Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
فقاما ليتعانقا ثم تراجعا إلى الوراء وأخذ كل منهما يحدق في الآخر ويتدبره وكانا يبذلان الجهد ليجمعا من أطلال الزمن ودمن الماضي تلك الصورة التي كان يعرفها كل منهما في الآخر، ومثلما يوجد دقائق في الليالي الكدراء الممتلئة بالزوابع والأعاصير والسحب السوداء تومض فيها النجوم اللامعات خلسة وتختفي فكذلك كانت تنبعث لعينيهما الملامح الزائلة من الحواجب والعيون والشفاه وكانا كأنهما يريان شبابهما واقفاً على كثب منهما بين الدموع والبسمات فانحنى فرديناند ثم قبل يدها وتساقطت من عينيه دمعتان كبيرتان ثن تعانقا عناقاً قلبياً مخلصاً.
ثم قالت: هل توفيت زوجتك؟
فقال متنهداً إني لم أتخذ زوجة لي طول حياتي.
فقال وهي تضرب كفيها إذن أنا التي خنت عهدك - ولكن لا إني لم أكن خائنة فإني عند عودتي من الضواحي حيث أمضيت شهرين سمعت من كل أصدقائك وأصدقائي أنك رجعت إلى وطنك وتزوجت هناك وأطلعوني على خطابات منك تؤكد ذلك وتدعمه وكانوا يستفيدون من يأسي وحيرتي وغضبي ولهذا رضيت الزواج من آخر وكان يستحق مني ذلك ولكن أفكاري وقلبي كانا دائماً في حوزتك.
فقال فرديناند:
إني لم أترك هذا البلد ولكني سمعت بعد مضي زمن أنك تزوجت ولقد أرادوا أن يفرقوا بيننا وقد تم لهم ذلك ولقد صرت والدة سعيدة وإني سأعيش في الماضي وسأحب أولادك كأنهم أولادي ولكن ألا ترين شيئاً يبعث على الغرابة في أننا لم نلتق مرة قبل ذلك.
فقالت: -
لقد كان خروجي من المنزل نادراً وزوجي تغير اسمه بعد أن مضى على الزواج وقت قصير لميراث استحقه وبذلك كنت لا تستطيع أن تعرف أو أن يداخلك الظن من قربنا منك.
فقال فرديناند: - لقد كنت أحاشى الناس وعشت للانفراد والوحدة. وقد كان ليوبولد الشخص الوحيد الذي اجتلب انتباهي وحبب إلي الخروج إلى رفقائي بني الإنسان وإنه يا صديقتي المحبوبة كحلم مخيف مرعب أن نظن كيف افترقنا وكيف التقينا ثانيا.
стр. 3082
ولما دخل الصغار كان يبكيان وكانا في تأثر شديد ولم يقل أحدهما عما حدث فلقد كان السر جليلاً مقدساً وبعد ذلك كان الرجل الهرم صديق العائلة ولقد التقيا في شكل غريب ليرتبطا رابطة لانفصم عروتها ولا تحل عقدتها ولم يفرق بينهما إلا محتوم الموت.
تمت القصة
стр. 3083
خواطر ليوباردي
الكونت جياكو موليو باردي أكبر كتاب إيطاليا وشعرائها بعد دانتي. فضله أرنولد - النقادة الانجليزي العظيم - على اللورد بيرون من حيث الكتابة والأسلوب وغزارة الاطلاع والقدرة الفنية، وفضله أيضاً على وردزورث من حيث القوة الشعرية. وقد عاش ليوباردي في أوائل القرن الماضي عيشة معذبة يلاقي الأمرين من اعتلال صحته وسوء معاملة أبيه إياه. ومات وهو في الثامنة والثلاثين، وقد خلف كتباً كثيرة وأشعاراً طويلة ممتلئة بالحزن والكآبة والسخط والألم، ناظراً إلى الحياة نظرة سوداء، غير واجد في المجتمع إلا البؤس والشقاء، وتعد خواطره هذه من أبدع ما كتبه الكتاب من عهد باسكال وبيكون إلى اليوم.
- ١ -
كان الفيلسوف شيلو الذي يعد أحد حكماء اليونان السبعة الذي يقول أنه ينبغي لمن أوتوا بسطة في الجسم أن يكونوا ذوي شمائل عذبة وأخلاق لبينة رقيقة كي يوحوا إلى الناس عاطفة الحب لهم لا الخوف منهم. وكذلك أقول أنه ينبغي لمن أوتوا الأذهان العظيمة أو المواهب الكبيرة أن يعملوا دائماً أبداً على التلطف وحسن المعاشرة، إن لم أقل التواضع الحقيقي لمن حولهم. ينبغي أن يتذكروا عظيم الجريمة التي يجب أن يكفروا عنها، وعناد العدو الذي يجب عليهم إرضاؤه - فالأول تفوقهم، والثاني حسد الناس لهم! وكذلك كان يعتقد القدماء إذا ما رأوا أنفسهم في أوج الرفاهة والنعيم، أنه ينبغي لهم إرضاء آلهتم، فكانوا يقدمون على التضحية وامتهان النفس وتعذيبها تكفيراً عن شيء قلما يكفرون عنه، وهو التنعم والسعادة.
- ٢ -
إن المجتمع مهما تعددت طبقاته يرجع إلى قسمين: نفر قوي يتحكم وآخر يشقى من جراء هذا الحكم. وما من قانون أو قوة تستطيع أن تمنع هذه الظاهرة. بل إن الناس مهما تقدمت المدنية وارتقت الفلسفة لا بد منقسمون إلى هاتين الطبقتين. فعلى الذين يستطيعون الخيرة أن يختاروا ما يشاؤون وإن كانت الحقيقة أن الجميع لا يملكون هذا الاختيار في جميع الأوقات.
- ٣ -
стр. 3084
ليس هناك حرفة كحرفة الأدب ناضبة المعين غير مجدية محترفها شيا. ولكن للتدليس في هذا العالم قوة تستطيع أن تجعل حتى حرفة الأدب منتجة مثمرة. إن الخداع هو روح الإنسانية وعنصرها الحي القوي. وما من موهبة أو فضل لا تسعين به بقادرة على أن تؤثر في قلوب الناس تأثيراً صحيحاً أو كاملاً. وإنك لا تكاد تختبر رجلين أحدهما ذو مواهب صادقة في أي عمل من أعمال الحياة والآخر ذو مواهب داعية، إلى وجدت هذا أكثر نجاحاً وظفر في الحياة من الأول. إن الخداع على تعدد أنواعه يستطيع أن يسود في أحيان كثيرة دون الاستعانة بالحق، ولكن الحق الخالص غير المشوب با لخداع لا يكون إلا قليل الغناء والأثر. ولا أعتقد أن هذا نتيجة طبع سيء فطرت عليه الإنسانية ولكنني أعتقد أنه ناتج من أن الحقيقة الخالصة الناصعة تكون غالباً ممتقعة غير جذابة. فلا بد للتأثير في الناس من أن نمزجها بالألوان ونكملها بالمبالغة والتفاخر وبذلك نستطيع أن نلقي في أذهانهم صوراً أسمى وأكثر من الحقيقة الواقعة. بل إن الطبيعة نفسها تعمل على خديعة الإنسان، فهي تمنحه الخيال والأوهام ولن يطيب له العيش فيها بل لن يطيقه ويسيغه بدونهما.
- ٤ -
يعتقد بعض الشباب أنهم ينالون استحسان غيرهم إذا ما تكلفوا هيئة الكئيب الحزين، قد تكون الكآبة المتكلفة مقبولة إلى قدر معلوم ولا سيما من النساء. ولكنما إذا كانت كآبة صادقة حقيقية فإن الناس لا يطيقونها ويفرون منها، ولا شيء أبهج وأدنى إلى الفوز في المجتمعات من طلاقة الوجه وبشاشة النفس وابتهاج الأسارير. فالحقيقة أن الناس إذا فرغوا من أحاديثهم كانوا - مع احترامي الشديد لأولئك الشبان - أميل إلى الضحك والجذل منهم إلى البكاء والتقطب.
- ٥ -
إن جهل الناس بالناس هو ذلك الذي لم يتعلم بعد أن أفرغ الكلمات وأخلاها من المعاني وأبعدها عن الصدق هي تلك المنح والوعود التي يدفعها الإشفاق والعطف أو حب المساعدة وإسداء الخير، مهما كان المصدر الذي قيلت منه. وكلما ظهرت هذه الكلمات بمظهر الأريحية والرغبة الصادقة وتكررت بحماسة وتأكيد كانت أدعى إلى قلة الثقة بها
стр. 3085
والارتياب في وفائها. فكن حذراً غير متسرع في قبول كل طلب ملح في خدمتك ومنفعتك ولو كان مصحوباً بأحر مظاهر المروءة والعطف. فإنك لو ركنت إلى هذا المظهر من الأريحية أو خدعت بهذا الإلحاح المتكرر وأقضيت بحاجتك لمن يريد أن يوليك الجميل لم تلبث أن تري وجهه امتقع وراح يغير في الحديث ويجيبك إجابات متقطع ويتركك أخيراً في حال غامضة مبهمة، ويكون حظك أسعد الحظوظ لو استطعت أن تقف له على أثر بعد هذه لمقابلة أو أن تسمع عنه شيئاً زمناً طويلاً.
ذلك لأن الناس لا يرغبون كثيراً في إسداء الصنيعة إلى غيرهم، لأن إسداءها يورثهم مشقة وتعباً ولأن مصائب أصدقاؤنا لا بد تاركة أثر من الرضى في نفوسنا وإنما يرغب الناس حقيقة في الاشتهار بالمروءة والعطف واكتساب شكر الآخرين ودلهم عليهم بالغنى وعزة الثراء إذ يعرضوا عليهم المساعدة والجود. وفي أغلب الأحيان لا يكون الناس راضين عن العطاء ولكنهم راضون أن يعرضوا هذا العطاء، وكلما ازددت رفضاً وإباءاً ازدادوا إلحافاً ورجاء ليغنموا نتيجتين: جرح كبريائك ورجوعهم بعد رفضك غير ملزمين بما وعدوا. وبهذه الطريقة تراهم يتظاهرون بشجاعة غريبة بالاهتمام بالمسألة والرغبة في إنجازها دون أن يخافوا فضيحة أمرهم مؤملين أن يكسبوا من وراء ذلك اعترافات بالجميل دون أن يخسروا شيئاً، حتى إذا ما ظهرت من ناحيتك بادرة الإجابة إلى مطلبهم وقبول منحنهم ولوا منك فراراً!!
- ٦ -
لقد صدق لا. بروبير إذ قال أنه لا سهل على الكتاب السخيف أن يشتهر ويعظم أمره إذا كان مؤلفه مشهوراً من أن يشتهر كاتب وضع كتباً قيماً نفيساً. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك أن خير طريق لاكتساب الشهرة ربما كانت في أن يعلن الإنسان عن نفسه بثقة ومثابرة ويؤكد بكل الوسائل الممكنة أنه قد اكتسب تلك الشهرة فعلاً.
- ٧ -
ظن الإنسان الذي يصرح بمتاعبه وأحواله وبفتح قلب همومه وأحزانه مهما كانت منزلة أقواله من الصدق، إنما يهدم في الوقت نفسه صرح منزلته ومقامه في قلي أعز أصدقائه عليه. ولكن ينبغي للإنسان أن يتماسك لدى الخطوب ويثبت عند صدمات النوائب ويحتفظ
стр. 3086
بكرامته الشخصية وبذلك يرغم الآخرين على احترامه ويحملهم على الإعجاب بمتانة خلقه وعظمة نفسه. فإجلال الشخص نفسه إن لم يبدأ أولاً في قلب الإنسان فإنه لم يخلق في قلوب الآخرين. وإذا لم يكن الإنسان ذا شعور خاص بكرامة نفسه فإنه يجد هذه لكرامة في مكان آخر.
- ٨ -
إن الناس يضحكون غالباً مما يعجبون به كالثعلب الذي يحكم بحموضة العنب الذي يوده ولا يقدر عليه! فالناس أشوق ما يكون إلى الظفر بالحب العميق الصادق مع ما فيه من حزن وفرح وهم في الوقت عينه يحملون عليه ويوسعونه ذماً. وكذلك العاطفة الشريفة أو العمل العظيم الحليق بالإعجاب والإجلال يكتم الناس شعورهم نحوه لا يعترفون به. ولا سيما إذا كان من استحق منهم هذا الإعجاب هو من أصحابهم وطبقتهم فيرون من لهوان على أنفسهم أن يقروا له بذلك الإعجاب والاحترام ويعمدون إلا السخر منه والتحقير به. وهذا العمل مطرد في حياة الإنسانية في كل يوم حتى أصبح من الضروري للإنسان أن يعمل على إخفاء كل مكرمة ونبل أكثر مما يعمل على إخفاء هفوة أو رذيلة. ذلك لأن الرذيلة على ما يظهر هي مبدأ السواد لأعظم من الناس فهم يغفرونها ويصفحون عنها على حين أن المكرمات والعظائم أعمال غير مألوفة ولا شائعة فيقابلونها بالشك والارتياب.
- ٩ -
ليس شيء أدعى إلى السخرية والغرابة كتعمد الناس أن يظهروا على غير حقيقتهم. فالفقير والجاهل والقروي والمريض والعجوز كل أولئك لن يكونوا أبداً موضعاً للغمز والاستهزاء والسخرية ما داموا لا يحاولون الظهور بغير ما هم عليه. ولكن العجوز إذا تصابى والفقير إذا ادعى الغنى والريفي إذا تحضر والمريض إذا تظاهر بالصحة والجاهل إذا ادعى العلم فإنهم يصبحون جميعاً خليقين بالسخرية والاستهزاء ومبعثاً للفكاهة والضحك. من ذلك يتضح لنا أنه ليست معايبنا ونقائصنا هي سبب الضحك والسخرية ولكنه تكلف إخفائها والتظاهر بخلافها.
- ١٠ -
إن الذين لا يغامرون بأنفسهم في المجتمعات والمجالس فلما يكونون من أهل الوحشة
стр. 3087
وكارهي الإنسانية. فإن المبغض الحقيقي للبشرية إنما تعثر عليه في مزدحم المجتمعات والمجالس لا في مجاهل الأرض وفلواتها. لأنه ليس هي الفلسفة والتفكير بل التجاريب والمشاهدات التي تولد في قلب الإنسان بغض البشر وكراهة النوع الإنساني - ذلك وأن ما من إنسان كاره لأخيه الإنسان انصرف إلى الوحشة والعزلة والانفراد إلا خبت في قلبه شعلة ذلك البغض وانطفأت تلك الحفيظة.
- ١١ -
قد مرت بالإنسانية عصور لم تحدث أثراً في عالم الفنون والآداب بل ولا في غيره من عوالم التهذيب والعرفان ولكنها كانت مع ذلك سبباً في إشعال نار الثورة في كل شيء في العصور التي تلتها.
- ١٢ -
إن النوابغ وأصحاب العقول الكبيرة قد يصبحون على مر الزمن غير مهتمين ولا مكترثين بالشهرة والمديح والهتاف الذي يعلو من أجلهم. ولكنهم لن يغضوا الطرف أبداً عن النقد والطعن الذي يوجه إليهم. فالحقيقة أن كل الإجلال والإعظام والثناء الذي يظفر به أولئك العظماء لا يجزيهم شيئاً عن الألم الشديد الذي يحسونه من نقد قارص أو كلمة واحدة لاذعة ربما رصدت من إنسان لا يقام له وزن ولا رأي. وعلى العكس من ذلك ترى الرجال المغمورين والخاملين الذين ألفوا النقد وعدم الاكتراث لا يتألمون ولا يتعذبون، وتراهم فرحين مبتهجين بالثناء الذي لم يألفوه إذا جادت عليه الأيام بشيء منه.
- ١٣ -
ليس الموت شراً لأنه ينقذ الإنسان من كل الشرور. وإن في الحرمان بعده من تناعم الحياة ولذائذها لاطفاء لرغباتنا إليها. ولكن الشيخوخة هي الشر المحض إنها بينما تحرم الإنسان من لذاته لا تطفئ رغباته، وتورثه الآلام والأحزان. لكن الناس يخشون الموت ويطلبون الشيخوخة.
стр. 3088
شهداؤنا الاثنا عشر
خلدوا تاريخهم بين السير ... وارفعوهم فوق أقدار البشر
واقطعو من جلدنا أكفانهم ... واجعلوا أهدابنا خيط الإبر
واغسلوا من دمعنا أجسادهم ... وادفنوهم بين سمعي والبصر
في هوى النيل هوت أقمارنا ... من سما (دُجنا) وأرداها الخطر
فإذا مصر في ظلام حالك ... تستغيث الله من وقع الخبر
مادت الهرام حزناً وأسىً ... وأبو الهول من الهول زأر
لا ترى في الناس إلا باكياً ... مذ بكى العلم عليهم وانفطر
* * *
مجّدوا تلك الضحايا واقرأوا ... آية الإخلاص في تلك السور
لم تكن هجرتهم من أرضهم ... عن جفاء بيننا أو عن بطر
إنما هجرتهم للعلم كي ... ينهلوا من ورده حيث انهمر
فإذا الموت (بدجنا) رابض ... في انتظار الركب إذا وفى ومر
فدهاهم فوق جسر ومضى ... حاملاً أراوحهم الاثنى عشر
* * *
يا بقايا همة ناهضة ... سوف يبقى بيننا هذا الأثر
كلما مر عليكم ناشئ ... جدد العهد وحيى وادكر
مصر أولى بالضحايا إنها ... أمهم أحنى عليهم وأبر
جشموا أنفسهم من أجلها ... غربة كانت عذاباً للأسر
فّا ما استشهدوا في حبها ... كان في أقصائهم إحدى الكبر
بل هنا في مصر في أحضانها ... ينبغي أن ينعموا بالمستقر
وبإيطاليا ارفعوا ما شئتم ... أثراً بالقرب من ذاك الممر
* * *
أيها المصري لا تهلك أسىً ... كل شيء في كتاب مستطر
حكمة بالغة بل عبرة ... لو وعاها المرء منا لاعتبر
كم غريب آب من أسفاره ... بعد ما أمسى شهيداً وانقبر
стр. 3089
ومقيم هب من رقدته ... بسلم الروح على متن السفر
في التوابيت شباب ناهض ... رلزل القطرين لما أن عثر
في التوابيت رجال صمدوا ... في قتال الدهر لما أن غدر
في التوابيت كرام أنفقوا ... عمرهم في رفعة النيل لأعز
في التوابيت هنا أكبادنا ... أودعوها في الحشا لا في الحشر
في التوابيت وما أدراكم ... ما التوابيت ضحايا المؤتمر
* * *
يا شباب النيل سر نحو العلا ... رافع الرأس وجده ما اندثر
وأين كالأهرام مجداً خالداً ... ليس تلبيه الليالي والغير
أمة مظلومة من خلقكم ... لا ترى ذون الورى أن تحتقر
* * *
أمة النيل تأسي واصبري ... واشتري صفو الليالي بالكدر
واحمدي الله على أحكامه ... يرحم الموتى ويجز من صبر
محمد نجيب الفرابلي المحامي
стр. 3090
تفاريق
النساء في انكلترا
دارت رحى الحرب الأوربية، واستغرقت نيرانها خمسة أعوم طوال، حصدت فيها ملايين النفوس البريئة من الطرفين، إذ كانت الأمم المتمدينة تقذف في سعيرها بأقوى رجالها وخيرة شبابها بلا حساب ولا مبالاة. وما كادت الحرب تضع أوزارها حتى رأى العالم من ذيولها أهوالاً ومشاكل - دولية واقتصادية واجتماعية - لا تقل في فظاعتها وتعقدها عن أهوال الحرب نفسها ومشاكلها.
ومن أكبر تلك المعضلات التي تشغل الآن بال المفكرين وأولياء الأمور في البلاد الأوروبية عامة وانجلترة خاصة هي مسألة آلاف الآلاف من النساء اللاتي أصبحن ولا أمل لهن في الزواج لقلة الرجال، والقوم في حيرة حيال ذلك، وإليك بعض ما جاء في إحدى المجلات الانجليزية بهذا الصدد، قال الكاتب: -
بينما كان مندوب إحدى الجرائد ماراً في شارع أستراند، خطر له أن يلاحظ نسبة الرجال إلى النساء، فوجد في خلال ربع ساعة أن قد مر به ٢٣٠ امرأة، ٥٨ رجلاً ولقي كذلك في عربة من عربات الترام ٢٢ امرأة وستة رجال فقط.
ومعلوم أن النساء عندنا يربون قبل الحرب على الرجال بمليون امرأة أما الآن فقد صار النساء يزدن على الرجال بمليوني امرأة.
لقد جاهر الكثير منا يعني الانجليز بأن ليس ثم أي دواء لتلك الحال. ولكن لماذا؟ إن هنالك ممالك كثيرة هي في حاجة إلى النساء - خصوصاً في مستعمراتنا - فأستراليا مثلاً تحتاج إلى ٢٠٠ ألف امرأة حتى يتساوى عدد الفريقين وكندا إلى ١٣٠ ألف امرأة لنفس السبب، كما أن جزائر (فوكلاند) تحتوي على ١٢٠٠ رجل و ٨٠ امرأة فقط وفي ترينيدار ١٣٦ ألف رجل و ١١٩ ألف امرأة.
أجل إني أرى أن المهاجرة إلى المستعمرات هي أفضل الوسائل وأمثلها لمعالجة حالتنا الحاضرة. . . . .
* * *
معلومات صغيرة
стр. 3091
- لو أذيب جميع ما في العالم من ذهب لأمكن احتواؤه في غرفة طولها سبعة أمتار وعرضها كذلك وارتفاعها خمسة أمتار.
- كان للمدينة تأثير عظيم في أعمار الخيل ففي أيام وحشيتها الأولى كان الحصان يعيش ما بين ٣٦ إلى ٤٠ سنة. أما الآن فالجواد الذي يبلغ الخامسة والعشرين يعد مسنّاً.
- إذا عاشت الدجاجة عيشة صحية، فإنها تضع من ٣٠٠ إلى ٥٠٠ بيضة في حياتها. وأكثر ما تبيض الدجاجة في سنتها الثانية.
- يعرف الآن نحو٢٠٠٠ نوع من أنواع النمل. . . . والنملة تستطيع أن تسير بحمل يزن أضعاف وزنها هي، وليس لمخلوق آخر هذه القوة!
- أول من تعلم أن يسوق سيارته بنفسه هو ملك إيطاليا
- لا تسنح الفرص الكبيرة إلا لمن ينتفع بالفرص الصغيرة.
стр. 3092
العدد ٥٥ - بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩٢٠
стр. 3093
عجز الذهن البشري
عن إدراك خفايا الأشياء
للعلامة الفيلسوف الأمريكي البروفيسير وليم جيمس
إن أحكامنا عن قيم الأشياء وأقدارها - صغيرة كانت أم كبيرة - تتوقف على ما تثيره هذه الأشياء في نفوسنا من الإحساسات والعواطف، فنحن إذا وصفنا شيئاً بالنفاسة بناء على الفكرة التي نكونها عنه فما ذلك إلا لأن هذه الفكرة ذاتها تكون مقرونة بإحساس خاص. ومعنى هذا لو أننا لو كنا بفطرتنا عديمي الإحساسات وكانت الفكرة هي كل ما يمكن أنة يقوم بنفوسنا من أشياء هذا الوجود. إذن لفقدنا كل ما نسميه شهوات ومكاره وأصبحنا عاجزين عن أي شيء من الأشياء هذا أنفس وأهم من ذلك.
وبعد فإن عجز الذهن البشري عن إدراك خفايا الأشياء الذي هو موضوع مقالنا هذا هو عجزنا جميعاً عن إدراك ما يقوم بنفس كل إنسان سوانا من والاحساسات العواطف المتسببة عن أشياء هذا الوجود.
نحن أشخاص عمليون لكل واحد منا وظائف وواجبات محدودة. كل منا مدفوع بالفطرة إلى أن يشعر أتم الشعور بأهمية واجباته وبخطورة الأحوال والظروف التي تستدعي هذه الواجبات. ولكن هذا الشعور يكون في كل واحد منا سراً حيوياً مكنوناً مكتوماً في خزائن صدورنا لا يمكننا إيقاف الغير على حقيقة؟؟؟؟ ومقجاره، إذ كنا عبثاً نحاول من الغير أن يشاركونا في هذا الشعور أو ينظروا إليه بالعين التي بها إليه ننظر أو يزنوه بالميزان الذي به نزنه. وذلك لأن هؤلاء الغير مشغولون عنا تمام الانشغال بأسرارهم الحيوية وقد بلغ من فرط اهتمامهم بخفايا وجداناتهم ومكنونات صدورهم ما لا يستطيعون معه اهتماماً بخبايا عواطفنا ودقائق أسرارنا، ومن ثم ما تراه من خطأ أحكامنا حين ترانا ندعي القدرة التامة على تكييف أحوال الغير واحساساتهم وتقدير مرمى أغراضهم وغاياتهم. وقيم مشتهايتهم ومبتغياتهم.
ولنضرب لك مثلاً على ذلك شأننا مع كلابنا. ألا ترى أنه ما يربطنا بهذه المخلوقات من عروة تلك المودة التي هي أوثق من معظم ما يرى في هذا العالم من الصلات والروابط - فنحن وهم أعني الكلاب في ماوراء هذه الصلة الودية العاطفية - كلانا غافل تمام الغفلة
стр. 3094
عن كل ما يحب الحياة إلى الآخر يجعل لها قيمة ووزناً. فأما نحن فغافلون عن فرط لذة العظام تحت الأسوار والجدران وعن روائح الأشجار وعمدان المصابيح وأما هم أعني الكلاب فغافلون عن ملاذ الكتب والقراءة والمباحث الفلسفية والفنون الجميلة. فأنت إذا جلست مكباً على قراءة أمتع ما صادفت من الروايات والقصص ترى ماذا يكون رأى كلبك في سلوكك نحوه إذ ذاك وما ترى حكمة على خطتك معه وموقفك إزاءه إما أنه مع ملية إليك وعطفه عليك فإن منه حالتك إذ ذاك ومعنى سلوكك يكون مما يقع وراء دائرة فهمه ودون نطاق إدراكه. ما معنى جلوسك كالتمثال أو الصنم فاقد الحس والشعور معدوم الحركة في حين كان الواجب عليك والمتوقع منك أن تخرج به للتنزه في الغابات لملاعبته ومداعبته تقذف العصى والعيدان في الماء ثم تأمره بالتقاطها وهلم جرّا!
ما معنى هذا المرض العجيب الذي ينتابك كل يوم في ساعة مخصوصة - مرض تناول الأشياء وإمساكها بين يديك وإدامة النظر إليها الساعات المتوالية وأنت ثناء ذلك فاقد الحركة مسلوب الحس قد زال عنك كل دليل على أنك حي ذو روح.
إن همج أفريقيا كانوا أقرب إلى الحقيقة من هذا الكلب الذي لا يفهم أدنى شيء من حقيقة حال صاحبه وهو مكب على القراءة، حين ازدحموا متعجبين حول أحد سياح الأمريكان وقد ظفر بعدد من جريدة الأميركان أدفر تيراز وأكب عليها يلتهم سطورها. وذلك أنه ما كاد يفرغ منها حتى أقبل عليه أولئك الهمج المتوحشون فأخذوا يسامونه في هذا العدد من الجريدة المذكورة وعرضوا عليه ثمناً غالياً جداً في ذلك الشيء الغريب المجهول.
فلما سألهم فيم ولوعهم بهذا الشيء ولم يطلبونه قالوا إنما نريده دواء للهين إذ م يستطيعوا أن يؤولوا إلا على هذا الوجه معنى ذلك الحمام البصري، البطيء الذي أعطاه ذلك الأمريكي لعينه على سطح ذلك الشيء (أي على صفحات الجريدة).
والواقع أن كل عمل من أعمال الحياة يبعث في الإنسان فرط الاشتياق إلى مزاولته وشدة الرغبة في إنجازه وإدراك غايته وكل أسلوب من العيشة يكون مشفوعاً بتوقد الحركة وجيشان الهمة وتحفز العزيمة وبالولوع والتطلع والتشوق والتلهف فهذا هو الذي يكون ذا أهمية وقيمة - وهذا التطلع والولوع والتلهف قد يكون متصلاً بالحواس أو بالنشاط العضلي والعصبي أو بالمخيلة أو بمملكة التأمل والتفكر - وعلى كل حال فهو حيثما يوجد
стр. 3095
يكون مقروناً باللذة والمتاع - وليس الا معه تكون شهوة الحياة وتوقد جمرتهما ولآلاء بهجتها. وتدفق موجها. وتدفع لجها. وهنا الأهمية والخطورة والقيمة والنفاسة.
ولقد أوضح الكاتب الشهير روبرت لويز ستيفنسون هذا المعنى بأبدع مثل وأروعه في مقالة أعتقد حقاً أنها جديرة بالخلود جزالة معنى وسداد حكمة ورشاقة معرض وحسن سلوك قال هذا الكاتب البديع:
في نهاية شهر سبتمبر حينما يدنو ميعاد عودة الطلبة إلى المدارس ويأخذ الليل في اشتداد الحلك كنا نخرج من بيوتنا ليلاً حاملين تلك المصابيح الصفيحية المسماة (عين الثور) - وكانت هذه المصابيح من الشيوع والاشتهار بحيث أصبحت من أهم متاجر الجزائر البريطانية. ففي ذلك الأوان كانت حوانيت التجار تعرض في نوافذها تلك المصابيح. فكنا نشتريها ونشدها في وسطنا معقودة في مناطقنا فكانت تفوح منها رائحة الصفيح المحرق. وكان ينبعث لها لهب لا يصلح لإضاءة وأنما يصلح لإحراق أصابعنا.
وكان لا فائدة له وكانت لذتها خيالية فقط. غير أن الغلام الذي يحمل مثل هذا المصباح كان يحسب أنه ملك الدنيا بحذافيرها. فليس وراء ما قد بلغه غاية. وكأننا في هذا كنا ننتظر من طرف خفي إلى عادة الأجيال الغابرة وإلى ما كنا نقرؤه في الأقاصيص عن تلك العصور العجيبة - ولكن مهما يكن من مصدر هذه الفكرة فلقد كان متاعها عظيماً. وكان المصباح الصفيحي عين الثور أقصى أماني الغلام وغاية مأمولة.
وألذ ما في هذه اللذة أن الغلام كان إذا ركب المصباح في منطقته زر فوقه معطفه (البلطو) فخبأه تحته وحجب سناه وكتم شعاعه ثم انطلق في سبيله في الظلام الدامس فإذا التقى اثنان من أولئك الغلمان نادى الواحد الآخر أمعك مصباحك فيجيب الثاني أجل وفيها الكفاية. وذلك أنه لما كانت القاعدة في هذا الشأن أن يحجب الغلام نوره الباهر. وكوكبه الزاهر. كان لا يمكنك أن تعرف حامل المصباح إلا برائحته فكأنه في ذلك قطة الزبد لا تعرف إلا بعبق رياها. وأرج شذاها. فكان الغلام يعتسف الدجى مزرور الساء. مضموم الرداء. لا يتسرب شعاع من سناه. ولا يفلت بريق من ضياه ولا يتسلل من نوره الوهاج أدنى بصيص يسدد خطاه. ويضيء مراه. - فكأنه وسط الظلام عمود من الظلام. فاللذة كلها والطرب والنعيم في هذا وفي اعتقادك في أعماق ذهنك الأبله المعتوه أنك تحمل تحت
стр. 3096
كسائك مصباح عين الثور وفي فرط جذلك وطربك لهذا الاعتقاد.
لقد جاء في حكمة المتقدمين أن كل طفل شاعر وأن كل رجل مهما بلغ من جموده وجفائه ومن غلظته وقسوته فإنه يحمل في صميم قلبه قبر ذلك الشاعر الذي كأنه أيام هو صبي لاعب. على أنه يصح لنا القول بأنه لا يزال كل رجل مهما غلظت طباعه وجفت أخلاقه يضم بين جوانجه ويحمل في أعماق قلبه شاعراً حياً يعيش ويجيش ويلهو ويلعب تحت ظاهر الجامد القاسي - وهذا الشاعر الحي المتوقد في قلبه هو متعة حياته ولذة عيشه ومصدر ذاته ومبعث مسراته - أو هو كما يقال بهارى هذه الحياة وتوابلها وهو ترياقها وأكسيرها. وهو أريجها وعبيرها. وهو مجمرتها الفواحة بالطيب والشذا، التفاحة بالمسك والعنبر. ولقد أرى الناس يغفلون أو يتغافلون عما لا يبرح الإنسان يحمله في فؤاده حتى عهد المشيب والشيوخة - بل حتى يواري في ثرى رمسه من معاني الطفولة وخرافات الخيال وأخاديع المني وزخارف الأوهام والأحلام. فأنت إذا نظرت إلى حياته من الظاهر لم تلقها سوى كوخاً حقيراً من الطوب والآحر. فإذا استبطنتها وأفضيت إلى جوفها فلعلك واجد في صميمها غرفة ذهبية يرتع فيها الرجل ويمرح ويختال في برد ملفوف من نسيج أوهامه. ويرفل في وشي منمنم من غزل خرافاته وأحلامه. ويسحب مثل ذيل الطاووس من صنعة أباطيله. وينشر مثل أجنحة الملائكة من حوك أخاديعه وأضاليله. وفيها ينعم ويلهو. ويصدح ويشدو. ويجذل ويطرب. ويزهي ويعجب. ويمتع نفسه خيالاً بكل ما حرمه حقيقة ويستوهب من أكف الأوهام السخية السجيجة. أضعاف ما ضنت به الحقائق البخيلة الشحيحة، فإذا أبصرت طريقه في الحياة اسودت أرجاؤه وتكلفت ظلماؤه. فاعلم أنه يحمل في منطقته وتحت ردائه مصباح عين الثور.
لقد سمعت حكاية خرافية قرعت حبة فؤادي ومست صميم روحي. وهي حكاية الراهب الذي ولج بعض الغابات فسمع طائراً يغرد فلبث يصغي دقيقة أو اثنتين ثم عاد من حيث أتى فلما انقلب إلى الدير بالمدينة وجد نفسه غريباً بين أهله وسكانه من الرهبان ثم علم أنه قد غاب من الغاب مدة خمسين عاماً خيل إليه أنها دقيقتان. فعلم - هداك الله - أن هذا الطائر ليس مقصوراً على الغابة ولكنه كائن في حياة كل إنسان يكمن منها في أعماقها وأغوارها حيث لا بني يهتف ويغرد فلا يسمعه إلا هذا الإنسان وقد غفل عنه سائر الناس
стр. 3097
طرا. فالحمال المسكين الذي يرزح تحت حمله من أجل درهم - إنه والله ليسمع أغاريد هذا الطائر فيبتهج في أعماق نفسه ويطرب وأنت تحسب أنه ليس على أديم الأرض أبأس منه ولا أشقى. ولقد أمكنني بغير واسطة سوى مصباح عين ثور أيام طفولتي أن أستثير هذا الطائر من عالم الخيال فاستمتع ما شئت بمطارب ملاحنه وأنا ذلك الطفل المعدم المسكين الرث الملابس يخالني الناظر فريسة الوجاع والآلام. واليتيم في مأذبة اللئام. فحياة الإنسان مؤلفة من عنصرين - أولهما البحث عن مكان هذا الطائر وثانيهما الإصغاء إلى أغانيه. فمعرفتنا هذه الحقيقة وذكرانا لتلك الساعات الهنيئة التي كنا فيها ننصت إلى أغاريد الطائر هما اللذان يملآننا عجباً عندما ننظر في قصص الروائيين الوقعيين وذلك أن كل ما تجده في هذه القصص هو الجزء الظاهر لك من حياة الأشخاص - وهذا في الغالب لا يكون إلا المؤلم الموجع المضيض القفر الموحش المجدب. فأنت في تلك الروايات لا ترى الحياة إلا مؤلفة من الطوب والطين والوحل والخشب والحديد ورخيص الشهوات وحقير المخاوف والآمال - وكل ما يخجلنا أن نذكره وكل ما لا يهمنا أن ننساه - فأما أغاني ذلك الطائر المغتال لدولة الزمن الفيحاء فلا نسمع لها خبراً. ولا نبصر لها أثراً.
أرأيت إذ عثرت أثناء قراءة بعض تلك القصص الوقعية على قطعة نصف لك حال غلام مثلي أيام طفولتي يسير في الظلماء رث الثياب سيء الحال مجوّعاً مقروراً تقذفه السماء بنبالها الصائبة. وتضربه النكباء بسياطها القاضبة. أكنت واجداً في هذه الصورة سوى ما تصف لك من بؤس ذلك الغلام وكربته. وما تصور لك من مسكنته وذلته. ولكن هذه هي الحقيقة كلا هذا ما قد حسبه مؤلف القصة المضلل وما يظنه القراء الغافلون أنه الحقيقة. ولكن هؤلاء لم يبصروا سوى الظاهر الكذاب. وقد خفي عنهم الباطن والسر واللباب. فسل الغلام نفسه ينبئك أنه في جنة من النعيم أساسها هو ذلك المصباح الكريه الرائحة.
والواقع أن سر سعادة امرئ ومنبع سروره هو أعقد من المشكلات. وأعوض المعضلات. ومما لا يكاد إنسان مهما نفذت بصيرته. وثقبت بديهته. أن يستطيع الوقوف عليه. والاهتداء إليه فهذا السر والعلة الخفية قد تتعلق على أوهى من خيط العنكبوت من الوسائط الخارجية كمصباح عين الثور وقد تكون كامنة في خفايا نظام العقل وجوهر النفس وتركيب الروح وهي (أعني العلة الخفية في سعادة الإنسان) لا يكاد يكون لها روابط
стр. 3098
بالأشياء الظاهرية - بل ربما لم يكن لها بتلك مساس البتة. حتى ترى أن عيشة الإنسان التي قد قبلها وارتضاها من القدر هي بحذافيرها خارجة عن منطقة الحقائق واقعة في دائرة الخيال، وفي هذه الحال يكون نهر اللذة في حياة المرء هو مما يجري تحت الثرى والأديم فأعين الناظرين البله المغفلين (أني لأرحمنهم رحمة واسعة لغرورهم وغفلتهم) لا تأخذ إلا ظاهر الأمر ولكنها عن مكنون الحقيقة عمية مكفوفة. لأنها لا تنظر إلا إلى الرجل. . . ومن نظر إلى الرجل كان بخيبه الظن وفساد الرأي مليئاً جديراً. لأن عين الناظر في هذه الحال لا تصيب من الإنسان إلا ما يماثل الساق من الشجرة الباسقة - فهو لا يرى إلا واسطة التغذية ومصدر القوت للإنسان فأما الإنسان ذاته فهو في عليا طبقات الجو وسط قبة الورق الخضراء ينعشه بمراوحها الهفهافة أيدي النسيم. وتطرب نغمات ألحان البلبل الرخيم. فالمذهب التأليفي الحقيقي هو في الواقع ليس سوى مذهب الشعراء (الذي يعده الناس خطأ نقيضاً للمذهب الحقيقي) فإنك ترى الشاعر يتغلغل بين الأغصان والقضبان وراء الإنسان الحقيقي المستتر كما قلنا في عليا طبقات الجو وسط قبة الورق الخضراء، وما أن ينى يرتقي ويتسلق كأنه السنجاب حتى يسمو إلى حيث يستطيع أن ينال لمحة من الفردوس السماوي الذي ينعم فيه الإنسان الحقيقي ويتلذذ. أجل إن المذهب الحقيقي مازال أبداً مذهب الشعراء - إذ ينقبون عن مكنون موضع اللذة ويفتشون عن محجوب مستقر الطرب ثم يجعلون لهذا الطرب صوتاً فوق مرتبة الغناء. ووراء أقصى غاية الموسيقى.
فإن الطرب هو سر السعادة فإذا فاتك الطرب فقد فاتك كل شيء. والطرب الذي يجد المرء في مباشرة أي عمل هو الذي يحعل لهذا العمل معنى وغاية وغرضاً وقيمة ووزناً. فهذا بيان الأمر - وهذا عذر كل امرئ في كل ما يباشر من الأعمال ألا ترى أن الذي لم يقف على سر المصباح لا يستطيع أن يدلاك حقيقة ما يجده الغلام حامل المصباح من اللذة الخفية. والنغمة اليسرية. ومتى صح الحكم على الكتب المسماة حقيقة المذهب بأنها أبعد الأشياء من الحقيقة. فإن كل هذه الكتب خلو من اللذة الشخصية والمعاني الشعرية ومن عالم السحر والأحلام ومن نسيج الخيال الذهبي الذي يكسو كل معنى عار ويشرف كل معنى خسيس. وفي كل كتاب منها (من الكتب الحقيقة) ترى الحياة هاوية إلى أسفل كالرصاص بدلاً من سموها كالمنطاد وتغلغلها في ذهب الأصيل وبهجة جمال الغروب. فإن
стр. 3099
قيل أن هذه الكتب الحقيقية صادقة قيل في الوقت نفسه وإنها أيضاً كاذبة. فإنك لا تكاد تبصر إنساناً يعيش وسط الحقائق الظاهرية - بين أحماض معمل الوجود وأملاحه ولكن في غرفة خياله الملونة بين نوافذها المنقوشة الزجاجات وبين جدرانها المسطورة بأساطير الأقاصيص وأعاجيب الروايات والأحاديث
لها بقية في بيت القصيد سنأتي عليها في العدد القادم
стр. 3100
النهضة الإيرلندية
شيء عن حزب السين فين
قد أضحى العالم بأجمعه يعلم نبأ النار المشتعلة في تلك الجزيرة ثالثة ثلاثة الممالك المتحدة البريطانية. وهي ايرلندة. والحركة الثائرة القائمة في أرضها النزاعة بأهلها إلى الاستقلال ولكن قليلين من الناس الذين يدركون معنى كلمة السين فين التي تطالعهم في كل يوم من أنهار الصحف. والرّوح التي تنطوي تحت تلك اللفظة. والمبادئ التي تتوخى منها. والأغراض التي يسعى الساعون باسمها. ولهذا آثرنا أن نوجز في المقال الآتي تاريخ تلك الحركة حتى يكون القراء على بينة منها.
* * *
معنى كلمة السين فين في اللغة الايرلندية بالحرف الواحد نحن انفسنا ولما كانت هذه الكلمة تطوي تحتها النهضة النزاعة إلى استقلال ايرلندة، لم تلبث أن أصبحت اسماً للحزب الجمهوري في تلك البلاد. وهذا المعنى الذي جثا اليوم هو الذي سيدون في معاجم الغد، ويدرج في قواميس لغة الحرية في المستقبل.
وأول ظهور هذه الكلمة في عالم الدنيا كان عام ١٩٠٤ - أي منذ ستة عشر عاماً وكانت تدل على كثير من المعاني، وغلب عليها جملة من التطورات، وتشعبت فيها المطامح والأغراض، حتى أضحت لها المكانة التي تمت لها اليوم.
وقد شرحت المبادئ التي يقصد إليها من كلمة السين فين والحركة الناهضة من جوانبها في أبحاث عدة وسمت بعنوان أبحاث في عودة المجر إلى الحياة ونشرت عام ١٩٠٤ في صحيفة سيارة اسمها الايرلندي المتحد وقد وصفت الحركة المجربة لنيل الاستقلال في تلك المباحث بأنها نتاج ثورة منتصرة ناجحة لم يسفك فيها دم ولم تسل في سبيلها نفوس، ولم يطح فيها بأرواح وأبدان. وعزيمة صارمة في شعب مظلوم أبي ألا أن ينكر سيادة الأقوياء عليه، ويخلع عنه سلطان الجبروت الذي يريد أن يتحكم في حياته، ورغبة شديدة في العمل بنفسه لإصلاح شن بلاده من جميع الوجود الأدبية والاقتصادية والسياسية، وقد حض بها كاتب تلك المباحث أهل جلدته وأبناء وطنه الايرانديين أن يحتذوا هذا الحذو ويتبعوا تلك المبادئ بعينها، فأغرى ايرلندة بأن تكف عن إرسال مندوبين عنها في البرلمان البريطاني
стр. 3101
وتمتنع عن دفع الضرائب إلى الخزانة البريطانية والالتجاء إلى قضاة المحاكم البريطانية وإدارتها وتقليد الانجليز في مبادئ الأخلاق وفي الآداب وفي حركة العلم وفي تيار الشعر والنثر. وبذلك كله تصبح ايرلندة قائمة بذاتها وتكتب بيدها في لوحة التاريخ ايرلندة الحرة بلا انجلترة.
ذلكم الكاتب القوي العظيم الجبار الروح الذي كان القائد الأول من قواد النهضة، والجندي السائر في الطليعة، كانا رجلاً بسيطاً يدعى آرثر جريفيس وهو فتى ملتهب الروح. ناضج الذهن، اجتمعت فيه الروح السلتية بالخيال الايرلندي، وكان رئيس تحرير تلك الصحيفة الأسبوعية، التي كانت تعيش في العن مظاهر الفقر عام ١٩٠٣، في شارع مهجور من شوارع عاصمة ايرلندة، حتى لقد وصفها أحد الكتاب الفرنسيين الذين اتفق لهم رؤيتها في ذلك الحين فقال إن إدارة تحرير تلك الصحيفة لم تكن إلا حجرة صغيرة ضيقة الجوانب، لا ينفذ إليها بصيص الضياء إلا من نافذة واحدة قد استعيض عن زجاجها صحائف الجرائد، ولا تحتوي من الأثاث إلا كراسي قذرة علاها الماد والصمغ والتراب وقد علل فقر تلك الصحيفة كثيرون بسوء حالها وقلة دخلها. وآخرون زعموا أن أصحاب الصحيفة أنفسهم هم الذين أبوا إلا أن تظهر بهذه الحال الرثة، وتبدو بذلك مظاهر الفقر، حتى لا تقع أدوات المكتب وأثاثاته إن احتوت منه الشيء الفخم والمظهر الغني في أيدي الشرطة وتحت طائلة القانون الذي كان يصادر الصحف التي تكتب في حدود التطرف وتنشيء المقال الثائر المخيف من تلكم الحجرة الصغيرة.
ومن وسط مظاهر ذلك الفقر الشديد والرثائة البادية راحت إذ ذاك كلمات ذلك الكاتب تخرج ملايين من أهل ايرلندة إلى النور وتشيع في أجزاء الإمبراطورية كلها، وتنتقل في ندوات البرلمان. وكان ذلك الرجل يكتب فكأنما كان محامياً أصولياً مدرها يحمي عن الحق، ويبسط مبادئ القانون، وكأنما كان قاضياً يصدر حكمه من دست القضاء.
وكان المجمع الغالي في ذلك (نسبة إلا بلاد غاله - وبلس) العهد قد أعاد ماضي اللغة وأقر رجعتها الايرلندية إلى البلاد، وأسس الروح الغالية القديمة، ولكن كان الفلاحون والزارعون الصغار في الوقت نفسه منكبين على شراء الأراضي والانتفاع بالمخترعات الحديثة الزراعية في الاستثمار والاستكثار حتى أصبح لا هم لهم إلا الأرض تخرج لهم الحب
стр. 3102
يكنزون بثمنه أموالهم، ويملأون خزانتهم، حتى لم تلبث البلاد أن احتوت جمهوراً من المزاعين المترفين المتبلدين المتناسين حركة الاستقلال والعمل للحرية، وكذلك تنازعت المادية والمبادئ الروحية العالية ووقعت بينهما الحرب. ونشب الخلاف وتركت مقاليد النهضة السياسية في أيدي قوم من أهل الصناعة وقصروا سعيهم على طلب الهوم رول حتى ذهبت الطنون إلى أن جماهير الشعب الايرلندي لا تجد روحاً إلى الاستقلال ولا نميل بقلوبها إلى طلاب تحقيق النهضة، وفي الحقيقة لم يتبع الحزب البرلماني من أهل ايرلندة المبادئ كلها التي كان يسعى إلى تحقيقها جملة لشعب ولم يرعوا حق تلك الرغبة الايرلندية في وستمنستر وفي مقاعد أهل البرلمان من الايرلنديين كماليتها السماوية والروحانية العالية التي تتجلى من ناحيتها في بلادها، والإلهية التي تشع على الناس من سماء كلمة الحرية الجميلة ولم يلبث أن عدت مبادئ الكاتب الأول، والجبدي الحي الآنف آرثر جريفيس، واضع أساس النهضة، وراسم خطة السعي - مبادئ طوينية خيالية، وأمثلة عليا لا سبيل إلى بلوغها.
على أنه في اليوم الثامن والعشرين من شهر نوفمبر عام ١٩٠٥ انتدبت طائفة صغيرة من زعماء الوطنية الايرلندية وألفت المجلس الأهلي وطلبت إلى جريفيس أن يضع البرنامج الوطني الذي ينبغي العمل على إنفاذه ورسم الخطة العملية الخليقة بالتحقيق فقام الرجل بإلقاء مباحث ومحاضرات عن ذلك وكانت كلمة سياسة السين فين أول ما ظهرت على شفتيه، وجرت في مباحثه.
ولم تكن تلك الندوة يوماً من الأيام منذ نشأتها الأولى جمعية سرية، أو شرذمة من الناس يعملون في الظلام وتحت أستار الدسائس. بل كانت تتألف من أندية صغيرة منتشرة في جميع أطراف أيرلندة. مفتحة أبوابها للقصاد. مجاهرة بمبادئها وأغراضها. معلنة مقاصدها ومساعيها. وكانت كلها تحت اسم واحد وهو ندوات السن فين وما كاد يحل عام ١٩٠٧ حتى كان منها في أيرلندة كلها سبعون نادياً ولم تلبث صحيفة الأيرلندي المتحد التي مر بك ذكرها أن غيرت اسمها فراحت تنادي في ذلك الوطن الملتهب لمعنى الحرية صحيفة السين فين وأضحت يومية سيارة عدة أشهر في عام ١٩٠٩ واجتمعت نية الوطنيين على إصدار طوابع للبريد خاصة بأيرلندة مختلفة عن الطابع البريطاني. ولكن لم تلبث الأموال التي
стр. 3103
خصصت لأغراض تلك الحركة أن نفذت. وضعف شأن الحزب الأيرلندي المعين في البرلمان. وقامت ثائرة المتطرفين والاشتراكيين، ففقدت نهضة السين فين مكانتها الكبرى التي كانت لها. وذهبت ريحها. فتولى عنها. وتفرق القوم. ولم تعد ندوات السين فين تلفت أنظار الإنسانية والعالم المتحضر - على أن دور النشاط الثاني وعهد الحمية والعمل والسعي، لم يلبث أن أقبل عام ١٩١٣ فظل باقياً مستحراً حتى عام ١٩١٦ وهو دور الأيرلنديين الذين تطوعوا للجندية، ودخلوا في غمار القتال طواعية واختياراً. يومئذٍ لعبت أحزاب السين فين دوراً خطيراً في سبيل الاستقلال. فإنه لما أصبح التصويت للهوم رول أمراً محققاً. قرر أهل ولاية بلفاست أن ينفذوا بالقوة والاقتسار قانون الاستقلال الذاتي ولهذا أنشأوا جيشاً من المتطوعين الالتريين من جراء الحرب الداخلية التي أثارتها الحكومة الوقتية تحت إشراف السير ادوارد كرزون. ثم جمع الاشتراكيون من ناحيتهم كذلك جيشاً آخر من أهل دبلن سموه الجيش المدني وفي الحال أعدوا العدة لتعليمه واستمدوا له الذخيرة واللباس. وجعلوه على الطراز الأخير من فن قيادة الجيوش.
فلما نشبت الحربر الأوربية اقترح جون ردموند على وزارة الحرب الانجليزية أن تحول فرقة الأيرلنديين المتطوعين إلى فرقة مقيمة في انجلترة لا تبرحها لحماية الأرض والدفاع عن الحمى والذمار ولكن اللورد كتشنر قابل المقترح بالرفض استكباراً وأنفة واعتزازاً، فنصح النواب الوطنيون الأيرلنديون لجنود تلك الفرقة ورجالاتها أن يخرجوا من سلكها ويندمجوا في جيش الإمبراطورية التي منحتهم الهوم رول والتي جعلت تقول أنها تدافع عن حرية الشعوب. وكذلك سلك كثيرون أنفسهم في الجيوش المتدفعة إلى الحرب وأسدل الستار يومذاك على الهوم رول إلى أجل مسمى على أن زعماء إيرلندة رأوا أنه قد خدعوا عن أمرهم وأن أيرلندة لم تكن من بين الشعوب التي من أجلها شبت نار الحرب في الغرب لمنحها حريتها، وفك رقبتها من أغلال الاستبداد وأنه خليق بهم أن يكون السعي لتحرير بلادهم في أرضهم والجهاد للحرية فرق ثري وطنهم فأعادوا إنشاء جيشهم الأول ألذي أصبح العالم كله يعرفه باسم جيش السين فين ولم بكن في صفوف ذلك الجيش كثيرون من شيوخ السين فين الأولين، وإنما كان فيهم قلائل من الجمهوريين نخض بالذكر منهم العالم الأيرلندي ماكتيل والأستاذ دي فلبرا ومؤسس جامعة سارت انده ونعني به باتريك بيرس
стр. 3104
وقد احتذى الزعماء الجدد حذو الأولين فجعلوا يثيرون الحرب على إنجلترة ويطلبون فصل أيرلندة عنها الفصل التام. وإنشاء جمهورية أيرلندية على أنقاض البناء الأول.
ولا تظن العالم قد نسي القتال العنيف الذي وقع عام ١٩١٦ يوم ثار فتيان أيرلندة وهم نحو ألفي رجل فاحتلوا جزءاً كبيراً من عاصمة البلاد ونادوا بالجمهورية الأيرلندية وجعلوا يقفون أمام جيش منظم ويقاومون مدفعية شديدة النيران وظلوا وقوفاً أمام تلك الشراذم التي تفوقهم عدداً عديداً أسبوعاً كاملاً حتى استشهدوا والابتسامة الحلوة العذبة ابتسامة الاستشهاد في سبيل الحرية - تجري على شفاههم في محضر الموت. ورفعوا إلى أداة الإعدام. والمقصلة مصلته. والمنون متداينةز وهم فرحون لا تفتر ثغورهم عن الابتسام. وأما الشعب الأيرلندي - إن لم يظهر إعجاباً بتلك الثورة الطائشة المستميتة فقد أبدى إكباره الأعظم لبطولة أولئك الفتيان ولقد شهد لهم بتلك البطولة أعداؤهم. كان من وراء تلك الثورة أن ضرب خمسة وعشرين من الزعماء بالرصاص ومن بينهم الزعيم توماس كلارك ذلك الوطني المغوار اذي جعل طوال حياته يشتهي أن يلقي تلك المنية الحلوة. وضربت رقاب كثيرين، منهم في الربيع العشرين. ماتوا جميعاً وظل الابتسامة الناضرة التياهة المدلة ببطولتها يجري على أفواههم.
وحكم على الشاعر الأيرلندي الجميل يوسف بلا نكت بالإعدام وكان إذ ذاك خطيب عروس حسناء. ففي الليلة السابقة لموعد شنقه انسلت العروس تحت ستار الظلام إلى السجن ومعها قسيس فعقد للعروسين وتم الزواج. وفي الغداة سقط ذلكم البطل قتيلاً إذ بدت أمينة عن كثب زوجه وهي في إطار حفلة العرس والأزاهر حافة بها.
كان موت أولئك الأبطال وزج إخوانهم في غيابات السجون ونفي رفاقهم وتشريدهم في الأصقاع النائية. والبلاد البعيدة. صفحة أخرى في كتاب الذكريات الوطنية التي يكتب منها تاريخ أيرلندة المجيد. وكان تقتيلهم سبباً من الأسباب التي دفعت السواد الأعظم من الشعب الأيرلندي إلى الرغبة عن الهوم رول. وإنشاء السين فين - علم الجمهورية الجميلة المبتغاة.
* * *
منذ ذلك العهد أصبح السين فين حزباً سياسياً كبير الشأن كبير الخطر، واتخذ مركزه مدينة
стр. 3105
دبلن وانتشرت منه ندوات فوقعت في جميع بلاد أيرلنده وحواضرها أضحى المبدأ الأوحد الذي تعمل جميعاً له هو أيرلندة بلا أنجلترة، وجمهورية على أنقاض العبودية، وأصبح الزعيمان جريفيس ودي فاليرا يضعات أيديهما على هذا العمل لا كبر.
فلما كانت انتخابات ديسمبر سنة ١٩١٨ انتصر في الانتخاب أعضاء السين فين على مزاحميهم وأصبحوا أعضاء الحزب الأهلي الأكبر، وأصر الأعضاء المنتخبون وهم أحد بني وطنهم أخلاصاً، وأكبرهم نفوسها - على مبدأهم وهو أن لا يجلسوا في مجالس البرلمان الإنجليزي ولا يشغلوا منه المقاعد، ولا تكون لهم في تلك الندوة أشباح، ولذلك اجتمعوا في شهر يناير عام ١٩١٩ فأنشأوا مجلساً وطنياً يدعى في اللغة الأيرلندية (الديل إيربين) ونشر ذلكم المجلس دعوة بالاستقلال ونادى بتأسيس الجمهورية الأيرلندية.
ثم قر بعد ذلك القرار على إرسال نائبين إلى باريس ي طلبان إلى مؤتمر الصلح سماع القضية الأيرلندية. ووقع الاختيار على الزعيم جون أوكلي رئيس ذلكم المجلس وكاتب من مشهوري الكتاب، وبطل من الأبطال جرج في تلك الموقعة التي مر بك بيانها. والثاني جورج دوفي النائب عن دبلن وهو رجل من كبار أهل القضاء. وانضم إليهما ثلاثة زعماء من قبل أيرلندي أمريكا وهم الذين قووا شوكة النهضة، وأيدوها بالحمية والنشاط، وهم فرانك والش وادوارد ون من حكام الولايات المتحدة الأسبقين ثم ميشيل ريان. على أن المؤتمر لم يستمع لهم. ولم يتقبلهم. ولم يرتض زيارتهم، بل لقد كان من كليمنصو أن رفض مقابلة مدام دوفي وهي السيدة التي أوفدت برسالة إليه من قبل نساء أيرلندة للدفاع عن حق وطنهن. ولكن الرئيس ويلسون رضي بلقاء الثلاثة النواب من أهل مملكته، ووقعت بينه وبينهم أحاديث، ودارت مناقشات، وبعد لأي تنازل مستر لويد جورج بالموافقة على مقابلتهم.
* * *
أبطال ذلك الحزب السياسي الكبير اليوم رهائن المحابس، يعيشون في الحواصل والسجون، ومنهم اللذين توسدوا الحفر، واضطجعوا في ظلمة القبور \، إذ رأت الحكومة المسيطرة أن ذلك الحزب مسؤول عما وقع في أيرلندة من المجازر وأنه من الأحزاب المشاغبة المرجفة بالفتن، الناشرة أعلام القلاقل، فعملت على مصادرته، والتنكيل بزعمائه.
стр. 3106
على أن كلمة السين فين ستخلد في تاريخ الدنيا علماً على ما كان في جزء من بلاد الله من الاستماتة في سبيل الحرية والاستشهاد لنيل نعمة الاستقلال.
стр. 3107
روح الإسلام
لأكبر نصير للإسلام اليوم سيد أمير على النابغة الهندي العظيم
الفصل الثامن
مركز المرأة في الإسلام
في دوار معينة من التطور الاجتماعي لا يكون تعدد الزوجات أو ارتباط الرجل بعدة نساء إلا أمراً لا بد منه وحالاً لا مفر منها، ولقد كانت الحروب التي نسبت بين القبائل وما كان منها من إقلال عدد الرجال وكثرة عداد النساء، والسلطان المطلق الذي ينعم به زعماء القبائل وسادة العشائر والأفخاذ والبطون - كل أولئك كان السبب في إيجاد عادة تعدد الأزواج التي أصبحنا نعدها بحق في هذا العصر المتحضر نقيضة لا تحتمل واذاة وشر من شرور المجتمع.
وقد كان تعدد الزوجات في الأمم الشرقية جمعاء شريعة مقررة وسنة متبعة. وكان اعتياد الملوك إياها والأكاسرة وأهل بيت الملك - وكانوا إذ ذاك ينزلون من أممهم منازل الأبارب ويحملون علم الألوهية - باعثاً للناس على اتباعها. والجري على سنن ملوكهم من ناحيتها. فقد ذع تعدد الأزواج (من كلتا ناحيتيه أي إكثار الرجل من النساء وارتباط لنساء بعدد من الرجال) بين أهل الهند منذ زمن بعيد في التاريخ ولم يكن ثمت بين الآشوريين والميديين والبابليين أي حد لعدد النساء الزوجات التي يحوز للرجل الأعراس بهن. ولا يزال الرجل في البراهمة إلى يومنا هذا يستطيع أن يتزوج من النساء العدد الذي يحب ويختار. ولقد كان تعدد الزوجات؟؟؟؟؟ بين بني إسرائيل قبل عهد موسى وفي أيامه إذ أقر تلك السنة ولم يضع لعدد زوجات حداً ولا قيداً ولكن وضع ذلك القيد بعد ذلك في التلمود ونص على جواز الزواج بعدد من النساء على قدرة مكنة الرجل من إطعامهن والإنفاق عليهن ولئن كان زعماء اليهودية قد قالوا بتحريم الزواج بأكثر من أربع نسوة فقد خالفهم قوم في ذلك ولم يعترفوا بحد ولا شرط.
أما الفرس فإن دينهم أباح الإكثار من اتخاذ الزوجات، وقد انحط تعدد الزوجات بين الشعوب الفينيقية السورية - التي هزمها بنو إسرائيل وأبادوها - إلى درك ليس بينه وبين الحيوانية الشنعاء أي فارق أو خلاف. وكذلك فشت سنة تعدد الزوجات في أهل طراقية
стр. 3108
وليديا وكثير من الشعوب القديمة التي كانت تسكن أقاليم عدة من بلاد الغرب والأقاليم الواقعة في غربي آسية وزادت عن الحد وتمادت حتى تجاوزت الوصف.
ولقد كانت الزوجة في أهل أثينا القديمة - وهي ولا خفاء أكبر الأمم الأثرية القديمة حضارة - متاعاً يباع ويشترى وسلعة في السوق تنتقل من حوزة رجل إلى رجل، وكانت تعد شراً لا غنى عنه في البيت وللابتذال في لخدمة وإخراج الذراري والأطفال وكان للأثيني أن يتزوج بمن شاء من النساء حتى فقد جعل الخطيب ديموستينس - وهوهو في براعة الخطابة - يفخر بأن في أمته ثلاث طبقات من النساء، طبقتان منها أزواج شرعية وأخريات غير شرعية.
ولئن كان الرجال في اسبارطة القديمة لا يباح لهم الزواج بأكثر من واحدة فقد كان لنسائهم أن يتزوجن بأكثر من رجل واحد.
ولعل الظروف لخاصة التي وضعت فيها أنظمة الدولة الرومانية هي التي حالت دون إباحة تعدد الزوجات في إبان نشأة تلك الدولة، ومهما كان نصيب قصة اختطاف نساء السابين وسبيهن في أوائل العهد بدولة الرومان من الصحة والحق، فإن ثبوت تلك القصة في سجل التاريخ باعث على الظن بأنها كانت العامل في وضع الأنظمة الأولى عندهم في الزواج والأسرة، على حين أن تعدد الزوجات في الولايات المجاورة لرومة وفي ولاية اتروسكان خاصة كان عادة شائعة وسنة مألوفة، وجاءت بعد ذلك الحروب الكثيرة والغزوات الطويلة والفتوح المستمرة وما كان منها من حدوث الاختلاط بالأمم الأخرى التي كانت تسكن إيطالية. ثم الترف الناشئ من النجاح والرفاهية التي تعقب الانتصارات فكانت كلها سبباً في جعل مشروعية الزواج عند الرومان أمراً لا أهمية له ولا ضرورة فلم يكتفوا بإباحة تعدد الزواج وجعله شرعة ونظاماً مقرراً بل استحال الزواج كذلك ضرباً من النسري لا أكثر ولا أقل. ولم يلبث النسري بعد أن أقرته شرائع الدولة الرومانية أن أضح في قوة الشريعة المباحة والسنة المقررة، ولذلك كانت حرية النساء وضعف الرابطة التي تمسكهن بالرجال وتبادل الزوجات بين الرجال أو التنازل عنهن لم تكن جميعاً إلا تعدد الزوجات بعينه وإنما تحت اسم آخر، وفي شكل مختلف.
وبدأت يومئذِ تعاليم المسيحية الأولى تلقي على سواحل غاليلية وتشع على العالم الروماني
стр. 3109
بأسره، على أن نبي الناصرة (عيسى ﵇ لم يستطع أن يقدر مسألة الزواج حق قدرها عامة وكذلك شاعت سنة تعدد الزوجات وفشت وسادت، حتى جاءت قوانين حوستنيان فأبطأتها وحرمتها ولكن أمر تحريمها في تلك القوانين المدنية لم يحدث أي تغيير في أخلاق الشعب ومبادئ الآداب عندهم فظل تعدد الزوجات باقياً معمولاً به متبعاً حتى جاءت مدنية المجتمع المتحضر فقطعت بتحريمه، وحكمت عليه بالموت.
وكانت الزوجات عدا الزوجة الأولى التي بنى الرجل بها قبل الأخريات في شر حال وأسوأ عيشة، سلبية الحقوق، لا تنعم بشيء من تلك الرعاية التي ترعى القوانين بها حق الزوجة الأولى، عبيداً أرقاء، مستهدفات لتقلب الزوج، رهائن أوهامه، غرضاً لمنازعه وأهواء نفسه، وكان أطفالهن يوسمون بمسم الزنا، ويدعون مزنمين، ويحرمون من حقهم في إرث أبيهم، ويعاملون كأنهم طرائد المجتمع متمردين منبوذيتن من صفوفه.
ولم يكن التمتع بعدد من الزوجات شرعيات وغير شرعيات مقصوراً على طبقة النبلاء والأشراف بل لقد كان كثيرون من رجال الدين يتناسون العهد الذي عاهدوه والقسم الذي اتخذوه من البقاء في العزوبة والتحرج من الأزواج فيرتبطون بزيجة أو زيجتين شرعيتين أو غير شرعيتين، والتاريخ يدل على أن تعدد الزوجات لم يكن في نظرة الإنسانية محرماً غير جائز كما هو اليوم بل أن القديس اوغستين نفسه لم يكن فيه شيئاً من الإثم أو المعابة أو مخالفة نواميس الآداب واعترف بأنه لا يعد جريمة إذا كان سنة مقررة في بلد من البلدان وقرر المصلحون الدينيون من الجرمان في القرن السادس عشر صحة الزواج بامرأة ثانية أو ثالثة بجانب الزوجة الأولى لأسباب كثيرة منها العقم وقلة النسل.
ونحن نرى كثيرين من العلماء الدينين يعترفون بأن ليس في تعدد الزوجات أي مخالفة لقواعد الآداب وأن عيسى لم يحرم التعدد تحريماً قاطعاً ولم يقل بمنعه منعاً باتاً ومع ذلك يقولون بأن فكرة الفردية في الزواج لم تعم في الغرب ولم تنتشر إلا بفضل التعاليم التي بثها الجرمان أو أهل الدولة الرومانية الشرقية في تضاعيف المسيحية ولكن هذه الفكرة الأخيرة تخالف الواقع والتاريخ ولا أثر لها من الصحة. إذ لم يقل باستمساك الجرمان بسنة الاقتصار على زوج واحدة غير واحد أو اثنين لا تصح شهادتهما ثم لا ينبغي أن ننسى الغرض الذي من أجله وضع المؤرخ تاسيتاس كتابه في في آداب الجرمان فقد كان كتابه
стр. 3110
ذاك نقداً حاراً شديداً على الإباحية التي كانت متفشية في بني وطنه وكان غرضه إدخال مبادئ أطهر من المبادئ التي كانت سائدة يومذاك في رومه. وإذا نحن فرضنا أن تاسيتاس كان علي الحق فبماذا نؤول عادة تعدد الأزواج التي ظل عليها طبقات النبلاء من الجرمان حتى القرن التاسع عشر. ومهما كانت عادة الرومان في العهود الأولى من تاريخهم فلا نزاع في أن تعدد الأزواج في أخريات أيام الجمهورية الرومانية وأبان عهد الامبراطورية كان ولا ريب مقرراً كسنة مشروعة أو لم يكن على ألأقل معتبراً اثماً محرماً وأمراً غير مشروع فإن الإمبراطور فالنتيان الثاني أصدر قانون أباح به لرعايا مملكته الزواج بعدة نساء إذا شاؤوا وليس في التاريخ الديني لتلك الأزمنة دليل ما على أن أساقفة ذلك العصر ورؤوس الكنيسة أقاموا أي اعتراض على إصدار ذلك القانون بل لقد تابع القياصرة الذين جاءوا بعد ذلك الإمبراطور سنة تعدد الزوجات ومشي قومهم في آثارهم.
وبقيت تلك القوانين على حالها تلك حتى عهد جوستيان إذ كان أكبر نصحاء ذلك الإمبراطور ووزرائه رجلاً ملحداً وثنياً. ولكن تحريم ذلك الملك تعدد الزوجات لم يستطع أن يزجر ميل ذلك العصر ويقمع رغبته بل لم يكن قانون تحريم تلك السنة القديمة إلا دليلاً على تقدم الفكر الإنساني في تلك العصور وأثراً من تطور الآداب ليس غير ولم يتعد تأثيرها فئة قليلة من المفكرين وراحت في الجماهير ضعيفة الأثر لا سلطان لها ولا نفوذ.
وفي الأقاليم الغربية من أوروبا لم يكن من علو كفة البرابرة واختلاط مبادئ السكان بمبادئ الفاتحين إلا أن حطت من علاقة الرجل بالمرأة وحاولت جملة من قوانين أولئك البرابرة أن تضع نصوصاً خاصة بتعدد الزوجات ولكن التعاليم والنصوص لم تغن شيئاً ولم تفد فتيلاً. إذ كانت الشعوب والجماهير ترى ملوكهم مكثرين من الزوجات فلا تجد على احتذائهم حولا. ولا ترى أبداً من الاقتداء بهم حتى أن رجال الدين على الرغم من وصايا الاستمساك بالعزوبة التي كانت تلقن في الكنيسة جعلوا يتسرون بامرأة أو بأكثر من امرأة. وذلك بإذن من رئيس أسقفيهم.
* * *
والخطأ الأكبر الذي وقع فيه كتاب المسيحية قولهم أن محمداً اتخذ تعدد الزوجات سنة من سنن دينه وأقره وأباحه أجازه.
стр. 3111
والفكرة القديمة التي كانت تجري في أذهانهم من أن نبي الإسلام هو الذي كان أول من سن تعدد الزوجات وجعله شريعة من الشرائع الاجتماعية - وهي فكرة تدل على مقدار جهل الذين حملوها أدمغتهم - قد هدمت اليوم ودحضت وظهر لهم فسادها ولكن الخطأ الذي لا تزال جماهير العامة تستمسك به وتصر عليه. ولا يزال خلق كثير من المتعلمين ورجال المسيحية يقولون به هو ما قدمنا من أن محمداً اتخذ تعدد الزوجات شريعة وأقره سنة وقانوناً. وتلكم فكرة ليس في الدنيا أفسد منها وأبعد عن الحق. وأضعف أساساً. فإن محمداً وجد تعدد الزوجات معمولاً به بين أمته وجيران أمته والبلاد الواقعة حول جزيرته حيث اتخذت ثمت مظهراً مخيفاً. وكانت في حال التفشي سيئة نكراء ونحن لا ننكر أن قوانين الإمبراطورية المسيحية حاولت أن تصلح من أمر هذه النقيصة وتكسر من حدتها ولكنها عجزت وعادت مخيبة طائشة السهام فظلت تلك العادة نامية متأصلة لا راد لها ولا زاجر يزجرها. وظلت الزوجات المسكينات اللاتي تزوج منهن الرجل بعد زوجته الأولى يعانين جملة من الآلام وضروباً من الشقاء.
وكان فساد أمر الأخلاق في بلاد فارس على عهد ظهور النبي وتحطم مبادئ الأدب والشفاعة والسوء بحال مروعة. فلم يكن ثمت للزواج قانون أو شرعة معروفة. وإن كان ثمت قانون فلم يكن أحد منهم يعترف به أو يرتضيه.
ولما كان كتاب الزندافستا لم يضع حداً محدوداً لعدد النساء اللاتي يجوز للرجل الابتناء بهن لم يكن من الفرس إلا أن جعلوا ينعمون بعدد عديد من النساء وعدد مثله من السراري. وكانت هناك عادة أخرى غير تعدد الزوجات عند الجاهلية واليهود وهي عادة زواج المتعة فكان هذا التحلل الشنيع في المبادئ الاجتماعية أثر مخيف سيء منكر في حياة المجتمع بجزيرة العرب.
على أن الإصلاحات التي أسننها النبي أحدثت تحسيناً متسع المدى بينا محسوساً من وجهة مركز المرأة على حين كانت حالة النساء عند اليهود والعرب غير المستعربة نهاية في الانحطاط والمهانة والسوء فقد كانت الفتاة اليهودية في بيت أبيها في مكان الخادم لا أكثر ولا أقل وكان لأبيها أن يبيعها في السوق إن كانت قاصرة ولأبنائه الذكران من بعده أن يتصرفوا بأمرها كما تشاء أهواؤهم وكانت الفتاة لا ترث أبويها إلا إذا كانت وحيدة لا
стр. 3112
ذكور معها. وكان أهل الوثنية القديمة من العرب من جراء تأثير اختلاطهم بالبلدان المحيطة بهم يعدون المرأة سلعة وملكاً من سلع الرجل وأملاكه وكانت الأرامل تنتقل بعد موت بعولتهم إلى حوزة أبنائهم بحق الإرث.
وكان ذلك منشأ زيجات كثيرة بين أبناء الزوج وآرامل آبائهم وهي التي جاء الإسلام فمنعها وسميت بعد ذلك زواج المقت وتمادت بعرب الجاهلية الأولى الكراهية للنساء حتى جعلوا يئدون النساء ويدسون الولائد الإناث في الثرى أحياء، وهذه العادة الشنعاء التي كانت سائدة بين أهل قريش وقبائل كندة حاربها الإسلام وشدد محمد الكير عليها وأسنن لها العقوبة الصارمة والمثلات الشديدة وكذلك قل عن عادة تقريب الأطفال قرابين لآلهتهم.
وكان مكان المرأة في دولة الفرس وكذلك في دولة بيزانطة حقيراً مهيناً في نظام المجتمع وانبرى قوم من المتهوسين الدينيين خلعت عليهم المسيحية بعد ذلك ألقاب القديسين والولياء الصالحين فجعلوا يحطون من قدر المرأة وينكرون فضليتها ويحكمون؟؟؟؟؟؟ ناسين أن النقائص التي رأوها في المرأة ليست إلا صورة أذهانهم الناقصة الصفراء المريضة معكوسة أمام أعينهم.
في ذلك العهد وبناء المجتمع يكاد يخر إلى الأرض وينتقض حجراً حجراً. والرابطة التي كانت تربط ذلك البناء هاوية متحللة، ظهر محمد بتعاليمه الجديدة، وسننه الصالحة فوضع ذلكم النبي الكريم المبدأ الأول في رأس تعاليمه. الوصاة بالنساء واحترامهن، وتغلغل أثر ذلك المبدأ في صحابته وأتباعه وأنصاره فأسموا ابنة النبي تقديراً لمكانها وإجلالاً لطهرها وقداستها، سيدة شباب أهل الجنة وفاطمة الزهراء ثم قفت على آثار ابنة النبي طائفة طويلة من النساء أعلين من شأن جنسهن لفضيلتهن، ومزاياهن.
ومن بين الشرائع التي دعا إليها النبي وسنها منعه عادة الزيجة الوقتية - زواج المتعة - ولئن كان قد أباحها اضطراراً في مبدأ المر فقد عاد فحرمها تحريماً في العالم الثالث من الهجرة بل لقد وضع محمد للنساء حقوقاً لم تكن لهن من قبل وأسس لهن امتيازات سيدرك العالم قيمتها على ممر الزمن بل لقد رفعهن من وهدنْهن فسوى بينهن وبين الرجال في الوظائف والحقوق وكسر من شوكة تعدد الأزواج فوضع حداً لعدد الزوجات التي يجوز للرجل الابتناء بهن معاً ولا ننسى أن الآية التي جاءت في الكتاب العزيز لتحديد عدد
стр. 3113
الزوجات وإباحة الزواج بأربع نسوة إنما عقبت بآية أخرى وهي (وإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة) فإن هذا الشرط من الأهمية بمكان عظيم ولم يغفل قيمته علماء الإسلام وسادات الدين ففي القرن الثالث من الهجرة جعل علماء الإسلام في عهد المأمون يعلمون الناس أن مبادئ القرآن أنما تبث فكرة الاقتصار على زوج واحدة وتوحي إلى المسلمين الاستمساك بتلك الفكرة وإنها في صف فردية الزواج وعلى الرغم من الاضطهادات التي حمل بها ذلكم الخليقة المرور المتوكل على أولئك العلماء ومنع بها انتشار تلك التعاليم التي بثوها بين الناس والمبادئ التي نادوا الجماهير إليها فإن الاعتقاد بصحة تلك المبادئ لا يزال ينشر نفسه في كل مكان ويكره الجميع على الاقتناع به ويوحي إلى الجماعات الإسلامية المستنيرة المهذبة أن تعدد الزوجات يناقض تعاليم الإسلام كما هو مناقض لتقدم المجتمع المتحضر والآداب الخلقية الحقة والمدنية الحديثة.
وينبغي أن لا نسى الناس أن وجود تعدد الزوجات يتوقف على ظروف خاصة وأحوال معينة وأزمنة معلومة تجعل العمل به لزاماً وأمراً لا بد منه لحماية العنصر النسائي من شر الجوع والفاقة وإذا صحت التقارير وصدقت الإحصائيات التي بين أيدينافان أغلب الفساد الخلقي والإباحية وتهدم المبادئ الأدبية المتفشية في أكبر حواضر المدينة في بلاد الفرنجة لا منشأ له إلا الفاقة الشديدة وقد أبان الأب هوك والسيدة دف غوردون في تواليفهما أن مجرد الحاجة في أكثر الأحابين يدفع الناس في المشرق إلى إتباع فكرة تعدد الزوجات.
لهذا الفصل بقية ستنشر في العدد القادم
стр. 3114
ماوراء الساحل المجهول
طائفة من المشاهدات النفسانية الغريبة
بقلم كونان دويل
تحت هذا العنوان ماوراء الساحل المجهول بدأ كبير الروايات في الغرب. وأكبر علماء العصر كذلك - ونعني به السير كونان دويل - صاحب روايات شرلوك هولمز التي دلت على براعة الخيال وأبانت عن طول باع المؤلف في العلوم الحديثة بخاصة وعلوم النفس وما إليها - بنشر طائفة من المقالات الممتعة في إثبات آرائه في اتصال هذا العالم الدنيوي بعالم آخر والحياة بعد الموت. وهذه المقالات تحوي جملة من الشواهد الغريبة والأمثلة المدهشة وقد آثرنا أن ننشرها لقراء البيان تباعاً كما ظهرت في صحائف الغرب.
أشباح الماضي
ليس هناك أعجب ولا أمر أبعد عن التصديق وأقرب إلى الحق أيضاً من أن الحوادث الماضية قد تترك أثراً باقياً في البيئة التي نعيش فيها لا يني يوماً يظهر ثانية للعيان كأن يشعر الإنسان به أو يسمع به أو يراه بعد زمن. وقد وضعت هذه الوجوه التي يظهر فيها أثر الماضي بهذا الترتيب. أعني الحس والسمع والنظر لأن الإنسان في أغلب الأحوال يشعر بالماضي أكثر مما يسمع به أو يسمع به أكثر مما يراه.
هذا ونحن نعلم أن الذهن الحساس يتأثر بسرعة في مكان حدث فيه مصاب أو وقع حادث أليم فقد زارت سيدة من أقاربي يوماً ممرضة في أحد المستشفيات فلم تجدها هناك فسألت إحدى الممرضات قائلة. . . هل السيدة فلانة خرجت. وهل تلقت أنباء سيئة. . . فكان الجواب. . نعم خرجت لأنها تلقت نبأ برقياً بأن زوجها مريض. ونحن نسأل أنفسنا من أين علمت السيدة قريبتي أن هناك أنباء سيئة وصلت إلى صديقتها. والجواب أنها أحست ذلك من الشعور بأن قلبها خفق عند دخولها رحبة المستشفى. والعلماء يقولون هذا هو التليبائي. أو انتقال صور الذهن ونحن نقول أننا إذا كنا نقصد بمعنى التليبائي انتقال فكرة معلقة بهذه الصورة ساعة أو نحوها ثم وقوعها في نفس حساسة بعد ذلك. فإنني لا أريد جدالاً ولا أقصد دحضاً. ولكن إذا قلنا أن في الإمكان بقاء الفكرة المتنقلة ساعة فلماذا لا نقول بإمكان بقائها عاماً ثم قرناً كاملاً.
стр. 3115
لي صديق كان يسكن منزلاً عتيقاً كان له زوج سريعة الإحساس وكانت تشعر دائماً بهزة محسوسة كلما نزلت السلم عند وصولها إلى درجة معلومة من السلالم وقد اكتشف بعد ذلك أن سيدة عجوزاً كانت تسكن تلك الدار منذ زمن بعيد صدمها طفل ماجن وهي هابطة السلم عند تلك الدرجة ففقدت توازنها فوقعت من السلالم وليس من الضروري أن نعتقد بأن عفريتاً ظل يختلف إلى تلك البقعة فيحدث نفس تلك الهزة مع السيدة الجديدة بل الشرح القريب للصواب هو أن ذهن السيدة العجوز عند وقوعها من السلم اضطرب أشد الاضطراب فترك أثراً دائماً وراءه جعل يظهر بهذه الصورة العجيبة.
تأثير الوقائع القديمة
كثيراً ما رأينا أو سمعنا برجال أقوياء الأعصاب رابطي الجأش تولاهم الخوف والرعب في أماكن معينة دون أن يعلموا سبب جزعهم ولكن يلوح لنا أن رعباً وقع لهم في الماضي عاد إذ ذاك فأثر في حواسهم دون أن تراه أعينهم مرة ثانية. وليس من الضروري أن يكون الإنسان معتقداً بوجود الأرواح حتى يحدث لديه هذا الشعور بعينه إذا كان في ميدان وقعت فيه حرب قديمة.
وإنني لأشعر بتأثير غريب لا وهماً ولا خيلاً عند زيارتي لأرض كانت يوماً ميداناً للقتال وساحة موقعة حربية كأن يظلم المكان في ناظري، وأشعر بقلبي يخفق وأنفاسي تتصاعد وتترادف بسرعة، وقد وقع لي نفس هذا التأثير، وأخذني في عين هذا الإحساس عندما زرت الأرض التي حدثت عنها موقعة هايستنج الكبرى المشهورة في التاريخ. وشبيه بهذا التأثير ما يعتري أغلب الناس من الظلمة التي تحدث في أذهانهم عند دخولهم بعض المنازل والدور. وخليق بالفقراء وزعماء الاشتراكية الذين يحسدون أهل الثراء وسادات الأشراف والنبلاء على تلك القصور الشاهقة والاطم العالية الرائعة التي يسكنونها أن؟؟؟؟ عليهم تلك المنازل فلعلهم أسعد حالاً ولعله أفضل لهم أن يعيشوا في تلك الأكواخ البسطة والمنازل الصغيرة اللطيفة من العيش في تلك القصور بعيدين عن الاضطرابات والوساوس والهواجس النفسانية التي تعتريهم في تلك القصور الرائعة التي لا تزال عليها آثار مظلمة رهيبة تملأ جو حجراتها وغرفها مما وقع فيها من جرائم وشرور.
وإذا كان بالإمكان أن يشعر ذو النفس الحساسة بأثر حادثة من حوادث الماضي فقد جاز أن
стр. 3116
يتمكن شخص منه حساسة أن يرى عياناً الشخص الذي وقعت له تلك الحادثة.
ولكني لا أكاد أصدق أن روح تلك الشخص بعينه هي التي تتراءى في مكان تلك الحادثة ولا أستطيع أن أصدق أن شخصاً كان ضحية جريمة من الجرائم منذ مائة سنة أو خمسين سنة يتقمص وتتبدى روحه في عين ألأثواب التي كان يرتديها فيتغشى الأماكن التي وقعت فيها الجريمة ولكن يجوز أن صورة الذهن تبقى ظاهرة في المكان الذي وقعت فيها آلام ذهنية شديدة.
وإن سألت كيف ولمَ فما أحد يستطيع أن يجيبك اليوم ولكن لعل الجيل الذي سيعقب جيلنا هذا قد يتمكن من حل الأسئلة، ولنضرب لك أمثلة ظهور الصور الذهنية للحوادث التي وقعت في ماضي الزمن. وإنني لا أرى مثلاً أبدع من الحادثة التي وقعت للسيدو جورديتش فربير. وهي سيدة جمعت إلى قوة الأعصاب رباطة الجأش بعد النظر والتفكير قبل التصديق والاقتناع فقد نامت تلك السيدة في حجرة من حجرات قصرها مبتون كورت وكان القصر مشهوراً بأن الأرواح ترتاده وتغشاه وقد وصفت ما حدث لها أتم الوصف حتى لا يتردد من يقرأ تلك الدقائق في الاقتناع بأن الحادثة التي حصلت كانت حقيقية ومنطقية على الوصف أتم الانطباق.
وكانت الحجرة التي تنام فيها غرفة صغيرة لا أستار لها ولا حجب. وليس بها إلا باب واحد بجانيب السرير وقد جاءت تلك السيدة إلى القصر خاصة لرؤية الشبح الذي يرتاد جوانب القصر فظلت ساعات من الليل تقرأ في كتاب ثم أخذ بها النوم ولكنها لم تلبث أن استيقظت على أصوات حركة وكان الظلام دامساً وخيل لها أن قوة مجهولة تمنعها من الوصول إلى المكان الذي وضعت عنده ثقاب الكبريت عندما أرادت أن تضيء الحجرة. ولما سألت عن الطارق لم تلق جواباً. وللحال ظهر بصيص من النور في وسط تلك الظلمة الحالكة وجعل البصيص ينتشر ويشع ويضيء حتى بان شبح سيدة مشوقة القد نحيلة جعلت تخطو ببطء في الحجرة حتى بلغت أقصى ركن منها فوقفت ثمت لا تتحرك. وقد استطاعت السيدة رواية الحادثة أن تتبين أن الشبح بكل دقة وقد وصفت تلك السيدة التي تراءت لها فقالت كان لها وجه جميل. وجه امرأة في الثلاثين أو تزيد خمساً. وكانت نحيلة في ثوب رمادي ناعم. قميص ووشاح.
стр. 3117
فأعادت السؤال على الشبح فلم تجب كذلك وإما رفعت ذراعيها وجثمت فوق ركبتيها ودفنت وجهها في راحتيها وجعلت تصلي ثم لم تلبث أن زال الضوء واختفى كل شيء. والأثر الذي أحدث ذلك المنظر في السيدة المشاهدة دل على أن تلك المرأة كانت في يأس واستسلام. على أن المشاهدة لم تنزعج مطلقاً ولم تضطرب أعصابها من هذا المشهد بل أخذت بقية الليل تقرأ في كتابها الذي تركته قبل النوم.
وهذه الحادثة وأمثالها كثيرات. ومن بينها ما روته السيدة تويديل في كتابها الأشباح التي رأيتها وهي سيدة مصدقة منة الثقات. فقد روت تلك الكاتبة أنها كانت تسكن يوماً في بيت قديم في غربي لندن. ففي ليلة قرة من ليالي الشتاء وإنها لمغفية بين النوم واليقظة. إذ سمعت صوتاً أشبه بتصفيح أوراق كثيفة ففتحت عينيها وإذ ذاك رجلاً جالساً في مقعد أمام الموقدة المشبوبة. وكان في ثوب عسكري من الطراز الذي كان يلبس في أيام القائد نلسون ذي أزرار نحاسية. وكان الرجل مجيلاً البصر في النار المشبوبة أمامه. وهو ممسك بإحدى يديه عدة أوراق وكان جميل الطلعة رائعاً غيسانياً. وظل ساعة في مجلسه ودخان النار متصاعد من فوق الأزرار النحاسية. ولبث كذلك حت الساعة الأولى من الصبح فاختفى بالتدريج. ورأت السيدة الشبح بعينه عدة مرات ولا مشاحة في أن الشبح كان دائماً في مكانه. وإنما رؤيته كانت تتوقف على حالة السيدة المشاهدة. وهذه الحادثة تشرح رأينا في أن ذلك الشبح إنما كان صورة ذهنية ظلت بالمكان الذي وقعت عنده الحادثة. فإن تلك الأوراق التي كانت في يده توحي إلى الإنسان إنها كانت وصية أو أوراقاً ذات أهمية كان ذلك الضابط بعدها أو كان تلقاها. وكانت قد أحدثت له مشاغل وآلاماً ودليل ذلك جلوسه أمام النار مفكراً واجماً سارحاً في التفكير.
وهنا أضرب لكم مثلاً من أعجب الأمثلة التي دونت منذ بضع سنين ونشرت في مجلة الوايد ورلد وأنا على أتم الاعتقاد بأن تلك القضية حقيقية، وقامت على أساس متين من الحقائق. وتفصيل تلك القصة إن سيدة وأطفالاً لها كانوا يسكنون بيتاً منفرداً منعزلاً على ساحل البحر وقد أزعجهم شبح جعل في ساعة معلومة من الليل يهبط سلالم البيت ثم يختفي في حجرة الطابق الأرضي في البيت. وكانت السيدة على شيء من الشجاعة فأجمعت النية على أن تجلس لانتظار رؤية ذلك الشبح فما لبثت عند حلول الميعاد المعلوم
стр. 3118
أن رأته أمامها وتبينت ثم رجلاً قزماً شيخاً في ثوب بال عتيق يحمل حذاءيه في يديه غير منتعل وهو يخرج نوراً أصفر براقاً. فجعل ينزل مدارج السلم بخطى ثقيلة بينة الوقع فعزمت السيدة أن لا تكاشف أحداً من أهل البيت بالأمر ولكن مرضعاً في الدار لطفل من أطفال السيدة جاءت تصرخ وتصيح قائلة أنها رأت في البيت رجلاً عجوزاً مخيفاً وقد رأته وهي تنزل السلم إلى قاعة المائدة لتحضر قدحاً من الماء وشهدته عياناً وقد جلس إلى مقعد وجعل يخلع نعليه وقد تبينته من النور الذي كان معه لأنها لم تجد من اضطرابها وقتاً لإشعال عود الكبريت. فقام وزوج السيدة وأخوها بتحقيق الأمر فوجدا أن هناك تحت البيت قبواً أو مخزناً كان يؤدي إلى مغارة أو كهف يتصل بمياه البحر فدل ذلك على أن المكان كان معداً لتهريب البضائع. فقام الزوج وشقيق السيدة بتحقيق الأمر ومشاهدة ذلك القبو. وإذ ذاك رأيا أشنع منظر وشهدا أرهب مشهد. وجدا رجلين في صراع مخيف وشجار رهيب. وتغلب رجل منهما على الآخر فصرعه إلى الأرض وقتله ثم حمل جثته إلى الكهف وراح يدفن السكين في حفرة في الأرض. وكان الزوج هو الذي تمكن وحده من رؤية الرجل وهو يدفن السكين وأغرب ما في الأمر أن الزوج أخرج فعلاً سكيناً من أرض الكهف بعد ذلك. وشهد الرجلان بعد هذا الحادث القاتل يمر بهما فتبعاه ودخل قاعة الطعام فشرب كأساً من الخمر ثم خلع نعليه وحملهما في يده وصعد السلم ودخل حجرة من الحجرات واختفى. وكانت تلك الأفعال تحدث منه كل ليلة يرقبانه فيها.
فانتهى منهم البحث إلا الاستدلال على أن البيت كان يسكنه منذ عدة سنين إخوان جمعا ثروة طائلة من وراء التهريب وكانا يجمعان المال على نية المشاركة فأراد أحدهما الزواج فطلب أخذ نصيبه من الثروة ولكنه لم يلبث أن اختفى فجأة وأشيع عنه أنه ركب البحر في سفرة طويلة وأعقب ذلك أن الأخ الثاني لم يلبث أن جن. ولم يظهر سر اختفاء أخيه في حياته البتة وهنا نقول أن الحجرة التي دخل فيها الشبح كانت تحوي دولاباً لعله كان خزانة المال الذي جمعاه من تهريب البضائع. والغالب على الظن أن حمل الرجل نعليه في يديه كان باعثه أن القاتل يخشى حارس البيت ويخاف أن يسمع وقع أقدامه في هدأة الليل.
من هذه القصة نستطيع أن نتصور أنه في تلك المجالدة الأخوية المخيفة كان الرجلان في أشد ثورة العواطف حتى تركت أثراً في لوحة المكان الذي وقعت فيه. وهذا الأثر ظهر
стр. 3119
جلياً لكل من السيدة والزوج والممرضة والأخ. لأنهم جميعاً رأوا الشبح مما يدل على أن صورته كانت لا تزال متينة لم تتغير وهنا نقول أن القصة مثل من الأمثلة الدالة على وجود صور ذهنية تنطبع فوق لوحة الزمن والمكان في أوقات الشدائد وثوران العواطف. وإنه كلما كانت العاطفة شديدة عند وقوع الحادث. كان الشبح أثبت على البقاء عدة سنين.
стр. 3120
أشعار منثورة
للكاتب الروائي الروسي تورجنيف
ينقلها إلى العربية الكاتب الفاضل علي أفندي أدهم
لا نزال نجاهد
أي حادث تافه زهيد قد ينتقل الإنسان في بعض الأحايين من حال إلى حال؟
مشيت مرة في الطريق ولخطرات الهموم الهواجس في نفسي أي اعتلاج، وكان قلبي قد كظته أوصاب مخاوف سوداء ثم رفعت رأسي وكان الطريق ينطلق أمامي انطلاق السهم بين صفين من شجر الحور المتطاول الفارع.
فوق ذلك الطريق على مسافة عشر خطوات مني في أشعة الشمس الذهبية المتلألئة الباهرة للعيون السادرة للأبصار كانت تثب طائفة من العصافير بسلاطة وخفة وحسن ثقة بالنفس ولمحت واحداً منها خاصاً كان يطفر على جوانب الطريق بعزيمة المستئيس وهمة المستميت نافخاً صدره مغرّداً في زهو وطغيان وتصلف كأنه يريد أن يقول ليس ثمت ما يخشى.
مجاهد صغير مستبسل مغامر أروع مقدام؟
وفي الوقت نفسه كان باز يرنق بجناحيه في أعنان السماء كأنه قد قيض لابتلاع هذا المجاهد الباسل الصغير.
فنظرت وتضاحكت وانتفضت نفسي فتبدد عني شمل الخواطر الحزينة وشعرت بتجديد العزيمة والإقدام وتوقد الحماس للحياة.
دع بازي أيضاً يرنق بأجنحته فوقي فإننا سنجاهد ولا نعبأ بشيء.
ن. ن
في سكون ورشاقة أنت تسيرين في طريق الحياة، فلا دموع ولا ابتسامات وقل أن تنبعث من عينيك نظرة غير مكترثة صادرة عن انتباه بدون احتفال تتخلل سكونك.
أنت صالحة عاقلة وفي منتأى عن كل شيء وليس بك منة حاجة إلى أي إنسان.
أنت حسناء ولا يستطيع أحد أن يدري أأنت تقدرين حسنك أم لا؟ وليس عندك عطف فتمنحيه ولا ود فتبذليه ولست ترغبين في أحد.
следующие страницы →