← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

العدد ٥٤ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩٢٠

стр. 3047

حضارة العرب في الأندلس الرسالة الثانية من المرية إلى قرطبة تابع ما نشر في العددين ٧و ٨ من السنة السابعة الأسطول الأندلسي وروح العظمة التي ترفرف عليه أسلفنا لك في الرسالة الأولى من هذه الرسائل شيئاً من القول قد يكون مغنياً في معنى الأسطول وأثره الصالح في ادلولة التي تعنى به، وإن الدولة الفاطمية في أفريقية، والدولة الأموية في الأندلس لهذا السبب بعينه ولأن بلادهما واقعة على سيف البحر الرومي البحر الأبيض المتوسط وبحر الظلمات المحيط الاطلانطي قد بذتا سائر الدول في العناية بالأساطيل حتى قبضنا بها على أعنة البحار، واستوتا على ما فيه من جزائر وأقطار، وآضنا بذلك وآضت رعاياهما سادة البر والبحر، بل ذل الزمان لهم ولانت أعطاف الدهر، وهذا هو الذي أرهج بين هاتين الدولتين بالفساد. وأرسل بينهما عقارب ألحقاد، وأثار بينهما نقع الحرب والجهاد، حتى لا تكاد الحروب بين الدولتين ينطفئ لهيبها، فتراهما للتافه من ألأسباب يجردان الجيوش بعضهما على بعض، وتتلاقى أساطيلهما مصرجة بالشر، ولعلك لم تنسى بعدُ حادثة هذا المركب الأندلسي الذي قمنا فيه من الاسكندرية، وأنه تحرش وهو ذاهب إلى المشرق بمركب للمعز لدين الله الفاطمي وأخذ ما فيه من بريد وبضائع، فما كان من المعز إلا أن أرسل أسطولاً كبيراً إلى؟؟؟؟ لأسطول الأندلسي في المرية - كما أُخبرنا بذلك ونحن في هذا البلد - فعاث فيه عيثاً والحق به وبالمرية ما أرضاه ونقع غلته وأطفاً لهيبه، فلم يسع أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر إلا الانتقام من المعز، فأمر بتجريد الأسطول وحشد المقاتلة والذهاب إلى أفريقية، فذهب إليها تحت أمرة حاجبه الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد أسطول كبير يقل عدداً عظيماً من رجالات الحرب، فعاج أولاً على مدينة وهران وجمع من فرسان الأندلس المحتلين بلاد المغرب نحواً من خمسة وعشرين ألف فارس ثم هجم بالرجلان والفرسان على أفريقية ودارت بينه وبين رجال المعز رحى الحرب فهزم الأندلسيون قبائل صنهاجة وكتامة، وكان يتلف منها السواد

стр. 3048

الأعظم من جيش الأفارقة - واقتفوا آثارهم حتى بلغوا ضواحي تونس - وهي غنية بتجاربها الواسعة يسكنها كثير من تجار اليهود الأغنياء فحصروها براً وبحراً وألحوا في الحصر، فلما رأى أهلها أن الخطر محدق بهم عرضوا أن يسلموهم المدينة وقدموا مبلغاً كبيراً من المال إلى الحاجب ابن شهيد، وقدموا إليه كذلك أنسجة من كل نوع وطرفاً من الحلي وذهباً وحجارة كريمة وملابس من الصوف والحرير وأسلحة وخيلاً وعدداً عظيماً من الأرقاء، ثم غنم عدا ذلك سفن الميناء وأثقالها وضمها إلى سفنه وكر راجعاً إلى الأندلس. * * * ومن سننهم التي مضوا عليها وجرات عادتهم بها أن يحتفلوا بالأسطول عند رجوعه ظافراً من حرب، فتقوم الأساطيل بألعاب وحركات بمرأى من عظماء الدولة ومسمع، كأنها في حرب مع الأعداء فاتفق في اليوم الذي وصلنا فيه إلى المرية أن آب الأسطول الأندلسي رافعاً أعلام النصر في هذه الواقعة، فأمر أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس بأن تقوم الأساطيل بألعابها، فما كان منا إلا أن بادرنا إلى إمتاع أنفسنا بمشاهدة هذه الألاعيب صحبة الأمير، فذهبنا إلى الميناء - ميناء المرية - فوجدنا ثمت في انتظارنا مركب كبيراً كأنه رضَوى أو ثبير، أو الأمل الكبير، فدعينا إلى النزول فيه، ثم أخد لأمير ابن رماحس في أن يرينا ما في هذا المركب من بروج وقلاع ومناظر وتوابيت ومن منجنيقات ومكاحل بارود ونفط - ومن نوتية ومن مقاتلة وأسلحة وهلم مما قضينا منه عجباً - وهذا المركب نوع من الأنواع التي يتألف من منها الأسطول يسمى الشواني الواحد منه شونة وبعد ذلك أخذ هذا المركب يسير بنا الهوينا في اختيال، مترجحاً ذات اليمين وذات الشمال كأنه عروس يرفرف عليها روج الجمال والإجلال، وبعد أن سار في البحر شيئاً وقف بنا حيث نشاهد حركات الاسطول وألاعيبه. وكان الشاطئ. ساعتئذٍ قد غُص بالنظارة من كل صنف من أصناف الناس، والزوارق قد انتثرت على متن البحر من جميع النواحي، وفيها لا يعلم عديدهم إلا الله من الاندلسيين والاندلسيات، كي يشاهدوا حركات الأسطول - فكان لذلك منظر تحسر دونه الظنون، وتتراجع دون إدراكه الأوهام - منظر يهز رواؤه الفكر، ويُشيع الروعة في الصدر، وينتقل من هذا العالم إلى عالم آخر كأنه الخلود.

стр. 3049

مجال أسود وملهى سفين ... فياطيب لهو ويامنظر وياحسن دنيا وياعز كلك ... يسوسهما السائس الأكبر ثم بصرنا بعد ذلك الأساطيل على اختلاف ضروبها، وقد أخذت بصورة شيطانية في ألاعيبها، فإذا رأيت ثَم رأيت، كنائن، غير أنها تمرق مروق السهام، ورواكد هي مدائن، بيد أنها تمر مر السحاب غير الجهام، وأطياراً إلا لها جوارح، لا تصبد إلا الأرواح وأفراساً في سرعة البرق اللامح، سوى أنها ذات دُسُر وألواح. معيدة السقائف ذات دسر ... مضبَّرة جوانبها رَدَاح * * * تتخاذل الألحاظ في إداركها ... ويحار فيها الناظر المتأمل فكأنها في اللطف فهم ثاقب ... وكأنها في الحسن حظ مقبل * * * فيا للجواري المنشئآت وحسنها=طوائر بين الماء والجو موماً إذا نشرت في الجو أجنحة لها ... رأيت به روضاً ونوراً مكمما * * * ذات هدب من المجاذيف حاك ... هدب باك لدمعه أسغاد حمم فوقها من البيض نار ... كل من أسلت عليه رماد * * * ملأة الكماةُ ظهورها وبطونها ... فأتت كما يأتي السحاب المغدق عجباً لها ما خلت قبل عيانها ... أن يحمل الأسد الضواري زورق * * * رأرت زئير الأسد وهي صوامت=وزحفن زحف مواكب في زورق * * * ترمي ببروج إن ظهرت ... لعدو محرقة بطنا وبنفط أبيض تحسبه ... ماء وبه تذكى السكنا * * *

стр. 3050

وما زالت الأساطيل تلعب كأنها في سوح القتال، من لدن ذَرَّ قرن الشمس إلى أن جاء وقت الزوال. * * * وهنا يجمل بنا أن نقول لك القول على أنواع السفن التي يتألف منها الأسطول الأندلسي وعُددها وآلاتها - فمن تلك الأساطيل نوع ما يقال له الشواني جمع الشونة أو الشيني كما بك آنفاً - وهي أجفان حربية كبيرة تقام فيها الأبراج والقلاع للدفاع والهجوم - وأبراجها ذات طبقات مربعة - فالطبقة العليا منها تقف منها الجنود المسلحة بالقِسيَّ والسهام - وفي الطبقة السفلى الملاحون الذين يجذفون بنحو من مائة مجذاف، ويتراوح ما تحمله الشونة من الشونة من المقاتلة - ما بين المائة والخمسين وبين المائتين - وتجهز الشواني وقت الحرب بالسلاح والنفطية والازودة بله الجنود البحرية، ومن أنواع الأسطول نوع يعرف بالبوارج جمع البارجة وهو أكبر من الشواني - ومثله نوع يقال له المسطحات - ومن هذه الأساطيل نوع يقال له الحرافات جمع الحرافة وهي مراكب حربية كبيرة قُرابَة الشواني بيد أن هذه تماز عن تلك بالمنجنيقات وتلك هذه عن بالقلاع، فتراهم يحملون في الحراقة مكاحل البارود والعرادات والمنجنيقات يرمي بها النفط المشتعل على الأعداء - وهم يعملون الحراقة في صورة الأسد وفي صورة الفيل وفي صورة العقاب وفي صورة الحية وفي صورة الفرس كتلك الحراقات التي كانت للأمين بن الرشيد والتي يقول فيها الحسن بن هانئ: سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرن برا ... سار في الماء راكباً ليث غاب أسداً باسطاً ذراعيه يعدو ... أهزت الشدق كالح الأنياب لا يعانيه باللجام ولا السو - ط ... ولا غمز رجله في الركاب عجب الناس إذ رأوه على صو - رة ليث يمر مر السحاب إلى أن قال يصف هذه المطايا: تستبق الطير في السماء إذا ما ... استعجلوها بجيئة وذهاب ذات سور ومنسر وجناحين ... تشق العباب بعد العباب

стр. 3051

أما الطرائد فهي السفن التي تحمل الخيل للأسطول، وأكثر ما يكون فيها أربعون فرساًة والقرافير - فهي السفن الكبيرة التي تحمل الزاد والكراع والمتاع - والفلائك والقوارب والشلنديات فهي من توابع الأسطول كالطرائد والقرافير. * * * أما عُدد الأساطيل وآلاتها ومعداتها وأسلحتها فهي الرماح والعِصي والتراس والزرد والخوذ المنجنيقات والعرادات. وقد رأيت الأندلسيين يستعملون في حروبهم البحرية، النار اليونانية وهي مزيج من الكبريت وبعض الراتنجات والادهان في شكل سائل يطلقونه من اسطوانة نحاسية مستطيلة يشدونها في مقدم السفينة فيقذفون منها السائل مشتعلاً أو يطلقونه بشكل كرات مشتعلة أو قطع من الكتان الملتوت بالنفط فيقع فيحقهل حرقاُ، ومن غريب هذه النار أنها تشتعل في الماء والهواء والنفط - وقد رأيتهم كذلك يستظهرون بالبارود الذي يسمونه الثلج الهندي - ونحن قلم نسمع بأمة من الأمم اهتدت إلى هذا الثلج الهندي قبلهم - ذلك إلى معدات أخرى لا أظنهم قد سُبقوا إليها، أرانيها الأمير ابن رماحس في الشونة، التي كنا نشاهد منها حركات الأسطول، مثل التوابيت المعلقة فوق البروج، وهي صناديق كبيرة مفتوحة من أعلاها، يصعد إليها الرجال قبل استقبال العدو فيقيمون فيها للاستكشاف ومعهم حجارة صغيرة في مخلاة معلقة بجانب الصندوق فيرمون العدو بها وهم مختبئون في هذه الصناديق، ومعهم عدا الحجارة قوارير النفط يقذفون بها السفن والقلاع فتحترق في التو واللحظة - ومعهم كذلك عدا الحجارة وقوارير النفط جرارة النورة وهي مسحوق ناعم مؤلف من الكلس والزرنيخ يرومون بها الأعداء في مراكبهم فتعمى أبصارهم بغبارها وقد تلتهب فيهم التهاباً - وقد رأيتهم وهم يرمونهم أيضاً بقدور الحيات والعقارب وربقدور الصابون اللين كي يزولقوا أقداهم - ومن حيلهم التي يتخذونها وقاء من أعدائهم أنهم يحوطون المراكب بالجلود أو اللبود المبلولة بالخل والماء أو الشب والنطرون كي لا يفعل النفط فيها فعله - ومن حيلهم أنهم يجعلون في مقدم المركب هناة كالفأس يسمونها اللجام، وهي حديدة طويلة محددة الرأس وأسفلها مجوف كسنان الرمح تدخل في أسفلها في خشبة كالقناة بارزة في مقدم المركب يقال لها الاسطام فيصير اللجام كأنه سنان رمح بارز في

стр. 3052

مقدم المركب فيطعنون مركب العدو به فلا يلبث حتى ينخرق فينصب فيه الماء فيغرق - ومن تلك الحيل أنهم إذا جن الليل لا يشعلون في مراكبهم ناراً ولا يتركون فيها ديكا وقد يسدلون على المراكب قلوعاً زرقاء، فلا يرى العدو مراكبهم التي يشبه لونها لون الماء أو السماء. فسبحان الملهم من يشاء ما يشاء، ويخلق ما لا تعلمون لا إله غيره. * * * أما رآسة الأساطيل فقد جعلوا على كل أسطول قائداً ورئيساً فالقائد يدبر أمر سلاحه وحربه ومقاتلته، والرئيس يدبر أمر جريه بالريح أو المجاذيف ومعرفة مسالك البحر وطرقه بواسطة الرهنامج وبيت الابره التي هي مبتكراتهم ولم يسبقهم إليهم سابق فيما علمنا. أما النظر في الأساطيل كله فيرجع إلى أمير واحد من أعلى طبقات المملكة يلقبونه أمير البحر أو أمير الماء. مدينة المرية أما مدينة المرية فهي من مشهور مدائن الأندلس، وهي على ساحل البحر الرومي كما اسلفنا، وفيها دار الصناعة، ويربض فيها الشطر الأكبر من الأساطيل الأندلسية، والشطر الآخر يربض في مدينة بجاية - وهي واقعة بين جبلين، فعلى الجبل الواحد قصبتها المشهورة بالحصانة وعلى الآخر ربضها والسور محيط بها وبالربض، وفي غريبها ربض له آخر يسمى ربض الحوض، ذو فنادق وحمامات وخنادق وصناعات، وقد استدار بها من كل جهة حصون مرتفعة وأحجار أولية وكأنما غربلت أرضها من التراب، ولها مدن وضياع عامرة متصلة الأنهار، وطول واديها أربعون ميلاً في مثلها كلها بساتين بهجة وجنان نضرة مطردة وطيور مغردة وتشتمل كورتها على معدن الحديد والرخام - وبها لنسج طرز الحرير ثمانمائة نول وللحل النفيسة والديباج الفاخر ألف نول، وللثياب الجرجانية والأصفانية كذلك - ويصنع بها من صنوف آلات الحديد والنحاس والزجاج ما لا يوصف، وقد علمت أنه لا يوجد في بلاد الأندلس أكثر مالاً من أهل المرية، ولا أعظم متاجر وذخائر - وبها من الحمامات والفنادق نحو الألف وفاكهة المرية يقصر عنها الوصف حسناً - وفيها كثير من العلماء والأدباء والفلاسفة. وجملة القول أن المرية هذه كما رأيت تزخر بالحياة زخراُ، وتنطق بنشاط المسلمين

стр. 3053

وجدهم، وبأقصى غايات عزهم لذلك ومجدهم فلو أن السماء دنت لمجد ... ومكرمة دنت لهم السماء

стр. 3054

روح الإسلام الأكبر نصير للإسلام اليوم سيد أمير علي لما ظهر محمد كان العالم لا عهد له بما يسمى الحقوق الدولية. فكانت الحرب إذا نشبت بين القبائل المختلفة أو الأمم المتنوعة، كانت نتيجتها أن القبيلة أو الأمة الفائزة تبطش بالأمة المغلوبة فتذبح رجالها وتسبي نساءها وتأسر عجزتها وصبيانها وتغنم أسلابها وتنهب متاع دورها وأثاث قصورها وتغصب عقارها وأموالها. إن الرومان الذين استغرقوا ثلثمائة وألف عام في تكوين مجموعة قوانينهم ونظام شرائعهم لم يفطنوا قط إلى هذه المسألة الخطيرة. أعني واجبات السلوك الدولي، وفررائض المعاملات الإنسانية، فكان لا باعث لهم على الحرب والقتال إلا الرغبة في إخضاع الأمم المجاورة. وكانوا إذا انتصروا ففازوا بغرضهم من إخضاع الأمة المهزومة تحكموا فيها وضربوا على أيديها وساموها الخسف والضيم وتصرفوا فيها تصرف السيد في المسود. والأرباب في العبيد. كانوا إذا أبرموا عهداً مع المغلوب ثم بدا لهم أن ينكثوه لفائدة أو منفعة لم يترددوا في ذلك طرفة عين. وكانت حقوق حرية الشعوب المهزومة لا قيمة لها عندهم ولا تزن في نظرهم مثقال ذرة فلما دخلت النصرانية في العالم الروماني لم تحدث لأدنى تعبير أو تبديل في آراء مشرعي الرومان عن مسألة الواجبات الدولية بل بقيت الحرب على ما كانت عليه قبل من فظائع التخريب والعسف. والتدمير والحيف. ولضيم والإذلال. والإبادة والاستئصال. وذلك أن المسيحية أخلت نفسها ونفضت يدها من مسألة المعاملات الدولية والواجبات الإنسانية المتبادلة بين شعب وآخر - وبذلك تركت أربابها وأتباعها يتعسفون مجاهل الضلال في أسود ياجير الجهل والعماية. والعجب العجاب أن ترى العلماء والمفكرين من فطاحل العصور الحديثة بدلاً من ان يعتدوا هذا عيباً في نظام المسيحية وخللاً في جهاز شريعتها سببه أن هذه الديانة كانت قد تركت عند هلاك مؤسسها في حالة نقص بين لم تستكمل أصولها ولم تستنم قواعدها - حاولوا تبريرها وتحبيذها! ضلة منهم وسفهاً مصدره الأهواء الزائغة والمحاباة الباطلة. وهذا لعمرك مذها جائر يقضي بأن ما يعد صواباً بالنسبة للأفراد يعتبر خطأ بالنسبة للأمم والعكس بالعكس. وهكذا بقيت الديانة وواجبات الآداب التعاملية بمعزل عن نظام القوانين

стр. 3055

والشرائع. فأصبحنا نرى الدين مع ادعائه أنه المنظم لما بين الأفراد من العلاقات والروابط لا يعترف بأن هنالك علاقات وروابط بين المجاميع المختلفة المؤلفة لجملة الإنسانية. وبذلك انحط الدين عن المنزلة اللائقة به وأصبح لا يعدو كونه تظاهراً بفيضان الوجدان والشعور أو طريقة لتبادل التقاريظ والاطراءات في مواطن الجمل ومواقف المناظرة - وإن كان (أي الدين) ربما ارتفع أحياناً إلى مرتبة الفلسفة الأخلاقية. إن الأساس الذي عليه تقوم الحقوق الدولية وواجبات السلوك بين مختلف الأمم هو معاملة الشعوب كالأفراد والاعتراف بأن لهؤلاء من الحقوق مثل ما لاولئك وأن النظام الحقوقي للاثنين واحد. لأنه كما أن من الأفراد تتكون الشعوب فكذلك من الشعوب تتكون الإنسانية - فحقوق الأمم واوجبات المتبادلة بينها لا تختلف بوجه ما عما هو عليه كائن بين الفرد والفرد. لا أنكر أن نهضة الكنيسة اللاتينية في غربي أوروبا وما اقتضى ذلك من توسيع سلطة الأساقفة بمدينة روما ومد نفوذهم قد أوجد في عالم النصرانية اللاتينية شيئاً من المسؤولية الدولية. وكلن هذا كان مقصوراً على اتباع كنيسة روما - أو كان في الأحايين القليلة يتناول عالم المسيحية الإغريقية على سبيل الامتنان والتفضل. أما سائر شعوب الأرض فكانت تحرم ثمرات هذه المسؤولية. حتى أصبح الدين يتخذ ذريعة للاعتداء على الأمم المستضعفة وحجة مبررة لاضطهادها واهتضام حقوقها فباسمه كان يرتكب في هذه السبيل كل جريمة وتقترف كل جناية. إذ كانت الكنيسة تصادق على كل فظائع السطو والاستلاب. وتؤمن على مظالم العسف والاغتصاب. وإذا أفرط الجبار المستبد في الظلم والحيف استطاع أن يخرج من ذنوبه ويتخلص من آثامه بتوسيط الكنيسة بينه وبين رب العباد. وتشفيعها في جرائمه يوم الحشر والمعاد. وكذلك كان الطاغية الغشوم لا يعدم من الكنيسة شفيعاً لدى الرحمن. وممهداً وموطئاً بحابح الجنان. فمن مذابح شارلمان التي أتاها بترخيص الكنيسة ومصادقتها إلى قتل أو أسر شعوب أمريكا الأصليين الأبرياء تمتد سلسلة متوالية من الاعتداءات على حقوق الأمم وواجبات الإنسانية، فهذا الاستخفاف بالأساسي من قواعد المروءة وأصول البر والتقوى هو أيضاً كان الدافع إلى الاضطهاد من كان من أتباع المسيح قد جرؤ على إيتان شذوذ في الرأي والتفكير عن سنة الكنيسة.

стр. 3056

ولما ظهر المذهب البروتستانتي لم يحدث أدنى تغيير في هذه الحالة، بل إن ما وقع من الحروب وضروب الاضطهاد بين أرباب النحل النصرانية المختلفة يصح أن يؤلف منه تاريخ قائم بذاته فقد قال هالام في تاريخه: إن جريمة الاضطهاد هي الجريمة الأساسية الدولية التي كان يرتكبها أرباب الملل الجديدة من أهل المسيحية حتى أنك إذا قرأت أخبارهم لم تلبث أن تثور عليهم أو تحنق على مسلكهم فيتحول انتصارك لهم مقتاً لهم وعطفك عليهم اشمئزازاً منهم. على أنه مهما بلغ من اختلاف النحل النصرانية الجديدة في ما بينهم أو بلغ من شذوذهم عن كنيسة روما من حيث المسائل الفقهية والنقط المذهبية فلقد أتفقوا جميعاً ضد الشعوب الخارجة عن دائرة المسيحية في إجماعهم على الامتناع من تبادل الحقوق والمصالح مع أولئك الشعوب قاطبة فهذا جروشياس مؤسس القانون الدولي في أوروبا قد استثنى الأمم الإسلامية من امتياز تبادل الحقوق والمصالح مع الأمم الأوروبية. أما روح الإسلام فعلى عكس ذلك، مناف للاحتجاب والاحتجاز مناقض للانفراد والاعتزال. فإن محمداً بالرغم من ظهوره في عصر جاهلية الأمم وانغماس العالم في ظلمات الضلال قد وضع من مبادئ العدالة ما لم يفطن لبعضه زعماء أي ملة أخرى، وسن من القوانين الممتازة بفرط التسامح وسعة النظر ما لم يكد يوجد في أي دين آخر. فلقد قال ذلك المؤرخ النابغة الذي أشرنا إليه آنفاًإن الإسلام إنما كان يعرض دينه عرضاً ولا يفرضه فرضاً وإذا كان يمنح الأمم المقهورة إذا احتضنته مزية مساواة الأمة الفاتحة أعني المسلمين في كافة الحقوق والمصالح ويخلصها من كل ما كان جميع الأمم القاهرة قد اعتادت ضربه على المقهورين من الشرائط القاسية. والفرائض العاتية منذ بدأ العالم إلى مظهر محمد ﷺ . وبمقتضى الشرائع الإسلامية كان كافة الخاضعين لدولة الإسلام من أهل الديانات المخالفة يمنحون حرية الضمير والفكر والعقيدة وفي الآية لا إكراه في الدين أوضح دليل على ما قد امتاز به الإسلام من فضيلة الرفق والبر والرأفة والتسامح وبعد ذلك كله يقوم أهل العناد والمكابرة فيرمون الإسلام بالبطش والفتك والقسوة. ونرى أناساً قد بلغ من فرط ظلمهم وجورهم ولجاجهم في الباطل وتعاميهم عن الحق أن ينسبوا التعصب والجبروت والعسف

стр. 3057

الذي ينطق بأمثال الآيات الآتية: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء صل من قطعك واحسن إلى من ساء إليك أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك وليذكر القارئ أن هذه الآيات والأحاديث ليس مما يصدر عن صاحب مبدأ غيور متحمس لكنه ضعيف غير ذي بأس أو فيلسوف خيالي ينشر من المبادئ ما لا طاقة له بتنفيذه قد يديه الأحزاب المعاكسة والقوات المعاندة ولكنها كلمات رجل في غلواء قوته وعنفوان شبابه على رأس حكومة قوية محكمة النظام قادر على تنفيذ مبادئه بحد سيفه المشهور. ونحن ما زلنا نرى في عالم السياسة والديانة أن الأفراد والأحزاب لا تحض عل خلة التسامح والرفق والتجاوز إلا وهي حالة الضعف والعجز. حتى إذا ما اجتمع إليهم من الحول والطول ما يستطيعون به محاربة الأحزاب المعارضة ذهب ما كانوا يدعون من حب التسامح والتجاوز واستبدلوا به القسوة والاضطهاد. فلا رقى قسطنطين عرش القياصرة زال الخطر عن المسيحية وأمنت شر المسيئين والمعتدين، ولكن منذ هذه الساعة ابتدأت المسيحية خطة من العسف الطغيان والبطش والاضطهاد لا يدانيها في الفظاعة إلا خطة اليهود من قبل. قال المؤرخ ليكي: لم تكد الكنسية المسيحية تكتسب السلطة المدنية في حكم قسطنطين حتى سلكت أسوأ مناهج السقوة والقهر والإكراه سواء ضد اليهود والوثنيين والخوارج. فتولت التنكيل بهم على أشنع آلات العذاب - تحرقهم على جمرات نيران بطيئة الالتهام، وتنضج جلودهم على جذوات أفران متمهلة الضرام، لتربهم بذلك مبلغ ما وصلت إليه المسيحية من الرأفة والرفق والإنساني. وأعجب من ذلك أن ترى زعماء المسيحية قد جعلوا واحداً بعد واحد يكتبون الرسائل عن قداسة القسوة والاضطهاد ومن بين هؤلاء قديس قد اشتهر بالبر والتقوى - فهذا أدلى بالعدد الجم من البراهين والادلة على صواب اتخاذ أشنع وسائل العقاب والتمثيل، وأفظع طرائق العذاب والتنكيل، محتجاً بوق المسيح ما معناهأرغموهم على الدخول في الدين. تلك شيمة النصرانية، ولكن انظر إلى الإسلام في أقصى صولته وسلطانه لما دخل محمد

стр. 3058

الكعبة مظفراً منصوراً قد هبت ريح فوزه وسطعت نجمة عزه وأخذ يحطم الأنصاب والأوثان، ويعلن أنها رجس من عمل الشيطان. لم يظهر إ ذاك عنفاً ولا عدواناً. ولا بطشاً ولا طغياناً، ولكن رحمة وحناناً، وبراً وإحساناً إذ قال لقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، وحينذاك أذاع معروفاً وبراً، وأوصى بالضعيف والفقير خيراً، وأمن الخائف وأغاث اللهيف وأطلق العاني وفك الأسير. ولم يقتصر محمد على الإيصاء بالرفق والتسامح بل جعل ذلك قانوناً موضوعاً وشرعاً متبوعاً. فكان يمنح ألأمم المقهورة الحرية المطلقة في اختيار ما شاؤوا من ألأديان والعقائد. ومقابل هذا التمتع بحرية العبادة لم يكن يطلب منهم أكثر من جزية محدودة. ومتى عقد الاتفاق على هذه الحرية فكل تداخل في شأن دياناتهم أو حرية ضمائرهم كان يعد خرقاً لقوانين الإسلام ونقضاً لشرائعه. . . . فهل يستطيع امرؤ أن يقول مثل هذا عن أي دينآخر؟. وإليك رسالة محمد إلى نصارى نجران: قال ﷺ ما نصه بمعناه إن رسول الله يكتب إلى قساوسة بني الحارث وقساوسة نجران وأساقفتهم وأتباعهم ورهبانهم بالترخيص لهم بالإقامة على دينهم واستدامة شعائرهم ومناسكهم صغيرها وكبيرها سواء في الأديرة والكنائس والهياكل والمعابد. ويعظهم عهد الله وميثاقه وحمايتهم ورعايتهم فلا يطرد أسقف من أسقفيته ولا قس من كنسيته ولا راهب من ديره. ولا تمس كرامتهم ولا يعتدى على نفوذهم وسلطتهم ولا يغير أدنى شيء من مراسمهم وتقاليدهم. وما داموا على مراعاة حرمة السلام والاستقامة فلا ينالون بسوء ولا أذى ولا يحل بهم ضيم ولا اضطهاد، فهذا دليل يبين على أن نشر الدين بالسيف كان منافياً لروح الإسلام متناقضاً لمذهب محمد كما أن الجدال والخصام في المفاضلة بين الأديان والعقائد كان من أبغض الأشياء إليه. وكثيراً ما كان يقول ما معناه قيم المخاصمة والمنازعة فيما تجهلونه. ألا فاجعلوا همكم الاستباق إلى الحسنات، وابتداء الصالحات والطيبات. والآن نرجع إلى النظر في وجوب حروب محمد لاستقصاء بحثها وفحصها. فقد رأينا أن وقائع المسلمين تحت قيادة النبي مع القبائل المختلفة كان سببها عدوان الوثنيين وبغيهم مما اضطر المسلمين إلى الدفاع عن أنفسهم والمحافظة على كيانهم. أما وقعة مؤته وغزوة تبوك وهما أول ما قام به المسلمون لمدافعة اعتداء دولة أجنبية

стр. 3059

(الروم) فقد أثارهما ما كان من مصرع سفير المسلمين بأسياف الروم، فولا قيام المسلمين بعقاب نصارى الدولة الرومانية الشرقية على ذبحهم ذلك السفير لما وجد أعداء الإسلام سبيلاً إلى اتهامه بأنه لم ينتشر إلا بحد الحسام، فأما وقعة مؤتة فكانت سجالاً لا عليهم ولا لهم وأما غزوة تبوك وكانت دفاعية محضة (لصد جيوش هرقل) فلم تشف نفوس المسلمين بثأر ذلك السفير القتيل بل تركت دمه مطلولاً أثناء حياة النبي. ولكن خلفاءه لم ينسوا ذلك الدم المهراق ولم يلبثوا أن أدركوا الثأر من دولة الروم الباغية فأنزلوا بها من العقاب أنكله وأنكاه، ومن الانتقام أشده وأقساه. إن مبلغ اتساع الدولة الرومانية الشرقية وامتداد أملاكها وولاياتها ترك المسلمين في حالة حرب مستمرة مع الجانب الأكبر مة العالم المسيحي، أضف إلى ذلك ما كان لولاة الولايات الرومانية من السلطة الشاذة تحت سلطة قياصرة الدولة الرومانية الشرقية المتضائلة المضحكة، صعب على ملوك الإسلام حسم هذا النزاع بوسائل المعاهدات والمحالفات مع أولئك الولاة، فكان المسلمون لا يكادون يفرغون من أحدهم بعد إخضاعه وعقد المعاهدة معه حتى يداهمهم آخر بضري من الاعتداء فيضطرهم إلى معاقبته. ومن ثم استمر المسلمون مع عالم النصرانية بأسره في حرب عوان شرعية مبررة. ولا أدعي أن المسلمين لم يندفعوا قط إلى محاربة الشعوب المسيحية بعوامل الاعتداء والجشع. فإنه لن يدعي مثل ذلك إلا جاهل بطبيعة الإنسان وغريزة البشر، إذ أن من المحال أن ترى المسلمين بعد إيغالهم في ممالك الأعداء وتغلغلهم في صميم أحشائها وبعد ما أدركوا من تلك الفتوحات المتوالية والانتصارات المتتالية في أقصر مدة من الزمن مما لم يسبق له نظير في تاريخ العالم - وبعدما تقرر في نفوسهم من ضعف الأمم المجاورة ووهنها - يستطيعون أن يستمروا على مبدئهم الأول من التسامح والتجاوز فيبقون داخل نطاق القانون لا يتعدونه كما إني لا أنكر أنه قد كان بين أتباع محمد من الحروب ما لا تقل فظاعة عما وقع بين أتباع المسيح. ولكن هذه الحروب كانت داخلية أسرية_منبعثة عن تنافس الأسر الحاكمة المختلفة) وهذا السبب بعينه هو الذي أدى إلى ما حل ببعض الطوائف الإسلامية من الاضطهاد والضيم، فإن ما أصاب أبناء علي وفاطمة من ألأمويين راجع ولا شك إلى تلك العداوة القديمة والأحقاد المتأصلة في نفوس قريش على بني هاشم

стр. 3060

وزعيمهم محمد كما سأبين فيما يلي: - ولا خفاء في أن ذوي المطامع من قادة المسلمين كانوا كأمثالهم من زعماء المسيحية وملوكها يتخذون الدين ذريعة إلى غزو لأمم والشعوب للاستيلاء عليها قضاء لمآربهم. ولكنا كنا نقصر أبحاثنا على تأصل روح الشرائع والوصايا التي سنها محمد وأدلى بها إلى أتباعه تراثاً كريماً مشرفاً، فإن روح الاعتداء لا يتبين لها أدنى أثر في تلك الشريعة الغراء التي أدخلت قانون حقوق الأمم في نطاق الإسلام ودائرته وما برح المسلمون وهم في اوج مجدهم وعنفوان سلطانهم يخاطبون الأمم المغلوبة بأمثال هذه الكلمات: كفوا العداء. واقصروا عن الاعتداء. وحالفونا نكن لكم من الأولياء ونمحصكم الحب والولاء. والحفاظ والوفاء. أو ادفعوا الجزية نجركم ونؤمنكم ونرعى حرمكم ونصون حريمكم ونحفظ حقوقكم. أو ادخلوا في ديننا نسوّكم بأنفسنا في كل شؤوننا وأحوالنا لا يكن ثمت فارق بينكم وبيننا - لكم مالنا وعليكم ما علينا. إن القواعد الأساسية التي عليها بنت قواعد الإسلام الحربية لتدل على تلك الحكمة والسداد والبر والتقوى التي هي أكبر من مزايا الشريعة الإسلامية وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم. ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. ولما حول المسلمون جيوشهم إلى فارس كان داعيهم إلى ذلك أحوال وظروف خاصة، فإن المناذرة وهم أسرة نصف عربية كانوا يحكمون تحت لواء المملكة الفارسية. وكانوا مع وجود العداوة السياسية بينهم وبين قياصرة الروم إلا أنهم كانوا مرتبطين بأولئك القياصرة بأواصر الدين (المسيحية) والمصلحة. ولذلك كان لأوائل حروب المسلمين مع الدولة الرومانية الشرقية تأثير على أهل الحيرة الذين هم رعية المناذرة. وكانت ولايات الحيرة تشمل بقية عظيمة من الأرض تمتد من شواطئ الفرات غرباً متجاوزة صحراء العراق إلى ما يلي مراعي العرب الغسانيين (من أرض الشام) الذين كانوا ولاة القياصرة (ملوك الدولة الشرقية الرومانية). وكانت منزلة ولاية الحيرة تحت سيادة الفرس تمائل منزلة ولاية جوديا تحت سيادة أغسطس قيصر أو طيبارنوس قيصر. وكان على الحيرة في أبان غزو المسلمين لبلاد فارس حاكم فارسي. ولكن الأكاسرة لفرط غيرتهم كانوا قد أشركوا في السلطة مع خليفة

стр. 3061

المناذرة مرزباياً (أعني عميداً) وكان أهل هذه الناحية (أعراب الحيرة) لا يحتملون رقابة أمراء الفرس ولا سيطرتهم (كشأن ذريتهم اليوم) فجعلوا يشنون الغارات على القبائل المجاورة حتى امتد أذاهم إلى المسلمين. وكانت حكومة هؤلاء قد اشتدت وتضاعفت قوتها بإخضاع من كان ثار من قبائل العرب وارتد عقب وفاة محمد. وأصبحت دولة العرب متماسكة متدامجة مجتمعة ململمة متآزرة متضافرة تحت سلطان ملك فرد وخليفة واحد - عمر - فأصبحت ترى من العار أن يحتمل اعتدءآت ولاية حقيرة من ولايات دولة مضمحلة قد آذن عهدها بانضرام. وتداعي صرحها لانهدام. . . . فجرد خليفة المسلمين جيشاً لغزو العراق فزحف هذا الجيش على الحيرة ففر المرزبان هارباً إلى المداين عاصمة الدولة الفارسية وأذعن الأمير العربي - بلا كفاح ولا نضال - إلى جيش المسلمين تحت قيادة البطل الهمام. والأسد الضرغام. سيف الله القاضب. وشهاب الله الثاقب. خالد بن الوليد. ولما استولى المسلمون على الحيرة أصبحوا على أبواب دولة الأكاسرة. وكانت هذه الدولة قد تتابعت عليها فتن وثورات داخلية ارتكبت فيها الفظائع والجرائم. ثم أتيح لها في شخص الملك يزدجر حاكم صارم العزيمة بعيد الهمة. فاستطاع هذا الملك القادر أن يوجه إلى كتائب المسلمين الزاحفة جيشاً ململماً. وخميساً عرمرماً. وكان عمر إذ ذاك خليفة الإسلام بالمدينة. ومع تفوقه على سلفه أبي بكر في توقد العزيمة والنشاط وطموح الهمة وبعد الغاية فقد كان عنده من الحزم والاناة والروية ما آثر معه أن يجرب مع الملك يزدجر أولا طريقة المسالمة فعرض عليه بواسطة سفرائه شروط التحالف المعهودة حقناً للدماء. وتفادياً من كوارث الهيجاء. أما هذه الشروط فهي اعتناق الإسلام وهو داعية كل خير وباب كل بر والكفيل بتقويم تلك الخطط السياسية العوجاء التي هبطت بالدولة الكنعانية (الفارسية) إلى وهدة الضعة والانحطاط. ونقص تلك الضرائب الفادحة التي امتصت دماء الشعب. وتنفيذ مبادئ العدل حسب نصوص الشريعة الإسلامية التي قضت بالتسوية بين مختلف الرتب والدرجات. والمنازل والطبقات في اعتبار القانون. فأما الرضوخ لهذه الشروط وأما دفع الجزية مقابل التمتع بنعمة الحماية. فلم يكن من الملك يزدجرد إلا أنه رفض هذه الشروط المعروضة

стр. 3062

رفضاً مقروناً بالأنفة والكبرياء. . . . والاستهانة والازدراء. . فنشب القتال بين المسلمين والفرس وحدثت وقعة القادسية ووقعة نهاوند. فأنحن المسلمون في جموع الفرس وأفنوا منهم خلقاً كثيراً ومزقوا شملهم كل ممزق. وقتل إذ ذلك كثيراً من أشراف الدولة وكهنتها ممن كان جل همهم وأقصى مناهم في استدامة دولة الفوضى والفساد. وحكومة الظلم والاستبداد. وفر الملك يزدجرد هارباً كما فعل سلفه داريوس من قبل. ورحب بنوساسان (أمة الفرس) بالمسلمين إذ رأو فيهمخ منقذيهم من دولة المنكرات والمآثم. وحكومة المجحفات والمظالم. إن تحول الشعب الفارسي بأسره إلى دين محمد وانمحاء المجوسية من تلك البلاد البتة لمما يحتج به أحياناً على نفي روح التسامح عن الدين الإسلامي ووصمه بروح التعصب والاستبداد. ولكن من تأمل الظروف التي كانت عليها أمة الفرس عند استيلاء المسلمين على بلادهم أدرك بطلان هذا القول. وذلك أن روح التعبد والتدين لم يكن لها أدنى أثر بين أمة الفرس في ذلك الحين. وكان الشعب قد تضعضع وتحطم وهبط إلى أسفل درك الانحطاط والاضمحلال. والتفكك والانحلال بتأثير أسوأ عاملين. وأخبث آفتين: فساد الطائفة الدينية (المجوسية) وانحطاطها. وفجور الهيئة الحاكمة وسوء إدارة الحكومة. أضف إلى ذلك أن بدعة المذهب المازادكياني والمذهب المانيكياني كانت قد فصمت كل عروة ورابطة في النظام الاجتماعي. فكان كل ما صنعه كسرى يزدجرد هو أنه استطاع أن يؤجل إلى حين انحلال الروابط الاجتماعية بتة وانهدام بنيان المجتمع انهداماً تاماً. فكانت النتيجة أنه بمجرد دخل المسلمين تلك البلاد مبشرين بتوطيد دعائم النظام والقانون هنالك تهافت الشعب بأسره على الإسلام ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وانضوت أمة الفرس تحت لواء الملة المحمدية إلى ألبد. فمن حقق النظر ودقق البحث عرف بطلان ما عزاه خَطأ أمثال المؤرخ موبر حيث يقول في رسالته عن الإسلام لقد كان من الضروري لبقاء الإسلام أن تتبع في نشره وسائل العنف والقهر. والغضب والقسر. وإن ما يرمي إليه من التفشي في جميع الشعوب التعميم في مشارق الأرض ومغاربها كان أمراً يتحتم تنفيذه بحد الحسام وبديهي أنه ليس من دين

стр. 3063

ظهر في العالم إلا أتى عليه دور أصبح فيه سالكاً ملك الاغتصاب والاعتداء تبعاً لمذهب زعمائه ورؤسائه. وكذلك كان شأن الإسلام في بعض أدواره. فأما أنه يجتذب الناس إليه عنوة وقهراً أو أنه كان في أي أدوار حياته أكثر عدواناً. وأشد طغياناً من أي دين آخر، فهذا زور وباطل يقوم بتنفيذه ألف دليل من التاريخ والواقع. ما شهر الإسلام السيف ولا اعمله إلا دفاعاً عن كيانه. وذودوا بنيانه. وكذلك سيفعل ما بقي له على وجه البسيطة أثر ببصر. وشأن يذكر. ولكنا ما رأينا الإسلام قد يتداخل في شأن أي دين ذي فضيلة ولا يأخذ الناس باضطهاد ولا بتعذيب ولا يؤسس أمثال ما كان من المسيحية من محاكم التفتيش ولجان التنكيل والتمثيل. والإسلام - هداك الله - لم يخترع آلات التعذيب لمحو الاختلافات المذهبية وغل الأذهان وأسر العقول ودفن الضمائر واستئصال البدع والأهواء واصطدام جرثومة كل مروق وشذوذ - وهذا كبر خطر على حرية التفكير وشر عائق للرقي والتقدم وأعظم بلاء على المدينة. وليس أحد ينكر أن النصرانية حينما كانت تدعي أنها الدين الأقدس المعصوم من كل خطأ وزلة - كانت تسفك من الدم الطاهر الزكي. البريْ. النقي أكثر مما سفكه أي نظام آخر من دين أو حكومة منذ بدء الخليقة. فلما صارت النصرانية في انكلترا البروتستانتي ظلت طائفة البريزبارتين هنالك تلقى أشنع ضروب التعذيب السنين العديدة - حبساً في ظلمات السجون وكياً بالنيران وتقطيعاً للأوصال والأعضاء. وتمزيقاً للجوارح والأشلاء. وتنكيلاً. وتمثيلاً. أما في اسكوتلندة فكانوا يطاردون فيقتنصون كالوحوش في البراري والقفار. والانجاد والأغوار. وكانت تصطلم آذانهم من جذورها وتستل ألسمنتهم من اوصلوها. وتكوى جلودهم بالمياسم المحماة في الأفران. وتنتزع أصابعهم من رواجبها بنسافات حديدية. وتفضخ عظام أرجلهم في أحذية فولاذية. وكانت النساء تسام سوء العذاب علانية على قارعة الطريق بمشهد الجماهير الكثيفة. وكذلك طوائف الكاثوليك كانوا بعذبون ويشنقون ويلقون في النيران أحياء فتجعل أشلاؤهم حطباً لجاحمها المشبوب وقوداً. ولكن هذه الملل المختلفة والنحل المتنوعة وهذه الطوائف المتناكرة والأحزاب المتنافرة بين كاثوليك وبروتستانت وأرثودوكس وغير أرثودوكس - كانوا جميعاً يطرحون الخلاف والتناقض. وينبذون الفوو والترافض. ويتركون الخصام والمجادلة. والمشاحنة والمناضلة. ثم يترافدون

стр. 3064

ويتساندون. ويتآزرون ويتناصرون. فيصبحوا جميعاً حزباً واحداً وعصبة فردة ضد الأقوام غير المسيحية جميعاً. ففي انكلترا كانوا يعذبون اليهود ويشنقونهم. وفي اسبانيا كانوا يحرقون المسلمين. وكان الزواج أمراً محرماً بين النصارى واليهود وبين النصارى والكفار (يعني المسلمين) وإذا وقع عد باطلاً وملغى. بل كان عند المسيحيين من أشنع المحرمات يعاقب عليه بأشنع العقوبة بل إنا لنبصر في هذا العصر الحاضر أمريكا المسيحية تلقي في النار الزنجي المسيحي إذا جرؤ على التزوج بامرأة مسيحية بيضاء. فهذا وربك أثر آخر على طغيان المسحية! ولا تزال هذه اللحظة ترى أن بقعة لم تفض فيها أنهار العلوم الحديثة وكل ناحية لم تبعث فيها مبادي، التفكير النظامي العلمي روحاً جديدة - فهنالك روح القسوة والاستبداد والعنف والتعسف لا تزال سائدة متسلطة، وهنالك البغض القديم والحقد على الإسلام لا يزال يبدو في مظاهر شتى: في حملات الصحف والجرائد وغيرها من النشرات والرسائل وفي أحاديث الأندية ومجادلات المجالس ومشاحنات المحافل وفي تضاعيف الخطب والمحاضرات العامة، فروح الاضطهاد لم تذهب إلى النصرانية ولم تنعدم ولكنها كامنة راكدة تتوقع أدنى استثارة من رجل متعصب متعسف فتنفجر انفجار البركان. وتنبجس انبجاس الطوفان. وكمين الحريق في العود مخفي ... وحقين الرحيق في العنقود والآن نتحول عن هذه الصورة المنكرة إلى عالم الإسلام. فنقول: بينما كانت المسيحية تبتلى بأفظع ضروب الاضطهاد ملتي اليهود والنسطوريين على حد سواء وقوم أسوأ العذاب أولئك الأقوام المزعوم أنهم ذرية الذين صلبوا الهم الروحاني والذين أبوا أن يقدسوا أمه العذراء - بينما كانت المسيحية تصنع هذا بهؤلاء الناس كان الإسلام يترفق بهم ويتعطف عليهم ويمنحهم نعمة رعايته وحمايته. أجل بينما كانت اوروبا المسيحية تحرق الساحرات والخوارج والزنادقة وتذبح اليهود والكفار (أعني المسلمين) كانت ملوك الإسلام تعامل رعاياهم غير المسلمين بمنتهى الرفق والتسامح - يتخذون منهم الوزراء والمستشارين والأمناء وكتمة الأسرار. وكل مأمون على الغيب مستودع للثقة مستكفي جلائل الأعمال. وكل أمر ذي بال، وكذلك كانت وظائف

стр. 3065

الحكومة ومناصب الدولة مستباحة للمسلم وغير المسلم على السواء. ولقد أحل النبي ﵇ زواج المسلم من اليهودية والنصرانية والزردشتيه. ولكنه لم يحلل ذلك لأسباب سياسية ظاهرة. وهذه تركيا وفارس الإسلاميتان تستند مصالحها الخارجية إلى نفر من نصارى رعيتها. وكذلك نرى أن اختلاف الدين يعد في عالم النصرانية جريمة ولكنه في نظر الإسلام لا يعد إلا شيئاً عرضياً وأمراً اتفاقياً. وقد قال المؤرج ايركيهار (مازال اختلاف الدسن في مذهب المسحيين بعد سبباً حاملاً على إقامة الحرب وليس هذا مقصوراً على عهد القرون المظلمة ولا بين ذوي التعصب الديني فقط، ومن نظر في صحف التاريخ رأى أنه منذ مذابح السكسون والفرزبانيين وغيرهما من القبائل الجرمانية باسم الدين بسيف شارلمان، ومنذ مقتل الملايين من خلق الله في المكسيك وفي بيرو، ومنذ إحراق الالآف من عباد الله الصالحين رجالاً ونساء. ومنذ مذبحة قبيلة الالبيجبنزبين ومنذ المشاهد الدموية التي وقعت في الحرب الثلاثينية الدينية - إلى فظائع الاضطهاد التي وقعت في اسكولتندة الكلفينسنية (نسبة إلى مذهب كالفين الزعيم الديني المشهور) وفي انكلترا اللوثرية (نسبة إلى مارتن لوثر وهو أشهر من أن يذكر) - تمتد سلسلة متوالية متواصلة من الظلم والعدوان والبغي والطغيان. والجهل والجمود والتعصب. لقد قيل أن دين الإسلام ذا الغبي والعدوان قد بث روحاً حربية في عالم النصرانية أثناء القرون الوسطى، فرداً على هذا نقول أن مذابح جاستنيان وحروب كلوفيس الفظيعة التي جرت باسم الدين (المسيحية) قد وقعت قبل عهد محمد بأزمان طويلة. قارن أيضاً بين سلوك النصارى الصليبيين والمسلمين. لما استولى الخليفة عمر على بيت المقدس في عام ٦٣٧ بعد الميلاد سار على ظهر جواده خلال المدينة إلى جانب البطريق (سوفرونيوس) يحاوره في شأن ما بها من الآثار. فلما جاءت ساعة الصلاة أبى أن يصلي في كنيسة (البعث) حيث اتفق وجوده إذ ذاك واكنه أدى فريضة الصلاة على عتبة كنيسة (قسطنطين) واحتج لعمله هذا بقوله للبطريق (لو أني تبعت رايك لما أمنت أن بجرؤ المسلمون في مستقبل الزمان أن ينقضوا المعاهدة بحجة أنهم يحذون حذوى ويقفون أثري) فلما استولى الصليبيون على المدينة لم يمتنعوا من فلق جماجم الأطفال على الجدران وقذف الرضعاء من فوق شرفات الحصون. وشي الرجال على جمر النيران. ومن يقر بطون

стр. 3066

الناس لاتهامهم بابتلاع الذهب والفضة. ومن احراق اليهود في معابدهم. وفي هذه المذبحة بلغ عدد القتلى ٧٠٠٠٠٠ نفس وقد شوهد مندوب البابا بين طائفة المعتدين يشاركهم سرورهم وطربهم. وخلاصة القول أن الإسلام جرد السيف دفاعاً عن كيانه. وشهرت المسيحية السيف لإخماد الفكر واستعباد الأذهان والضمائر. ولما اعتنق قسطنطين النصرانية أصبحت هذه الديانة سلطان الأديان في عالم الغرب فلم تكن تخشى أدنى اعتداء من أعدائها. ولكنها منذ بلغت هذه السلطة والنفوذ تخلقت بخلائق التعصب والاعتزال والاستبداد فحيثما تمكنت النصرانية استحال على أي دين آخر أن يرفع رأسه دون أن تتناوله المسيحية بالبغي والعدوان. أما المسلمون فعلى العكس من ذلك كانوا يكتفون من أرباب العقائد الأخرى بضمانات المسألة والمحاسنة ودفع الجزية مقابل الرعاية والحماية - هذا وإلا فالمساواة في الحقوق والامتيازات والمصالح - إذا قبلت الأمم المغلوبة الدخول في الإسلام.

стр. 3067

قصة الكاس للكاتب الألماني لودويج تيك نقلها إلى العربية الكاتب الفاضل علي أفندي أدهم (الفصل الأول) كانت أجراس الظهر تدق في الكنيسة الكاتدرائية العالية، وفي الساحة المنبسطة أمام الكنيسة كان الرجال والنساء في جيئة وذهوب، ورواح وغدو وكانت العربات تكر وتسير، وكان القساوسة يحثون الخطى متجهين إلى كنائسهم المختلفة، وكان فرديناند واقفاً على السلم العريض يرمق الناس وهم قادمون للصلاة وكانت أشعة الشمس تلمع على الأحجار البيضاء، وكان الكل يبحثون عن ملجأ يرد لوافح الشمس وحرها، ويقيهم اصطكاك الهواجر وأوارها، وكان هو الوحيد الذي قضى وقتاً طويلاً معتمداً على عمود بين الأشعة الحارة اللافحة غير محتفل بها كأنه لا يحس وقداتها ولا يتأذى بلسعها لأنه كان مستغرقاً في طوائف من الذكر كانت تنتظم في سلك ذاكرته، مسترسلاً في أفكار كانت تردد في ذهنه وتبرق، وكان يعيد في نفسه صور أيامه المواضي وعهوده الخوالي. كان يوقظ في نفسه كل عزيمة راقدة، ويشب منها كل همة خابية بذلك الشعور الطريف الذي تخلل حياته وأفاض صبغته على كل رغباته وجعل أزمتها في يده يصرفها كيف شاء. في مثل هذه الساعة من العام الفائت كان واقفاً هنا ناظراً إلى النساء والفتيات المجتمعات بقلب غير مكترث ووجه متهلل مشرف، وكان ينظر الحفلة المزينة المزخرفة وكانت تلتقي بألحاظه في مكر وخلابة ألحاظ مترعة بالحنان، وكانت خدود تتورد خجلاً وألحاظ ترتد حياء، وكانت عينه المشغولة تلمح القدم الدقيقة وكبف كانت تصعد درجات السلم وكيف كان الثوب الهفهاف يميل على جوانبه فتظهر من تحت أرساغ القدم اللطيفة، وعند ذلك مرت في الساحة حسناء ريانة الشباب مرتدية سوداء، وكانت نحيفة ضامرة نبيلة الطلعة شريفة المحيا، وكانت غاضة الطرف في انكسار وفتور، وكانت تصعد السلالم غير ملتفتة إلى شيء في حسن مستملح، زكان ثوبها الحريري مفاضاً على أحسن الأشكال وأبرع الصور، ولما بلغت آخر درجات السلم رفعت رأسها بغتة فالتقى لحظها بلحظه فصب في عينه شؤبوباً من الضوء الصافي.

стр. 3068

وقد أصمته سهام تلك النظرة ونفذت إلى صميم نفسه ثم داست قدمها أطراف الرداء. وبينما هو يسرع نحوها لم يستطع أن يمنعها من الركوع أمامه لحظة وهي في شكل يطبي نافر الهواء ويسلس جامح القلوب، وكانت كلها حياء ولم تكن روحه سوى مرآة تترآءى في صقالها الصورة التي كانت راكعة أمامه وتلك الزهرة المتفتحة التي مثلت لعينه. وفي اليوم التالي زار الكنيسة وصار هذا المكان مقدساً في عينه وقد كان في نيته مواصلة الأسفار ومتابعة الرحلات، وكان رفقاؤه ينتظرونه بصبر وقلق المنزل ولكن منذ اليوم صار هذا المكان مألف نفسه ومهوى أفكاره ومعقد أهوائه، وكانت صورتها حاضرة لعينه مصورة في قلبه، وكان يراها في أوقات كثيرة ولم تكن هي تتجنبه، وكانت لا تستطيع القرب منه أكثر من دقائق متقطعة منّهبة من خلسات الزمان وغفلات العيش لأن عائلتها الواسعة الثروة الجاه كانت تشدد الرقابة عليها وكان لها خطيب. وقد كانا يتبادلان الإقرار بالحب ولكنهما كانالا يعرفان ما يصنعان بعد ذلك لأنه كان غريباًٍ وليس في طاقته أن يقدم لمحبوبته ثروة طائلة كما كان ينتظر، وكان يشعر الآن بخصاصته ونضاضة وفره ولكنه لما كان ينظر إلى أسلوب الحياة الذي يعيشه الآن كان يخيل إليه أنه سائر إلى طريق الغنى والثروة وأنه سيفادى العيش أخضر صافياً وكان يرى وجوده قد أصبح طاهراً نقياً وقد صار قلبه مجالاً للعواطف الكريمة وكأنها كشفت له الغطاء عن محاسنها وأطلعته على فتان جمالها وبارع حسنها وصار يشعر أنه ليس بعيداً عن العبادة والدين، وكان الآن يعبر مدخل الكنيسة. وقد صار لظلال المجهول الخافقة في نواحي المعبد شعور آخر في نفسه لم يكن يخالجها من قبل في أيام لهوه وطيشه وقد هجر أصحابه ومعارفه وعاش للحب، ولما كان يجتاز الشارع الذي فيه منزلها ويراها مطلة من النافذة وكان يقضي نهاره رخيّ البال منشرح الصدر وكان يخاطبها في أغلب الأحيان عند تدجي الليل وانتشار الظلام وكانت حديقة منزلها مصاقبة لحديقة صديق له لم يكن عالماً بسره وقد مر عام على كل ذلك. كل هذه المناظر مرت صورها في ذاكرته، وكانت تلك الصورة النبيلة مارة إذ ذلك أمام بصره في الساحة الممتدة أمامه، وكانت تضيء بين الجموع كما تضئ الشمس، وكانت نغمات موسيقية لذيذة تصدح في قلبه الملب بالأشواق وبينما هي قادمة كان يعود إلى

стр. 3069

الكنيسة وهناك قدم لها الماء المقدس وكانت أصابعها البيضاء تهتز عندما تلمس أصابعه ثم انحنت في رفق شاكرة له صنيعه فتبعها وسجد على كثب منها وكان قلبه يكاد يذوب حباً ويقطر حزناً وكان يظن أنه من جروح الاشتياق الرغيبة وصدوعه الدامية تكاد روحه تفنى في توسلات مستحرة وكانت كل كلمة من كلمات القسيس تدوي في أركان نفسه فتزداد حباً وإيماناً وكانت شفتاه ترتعشان والفتاة الحسناء تدني صليب سبحتها إلى فمها الياقوتي ولقد صار قلبه ملآن بالحب بعدما كان منه فارغاً، وزاهياً بالإيمان بعدما كان منه عاطلاً. ثم أن الراهب رفع الخبز ودق الجرس فانحنت بضراعة وخشوع، وكأن ومض البرق مس إذ ذاك مشاعره ووجداناته، ومثل له أن الصورة التي على المذبح قد دبت فيه الحياة وأن النوافذ المعتمة الملونة كأنها أضواء منتشرة من نواحي الجنة، ثم فاضت مدامعه واستبقت عبراته فخفضت من نيران قلبه، وأطفأت من وقدة أحزانه. انتهت الصلاة فقدم إليها الإناء المقدس ثم خاطبها ببعض كلمات ثم سارت عنه وتأخر هو قليلاً لكيلا يبعث على الريبة والظنون وأتبعها الطرف حتى اختفت حاشية ثوبها فأخذت بوارح الشوق تنشره وتطويه، ولواعج الحب تدنيه وتقصيه. وصار يشعر شعور الجوابة الحائر في نواحي غابة فسيحة متباعدة الأطراف وقد غابت عن نظره آخر أشعة من شعاع الشمس الغاربة ولكنه انتبه من رقدته وأحلامه واستيقظ من تأملاته وغفلانه لما لمسته يد رجل متكهل ونادته باسمه فأجفل وتراجع إلى الوراء وعرف صديقه ألبرت، المسن، الملتهب الطباع الداني الغضب والذي كان يعيش في عزلة عن الناس وكان منزله المنفرد مباحاً لألبرت وقال له بصوته الخشن الأبح هل تتذكر وعدنا؟ فقال فرديناند نعم! وهل عقدت النية على أن تفي اليوم بوعدك؟ فأجابه ألبرت نعم وفي هذه الساعة فاتبعني إن شئت. فسارا في المدينة إلى شارع قاص وهناك دخلا عمارة كبيرة وقال له ألبرت يلزم الآن أن تدخل معي إلى غرفتي المنعزلة حتى لا يكدر صفاءنا أحد. فمرا من غرف عدة ومن سلالم كثيرة وممرات حمة وكان فرديناند يظن نفسه قد حدق المنزل وأحاط بكل نواحيه خبراً وقد صار يتعجب من كثرة الغرف ومن تنظيم المنزل وتنسيقه الغريب وكان يزيد في دهشته أن يسكن مثل هذا المنزل شيخ أعزب منفرد مع

стр. 3070

عدد قليل من الخدم ولا ترك الغرف الزائدة عن حاجته للناس. ثم فك ألبرت مزلاج إحدى القاعات وقال هنا المكان الذي أقصده فدخلا قاعة واسعة عالية مغطاة الحيطان بنسيج أحمر تتقاطع فيه خيوط ذهبية وكانت المقاعد والكراسي مغطاة بالقماش الأحمر نفسه وكان يأتي ضوء أرجواني من خلال الأستار الحمراء الحريرية الضخمة ثم قال له ألبرت انتظر قليلاً وذهب إلى غرفة أخرى فتناول فرديناند بعض الكتب فوجد فيها كتابة غير واضحة ودوائر وخطوطاً، ومن الأشياء القليلة التي استطاع قراءتها استبان له أنها كتب في الكيمياء وقد كان يعلم من قبل اشتهار ذلك المسن بصنع الذهب وكان هنا مزهر معلق على المائدة وكان محلى بلؤلؤ وأخشاب مزخرفة وعليه صور تمثل طيوراً وأهاراً بديعة الرسم غاية في الاتقان ونهاية في الدقة وكان في وسطه لؤلؤة في صورة نجمة قد تمهر فيها صانعها حتى بلغ أتم الإتقان ومنتهى الحذق وكان في وسطها دوائر مستطيلة متقاطعة مثل نوافذ الكنائس القوطية. فقال له ألبرت وهو عائد أنت تنظر إلى ذلك المزهر وتتأمله؟ إن عمره مئتا سنة وقد أحضرته معي كتذكار لسياحتي في اسبانيا ولكن دعنا من هذا وخذ مجلسنا. فجلسنا إلى جانب المائدة التي كانت مغطاة كذلك بقماش أحمر ووضع الشيخ المسن عليها شيئاً ملفوفاً بدقة ولباقة - ثم تابع القول فقال رحمة بشبابك الغض - وعدتك أخيراً بأن أنظر لك هل ستضاحك السعادة يوماً ما وهل ستفتر لك مباسم الحياة؟ وسأقوم الآن بإنجاز هذا الوعد وإن كنت تظن الموضوع هزلاً ولا يلمم بك الخوف لأن ما أحاوله سيقع بدون خطر مرعب أو عزائم مخيفة أو دعوات رهيبة تزعج مشاعرك وتقلق حواسك وأن العمل الذي أنا الآن بصدده لا يؤتي إلا من وجهتين ولا يتسور عليه الفشل إلا من ناحيتين وهما إما إنك كاذب في حبك مزور في هواك وفي هذه الحالة لا يجدي العمل ولا يثمر إذ لاشيء يكشف لي سره ويزيل الستار عن خبيئته وإما أنك تكدر سكون الوحي وتعكره بأسئلة لا فائدة منها أو بحركة سريعة عجلى أو بترك مكانك وتشبثك بالصورة فعدني الآن بأن تحافظ على نفسك سكونها وأن تلزم الهدوء. فوعده فرديناند بذلك وأخرج الربطة التي كانت فوق المائدة من لفائفها. ولقد كان داخل تلك اللفائف كأس ذهبية مصنوعة صنعاً دقيقاً جميلاً وكان حول قدمه

стр. 3071

العريضة إكليل من الزهر يتخلله الآس وأوراق أخرى كثيرة وفواكه دقيقة الصنع بديعة الحفر يتخلله ذهب لامع وآخر معتم وكان حول منتصف الكأس منطقة ثمينة عليها صور أطفال وحيوانات وحشية صغيرة تلعب مع الأطفال أو تفر بين يديها ثم أديرت الكأس برشاقة وخفة فانحنت من أعاليها. كأنها تتهيأ لملاقاة الشفة وكان الذهب يتوهج من داخلها. فوضع ألبرت الكأس بينه وبين الشاب وأشار إليه أن يقترب ثم قال له ألا تشعر بشيء لما تغرق ألحاظك في سنا الكأس؟ فقال فرديناند نعم فإن هذا الضوء يشرق في أقصى أعماق قلبي وإني أشعر به كقبلة في صدري الحران المشتاق. فقال له ألبرت هذا حق فلا تحرك الآن عينك عنه ولكن صوبها نحوه وأثئر طرفك باستقامة إلى لمعان وبريق هذا الذهب وفكر جهدك في المرأة التي يهواها قلبك. جلس الاثنان صامتين وكلاهما يرمق باهتمام الكأس اللامعة وكان ألبرت قد بدأ قبل ذلك بدقائق يصنع إشارات ساكنة في بطء ثم ازدادت سرعتها حتى صارت جد سريعة. وكان يدير أصبعه في دائرة دائمة حول الكأس اللامعة ثم توقف وابتدأ يصنع الدورات نفسها من الناحية المقابلة، وبعد انتهاء هذا بدقائق أخذ فرديناند يظن أنه يسمع عزف موسيقى مقبلة من الخارج من شارع بعيد ولكن النغمات كانت تقترب مرتعشة في الهواء وأخيراً صار لا يخالجه الشك في أن هذه النغمات مقبلة من الكأس ثم صارت صدحاتها تزداد قوة، وكانت لها قوة تضرب في أعشار القلوب تركت قلبه رجافاً نباضاً على أنغامها المصبوبة المتدفعة وكانت الدموع تنهل من مآقيه وتتفجر في عينه وكانت يد ألبرت الحاذقة الصناع تتجه في نواح مختلفة حول فم الكأس وكان يظهر كأن شرار يتطاير من بين أصابعه وكأن ذلك الشرر كان ينقض في طرق متشعبة إلى الذهب وكان يسمع لها طنين عندما تلاقيه، وكانت النواحي اللامعة تكثر وتتتابع وكانت تتبع حركات يده إلى الأمام والخلف وكانت تنبعث منها أنوار مختلفة الألوان وكانت تزدحم وتلتئم حتى اجتمعت في خيوط غير منكسرة وقد ظهر الآن أن ألبرت كان وهو في الناحية الحمراء المعتمة يلقي شبكة غريبة فوق الذهب المتوهج لأنه كان يجر حزم الضوء إلى هذه الناحية أو تلك كما يريد وكان يليح بها نحو الكأس وكانت تطيعه وتثبت في موضعها كغطاء يروح ويجيء وبنتثر وينتظم وينفصل

стр. 3072

ويتصل، ولما قيدهما هكذا أخذ يزيد الدائرة حول حافة الكأس وضوحاً فتباعدت المسيقى وصارت تضعف شيئاً فشيئاً حتى غابت آثارها ولما كانت النغمات تولي كانت الشبكة الملتهبة بالشرر تهتز إلى أمام والخلف كأنها تتنزى من الالم وبينا هي يزداد انفعالها إذ نبذت إلى قطع وصارت خيوط الضوء تنصب في الكأس ولما كانت هذه النقط تساقط ارتفع منها سحابة حمراء كانت تتحرك داخل نفسها في دوامات عدة كانت تظهر فوق الحافة كالرغوة ثم برزت نقطة بيضاء مسرعة من خلل الدائرة السحابية وأخذ يتكون في وسطها شبح وظهر فجأة من فتق البخار صورة عين وفوقها جاءت غدائر الشعر تلتوي ثم أخذ يتمشى احمرار رقيق من فوق الظل ومن تحته ورأى فرديناند صورة حبيبته بسامة المحيا مشرقة الوجه وعينيها الزرقاوين وخدها الأسيل الرقيق وفمها المتورد الجميل وكانت رأسها تروح وتجيء ثم أخذت تظهر أكثر جلاء فوق الرقبة الهيفاء البيضاء وانحنت أمام الشاب المأخوذ بالدهشة والسرور. وكان ألبرت مقبلاً على إقامة الدوائر حول الكأس حتى برزت الأعطاف وكانت الصورة الحسناء تستتم تركيبها وتستكمل شكلها وكانت تنحني في رشاقة مستحبة ثم أخذ يظهر الصدر الناعم المقوس وعلى النهدين البارزين وردتان لهما حمرة سرية كانت تحلو في النفوس وتعذب، ويحسن موقعها في الأرواح ويجمل وكان فرديناند يتوهم أنه يشعر بالنفَس المتردد ولما كانت تلك الصورة تنحني مائلة نحوه بل تكاد تلمسه بشفتيها الملتهبتين نسي من فرط السرور وعده وقام وانحنى على ذلك الفم الياقوتي وقبله وأراد أن يقبض بيديه على المعصمين الجملين وأن ينقذ تلك الصور الآسرة للأرواح السالبة للمهج من سجنها الذهبي فحدث ارتجاج واهتزاز في الصورة الحسناء وانفصلت الرأس عن الجسم وتبددا في خطوط كثيرة العدد وكانت وردة ملقاة في أسفل الكأس كانت تكثل حزمتها بابتسامة عذبة فتناولها فرديناد في لهفة والتياع وضمها لشفته فذبلت من حرارة أشواقه وآضت هواء. فقال له ألبرت بصوت الغاضب الحنق لقد أسأت كل الإساءة ولم تف بوعدك ونفسك فقطعها لوماً ثم لف الكأس كما كانت وأزاح الستائر وفتح نافذة دخلت منها أضواء النهار ثم خرج فرديناند كاسفاً منكسراً آسفاً حزيناً بعد أن حاول عبثاً أرضاء ألبرت وترك البرت

стр. 3073

متقد الغضب. وانفدفع وهو في اضطراب بال وتشرد خاطر في شوارع المدينة حتى أفضى به التسيار إلى أحد أبوابها فجلس خارج الباب تحت رفرف شجرة وكانت قد أخبرته في الصباح أنها ستذهب في المساء مع أقرباء لها إلى الضواحي ولما أسكره الحب ورنحه قام وطاف نواحي الغابات وجاس خلالها وكان ذلك الشكل المأنوس لا يزال ماثلاً لعينه بينا هو يطفو ويرسب في لهب من الذهب. وكان ينتظر ظهورها لملاقاته في رونق بهائها ولكن الشبح كان ينكسر ثانياً أمام عينه وقد كان مغضباً من نفسه حنقاً عليها لأن هواه الغير المستقر وضجة مشاعره وهياج حواسه، كل أولئك قد بدد نظام الصورة وربما بدد آماله وشتت سعادته إلى الأبد. ولما صار الطريق بعد الظهر مزدحماً غاصاً بالناس انسحب إلى أعماق الغابات ولكنه كان لا يزال يرمق جانب الطريق البعيد فكانت كل عربة تمر من الباب تلمحها عينه - وأقبل الليل وكانت الشمس الغاربة تتطرح أشعتها الحمراء عندما خرجت من الباب عربة مذهبة مزخرفة وكان يلمع منها ضوء ناري في توهج المساء فانسل إلى ناحيتها وكانت عينها قد لمحته وحنت صدره اللماع الزاهي من النافذة في رفق وقد علت وجهها ابتسامة صافية، ورأى تحيتها الدقيقة وإشارتها وكان واقفاً إلى جانب العربة فانهلت عليه نظرتها ولما اكنت تتحول للذهاب سقطت الوردة التي كانت تزين صدرها عند قدمه فرفعها وقبلها وقد اختلج في نفسه أن تلك الوردة تقول له أنه لن يرى حبيبته مرة أخرى، أن غدر مسراته قد جفت فلن يعود لها تدفق ومسيل، وأن نجم سعادته قد غاله من بعد البزوغ الافول، وان زهرة حباته ستلجّ من بعد النضرة في الذيول. * * * (الفصل الثاني) كانت الخطوات السراع تمر فوق السلالم في هبوط وصعود، وكان المنزل كله في هرج وحركة وجلبة، وكان سكانه يتأهبون لحفلات الغد وكانت ربة المنزل أكثرهم فرحاً وأشدهم إقبالاً على العمل، وكانت العروس قد نفضت يدها من العمل وتراجعت إلى حجرتها لترسل الفكر في مصير حياتها، وكانت العائلة تنتظر ولدها الأكبر وزوجه - وكان ضابطاً في

стр. 3074

الجيش - والأختين الكبيرتين وزوجيهما وكان ليوبولد الأصغر يتفنن في الخبث لإكثار الفوضى وتعميمها وإطالة الهرج والجلبة، وكان يعرقل أعمال الجميع ويفسد مساعيهم بدعوى أنه يعاونهم على تقويض الفوضى وإبطالها، وكانت أخته أجاثا التي لم تتزوج بعد تحاول عبثاً رده إلى عقله وإقناعه بأن لا يضيع شيئاً وأن يترك الآخرين في سلام، ولكن والدتها قالت دعيه وسخافاته، وخليه وحماقاته، لأن اليوم الكثير منها أو القليل لا يعد شيئاً مذكوراً، وإني أطلب إليكم أمراً واحداً وهو أنه لنزاحم الأشغال عليّ اليوم أرجو أن لا أزعج بأنباء جديدة إلا إذا كانت عن أمر كبير الأهمية خطير الشأن، فإذا كسر أحد طبقاً أو نقص معلقتان أو هم أحد الخدام الأجانب بتحطيم النوافذ فإني لا أعبأ فتيلاً بأمثال هذه الحوادث، ومن أجل ذلك أطلب إليكم بكل رجاء وأتوسل بكل وسيلة أن تريحوا آذاني اليوم من سماعها وإن شاء الله متى انتهت هذه الأيام وجلبتها نعاود النظر في أمثال هذه الحوادث ونتصفح وجوهها ونوسعها تدبراً وتفكراً. فقال له ولدها ليوبولد لله درّك يا والدتي. إن الشجاعة لتلمح من كلماتك وإن هذه الاحساسات حديرة بربة منزل مثلك وإنه إذا دقت إحدى الخادمات عنقها أو أن الطاهي أخذ منه السكر فحرق المطبخ، أو أن الساقي لشدة سروره أراق النبيذ الجيد كله على الأرض أو شربه، فإن أخبار هذه الحوادث التافهة سوف لا تصل مسمعك، ولكن إذا كان هناك زلزال سيهدم المنزل - مثل هذا الخبر يا والدتي العزيزة لا يمكن أن يحفظ سراً. فقالت والدته متى يتخلى عن هرائه وسخفه وماذا يقول أختاك عندما يجدانك في هذه الحالة من الميل إلى المرح واللعب والخبث مثلما تركاك من منذ عامين؟ فقال ليوبولد أنهما سيمتدحان ثبات أخلاقي ولا يقولان أني إنسان سريع التحول كثير التلون مثلهما أو مثل زوجيهما اللذين قد تغيرا تغيراً كبيراً في هذه السنين القصيرة. ثم دخل العروس وسأل عن عروسه فأرسلت الخادمة إليها ثم قال العروس هل ذكر لك ليوبولد طلبي يا والدتي العزيزة. فقال ليوبولد نعم قد ذكرت لها طلبك بلا شك ولكن الفوضى التي تراها حولنا لا تترك للإنسان منفسحاً ليفكر فكرة مقبولة. ثم دخلت العروس وحيت عروسها بفرح - ثم قال العروس إن الطلب الذي أبغيه هو أنك

стр. 3075

لا تعدينها كبيرة إذا أنا أحضرت ضيفاً غريباً إلى منزلكم المزدحم الآن. فقالت له الوالدة إن المنزل على اتساعه لا يتبسر أن أجد فيه الآن غرفة أخرى. فقال ليوبولد لقد سبقتكما إلى تسوية هذه المسألة وقد أعددت المخدع المتسع له. فقالت الوالدة ولم ذلك؟ وأنها محل بغيض وقد مضت سنوات وهو مخزن للأخشاب. فقال ليوبولد ولكنها الآن مرتبة ترتيباً بديعاً، وصديقنا الذي أعددنا له لا يعير أمثال هذه الأمور التفاتاً وهو لا يبغي منا سوى حبنا ورضانا وهو أعزب يهوى الانفراد والوحدة وإنها المكان الذي يلائمه وقد صادفنا مشقة في أغرائه على المجيئ وحثه على الظهور ثانية بين رفقائه البشر. فقالت أجاثا أظنه لا صديقكم المظلم الناحية الكريه المتوسم صانع الذهب، فقال العروس هو بعينه إذا كنت تصرين على تلقيبه بذلك. فقالت أجاثا ولا تسمحي له إذن ياوالدتي بدخول منزلنا، وماذا نصنع برجل كهذا، ولقد نظرته مرة في الشارع مع ليوبولد فخامرني منه الخوف وأن ذلك المجرم المتطاول الأمد، العالي السن، لا يذهب إلى الكنيسة ولا يهوى الله، وهو فارغ القلب من حيث الإنسانية، وقد يصيبنا شر من وراء حضور مثل هذا الكافر في حفلة عرس كهذه. فقال لها ليوبولد إنك ترمينه بذلك لجهلك أمره ولأن سَحبة أنفه لا تسرك، وإنك تظنينه ساحراً من خدام الشيطان لأن ظلال الشباب قد تحسرت عنه وبهجة الصبي فارقته. فقال العروس: افسحي يا والداتي العزيزة محلاً لهذا الصديق المسن في منزلك ودعيه يقاسمنا أفراحنا ويساهمنا مسراتنا وإنه يا عزيزتي أحاثا قد قاسى كثيراً من عنت الهموم وطالت معالجته للبأساء ومصابرته للبلايا وأن همومه التوالي جعلته قليل الثقة كارهاً للناس وهو يتجنب الجماعات ويؤثر الوحدة وإن صديقيه الوحيدين هما ليويولد وأنا وغني مدين له كثيراً فعو الذي حول أميالي إلى ناحية مهذبة وهو الذي جعلني جديراً بحب جوليا. فقال ليوبولد وهو يعيرني كل كتبه ولا يبخل علي بمخطوطاته ولا يمنعني نقوده عند سماع كلمة واحدة وهو رجل سمح الأخلاق كريم النزعة ولعلك يا أختي الصغيرة عندما تنظرينه بعين الرضى تقتربين منه ويزول من نفسك الأعراض عنه والخوف من جهامة نظره. فقالت الوالدة لا أرى بأساً في إحضاره هنا وقد سمعت عنه كثيراً من ليوبولد حتى لقد

стр. 3076

استشرفت إلى لقائه وتطلعت إلى الوقوف على أمره ولكنني لا يمكنني أن أقيمه في مكان أليق من المخدع المذكور. وفي الساعة نفسها طار إليهم خبر حضور أضياف من أفراد العائلة وهم الأختان المتزوجتان وأخوهما الضابط، وكان معهن أولادهن وكانت الوالدة تسر من رؤية حفيداتها وكان الكل قد شملهم السرور واحتواهم الفرح ثم تجاذبوا أطراف أحاديث مروحة مبهجة ثم إن العروس وليوبولد توجها بعد التحية والسلام ليبحثا عن منزل صديقهما الشيخ الهرم الحزين، وكان يقيم أكثر أيام السنة في الضواحي على بعد فرسخ من المدينة ولكن كان له أيضاً محفوف بحديقة على كثب من باب المدينة وهناك جمعتهما به قذفات الاتفاق وقد وجداه في قهوة كانا قد اتفقا معه على الالتقاء بها ولما حان المساء أتيا به بعد محادثة قصيرة إلى المنزل فتلقته الوالدة بالبشر والحفاوة ووقفت البنات بعيدات عنه وكانت أجاثا خجلة وكانت تتجنب نظراته وتتقيها وعند انتهاء أحادي ثالاستقبال دخلت العروس عليهم فلما أبصرها وضحت على وجهه آيات الفرح الشديد وإنه يحاول جهده أن يحبس قطرة من الدمع متحدرة وقد سر العروس لسروره وحدث بعد ذلك وهما واقفان عند نافذة أن قيض على يده وقال له ما قولك الآن في جوليا الجملة الحسناء؟ أليست هي ملكة من السماء؟ فقال الرجل المسن والانفعال باد عليه إني لم أنظر جمالاً كهذا الجمال الفتان البارع وإني أقول أنها قد بلغت من القسامة والحسن إلى حد أنه يمثل إلى أن عرفتها في أزمان تصرمت وهي وإن كانت غريبة عني فإن صورتها كانت لا تغب عن ناظري وكانت مرسومة أبداً في مخيلتي. فقل له الشاب إني أفهم مغزى أحاديثك فإن الشيء الصادق الحسن الجليل الفخم عندما يغمر مشاعرنا ويبهر حواسنا يكون على رغم ذلك غير مستغرب في عيوننا كأنه شيء لم نسمع به أو لم ننظره ولكن على العكس من ذلك فإن روحنا الداخلية في ساعات كهذه تصير واضحة لنا وتستيقظ في نفوسنا الذكر الراقدة وتنتبه وجداناتنا الهاجعة. ولم يشاركهم هذا الغريب في الأحاديث عند تناولهم العشاء وكانت عينه موجهة إلى العروس في لهف واهتمام حتى أربكها بنظراته وأخافها ثم قص الضابط حوادث غزوة كان من أبطالها وأفاض التاجر المتمول في ذكر التجارة وما يتهددها من الأخطار وأخذ المزارع

стр. 3077

يتكلم عن الاصلاحات التي يزمع إدخالها في ضيعته. ولما انتهى العشاء استأذن العروس وعاد لآخر مرة إلى غرفته المنعزلة لأنه كان قد اتفق أن الزوجين يسكنان في منزل الوالدة وكانت قد أعدت الغرف لهما ثم انفرط عقد الجماعة وقاد ليوبولد الغريب إلى غرفته وقال له وهما سائران أنك تسامحنا لاضطرارنا إلى أن نقيمك في مكان بعيد أسباب الراحة فيه غير متوفرة ولكنك قد نظرت بعينك كثرة أفراد عائلتنا وبعضهم سيحضر غداً وإني أعلم أنه ليس في وسعك أن تفر من يدنا لأنك لا تدري طريقك في هذا المنزل الواسع الرحيب. ثم سارا من مرات كثيرة وترك ليوبولد صديقه بعد أن حياه ثم وضع الخادم مشعلين على المائدة وسأل الغريب إن كان يطلب مساعدته في خلع ملابسه، وتركه لما أعفاه من ذلك وخلا إذ ذاك الغريب في نفسه. فاخذ يقول لنفسه وهو يروح ويجيء في الغرفة كيف نبعت من قلبي هذه الصورة اليوم واضحة جلية ولقد نسيت الماضي البعيد وخلتها أمام عيني ولقد عدت إلى الشباب وكان صوتها في أذني حلو الرنين كما أعهده ولقد ظننت أني أستفيق من حلم ثقيل ولكن لا - لقد صحوت من رقدتي وإن تلك الدقائق اللذيذة لم تكن سوى وهم جميل. وقد كان مهتاج الخاطر مضطرب الذهن وأخذ ينظر إلى بعض الصور المعلقة على الحوائط ثم أجال نظره في الغرفة ثم قال اليوم كل ما أرى على حاله ولم يتغير شيء وإني لأذكر أني عرفت هذه الدار من أزمان ماضية بعيدة ثم أخذ يجمع تذكراته من جوانب الماضي ونواحيه ورفع بعدُ الكتب الكبيرة وكانت إحدى الأركان ولما قلب صفحاتها خر رأسه وكان معلقاً على الحائط غطاء عود ولما كشف الغطاء وجد آلة قديمة قد أخلق الزمن جدتها وبدد أوتارها فقال لا لست مخطئاً وهذه العود لها صورة خاصة وهو العود الإسباني عود صديقي الراحل من أزمان - ألبرت المسن -. وهذه كتب السحر وهذه الغرفة التي أطلعني فيها على الرؤيا المباركة وقد بهت احمرار الجدران ولكن كل ما يتعلق بتلك الساعات في نفسي واضح جلي وقد كان ذلك سبب ما تغشاني من الخوف عند قدومي إلى هنا من الممرات التي قادني فيها ليوبولد. فيالله! هاهنا على تلك المائدة ارتفعت الصورة ونمت كأنها قد سقيت وانتعشت من احمرار

стр. 3078

الذهب وهنا ابتسمت لي تلك الصورة التي كادت ترميني بالجنون هذه الليلة وهاهنا كنت أحادث ألبرت. ثم خلع ملابسه ولم ينم إلا حُثاثاً واستيقظ عندما ضرب الفجر بعموده وفتح النافذة وكانت الحدائق والمباني كما كانت إذ برد شبابه قشيب وإذ آماله زاهية متفتحة الزهرات فقال وقد تصعدت من زفراته لقد مرت أربعون عاماً على ذلك المساء ولقد عشت في كل يوم من تلك الأيام المشرقات أطول ما بيني وبينها الآن. ثم دعته الجماعة وأمضى الصباح في أحاديث مختلفة وأخيراً دخلت العروس في زينتها وبهائها فلما لحظها أظهر عليه تأثر شديد شاهدوه الحاضرون ثم ساروا إلى الكنيسة وتمت هناك حفلة الزواج ولما عادوا إلى المنزل قال ليوبولد لأمه الآن يا أماه ماذا تقولين عند صديقنا الكهل الطيب السريرة. فقالت لقد كنت أظن صورته تبعث على القلق والخوف أكثر من ذلك وإنه رجل عواطف وشعور وقد نرى فيه صديقاً ناصح الجيب وافر الإخلاص. فقال أجاثا: أتؤملين الإخلاص في صاحب تلك النظرات الحائرة المتوقدة وهذا الموجه الممتلئ بالتجعدات وهذا الفم الأصفر الغارق وهذه الضحكة الغريبة التي ترن في سخرية واستهزاء. لا. فليدفع عنها الله شر صداقته، وإن الأرواح الشريرة إذا ظهرت في صورة إنسان فإن مما لا نزاع فيه ولا مماراة أنها تظهر في صوراته. فقالت والدتها إني أظنه أقل سناً من ذلك وأجمل وإني أنظره بالعين التي تنظرين إليه بها وفي استطاعة الإنسان أن يلحظ عليه أنه حاد الطبع فوار الإحساس وإنه قد راض نفسه على أن يحجز فيها مشاعره وأنه اعتاد أن يحزن إحساسه في صدره وقد يكون - كما يقول ليوبولد - لاقى من أبكار الخطوب الفواجع ونوازل الهموم الصوادع ما جمع في نفسه الأحزان وألف فيها الأشجان حتى فقد صراحته البسيطة التي هي في العادة نصيب السعيد وقسط المنعم. ثم دخلت بقية الجماعة فوقف مجرى الحديث ثم حضرت المائدة وجلس الغريب بين أجاثا وبين التاجر الغني ولما ابتدأ شرب النخب صاح ليوبولد قائلاً انتظروا قليلاً يا أصدقائي

стр. 3079

المبجلون وإني سأحضر الكأس الذهبية لأديرها على الحاضرين وهم بترك مكانه ولكن والدته أشارت إليه أن يلزم محله وقالت له لا يمكنك أن تعرض موضعها لأني حفظتها في مكان خاص ثم انفلتت لإحضار الكأس. فقال التاجر: إنها خفيفة الحركة فانظر كيف تسير في رشاقة وقد أربى عمرها على الستين وأنها أبداً ضحاكة الوجه والبشر والإيناس وهي موفورة السرور في هذا اليوم خاصة لأنها ترى نفسها قد عادت إلى رونق الشباب في جوليا. فوافقه على ذلك الضيف الغريب ثم عادت السيدة وفي يدها الكأس وكانت ملآى بالنبيذ ثم أديرت عليهم فكان كل منهم يشرب نخب أعز الناس عليه وأحبهم إليه فجوليا شربت نخب زوجها وهو شرب نخب حبيبته جوليا واقتدى بهم الآخرون عندما أفضنت إليهم الكأس ولكن الوالدة أبطأت عندما وصلتها الكأس. فقال لها ولدها الضابط في الجيش في خشونة أسرعي وأديري الكأس إننا نعرف اعتقادك في خيانة الرجال ونبذهم الحفاظ وأنهم ليس فيهم أحد يستحق الحب من المرأة فقولي لنا إذن من أعز عليك؟ فنظرت إليه والدته وقد غابت عن وجهها مظاهر السرور وعلته لمحات الكدر وقالت إن ابني من أدرى الناس بطبائعي وقد ركز رأيه في، فليسامحني الحضور إذا أنا كتمت عنهم ما جال بفكري الآن ولعل ولدي يستمر صادقاً في حبه مخلصاً في هواه حتى يظهر بطلان اعتقادي وفساد فكري، ودفعت الكاس بدون شرب، وقد عرت الحضور من ذلك حيرة. فقال التاجر وهو مقبل على الغريب أنه مما يروى عنها أنها كانت لا تحب زوجها وكانت تهوى رجلاً غيره نكث عهده ولم يستمسك بموثقه ولقد كانت في صباها من ربات الحسن والملاحة. ولما وصلت الكأس إلى فرديناند أخذ يحدق فيها وقد تملكته الدهشة لأنها كانت الكأس التي أخرج منها ألبرت المسن الشيخ الجميل ثم أخذ ينظر إلى ذهبها وإلى تماوج النبيذ بها وارتعشت يده وصار يظن أنه ليس من الممتنع المستحيل أن يخرج من تلك الكأس المسحورة الصورة التي يعرفها وتجلب معها الشباب الراحل والعيش الزائل ثم قال بصوت مسموع هل الذي يلمع داخل الكأس نبيذ؟

стр. 3080

فقال التاجر: نعم أكنت تظنه شيئاً آخر. اشرب وكن مسروراً. فسرت رعدة خوف في أضلاع الرجل وقال اسم فرانشسكافي صوت عال مرتح \ جف ووضع الكاس على فمه فرمته الوالدة بنظرة دهشة واستفسار. ثم قال فرديناند وقد استحيا من حيرته من منذ كم اشتريتم تلك الكأس؟ فقال ليوبولد إنها في المنزل من قبل مولدي وقد اشتراها والدي وسائر المنزل وأمتعته من رجل كبير السن أعزب كان دائم العزلة والصمت وكان جيرانه يظنونه ساحراً. ولم يقل الضيف إنه يعرف هذا المسن لأنه كان في حيرة وخيال. ثم رفع الطعام ونزل فرديناند منفرداً مع الوالدة وانصرف الصغار يستعدون لحفلة الرقص فقالت الوالدة اقترب مني فإن سنوات رقصنا قد تصرمت وإذا كنت لا ترى في سؤالي نكراً فاسمح لي أن أعلم منك هل أبصرت كأسنا مرة أخرى قبل اليوم وما الذي سبب لك كل هذه الأزمات النفسية والثورات الداخلية؟ فقال لها إني يا سيدتي أسألك الصفح وأطلب إليك المعذرة لما بدا من آثار انفعالات وإني من ساعة دخولي منزلك شعرت كأني غبت عن نفسي وإني في كل دقيقة أنسى أن شعوري بيضاء قد كللها المشيب وأن القلوب التي كانت تنبض بحبي قد أسكتها الموت وأن ابنتك الجميلة التي تلقى اليوم أسعد أيام حياتها تشبه حسناء عرفتها في أيامي الماضيات حيث الشباب غض نضير وماء العيش سلسال غير وإني لأحسب ذلك معجزة خارقة للعادة وأعجوبة شاذة عن المألوف وقد اختلفت إلي هذا المنزل قبل اليوم وعرفت تلك الكأس في حادثة لا تزال منقوشة في ذاكرتي وإنه ليعز على يد الأيام أن تمحوها منها وهنا أخبرها قصته وقال في ختامها إني في مساء ذاك اليوم وأنا في الحديقة نظرت صببتي آخر نظرة لما كانت تسير بها العربة وقد سقطت من صدرها وردة التقطتها ثم فقدت مني وأثبتت أنها لم ترع أمانتي ولم تحفظ عهدي وتزوجت بعد ذلك بأيام قليلة. فقالت السيدة وقد ثارت سواكن نفسها وهبت في قلبها رياح طال ركودها في صوت مرتفع ألست أنت فرديناند؟ فقال: نعم هذا اسمي يا سيدتي فقالت السيدة: أنا فرانشكا

стр. 3081

فقاما ليتعانقا ثم تراجعا إلى الوراء وأخذ كل منهما يحدق في الآخر ويتدبره وكانا يبذلان الجهد ليجمعا من أطلال الزمن ودمن الماضي تلك الصورة التي كان يعرفها كل منهما في الآخر، ومثلما يوجد دقائق في الليالي الكدراء الممتلئة بالزوابع والأعاصير والسحب السوداء تومض فيها النجوم اللامعات خلسة وتختفي فكذلك كانت تنبعث لعينيهما الملامح الزائلة من الحواجب والعيون والشفاه وكانا كأنهما يريان شبابهما واقفاً على كثب منهما بين الدموع والبسمات فانحنى فرديناند ثم قبل يدها وتساقطت من عينيه دمعتان كبيرتان ثن تعانقا عناقاً قلبياً مخلصاً. ثم قالت: هل توفيت زوجتك؟ فقال متنهداً إني لم أتخذ زوجة لي طول حياتي. فقال وهي تضرب كفيها إذن أنا التي خنت عهدك - ولكن لا إني لم أكن خائنة فإني عند عودتي من الضواحي حيث أمضيت شهرين سمعت من كل أصدقائك وأصدقائي أنك رجعت إلى وطنك وتزوجت هناك وأطلعوني على خطابات منك تؤكد ذلك وتدعمه وكانوا يستفيدون من يأسي وحيرتي وغضبي ولهذا رضيت الزواج من آخر وكان يستحق مني ذلك ولكن أفكاري وقلبي كانا دائماً في حوزتك. فقال فرديناند: إني لم أترك هذا البلد ولكني سمعت بعد مضي زمن أنك تزوجت ولقد أرادوا أن يفرقوا بيننا وقد تم لهم ذلك ولقد صرت والدة سعيدة وإني سأعيش في الماضي وسأحب أولادك كأنهم أولادي ولكن ألا ترين شيئاً يبعث على الغرابة في أننا لم نلتق مرة قبل ذلك. فقالت: - لقد كان خروجي من المنزل نادراً وزوجي تغير اسمه بعد أن مضى على الزواج وقت قصير لميراث استحقه وبذلك كنت لا تستطيع أن تعرف أو أن يداخلك الظن من قربنا منك. فقال فرديناند: - لقد كنت أحاشى الناس وعشت للانفراد والوحدة. وقد كان ليوبولد الشخص الوحيد الذي اجتلب انتباهي وحبب إلي الخروج إلى رفقائي بني الإنسان وإنه يا صديقتي المحبوبة كحلم مخيف مرعب أن نظن كيف افترقنا وكيف التقينا ثانيا.

стр. 3082

ولما دخل الصغار كان يبكيان وكانا في تأثر شديد ولم يقل أحدهما عما حدث فلقد كان السر جليلاً مقدساً وبعد ذلك كان الرجل الهرم صديق العائلة ولقد التقيا في شكل غريب ليرتبطا رابطة لانفصم عروتها ولا تحل عقدتها ولم يفرق بينهما إلا محتوم الموت. تمت القصة

стр. 3083

خواطر ليوباردي الكونت جياكو موليو باردي أكبر كتاب إيطاليا وشعرائها بعد دانتي. فضله أرنولد - النقادة الانجليزي العظيم - على اللورد بيرون من حيث الكتابة والأسلوب وغزارة الاطلاع والقدرة الفنية، وفضله أيضاً على وردزورث من حيث القوة الشعرية. وقد عاش ليوباردي في أوائل القرن الماضي عيشة معذبة يلاقي الأمرين من اعتلال صحته وسوء معاملة أبيه إياه. ومات وهو في الثامنة والثلاثين، وقد خلف كتباً كثيرة وأشعاراً طويلة ممتلئة بالحزن والكآبة والسخط والألم، ناظراً إلى الحياة نظرة سوداء، غير واجد في المجتمع إلا البؤس والشقاء، وتعد خواطره هذه من أبدع ما كتبه الكتاب من عهد باسكال وبيكون إلى اليوم. - ١ - كان الفيلسوف شيلو الذي يعد أحد حكماء اليونان السبعة الذي يقول أنه ينبغي لمن أوتوا بسطة في الجسم أن يكونوا ذوي شمائل عذبة وأخلاق لبينة رقيقة كي يوحوا إلى الناس عاطفة الحب لهم لا الخوف منهم. وكذلك أقول أنه ينبغي لمن أوتوا الأذهان العظيمة أو المواهب الكبيرة أن يعملوا دائماً أبداً على التلطف وحسن المعاشرة، إن لم أقل التواضع الحقيقي لمن حولهم. ينبغي أن يتذكروا عظيم الجريمة التي يجب أن يكفروا عنها، وعناد العدو الذي يجب عليهم إرضاؤه - فالأول تفوقهم، والثاني حسد الناس لهم! وكذلك كان يعتقد القدماء إذا ما رأوا أنفسهم في أوج الرفاهة والنعيم، أنه ينبغي لهم إرضاء آلهتم، فكانوا يقدمون على التضحية وامتهان النفس وتعذيبها تكفيراً عن شيء قلما يكفرون عنه، وهو التنعم والسعادة. - ٢ - إن المجتمع مهما تعددت طبقاته يرجع إلى قسمين: نفر قوي يتحكم وآخر يشقى من جراء هذا الحكم. وما من قانون أو قوة تستطيع أن تمنع هذه الظاهرة. بل إن الناس مهما تقدمت المدنية وارتقت الفلسفة لا بد منقسمون إلى هاتين الطبقتين. فعلى الذين يستطيعون الخيرة أن يختاروا ما يشاؤون وإن كانت الحقيقة أن الجميع لا يملكون هذا الاختيار في جميع الأوقات. - ٣ -

стр. 3084

ليس هناك حرفة كحرفة الأدب ناضبة المعين غير مجدية محترفها شيا. ولكن للتدليس في هذا العالم قوة تستطيع أن تجعل حتى حرفة الأدب منتجة مثمرة. إن الخداع هو روح الإنسانية وعنصرها الحي القوي. وما من موهبة أو فضل لا تسعين به بقادرة على أن تؤثر في قلوب الناس تأثيراً صحيحاً أو كاملاً. وإنك لا تكاد تختبر رجلين أحدهما ذو مواهب صادقة في أي عمل من أعمال الحياة والآخر ذو مواهب داعية، إلى وجدت هذا أكثر نجاحاً وظفر في الحياة من الأول. إن الخداع على تعدد أنواعه يستطيع أن يسود في أحيان كثيرة دون الاستعانة بالحق، ولكن الحق الخالص غير المشوب با لخداع لا يكون إلا قليل الغناء والأثر. ولا أعتقد أن هذا نتيجة طبع سيء فطرت عليه الإنسانية ولكنني أعتقد أنه ناتج من أن الحقيقة الخالصة الناصعة تكون غالباً ممتقعة غير جذابة. فلا بد للتأثير في الناس من أن نمزجها بالألوان ونكملها بالمبالغة والتفاخر وبذلك نستطيع أن نلقي في أذهانهم صوراً أسمى وأكثر من الحقيقة الواقعة. بل إن الطبيعة نفسها تعمل على خديعة الإنسان، فهي تمنحه الخيال والأوهام ولن يطيب له العيش فيها بل لن يطيقه ويسيغه بدونهما. - ٤ - يعتقد بعض الشباب أنهم ينالون استحسان غيرهم إذا ما تكلفوا هيئة الكئيب الحزين، قد تكون الكآبة المتكلفة مقبولة إلى قدر معلوم ولا سيما من النساء. ولكنما إذا كانت كآبة صادقة حقيقية فإن الناس لا يطيقونها ويفرون منها، ولا شيء أبهج وأدنى إلى الفوز في المجتمعات من طلاقة الوجه وبشاشة النفس وابتهاج الأسارير. فالحقيقة أن الناس إذا فرغوا من أحاديثهم كانوا - مع احترامي الشديد لأولئك الشبان - أميل إلى الضحك والجذل منهم إلى البكاء والتقطب. - ٥ - إن جهل الناس بالناس هو ذلك الذي لم يتعلم بعد أن أفرغ الكلمات وأخلاها من المعاني وأبعدها عن الصدق هي تلك المنح والوعود التي يدفعها الإشفاق والعطف أو حب المساعدة وإسداء الخير، مهما كان المصدر الذي قيلت منه. وكلما ظهرت هذه الكلمات بمظهر الأريحية والرغبة الصادقة وتكررت بحماسة وتأكيد كانت أدعى إلى قلة الثقة بها

стр. 3085

والارتياب في وفائها. فكن حذراً غير متسرع في قبول كل طلب ملح في خدمتك ومنفعتك ولو كان مصحوباً بأحر مظاهر المروءة والعطف. فإنك لو ركنت إلى هذا المظهر من الأريحية أو خدعت بهذا الإلحاح المتكرر وأقضيت بحاجتك لمن يريد أن يوليك الجميل لم تلبث أن تري وجهه امتقع وراح يغير في الحديث ويجيبك إجابات متقطع ويتركك أخيراً في حال غامضة مبهمة، ويكون حظك أسعد الحظوظ لو استطعت أن تقف له على أثر بعد هذه لمقابلة أو أن تسمع عنه شيئاً زمناً طويلاً. ذلك لأن الناس لا يرغبون كثيراً في إسداء الصنيعة إلى غيرهم، لأن إسداءها يورثهم مشقة وتعباً ولأن مصائب أصدقاؤنا لا بد تاركة أثر من الرضى في نفوسنا وإنما يرغب الناس حقيقة في الاشتهار بالمروءة والعطف واكتساب شكر الآخرين ودلهم عليهم بالغنى وعزة الثراء إذ يعرضوا عليهم المساعدة والجود. وفي أغلب الأحيان لا يكون الناس راضين عن العطاء ولكنهم راضون أن يعرضوا هذا العطاء، وكلما ازددت رفضاً وإباءاً ازدادوا إلحافاً ورجاء ليغنموا نتيجتين: جرح كبريائك ورجوعهم بعد رفضك غير ملزمين بما وعدوا. وبهذه الطريقة تراهم يتظاهرون بشجاعة غريبة بالاهتمام بالمسألة والرغبة في إنجازها دون أن يخافوا فضيحة أمرهم مؤملين أن يكسبوا من وراء ذلك اعترافات بالجميل دون أن يخسروا شيئاً، حتى إذا ما ظهرت من ناحيتك بادرة الإجابة إلى مطلبهم وقبول منحنهم ولوا منك فراراً!! - ٦ - لقد صدق لا. بروبير إذ قال أنه لا سهل على الكتاب السخيف أن يشتهر ويعظم أمره إذا كان مؤلفه مشهوراً من أن يشتهر كاتب وضع كتباً قيماً نفيساً. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك أن خير طريق لاكتساب الشهرة ربما كانت في أن يعلن الإنسان عن نفسه بثقة ومثابرة ويؤكد بكل الوسائل الممكنة أنه قد اكتسب تلك الشهرة فعلاً. - ٧ - ظن الإنسان الذي يصرح بمتاعبه وأحواله وبفتح قلب همومه وأحزانه مهما كانت منزلة أقواله من الصدق، إنما يهدم في الوقت نفسه صرح منزلته ومقامه في قلي أعز أصدقائه عليه. ولكن ينبغي للإنسان أن يتماسك لدى الخطوب ويثبت عند صدمات النوائب ويحتفظ
следующие страницы →