← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

يتمكن شخص منه حساسة أن يرى عياناً الشخص الذي وقعت له تلك الحادثة. ولكني لا أكاد أصدق أن روح تلك الشخص بعينه هي التي تتراءى في مكان تلك الحادثة ولا أستطيع أن أصدق أن شخصاً كان ضحية جريمة من الجرائم منذ مائة سنة أو خمسين سنة يتقمص وتتبدى روحه في عين ألأثواب التي كان يرتديها فيتغشى الأماكن التي وقعت فيها الجريمة ولكن يجوز أن صورة الذهن تبقى ظاهرة في المكان الذي وقعت فيها آلام ذهنية شديدة. وإن سألت كيف ولمَ فما أحد يستطيع أن يجيبك اليوم ولكن لعل الجيل الذي سيعقب جيلنا هذا قد يتمكن من حل الأسئلة، ولنضرب لك أمثلة ظهور الصور الذهنية للحوادث التي وقعت في ماضي الزمن. وإنني لا أرى مثلاً أبدع من الحادثة التي وقعت للسيدو جورديتش فربير. وهي سيدة جمعت إلى قوة الأعصاب رباطة الجأش بعد النظر والتفكير قبل التصديق والاقتناع فقد نامت تلك السيدة في حجرة من حجرات قصرها مبتون كورت وكان القصر مشهوراً بأن الأرواح ترتاده وتغشاه وقد وصفت ما حدث لها أتم الوصف حتى لا يتردد من يقرأ تلك الدقائق في الاقتناع بأن الحادثة التي حصلت كانت حقيقية ومنطقية على الوصف أتم الانطباق. وكانت الحجرة التي تنام فيها غرفة صغيرة لا أستار لها ولا حجب. وليس بها إلا باب واحد بجانيب السرير وقد جاءت تلك السيدة إلى القصر خاصة لرؤية الشبح الذي يرتاد جوانب القصر فظلت ساعات من الليل تقرأ في كتاب ثم أخذ بها النوم ولكنها لم تلبث أن استيقظت على أصوات حركة وكان الظلام دامساً وخيل لها أن قوة مجهولة تمنعها من الوصول إلى المكان الذي وضعت عنده ثقاب الكبريت عندما أرادت أن تضيء الحجرة. ولما سألت عن الطارق لم تلق جواباً. وللحال ظهر بصيص من النور في وسط تلك الظلمة الحالكة وجعل البصيص ينتشر ويشع ويضيء حتى بان شبح سيدة مشوقة القد نحيلة جعلت تخطو ببطء في الحجرة حتى بلغت أقصى ركن منها فوقفت ثمت لا تتحرك. وقد استطاعت السيدة رواية الحادثة أن تتبين أن الشبح بكل دقة وقد وصفت تلك السيدة التي تراءت لها فقالت كان لها وجه جميل. وجه امرأة في الثلاثين أو تزيد خمساً. وكانت نحيلة في ثوب رمادي ناعم. قميص ووشاح.

стр. 3117

فأعادت السؤال على الشبح فلم تجب كذلك وإما رفعت ذراعيها وجثمت فوق ركبتيها ودفنت وجهها في راحتيها وجعلت تصلي ثم لم تلبث أن زال الضوء واختفى كل شيء. والأثر الذي أحدث ذلك المنظر في السيدة المشاهدة دل على أن تلك المرأة كانت في يأس واستسلام. على أن المشاهدة لم تنزعج مطلقاً ولم تضطرب أعصابها من هذا المشهد بل أخذت بقية الليل تقرأ في كتابها الذي تركته قبل النوم. وهذه الحادثة وأمثالها كثيرات. ومن بينها ما روته السيدة تويديل في كتابها الأشباح التي رأيتها وهي سيدة مصدقة منة الثقات. فقد روت تلك الكاتبة أنها كانت تسكن يوماً في بيت قديم في غربي لندن. ففي ليلة قرة من ليالي الشتاء وإنها لمغفية بين النوم واليقظة. إذ سمعت صوتاً أشبه بتصفيح أوراق كثيفة ففتحت عينيها وإذ ذاك رجلاً جالساً في مقعد أمام الموقدة المشبوبة. وكان في ثوب عسكري من الطراز الذي كان يلبس في أيام القائد نلسون ذي أزرار نحاسية. وكان الرجل مجيلاً البصر في النار المشبوبة أمامه. وهو ممسك بإحدى يديه عدة أوراق وكان جميل الطلعة رائعاً غيسانياً. وظل ساعة في مجلسه ودخان النار متصاعد من فوق الأزرار النحاسية. ولبث كذلك حت الساعة الأولى من الصبح فاختفى بالتدريج. ورأت السيدة الشبح بعينه عدة مرات ولا مشاحة في أن الشبح كان دائماً في مكانه. وإنما رؤيته كانت تتوقف على حالة السيدة المشاهدة. وهذه الحادثة تشرح رأينا في أن ذلك الشبح إنما كان صورة ذهنية ظلت بالمكان الذي وقعت عنده الحادثة. فإن تلك الأوراق التي كانت في يده توحي إلى الإنسان إنها كانت وصية أو أوراقاً ذات أهمية كان ذلك الضابط بعدها أو كان تلقاها. وكانت قد أحدثت له مشاغل وآلاماً ودليل ذلك جلوسه أمام النار مفكراً واجماً سارحاً في التفكير. وهنا أضرب لكم مثلاً من أعجب الأمثلة التي دونت منذ بضع سنين ونشرت في مجلة الوايد ورلد وأنا على أتم الاعتقاد بأن تلك القضية حقيقية، وقامت على أساس متين من الحقائق. وتفصيل تلك القصة إن سيدة وأطفالاً لها كانوا يسكنون بيتاً منفرداً منعزلاً على ساحل البحر وقد أزعجهم شبح جعل في ساعة معلومة من الليل يهبط سلالم البيت ثم يختفي في حجرة الطابق الأرضي في البيت. وكانت السيدة على شيء من الشجاعة فأجمعت النية على أن تجلس لانتظار رؤية ذلك الشبح فما لبثت عند حلول الميعاد المعلوم

стр. 3118

أن رأته أمامها وتبينت ثم رجلاً قزماً شيخاً في ثوب بال عتيق يحمل حذاءيه في يديه غير منتعل وهو يخرج نوراً أصفر براقاً. فجعل ينزل مدارج السلم بخطى ثقيلة بينة الوقع فعزمت السيدة أن لا تكاشف أحداً من أهل البيت بالأمر ولكن مرضعاً في الدار لطفل من أطفال السيدة جاءت تصرخ وتصيح قائلة أنها رأت في البيت رجلاً عجوزاً مخيفاً وقد رأته وهي تنزل السلم إلى قاعة المائدة لتحضر قدحاً من الماء وشهدته عياناً وقد جلس إلى مقعد وجعل يخلع نعليه وقد تبينته من النور الذي كان معه لأنها لم تجد من اضطرابها وقتاً لإشعال عود الكبريت. فقام وزوج السيدة وأخوها بتحقيق الأمر فوجدا أن هناك تحت البيت قبواً أو مخزناً كان يؤدي إلى مغارة أو كهف يتصل بمياه البحر فدل ذلك على أن المكان كان معداً لتهريب البضائع. فقام الزوج وشقيق السيدة بتحقيق الأمر ومشاهدة ذلك القبو. وإذ ذاك رأيا أشنع منظر وشهدا أرهب مشهد. وجدا رجلين في صراع مخيف وشجار رهيب. وتغلب رجل منهما على الآخر فصرعه إلى الأرض وقتله ثم حمل جثته إلى الكهف وراح يدفن السكين في حفرة في الأرض. وكان الزوج هو الذي تمكن وحده من رؤية الرجل وهو يدفن السكين وأغرب ما في الأمر أن الزوج أخرج فعلاً سكيناً من أرض الكهف بعد ذلك. وشهد الرجلان بعد هذا الحادث القاتل يمر بهما فتبعاه ودخل قاعة الطعام فشرب كأساً من الخمر ثم خلع نعليه وحملهما في يده وصعد السلم ودخل حجرة من الحجرات واختفى. وكانت تلك الأفعال تحدث منه كل ليلة يرقبانه فيها. فانتهى منهم البحث إلا الاستدلال على أن البيت كان يسكنه منذ عدة سنين إخوان جمعا ثروة طائلة من وراء التهريب وكانا يجمعان المال على نية المشاركة فأراد أحدهما الزواج فطلب أخذ نصيبه من الثروة ولكنه لم يلبث أن اختفى فجأة وأشيع عنه أنه ركب البحر في سفرة طويلة وأعقب ذلك أن الأخ الثاني لم يلبث أن جن. ولم يظهر سر اختفاء أخيه في حياته البتة وهنا نقول أن الحجرة التي دخل فيها الشبح كانت تحوي دولاباً لعله كان خزانة المال الذي جمعاه من تهريب البضائع. والغالب على الظن أن حمل الرجل نعليه في يديه كان باعثه أن القاتل يخشى حارس البيت ويخاف أن يسمع وقع أقدامه في هدأة الليل. من هذه القصة نستطيع أن نتصور أنه في تلك المجالدة الأخوية المخيفة كان الرجلان في أشد ثورة العواطف حتى تركت أثراً في لوحة المكان الذي وقعت فيه. وهذا الأثر ظهر

стр. 3119

جلياً لكل من السيدة والزوج والممرضة والأخ. لأنهم جميعاً رأوا الشبح مما يدل على أن صورته كانت لا تزال متينة لم تتغير وهنا نقول أن القصة مثل من الأمثلة الدالة على وجود صور ذهنية تنطبع فوق لوحة الزمن والمكان في أوقات الشدائد وثوران العواطف. وإنه كلما كانت العاطفة شديدة عند وقوع الحادث. كان الشبح أثبت على البقاء عدة سنين.

стр. 3120

أشعار منثورة للكاتب الروائي الروسي تورجنيف ينقلها إلى العربية الكاتب الفاضل علي أفندي أدهم لا نزال نجاهد أي حادث تافه زهيد قد ينتقل الإنسان في بعض الأحايين من حال إلى حال؟ مشيت مرة في الطريق ولخطرات الهموم الهواجس في نفسي أي اعتلاج، وكان قلبي قد كظته أوصاب مخاوف سوداء ثم رفعت رأسي وكان الطريق ينطلق أمامي انطلاق السهم بين صفين من شجر الحور المتطاول الفارع. فوق ذلك الطريق على مسافة عشر خطوات مني في أشعة الشمس الذهبية المتلألئة الباهرة للعيون السادرة للأبصار كانت تثب طائفة من العصافير بسلاطة وخفة وحسن ثقة بالنفس ولمحت واحداً منها خاصاً كان يطفر على جوانب الطريق بعزيمة المستئيس وهمة المستميت نافخاً صدره مغرّداً في زهو وطغيان وتصلف كأنه يريد أن يقول ليس ثمت ما يخشى. مجاهد صغير مستبسل مغامر أروع مقدام؟ وفي الوقت نفسه كان باز يرنق بجناحيه في أعنان السماء كأنه قد قيض لابتلاع هذا المجاهد الباسل الصغير. فنظرت وتضاحكت وانتفضت نفسي فتبدد عني شمل الخواطر الحزينة وشعرت بتجديد العزيمة والإقدام وتوقد الحماس للحياة. دع بازي أيضاً يرنق بأجنحته فوقي فإننا سنجاهد ولا نعبأ بشيء. ن. ن في سكون ورشاقة أنت تسيرين في طريق الحياة، فلا دموع ولا ابتسامات وقل أن تنبعث من عينيك نظرة غير مكترثة صادرة عن انتباه بدون احتفال تتخلل سكونك. أنت صالحة عاقلة وفي منتأى عن كل شيء وليس بك منة حاجة إلى أي إنسان. أنت حسناء ولا يستطيع أحد أن يدري أأنت تقدرين حسنك أم لا؟ وليس عندك عطف فتمنحيه ولا ود فتبذليه ولست ترغبين في أحد.

стр. 3121

نظرتك عميقة ولا فكر فيها وفي ذلك العمق الواضح المستبين فراغ. كذلك في حقول الجنة ومزارعها تتحرك الظلال اللطائف على الأنغام الموقرة المصبوبة بلا حزن ولا سرور. غداً غداً كل يوم نعيشه ونقضيه يكاد يكون فارغاً مملاً قليل المنفعة والجدوى وليس يترك وراءه سوى القليل من الآثار وأن الساعات القليلة عندما تمر الواحدة تخطف في ذيل الأخرى لجنونية مفقود المعنى. ولكن بعد ذلك يرتضي الإنسان الوجود ويغالي بالحياة ويعلق عليها الآمال وعلى نفسه وعلى المستقبل، وأي عميم من الخبر ومستفيض من اليمن ينتظره من المستقبل ويرجّيه من ورائه. ولكن لماذا يخيل له أن الأيام المقبلة سوف لا تكون مثل هذا اليوم الذي عاشه. ولكنه لا يتصور حتى ذلك وهو لا يحب التفكير وهو يحس بذلك صنعاً. آه الغد الغد؟ وهو يرفه عن نفسه بذلك حتى يطوح به ذلك الغد في القبر وفي القبر لا اختيار ولا تفكير. رجلان مثريان عندما أسمع إطراء الرجل التمول روتشلد الذي يوقف من ريعه الضخم وثروته الطائلة الآلاف لتربية الأطفال والعناية بالمرضى والآخذ بيد العجائز والمقعدين أستحسن منه ذلك ويصيب مني مواقع الرقة والتأثير. ولكني وأنا في غمرة ذلك التأثير الحسن لا أتناسى مزارعاً آوى إلى كوخه ابنة أخ له يتيمة. قالت له امرأته: إذا نحنح أوينا كانكا فنصرف من أجلها كل نقودنا ونبددها ونصبح لا نملك ما يكفي لاستحضار ملح نتناوله طعاماً مع قطعة من الخبز. فقال زوجها الزراع حسن - نستغني عن الملح! إن روتشلد جِدُّ متأخر عن ذلك المزارع. الطبيعة

стр. 3122

أريت فيما يُرى النائم أني جئت معبداً ضخماً تحت الأرض ذا سقف عال مقوس وقد كان غاصاً بأنوار أرضية متشابهة وفي وسط المعبد كانت تجلس امرأة وقور فخمة عليها ثوب أخضر فضفاض وكانت قد أسندت رأسها إلى يدها وكان يلوح عليها أنها مسترسلة في تفكير عميق. علمت في الفور أن هذه المرأة هي الطبيعة نفسها فسرت في نفسي رجفة احترام ممزوج بخوف صاعد من قرارة روحي. وأتيت تلك الصورة الجالسة وانحنيت بإكبار وقلت يا أمنا وأم الجميع فيم تفكرين؟ أتفكرين في مستقبل الإنسانية وكيف ينال الإنسان أسمى ما في دائرة الامكان من الكمال والسعادة. فحركت المرأة عينيها السوداوين الرهيبتين في بكاء وتراخ وتمتمت شفتيها فسمعت صوتاً رناناً صليل الحديد يقول أني أفكر في كيف أمنح قوة أوفر لساق البرغوث ليتسنى له الفرار من أعدائه على أحسن وجه فإن ميزان الهجوم والدفاع مختل غير متزن فيه ويجب أن يراعى ويحفظ. فتلجلجت في الجواب وقلت ماذا؟ وما الذي تفكرين فيه؟ أولسنا نحن بني الإنسان أولادك الأعزاء؟ فتململت ثم قالت كل المخلوقات أبنائي وإن عنايتي ترفرف فوق الجميع وأنا كذلك أفني الجميع وأبيدهم. فأجبتها متلجلجاً، ولكن الحق والعقل والعدل. فقالت بصوتها الحديدي: هذه كلمات الإنسان! وإني لا أعرف الحق من غيره وإن العقل قانون الإنسان وماذا يعنيني من العدل؟ لقد وهبتك الحياة وسأستردها وأهبها لغيرك أديداناً كانوا أم رجالا - أنا لا أبالي. فانظر في خلال ذلك لنفسك ولا تقف في سبيلي - وكنت أود مراجعتها ولكن ألأرض اهتزت وتنهدت فاستيقظت.

стр. 3123

سلطان مضحك مولاي الحفيظ ومضحكاته يعرف الشرقيون مولاي الحفيظ سلطان مراكش السابق، وما كان من تنازله عن الملك، وتركه السلطان لفرنسا، ونحن نذكر القراء بما نشرناه عنه من قبل يوم ضرب الموعد لاستلامه المبلغ المتفق عليه وقدره أربعون ألفاً من الجنيهات من القائد ليوتي: المعتمد السامي في مراكش. على أن يسلمه عهد التنازل. فقد وقف السلطان أمام القائد يحمل عهد التنازل في يد ويمد الأخرى إلى الجنرال لتناول المال. وجعل يمد يده بعهد التنازل ثم يراخيها. ويبسطها ثم يقبضها. خوفاً من أن تكون ثمت خديعة يراد منها أن سيحب منه التنازل ولا يقبض المال المتفق عليه. ولقد كان منظراً مضحكاً. ومشهداً آية في الغرابة. إذ وقف الحفيظ هكذا كالأطفال. لا يريد أن يتنازل عن القرش حتى يعطى قطعة الحلوى. وقد كان ذلك على ظهر سفينة من سفائن الفرنسيس وكانت النية في ذلك أن يسافر الحفيظ إلى جبل طارق ومنها على صدر المحيط إلى فرنسا تنزهاً وترويجاً عن نفسه وأبعاداً له عن مقر ملكه الذي باعه في سبيل مال قليل لا تباع به العروش. وقد وصف أحد كتاب الإنجليز ما كان من الحفيظ في رحلته من عجائب خلقه. ومضحكات أطواره. وكان ذلك الكاتب مسافراً في السفينة يعنيها إلى باريس. وكان قد أقام ردحاً من الزمن في مراكش وعرف الحفيظ واختلط به. وقد نشر تلك. المذكرات عنه في مجلة كبري من مجلات الإنكليز. ولغرابة موضوعها. واحتوائها الكثير من الفكاهة والمجون. آثرنا أن نطوف بها قراء البيان. * * * قال الكاتب: وصلت بنا الباخرة في اليوم التالي وعلى صدرها السلطان. إلى جبل طارق. وقد اتفق لكاتب هذه السطور أن ان عائداً من مراكش إلى موطنه في إنجلتره عن طريق فرنسا. وكان يريد أن يرحل في سفينة أخرى. ولكنه أراد أن يودع صحابة له من حاشية السلطان والموظفين الفرنسيين المسافرين في حراسته على ظهر السفينة قبل ارتحالها. وكانت الرغبة أن يتجنب رؤية الحفيظ ويتحاشى لقاءه لأن السلطان كان منه مغضباً. ووقع

стр. 3124

بينه وبين الكاتب شجار طويل في فاس قلب السفر بنحو خمسة أشهر إذ جعل الحفيظ يصب جام غضبه الملوكي على الكاتب لنشره المقالات الضافية عن الفظائع التي كان الحفيظ يرتكبها في مراكش قبل اعتزاله. ولذلك نزل السفينة وهي بالساحل راسية ليودع أصحابه وهو متحرش أن يرى السلطان مخافة أن يصب عليه غضبه مرة أخرى. ولكن السلطان ما كاد يلمحه وهو يخطو إلى السفينة حتى أسرع إليه فعانقه أحر عناق بين صديقين ودودين وقال لمن حوله أنه إذا لم يوافق كاتب هذه السطور على السفر معه في حاشيته. فليس على الحفيظ إلا أن يعلن أنه في منطقة المياه البريطانية ويرفض التقدم خطوة واحدة. كان المركز حرجاً، والمأزق صعباً، فتشاور الموظفون الفرنسيون فيما بينهم، وعرضوا عليّ الفكرة فأينت لهم أن خطتي قد وضعت، ولا أستطيع تغييرها، ولكن السلطان ظل على إصراره، فوقع المندوبون الفرنسيون في حيص بيص وجعلوا يرجون إليّ أن تنازل عن فكرتي وأسافر معهم فلما رأيت الأمر ازداد حرجاً، لم يسعني إلا القبول، فبدأت ثرثرة السلطان، وفرح بالأمر، وارتضى السفر وما كاد النهار ينتصف حتى كنا مغذين السير إلى مرسيليا وقد أدركت السبب الذب من أجله أبى السلطان إلا أن أكون معه، على الرغم من شدة كراهيته لي، ذلك أنه كان مضطرباً منزعج الأعصاب، متوهماً أنه كان معتقلاً، وإن النية فيه أن يؤخذ إلى فرنسا فيزج في غيابات السجن، ولهذا أراد أن يكون من بين حاشيته رجل إنكليزي أو رجلان، ليكونا شاهدين على ما يكون من الفرنسيين معه، على أنه لم تخطر هذه الفكرة بأذهان الفرنسيين البتة، ولم تكن على بال الحكومة الفرنسية. وبعد يومين وصلت الباخرة مارسيليا فاستقبل السلطان استقبالاً رسمياً إذ علقت الأعلام. فوق الميناء وخفقت الرايات. واصطف حرس من الفرسان وصدحت الموسيقى العسكرية بالتحية. وعلى أن مولاي الحفيظ لم يكن معروفة في فرنسا. فقد لفتت رحلته أنظار الشعب الفرنسي واهتم القوم به وبتحليل شخصيته. وكان إذ ذاك النجم المتألق. وظهرت صورته في الصحف ونشرت سياحته وبرنامج زيارته في الجرائد واجترأ مصنع من مصانع الأساور فملاً حيطان الحانوت بصور الحفيظ وهو يلبس تلك الأساور. وكان مولاي الحفيظ على الرغم من عدم اكتراثه بسرعة السيارات التي نركبها شديد

стр. 3125

الجزع من سرعة القطار وكان من الصعب إقناعه بوجوب ركوب القطار إلى مدينة فيشي للاستحمام بمياهها المعدنية المشهورة فإن المسافة شاسعة والسفر مع حاشيته الكبيرة والضباط الفرنسيين الكثيرين شاق بالسيارات. فبعد أيام ثلاثة من مقامه بمارسيليا ركب المركبة الخاصة به في القطار الذي أعد له ولحاشيته وحرسه ليقله إلى ذلك المصطاف الجميل فما كاد القطار يترك إلافريز وينهب الأرض نهباً. حتى جزع السلطان واضطربت أعصابه واشتد قلقه ولم يستطع أن يكتم خوفه ويسر جزعه فلما زاد القطار سرعته. صاح السلطان طالباً إيقاف القطار وقال أنه يؤثر أن يصل إلى فيشي سعياً على القدم من أن يظل دقيقة واحدة في ذلك القطار اللعين. وبلغ جزعه الحد الأقصى. وتناهت مخاوفه. إذ بلغ القطار فسرب فيه وما لبث أن جري في ظلمة طخياء وحلكة شديدة وكان منظر السلطان يستثير الشفقة فقد جعل يتشبث بذراع الضابط الفرنسي الذي كان بجانبه والرعب في عينيه وهب لا ينفك يصيح. قل لهم أن يوقفوا القطار. لماذا لا تأمرهم بإيقاف القطار: وكان رعب حاشيته من المراكشيين أشد ظهوراً. إذ جعلوا يصرخون ويتماسكون ويتشبثون بعضهم ببعض خوفاً وهولاً ثم ما لبث القطار أن نفذ من النفق فعاد يجري في أرض سهلة وضياء منبسط فاستوى السلطان في مجلسه وسرى عنه. وذهب الروع، وراح يقول في لهجة عظيمة جريحة متألمة تكرم بكفهم عن هذا العمل! قال الضابط: أخشي أن لا يكون ذلك ممكناً. فقال السلطان: ولماذا قال الضابط: لأن القطار لا بد من أن يجري في سفح الجبل فنهض السلطان من مجلسه وراح يقول: إذن فيجب أن يقف القطار عن المسير وسأمشي فوق الجبال حتى الحق به عند تركه هذه الجهة. فصاح الضابط مقاطعاً مبيناً للسلطان مقدار المسافة: فلم يكن من السلطان إلا أن قال لا اتهمني المسافة أصلاً: فإنني أفضل أي شيء غير هذه الالآم التي يحدثها لي القطار. فبعد لأي استطاع القوم الذين حوله أن يقنعوه بالرضي بالسفر فأذعن صابراً: ولكنه لم ينفك طول المساء يلعن مخترع القطارات وبناة السكك الحديدية ويشتم مخترعي الفق خاصة وبفردهم بذمه ولعناته. وحدث عن الأشياء الكثيرة التي جعل يشتريها الحفيظ ولا حرج ففي

стр. 3126

ذات يوم ونحن في فيشى معه انطلق السلطان فزار ضيعة قريبة من الموضع وأصر على أن يطوف خلالها ويجوس بين ديارها وأرباضها حتى جاء إلى مكان اجتمع فيه قطيع كبير من الماشية فقرر السلطان ابتياع القطيع برمته ودفع إلى صاحب النعم بطاقته (كرته) وقال: لترسل الأغنام بهذ العنوان الليلة وكان العنوان الذي ذكره في البطاقة، فندق ماجستيك وهو أبدع قصور فيشى وفنادقها الفخمة، فما كادت تؤذن الساعة الحادية عشرة من تلك الليلة بعينها. وهي الساعة التي يكون الفندق فيها في أشد حركته، والنازلون به في أشد سمرهم، وأعز حوارهم وطوفاتهم حتى جاء صاحب الفندق إلى وأخبرني بأنه قد وصلت إلى الفندق سبع وعشرون بقرة بيضاء على غير انتظار وقد ادخلت رحبة الفندق وهي إذ ذاك به، فرأيت ثم أبقاراً بيضاً غلاظاً، تجري مصطدمة متدفعة في وسط عشرات من السيارات وهي في خوار وصياح، والخدم حولها مزدحمون بفصلون بعضها عن بعض، تلك كانت صفقة السلطان، ولا أعلم أين كان مبيت تلك الأبقار في تلك الليلة، ولكن اضطر صاحب الفندق في اليوم الثاني أن يجد لها مكاناً صالحاً. وكان السلطان يتناول العشاء في حجرة الطعام الكبرى في الفندق، وقد أعدت له مائدة متعالية حتى يكون على مستشرف من الآكلين جميعاً - وهم صفوة أهل باريس، وخيرة النجوم المتألقة في الحياة، وأعمدة المجتمع التسامية، ففي ذات مساء، والقوم صافون حول الموائد والسلطان إلى المائدة جالس، إذ جعل ينظر نظرات ذهول وشرود ذهن إلى الجلاس وبرتو إليهم رجل مشفق عليهم. راث لحالهم، وكان قليل الكلام، ملازم الصوت وأخيراً استدعي صاحب الفندق فهرع إليه الرجل في أدب وشدة إجلال فلما وقف أمامه راح الحفيظ يقول وهو يشير إلى جمع الجالسين في المائدة: إن هذا الجمع موزع اسوأ توزيع، وكثيرون منهم لهذا الترتيب السيء متألمون، يبدو عليهم الحزن، وتتجلى شيماء الكآبة على معارفهم، فلنعمل على ترتيبهم كما يجب فإن هذا الرجل العجوز ذا اللحية الشهباء المستطيلة لا حق له في الجلوس بجانب تلك السيدة الشابة الحسناء ذات القبعة الطويلة الجميلة والعقد اللؤلؤى المتلألئ - فإن ثمت فارقاً فظيعاً بين عمريهما، فيجب أن تجاس بجانب ذلك الضابط الفتى الجالس هناك: وأشار إلى مائدة أخرى - لأن السيدة العجوز التي تجلس بثيابه - وكأنها أمه وخالته - هي التي ينبغي أن تكون جلية ذلك العجوز ذي اللحية

стр. 3127

البيضاء. ألا ينبغي لك أن تمهد السعادة لضيوف فندقك، وتعمل على راحة النازلين بدارك وهنا أشار إلى جهة أخرى من الحجرة، والآن ألا ترى تلك السيدة الجالسة هناك تبدو حزينة متألمة، وقد جعلت تضرب الصحفة التي أمامها بطرف شوكتها دون أن تمس طعاماً، ويلوح لي أنها كارهة الجلوس بجانب الرجل الذي بجانبها ولعله زوجها. أنني مراقب حركاتها طول هذه المدة وقد رأيتها تنظر إلى الفتى الجميل الذي يجلس هناك وحيداً بفتل شاربه فاذهب وقم بواجب تعريفها بعضهما فإن زوجها لم يخاطبها بكلمة واحدة كل هذا المساء فاذهب وافعل كا أشرت عليك، وبذلك تجعل من مخلوقين محزونين إنسانين سعيدين فرحين فإذا ساء الزوج ذلك، واسوحش العزلة فادع إلى الجلوس بجانبه تلك السيدة ذات الفروع الحمراء التي تخالسه النظرات. وإذ ذاك تستطيع أن تشغله عن زوجته. هذا التقسيم جميل بلا شك ولطيف الغاية، ولكن للأسف لم يكن في إلا مكان إنفاذه وكانت الأيام التي قضاها السلطان في فيشى غائمة سوداء لا تطالعها شمس، ولكن لم تلبث الشمس أن أعلنت نفسها فكان صباح جميل ناضر، فرأى السلطان أن يغير المكان الذي اعتاد المكث والمبيت، فوجد في الناحية المقابلة حجرة ذات شرفة ازدانت بالأزاهر، فدخلها وفي أثره غلمانه وخدمه، ولما رأى الشرير فيها أمر الغلمان بأزاحته إلى جانب الناقدة المؤدية إلى الشرفة، وجلس هو على الزرابي في الشرفة جلسة القرفصاء وراح يطل على الشارع. على أن تلك كانت السيدة نبيلة من الروس وكانت قد ذهبت إلى الحمام لتبترد، فلما انتهت من الاستحمام دخلت الحجرة متفصلة من ثيابها ليس عليها إلا ثوب الحمام فإذا بها أما رجل شرقي أسمر المعارف، وحوله غلمان سود، وخدم في القفاطين، فذعرت السيدة، ولكن السلطان قابلها بأشد الاحتشام، وألطف عبارات التأدب، ودليل الأدب أنه عزم عليها إلا ما جلست بجانبه على الزرابي. فقابلت السيدة ذلك بالتلطف ولولا ذلك لازداد الأمر حرجاً، ودعى كاتب هذه السطور في الحال لفض المشكل، فانفض على خير وجاء زوج السيدة فجعل الزوجان يضحكان من هذه المباغتة المسرحية. ومثلت ليلة في الأوبرا تحت رعاية السلطان وكانت الرواية غنائية، وأنتم تعلمون أن الغناء في مراكش أو قل في الشرق عامة يختلف والغناء الفرنجي أشد الاختلاف، وكان المغنى في تلك الرواية رجلاً جهيراً ذا صوت كالرعد، غما كادت الأوركسترا تعزف وتعينه على

стр. 3128

القطعة الثانية، حتى انفجر صوته فملأ قاعة الملهى وجوها كله. فاضطرب السلطان الحفيظ إذ لم تفعل فيه الموسيقى الأثر الذي فعلته في الجمهور. ولم يقهم من كل هذه الصيحات الغنائية والإشارات التي جعل الرجل يصحبها بالغناء إلا أن الممثل كان مريضاً يحس آلاماً شديدة ولا سيما أنه كلما رفع بالغناء عقيرته. راح يلوح بذراعيه في الهواء، ثم يدنيهما حتى يمسا معدته. فلما رأى السلطان الرجل مسترسلاً في الصياح. لم يلبث أن نهض من مجلسه مذعوراً وصاح. أين الطبيب، أين الطبيب، ليذهب لاستدعائه رجل منكم فلعله مستطيع أن ينقذ حياة هذا الرجل المسكين: وما كاد ينتهي من عبارته حتى أرسل عينيه تدوران في الملهى تبحث عن الطبيب وهو في أشيد الجزع على المغني ولكن بعد أشد الجهد استطعنا أن نقنع السلطان بأن الرجل ليس مريضاً بل كان يغني لتسلية الجمهور. ولكنه لم يصدق بتة وجلس برهةً ثم سئم الغناء وسماعه فترك المكان قبل أن تنتهي الرواية، فلما كان اليوم التالي سألني عما حدث في الفصل الأخير فلما نبيء بالختام المحزن الذي وقع لجميع أشخاص الرواية. لم يكن منه إلا أن قال أنني آسفت على تركي الملهى قبل النهاية ولو كنت مكثت لاستدعيت صاحب دار التمثيل في الحال وأصررت على أن يكون ختام الرواية ساراً مفرحاً فإن ذلك الجندي في الرواية كان يجب أن يتزوج السيدة ذات الثوب الأبيض. وتلك المرأة العمياء كان ينبغي أن يبحث لها عن طبيب يرد عليها بصرها: وكنت قديراً على أن أنقذ الرواية من كل هذه المصائب. . .

стр. 3129

الملوك ورؤساء الجمهوريات موازنة وضع أحد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية السابقين - المستر روزفلت - وهو من أكبر رجال السياسة. وقدر كتاب العالم الجديد. مذكرات لرحلة من رحلاته طاف فيها بلاد الغرب وعاج فيها على الشرق. وقد وصف في تلك المذكرات ما كان منن لقائه الملوك. وزيارته قصور الإمارة. وآداب الحكام الذين نزل عليهم ضيفاً. وهي من أبدع ما كتب رجال السياسة. لذلك آثرنا أن نقتطف منها القطعة الآنية لغرابة موضوعها وطلاوة بحثها. وهي الموازنة بين الملك ورئيس الجمهورية والفروق التي بينهما في الحقوق والامتيازات. * * * وقد أضحكني عند وصولي رومه أن وجدت سفير أمريكا بها على خلاف حاد وشجار مستطيل ورئيس تشريفات الملك. وقد أدار الأول أن يكره الآخر على لأن يستقبلني عند وصولي الحاضرة الكبرى بما يجب لي من الحفاوة الخليقة بملك. وأصر على رأيه من أنني لست إلا زائراً عمومياً. ورجلاً من عامة الناس لا حق لي في استقبال ملكي ولا يصح استقبالي كما يستقبل الملوك وأهل الألقاب الموروثة كابرا عن كابر فلما وصلت ورأيت ذلك الشجار الحاد تداخلت بسرعة في الأمر وأخبرت السفير أنني مشارك رئيس التشريفات كل المشاركة في رأيه. وطلبت إليه أن يعدني كما عدني رئيس التشريفات. رجلاً عمومياً لا أكثر ولا أقل. وأن ينبئ جميع عماله بأن يكون لهم في شأني هذا الرأي بعينه. وكاشفته برغبتي في أن أترك في كل حركة من حركاتي. أرسمية كانت أم غير رسمية افعل كما أشاء. وأمشي وأجلس وأتنقل كما أريد وأن أنزل على حكم أهل المدينة وحكامها. فأظهر في المجالس إذا أرادوا. واختفي إذا شاؤا. وقد أردفت كلماتي تلك بأنبائه أنني لم أقل ذلك تواضعاً مني وتنزلاً. بل عزة وإدلالا وفخراً. فأنني علم الله أشعر باحترام صادق للملك الذي يؤدي واجبه خير الأداء وأسر بإظهار الاحترام الخليق به وإبداء الإجلال الواجب لمكانته ولكني أكره ما أكون للرجل العادئ الناشئ نشأة العامة والذي وثب من الصفوف فكان القائد الديموقراطي. وما أبغض شيئاً من شؤونه قدر ما أبغض افتخاره بأنه الديموقراطي الواثب من عرض الجماهير ث إلحاحه في طلب حقوق وإكراهه الإنسانية

стр. 3130

على منعه امتيازات ورسوماً وفرائض ليست منه إلا حجة تناقض ادعاءه الديموقراطية. وافتخاره بها، وإذلاله على الناس من ناجيتها. ولعمري ما أبدع رأى الأمريكان. وما أجمل نظريتهم. وهي أن الرجل من عامة الناس قد يثب من غمار الجماهير فيشغل من سمع الدنيا وبصرها مكاناً قد يساوي فقي عظمته مكانة أكبر ملوك الأرض. ويكون له من السلطان ما بين سلطان القياصرة والعواهل العظم والباباوات الكبار. فإذا أتم دوره ترك المكان لسواه. ومضي لا عطاء يتناوله. ولا معاش يتقاضاه. ولا وظيفة تجري عليه. وعاد إلى صفوف الناس موفور الكرامة. لا يطالب الدنيا من الاحترام إلا على قدر كفاءته الشخصية. ومواهبه واستعداده ومقدار عمله. وأسخف شيء وأحمقه. أن ترى رئيس الجمهورية. أو الرجل الذي كان يوماً رئيس للجمهورية بريد الناس على الاعتقاد بأنه أشبه بتقليد ملك. أو ملك (نصلبه) أو إمبراطور (ترسو) ولو فعل لكان أشبه بالقائد الروماني الذي أراد أن يعامل في الناس معاملة ملم من ملوك آسية الأقدمين. إذ ينبغي أن يعلم الناس أن يعلم الناس أن مكان الملك جد مخالف لمكان الرئيس درجة ومرتبة وشكلاً وصورة. ومن الحماقة نسيان هذه الحقيقة أو تناسيها. ونحن لا يهمنا أن تتقبل الشعوب الأخرى مبدأ الأمريكان ويرتضوه مبدأ طيباً لهم. وإنما أكرب همنا أن لا يحيد أمريكي يصعد مكان الرآسة، ويتربع في دست الولاية، عن ذلكم المبدأ، أو ينجرف عن هذا الرأي الجميل. على أن الملك إيطاليا تلقاني بأكبر الحفاوة، وأنزلني أكبر منزل. فلما أعدت حفلة العشاء في القصر، والشيء يذكر بالشيء. اضطرتني الحال إلى أتن أستغل آداباً لم أستعملها في بلاط ملك آخر من الملوك الذين نزلت عليهم، وقد اجتهدت أن أترك قبعتي وأمشي إلى المائدة حاسر الرأس، عند ما تركت معطفي في الحجرة المجاورة لحجرة المائدة، ولكن لم ألبث أن وجدت قبعتي مردودة إلى. وقد تولي القوم الدهشة وأنكروا تلك الغفلة مني واستفظعوها ولم أدرك شيئاً نم ذلك. حتى رأيت الضيوف الآخرين قد أبقوا قبعاتهم فوق رؤوسهم، ففعلت فعلهم، ومشيت إلى المائدة بالقبعة فلما أقبل الملك والملكة، وقدمت إلى الملكة لآخذ بذراعها إلى المائدة، ظننت أنه يصح إذ ذاك أن تخلى عن القبعة، ولكن القوم أفهموني أنه ينبغي أن أمسك ذراع الملكة بذراعي، وأمسك في يدي الأخرى قبعتي، ولم أكن رأيت هذه الآداب من قبل إلا في حفلات اليهود في نيويورك وأعراسهم.

стр. 3131

وقد أذكر حال أولئك الملوك بوجه شبه بينهم وبين ضباط جيشنا الأمريكي القديم في القرون الماضية، وإن كان هذا الشبه يلوح غريباً شاذاً مؤلم الوقع، وذلك من ناحية علاقاتهم بعضهم بعض، يوم كان أولئك الضباط وأزواجهم محتبسين في بقعة بعيدة عن الحضر ضاربين خيامهم في أرض قفز قصية عن المدينة، وكان بينهم وبين من دونهم نم الجند والكشافين والقابضة والصيادين البلدين بتلك الأرض، وإن كانوا متربطين برابطة واحدة، وعقد متينة، على شيء كثير من الغيرة والتنافس والمشاحنات والكراهية والمنازعات تفرق بينهم وتقطع حبل الصلة بين بعضهم والبعض وشبيه بهذا ما يقع هؤلاء الملوك والأمراء وما يحدث بين الملكات والأميرات، وما يكون بين الملك الصغير والإمبراطور العظيم إذا أراد هذا أن يغيظه ويحنقه عليه ويضرق عليه أشبه شيء بما يقع يبن زوجة السكابتن وابنة الكولونيل. وكنت أتصور قبل رؤيتي هؤلاء الملوك أن حياتهم لا بد نم أن تكون محدودة ضيقة الجوانب مقيدة فزادتني هذه الرحلة التي أديتها ثقة بصحة ظني وإيماناً بعقيدتي وأنا أستطيع أن أفهم رغبة المرأة في أن تكون ملكة وأقدر اعتزازها بهذا اللقب العظيم ولكني لا أستطيع أن أدرك لم يبتهج الرجال بأن ينادوا في الدنيا ملوكاً، وأنا لا أنكر أن لذة الملك والسلطان عظيمة فاتنة ساحرة إذا كان الرجل منا ملكاً وحاكماً مسيطراً، كان له من القوة والنفوذ ما يجعل منه فردريكاً كبيراً، أو على الأقل أشبه بالإمبراطور ويليم الأول. وهو وإن لم يكن رجلاً عظيماً، وملكاً بطلاً. كانت له الصفات والسجايا والأخلاق التي مكنته من استخدام أمثال بسمارك ومولتكي وفون رون، والنزول على إرادتهم كذلك واستخدامهم له وأما الملك العادي البسيط فلا سلطان له على شيء سوى الأزياء والمودات فإن كان فاضلاً مستقيماً شريفاً استطاع أن يكون لامته الأسوة الحسنة، فإن لم يكن على شيء من ذلك اضطرت حاشيته وعلماء الدين حوله وأهل بلاطه وصنائعه أن يكونوا عمي البصائر فيقولوا له أن الفاضل والمستقيم والشريف ويخلقوا له فضائل ومقدوا عليه مدائح ليس هو منها في شيء، وأمثال هؤلاء الملوك العاديين لا يؤدون في الحياة عمل قواد الإنسانية الذين يبثون من صفوف الشعب فيقودوا الناس والحياة طوعاً أو كرهاً، وهذا العجز ينطبق على ملوك الحكومات الملكية الدستورية.

стр. 3132

وهنا أسأل القراء أن يفهموني ويضعوا بألهم معي عند هذه النقطة من البحث. أنني لا أريد بقولي هذا أن الملك الحكومة الدستورية لا يستطيع أن يؤدي عملاماً، أوان لا تكون منه قائدة: بل أنه لأشبه بالراية الأهلية والمعنى الذي يدور حولها. والفكرة الاجتماعية التي تخفق مع خفقة قماشها، ولكن الرجل المجنون الأحمق لا يري الراية الوطنية إلا قطعة مصبوغة من القماش وخرقة بالية، على حين أنها في الحقيقة رمز عظيم الأثر في حياة الشعب وتفكيره وآدابه الاجتماعية وكذلك لا يكون الملك إلا رمزاً كرمز الراية ولا أريد أن أبحث قولهم أنه قد يكون من سوء الحظ في بعض الشعوب أن يروا على رأسهم مثل هذا الرمز وهذه التصويرة الخيالية الغريبة. فإنني لا أريد أتن أتكلم عن فائدة الملك لشعبه. فذلكم ما اعتقد، وإنما أريد أن أقول أنه إذا كان الملك عظيماً في نفسه، وثاب النشاط، عظيماً في سلطانه وقوته، فلا يمكن أن يحتمل ولا يرضى لنفسه أن يرى كل ماله في الدنيا وفي أمته أن يبقى رمزاً مقرراً وصورة خيالية لا بد منها.

стр. 3133

عالم الأدب دول العرب أمير الشعراء أحمد شوقي بك كنا وكان الناس جميعاً على أن أمير الشعراء، وسيد الشعر العربي دون امتراء، حضرة صاحب السعادة أحمد شوقي بك، لا بد محدث حدثاً كبيراً لم يسبق إليه في عالم الأدب أثناء تلك الفترة التي قضاها في أسبانيا - واليوم وقد آب سيد الشعراء إلى وطنه، وعاد بلبلنا الغرد الصداح إلى وكنه، ظهران قد حقق الله آمالنا فيه وكان عمد حسن ظننا به وبشاعريته، فقد وضع في دول العرب مذ جاهليتها إلى أن أدال الله منها في الإسلام ملحمة بل ملاحم شعرية كبرى سد بها ثلمة في الأدب العربي ما كانت لتسد لولا سيد الشعراء. وهذه الملاحم بين قصيد وأراجيز وموشحات تلاقى فيها التاريخ بالشعر والحقيقة بالخيال والمعاني السرية، بالأساليب الملوكية، والنقد التاريخي الصريح، بالأدب العالي الصحيح، وهلم مما لا يبقي معه موضع لأن يستطيل علينا الأدب الغربي بمثل اليذة هوميروس مما يسمونه العشر القصصي وأزروا على العشر العربي عطله منه، وقد أهدى إلينا شاعرنا العظيم حلقة من حلقات تلكم الملحمة خاصة بالدولة الفاطمية وناط بنا شكلها وشرحها وسطاً ثم نشرها بعد ذلك في البيان. نسأل الله جل شأنه أن يجعلنا عند ظن شاعرنا العظيم بنا، وأن نوفق إلى نشر هذه الملحمة الفاطمية في العدد المقبل إن شاء الله. في سبيل التاج هي تلكم الرواية البديعة التي نقلها عن الفرنسية إلى العربية الروائي الكاتب المبدع السيد مصطفى لطفي المنفلوطي المشهور بشخصيته الأدبية الممتازة وأسلوبه الجميل الذي يستهوي النفوس وينحدر إلى القلوب انحدار الماء في الكثيب وإنا لنعرف عن عشاق الأدب والجمال تهافتهم على كل ما يدبجه السيد المنفلوطي دون حاجة إلى تفريط صحيفة أو مجلة وإن كل ما يكتبه السيد حفظه الله لخليق بذلك لإقبال وبأكثر منه - والكتاب يباع في جميع المكاتب وثمنه ١٠ قروش صحيحة. كتاب الأخلاق

стр. 3134

للأستاذ العالم المهذب الكاتب الشيخ أحمد أمين خريج مدرسة القضاء الشرعي والمعلم بها اليوم. والكتاب حسنة من حسنات العصر لغة وتنسيقاً وموضوعاً فنحث جميع المولعين بالإطلاع على النافع المفيد أن يبادروا بقراءة هذا الكتاب وهو يطلب من حضرة صاحبه الفاضل بمدرسة القضاء الشرعي.

стр. 3135

العدد ٥٦ - بتاريخ: ١ - ٦ - ١٩٢٠

стр. 3136

اعترافات دى موسيه الفصل السادس وبينا أنا مغمور في لجة هذا الحزن الفياض واليأس العميق دفعتني حدة الشباب على مساعفة من الفرص المؤاتية إلي إتيان عمل كان فيه الحكم الفاصل في مستقبل أمري وحالتي لقد كنت كتبت قبل ذلك إلى حبيبتي أني لا أشتهي البتة أن أرى وجهها، وقد أمضيت هذا العزم ولكني بقيت مع ذلك أقضى الليالي العديدة تحت نافذتها على عتبة دارها. وكنت أرقب شعاع المصباح نم وراء زجاج النوافذ وأنصت إلي النغمات لمنبعثة من معزفها. وكنت أحياناً ألمح شخصيتها نم خلل السجوف والستائر. فبينا أنا ذات ليلة جالس هذه الجلسة قد جهدني الحزن وبلغ مني الأسى بصرت بعامل يسعى وهو أثناء سعيه يتغنى بألحان متقطعة تشوبها صيحات نم الطرب. وكأنه كان قد أفرط في السكر فكان يتمايل في مشيته ويتخبط لا تكاد تحمله رجلاه. ثم أن هذا الرجل قعد على دكة إزائي فلبث برهة جاعلاً يديه تحت ذقنه ثم أخذه السكرى فغط غطيطاً. وكان الشارع خلواً من الأنيس وقد وهبت ريح جافة أثارت التراب وأسفر القمر يترقرق غديره في روض سماء تطفو على نهر مجرتها أزاهير نجومها. فنظرت إلى وجه ذلك النائم تستضيء ملامحه في سنا القمر الباهر. وكان لم يشعر بوجودي. وقد خيل إلى أنه كان فوق ذلك الحجر أهأ هجعة. وأوطأ ضجعة. مما لو كان على فراشه بمنزله. لقد أذهلني منظر ذلك الرجل عما كنت فيه من الحزن والكمد على الرغم مني. فنهضت لمغادرة هذا المكان ولكني ما لبثت أن عاودت مجلسي. والواقع أنه لم يكن في طاقتي الانصراف عن ذلك الباب وإن ظلت نفسي تأبى أن أطرقه ولو أن لي الدنيا بحذافيرها. وأخيراً قمت فتمشيت قليلاً ثم عرجت نحو ذلك النائم فوفقت أمامه. وقلت في نفسي (ما أعمق نومه؟ ما أشك والله في أن مثل هذه الرقدة العميقة خيالية من الرؤى والأحلام. هذه ثيابه بالية. وعظامه بادية. ويداه مقرورتان. وذراعاه معروفتان. ووجته ذابلة. وجثته ناحلة. لا غرو أنه أحد أولئك البائسين الذين لا يملكون قوت يومهم. ينامون على غصص الكروب الفادحة. ويستيقظون على مضض الخطوب القادحة. وأكبر ظني أنه أصاب الليلة دربهمات فاشترى بها من بعض الحانات جرعة نم جرع النسيان

стр. 3137

أذهلته بالنوم عن آلامه. وكذلك قد أصاب في أجرة الأسبوع ما استجلب به رقاد ليلة - ولعل ما دفعه في ذلك إنما هو نفقة قوت عليه. والآن وقد ترك داره في مثل هذه الساعة فلا يبعد أن زوجته تغشه وتخدعه وتفتح باب حجرته لأنداده. وتبذل فراشه لخصومه وأضداده. ما أعمق نومه! ووالله لو أني ضربت بيدي على عاتقه وصحت به انتبه فلقد هجم عليك من بهم أو قلت له قم فلقد والله شبت النار في بيتك لما زاد على أن يتحول عن جنب إلى جنب ثم يعاود نومه. وهنا انصرفت عن الرجل أسير في الطريق بخطوات فسيحة ثم استرسلت في مناجاة نفسي فقلت (هذه حال ذلك الرجل وعكسها حالي. فأنا الذي أملك من المال ما يمكنني من إدامة النوم عامين أو ثلاثة وتراني مع ذلك لا أكاد أحصل على ساعة من النوم إلا بشق الأنفس. وإني لفرط كبريائي لا أستطيع غشيان الحانات لاستجلاب النوم بالكأس كما فعل هذا الرجل. ولا أكاد أصدق أن كأساً نم الراح تذهب عن المرء آلامه وأوجاعه. ولا أدري كيف يتأني أن عنقوداً من العنب ينسحق تحت أقدام أناس عديدين مستطيع أن يبدد أوجع الأحزان. وأبرح الأشجان. وكيف ونحن من فرط الألم نبكي بكاء النساء ونتوجع توجع الشهداء ويخيل إلينا في وحشة اليأس والقنوط أن عالمه قد سقط على رؤوسنا فتصدع وتحطم وارفض حولنا بددا وتمزق أرباً أرباً. فنحن نبكي وننتحب كما كان يفعل آدم مطروداً على أبواب الجنة. أرشفة من المدام.؟؟؟؟ للغليل والأوام. تشفي آلام الإنسان. وتأسو جراح الأحزان؟ إذن فما أيسر خطبنا. وما أهون كربنا. إذا كان في حسوة نم المدام وشك شفائه. وفي نهلة من الشمول ذهاب دائه. ولقد يدهشنا أن عين العناية المطلعة على كل آلامنا وأوجاعنا. وعلى شهواتنا ورغباتنا. وأغراضنا وأوطارنا. وعلى عزائمنا وهممنا. وخيبتنا وفشلنا. وعلى لجج الشرور والآفات المحدقة ينا. المصطدمة حولنا. لا تكلؤنا ولا تحوطنا ولا ترعانا ولا ترسل إلينا ملائكتها الكرام ليقضوا حاجاتنا ويجيبوا مطالبنا فمالي لا أصنع صنيع هذا الرجل. ومالي لا أنام على هذا المقعد كما ينام على مقعده. لعل خصمي يخلو الآن بحبيبتي وسيفارقها مطلع الفجر إذ تشيعه إلى الباب وعساهما يرياني وإني لمستغرق في نومي. فإذا وقع ذلك فما أحسب أن صوت لثماتهما المتبادلة يستطيع أن يوقظني من رقدتي. فيضطران إلى إيقاظي بلكزة من كفيهما. فإذا فعلا

стр. 3138

فلن أنتبه ولم أزد على أن أتحول إلى جنب ثم أعاود النوم. فامتلأت سروراً لهذه الفكرة ومضيت ألتمس حانة الشرب. ولما كان الوقت قرب السحر كان معظم الحانات مغلقاً فغاظني ذلك وأضرم نار غضبي فقلت في نفسي (ويحي ثم ويحي! أأحرم حق هذا المتاع القليل والعزاء اليسير. فعدوت مسرعاً في كل ناحية وجعلت أدق على أبواب الحانات وأصبح (خمراً! خمراً) وأخيراً وجدت حانة مفتوحة فطلبت زجاجة من النبيذ وطفقت احتسي رضابها علاّ على نهل حتى أتيت ثم دعوت بثانية فثالثة وكنت أثناء ذلك أكره نفسي على الشرب إكراهاً كما يتوجر جرع الدواء مكرهاً. مضطراً يقاسي مرارته. ويعاني بشاعته. إذ كان يعلم في تعاطيه حياته. وفي تركه مماته. وما لبثت أبخرة الشراب أن اشتملت على ذهني وقد أسرعت إلى النشرة بقدر إسراعي إلى الشرب. فأحسست في أفكاري تكدرا ثم صفاء ثم تكدرا. ولما فقدت ملكة التدبر والتروى رفعت إلى السماء بصري كالذي يودع نفسه واتكأت على المائدة. ويف هذه اللحظة ظهر لي أني لم أكن وحيداً في الحانة إذ أبصرت في طرفها الأقصى طائفة من أناس غلاظ الأصوات تخاف الوجوه شاجي الألوان: وكانت أزيائهم تدل على أنهم ليسوا من الشعب ولكن من تلك الطبقة الملتبسة المشتبهة التي هي أخبث الطبقات وأرذلها والتي لا أخلاق لها ولا منصب ولا ثراء ولا صناعة ولا حرفة إلا أن تكون حرفة سافلة مرذولة وهي طبقة لا إلى لأغنياء ولا إلى الفقراء قد أخذت من الأولى برذائلها وخسائسها. ومن الثانية بمتاعسها ومبائسها. وكان أولئك القوم قد حمى بينهم ولميس الجدل على مائدة المقامرة. وكان بينهم فتاة صغيرة جداً رشيقة مليحة أنيقة الملبس بديعة الزي لا نشيه سائر الجماعة في أدنى شيء سوى صوتها وكان كأصواتهم خشناً مبحوحاً متقطعاً. وكان وجهها لفرط احمراره يوهمك أن الفتاة ما برحت منذ نعومة أظفارها تعالج مهنة منادي في شوارع البلدة. أقول لما نظرت إلى هذه الفتاة ألفيتها تحدد إلى طرفها كمن به حيرة ودهشة ولا جرم فلقد راعها وأدهشها أن يغشى مثل هذا المكان الحقير شاب في أفخر ملبس وأجمل شارة وأكمل زخرف وأبهج زينة. والحقيقة أن تأنقي كان مفرطاً خارقاً للعادة.

стр. 3139

قامت هذه الغادة نم مجلسها فدنت مني في لين وخفة ثم رفعت الثلاث الزجاجات من أمامي وابتسمت حينما رأتها جميعاً فارغة. فراعني ثغرها الوضاح إذ رأيت ملثمها الحلو الرضاب يفتر عن لؤلؤ رطب وعن حبب ... وعن إقاح وعن طلع وعن برد ثم أني يدها وسألتها أن تجلس إلى جانبي ففعلت بلا احتشام ولا كلفة ودعت للعشاء على نفقتها. فرنوت إليها دون أن أنبس بكلمة واغرورقت عيناي فراعها مني ذلك وسألتني السبب ولكني وجمت فلم أحر جواباً سوى أني هززت رأسي كأني أبغي بذلك إطلاق العنان لمدامعي فأدركت الفتاة أن بي حزناً مضمراً وكمداً مستسرأ. ولكنها لم تحول استخراج دفائنه. ولا أراغت استثارة كوانمه. ببد أنها أخرجت منديلاً وجعلت أثناء تناول الطعام كلما فيض الدموع على وجنتي تمسح سيلها المنحدر. ودفاعها المتفجر فآنست في طبع الفترة مزيجاً من الغلظة والرقة ولالين والخشونة. وودجت في خلقها خليطاً نم القحة والرحمة والجرأة والحنان حتى جرت في أمرها وتعذر على أن أقف على حقيقة كنهها وماهيتها. فلو أن هذه الفتاة لقيتني صدفة في الطريق فتناولت بدب بمثل ما أبدت من الوقاحة وقلة الحياء لاستبشعت عملها واستبشعت صنعها. ولكن أدهشني جداً أن فتاة لم ترها عيني قط قبل الساعة تأتي فتجلس إلي ثم تؤاكلني وتمسح بمنديلها دمعي بلا أذني معرفة ولا مقدمة - حتى بقيت من الدهش صامتاً لا أفوه بكلمة أشعر بتقزز واشمئزاز يشوبه من الميل إلى الفتاة والافتتان بها. وهنا سمعت صاحب الحان يسألها هل تعرفني فأجابته نعم وسألته أن يتركني وشأني، وبعد برهة انصرف المنقامرون، وأغلق الخمار الباب الخارجي ومضى إلى خلف المكان وتركني والفتاة في خلوة. وكان هذا قد حدث بغاية السرعة حتى حسبتني في حلم وكأن خواطري وأفكاري تتعسف في متائه وأغماض وتتخبط في الغاز وأنفاق، وقد خيل إلى أني خولطت في عقلي أو أني أأتمر بوحي قوة آلهية وشيطانية. فصحت بالفتاة فجأة (من أنت؟ وماذا تريدين؟ ومن أين تعرفينني؟ ومن أمرك أن تمسحي مدامعي؟ أهذه وظيفتك التي تؤدينها في الدنيا؟ وهل حسبت ني في حاجة إليك؟ ألا فاعلمي أني لن أمسك بأطراف أناملي؟ فخبرني ماذا تصنعين وماذا تبغين؟ هل المال تريدين؟ وهل بإظهار العطف والحنان لأبناء السبيل تحترفين؟ وبإبداء الرأفة والرحمة للمحزونين

стр. 3140

تتجرين؟ فإن كان ذلك فخبريني ما ثمن عطفك ورأفتك؟ وماذا تطلبين نظير ما تبذلن من حنانك ورحمتك؟ ثم أني نهضت من مجلسي وحاولت مغادرة المكان ولكنني وجدت رجلي تصطكان وتتعثران وأني أميد وأترتح وقد أظلمت عيني وتفترت أوصالي وتفككت مفاصلي وأن عرى قوتي تنحل وتنفصم، ودعائم بنيتي تنهار وتصدم، ثم مادت بي الأرض ودار الكون في ناظري وسقطت على أحد المقاعد صريعاً. فأخذت الفتاة بيدي وقالت (أنك لفي ألم وعناء. لقد شربت شرب الأطفال وما أنت في الحقيقة سوى طفل وما نظرت إلى عاقبة ما أتن صانع، فاجلس الآن ههنا وانتظر حتى تمر مركبة وحينذاك تخبرني أين دار أمك وإلى هنا لك تحملك المركبة ولن أصحبك إذ كنت قد صرحت لي بأنك تستقبح صورتي ولا تراني إلا بغيضة المنظر كريهة الطلعة. وقد شفعت الجملة الأخيرة بضحكة طويلة. وبينا هي تتكلم رفعت عيني إلى وجهها فليت شعري أكان حقاً ما رأيت إذ ذاك أم كان باطلا مما خيلته الخمرة، ووهماً مما زورته لنشوة - ولكني على أية حال أبصرت بوجه الفتاة في تلك اللحظة مشابهة مشؤومة لوجه حبيبتي. فحينما آنست هذا الشبه المنحوس تثلج الدم في عروقي وجمد مجراه، وقف شعر رأسي، ويزعم جهال الناس أن هذه الرعشة التي تصيب شعر الرأس إنما هي الموت يمر من فوق رأسي. ولكنه كان داء العصر ومرض الجيل، بل أن الفتاة نفسها هي كانت مرض الجيل ودار العصر، وقد جاءتني وجهها الأصفر الساخر المتهكم وصوتها الخشن الأبح وجلست إزائي في مؤخرة الحانة.

стр. 3141

عجز الذهن البشري عن إدراك خفايا الأشياء للبروفيسر وليم جمس أجل إن من الخطأ سر اللذة في شؤون الحياة فقد أخطأ كل شيء هذه هي الحقيقة التي لا ريب فيها ولا مراء، بيد أننا محدودون قد انحصر نظرنا في لذة خصوصية لا نكاد ندرك سواها وقد عميت أبصارنا عن كل ما عداها، وكأن كل ما نستجمعه من مجهود لننفقه في نيل وطرنا الخاص لا يتم لنا إلا بالانصراف عن كل ما عداه نم أوطار الدنيا وبتقسية قلوبنا وتحصينها ضد ما خالفه من أغراض الحياة وشهوات العيش، هكذا خلق الناس وعلى هذا جبلوا وطبعوا، ولا يستثنى من سوادهم في هذا الصدد إلا أفراد قلائل بين شاعر أو قصصي أو فيلسوف في أودية الخيال قد هام، وأسلم ذهنه لأفانين الأحلام والأوهام ففي أمثال هؤلاء وأشباههم نم رجل اعتيادي عملي يصيب العشق حبه وفؤاده فيدرجه في سلكهم ويدخله في زمرتهم أقول في أمثال هؤلاء تنصدع هذه القيود وتنهار جدران هذا الجمود، وتتقوض تلك الأسوار الخارجية، وتنتهك هاتيك الحجب الظاهرية، فتبدو للعيان أسرار الحياة الباطنة، وتتجلى للإنسان مكنونات العواطف الكامنة، ويعود هذا العالم الخفي الوجداني المستسر النفساني، قد أضاء الذهن بأنوار حقائقه الزاهرة، وأنار نواحي الروح بأشعة سرائره الباهرة، فحينئذ يدرك المرد من أكناه الأمور وماهيات المسائل ما لم يكن يعلم،، وعندئذ يعرف أن ما قد وضعه لأشياء هذه الحياة وشؤون هذه الدنيا وأغراض هذا الوجود وأوطار العيش من أقدار، ومن قيم وأخطاء، كان كله خطأ وزوراً ومكذوباً، فيلتبس عليه نظام هذه القيم ويتشوش، ويختل ميزان هذه الأقدار والأخطار، وعندئذ تضمحل في نظرنا أوطار الشخصية السخيفة، وتتلاشى في أبصارنا مآربنا الذاتية الضيئلة الضعيفة، وعندئذ تبدو لنا الحياة في صورة مغايرة وهيئة مخالفة مباينة. وهذا التغير والاختلاف قد أجاد وصفه واحكم بيانه زمبلي جوسيارويس حيث قال في إحدى رسائله الكلمة الآتية: (ماذا تبصر أيها الرجل في جارك؟ أنت ترى في أفكاه وخواطره وفي مشاعره شيئاً مخالفاً لما يضمره جنانك، وينطوي عليه وجدانك أتن تقول لنفسك أن آلامه وأشجانه ليست كآلامك

стр. 3142

وأشجانك ولكنها شيء أسهل وألطف، وعبء أهون وأخف. هو يظهر لك كأن نصيبه نم الحياة وحظه من الوجود أقل نم حظك ونصيبك - كأنه مخلوق أبتر ناقص. فعنصر الحياة فيه أبرد وأجمد. وكوكب الحياة فيه أكسف وأخمد. ونار الحياة فيه أخبى ضراماً. وأبوخ احتداماً، فهي رماد بالقياس إلى شعلتك المتأججة، وجذوتك الملتهبة المتوهجة، وشهوته ضعيفة فاترة، بالنسبة إلى شهوتك المضرمة المستعرة، وكذلك قد عاشرت جارك الأعوام الطويلة في غفلة من حقيقة أمره، وعلى جهالة نم مكتوم حاله ومضمر شره، فأنت حين تزايله أجهل الناس به وأعماهم عن ماهيته وكنهه فأتن معه على حد قول القائل: يا شاهداً يرنو بعيني غائب ... ومشاهداً للأمر غير مشاهد لقد رأيت في جارك جماداً لا بشراً، ولم تر فيه ولا قلباً بل جحراً، فدع عنك هذا الغرور، وهذا الباطل والزور، وحاول أن تعرف الخلق، وتدرك الصدق، أن الألم حيثما كان ألم، واللذة أينما وجدت لذة، شأنهما ذلك سواء أكانا فيك أم في غيرك. إلا فاعلمن أنه في جميع أغاريد الطير وأساجيع الورق وأهاتيف القمارى بكل خميلة وروضة، وكل أجمة وغيضة، وفي جميع صيحات المتألم والمتوجع والمحتضر والمعاني سكرة الموت من الإنسان والحيوان وفي الزاخر الإقيانوس العديم النهاية الغاص بالملايين من الخلائق المائية المتنازعة على الحياة المتسابقة إلى الملمات، وفي الجماهير المكاثفة والجماعات المحتشدة نم الجوارح والسباع والضواري ومن القبائل العديدة والفضائل الجمة نم الهمج والمتوخشين. وفي كل بالأرض من الأمراض والأدواء والأحزان والأشجان ومن الفوز والانتصار والزهو والفخار. والهزيمة والاندحار. والزلل والعثار وفي جميع الخلائق من الذرة إلى المجرة. ومن سطور النمال إلى مواكب الأبطال. ومن أخس الأشياء وأوضعها. إلى شرفها وأرفعها. - في كل ما سردت وأوردت يبصر اللبيب المتبصر. والأريب المتدرب. عين ما يجيش بقلبه من تلك الحياة القوية. الجادة الذكية. المضربة الخفاقة، المنسكية الدفاقة. المحتدمة. المضطرمة. المأججة المتوهجة. البادية في عدد الرمل من الأشكال والمظاهر. المترائية في عدد الفطر من الصور والمناظر. التي لا تطفأ ولا تخمد أو تخبو نيران الشموس والأقمار. ولا تني ولا تخسر أو يقف الفلك المدار. فياليها الغافل أو المتغافل أدر في أنحاء الكون نظرك وقلب في أرجاء الوجود بصرك. فانظر قوة الحياة

стр. 3143

الهائلة ثم اصرف نظرك وحوّل بصرك وحاول إن استطعت أن تنساها أو تتناساها. فإذا عرفت هذه القوة الهائلة وأدركت في كل ذرة نم ذرات الكون معناها فلقد بدأت أن تعرف الواجب أن تجلى أسرار الحياة بعد طول غموض واحتجاب قد يحدث لبعض الناس فجأة وبغتة ولكنه متى حدثت كان فاتحة عهد جديد في تاريخ حياته. ولقد قبل الكاتب الكبير إمرسون في هذا الصدد ما فحواه أن الحوادث التي تكشف لنا الحجاب عن أسرار الحياة يكون لها نم العمق ما ليس لغيرها من الحادثة وهذا العمق يقذف لنا من الحقيقة أضعاف ما تلقي به إلينا الحوادث العادية السطحية. ومن هذه الأحداث العميقة حادث الحب فالحب يعتري أحدنا فيزلزله زلزالاً ويصدع حجب روحه كأنما قد انفجر في أعماقها بركان. وقد تبدر من الإنسان فعلة يأسف على إتيانها تستثير في نفسه ندامة تظل سحابتها السوداء ناشرة ظلال الأسى فوق رأسه طول حياته ولكن لهذه السحابة بروق تريه شيئاً كثيراً من الحقيقة وإن كانت بروق صواعق. ودقائق معاني الأسرار الغامضة ربما غتتنا نم ثنايا الجمادات وتضاعيف الكائنات الطبيعية. واستشهاداً على ذلك أسرد ههنا الفقرة الآتية من رواية. أو برمان، وهي قصة فرنسية كان لها في زمنها٧ شأن. وها هي الفقرة. باريز في ٧ مارس. كان الجو مظلماً بارداً وكنت أشعر بكآبة وانقباض فجعلت أطوف في الطرقات إذ لم أجد لي شغلاً سوى ذلك. فجزت أثناء جولتي ببضع أزاهير مدلاة على جدار. وكان بين هذه الأزاهير جلنارة قانية زاهية وكانت هذه الجلنارة أسطع عنوان على الشهوة الملتهبة والشوق المشتعل. وكانت باكورة رياحين الربيع فلما تنسمت عبقها. وتوسمت رونقها. أحسست كأن كل ما قدره الله من سعادة لبني الإنسان قد شاع في جوانحي واستفاض في ضميري. أجل أن خيال الحياة الملائكية الوهمية. وشبح السعادة الأبدية الحلمية. قد تمثل في صفحة ضميري تاماً مستكملاً. وإني أشهد الله أني ما شعرت قط بشيء يداني ذلك المعنى أو ذلك الشكل أو تلك المشابهة الخفية التي جعلتني أبصر في تلك الزهرة جمالاً غير محدود وجلالاً غير محصور. . . . . وليس في مقدوري ولا في مقدور أي إنسان أن يعبر بالألفاظ عن كنه تلك القوة وماهية تلك العظمة! التي لا ينهض بنعتها شيء في عالم السموات والأرض.

стр. 3144

ومن ذا الذي يستطيع أن يصف بالكلام ذلك المعنى الذي لا شيء يسعه ويحتويه أو يشرح بالألفاظ ذلك المثل الأعلى من الحياة المثلى الذي يحسه المرء في أعماق قلبه ولكنه يشعر مع ذلك أتن الطبيعة لم تخلقه. وكذلك الشاعران العظيمان وردذورث وشلى كانا مفعمين بمعنى ذلك السر الباهر المتجلى من وراء ظواهر الكائنات الطبيعية. فأما وردذورث فقد كان هذا السر يبدو لعينه هائلاً ذا معنى أخلاقي عظيم أو كما قال ذلك الشعار في بعض قصائده كان يبدو له كصوت مرحب منفرد في خلوة الطبيعية المنعزلة انظر إلى قوله: لقد رأيت في كل كائن من كائنات الطبيعة - في كل صخرة وثمة وزهرة بل في كل حجر مفكك مما يكسو ظاهر الثرى - حياة وروحاً. لقد أعرت كل هذه شعوراً ووجداناً - لقد رأيت كل هذه تحس وتشعر وإن تشأ فقل أني ألحقتها بما له شعور وإحساس. أجل يا صاحبي أن كتلة الكون العظيمة لتبدو لي كأنها مغمورة في أثناء الروح مائجة خفاقة وكأن كل ما وقع عليه نظر يتنفس عن معان باطنة. ويبوح بأسرار كامنة. وقد سمي وردزورث في قصيدة أخرى هذا السر الخفي الأنباء الصحيحة الواردة من قدسي المصادر عن خفايا الوجود هذا السر الخفي - هذا المعنى المستتر هذه القوة الرهيبة والحضرة المهيبة، التي تظهرها الطبيعة وتخفيها. وتنشرها صحيفة الوجود وتطويها، هذا الروح الخفي، والسر الجلي، لم يكن وردزورث الشاعر يدرك حقيقة ماهيته، أو يتجلى معالم صورته، أو يستطيع شرحه بالبرهان، أو يطيق وصفه بالقلم واللسان، بيد أن الذي قد=من عليه الله بوميض من ذلك النور المقدس ولمحة من ذلك السر الروحاني يطرب لا مثل شعر وردزورث الآنف الذكر ويرتاح لخفي معناه. وغامض مغزاه. ويبتهج بكل ما شابهه وجانسه من شعر ذلك الشاعر العميق - كالقطعة الآتية: أسفر الصباح كالملك ذي السلطان يحتال في حاشية نم النساء، وموكب من الأنوار والأضواء، وكالبحر الجياش منفسح إزاءه مشرق الغرة، ضاحك الأسرة، وعلى كثب من ذلك تسمو الجبال الشماء، إلى عنان السماء، مصقولة الجوانب كأنها السحب الغراء، قد غمرت في نهر من الضياء، أما المروج الخضر والسهول والوديان فكانت ترفل في أبهى حلل الفجر الأرجواني. والصباح المتورد القاني، قد حليت نم الندى إجيادها بأمثال نظم

стр. 3145

الجمان وسحبت عليها الشمائل مطارفها عفية الذيول ممسكة الأردان، والدوح نم رحيق الجداول مرنح الأعطاف نشوان، والطير من طرب يرجع الهديل ويردد التحنان. أفبعد هذا كله يعجب الناس أن رأوني أبدي غاية الفرح والسرور. وأعلن أقصى غاية الجذل والحبور. وهل أنا في حاجة أن أقول أن قلبي كان بالسعادة فياضا وأني تسربات من أنس هذا الصباح ثوب ملذة فضفاضا. في تلك اللحظة المانوسة عاهدتني الطبيعة على أن أكون في معبدها المقدس حد خدمته: وفي محرابها المطهر بعض سدنته. في هذه اللحظة السعيدة بايعتني الطبيعة على أن أظل روحاً من أرواحها الطاهرة. وملكاً من ملائكتها البارة: وبهذه البيعة الشريفة تمسكت وبهذا السبب المتين تعلقت: وها أنا ذا سير في ساحة الطبيعة الرحيبة: وأمرح في مراتعها الخصيبة: مباركاً مبروراً ممتعاً مسروراً: ولكن خبرني أيها القارئ ماذا كان يرى جيران وردزورث من القرويين السخفاء: والفلاحين الأغنياء: ماذا كان يرى منهم حينما كانوا يرونه يسير - على حد قوله - في ساحة الطبيعة الرحيبة: ويمرح في مراتعها الخصيبة: عاشقاً لبديع الكائنات مستهاماً: مشغفاً بروائع الآيات صبوة وغراماً: بالسر الجليّ مولعاً مفتوناً وبالروح المقدس الخفي مولها مجنوناً؟ ماذا كان أغنياء المزارعين من عادى الناس يرون في شاعر بريطانيا الأكبر. وهو هائم على وجهه في السهول والأوعار. والحزون والأغوار: والبراري والقفار: كالصيد النافر والوحش الضاري. أو كالظبية التي قد تاه رشأها وطلاها: مولهة قد ضل بالقاع خشفاها: ينهب الأرض نهباً: ويستعف الفضاء تمهلاً أرخبباً: شارد الذهن فيما يظهر لبصائرهم العمياء عازب اللب شارد العقل - ماذا كان أولئك الغوغاء - وإن كان فيهم السري والوجيه والغني - يرون في شاعر بريطانيا بل في شاعر العالم أجمع - شاعر الإنسانية في كل زمان ومكان - سوي شخص أحمق معتوه أبله قد مسه الخيال - وما ذلك إلا لأنه قد خالف سيرتهم: وتنكب طريقتهم فلم يجعل غرضه الأبعد وهمّه الأوحد من الحياة زراعة الأرض مثلهم وبذر البذرة وسقى الأغراس والعزق والجني والحصاد وتربية الماشية والدجن وهلم جراً: وما أحسب أن أحد هؤلاء المزارعين القصار الأبصار الكلال البصائر خطر بباله قط أن يسائل نفسه - إذ ينظر إلى شخص وردزوروث غارقاً في بحار تأملاته - في أي شيء يفكر مثل هذا المخلوق وماذا يدور بخلده وماذا عسى أن تكون تلك

стр. 3146

الخواطر التي شغلته عمايمهم الناس من شؤون هذه الحياة وأغراضها ومآربها وأوطارها - وهل لا يجوز أن ما يملأ ذهنه من الأفكار والخواطر ربما كان ذا قيمة ونفسة؟ كلا ما أحسب أن أحد أولئك الأقوام عني بشيء لا قيمة له وصورة متحركة وكائن عدمه خير من وجوده على أننا نعلم بالرغم من ذلك أن فكرة ذلك الشاعر كانت مادة طالما استمدت منها أذهان الأجيال المتتابعة والقرون المتوالية ومنهلاً طالما استقت منه قلوب البشر على اختلاف أنواعهم وأجاسهم وتباين مللهم ونحلهم: ومن معادن وجدانه المفعم تقتبس الضمائر أنفس كنوز المكنون: ومن صهاريج روحه الجياش تستعير الألباب أثمن ودائع اللؤلؤ المصون: وقد ألف الكاتب المشهور ريتشارد جيفريز: كتاباً جليلاً سماه قصة وجداني وحديث جناني ضمنها شيئاً كثيراً من وصف ما يجيش به قلب الشباب نم الطرب إلى مباهج الطبيعة والابتهاج ببدائع أسرار الكائنات: ومن ذلك فصل في شرح ما جلا بنفسه خواطر الفرح والسرور حينما كان واقفاً مرة على رأس جبل: كنت منفرداً في خلوة مع الشمس والأرض لا رابع بيننا: فاستلقيت على مهاد العشب الوثير وجعلت أناجي الأرض والشمس من أعماق روحي والهواء والجو والبحر القصي وراء مدى البصر: لقد امتلأ قليب بحلاوة ذلك الشعور اللذيذ حتى فاض فأقبلت أسبح ببدائع صنع الله من شمس وأفق: وأرض وسموات طباق: وأمزج روحي بهذه المصنوعات الألهية وأصلي شافعاً صلواتي بما استثيره من النغمات الصامتة: والألحان الخافية: المنبعثة عن هذه الكائنات - كما يشفع المتعبد صلواته بأنغام الأرغن - على أن وجداناتي إذ ذاك هي مما يعني بشرحه البيان: ويعجز عن نعته اللسان أجل يا صاح إن الشمس الهائلة ضياء والأرض الراسية - الحنون الرؤوم - والجو الدافئ والهواء النقي أفعمت قلبي مسرة وعجباً: ملذة وطرباً: وبهذا الطرب مزجت صلواتي وبذلك التيه والعجب شفعت تعبداتي ولم أكن قصد بهذه الصلاة ولا بذلك الوجدان الروحاني والانفعال النفساني إلى شيء معين ولمنه كان مجرد انفعال ووجدان وعاطفة مطلقة وكان شوقاً وصبابة وغراماً وهياماً - لقد دفنت وجهي بين الأعشاب وقد تراخت أوصالي وتفترت مفاصلي وانحل عقد قوتي. وأنبت سلك مني وضممت الأرض حتى كدت أفني في هذه الضمة واعتنقت العشب حتى أوشكت

стр. 3147

أن أتلاشى في ذلك العناق وكأنما قد ضعت من شدة التأثر ضياعاً وكأن نفسي من فرط الطرب قد طاحت جباراً: ولو أن فلاحاً أو راعياً مربي عرضاً وأنا على هذه الحال لم يشكك في أن كل ما بي هو مجرد استلقاء على العشب التماس الراحة بضع دقائق ولم يكن ظاهر حالي يدل على أكثر من ذلك. ومن ذا الذي كان يدك ما ظل يجيش بفؤادي نم طوفان ذلك الطرب وما طفق يثور بضميري من عواصف ذاك الوجد والهياج وظاهر أمري لا ينم على أدنى شيء من باطنه. ولا مشاحة في أن مثل هذه الساعة من الحياة تبدو حقيرة قليلة القيمة إذا قيست بالمقاييس التجارية الاعتيادية التي تجعل قيمة كل ساعة حسب ما يستفاد فيها نم المادة. ولكن خبرني أيها القارئ هل للقيمة التجارية المادية أدنى قدر إذا قيست بالقيمة الوجدانية الروحانية المعزوة لأمثال ما وصفنا من تلك الساعة الخطيرة التي تتفتح فيها صفحات زهرة القلب لاستيعاب الأنوار الملكوتية والنفحات القدسية فتزهو وتنضر. وتسقى بالفيوض الإلهية فتزكو وتثمر. وهل ما يستفاد في مثل تلك الساعة من كنوز العلم والحكمة يصح أن يقاس به ما يكتسب من خسيس المعدن الأصفر والأبيض في الساعات التجارية المادية؟ ومع ذلك فنحن نرى أن لمصالحنا المادية وشؤوننا العملية من فرط الضجة والصخب ومن شدة الجلبة واللجب. ما يصمنا ويعمينا عن كل ما عداها من الشؤون والمسائل. حتى لقد نستنتج من ذلك أنه ليس ثمت سيبل إلى الوقوف على شيء من أسرار الحياة ولا إلى استجلاء الغامض من محاسن الطبيعة إلا بانصراف الإنسان عن المطالب المادية وصيروته كمية مهملة وشيئاً عديم القيمة من الوجهة العملية في نظر المجتمع. وعلى ذلك ترى أن هذه الوظيفة السامية - وظيفة الانصراف عن الماديات إلى الروحانيات وترك عيشة الجمود والنحجر إلى حياة الإحساس اللطيف الرقيق. والشعور الحاد الدقيق وما يقتضيه ذلك من الامتزاج بروح الله المتفجرة نم كل ذرات الكون وجزئيات الوجود حتى يصبح الإنسان كأنه شعبة نم شجرة الوجود العظمى ولبنة نم لبنات هيكل الكون إلا كبر ووتراً حساساً من الأوتار المؤلف منها قانون الطبيعة إلا كمل - أقول وعلى ذلك نرى أن هذه الوظيفة السامية وظيفة لا يستطيع تعاطيها وتأديتها إلا الرجل المطلق الدنيا الهائم وراء الخيالات والأحلام أو الرجل المتصوف المجذوب ممن يسمونهم أهلا لباطن أو الرجل

стр. 3148

العاطل البطال المتشرد الرافس بقدمه الحرف والمهن والصناعات والمعايش وأساليب الارتزاق النستهام في حب الله الطارح نفسه تحت مهاب أدق المؤثرات وألطفها تحرك أوتار قلبه كما تنبعث أنفاس النسيم بأوتار المعزف. فتبعث أنغامها - فأمثال هؤلاء من متخيل حال. أو متصوف مدله أو متشرد عاطل هم القادرون على تعاطي تلك الوظيفة الروحانية السامية التي تغير اصطلاحات الدنيا في أسرع نم لمح على الجد والمجون على الوقار والحمق على العقل والطيش على الرزانة والبله على الدهاء والفقر على الغني والمسكنة على الجاه والصعلكة على الإمارة وتمحو في لمحة كل ما أحرزه لنفسه الرجل الدنيوي المادي من الامتيازات والمناقب والمفاخر طول عمره بالكد الناصب. والجهد الحازب. والسعي الدائب. وتعزو كل محمدة ومفخرة للمتشرد البطال. والنؤوم المضيع المكسال. فأتن أيها القارئ إذا استطعت تعاطي هذه الوظيفة والقيام بأدائها حق قيام أمكنك أن تصبر نبياً ولكنك لن تنال في المطالب الدنيوية نجاحاً. يرى الكثيرون منا في شاعر أمريكا والت ويتمان نبياً عظيماً ورسولاً كريماً بما قد ألغى من الامتيازات البشرية المألوفة. والإصلاحات الاجتماعية المقررة المعروفة ولأنه لم يجد ولم ينظم من الصفات الإنسانية سوى تلك الخصال البسيطة الأولية العامة المشتركة بين كافة أفراد البشر. ومن ثم أصبح يعده الناس الأعلى للعاطلين، والنموذج الأسمى للضائعين المضيعين، إذ كان رجلاً جل عمله وصناعته التفرج بمشاهدة خلق الله في موكبهم المتواصل المستمر الأبدي ينظر إليه تارة من نافذة غرفته وأخرى من سطح مركبة. الأمنوبيس وآنا من طاقة القاطرة وآونة من قارب المعدية وهلم جرا، ويرى فيه طائفة أهل العمل وطلاب الدنيا وأيضاً الدنيا رجال العم وأعضاء المجمع العلمي الأكاديمي شخصاً حقيراً قليل الغناء عديم الفائدة والقيمة عدمه خبر من وجوده، ولا يبصرون في شعره أكثر من مجموعة صيحات وصرخات - وجمل مفككة خال معظمها من الفعل أو الفاعل - وأكثر ألفاظها تعجب وأحرف استغاثة وندبة، والحقيقة أن هذا الرجل كان يتحرك ودجانه، ويهب إحساسه ويجيش صدره وجنانه لرؤية جمهور الخلق ومحتشد الجماعات الإنسانية كما كان يجيش روح وردزورث الشاعر الإنكليزي لآنف الذكر لرؤية الطبيعة واجتلاء منظر الأرض والسماء. والجبل والماء. أجل لقد كن يرى في منظر المجتمع الإنساني قوة

стр. 3149

باهرة. وحضرة جليلة للشعور غامرة. جديرة أن تستغرق الذهن فتصرفه عما به هو أحق وأولى نم المصالح الدنيوية. والشؤون المادية مما هو أكثر من أن تسعه مرحلة العمر عند الرجل الجاد المجتهد الرابئ بعمره أن يضيعه في أمثال تلك الترهات والخزعبلات والسفاسف. وإذا شاء القارئ أن يعرف رأي هذا الشيخ المتشرد الذي شاب فؤاده في العطلة ولاكسل والبطالة في الطريقة المثلى لانتهاز فرص الحياة السانحة من قبل الملكوت الأعلى إلى المختارين نم صفوة عباده وصرفها في اكتساب أفضل نعم الحياة وأكرم ثمرات العيش فليقل كلمته الآتية من أحد رسائله إلى صديق كان سواقاً لبعض المركبات العمومية. وهي: نيويورك ٩ أكتوبر ١٨٦٨ عزيزي بيت - إن الجو ههنا غاية في الصفاء والجمال. ونهاية في الطيب والاعتدال فهو سجسج لا قرّ ولا حرور. مصقول الأديم لا غيم ولا صبير. ولقد بكرت الغداة إلى ضفاف النهر فسرت فرسخاً أو اثنين. وبعد فهل لك أن تعرف كيف أمضي ساعات النهار؟ فاعلم أني أصرف الشطر الأول إلى الظهيرة في حجرتي أقرأ أو اكتب ثم أذهب إلى الحمام ثم ألبس ثيابي وأترك الدار فألقي حبلي على غاربي وألقي زمامي بيد الأهواء تذهب بي حيث تشاء. لا أتقيد في تصرفاتي نم الأغراض المادية بحاد ولا دليل ولا أوثر في تقلباتي سبيلاً على سبيل. وتراني مع ذلك لا أشعر بطول الوقت ولا ثقله ولا أحس منه بفراغ بل أجد لدي من الأعمال والأشغال ومن المآرب والأوطار ما يملأ ساعات اليوم ويزيد. فأنا إذا ركبت إحدى المركبات العمومية بعد ظهر يوم فاندفعت بي في شوارع والطرقات كان لي فيما أمر به من مختلف المناظر والمشاهد خير مسلاة. ومبهجة وملهاة. ومستراد للعين ناضر بهيّ. ومستمتع للنفس. مستملح شهيّ. كيف لا توان المركبة لتعرض على البصر في ممرها من مناظر المجتمع صورة حية متجددة سرمدية - دوراً. وحوانيت وقصوراً. وأرصفة للسفن وحياضاً. وخمائل وجنات ورياضا. ومخارف. ومصايف. ومعارض ومتاحف. ومرابع ومعامل ومصانع. وعلى جوانب الطرق يتدفق تيار المارة بين رجال في المجاسد والمعاطف. والملاحف والمطارف. وأوانس حسان. يبن حاليات وعاطلات لكنهن من حلى الملاحة غوان. وأتراب كواعب. بأفئدة الرجل عائبات لواعب. بيض السوالف

стр. 3150

مصقولة الترائب. ذلك إلى المركبات في إسراعها. والعجلات في اندفاعها. والدراجات في انسيابها. والسيارات في انصبابها. وما يتخلل كل ذاك من هرج. ومرج. ومن ضجيج. وعجيج. ومن صخب. ولجب ومن فرح. ومن مرح. ومن نداء. وضوضاء. وكأني بك أيها الصديق لا تكاد تدرك فرط ما لكل هذا من الأثر في نفس متشرد مثلى ولا عظم ماله من الوقع في فؤاد صاحبك الذي لا ألذ في قلبه ولا أحلى في نفسه من منظر المتجمع الهائج المائج يمر به عارضاً شتى صوره وأفانين مشاهده لا بهاجه وإمتاعه وهو واقف ينظر إليه نظرة وادع متمهل طويل النؤدة بعيد الأناة ليس يعنيه من أمر هذا المشهد العظيم سوى أنه ينظر فيتدبر. ويشهد فيتفكر. ويرمق فيتبصر. ويرنو فيتذكر. انتهت رسالة شاعر أمريكا الأكبر إلى صديقه السوّاق. وما أشك أن الكثيرين من القراء سيعدون مثل هذا الصنيع شرّ طريقة لصرف الوقت وأسوأ مضيعة لفرصة الثمينة وعملاً لا يصح أن يصدر نم رجل قد جاوز مرحلتي الشباب والرجولة وأشرف على الكهولة مثل الشارع والت ويتمان ولكن خبرني أيها القارئ إذا نظرنا إلى لباب الحقيقة أي الرجلين أنفذ بصيرة إلى أسرار الحياة وصميم الحق - الشاعر والت ويتمان ينظر إلى الدنيا من مظاهر مركبة الأومنوبيس يستطلع خبايا النفوس وخفايا القلوب نم أسارير الوجوه مملوءاً فرحاً بتلاوة آيات الخلق مسطورة على صفحة الوجود تجيش روحه طرباً باستجلاء هذه الأسرار المكنونة أم أنت أيها القارئ منصرفاً عن هذه الآيات الروائع والآثار البدائع ممتلئاً نقمة واحتقاراً. ومقتاً واستصغارا. لذلك الشاعر الذي تراه في رأيك ونظرك الأسمى عاطلاً متشرداً مضياعاً للوقت النفيس في الصغائر والحقائر. أرأيت إذا امتطى ظهر تلك المركبة رجل نم الأغنياء الموسرين بين المتقلبين في أحضان النعيم المضجعين في أمهدة الترف أو رجل من التجار أو المزارعين المهتمين بشؤونهم الشخصية ومسائلهم الذاتية أكان خياله الراكد الضعيف مستطيعاً أن يطمح إلى عنان السماء فيحلق إلى ذهب الأصيل وبديع وشى الغروب بألوانه البهيجة وأصباغه العجيبة كما يفعل خيال ويتمان أم كان بفطن في أعماق قلبه إلى هذه الحقيقة المؤكدة وهي أن الدنيا في أزمانها المتوالية المختلفة وعصورها المنوعة المتتابعة لم تكن تشتمل قط معان أقدس ولا

стр. 3151

على أغراض أجل وأسمى مما كانت تشتمل عليه ساعة كان ينظر إليها من ظهر مركبته. هذه هي الحياة أمامه وعلة نحو شبر منها الموت. هذا الجمال الذي يراه الساعة في الدنيا هو ذاك الذي قد كان لها منذ القدم - هذه حرب الحياة العوان ومعركتها الدائمة مشفوعة بثمراتها وفؤادها ولكن العين الجامدة البليدة لا ترى في ذلك المشهد سوى شيء سوقي اعتيادي غث سخيف ممقوت. قال الفيلسوف المتشائم توماس كارليل ذات يوم لصديق كان يسايره تحت سرادق السماء المزدان بمصابيح الفلك وفد لفته ذاك الصديق إلى جمال روعة النجوم مه! إنه لمنظر يبعث على الحزن والأسى واذكر أيضاً أن تجدد منظر المجتمع على مرسح الحياة على أعين متتابع القرون والأجيلا وتكرر نظام الوجود العادي الأبدي الذي يملأ قلب ويتمان وأمثاله بذلك الفرح الباطن والطرب الدخيل كان يراه شيخ المتشائمين شوبنهور فيسوف ألمانيا العظيم المصاب بأعضل الأدواء وحشة القلب المظلمة وفراغ النفس الأليم الذي كان ينظر إلى الوجود من خلاله فيعيره وحشته وفراغه - مصدر الملل ومبعث الألم والسآمة. أليس هو القائل ما هي الحياة؟ أن هي ألا تجدد سخافات وتفاهات وتكرار أوهام وأباطيل وأصغار - وعين ما لم يزل نسمع ونرى منذ القدم من الصراخ والعواء ونبح الكلاب. وطنين الذباب! ولكنا على الرغم من مقالة كارليل ومقال شوينهور هذا نرى من صنف الخيوط التي تتكون منها هذه التفاهات والأباطيل والأصغار يصنع الوشى المنسوج منه كل ما كان ويكون وسوف يكون في هذه الدنيا من الشهوات والعواطف والنزعات والأهواء والأميال والمخاوف والآمال والأحزان والأفراح وسائر معاني الحياة!

стр. 3152

فصول مختارة من كتاب الحكمة والقدر للشاعر الكاتب البلجيكي مترلنك مترلنك من أكبر شعراء أوروبا الحديثة وكتابها، وقد اشتهر بطائفة من الروايات التمثيلية وجملة نم المقالات الأدبية، وإن كتابه الموسوم بالحكمة والقدر لكاف في أن يجعل اسمه في عداد الكتاب الثابتين على الدهر القلب، الخالدين على الزمن الفاني. وهذا الكتاب تتخلله روح التفاؤل المهذب المستنير الذي يدل على سعة الذهن وانفراج ما بين أطراف الخيال، ويتغشاه ضوء الرضى الناشئ نم قوة الدراية بحقائق الحياة والمنبعث عن استفاضة العلم بدخائل الروح، فهو جدير بأن ينبط في النفس مشارع الأمل ويبجس فيها عيون الرجاء وينضر أمانيها الذابلة ويروّض تعلاتها المصوحة، وأن هناك ضرباً من التفؤل يستفز فينا الغضب ويبتعث السخط لأنه يدل على رقدة العقل وجموده وبلادة الحس وركوده وينم عن إدراك مواطن الروعة وجوانب العظمة في الحياة، فإن الناظر في الحياة قد تهوله عظمة الخير فتسبب له القلق والخضوع وقد ترهبه صولة الشر فتحدث في نفسه الحزن وتولد فيها الألم، وأن عقيدة الأمل لتسفل في النفوس التي ينشأ فيها الأمل من عدم الفطنة لما يحفهم من أسرار الكون الخفية ودخائله المستترة وفتور شعورهم بالحيرة الضاربة بأرواقها حول الإنسان والتي هي من أكبر البواعث للفكر على التفكير، والقارئ قمين أن يعلم من أمل مترلنك أن فضل العقيدة وأثرها في الحياة - سواسية عقيدة الأمل وعقيدة اليأس - لا يتوقف عليها في ذاتها ولكن على كيفية اعتقادها وطريقة اعتناقها، والعقائد في الحياة الفردية مثل الأديان في الحياة العامة تسمو وتنحط تبعاً لحالة معتقديها فإن الدين إذا ولج إلى عقول الهمج المستوحشين تحول في أذهانهم إلى خرافات مشوشة وأباطيل فارغة وتعصب ضيق ممقوت ولكنه في الأذهان الصافية المتفتحة للمعرفة تفتح الزهرة لقطرات الندى يتحول إلى منافذ من خلالها الكمال والخير، وطاقات ترى بها الجمال والحق، وينشأ من ذلك أن العقيدة التي تنهض بأمة وتسمو بها في مدراج السيادة والعظمة قد تكون هي نفسها التي تحدو بأمة أخرى في ركاب الفناء والزوال وقد لاحظ أحد الكتاب أن فلسفة شوبنهور النافية للحياة الزاهدة في الوجود كانت من بواعث الهاض الشعوب السلافية لأنها كشفت لهم أن الحياة لا تستحق الحرص عليها فحببت إليهم الأقدام

стр. 3153

على المخاطر وعدم المبالاة بالصعاب وهو نت عليهم ملافاة الموت بصبر لا ينتكث وعزم لا يفل فزادت الحيوية المتحيرة في نفوسهم جيشاناً، وقد تكون فلسفة شبوبنهور نفسها من بواعث الخمول والسقوط لامة أخرى. وتفاؤل مترلنك تفاؤل رجل أطل على الهاويات البعيدة الغور التي نتثاءب لابتلاعنا وأشرف على الجبال السامية الأعلام الشامخة الذرى التي تحاول تسلقها فيعجزنا، فرأى أنه من الميسور تجنب تلك الهاويات وأنه ليس من وراء الإمكان صعود تلك الجبال - جبال الكمال التي يشم منها أزاهير الحكمة ونسائم السعادة وليس المنشأ الوحيد لتفاؤله إطراحه المذهب الجبريين فقد يكون الإنسان من القائلين بحرية الإرادة وهو عليل الظن بالإنسانية من ناحية انتفاعها بتلك الحرية ولكنه يرى ان دائرة حكم القدر ضيقة الرقعة محصورة التخوم وأن الإنسانية في يدها تهذيب نفسها، وهو واسع السعادة مشردة عن رياض النعيم وأن الفكرة الابدالتي تترك نفساً مثل نفس كارليل أو شوبنهور مثل الصدفة تسمع منها أنين لج الأبد الزاخر قد استحالت على يده إلى فكرة لماعة الجنبات مشرفة النواحي نستمد منها القوة في ساعات الكلال والفتور إذ يري أن أعمالنا الفكر في عظمة الأبد مما يزيدنا قوة على قوة لأننا في تأملنا تلك العظمة إنما نملح ظلال عظمة نفوسنا وقد لا يكون مترلنك أصاب من الحق الكلي والمفاصل في الكثير نم أفكاره ولكنه مما لا سبيل إلى دفعه أنه قد أتى بأفكار سامية تندى على الكبد الحرى وأعاد في الأذان في هذه الأوقات المادية العصيبة النغمات الحسان والأناشيد العذاب التي سمعها القدماء من أمثال مرقس أورلياس وسنكا وغيرهما من الفلاسفة والأسطوانيين و؟؟؟؟ الصول التي وقع عليها الاختبار. * * * أنا لا أزعم أن القدر عادل وأنه يكافئ الصالح ويعاقب الشرير، وأي روح واثقة من المكافأة مطمئنة إلى طيب الجزاء يمكن أن تدعى الصلاح وصحة الضمير وسلامة دواعي الصدر، وأننا عند ما نحكم على القدر لأقل منه عدلاً وأشد مغاراً في الظلم، وأن عيوننا لا تنظر سوى المصائب التي تقرع مروة الحليم ولا تبصر غير سحب الهم المركوة التي تمطره، ولكننا لا نري سعادته ونعيمه لأنه من شرائط تفهم سعادة العاقل الحكيم ووسائل إدراكها أن يكون في نفوسنا من الحكمة والعدل بقدر ما في نفسه، وأن الر=جل ذا النفس الأرضية

стр. 3154

الوضيعة والقلب المغلف الجاف إذا حاول تقدير حكيم جليل وزنته ألفيت سعادة الحكيم تنساب من بين أنامله انسياب الماء، ولكنها في زنة الذهب ولمعانه ولألأئه وتوهجه في يد ضريبة الحكيم وصنوه العادل لأن كليهما قد منح ثقوب الرأي ونفاذ البصيرة وأن يرى أبعد من مرمى الأبصار وأسمى من تحليق الأفكار، وأن المصيبة التي تنزل بالحكيم قد تكون قريبة الشبه موجودة النظير في الملمات التي تحل ركابها بساحات غيره من الناس ولكن سعادته ليس لها أدنى علاقة ولا أقل صلة بتلك السعادة التي يتوهمها من لم يكن حكيماً، وأن في السعادة لأقاليم مجهولة أكثر مما في الشقاء، وأن صوت الشقاء واحداً بداً ولكن السعادة كلما نفذت إلى الأعماق كانت أخفت صوتاً وأكثر صمتاً، وإذا نحن وضعنا في كفة الميزان الأحزان والهموم ومناكر الأيام وعيوبها ووازناها في الكفة الأخرى بما يحسبه كل منا سعادة رأينا المستوحش يضع في كفة السعادة مقداراً من الريش وكمية من البارود ويضع الذهب المتحضر بعض الذهب وعدة أيام الأحلام وليالي الصبوات وذكر النشوات، ولكن الحكيم يضع آلاف الأشياء التي لا تستطيع عيوننا أن تستشفها يضع كل روحه وحتى الشقاء الذي كابده فهذبه والألم الذي مارسه فنقاه. إذا تلفظت بكلمة القدر انطبعت في صفحات أذهان الناس مجللة بالسواد مكسوة بالمخاوف فإن الذي يدور بخلدهم بالغريزة والجلبة هو أن الشعب الذي يؤدي بسالكه إلى القبر - وهو في أكثر الأوقات الاسم الذي يطلقونه على الموت عندما تكون يده خافية عن الأبصار - هو عندهم الموت الذي يحوك سداره ولحمته من المستقبل ليمد ظلال الموت على الحياة، ونحن نسمع بالموت يتربص الدوائر بالمسافر في منعطف الطريق وحنيته نقول أنه لا محيد لأحد عن ملاقاة المقدور ولكن لو لاقى المسافر بديلاً فنحن لا ننيط ذلك بالمقدور ولو أنا فعلنا ذلك لكانت له صورة أخرى في القلوب وشأن مختلف في النفوس ولكن بين كل ذلك ألا يوجد أفراح ومسرات نلتقي بها في طريق الحياة ورحلتها أكبر وأجل من أية كارثة وأفدح نزلة، بل أضخم وأفخم من الموت نفسه؟ أما يمكن أن نلتقي بسعادة سامية على منال العيون قصية على مرامي الأبصار؟ أو ليس من طبائع السعادة أنها أقل ظهوراً وأخفى مدباً من الشقاء، وأن الطرف يتقاصر عن إدراكها كلما تسامت وتوقلت في النواحي العالية؟ ولكن هذه الأنعيرة التفافاً ولا نكلف به خاطراً، وأن كل القرية قد تحتشد جموعها وتلتف

стр. 3155

حول مشهد محزن ولكن قل بين الناس من يتمهل ملياً ويوكل ألحاظه بقبلة عذبة ندية أو برؤية جمال مشرق زاهر يبهج الروح ويسرها أو بتأمل أشعة نم الحب تنير نواحي القلب وتشرق في دياجيه، ولقد تكون تلك القبلة منتجة لسرور ليس بأقل من الألم الذي يتولد من الجرح. إننا نظلم القدر ونحن لا نؤلف أبداً بين القدر والسعادة، وإذا نحن اعتبرنا القدر منفصلاً عن الموت فإنما نفعل ذلك لنحكم الأواخي ونقوى الروابط بينه وبين مصائب أفدح من الموت وآلم وقعاً. * * * من الشطط أن نفكر دائماً في القدر موصولاً بالموت مرتبطاً بالدواهي والنكبات، فمتى يحين الوقت الذي يبطل فيه اعتقادنا أن الموت خير نم الحياة وأكثر أهمية وأن الشقاء أعظم من السعادة؟ ولماذا عند ما نحاول أن نستحضر مصير رجل من الرجال نحصر نظرتنا في الدموع التي تصوبت من جفونه والزفرات التي تصعدت من صدره لا في الابتسامات التي علت صفحة وجهه في أوقات المسرات ومصابيح الطلاقة والبشر التي توقدت عليه في ساعات الابتهاج والإطراب؟ ولأين تعلمنا أن قيمة الحياة مرتهنة بالموت لأن الموت موقوف على الحياة؟ ولماذا مصرع رج كسقراط وغيره ممن كانت حياتهم مستنبلة سامية يترك منا بكي العيون هاملاً ويخلف فينا الهم مقيداً ومرسلاً لأن خاتمتهم كانت فجاءة وكانت مريرة مؤلمة، ونستريح إلى أن الشقاء يتغشى الحكمة والفضيلة وأنه سواء عنده الباز الأشهب والغراب الأبفع وأنا ليفصلنا عن العدل نفنف متباعد إذا كنا لا نريد أن نري ف الحكمة واعدل ونواحيهما غير الحكمة والعجل فحسب ولماذا نحصر وجوداً بأكمله وحياة تامة في ساعة الموت، ولماذا نظن أن حكمة سقراط وفضيلته وقد ساقتا إليه رسل الشقاء وأوفدتا عليه طوائف المصائب وهل الموت يحوي منتدحاً أكثر امتداداً من الميلاد؟ أو لسنا نفكر في مولد الحكيم عندما نفكر في مصيره؟ أن السعادة أو الشقاء تنشأ عن الأعمال التي تصدر عنا في الفترة الممتدة بين ساعة المولد وساعة الموت وبذلك لا تقدر سعادة الرجل عند الموت ولكن يفتش عنها في الأعوام الطوال التي تتقدمه، ويخيل إلى أننا دائماً نتوهم أن الحكيم الذي سطر لنا التاريخ ميتته الرهيبة كان يطوي الأيام في تنبئ مظلم مخيف بالحادثة التي أضمرتها له الأيام وخبأتها له حكمته؟ وأننا لنخطئ في ذلك
следующие страницы →