← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بالدليل الناصع صدق المصطفى ﵇. بويع الخليفة العباسي هارون الرشيد يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة للهجرة ومات يوم السبت لأربع ليال خلون من جمادي الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة فكانت ولايته ثلاثاً وعشرين سنة وستة أشهر وولى الخلافة وهو ابن إحدى وعشرين سنة ومات وهو ابن أربع وأربعين سنة وأربعة شهور - وكان على مملكة الرومان الشرقية في خلافة الرشيد قسطنطين السادس من سنة ٧٨٠ - ٧٩٢م ثم نيسوفورس المعروف عند العرب باسم - نيقوفور - من سنة ٧٩٢ - ٨١١م وقد عثرنا على هذه الرسالة في كتاب اختيار المنظوم والمنثور الموجود في المكتبة الخديوية معنونة بهذا العنوان الآتي - ومن الرسائل المختارة رسالة أبي الربيع محمد بن الليث إلى قسطنطين ملك الروم - ثم افتتح الرسالة بما يأتي - من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى قسطنطين عظيم الروم الخ الخ فبحثنا في كتب التاريخ التي تحت أعيننا عن هذه الرسالة وعمن كتبها ومن كتبت عنه ومن كتبت إليه فلم نر ذكراً لشيء من ذلك وغاية ما يمكن معرفته هو أن هذه الرسالة أرسلها هارون الرشيد إلى قسطنطين السادس والذي كتبها عن الرشيد هو أبو الربيع محمد بن الليث - أما الرسالة فأثر من أحسن الآثار وأسلوبها أسلوب الطبقة الأولى من كتاب العربية الجاحظ وابن المقفع وعبد الحميد الكاتب وابن العميد وأضرابهم ولذلك آثرنا نشرها في البيان وهذه هي: من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى قسطنطين عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى فأني أحمد الله الذي لا شريك معه ولا ولد له ولا إله غيره الذي تعالى عن شبه المحدودين بعظمته واحتجب دون المخلوقين بعزته فليست الأبصار بمدركة له ولا الأوهام بواقعة عليه انفراداً عن الأشياء أن يشبهها وتعالياً أن يشبهه شيء منها وهو الواحد القهار الذي ارتفع عن مبالغ كذا صفات القائلين ومذاهب لغات العالمين وفكر الملائكة المقربين فليس كمثله شيء وله كل شيء وهو على كل شيء قدير. أما بعد فإن الله جل ثناؤه وتباركت أسماؤه قال لنبيه صلى الله عليه فيما أنزل من آيات الوحي إليه: أُذعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين: فرأى أمير المؤمنين من أحسن

стр. 317

قوله وأفضل فعله أن يكون إلى سبيل ربه داعياً وبرسوله صلى الله عليه متأسياً ولقوله: ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال أنني من المسلمين: موافقاً وكنت من كتب الله المُنزلة وآياته المفسرة وخَلقه الكثير بحيث رجا أمير المؤمنين استماعك لموعظته وانتفاعك بمجادلته انتفاءً بشّرٍ كثير وخلق عظيم قد بُؤتَ بأوزارهم مع وزرك واحتملت من آثامهم إلى إثمك فأحب أن يدعوك ومن رجا أن ينتفع بدعوته معك إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نُشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن توليتم عن ذلك رغبة عنه أو تركتموه زهادة فيه فأشهدوا بأنا مسلمون واستمعوا ما أمير المؤمنين واصفٌ لكم ومحتجٌّ به إن شاء الله عليكم بقلوب شاهدة وآذان واعية ثم اتبعوا أحسن ما تسمعون ولا قوة إلا بالله فإن الله يقول فيما أنزل من كتابه واقتصَّ على عباده: وبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. إن الله تبارك اسمه وتعالى جده وصف فيما أنزل من آياته وشرح من بيناته الأمم الماضية والقرون الخالية والملل المتفرقة الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى لا برهان لهم بها ولا حجة لهم فيها فقال يا أهل الكتاب: لا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون: قالت العرب الذين يعبدون الملائكة وأهلُ الكتاب الذين يقولون ثالث ثلاثة بايتما آية يا محمد تزعم أن الله إله واحد فأنزل الله في ذلك آية تشهد لها العقول وتؤمن بها القلوب وتعرفها الألباب فلا تستطيع لها ردّاً ولا تُطيق لها جحداً ذَكر فيها اتصال خلقه واتفاق صنعه ليوقن الجاهلون من العرب والضالون من أهل الكتاب أن إله السماء والأرض وما بينهما من الهواء والخلق واحد لا شريك له خالق لا شيء معه فقال: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس: فتفكر في تفسير هذه الآية من كلام الرب وما أوضح فيها من بيان الخلق فإنه ما من مفكر ينظر فيما ذكر الله فيها مما بين السماء والأرض إلا رأى من اتصال بعض ذلك ببعض مثل ما رأى في تدبير نفسه وعرف من اتصال خلقه فيما بين ذوائب شؤون رأسه إلى أطراف أنامل قدمه وفي ذلك أوضح آية

стр. 318

وأبين دلالة على أن الذي خلقه وصنعه إله واحد لا إله معه ولا من شيء ابتدعه ولا على مثال صنعه. قد ترون بعيونكم وتعلمون بعقولكم أن الله خلق للأنام الأرض وجعلها موصولة بالخلق فليست إلا لهم ولا يديمها إلا معهم وجعل ذلك الخلق متصلاً بالنبت لا يقوم إلا به ولا يصلح إلا عليه وجعل ذلك النبت الذي جعله متاعاً ومعاشاً لأنعامكم متصلاً بالماء الذي ينزل من السماء بقدر معلوم لمعاش مقسوم فليس ينجم النبت إلا به ولا يحيا إلا عنه وجعل السحاب الذي يبسطه كيف يشاء متصلاً بالريح المسخرة في جو السماء تثيره من حيث لا تعلمون وتسوقه وأنتم تنظرون كما قال : وهو الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور: ووصل الرياح التي يصرفها في جو السماء بما يؤثر في خلق الهواء من الأزمنة التي لا تثبت الهواجر إلا بثباتها ولا يزول عنه برد إلا بزوالها كذا ولولا ذلك لظل راكداً بالحر المميت أو ماثلاً بالبرد القاتل ووصل الأزمنة التي جعلها متصرفة متلونة بمسير الشمس والقمر الدائبين لكم المختلفين بالليل والنهار عليكم وجعل مسيرهما الذي لا تعرفون عدد السنين إلا به ولا مواقع الحساب إلا من قِبَله متصلاً بدوران الفلك الذي فيه يسبحان وبه يأفلان ووصل مسير الفلك بالسماء للناظرين سواء كذا فهذا خلق الله ما فيه تباين ولا تزايل ولا تفاوت كما قال ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ولو كان لله شريك فيه أو معه ظهير عليه يمسك منه ما يرسل ويرسل منه ما يمسك أو يؤخر شيئاً من ذلك عن وقت زمانه ويعجله قبل مجيء ابَّانه - لتفاوت الخلق ولتباين الصنع ولفسدت السموات والأرض ولذهب كل إله بما خلق كما قال وكذب المبطلين: بل أتيناهم بالحق وأنهم لكاذبون ما اتخذ الله من ولد وما كان معه إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون: والعجب كيف يصف مخلوق ربه أو يجعل معه إلهاً غيره وهو يرى فيما ذكر الله من هذه الأشياء صنعة ظاهرة وحكمة بالغة وتأليفاً متفقاً وتدبيراً متصلاً من السماء والأرض لا يقوم بعضه إلا ببعض متجل بين يديه ماثل نُصب عينيه يناديه إلى صانعه ويدله على خالقه ويشهد له على وحدانيته ويهديه إلى ربوبيته فتعالى الله عما يشركون أيشركون مالا يخلق شيئاً وهم يخلقون حقاً ما كرر هؤلاء الجاهلون بربهم الضالون عن

стр. 319

أنفسهم في خلق الله النظر ولا رجعوا كما قال الله الفكر ولو اعملوا فكرهم واجتهدوا نظرهم فيما تسمع آذانهم وترى أبصارهم من حوادث حالات الخلق وعجائب طبقات الصنع لوجدوا في أقرب ما يرون بأعينهم من التأليف لتركيب خلقهم والأثر في التدبير لصنعهم ما يدلهم على توحيد ربهم ويقف بهم على انفراده بخلقهم فإنهم يرونه في أنفسهم بأعينهم ويجدونه بقلوبهم مخلوقة أي أنفسهم صنعة بعد صنعة ومحولة طبقة عن طبقة ومنقولة حالاً إلى حال سلالة من طين ثم نطفة من ماء مهين ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً كساه الله لحماً ونفخ فيه روحاً فإذا هو خلق آخر فتبارك الله أحسن الخالقين الذي خلق في قرار مكين من ماء قليل ضعيف ذليل خلقاً صوره بتخطيط وقدره بتركيب وألفه بأجزاء متفقة وأعضاء متصلة من قدم إلى ساق إلى فخذ إلى ما فوق ذلك من مفاصل ما يعلن وعجائب ما يبطن ليعلم الجاهلون ويوقن الجاحدون أن الذي جعل ذلك وخلقه ودبره وقدره وهيأ ظاهره وباطنه إله واحد لا شريك معه فلا يذهبن ذكر هذا صفحاً عنكم ولا تسقط حكمته جهلاً به عليكم وفكروا في آيات الرسل وبينات النذر فإن في ذلك فكراً للمبصرين وبصراً للمعتبرين وذكرى للعابدين والحمد لله رب العالمين. وأمير المؤمنين واصف لكم ومقتص من ذلك إن شاء الله عليكم ما فيه شهادات واضحات وعلامات بينات ومبتدئ بذكر آيات نبينا محمد صلى الله عليه فيما أنزل الله منها في الوحي إليه فإنه ما أحد يقرع بآيات النبوءة قلبه ويخصم بينات الهدى عقله إلا قادته حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه لا يجد إلى إنكار ما جاء به من الحق سبيلاً فأردت أن تكونوا على علم ومعرفة ويقين وثقة من أمر محمد صلى الله عليه وحقه وما أنزل إليه من ربه فأحضر كتاب أمير المؤمنين فهمك وألق إلى ما هو واصف إن شاء الله سمعك. إن الله اصطفى الإسلام لنفسه واختار له رسلاً من خلقه وابتعث كل رسول بلسان قومه ليبين لهم ما يتقون ويعلمهم ما يجهلون من توحيد الرب وشرائع الحق لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً فلم تزل رسل الله قائمة بأمره متوالية على حقه في مواضي الدهور وخوالي القرون وطبقات الزمان يصدق آخرهم بنبوّة أولهم ويصدق أولهم قول آخرهم ومفاتح دعوتهم واحدة لا تختلف ومجامع ملتهم ملتئمة لا تفترق حتى تناهت الولاية والوراثة التي سيدنا عيسى ﵇ عليها (كذا ولعلها فقام

стр. 320

عليها) وبشر بها إلى النبي الأمي الذي انتخبه الله لوحيه واختاره لعلمه فلم يزل ينقله بالآباء الأخاير والأمهات الطواهر أمة فأمة وقرناً فقرناً حتى استخرجه الله في خير أوان وأفضل زمان من أثبت محاتد ارومات البرية أصلاً وأعلاً ذوائب نبعات العرب فرعاً وأطيب منابت أعياص قريش مغرساً وأرفع ذري مجد بني هاشم سمكاً محمد ﷺ خيرها عند الله وخلقه نفساً على حين أوحشت الأرض من أهل الإسلام والأيمان وامتلأت الآفاق من عبدة الأصنام والأوثان واشتعلت البدع في الين وأطبقت الظلم على الناس أجمعين وصار الحق رسماً عافياً وخلقاً بالياً ميتاً وسط أموات ما أن يحسون الهدى صوتاً يسمعونه ولا للدين أثراً يتبعونه فلم يزل ﷺ قائماً بأمر الله الذي أنزل إليه يدعوهم إلى توحيد الرب ويحذرهم عقوبات الشرك ويجادلهم بنور البرهان وآيات القرآن وعلامات الإسلام صابراً على الأذى محتملاً للمكروه قد أعلمه الله أنه مظهر دينه ومعز تمكينه وعاصمه ومستخلفه في الأرض فليس يثنيه ريب ولا يلويه هيب ولا يعييه أذى حتى إذا قهرت البينات ألبابهم وبهرت الآيات أبصارهم وخصم نور الحق حجتهم فلم تمتنع القلوب من المعرفة بدون صدقه ولم تجد العقول سبيلاً إلى دفع حقه وهم على ذلك مكذبون بأفواههم وجاحدون بأقوالهم كما قال الله العليم بما يسرون الخبير بما يعلنون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون بغياً وعداوة وحسداً ولجاجة افترض الله عليهم قتالهم وأمره أن يجرد السيف لهم وهم في عصابة يسيرة وعدة قليلة مستضعفين مستذلين يخافون أن يتخطفهم العرب وتداعى عليهم الأمم تستلحمهم الحروب فآواهم في كنفه وأيدهم بنصره وأنذرهم بمقدمة من الرعب ومسعلة كذا من الحق وجنود الملائكة حتى هزم كثيراً من المشركين بقلتهم وغلب قوة الجنود بضعفهم انجازاً لوعده وتصديقاً لقوله: إن جندنا لهم الغالبون: فأحسن النظر وقلب الفكر في حالات النبي صلى الله عليه من الوحي قائماً لله لتجدن لمذاهب فكرك وتصاريف نظرك مضطرباً واسعاً ومعتمداً نافعاً وشعوباً جمة كلها خير يدعوك إلى نفسه وبيان ينكشف لك عن محضه - وأخبر أمير المؤمنين ما كنت قائلاً لو لم تكن البعثة للنبي صلى الله عليه بلغتك ولم تكن الأنباء بأموره تقررت قِبَلك ثم قامت الحجة بالاجتماع عندك وقالت الجماعة المختلفة لك أنه نجم بين ظهراني مثل هذه الضلالات المستأصلة والجماعات المستأسدة

стр. 321

التي ذكر أمير المؤمنين من قبائل العرب وجماهير الأمم وصناديد الملوك ناجم قد نَصَب لها وأغري بها يجهل أحلامها ويكفر أسلافها ويفرق الأفها ويلعن آباءها ويضلل أديانها وينادي بشهاب الحق بينها ويجهر بكلمة الإخلاص إلى من تراخى عنها حتى حميت العرب وأنفت العجم وغضبت الملوك وهو على حال ندائه بالحق ودعائه إليه وحيداً فريداً لا يحفل بهم غضباً ولا يرهب عنتاً بقول الله يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وأنا أعصمك من الناس: أكنت تقول فيما تجري الأقاويل به وتقع الآراء عليه إلا أنه أحد رجلين إما كاذب يجهل ما يفعل ويعمى عما يقول وقد دعا الحتف إلى نفسه وأذن الله لقومه في قتله فليست الأيام بمادة ولا الحال بمواتية إلا ريثما تستلحمه أسبابهم وينهض به حلماؤهم غضباً لربهم وأنفة لدينهم وحمية لأصنامهم وحسداً من عند أنفسهم وأما صادق بصير بموضع قدمه ومرمى نبله قد تكفل الله بحفظه وصحبه بعزه وجعله في حرزه وعصمه من الخلق فليست الوحشية بواصلة مع صحبة الله إليه وليست الهيبة داخلة مع عصمة الله عليه ولا سيوف الأعداء بمأذون لها فيه ثم أنكم يا أهل الكتاب لو قيل لكم أن الرجل الذي يدعي العصمة وينتحل المنعة نجمت الأمور به على ما قال وسلمت الحال له فيما ادعى حتى نصب لغمارات العرب وجماعات الأمم يقاتل بمن طاوعه من خالفه وبمن تابعه من عانده جاداً مشمراً محتسباً واثقاً بموعود الله ونصره لا تأخذه لومة لائم في ربه ولا يوجد لديه غميزة في دينه ولا يلفه خذلان خاذل عن حقه حتى أعز الله دينه وأظهر تمكينه وانتقادات الأهواء له واجتمعت الفرق عليه ألم يكن ذلك يزيد حقه يقيناً عندكم ودعوته ثبوتاً فيكم حتى تقول الجماعة من حلمائكم وأهل الحنكة من ذوي آرائكم ما كان الرجل إذا كان وحيداً فريداً قليلا ضعيفاً ذليلاً معروفاً بالعقل منسوباً إلى الفضن ليجترئ أن يقول أن الله أوحي إليه فيما أنزل من الكتاب عليه أن يعصمه من العرب جميعاً ويمنعه من الأمم صرا حتى يبلغ رسالات ربه ويظهره على الدين كله ويدخل الناس أفواجاً في دينه إلا وهو على ثقة من أمره ويقين من حاله: فسبحان الله يا أهل الكتاب ما أبين حق النبي صلى الله عليه لمن طلبه وأسهله لمن قصد له فاستعملوا في طلبه ألبابكم وارفعوا أبصاركم تنظروا بعون الله إليه وتقفوا إن شاء الله عليه فإن علامات نبوته وآيات رسالته ظاهرة لا تخفى على من طلبها جمة لا يحصى عددها منها خواص تعرفها

стр. 322

العرب وعوام لا تدفعها الأمم فأما الخواص المعروفة لدينا المعلومة عندنا التي أخذتها الأبناء من الآباء وقبلها الأتباع عن الأسلاف فأمور قد كثرت البينات فيها وتداولت الشهادات عليها وثبتت الحجج بها وتراخت الأيام ببعضها حتى رأيناه عياناً وقبلناه إيقاناً فهي أظهر فينا من الشمس وأبين لدينا من النهار ولكن غيبت الأزمان عنكم أمرها ولم ينقل الآباء إليكم علمها وما لا يدرك إلا بالسمع موضوع الحجة عن العقل فليس أمير المؤمنين بمحاج لكم ولا قاصد إليكم من قبلها - وأما الآيات العوام والدلالات الظاهرة في آفاق الأرضين القاطعة لحجج المبطلين التي لا تنكر عقول الأمم وجوب حقها ولا تدفع الباب الأعداء صحة فسيولجها أمير المؤمنين مسالك أسماعكم ويعتد بها كذا حجة الله في أعناقكم من وجوه جمة وأبواب كثيرة إن شاء الله.

стр. 323

باب العلم علوم الاجتماع والأخلاق ١ الشخصية والأخلاق للكاتب الأمريكي الأكبر رالف والدو امرسن عربها عن الانكليزية المازني قرأت في بعض الكتب أن الذين كانوا يستمعون إلى خطب اللورد شَتَام كانوا يجدون في الرجل ما هو أشد خلابة من منطقه. ولقد أخذ بعض النقاد على مؤلف تاريخ الثورة الفرنسية أن كل ما ذكره عن ميرابو لا يكفي للحكم على فحولته وعندي أن أبطال بلوتارك (فلوطرخس) لا تتكافأ شهرتهم ومآثرهم ولم يأت السير فيليب سيدني والإِرل ساسكس والسير ولتر رالى عظيماً ولكنهم مع ذلك من ذوي النباهة والصيت ولو شاء أحد أن يستطلع السر في عظمة واشنجتون من تاريخ أعماله لخاب مسعاه. أضف إلى ذلك أن اسم شيلر أكبر من مؤلفاته. فما معنى ذلك التفاوت بين العمل والشهرة. وهل يكفي في التماس العلة لذلك أن يقال صدى الرعد أطول من الرعد كلا. بل أن في نفس العظيم قوة تبعث طول الأمل فيه وحسن الثقة به. وجل هذه القوة كامن كمون النار في العود وهذا هو ما نسميه الشخصية - فهي قوة في النفس لا تحتاج إلى واسطة وسر من أخفى الأسرار وأغمضها أو هي شيطان ينزع المرء عن قوسه ويأتم بهديه يأتنس به في وحدته ويسكن إليه في خلوته فلا تكاد ترى ذا الشخصية إلا منفرداً بنفسه خالياً بشيطانه يؤثر العزلة ويستأنس بالوحشة. وترى صاحب الأدب البارع آنا يعلو وآونة يسفل ولكن عظمة الشخصية لا تتضاءل ولا تصغر وذو الشخصية يبلغ بفضلها حيث لا تبلغ الهمم والمواهب والبلاغة. يسبق الناس قاعداً ويفوتهم متمهلاً ويستولي على الأمد باهلاً ويحرز النصر لا باشتجار الأسنة ولكن بإظهار سبقه وعظمته ويفوز لأن وجوده يقلب وجه الأمور ويغير مجرى الحوادث. سئل أيولى يوماً كيف عرفت أن هيركيوليز إله؟ فقال: نظرت إليه فكانت تلك النظرة حسبي فلما أبصرت (ثسيير) وددت أن أراه في مواقف القتال وقد تنازل الفرسان وتصادم الأبطال ولكن هيركيوليز كان يبهر الناس قائماً وقاعداً ويظفر برغائبه

стр. 324

على الرغم من أنف الزمان. يرى القارئ مما تقدم أن الإنسان - وهو في العادة رهن الحوادث لا تكاد تجمعه بالعالم الذي يعيش فيه ماسكة جامعة أو شابكة صلة - في مثل هذه الظروف يساهم الأشياء حياتها ويقاسم الطبيعة روحها ويكون مثالا لتلك النواميس التي تعنو لها الشمس ويذعن لها البحر وتخضع الأعداد والكميات. ومالنا لا نضرب الأمثلة بما هو أقرب منالاً. أعني الانتخابات السياسية التي لا تخلو منها أمة ضربت في المدينة بسهم. فإن الناس ليعلمون أنهم متفرقون إلى رجال جمعوا إلى الذكاء قوة تجعل الناس يطمئنون إلى ذكائهم ويركنون إلى مواهبهم وليس بنافعهم أن يرسلوا إلى مؤتمرهم خطيباً وأرى الزند بعيد الأمد بسيط اللسان مشرق ديباجة البيان إذا كان الله سبحانه لم يختره لتأييد حقيقة ما قبل أن يختاره الناس لينوب عنهم - حقيقة هي في تقديره اليقين الصابح الذي لا مراء فيه ولا ريب. فإذا وجدوا ضالتهم أرسلوه لينوب عنهم ويمثلهم ولا حاجة به إلى سؤال منتخبيه عما يرون لأنه هو الأمة التي ينوب عنها وهي التي تصير إلى ما يرتأى لها وتصدر عن مورد رأيه ومشرع فكره. وتظهر هذه القوة أيضاً في التجارة فإن فيها نوابغ وفحولاً كما في الحرب والسياسة والأدب. وليس من سبب لفوز هذا أو ذاك بنجح أمانيه وفلج مساعيه سوى ما وهبه الله من قوة النفس وعظم الشخصية وهذا كل ما نعرف وغاية ما وصل إليه علمنا. وحسب الناظر أن يسرّح في وجهه طرفه ليقف على سر نجاحه وعلة رفعته وهل سمعت أن أحداً تأمل وجه نابليون فلم يبصر فيه شاهداً من خبره وأني ليخيل لي إذ تأخذ عيني تاجراً بالطبع أن الطبيعة قد كفته الاهتمام بشأنه والعناية بأمره وأنه ليس تاجراً يبيع ويشرى وإنما عامل لها استوزرته على التجارة - وأذكر (التاجر بالطبع) فأراه بعين الظن جالساً في غرفته وعلى وجهه دلائل الكد وآثار الجهد وهو يحاول أن يبسط ما انزوى من بين عينيه وأرى كذلك أي عظيمة أقدم عليها في يومه وصعبة راضها بقوة ثباته ومضاء عزمه وكم قال لا غير هيّاب ولا وجل على حين دفع غيره نحس الطالع ونكد الجد فقالوا نعم وكأني به يعرف أنه لا واحد له وإن المرء إذا لم يخلق تاجراً فلن يلقنه التجارة أحد. ولقوي النفس شديد الشخصية سلطان على من كان ضعيفاً كسلطان النوم إذا دب في الأجفان ثنى الرؤوس وأمال الأعناق ولعلّ هذا هو قانون الطبيعة العام فإن العالي إذا

стр. 325

استصعب عليه أن يذرى من السافل وينعشه هوّده وفتره كما يروض أحدنا الدابة حتى تُصحب وللإنسان على أخيه سلطان خفىّ ولكم جاء تأثير الرجل القوي فيمن حوله مصدقاً لأساطير السحر! سئلت مرة امرأة كونسيني كيف استقادت لك ماري دي مديسي وماذا بذلت في سبيل ذلك فكان جوابها لم أبذل شيئاً غير ما للعقل القوي على الضعيف من التأثير. ولو كان قيصر أسيراً أفكان يعييه أن يكسر القيود ويفك الأغلال ويجعلها في يد السجّان؟ وهل فك قيد مطلب محال ومرام لا يكون. ولنفرض أن نخاساً اختطف من أواسط أفريقية جماعة من العبيد والحبشان وانهم جميعاً كانوا من أشباه واشنجتون. أفكانوا في تخمينك يبلغون كيوبا وفي أنوفهم بُرَة الأسر والنخاس عليهم أمير؟ أليست ثمت شيء غير الإسار؟ شيء كالحب والإجلال؟ وهذه القوة طَبعيّة كالضوء والحرارة والسبب الذي من أجله نشعر ببعض الناس ولا نحس ببعض بسيط كالجاذبية. فإن الحق غاية الوجود وأعلى مراتبه والعدل تطبيقه. وطبائع الناس في ميزان. فمن طاب عنصره وخلص جوهره رجح ومن خبث شال وإرادة الأول تجري إلى غيره جري الماء من إناء عال إلى آخر سافل. وليس في وسع أحد أن يحبسها أو يقطع عليها متوجهها. فإنك لتستطيع أن تقذف بالحجر في الهواء ولكنك لا تقدر أن تمنعه من السقوط ومهما يكن من أمور الناس فلا مناص للعدل من أن يسود في الأرض. والنفس الصحيحة في نظام واحد مع العدل والحق كالمغناطيس والقطب. وصاحبها في رأي العين واقف بين الناس وبين الشمس يشف عنها ولا يحجبها فمن أم وجهتها فقد أمه قبلها. فهو أبداً منظور ممن لا يدانونه مرموق ممن لا يشاكلونه ولو أنا قلنا أن ذوي الشخصية من الناس هم ضمائر أمتهم ما كنا مبالغين. ومقياس هذه القوة مقاومة الحوادث ومكافحة الظروف فإن صغير النفس ينظر إلى الحياة باديةً في مرآة الحوادث والأفكار والناس ولا يتفطن للأمر حتى يكون وأني لمن لم يهبه الله صفاء النفس ولطافة الحس وحدة الفؤاد أن يستشف جرثومة الأمر من بين مثاني الحوادث ويتبين صفته من خير أو شر ولمّا تلده الليالي بعد. هذا ولكل شيء في الطبيعة قطبان موجب وسالب - ذكر وأنثى - روح وحقيقة - شمال وجنوب فالروح هي الموجب

стр. 326

والحادثة هي السالب والإرادة هي القطب الشمالي والعمل هو القطب الجنوبي والشخصية منزلها الشمال فهي تشاطر الشمال تياراته الجاذبة فأما النفوس الضئيلة فمدفوعة إلى الجنوب ومسوقة إلى القطب السالب. وهي (أي النفوس الصغيرة) تنظر إلى العمل من خلال النفع والضرر فلا تفطن إلى مبدءٍ ما حتى تبصره مجسّماً في رجل. تحاول أن تؤتي محابّ القلوب لا أن تتسربل بالحسن وترتدي بالملاحة. وذوو الشخصية لا يكرهون أن تعد معايبهم وتحصى معايرهم والفريق الأول لا يهتز لذكر العيوب ولا يهتش لنعى المثالب يقدس الحوادث ويجتزئ بما يطفُّ له من الحقائق والعلائق والظروف وأين هذا من البطل الفحل الذي يرى أن الحوادث ما كانت إلا لتتبعه وما خلقت إلا ليردفها وراءه. وتقلب الظروف وانتقال الأحوال لا يصلحان فساد النفس ووهن الشخصية. ولطالما تباهى أهل هذه العصور بأنهم قد نقضوا مرة الخرافات وقهروا عزتها وهذا من فاسد الأوهام وبعيد المزاعم - وأي جدوى على في أني لا أذبح للآلهة الذبائح ولا أتوسل إليهم بالقرابين إذا كانت قوائمي ترجف من الرأي العام - كما ندعوه - وجناني ما يستقر من فزعي من اللصوص وجيران السوء وأراجيف الغواة وإشاعات الفتن والثورات. الحقيقة أن عيوبنا تتشكل في صور شتى وأشكال عديدة فإذا كنت هيوباً فلا بد أن يأخذك الرعب ويستفزك الفرق لأن المرء يسير في الحياة تحيط به نفسه وليس في وسعه أن يخلص منها. وأنه لمن العار أن يلجأ المرء إلى الحوادث لتثبت له صدقه وقدره فإن المالي لا يعمد في كل ساعة إلى السمسار بل يكتفي بأن يرى في الصحف أن أسهمه ارتفعت كذلك المسرة التي يدخلها على النفس وقوع خير الحوادث على خير وجه أحلى منها شعر المرء أن منزلته صاعدة في معارج الرفعة وأنه أصبح بفضلها وفي يده قياد الحوادث وزمام الأمور. وآية الشخصية الاكتفاء بالنفس وأنا أجل الرجل الغني الوجه أعني الذي أراه فاذكر الأريحية والسماحة والبذل ولا أذكر الوحشة والفاقة والنفي والشقاء والشخصية قطب تدور حولها رحى الأمور وتجول وهي ما لا يمكن قلبه. وصاحبها يرينا معنى الكتلة فإن المجتمع طياش رقيع يقطع الأيام خِرَقاً والحديث شجوناً تذهب ببعضها الرسميّات وبالبعض الآخر الاعتذارات ولست أقنع من الرجل الأروع بما يبوئنا من كرمه ويجود علينا به من خلقه ولطفه فإني لأوثر على ذلك أن أحس قوته واستشعر مُنته واعلم أني قد لقيت امرأ ذا صفة

стр. 327

جديدة. وجبة فإن ذلك أمتع لي وله وحسبه أن لا يحفل بتقاليد الناس وآرائهم - وليس من شيء نافع أو صحيح إلا وهو صالح لأن يكون موضعاً للاقتتال. فإن دورنا لتدوي بأصوات الضاحكين وأحاديث السمار والمتفكهين ولكن ذلك كله لا خير فيه ولا فائدة ولا ترجى منه منفعة أو عائدة ولكن الرجل الصعب الخشن القليل الغناء الذي هو في نفسه عقدة تتهدد المجتمع والذي لا يستطيع الناس أن لا يلتفتوا إليه فهم بين أمرين أما أن يعبدوه ويعنوا له وأما أن يبغضوا وينبوا عنه والذي تحس كل الجماعات والزعماء والسقاط أن بينهم وبينه نسباً وصلة - هذا هو الرجل النفاع الذي يخطئ أمريكا وأوروبا ويبهر الإلحاد القائل إنما الإنسان لعبة فدعنا نلعب ونلهو فذلك خير ما نصنع بنور الهداية والإرشاد فإن مواطأة الملأ ومتابعة الرأي العام والإلتجاء في كل أمر من دلائل ضعف الأيمان وخمود شعلة الذكاء فإن ذا البصيرة المظلمة ليعييك أن تصور له البيت أو يراه قائماً ولكن اللوذعى لا يشغل باله لا بالكثرة ولا بالقلة ولا بمن يلتف حوله أو ينفض عنه لأنه قوي في ذاته قانع بنفسه. وينبغي أن تقوم أعمالنا حسابياً على مادتنا. فإن ميزان الطبيعة ميزان صدق لا يغل شعيرة وجاذبية الرطل من الماء في البحر العاصف أو في البركة الراكدة سواء وكل شيء يعمل حسب صفته وقيمته. وليس يحاول ما لا يستطيع غير الإنسان فإنه واسع فسحة الأمل طويل عنان الرجاء كثير الزعم في غير مزعم والكدم في غير مكدم لا يستحي أن يحاول ما لا تصل إليه مقدرته أو يبلغ إليه مرتقى همته. وكل عمل فاشل إذا هو لم يقم على أساس من الحقيقة لا الخيال: وليس ثمت عمل خيراً من العامل فإذا كان في الرجل قوة كامنة لا تنفك تحفزه وتحثه فهو خليق أن يبلغ ما في نفسه. وليس يكفي أن يعرف العقل العلة وطبابها فإن ذلك لا يبلغ بالمرء حيث تبلغه تلك القوة. ولست أجد لذة في إحسان لا يقاس إلا بآثاره فإن الحب لا نهاية له وهو وإن فرغت بيادره لا يزال ينفس الكرب ويزيل البث وحامله يطهر بأنفاسه الهواء ومنزله يزين الأرض ويعين الحق. والناس لا يغيب عنهم هذا الفرق فإنا لنعرف الكريم من وجهه لا بمقدار ما اكتتب به لجمعيات البر والرفق وى المرء وضاعة أن تعد محاسنه. وأنت خليق أن تخاف إذا قدر أخوانك أن يحصوا مآثرك تحت عينك فأما إذا لقوك بعيون يغض منها الإجلال

стр. 328

والكره ورأيتهم قد أحجموا عن الحكم عليك فأنت خليق أن تشيم مخايل الرجاء. ويخيل لي أن من يعيشون للمستقبل أنانيون في نظر من يعيش للحاضر. لذلك كان من السخافة أن يعدد ريمر حسنات جويتي فيقول أعط كذا ديناراً لفلان وكذا درهماً لفلان وفلان ومكن الأستاذ فلاناً من وظيفة غزيرة الفائدة وأدخل فلاناً في حاشية الدوق - الخ الخ فإن عدد هذه المبرات قليل وإن كثر وإذا كنت تزن المرء بما تحصي من نوافله فما أحراه أن يشيل في الميزان لأنها جميعها شواذ فأما كرم جويتي فقد عرفناه من رسالة مسهبة بعث بها إلى الدكتور أكرمان يشرح فيها كيف صرف ماله وقد قال فيها لقد كلفتني كل كلمة طيبة قلتها كيساً من الذهب ولقد فيّحت نصف مليون من مالي الخاص الذي ورثته وبددت وظيفتي وكل ما كسبته من الكتابة والأدب - أضعت كل ذلك لأعرف ما أنا اليوم به عليم - ولقد رأيت عدا ذلك الخ الخ. والشخصية هي الطبيعة في أشرف صورها وأسماها والذي يحاول أن يحكيها أو يكافحها يحاول أمراً بعيداً ويروم مراماً معضلاً لأن في هذه القوة قدرة على المقاومة والثبات ترمي المنافس بالفشل وتسِمُه بالعجز - ويوجد صنف من الناس يظهرون من حين لحين وبينهم فترات يشقى بها صبر الأمم. فلا يسع الناس إلا الأيمان بهم وبرسالتهم لما يرون فيهم من الفضيلة وبعد الغور وصدق المنزعة وهؤلاء الرجال يولدون ذوي شخصية أوهم كما قال نابليون خلقوا للنصر يتلقّاهم الناس بادئ الأمر على حرف لأنهم جدد ولأنهم يعرون سابقيهم مما علق بشخصياتهم ويجردونهم مما ليس لهم. والطبيعة أعزك الله لا تلتزم في عظمائها ما نلتزم في الشعر من القافية فلا تشق اثنين من نبعة واحدة ولا تقد رجلين من أديم ولا تجيء بعظيمين على غرار فأيما رجل رأى في عظيم مشابه من آخر فلا يحسب أن الليلة لذلك شبيهة بالبارحة فإن شخصية المرء مسألة لا يحلها إلا صاحبها على طريقة لم يسبقه إليها أحد. والحفر في رأيي نوع من التاريخ فإن ابولو وجوف ليسا مستحيلين يكسوهما اللحم ويجري في عروقهما الدم والصانع إنما نظر فرأي فرسم ولعل في العالم ما هو أبدع من تمثاله وأروع من دميته ولقد رأينا نظائر ذلك ولكنا خلقنا وفي نفوسنا بذرة الأيمان بالعظماء وما أهون أن يقرأ أحدنا في الأسفار القديمة أيام الرجال قليل عن أضأل الأعمال وأحقرها.

стр. 329

نحب أن يكون الرجل ضخماً عملاقاً مالئاً ل ليكون حقيقاً أن يكتب له في صحيفة الخلود مثل ما يأتي جمع ذيله وحسر عن ساقه ويده وقام قاصداً المكان الفلاني وأحق الأعمال بالتصديق أعمال رجال تطامنت لهم المفارق لأول ما ظهروا واقتنعت بصدقهم المشاعر كما وقع للحكيم الشرقي الذي بعث ليسبر غور (زوريستر) ويبلو ما عنده فقد زعم الفرس أن الحكيم اليوناني لما وصل (بلخ) أمر جوشتاسب بالحكماء والعلماء أن يجتمعوا لديه في يوم معلوم ونصب لمجلس اليوناني كرسياً من الذهب فلما جاء اليوم المعلوم واحتشد الحكماء ومشي زوريستر وسط جموعهم ورآه الحكيم اليوناني قال تاالله لا تكذب هذه الطلعة ولا تلك المشية وما كان الكذب ليجد إلى لسان هذا الرجل سبيلا وقال أفلاطون محال أن لا نصدق أبناء الآلهة وإن كانت حججهم لا محتملة ولا ضرورية غير أنه لا حاجة بنا إلى إثارة دفائن القرون الماضية فإن أعمى الناس من لم تهده تجاريبه إلى قوة السحر وهل يستطيع أجمد الناس وأشدهم مراء أن يسير من غير أن يصادف في طريقه مؤثرات مستعجمة العلل متنكرة الأسباب هذا يرشقه بنظرة فتنشر الذكري ما مات وفات وذلك يحدجه ببصره فتنضب قريحته ويمتنع عليه القول ويحس كأن مفاصله تفككت. ويدخل عليه صديق له فيتحدر تحدر السيل ويتدفق تدفق اليعبوب وتجري الفصاحة بين شفتيه ولهاته والبلاغة بين لسانه وفؤاده هذا إلى أنه لا يستطيع إلا أن يذكر أناساً بعينهم قد أوروا في صدره حياة أخرى! ونحن إذا كان من وراء طاقتنا أن نبلغ رتبة العظماء ومنزلة ذوي الشخصية فما أحرانا أن نعرف لهم قدرهم ونخفض لهم جناح الضعة فإني لا أعرف لمن لا يفطن لصاحب الشخصية عذراً ولا أصفح عمن يتجاهله أو يعرفه فينكره ويلقاه فيتجهمه فإن ذلك ذنب لا تسعه مغفرة وجرم تقفل من دونه فاعله أبواب السماء. ٢ الواجب للفيلسوف جول سيمون تعريب الأستاذ محمد لطفي جمعه

стр. 330

تمهيد ١ الوسط الأدبي والعلمي الذي نشأ فيه جول سيمون حياة جول سيمون تشغل القرن التاسع عشر بأجمعه فقد ولد في أوله وتوفي في آخريات سنيه وكان قدره في الفلسفة والسياسة كقدر أشباهه وأقرانه الذين ولدوا في فجر هذا القرن وغربت شموس حياتهم قبيل غروب شمسه أمثال فيكتور هيجو وجيزوه وتيير ومن عداهم وكلهم من فحول الأدب والعلم ومن أبطال السياسة. ويصدق على جول سيمون قول من قال أن الرجال ثمرات عصورهم وصور مصغرة لحوادث الجيل الذين يعيشون فيه فقد كان القرن التاسع عشر قرن نهوض سياسي في أكثر أنحاء العالم لاح فجره بتغيير النظام الحكومي في فرنسة وبدئ بانقلاب مماثل له في بلجيقة وبلاد اليونان وايطالية وقامت دول جديدة كدولة محمد علي على ضفاف النيل ودولة المهدي في أحشاء أفريقية. وقام في بلاد الانكليز رجال عاصروا جول سيمون أمثال غلادستون فغيروا الشؤون في بلادهم وكان العالم عدا ذلك كله يخطو خطوات واسعة في ميدان العلم فنشأ من العلماء الطبيعيين أمثال هيكيل في جرمانية وداروين وهوكسلى في انكلترة واستعادت الفلسفة صباها على أيدي أوجست كونت الفرنسي وهربرت سبنسر الانكليزي أما فرنسة ذاتها فقد كانت في القرن التاسع عشر مهد حركة فلسفية أدبية لم ير العالم مثلها فنشأ فيها من فطاحل الكتاب شاتوبريان واضع كتاب اتالا ومالك ناصية النثر ولامارتين الشاعر الجليل الذي كان وهو في فقره المدقع يصل إلى السماكين بخياله السامي وشعره الصقيل: وفيكتور هيجو كاتب المئات من الكتب وناظم مثلها من الدواوين مرعب الامبراطرة ولسان الحق ونصير البائسين والفرد دي موسيه شاعر الليالي وواضع اعتراف فتى العصر وهو الذي تصل معاني شعره إلى النفس قبل وصول صوت الألفاظ إلى الأذن صريع الغواني وقتيل بنت الكروم. وبالزاك القصصي الساحر مؤلف مضحكات الحياة في أربعين كتاباً وعارض أشكال البشر في ألف ألف صحيفة والدايوجين جرانديه طريد الفاقة وحليف الأسى وشيخ كتاب القصص. وميشليه صاحب كتاب تاريخ فرنسة في ثلاثين جزءاً كأنها لعذوبتها السحر

стр. 331

الحلال وكتاب الوطن والبحر والمرأة ابن عامل في مطبعة وصل بجده إلى منصة التدريس في النورمال والسوربون. وظهر في فرنسة قبيل هذا العهد بقليل. لجراناج ومونج ولابلاس وهم نفر من الرياضيين والفلكيين بلغوا المجد قبل بلوغ العشرين فكانوا أساتذة الشيوخ وهم في شرخ الشباب فأسسوا مدرسة الهندسة ومدرسة المعلمين العليا نورمال بباريس وأشهرهم بالإجماع ثالثهم الذي اشتهر في أنحاء الأرض بمذهبه المعروف في أصل الأرض وانشقاقها عن الشمس مصداقاً لما جاء في القرآن الشريف وكانتا رتقاً ففتقناهما واشتهر من الكيماويين وعلماء الفيزيقي أمبير وراجو وجاي لوساك فبرز الأول في البحث في المغنطيس الكهربائي والثاني في تمدد الغازات والثالث في الكيميا العضوية. ونبغ من الطبيعيين جيفروسانت هملير وكوفييه فدونا الكتب في تاريخ العلوم ودرسا علم الحيوان وعلم وظائف الأعضاء. ونبغ من العلماء البحاثين شامبوليون الذي حلَّ الغاز اللغة الهيروغليفية واشتغل غيره بالسنسكريتية وغيرها من اللغات القديمة ومحض العلماء تاريخ الشعوب الهندية الأوربية الشاملة للهنود والفرس والأرمن والإغريق والسلاف والجرمان والقلت واللاتين والشعوب السامية الشاملة للأشوريين والكلدانيين والفينيقيين والعبرانيين والعرب. ٢ الوسط السياسي الذي نشأ فيه جول سيمون أما حياة فرنسة السياسية وهي العنصر الثاني الذي تكون منه الوسط الذي نشأ وتهذب فيه جول سيمون فقد كانت في القرن التاسع عشر في أقصى درجات الاضطراب وكأن فرنسة كانت تعبر ذلك القرن تحت نجم شيء الطالع أخذ من كل حظ نصيباً فكانت الحرية التي شريت بالدماء والجهاد المستمر تباع بأرخص الأثمان وتتلوها سلطة الملوك المطلقة وكان الشعب لا يوشك أن يستريح من شن غارات نابليون الأول حتى دعوه للذود عن حياض الوطن ولا تكاد الأمة تفرح بانتهاء عهد الانقلاب حتى توقظها نواقيس انقلاب جديد. فقد تحكم في فرنسة من ١٨١٥ إلى ١٨٤٨ ثلاثة ملوك أولهم لويس الثاني عشر من ١٨١٥

стр. 332

إلى ١٨٢٤ فرد إلى فرنسة حقوقها وقد تعددت لعهده الأحزاب السياسية ومنها الحزب الملكي المتطرف وهم أنصار العرش وأعداء رجال ١٧٨٩ وحزب المستقلين وهو حزب الحكومة والحزب الملكي الدستوري. أما لويز الثامن عشر نفسه فقد كان ملكاً إِمعة ذا عاهات نفسية وبدنية ضعيف الحول والإرادة وكانت ثلاث وعشرون عاماً قضاها منفياً قد كسرت من شوكته وأطفأت من جذوة قوته وجبروته فلما رأى تألب الأحزاب وبطش المجالس تنحى عن الملك وخلفه على العرش أخوه كونت دارتوا الذي سمي بعد ذلك شارل العاشر وهو الذي قال يظهر بغضه للدستور الفرنسي أنني أفضل عيشة الحطاب على عيشة ملك انكلترة لما هو فيه من القيود الدستورية وقد حكم من ١٨٢٤ إلى ١٨٣٠ فسخر الدولة لإشراف العهد القديم وندب إلى الوزارة رجالاً لا ميزة لهم إلا جهلهم وغشومتهم وقنن القوانين القاسية فلما تأفف الشعب وبلغه ذلك وهو في قصر سانكلو بظاهر باريس قال أنه لم يضع لويس السادس عشر سوى تساهله وأصدر في يوم واحد أربعة قرارات. الأول بالقضاء على حرية الصحافة الثاني بحل مجلس النواب الثالث بتحوير قانون الانتخاب الرابع بضرب موعد للانتخاب التالي. وكان ذلك في ٢٥ يوليو عام ١٨٣٠ فحدث في باريس الهياج المشهور فتنازل شارل عن الملك هو وابنه ونصب حفيده ملكاً وعين دوق أورليان وصياً على الملك الصبي ولكن الشعب كان قد انتخب هذا الدوق وأطلق عليه اسم لويز فيليب الأول فحكم من ١٨٣٠ - ١٨٤٨ وكان في السابعة والخمسين لما بلغ العرش واشتهر بحبه للفقراء ومسايرة الزمان والاعتماد على المصادقات وكانت الأحزاب السياسية لعهده كثيرة منها اثنان في المعارضة وهما حزب الشرعيين أي الذين قالوا بأحقية الملك الصبي حفيد شارل العاشر للملك وسموا لويز فيليب بالمغتصب والحزب الجمهوري القائل بمبادئ ١٧٨٩ وكان كذلك للحكومة حزبان حزب التقدم وحزب المقاومة وانقسم حزب المقاومة إلى حزبين حزب اليمين وحزب الشمال وقد انتهى الأمر بالحزبين الأولين المعارضين إلى الاشتهار بمحاربة الأسرة المالكة على رؤوس الأشهاد. وقد حدث في عهد لويز فيليب هذا انقلابات شتى أحدها في ١٨٣١ والثاني في ١٨٣٤ وانتهت بانقلاب ١٨٤٨ الذي تأسست بعده الحكومة الجمهورية

стр. 333

الثانية وتولى منصب الوزارة في عهده رجلان من أكبر رجال فرنسة في القرن التاسع عشر هما جيزو وتيير واشتهر هذا الملك بمناصرته لمحمد علي وهو الذي كتب إليه كتاباً مشهوراً جاءَ فيه أن صداقة مصر أصبحت ضرورية لفرنسة. وفي عهده ظهرت المبادئ الاشتراكية بظهور رجالها أمثال لويس لبلانك (١٨١٢ - ١٨٨٢) ولاكورديير (١٨٠٢ - ١٨٦١) ثم قامت حركة ١٨٤٨ الشهيرة فسقط لويز فيليب وسقطت حكومة الملكية وقامت على أنقاضها حكومة الجمهورية الثانية ١٨٤٨ وهي الحكومة التي أسستها الحكومة المؤقتة التي تألفت من لامارتين ولدرورولان ولويز لبلانك واثنان صحافيان غيره. ولما تكونت حكومة الجمهورية الثانية وانتخب نابليون الثالث رئيساً للجمهورية انتظر سنين قليلة ريثما يتمكن من التسلط على الأمة ويجتذب عامة الشعب ثم هيأ الانقلاب المشهور الذي عكس الآية وصارت الجمهورية إمبراطورية وأصبح نابليون الثالث إمبراطوراً وقد دون فيكتور هوجو هذه الحوادث في كتاب شهير اسمه تاريخ جريمة. وقد حارب أرباب القلم والبيان من كبار كتاب فرنسة أمثال هوجو وروشفور حتى حاربه القضاء عام ١٨٧٠ فانكسر وانكسرت فرنسة ولم يُقلها من وهدتها سوى رجال من الأمة أبرار بها أمثال غمبتا وتيير وجول سيمون. هذا هو الوسط الأدبي السياسي الذي نشأ فيه جول سيمون أتينا على وصفه بغاية الإيجاز وسنذكر الآن أهم حوادث حياته ونأتي على نبذة في أخلاقه قبل الشروع في تفسير أعظم كتبه. جول سيمون واسمه بأجمعه فرنسوا جول سويس سيمون ويطلق عليه جول سيمون اختصاراً فيلسوف وسياسي فرنسي ولد بلوريان في ٢٧ ديسمبر ١٨١٤ وتوفي بباريس في ٨ يونيو ١٨٩٦. وكان أبوه يشتغل بتجارة الأقمشة وقد نَبُه ذكر الأسرة بفضله - تخرج سيمون من مدرستي لوريان وفان الثانويتين ثم عين معيداً ومعيناً للأساتذة بمدرسة رين الثانوية وبدأ منذ فجر شبابه بالتحرير في مجلة بريتاني الأدبية. وفي ١٨٣٣ التحق بمدرسة المعلمين العليا نورمال وعين أستاذاً للفلسفة بمدرسة كايان سنة ١٨٣٦. ثم عين في الوظيفة نفسها بمدرسة فرسايل بعد ذلك بسنة.

стр. 334

وقد شهد فيه فيكتور كوزان أستاذ الفلسفة بمدرسة السوربون شغفه باللغة اليونانية وآدابها وقيامه بنقل مؤلفات أفلاطون إلى الفرنسية فقربه إليه ثم خلف كوزان في منصبه فشغل مركزه وقام بتدريس الفلسفة وألقى دروساً عن فلاسفة اليونان لا سيما أفلاطون وأرسطو وكانت هذه الدروس منهل الواردين من محبي العلم من سائر الطبقات. ثم بدأ بالتحرير في مجلة العالمين. وكان ممن أسسوا مجلة حرية الفكر عام ١٨٤٧. ثم بدأ يشتغل بالسياسة فرشح نفسه للانتخاب في مقاطعة لانيون وبذل مجهوداً كبيراً ولكنه فشل بمساعي حزبي اليمين والشمال المتطرفين (١٨٤٧) ولكنه عاد فانتصر انتصاراً باهراً بعد ذلك بعام حيث انتخبته مقاطعة الشواطئ الشمالية في ٢٣ ابريل ١٨٤٨ عضواً للمجلس الواضع للدستور فكان مركزه بين المعتدلين واشتغل شغلاً وافراً في اللجان الكبرى ثم حارب فكرة الكوميونيزم وتفرغ للبحث التي كانت شغله الشاغل ثم استقال في ١٦ ابريل ١٨٤٩ ليدخل مجلس الحكومة ولكنه فقد فجأة كل مناصب الحكومة فلم يعد انتخابه في مجلس الحكومة عند ما تجدد انتخاب ثلث أعضائه ولم يعد انتخابه في المجلس الواضع للدستور ووشك أن يفقد منصبه في دور العلم ولكنه بعد الانقلاب السياسي الذي حدث في ٢ ديسمبر ١٨٥١ الذي تمكن به نابليون الثالث من إسقاط الجمهورية وإعلان حكومة الإمبراطورية ذهب جول سيمون إلى درسه في مدرسة السوربون وألقى الخطبة الآتية التي ذاع منذ ذلك الحين صيتها وتناقلتها الألسن قال: أيها السادة: أنني أقوم هنا بإلقاء درس في الآداب وإنني اليوم مدين لكم بنموذج فعلى لا بدرس ألقيه عليكم. إن الأمة الفرنسية مدعوة لتجتمع غداً في مجالسها لتقرأ أو لتنكر الحوادث التي حدثت قريباً. فلو أن الأمة ستنكر هذه الفعال فقد جئت أقول لكم على رؤوس الأشهاد أنني أنا من المنكرين فكانت نتيجة هذه الخطبة أنه أقيل من منصبه وحرم من منصب التدريس في مدرسة المعلمين العليا. فاعتزل الأعمال وقصد مدينة نانت فشغل فراغه بالأبحاث التاريخية ثم نشر كتاب الواجب (١٨٥٤) مقاوماً به نظام الإمبراطورية فكان لهذا الكتاب دوي عظيم.

стр. 335

ثم نشر بعد ذلك الكتب الآتية الدين الطبيعي (١٨٥٦) والحرية (١٨٥٧) وتلا تلك الكتب سلسلة محاضرات بليغة حماسية في المسائل الاشتراكية والفلسفية. ثم كان في الوقت نفسه يجاهد جهاداً سياسياً. فإنه بعد أن فشل في انتخابات عام ١٨٥٧ في الخط الثامن من مقاطعة السين انتخب عضواً في مجلس التقنين في أوائل يونيو ١٨٦٣. وكان لبلاغته وشدة عارضته تأثير شديد وسلطة كبرى في المجلس رغم مخالفته للجماعة. وكانت خطبته التي ألقاها في مصالح المرأة في طبقة العمال وفي حرية العبادات وفي مسألة رومة أحسن وسيلة لانتشار ذكره في أنحاء فرنسة وفي ١٨٦٣ انتخب في مجمع العلوم الأدبية والسياسية وفي سنة ١٨٦٩ انتخب في مقاطعة السين والجيرون ففضل المقاطعة الأخيرة وقاوم فكرة الحزب وفي ٤ سبتمبر انتخب عضواً في الحكومة المؤقتة التي كونت للدفاع عن الوطن وكان في اختصاصه ثلاث وزارات المعارف العامة والأديان والفنون الجميلة وحدث له بعد حصار باريس خلاف شديد بين الحكومة وبين وفد بوردوه فان غمبتا كان يريد أن يقصي عن انتخابات الجمعية الوطنية كل رجال العهد الإمبراطوري وقد وكل إلى جول سيمون أن يلغي أوامر غمبتا بحجة كونها مقيدة لمبادئ الحرية العامة في الانتخاب فحدث شقاق شديد بين وفدبوردو وبين غمبتا أدى إلى استقالة هذا الأخير وانتخب جول سيمون بعد ذلك عضواً في الجمعية الوطنية عن مقاطعة المارن ولما شكلت وزارة تيير اختاره وزيراً للمعارف (١٨٧١) (متلو)

стр. 336

العدد ٦ - بتاريخ: ١٧ - ٣ - ١٩١٢

стр. 337

باب الأدب الفكاهة في شعر العرب ً // للكاتب العبقري عبد الرحمن شكري الفكاهة نوعان فكاهة خيالية وفكاهة لفظية والفكاهة الخيالية هي نوع من الخيال ومجالها حيث يتضاءل الجد فيه فهي الخيال في حال تبسطه ومن أجل ذلك كانت الفكاهة لا تستعمل في مكان الجد ولكن صعباً على من لم يتعود النقد أن يعرف الحد الفاصل بين مكان الجد ومكان الفكاهة فمن الناس من يعد في الجد ما يعده آخر في باب الفكاهة ومن الناس من يعد في الفكاهة ما يعده غيره في باب الجد ورجحان رأيه بقدر نصيبه من صحة الذوق وسنبين ذلك في هذا المقال فمن أمثال الفكاهة الخيالية قول ابن الرومي في رجل أصلع: يأخذ أعلا الوجه من رأسه ... أخذ نهار الصيف من ليله وليس كل خيال يجري بالفكاهة لأن الخيال إذا لم يكن وثاباً امتنعت عليه سبلها لأنها تخرج من التأليف بين الحقائق المتباعدة والصور المتنائية وتباعد الصور ليس دليلاً على تباعد الصلة التي بينها فإن ابن الرومي في بيته السابق قد ألف بين صورتين متباعدتين وهما أن صلع الرجل جعل وجهه مغيراً على رأسه آخذاً منه وإن تزايد نهار الصيف يُجنَي من تناقص ليله ووجه الشبه الذي بين الصورتين قريب متين وأني لأحسب أن تطير ابن الرومي بينه وبين فكاهته الخيالية سبب لأن التطير يبعثه سوء الظن وسوء الظن يدعو المرء إلى اتهام الناس بمعاداة صاحبه وذلك يبعث على تطلب السبيل الدمث لهجائهم وانتقاصهم وأوجع الهجاء ما جعل المهجو ضحكة في أفواه الناس فأكبر ظني أن سوء رأي ابن الرومي في الناس هو الذي استقدح الفكاهة في خياله وهذا بيرون كان مر النفس فاتخذ من مرارة نفسه رائداً إلى الفكاهة اللاذعة انظر كيف يصف وزيراً من وزراء الانجليز حيث يقول فلان ذو الذهن الخصيّ فإن تشبيهه الغباوة بالخصى من الفكاهة الخيالية وهذا المتنبي قد سما بنفسه بين الثريا والسماك ومن كان يربأ بنفسه أن يُعدَّ في الناس عرف من أين تؤتى الفكاهة اللاذعة انظر إلى قوله في رجل أعور: فيا ابن كَرَوَّسٍ يا نصف أعمى ... وأن تفخر فيا نصف البصير ومرارة النفس تزيد الفكاهة قوة ورسوخاً في النفس غير أنها تلبسها زياً أسود يلائم زيها

стр. 338

وتستخدمها في إنفاذ أمرها وتقريب غرضها أما إذا لم تجد الفكاهة في النفس ما يرنق صفوها ويمر مذاقها كانت كالنهر حين تدفقه بين الصخور صافي الماء عذبه هذا جوزيف أديسون لطيف الفكاهة شريفها مهما غلا في نقد العادات والأخلاق ومن أجل ذلك كان خليقاً أن يحمل النفس على الخروج عما يشوبها من غير أن يضيع ثقتها بضميرها ومن غير أن يثير عداء الناس ويحرك بغضهم باللفظ الجارح فقد كانت الفكاهة في لسان سويفت اوكارليل كالسيف في يد الجَلود أو السوط في يد الجلاد. وأحسن الفكاهة ما صدر عن رغبة في إصلاح فاسد وتقويم معوج من العادات والأخلاق والعرب تستعمل الفكاهة في الهجاء والسخر والتعجيز والوصف انظر إلى قول المتنبي في رجلين قتلا جرذاً وأبرزاه ليعجب الناس من كبره: وأيهما كان من خلفه ... فإن به عضة في الذنب انظر إلى الصورة الخيالية المضحكة التي في هذا البيت صورة شجار بين رجلين وبين جرذ وانظر كيف ادعى الشاعر أن أحدهما قد عض الجرذ في ذنبه ولكن المتنبي يمزج الهجاء بالفحش في كثير من شعره ومن الفكاهة ما كان يستعمله الشاعر في المديح تغالياً في إعلاء ممدوحه وتكثيراً لما يستخرجه من المعاني وأكثر هذا النوع سخيف لأنه أقرب إلى الذم منه إلى المدح وأني ما قرأت قوله: خفت إن صرت في يمينك أن تأ - خذني في هباتك الأقوام ألا تملكني الضحك من ذلك المنظر الغريب المودع في هذا البيت وذكرت ما يشبهه مما يحدث يوم الجمعة عند باب السيدة زينب حيث يتسابق الفقراء والمساكين إلى التمر والكعك والفطير الذي تفرقه النساء صدقة وقد بلغني أن امرأة وضعت حذاءها في ناحية فأخذه أحد المساكين حاسباً أنه من هباتها وقد خاف المتنبي أن صار على قرب من ذلك الكريم أن تأخذه الأقوام حاسبة أنه عبد من هباته ومثل هذا قوله: وقلبك في الدنيا ولو دخلت بنا ... وبالجن فيه ما درت كيف ترجع أليس هذا أقرب إلى السخر والتهكم منه إلى المدح ولكن هكذا الشاعر القدير إذا لم يراقب خياله أتى بالمستهجن ولا يحسب أن المتنبي أراد أن يمزج بمعاني المدح شيئاً من الفكاهة وهو خروج بالمدح عن حده وليس هذا من أدب المدح وإنما دفعه إلى مثل هذا الغلوُّ وحب

стр. 339

الابتداع وهما شيئان مقرونان في قَرَن. أما شعراء الجاهلية وصدر الإسلام فإنهم وجدوا الفحش وهُجْر الكلام أنكى وأوجع وقد يمزجون به شيئاً من الفكاهة هذا سبيلهم في الهجاء إلا في القليل النادر وأما شعراء الدولة العباسية فإنهم يستعملون الفحش في الهجاء أيضاً ولكنهم تفننوا في استعمال الفكاهة اللاذعة وشعراء الجاهلية وصدر الإسلام يستعملون الفكاهة في السخر والتعجيز أكثر من استعمالهم إياها في الهجاء أو الوصف هم يستعملونها كثيراً في الوصف إذا أريد منه السخر وممن استعمل الفكاهة من الشعراء العباسيين فأجاد أبو نواس ومن بديع شعره في هذا الباب قوله في البخيل: خبز الخصيب معلق بالكوكب ... يحمى بكل مثقف ومشطب جعل الطعام على بنيه محرماً ... قوتا وحلله لمن لم يسغب انظر إلى قوله (وحلله لمن لم يسغب) ويعجبني في هذا الباب قول حافظ إبراهيم في الفقر: وخال الرغيف في البعد بدراً ... ويظن اللحوم صيداً حراما وقال أبو نواس: رأيت الفضل مكتئباً ... يناغي الخبز والسمكا فأسبل دمعه لما ... رآني قادماً وبكى فلما أن حلفت له ... بأني صائم ضحكا إذا كان لأهل الفضل والأخلاق الحميدة أن يبيحوا الهجاء فلا أكثر من هذا والشاعر خليق أن ينزه منطقه عن مثل ما وقع بين الفرزدق وجرير والأخطل والبعيث أو مثل ما وقع بين بشار وحمّاد عجرد أو مثل أهاجي ابن الرومي في بوران أو هجاء المتنبي لأبن كيغلغ وماذا يري الأديب مما تسيغه النفس المهذبة في هجاء البحتري للمستعين حيث يقول: وما كانت ثياب الملك تخشى ... جريرة بائل فيهن خارى أو قول الأخطل: قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار أو قول المتنبي يحمي ابن كيغلغ الطريق وعرسه ما بين رجليها الطريق الأعظم إلى آخر

стр. 340

الهجاء. وممن استعمل الفكاهة في الهجاء من غير أن يبيح حرمة الأدب أبو العلاء المعري حيث يقول: رويدك أيها العاوي ورائي ... لتخبرني متى نطق الجماد وأبو تمام حيث يقول: ألصقت قلبك من بغضي على حرق ... أضر من حرقات الهجر للجسد أنحفت جسمك حتى لو هممت بأن ... ألهو بصفعك يوماً لم تجدك يدي ومن بديع ما سمعت من الفكاهة قول أبي نواس وكان قد حبسه الفضل بن الربيع في أيام الأمين حتى أشاع أهل خراسان أنه يصطفي ماجناً خليعاً ويقضي معه ليله ونهاره فأقام أبو نواس في السجن زمناً ثم استتابه الفضل فتاب فعفا عنه فبعث إليه بهذه الأبيات: أنت با ابن الربيع ألزمتني النس - ـك وعودتنيه والخير عاده فارعوى باطلي وأقصر حبلي ... وتبدلت عفة وزهاده المسابيح في ذراعي والمص - ـحف في لَبّتي مكان القلاده وإذا شئت أن ترى طرفة تعـ - ـجب منها مليحة مستفاده فادع بي لا عدمت تقويم مثلى ... وتفطن لموضع السجاده تر إثراً من الصلاة بوجهي ... توقن النفس أنه من عباده لو رآها بعض المرائين يوماً ... لاشتراها يعدها للشهادة ولقد طال ما شفيت ولكن ... ادركتني على يديك السعاده وهناك نوع من أنواع الفكاهة يسميه الأفرنج الفكاهة اللفظية وشيخ هذه الصناعة (فولتير) ورب الفكاهة الخيالية عندهم هو جان بول رختر الألماني أما شكسبير فنصيبه من النوعين أوفر نصيب والعرب تستعمل الفكاهة اللفظية ولكنهم قد يغالون فيها فتجيء سمجة والفكاهة اللفظية مثل قول المتنبي: كأن السُماني إذا ما رأتك ... تصيدّها تشتهي أن تصادا ويعجبني منه استخدامه هذه الفكاهة اللفظية في الاعتذار حين عاتبه بعض أخوانه لأنه لم يرد سلامة فقال:

стр. 341

أنا عاتب لتعتبك ... متعجب لتعجبك إذ كنت حين لقيتني ... متوجعاً لتغيبك فشغلت عن رد السلا - م وكان شغلي عنك بك فهذا الاعتذار مالطة ولكنه مغالطة مليحة فهو من الفكاهة اللفظية لأن الصلة التي بين شغله بالتوجع لغياب صديقه وشغله عنه صلة توهم وليست مثل الصلة التي بين أخذ أعلا وجه الأصلع من رأسه وبين أخذ نهار الصيف من ليله في بيت الرومي فإنك إذا نظرت إلى الصورة المودعة في هذا البيت أي صورة وجه الأصلع ورأسه ثم رأيت كيف يجني تزايد يوم الصيف من تناقص ليله علمت كيف تميز الفكاهة الخيالية من الفكاهة اللفظية التي أصلها المغالطة في مثل اعتذار المتنبي والفكاهة الخيالية يلتذها المرء بخياله والفكاهة اللفظية يلتذها المرء بملكة المنطق لأنها مغالطة منطقية كان يريد صاحبك أن يبرهن لك مزاحاً باضطراب في المنطق أن شيئاً خطأ هو رأس الصواب أو أن شيئاً صواباً هو رأس الخطأ واعتذار المتنبي هو مثل من أمثال ذلك: أما الفكاهة الخيالية فهي التي تعرض عليك صورة من صر الخيال يبسم لها القلب وتحسب أن البيت الذي يحتويها صورة لا بيت شعر أما الفكاهة اللفظية فهي مغالطة يبسم لها الذهن فإنك إذا قرأت اعتذار المتنبي أعجبتك مهارته ولطف تخيله وهذا شيء مصدره الذهن وكذلك إذا عرض عليك قوله: كأن السماني إذا ما رأتك ... تصيدها تشتهي أن تصادا ولكن إذا عرض عليك قول ابن الرومي في الرجل الأصلع الذي يأخذ وجهه من رأسه أخذ نهار الصيف من ليله الأح لك بصورة فكاهية وقد تكون الفكاهة اللفظية أجلب للضحك من الفكاهة الخيالية لأن المغالطة عند العامة هي مصدر ضحكهم. وليس لنوعي الفكاهة حدود معينة فلا تقدر أن تقول هذا حد الفكاهة الخيالية وهذا حد الفكاهة اللفظية فإنهما قد يمتزجان أنظر إلى قول الرومي في رجل بخيل: فلو يستطيع لتقتيره ... تنفس من منخر واحد هذا البيت يليح لك بصورة فكاهية صورة رجل من بخله يتنفس من منخر واحد ولكنها مغالطة مليحة لأن البخيل مهما كان بخيلاً لا يجد نفعاً له في أن يتنفس من منخر واحد حتى لو استطاع ذلك ولكن لا مغالطة في تشبيه تطاول وجه الرجل الأصلع على رأسه

стр. 342

بتزايد نهار الصيف وتناقص ليله لأنه ليس معنى التشبيه أن المشبه والمشبه به سواء فإذا نظرت إلى قول ابن الرومي في البخيل وجدت الفكاهة اللفظية ممتزجة بالفكاهة الخيالية وذلك أيضاً كائن في بيت أبي العلاء: رويدك أيها الغاوي ورائي ... لتخبرني متى نطق الجماد على أن أكثر الفكاهة اللفظية يجيء ممزوجاً بشيء من الفكاهة الخيالية وبقدر نصيبه منها يكون نصيبه من روح الشعر وشعراء الجاهلية وصدر الإسلام يستعملون الفكاهة الخيالية أكثر من الفكاهة اللفظية وهذا دليل على صحة أذواقهم ولكن شعراء الدولة العباسية قد أكثروا من استعمال الفكاهة اللفظية لأنهم تفننوا في أنواع المغالطة المنطقية وقد يجيئون بها مليحة وقد يجيئون بها سمجة. ولكن أكبر عيوب شعرائنا هو استخدامهم الفكاهة في موضع الجد وهم لا يعرفون أنها فكاهة وقد ذكرت من أمثال ذلك استخدام المتنبي الفكاهة في المديح وهو لا يعرف أنها فكاهة وأقبح من هذا استخدامهم الفكاهة في الرثاء مثل قول إمام العبد في قصيدة يرثي بها الشيخ محمد عبده ما معناه أنه لبس سواد جلده حداداً عليه قبل مماته وإمام العبد لم يرد أن يمزح فيخالف أدب الرثاء ولكنه أتى بالمزح من غير قصد وعمد لأنه تعود قراءة أمثال هذا المزح في الرثاء والمتنبي إذا استخدم المغالاة في الرثاء حسبت أنه يمزح مع الميت أو أنه يسخر منه ويهزأ به ومن أمثال المزح في الرثاء قول شاعر يرثي إماماً العبد ويقول له في رثائه أعرني سواد جلدك كي ألبسه حداداً عليك هذا أقرب إلى باب السخر والتهكم واستعمال المزح في الرثاء دليل على سقم في ذوق الشاعر وشعراء الجاهلية وصدر الإسلام كانوا أصح أذواقاً من العباسيين لأنهم لم يستخدموا الفكاهة في موضع الجد من مدح أو رثاء أو حكمة إلا أن يجيئوا بها على سبيل التهكم أو السخر أو التعجيز وهم يريدون ذلك هذا مذهبهم إلا في القليل النادر ولكن بدأت الشعراء تستخدم الفكاهة في مواضع الجد وهم لا يعرفون أنها فكاهة في أواخر الدولة الأموية ثم في أيام الدولة العباسية وما زالوا يغالون في ذلك حتى جاؤا بالغث المستهجن في باب المديح والرثاء والحكم وشعراء هذا العصر يتابعونهم في سقم ذوقهم. فخليق بنا أن نلتمس سلامة الذوق في شعر شعراء الجاهلية وصدر الإسلام وأن نضع

стр. 343

المعنى موضعه كما نلتمس حسن الابتداع ولطف التوليد في شعر شعراء الدولة العباسية.

стр. 344

باب التاريخ أخبار الخوارج فرقهم واعتقاداتهم قد كانت الخوارج بادئ بدء على رأي واحد فكانت لذلك فرقة واحدة تخطئ علياً كرم الله وجهه في الرضا بالحكمين وتغض منه لعدم رضائه بحكمهما وتعيب عليه عدم السباء بعد الظفر يوم الجمل ثم تغالت فكفرته بذلك وطلبت منه أن يتوب ويعود إلى الإسلام. وكذلك كانت ترضى عن سيدنا عثمان (ض) إلى ست سنين من خلافته ثم تلعنه بعد ذلك وتقول أنه قد أحدث أحداثاً لا يقبلها الدين القويم. ودليلك على ذلك ما روي من حديثهم مع الرجل الورع عبد الله بن خَبّاب أحد كبار المحدثين المشهورين فإنه لقيهم يومً وفي عنقه مصحف ومعه امرأته وهي حامل فقالوا أن هذا الذي في عنقك ليأمرنا أن نقتلك فقال ما أحيا القرآن فأحيوه وما أماته فأميتوه فوثب رجل منهم على رُطَبة فوضعها في فيه فصاحوا به فلفظها تورعاً وعرض لرجل منهم خنزير (أثناء ذلك) فضربه الرجل فقتله فقالوا هذا فساد في الأرض فقال عبد الله بن خبّاب ما على منكم بأس إني لمسلم قالوا له حدثنا عن أبيك قال سمعت أبي يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه يمسي مؤمناً ويصبح كافراً فكن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل قالوا فما تقول في أبي بكر وعمر فأثنى خيراً فقالوا فما تقول في علي قبل التحكيم وفي عثمان ست سنين فأثنى خيراً قالوا فما تقول في الحكومة والتحكيم قال أقول أن علياً أعلم بكتاب الله منكم وأشدُّ تَوَقِياً على دينه وأنفذ بصيرة قالوا أنك لست تتبع الهدى إنما تتبع الرجال على أسمائها ثم قربوه إلى شاطئ النهر فذبحوه فامذَقَرَّ دمه أي جري مستطيلاً على دِقَّةٍ. وهلم إلى حديثهم مع ابن الزبير لتعلم منه ما يرونه عيوباً على عثمان وغيره. فقد روي أن نافع بن الأزرق وهو من رؤوس الخوارج المعدودين ذهب مع أصحابه إلى مكة المكرمة ليمنعوا الحرم من جيش مسلم بن عقبة فلما صاروا إلى ابن الزبير عرفوه أنفسهم فأظهر لهم أنه على رأيهم حتى أتاهم مسلم ابن عقبة وأهل الشام فدافعوهم إلى أن يأتي رأي يزيد بن معاوية ولم يبايعوا ابن الزبير ثم تناظروا فيما بينهم فقالوا ندخل إلى هذا

стр. 345

الرجل فننظر ما عنده فإن قدم أبا بكر وعمرو بريء من عثمان وعلي وكفر أباه وطلحة بايعناه وإن تكن الأخرى ظهر لنا ما عنده فتشاغلنا بما يجدي علينا فدخلوا على ابن الزبير وهو مُتَبَذِل وأصحابه متفرقون عنه فقالوا إنا جئناك لتخبرنا رأيك فإن كنت على الصواب بايعناك وإن كنت على غيره دعوناك إلى الحق ما تقول في الشيخين قال خيراً قالوا فما تقول في عثمان الذي أحمى الحمى وآوى الطريد وأظهر لأهل مصر شيئاً وكتب بخلافه وأوطأ آل أبي معيط رقاب الناس وآثرهم بفيء المسلمين. وفي الذي بعده الذي حكم في دين الله الرجال وأقام على ذلك غير تائب ولا نادم وفي أبيك وصاحبه وقد بايعا علياً وهو إمام عادل مرضي لم يظهر منه كفر ثم نكثا بعرض من أعراض الدنيا وأخرجا عائشة تقاتل وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن في بيوتهن وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التوبة فإن أنت قلت كما نقول فلك الزلفة عند الله والنصر على أيدينا ونسأل الله لك التوفيق وأن أبيت إلا نصر رأيك الأول وتصويب أبيك وصاحبه والتحقيق بعثمان والتولي في السنين الست التي أحلت دمه ونقضت بيعته وأفسدت إمامته خذلك الله وانتصر منك بأيدينا. فقال ابن الزبير إن الله أمر وله العزة والقدرة في مخاطبة أكفر الكافرين وأعتى العتاة بأرأف من هذا القول فقال لموسى ولأخيه صلى الله عليهما في فرعون (فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى) وقال رسول الله ﷺ لا تؤذوا الأحياءَ بسب الموتى فنهي عن سب أبي جهل من أجل عكرمة ابنه وأبو جهل عدو الله وعدو الرسول والمقيم على الشرك والجاد في المحاربة والمتبغض إلى رسول الله ﷺ قبل الهجرة والمحارب له بعدهم وكفى بالشرك ذنباً وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سميتم فيه طلحة وأبى أن تقولوا أتبرأ من الظالمين فإن كانا منهم دخلا في غمار الناس وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني (أي لم تغضبوني) بسبب أبي وصاحبه وأنتم تعلمون أن الله قال للمؤمنين في أبوابه وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً وقال جل ثناؤه وقولوا للناس حسناً وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح ولعمري إن ذلك لأحرى بقطع الحجج وأوضح لمنهاج الحق وأولى بأن يعرف كل صاحبه من عدوه فروحوا إلى من عشيتكم هذه اكتشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله.

стр. 346

فلما كان العشى راحوا إليه فخرج إليهم وقد لبس سلاحه فلما رأى ذلك نجدة قال هذا خروج مُنابذ لكم فجلس على رفع من الأرض. فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ ثم ذكر أبا بكر وعمر أحسن ذكر ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته ثم وصلهن بالسنين التي أنكروا سيرته فيها فجعلها كالماضية وخبر أنه آوى الحكم بن أبي العاص بأذن رسول الله ﷺ وذكر الحمى وما كان فيه من الصلاح وأن القوم استعتبوه من أمور وكان له أن يفعلها أولاً مصيباً ثم أعتبهم بعد محسناً. وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه بعد أن ضمن لهم العُتبي ثم كتب لهم ذلك الكتاب بقتلهم فدفعوا الكتاب إليه فحلف أنه لم يكتبه ولم يأمر به وقد أمر بقبول اليمين ممن ليس له مثل سابقته مع ما اجتمع له من صهر رسول الله ﷺ وكانه من الإمامة وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه وعثمان الرجل الذي لزمته يمين لو حلف عليها لحلف على حق فافتداها بمائة ألف ولم يحلف وقد قال رسول الله (ص) من حلف بالله فليصدق ومن حلف بالله فليرض فعثمان أمير المؤمنين كصاحبه وأنا ولى وليه وعدو عدوه وأبي وصاحبه صاحبا رسول الله ﷺ ورسول الله يقول عن الله تعالى يوم أحد لما قطعت أصبع طلحة سبقته إلى الجنة: وقال أوجب طلحة وكان الصديق إذا ذكر يوم أحد قال ذلك يوم كله أو جله لطلحة - والزبير حواريُّ رسول الله وصفوته وقد ذكر أنهما في الجنة وقال (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وما أخبرنا بعد أنه سخط عليهم فإن يكن ما سعوا فيه حقاً فأهل لذلك هم وأن يكن زَلة ففي عفو الله تمحيصها وفيما وفقهم له من السابقة مع نبيهم ﷺ ومهما ذكرتموها به فقد بدأتم بأمكم عائشة ﵂ فإن أبي آبٍ أن تكون له أمّا نبذ اسم الأيمان عنه قال جل ذكره وقوله الحق (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزاجه أمهاتهم). فنظر بعضهم إلى بعض ثم انصرفوا عنه فصارت طائفة إلى البصرة وطائفة إلى اليمامة وقد جعلت الطائفة التي ذهبت إلى البصرة نافع بن الأزرق رئيساً عليهم فمضى بهم من البصرة إلى الأهواز سنة ٦٤ من الهجرة وكان عدد من تبعه اثني عشر ألف رجل كلهم أهل جد وقوة وبأس وصبر.

стр. 347

وإلى ذلك الوقت لم يكن وقع بينهم خلاف في فرع ما ثم تشبعت بعد ذلك آراؤهم واختلفت أهواؤهم فافترقوا إلى اثنين وعشرين فرقة أو يزيدون وذلك لمسائل عرضت وآيات اضطربت أفهامهم فيها وحارت أفكارهم في تأويلها فكان من جَرّاء ذلك أن حارب بعضهم بعضاً واغتال فريق منهم الآخر فتشبعت بهم المسالك وافترقت بهم المقاصد. ولكن هذه الفرق الكثيرة العدد يمكن إرجاعها إلى أربع فرق مشهورة وهي: أولاً - الأزارقة وهم أصحاب نافع بن الأزرق وكنية أبو راشد. ثانياً - النجدية وهم أصحاب نجدة بن عامر الحنفي. ثالثاً - الصفرية وهم أصحاب زياد بن الأصفر أو ابن صفار - وقيل سموا بذلك لصفرة وجوههم من كثرة الصيام بالنهار والقيام بالليل. رابعاً - الأباضية وهم أصحاب عبد الله بن أباض المُرِّي - (متلو)

стр. 348

الآثار التاريخية الحكمة المشرقية حكم فتاحوتب إذا أوتيت العلم فكن متواضعاً وجادل الجاهل بالتي هي أحسن كما تجادل قرنك واعلم أن الإنسان جاهل مهما اتسع نطاق علمه لأنه ليس للذكاء حد وليس لفضل والفطنة نهاية وما ملك أحد ناصية الحكمة: وأعلم أن كلمة الحق لدى الحر أثمن من يتيمة الدر. إذا جادلك حكيم عاقل وكان أرجح منك فضلاً وعلماً وأقوى حجة وأرسخ قدماً فاخفض له جناح الذل ولا تُعرض عنه إذا خالف رأيه رأيك واحذر أن تفوه بما يُحفظه وإياك أن تصدمه في حديثه فإذا استكبر وتواضعت رفعت نفسك في نظره واستللت بلينك من قلبه سخائم الكبر وربما سكن إليك وأحاطك بما لم تحط به خبراً. وإذا تجادل قرينك وألفيته لا يخرج في القول عن حده ولا يميل عن الحق إلى ضده فلا تغض عنه فإن الأغضاء يورث الأحقاد ويغرس بذور العداوات وإذا جادلت من هو أقل منك قدراً فلا تسخر منه ولا تحتقر شأنه لفقر فيه أو لضعف طرأ عليه ولا تلحف عليه بالسؤال فيما لا يعنيك حباً في استطلاع أمره وإذا أغضبك فلا تصبّ على رأسه جام سخطك فما ظلم الناس شر ممن هزأ بهم وما آلمهم شر ممن استكبر نفسه واستصغر نفوسهم وإن خدعتك نفسك وأغرتك بالشر فاعصها واغلبها على أمرها فإن هذه صفات الأبرار الصالحين. وإن كنت يا أيها الولد زعيماً ترشد قوماً أو قائداً تقود شعباً فكن كريم الأخلاق حسن الشيم لا تشوب أدبك شائبة واعلم أن الصدق أعظم النعم وله حول وطول ولن يخذل صاحبه وما كان الباطل ليغلبه أن للباطل جولة لا تبقى أكثر من ساعة وأن للحق دولة تدوم إلى يوم الساعة واعلم أن الإذعان للحق فضيلة لا تنكر وأن الاعتداء عليه ذنب لا يغفر ولا يعتدي على الحق إلا ذو مطمع دنيء والطمع في الدنايا مضر بصاحبه في شرفه وماله فهو يقوده إلى الشر والشر مطية الدمار. أما من يذعن للحق ولا يتطلع إلا إلى ما يستطيع نيله بالحق فثوابه عند الله عظيم واغتباطه بنفسه أعظم لأن الحق ميزان الحياة وأساس العدل والعدل فضيلة كبرى كامنة في النفوس الخيرة يحث عليها الآباء الصالحون ويوصى بها الحكماء والنبيون.

стр. 349

لا تكن يا ولدي سبباً في إرهاب النفوس بغير حق وحذا أن تكون نذير السوء فما تحكمت نفس في أخرى بغير حق إلا ولقيت من الله شديد العقاب واعلم أن الرجال ثلاثة رجل يدفع بنفسه في تيار الآمال ويترك الحقيقة طوعاً ويتعلق بأهداب الخيال فيكون نصيبه الخزي وعقابه الحرمان ورجل يدعي لنفسه البطش والقوة ويحاول أن ينال بهما ما يريد فيسحقه الله بيد من حديد ورجل يعطي السائل ويغيث الملهوف ويولى المعروف ويواسي الحزين والضعيف فيمده الله بروح من عنده فكن يا ولدي كذلك الأخير رقيق القلب رحيماً بالمعوزين تكن محبوباً لدى الناس وعند الله من المقربين. إذا دعاك عظيم فأجب دعوته وإذا أكرمك كريم فتقبل كرامته وإذا جلست إلى مضيفك فلا تطل النظر إلى وجهه ولا تبدأ بحديث قبل أن يفاتحك لأنك لا تدري أي الأشياء لديه أحب وأيها يستدعي لديه الغيظ والغضب: وإذا دارت رحى الحديث بينكما فلا يكن كلامك إلا جواباً على سؤال فإن في ذلك حفظاً لكرامتك وإرضاءً لمحدثك. إذا كن ضيفاً في دار فلا تحزن إذا كان نصيبك من خيرها قليلاً لأن رب الدار يكرم أضيافه حسبما توحي إليه نفسه. وكل أمريء في بيته سيد مالك فليس لك أن تجبهه أو تعترض عليه واعلم أن رزقك في يد الله ولن يهملك الذي خلقك. إذا أوفدك عظيم إلى عظيم مثله فاقتد بمرسلك في خلقه فإياك أن تعكر الصفاء بينهما بالخطأ في تبليغ الرسالة فقد يؤدي تحريف الكلم إلى العداء وكم من كلمة بدلت فدمرت بلداً ولفظ غيّر فكان مجلبة الشقاء وإذا فتح لك أمير أو حقير خزائن قلبه وباح لك بما يصونه من غيرك فلا تفش حرفاً مما اؤتمنت عليه لأن إفشاء الأسرار منقصة تلحق بصاحبها المذلة. إذا زرعت زرعاً فقم عليه وكن حريصاً حتى ينبت وينمو ويثمر فيبارك الله لك فيه وإذا حرمت النسل فلا تحسد من رزقه بل اغتبط به إذا رأيت مسرته وإذا لم تلد لك زوجك فلا تشاكسها. فإنك لا تعلم هموم الآباء إذا لم تكن والداً فقد يكون أحدهم سعيداً بماله شقياً بنسله وليس نصيب المرأة من النسل بأقل شقوة من أنصبه الآباء فإن الأمهات أكثر النساء هماً وغماً وأدناهن من القبور لشدة ما ينال إحداهن من الحزن وما تلقاه من الآلام في العناية بولدها في نومه ويقظته في مرضه وصحته في حزنه ومسرته. إذا كنت صغير القدر غير ذي شأن فالجأ إلى حكيم حازم والتصق به واجعل نفسك وقفاً

стр. 350

عليك فيرفعك بحكمة من حضيضك إلى أوجه ويقوم من عوجك بمثلما قوَّم من عوج ذاته. إذا رأيت رجلاً أصابه خطر حسن فنال منصباً سامياً لا يستحقه وكنت واقفاً على سره خبيراً بحقيقة حاله فلا تهزأ به لما تعلم من أمره بل كن كغيرك في إكرامه والحفاوة به وكفاه ما حاز من الفخر مبرراً لعيوبه فقد تحسن حاله بعلو مكانته واعلم أن الشرف والثراء لا يكونان لك عفواً صفواً وإنما للمرء من الخير قدر ما سعى. واعلم أن الله لم يشرع طرقاً أكثر من طرق الحلال لكسب الحال. لا تطع في الحياة إلا قلبك واعص نفسك في هواها ولا تجبها إلى سؤالها فيما لا يعلي قدرك. ولا تقض عمرك كله في تحصيل المال وكنزه فإن كنز المال وصرّه متعبة ولا خير فيما يتعب المرء في تحصيله ليزداد بوفرته نصباً. إذا رزقك الله ولداً فلا تهمل تهذيبه بل اسهر على تربيته وإرشاده إلى سواء السبيل فإن أثمر عملك فقد نلت ثوابين الأول ثواب من عمر في الأرض وعمم الخير والثاني ثواب من زرع زرعاً وبارك الله له فيه وإن كان لك بنت فلا تفرط في شأنها وارعها بقلبك كما ترعاها بعينك وإلا كان عقابك كمن ولى ملكاً ولم يحسن سياسته. وإن عصاك ولدك وأطاع هواه وكان فظاً غليظاً متشدداً في الشر غير حسن الخلق فاضربه حتى تهذبه فإن العصا تقوم باعتدالها ما أعوج من أمره وحذره من عشرة قرناء السوء ممن لا يعنون بالفضائل فإنهم يقودونه إلى حيث لا تريد واعلم أن من يلقى مرشداً لن يضل. إذا جلست في مجلس الدولة فاسترشد بمن كان أقدم منك عهداً فهو أعرف منك بقواعد الحكم ولا تستهن بالمواظبة فإن الانقطاع عن مقر منصبك والتراخي في عملك يضعفان ثقة الرئيس فيك وربما أدى ذلك إلى ضياع نصيبك من السلطة. كن على الدوام مستعداً للقول إذا كان المجال ذا سعة. ولا تهمل الجواب عن سؤال يوجه إليك وإذا شئت أن تبقى في المجلس ذا سلطة عالية وقول نافذ فاجعل لنفسك فيه شأناً بحيث لا يستغنى عنك واعرف مكانتك من أهله يعرفها غيرك واجلس حيث يؤخذ بيدك وتُبر. واعلم أن مجلس الدولة يسير على نظام معروف وكل ما يحدث به يدور على محور الدقة وإن علو الكعب فيه نعمة يحرص عليها العاقل ويسعى إليها الطامع في العلا. إذا كنت في عشرة قوم فحبب نفسك ما استطعت إليهم وليكن قلبك وقفاً على مودتهم ما دمت ترى إخلاصهم لك وعطفهم عليك فيرتفع ذكرك بين الملأ وتتدفق عليك نعم الله وتلقى

стр. 351

في كل مكان صديقاً وتنال ما تتمنى من دنياك واعلم أن أسمى الفضائل أن تقدر على كبح جماح شهواتك في السر والجهر وأن أدنى الرذائل أن يطيع الرجل بطنه وفرجه. وقد رأيت قوماً أطاعوا بطونهم وفروجهم فكبرت أجسامهم وصغرت أحلامهم وأصابتهم في ألسنتهم بذاءة يؤذون بها الأخيار. فكان لهم من بطونهم وفروجهم أعداء لا يستطيعون مخالفتها ولا يقدرون على دفع شرها. كن يا ولدي صادقاً في قولك أميناً في عملك وإذا جلست بين يدي الملك في مجلس الدولة فلا تخف عليه شيئاً من أمرك واعلم أنه لا حرج عليك إذا أنبأته بأمر كان يعلمه لأن في ذلك أداء الواجب وهو من أسمى الحلال وأكرمها. ولا يضعف عزمك أن يخطئك الملك مرة فإنه لا يخطئك أخرى وربما رجع إلى قولك إن كان حقاً. إذا كنت زعيماً فاختط لنفسك خطة مثلى واسع جهدك في انجازها وكن ممن ينظرون في العواقب ويتخذون من الحاضر أهبة للمستقبل حتى إذا جاء اليوم العصيب الذي لا يستطيع المرء فيه حلاً ولا عقداً تر محجتك واضحة وسبيلك جلياً ظاهراً فلا تدركك أزمة الضيق ولا يصيبك من حرج الموقف ما يصيب البله والبسطاء وبذا تستطيع أن تربأ بنفسك عن مواطن الفشل. ولا تكن محسوباً على أحد فإن ذلك يورث المذلة ويدعو إلى التراخي ولا تكل أمرك إلى غيرك فتصاب بداء الكسل. (متلو)

стр. 352

باب العلم العلم الاجتماعي ١ الأكاذيب المقررة في المدينة الحاضرة للنقادة الاجتماعي الأشهر ماكس نوردو لخصها الفاضل عباس محمود العقاد من أبناء جيلنا الأحياء عالم فيلسوف ألماني أصاب شهرة في الخافقين قل من يوفق لمثلها في أيام حياته، ذلك هو ماكس سيمون نوردو، ابن عالم إسرائيلي، ولد في مدينة بودابست من مدن النمسة في التاسع والعشرين من شهر يوليو لعام ١٨٤٩. وأتم دروسه الطبية في عام ١٨٧٢، ثم قضى بضع سنين في التطواف والتنقل من إقليم إلى إقليم كانت هي خميرة معارفه عن العالم الأوربي، إلى أن استقر بمدينة بست سنة ١٨٧٨. وهناك افتتح له مستوصفاً طبياً، ثم غادر المدينة إلى باريس في سنة ١٨٨٠، وبقي ثمت يدرس مذهب لمبروزو العلامة الإيطالي المبرز في علم العقل، فاقتنع به وتشبع بآرائه، وأخذ يطبق مقرراته على الفنون والآداب، ناهجاً في ذلك منهج التمحيص العلمي المستمد من قضايا علمي السيكولوجي أي علم النفس والفزيولوجي أي علم وظائف الأعضاء، فالعالم عند نوردو حيوان عظيم الفرد خلية منه فهو يفحص علله وأدواءَه ولا يلقي مشرطه من يده، وقد توخى في جميع مصنفاته الحقائق المرئية والوقائع المجردة، مع إعمال الروية وإدامة النظر، فجاءت آراؤه محكمة سديدة، وسلم في أكثرها من التعسف أو الضعف، والأول خطأ المغالين في الوقوف عند المحسوسات، والثاني خطأ الهائمين في أجواز الخيالات، وهو عاتي الفكر، صارم القلم، حديد النظر، لا يصلب في محكه رأي قديم أو سنة مرعية أو اصطلاح متواضع عليه، يميل في آرائه إلى الاشتراكية وقلب نظامات الحكم الحاضرة، ملكية كانت أو إمبراطورية أو جمهورية، لأنها تأخذ من الفرد أكثر مما تعطيه، ولأنه يراها كلها صوراً شتى لنظام واحد، يستقل فيها بالحكم بضعة رجال من الأقوياء فيصرفون الأمور كما يحلو لهم، ويوافق منافساتهم الحزبية، وعنده أنه ليس على ظهر الأرض حكومة تمثل فيها إرادة الأمة، وكل ما في الأمر أن فئة من أصحاب النفوذ الأدبي أو المالي

стр. 353

يسوقون الناس إلى انتخابهم لا بكفاءتهم وأخلاقهم وسعة مداركهم. فإن هذه قد لا تغني في مخاطبة الشعب واجتذابه، بل بوسائل التأثير والمشوقات التي ليست من الصدق في شيءٍ، ثم يجتمع هؤلاء فيقال أنهم نواب الأمة يبرمون وينقضون باسمها، ويفكرون وينطقون كما يلائم مرافقها. كأنما تسلّبوا عن أنفسهم أو فنوا في كيان الأمة، والحقيقة أنهم يسيرونها كما كان يسيرها نبلاء القرون الوسطى، وإنما هو اسم مبتكر لهيئة قديمة أو كما يقول خمر جديدة في دنان عتيقة. قال ماكولى عن فولتير أنه قوض مئات من المبادئ ولم يؤسس مبدأً واحداً وقد يسوغ لنا أن نقول مثل ذلك عن ماكس نوردو فأنه من أولئك الباحثين الذين ذهبوا في إصلاح البشر مذهب القائلين بتلافي النقص واستدراك الخطأ، وعندي أن الهادمين من الفلاسفة أقرب إلى الصواب من البناة منهم، فإنه يسهل علينا الإلمام بما كان ولا يسهل التكهن بما سوف يكون. ولا محل للخطأ إلا قليلاً في الاهتداء إلى فساد نظام سبق تطبيقه وبين الزمن نفعه وضرره على أنه لا سبيل إلى التحرز من الخطأ في وضع سنة لا يمكن أن يستجمع واضعها في ذهنه كل ما قد يتأتى عند تطبيقها من اختلاف أحوال الزمن وتجدد طوارئه، ويتعذر عليه أن يحيط بكل ما يلزم الناس فيودعه سنته، والخطل قريب من أصحاب المبادئ لأنهم لا يملكون أنفسهم أن لا يتشيعوا إلى مبادئهم، فيقلل ذلك من تسامحهم في قبول الحقائق والآراء التي لا تتفق مع آرائهم. وكتاب الأكاذيب المقررة من أهم كتب الرجل بل لعله أهمها. وقد نقل إلى أكثر لغات أوروبة فأثار حوله ضجة في كل لغة نقل إليها وطبع مراراً في أكثرها. نحي فيه منحى غريباً في نقد مساوئ الاجتماع وكشف طلاء غشه. وقد فضح بهارج المدنية الغريبة فأبان كيف أنها قائمة على غير أساس وكيف تختلف ظواهرها عن بواطنها وتناقض دعاويها وحقائقها. وقد صادرت الكتاب حكومة النمسة، وفي بلادها كان مسقط رأس الفيلسوف، زاعمة أنه يجرئ الناس على احتقار شخص الإمبراطور ويصدهم عن إحياء شعائرهم الدينية، وهو المزعم الذي طالما لجأت إليه الحكومات كلما خشيت على سلطتها من كتاب أو فكر جديد، وهي لا تخشى عليها من الباطل لأنها قائمة عليه وإنما تخشى من الحق ونوره الذي ينبه إليها عسس العقول ويغري بها بصر العدل، وهب نوردو كتب كتابه

стр. 354

ليزين للناس السجود أما الإمبراطور، ونسيان ذواتهم في ذاته، والتجرد عن حقوقهم لأجله، أفكانت ترى فيه حكومة النمسة أو سواها الأكل خير وبركة؟؟ وهل تراها واجدة فيه ما وجدته الآن من الخطر على النظام والضرر بالأمة؟؟ ولم يأبه نوردو بهذه المصادر بل قابل قرار الحكومة النمسوية بكلمات وجيزة كتبها مقدمة للطبعة السادسة، قال فيها أنه لا يتعرض لشخص هذا الإمبراطور أو ذاك وإنما يتكلم عن الإمبراطور حيث كانت وفي أي شخص تمثلت، وعجب من أن كتاباً يصد الناس عن إحياء شعائر الكنيسة وأنه لعجيب حقاً أن لا تفرق حكومة بين سلطان الدليل على العقول وسلطان القوة الغاشمة على الأبدان. واحسب أن هذا الكتاب سيكون للملأ الأوربي ما كأنه عقد روسو للأمة الفرنسية. فما هو إلا أن تتداوله الأيدي وقد تداولته، وتتفهمه العقول وهي جانحة بطبيعة روح العصر إلى تفهمه، وتشربه النفوس وهو واضح البيان صحيح البرهان. فهنالك تهب الطامة التي ليست الثورة الفرنسية إلى جانبها إلا مناوشة صغيرة بين الطلائع. ويثب من وراء كل حرف في كلماته مارد جبار كأنما هي حروف الطلاسم والأرصاد التي نقرأ عنها في كتب القدماء، فتقوض دعائم هذا الهيكل المتداعي وتدك جدرانه المتصدعة، فتقوم إذ ذاك المدينة التي يحلم بها نوردو، مدينة الحق والحب والإيثار والرضى. وقد لا يكون ذلك اليوم بعيداً جداً فإن الناس لا يطيقون البقاء طويلاً على هذه الحال التي ما أظن العالم نزل إلى أردأ منها في عصر من العصور ونحن مخلصون منه هنا أهم فصوله بالنسبة إلينا وهو فصل الزواج. أكاذيب الزواج قال في دلالة الزواج على حياة النوع أو الأمة: أقوى غرائز الإنسان التي تسيطر على حياته وتحرك كل عواطفه وأعماله اثنتان، هما غريزة حفظ الذات وغريزة حفظ النوع وأبسط مظاهر الأولى السغب كما أن أبسط مظاهر الثانية الحب ونحن لا نعلم سر القوى الغذائية أو التناسلية. على أن جهلنا إياها لا يمنعنا أن نراقب فعلها جلياً، فنحن لا ندري كيف أن فرداً من الأفراد يكمل دورة نمائه في سنين معدودة بخلاف فرد آخر، ولا نعلم مثلاً كيف أن الحصان وهو الحيوان القوي الكبير ينمو

стр. 355

ليبلغ خمساً وثلاثين سنة ثم لا يتخطاها، وأن الإنسان وهو حيوان أضعف منه جسداً وأصغر حجماً يبقى إلى السبعين وما فوقها، أو كيف أن الغراب يعمر مائتي عام بينما لا تعيش الإوزة إلا عشرين منها. ولكن الذي نعلمه علم اليقين أن لكل كائن أجلاً يقضيه في الحياة، يبدأ من ساعة ولادته، فكأن الساعة تملأ تروسها لتدور إلى عدد معروف من الساعات. وقد ينقص هذا الوقت لطارئ يطرأ على ذلك الكائن. ولكنه لا يزيد بحال من الأحوال. وللنوع كما للفرد أجل مقدور، فهو مثله ينشأ في وقت من الأوقات فيولد ثم ينمو ثم ينضج ثم يموت بعد ذلك. إلا أنه لا سبيل إلى وضع عدد السنين التي يقضيها كل نوع في حياته كما هو شأن أعمار الأفراد، ولكننا نعلم عن طريق علم الأحافير البالنتولوجي قواعد نستنتج منها أن صحة بنية النوع مرتبطة بنواميس مطابقة للنواميس التي تجري عليها صحة بنية الفرد، فما دام الفرد لم يبدد ما ركب فيه من القوى الحيوية فإنه يناضل بكل ما فيه من قدرة ليحمى نفسه ويرد عنها أذى أضداد بقائه، فإذا اضمحلت تلك القوى أو ضمرت وهت عزيمته في الاحتفاظ بنفسه وفتر شوقه إلى مقومات وجوده فيفنى، وعلى هذا النمط تظهر قوى النوع الحيوية في ميله إلى الاحتفاظ بنفسه أو معناه ميل أفراده إلى التناسل وتكثر عددهم، فما دامت هذه القوى مصونة حية رأيت كل فرد من النوع مسوقاً بغريزته في سن الفتوة إلى التماس زوج له، فإذا اعتراها الضعف والانحلال بدأ ذلك يظهر في قلة اكتراث أفراده لأمر التناسل حتى ينتهي أمرهم إلى أن يروا فيه ذلك الواجب الضروري الذي لا غنى عنه. ولدينا وسيلة لا تخيب في قياس القوى الحيوية في النوع أو الجنس أو الأمة فإن ذلك يكون على نسبة انتشار الأثرة الأنانية بين الأفراد التي يتألف منها ذلك المجموع، فكلما كثر عدد الفريق الذي لا يعني إلا بمصالحه الشخصية، يضعها فوق كل واجب من واجبات المجموع ويفضل التمسك بها على التمسك بالآداب والشعائر التي من شأنها تكاثر النوع وبقاؤه، كان ذلك عرضاً يشير إلى قرب الموت والفناء والأمر على عكس ذلك في البيئات التي يحس أفرادها بغرائز تدفعهم من تلقاء أنفسهم إلى خلال الشهامة والمفادة بالنفس ونسيان الذات، فإن هذا ينبئ بأن روح النوع قوية في أجزائه. إن انحلال الأمة كانحلال العائلة تلوح علائمه في تأصل الشره والأنانية من الأفراد،
следующие страницы →