلقت على ظهرها وبقيت مسلوبة الحركة.
فصاح هرمان وقبض على يدها: أجيبي ودعك من هذه السخافة الصبيانية إني أسألك لآخر مرة فأجيبي: أتسمين لي الورقات الثلاث.
فلم تحر الكونتيس جواباً. فتأمل هرمان وجهها فإذا هي ميتة.
الفصل الرابع
كانت ليزافيتا إيفانوفنا جالسة في غرفتها لم تنزع بعد حلة المرقص منغمسة في لجة من الأفكار والخواطر. وكانت لدى وصولها القصر صرفت خادمتها التي تقدمت نحوها متثاقلة مكرهة لتعينها على نضو ثيابها فأخبرتها أنها ليست بحاجة إليها وأنها ستنضو ثيابها بنفسها.
ثم صعدت إلى حجرة خفاقة الأحشاء وهي تتوقع أن تجد هرمان هنالك وتود من أعماق قلبها أن لا تجده فلما ولجت باب الغرفة علمت لأول وهلة أنه غير موجود فأثنت على الأقدار وحمدت حسن حظها الذي حال بين هرمان وبين المجيء في الموعد المضروب.
ثم جلست دون أن تنزع ثيابها وأخذت تعيد كرة الفكر على تلك الحوادث التي ساقتها في ذلك الوقت القصير إلى هذه النقطة الخطيرة وكيف ولم يكن قد مر ثلاثة أسابيع منذ لمحت الفتى الضابط لأول مرة من النافذة وهي مع ذلك قد أصبحت تراسله وتمكن هو من حملها على أن تضرب له موعد لقاء في جوف الظلام!
следующие страницы →