Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
على أغراض أجل وأسمى مما كانت تشتمل عليه ساعة كان ينظر إليها من ظهر مركبته. هذه هي الحياة أمامه وعلة نحو شبر منها الموت. هذا الجمال الذي يراه الساعة في الدنيا هو ذاك الذي قد كان لها منذ القدم - هذه حرب الحياة العوان ومعركتها الدائمة مشفوعة بثمراتها وفؤادها ولكن العين الجامدة البليدة لا ترى في ذلك المشهد سوى شيء سوقي اعتيادي غث سخيف ممقوت. قال الفيلسوف المتشائم توماس كارليل ذات يوم لصديق كان يسايره تحت سرادق السماء المزدان بمصابيح الفلك وفد لفته ذاك الصديق إلى جمال روعة النجوم مه! إنه لمنظر يبعث على الحزن والأسى واذكر أيضاً أن تجدد منظر المجتمع على مرسح الحياة على أعين متتابع القرون والأجيلا وتكرر نظام الوجود العادي الأبدي الذي يملأ قلب ويتمان وأمثاله بذلك الفرح الباطن والطرب الدخيل كان يراه شيخ المتشائمين شوبنهور فيسوف ألمانيا العظيم المصاب بأعضل الأدواء وحشة القلب المظلمة وفراغ النفس الأليم الذي كان ينظر إلى الوجود من خلاله فيعيره وحشته وفراغه - مصدر الملل ومبعث الألم والسآمة. أليس هو القائل ما هي الحياة؟ أن هي ألا تجدد سخافات وتفاهات وتكرار أوهام وأباطيل وأصغار - وعين ما لم يزل نسمع ونرى منذ القدم من الصراخ والعواء ونبح الكلاب. وطنين الذباب! ولكنا على الرغم من مقالة كارليل ومقال شوينهور هذا نرى من صنف الخيوط التي تتكون منها هذه التفاهات والأباطيل والأصغار يصنع الوشى المنسوج منه كل ما كان ويكون وسوف يكون في هذه الدنيا من الشهوات والعواطف والنزعات والأهواء والأميال والمخاوف والآمال والأحزان والأفراح وسائر معاني الحياة!
стр. 3152
فصول مختارة من كتاب الحكمة والقدر
للشاعر الكاتب البلجيكي مترلنك
مترلنك من أكبر شعراء أوروبا الحديثة وكتابها، وقد اشتهر بطائفة من الروايات التمثيلية وجملة نم المقالات الأدبية، وإن كتابه الموسوم بالحكمة والقدر لكاف في أن يجعل اسمه في عداد الكتاب الثابتين على الدهر القلب، الخالدين على الزمن الفاني.
وهذا الكتاب تتخلله روح التفاؤل المهذب المستنير الذي يدل على سعة الذهن وانفراج ما بين أطراف الخيال، ويتغشاه ضوء الرضى الناشئ نم قوة الدراية بحقائق الحياة والمنبعث عن استفاضة العلم بدخائل الروح، فهو جدير بأن ينبط في النفس مشارع الأمل ويبجس فيها عيون الرجاء وينضر أمانيها الذابلة ويروّض تعلاتها المصوحة، وأن هناك ضرباً من التفؤل يستفز فينا الغضب ويبتعث السخط لأنه يدل على رقدة العقل وجموده وبلادة الحس وركوده وينم عن إدراك مواطن الروعة وجوانب العظمة في الحياة، فإن الناظر في الحياة قد تهوله عظمة الخير فتسبب له القلق والخضوع وقد ترهبه صولة الشر فتحدث في نفسه الحزن وتولد فيها الألم، وأن عقيدة الأمل لتسفل في النفوس التي ينشأ فيها الأمل من عدم الفطنة لما يحفهم من أسرار الكون الخفية ودخائله المستترة وفتور شعورهم بالحيرة الضاربة بأرواقها حول الإنسان والتي هي من أكبر البواعث للفكر على التفكير، والقارئ قمين أن يعلم من أمل مترلنك أن فضل العقيدة وأثرها في الحياة - سواسية عقيدة الأمل وعقيدة اليأس - لا يتوقف عليها في ذاتها ولكن على كيفية اعتقادها وطريقة اعتناقها، والعقائد في الحياة الفردية مثل الأديان في الحياة العامة تسمو وتنحط تبعاً لحالة معتقديها فإن الدين إذا ولج إلى عقول الهمج المستوحشين تحول في أذهانهم إلى خرافات مشوشة وأباطيل فارغة وتعصب ضيق ممقوت ولكنه في الأذهان الصافية المتفتحة للمعرفة تفتح الزهرة لقطرات الندى يتحول إلى منافذ من خلالها الكمال والخير، وطاقات ترى بها الجمال والحق، وينشأ من ذلك أن العقيدة التي تنهض بأمة وتسمو بها في مدراج السيادة والعظمة قد تكون هي نفسها التي تحدو بأمة أخرى في ركاب الفناء والزوال وقد لاحظ أحد الكتاب أن فلسفة شوبنهور النافية للحياة الزاهدة في الوجود كانت من بواعث الهاض الشعوب السلافية لأنها كشفت لهم أن الحياة لا تستحق الحرص عليها فحببت إليهم الأقدام
стр. 3153
على المخاطر وعدم المبالاة بالصعاب وهو نت عليهم ملافاة الموت بصبر لا ينتكث وعزم لا يفل فزادت الحيوية المتحيرة في نفوسهم جيشاناً، وقد تكون فلسفة شبوبنهور نفسها من بواعث الخمول والسقوط لامة أخرى.
وتفاؤل مترلنك تفاؤل رجل أطل على الهاويات البعيدة الغور التي نتثاءب لابتلاعنا وأشرف على الجبال السامية الأعلام الشامخة الذرى التي تحاول تسلقها فيعجزنا، فرأى أنه من الميسور تجنب تلك الهاويات وأنه ليس من وراء الإمكان صعود تلك الجبال - جبال الكمال التي يشم منها أزاهير الحكمة ونسائم السعادة وليس المنشأ الوحيد لتفاؤله إطراحه المذهب الجبريين فقد يكون الإنسان من القائلين بحرية الإرادة وهو عليل الظن بالإنسانية من ناحية انتفاعها بتلك الحرية ولكنه يرى ان دائرة حكم القدر ضيقة الرقعة محصورة التخوم وأن الإنسانية في يدها تهذيب نفسها، وهو واسع السعادة مشردة عن رياض النعيم وأن الفكرة الابدالتي تترك نفساً مثل نفس كارليل أو شوبنهور مثل الصدفة تسمع منها أنين لج الأبد الزاخر قد استحالت على يده إلى فكرة لماعة الجنبات مشرفة النواحي نستمد منها القوة في ساعات الكلال والفتور إذ يري أن أعمالنا الفكر في عظمة الأبد مما يزيدنا قوة على قوة لأننا في تأملنا تلك العظمة إنما نملح ظلال عظمة نفوسنا وقد لا يكون مترلنك أصاب من الحق الكلي والمفاصل في الكثير نم أفكاره ولكنه مما لا سبيل إلى دفعه أنه قد أتى بأفكار سامية تندى على الكبد الحرى وأعاد في الأذان في هذه الأوقات المادية العصيبة النغمات الحسان والأناشيد العذاب التي سمعها القدماء من أمثال مرقس أورلياس وسنكا وغيرهما من الفلاسفة والأسطوانيين و؟؟؟؟ الصول التي وقع عليها الاختبار.
* * *
أنا لا أزعم أن القدر عادل وأنه يكافئ الصالح ويعاقب الشرير، وأي روح واثقة من المكافأة مطمئنة إلى طيب الجزاء يمكن أن تدعى الصلاح وصحة الضمير وسلامة دواعي الصدر، وأننا عند ما نحكم على القدر لأقل منه عدلاً وأشد مغاراً في الظلم، وأن عيوننا لا تنظر سوى المصائب التي تقرع مروة الحليم ولا تبصر غير سحب الهم المركوة التي تمطره، ولكننا لا نري سعادته ونعيمه لأنه من شرائط تفهم سعادة العاقل الحكيم ووسائل إدراكها أن يكون في نفوسنا من الحكمة والعدل بقدر ما في نفسه، وأن الر=جل ذا النفس الأرضية
стр. 3154
الوضيعة والقلب المغلف الجاف إذا حاول تقدير حكيم جليل وزنته ألفيت سعادة الحكيم تنساب من بين أنامله انسياب الماء، ولكنها في زنة الذهب ولمعانه ولألأئه وتوهجه في يد ضريبة الحكيم وصنوه العادل لأن كليهما قد منح ثقوب الرأي ونفاذ البصيرة وأن يرى أبعد من مرمى الأبصار وأسمى من تحليق الأفكار، وأن المصيبة التي تنزل بالحكيم قد تكون قريبة الشبه موجودة النظير في الملمات التي تحل ركابها بساحات غيره من الناس ولكن سعادته ليس لها أدنى علاقة ولا أقل صلة بتلك السعادة التي يتوهمها من لم يكن حكيماً، وأن في السعادة لأقاليم مجهولة أكثر مما في الشقاء، وأن صوت الشقاء واحداً بداً ولكن السعادة كلما نفذت إلى الأعماق كانت أخفت صوتاً وأكثر صمتاً، وإذا نحن وضعنا في كفة الميزان الأحزان والهموم ومناكر الأيام وعيوبها ووازناها في الكفة الأخرى بما يحسبه كل منا سعادة رأينا المستوحش يضع في كفة السعادة مقداراً من الريش وكمية من البارود ويضع الذهب المتحضر بعض الذهب وعدة أيام الأحلام وليالي الصبوات وذكر النشوات، ولكن الحكيم يضع آلاف الأشياء التي لا تستطيع عيوننا أن تستشفها يضع كل روحه وحتى الشقاء الذي كابده فهذبه والألم الذي مارسه فنقاه.
إذا تلفظت بكلمة القدر انطبعت في صفحات أذهان الناس مجللة بالسواد مكسوة بالمخاوف فإن الذي يدور بخلدهم بالغريزة والجلبة هو أن الشعب الذي يؤدي بسالكه إلى القبر - وهو في أكثر الأوقات الاسم الذي يطلقونه على الموت عندما تكون يده خافية عن الأبصار - هو عندهم الموت الذي يحوك سداره ولحمته من المستقبل ليمد ظلال الموت على الحياة، ونحن نسمع بالموت يتربص الدوائر بالمسافر في منعطف الطريق وحنيته نقول أنه لا محيد لأحد عن ملاقاة المقدور ولكن لو لاقى المسافر بديلاً فنحن لا ننيط ذلك بالمقدور ولو أنا فعلنا ذلك لكانت له صورة أخرى في القلوب وشأن مختلف في النفوس ولكن بين كل ذلك ألا يوجد أفراح ومسرات نلتقي بها في طريق الحياة ورحلتها أكبر وأجل من أية كارثة وأفدح نزلة، بل أضخم وأفخم من الموت نفسه؟ أما يمكن أن نلتقي بسعادة سامية على منال العيون قصية على مرامي الأبصار؟ أو ليس من طبائع السعادة أنها أقل ظهوراً وأخفى مدباً من الشقاء، وأن الطرف يتقاصر عن إدراكها كلما تسامت وتوقلت في النواحي العالية؟ ولكن هذه الأنعيرة التفافاً ولا نكلف به خاطراً، وأن كل القرية قد تحتشد جموعها وتلتف
стр. 3155
حول مشهد محزن ولكن قل بين الناس من يتمهل ملياً ويوكل ألحاظه بقبلة عذبة ندية أو برؤية جمال مشرق زاهر يبهج الروح ويسرها أو بتأمل أشعة نم الحب تنير نواحي القلب وتشرق في دياجيه، ولقد تكون تلك القبلة منتجة لسرور ليس بأقل من الألم الذي يتولد من الجرح. إننا نظلم القدر ونحن لا نؤلف أبداً بين القدر والسعادة، وإذا نحن اعتبرنا القدر منفصلاً عن الموت فإنما نفعل ذلك لنحكم الأواخي ونقوى الروابط بينه وبين مصائب أفدح من الموت وآلم وقعاً.
* * *
من الشطط أن نفكر دائماً في القدر موصولاً بالموت مرتبطاً بالدواهي والنكبات، فمتى يحين الوقت الذي يبطل فيه اعتقادنا أن الموت خير نم الحياة وأكثر أهمية وأن الشقاء أعظم من السعادة؟ ولماذا عند ما نحاول أن نستحضر مصير رجل من الرجال نحصر نظرتنا في الدموع التي تصوبت من جفونه والزفرات التي تصعدت من صدره لا في الابتسامات التي علت صفحة وجهه في أوقات المسرات ومصابيح الطلاقة والبشر التي توقدت عليه في ساعات الابتهاج والإطراب؟ ولأين تعلمنا أن قيمة الحياة مرتهنة بالموت لأن الموت موقوف على الحياة؟ ولماذا مصرع رج كسقراط وغيره ممن كانت حياتهم مستنبلة سامية يترك منا بكي العيون هاملاً ويخلف فينا الهم مقيداً ومرسلاً لأن خاتمتهم كانت فجاءة وكانت مريرة مؤلمة، ونستريح إلى أن الشقاء يتغشى الحكمة والفضيلة وأنه سواء عنده الباز الأشهب والغراب الأبفع وأنا ليفصلنا عن العدل نفنف متباعد إذا كنا لا نريد أن نري ف الحكمة واعدل ونواحيهما غير الحكمة والعجل فحسب ولماذا نحصر وجوداً بأكمله وحياة تامة في ساعة الموت، ولماذا نظن أن حكمة سقراط وفضيلته وقد ساقتا إليه رسل الشقاء وأوفدتا عليه طوائف المصائب وهل الموت يحوي منتدحاً أكثر امتداداً من الميلاد؟ أو لسنا نفكر في مولد الحكيم عندما نفكر في مصيره؟ أن السعادة أو الشقاء تنشأ عن الأعمال التي تصدر عنا في الفترة الممتدة بين ساعة المولد وساعة الموت وبذلك لا تقدر سعادة الرجل عند الموت ولكن يفتش عنها في الأعوام الطوال التي تتقدمه، ويخيل إلى أننا دائماً نتوهم أن الحكيم الذي سطر لنا التاريخ ميتته الرهيبة كان يطوي الأيام في تنبئ مظلم مخيف بالحادثة التي أضمرتها له الأيام وخبأتها له حكمته؟ وأننا لنخطئ في ذلك
стр. 3156
فإن الموت يخيف الشرير اكثر مما يخيف الحكيم، ومهما كانت خاتمة الحكيم مؤلمة فإنها لم ترسل ظلالاً سوداء فوق حياته لأنه لم يصرف أوقاته في ميتات أولية ولكنه من أصعب الأمور علينا أن لا نظن أن جرحاً ينضج بالدم يحيل إلى لا شيء كل سكون الحياة وهدوئها.
* * *
لنذكر دائماً أنه لا شيء يصيبنا إلا وهو من طبيعة روحنا ومعدنها، وأن كل الأخطار التي تقدم علينا تلبس لأرواحنا أزياء الأفكار التي تمر بإخلادنا كل يوم وأن أعمال الشجاعة وأحداث البطولة لا تمنح إلا لهؤلاء الذين عاشوا السنين الطويلة أبطالاً في زوايا النسيان وأكنان الخفاء، وسواء هبطت الوادي أو رقيت الجبل سواء شرقت حتى لم تجد ذكر مشرق وغربت حتى لم تجد ذكر مغرب أو اقتصرت على الطواف بمنزلك فإنك ملاق نفسك في طرق القدر، وأن مخاطراتنا لتتطاير حولنا تطاير النحل حول خلاياه عند ما يكون على نية الاحتشاد، وهذه المخاطرات تترقب ظهور الفكرة الرئيسية من أرواحنا فإذا لاحت تلك الفكرة تدفعت نحوها والتفت حولها، فكن كاذباً يسرع إليك الكذب وكن نباض القلب بالحب نزاعاً إلى البطولة يترادف إليك الحب وتتلاحق إليك أحداث البطولة، فإن كل ذلك يقبل إليك إذا أشار إليه طرف القلب، وإن الروح إذا صارت عند إقبال المساء أوفر عقلاً وأصفى حكمة صار الحزن الذي كاثرها في الصباح أحكم وأصفى وأطهر وأنقى.
* * *
حول الرجل الصالح دائرة متسعة من السلام والأمن من داخلها. تزول سهام الشر وتفنى وليس في طاقة زملائه أن يقذفوه بالمكائد ويهيجوا به الألم، ومن الحقائق الجلية أننا إذا كنا نرسل العبرات من حنث أعدائنا ومكائدهم فما ذلك إلا أننا نسر ونبهّج إذا نحن أبكيناهم وحشونا قلوبهم حرفاً وإذا كانت سهام الحسد في وسعها أن تصل إلى جلودنا وتسيل من دمنا فإن ذلك لأن في نفوسنا سهاماً نريد أن نطلقها، وإذا كانت الخيانة تستثير الزفرات من حنايا ضلوعنا وتستوقد الغضب بين جوانحنا فإنه لا بد من أن نكون غير مخلصين لأنفسنا، فإن كل تلك الأسلحة لا تجرح إلا الروح التي لم تقدمها قرباناً على مذبح الحب.
* * *
стр. 3157
إذا نحن تعمقنا في الحياة وضح لنا الكثير مما خفى علينا من أسرار الأحزان الكبيرة وأسباب اليأس العظيم ورأينا أرواحاً كثيرة حولنا تحيا حياة خمول وإن النفوس قد أقفرت فلم تتفتح لها نفس لأنها على يقين من خلوها من كل ما يحفز على الإعجاب ويثير الإجلال ولكن الحكيم ترتاده الساعة التي تدعى فيها كل روح يقظته وانتباهه وحبه وحنانه ولو لم يكن ذلك إلا لأنها تملك هبة الوجود الخفية المقدسة والتي فيها ينظر الكذب والضعف والرذيلة كلها متجمعة على السطح حيث ينفذ عينه من خلالها وتستشف من ورائها القوة والصدق والفضيلة في الأعماق، وإنها لساعة مباركة سعيدة حيث يقف الشر وقد تجلى خيراً لم يجد هادياً وتظهر الخيانة كأمانة كانت مضللة مصدوده عن سبيل الرشد مبعدة عن ورد السعادة وحيث يصير الكره حباً واليأس قوة.
لنذهب حيث شئنا فإن نهر الحياة الجياش العباب يتدفق تحت قبة السماء ويسير بين حيطان السجون وأسوارها حيث لا تضاحك الشمس غوارب أمواجه بينما هو يتدفق بين درجات القصور حيث السرور والابتهاج، وليس يعنينا عمق ذلك النهر أو اتساعه أو قوة تياره الدائم التدفع والوثوب ولكننا نروم معرفة حجم وصفاء الكاس التي نغمرها في مائه الجاري لأن كل ما نحمله ونستهلكه من أمواهه يأخذ شكل تلك اتلكاس لأنها قد استعارت شكل أفكارنا وصورة إحساساتنا وإن لكل إنسان كاساً من صنع أمانيه وأحلامه وصياغة نوازعه ورغباته، فإذا نحن تذمرنا من القدر وتسخطنا أحكامه فإن ما يحزنن ويسبب شكوانا هو أن القدر لم يوقظ في نفوسنا إلا رغبة في كأس أفتن صنعاً وأبهر لألأ، والحقيقة التي قد تغيب عن أذهاننا هو أن فكرة عدم المساواة محصورة في الرغبة، وعدم المساواة هذه نزول في اللحظة التي ندركها فيها، وأن النزوع إلى رغبة أشرف كفيل أن يأتي لنا بها، فإن صدر المقدور لينبض بهذا الطموح الجديد فيزيد كأسنا جمالاً وإشراقاً وعمقاً واتساعاً لأن معدن تلك الكأس قابل للالتواء حتى في ساعة الموت العابسة الجافة، وليس هناك من سبيل لشكوى هذا الذي علم أن مشاعره ينقصها الحماس الرفيع أو للآخر الذي يصعد في أفق نفسه الأمل سعادة أوسع نطاقاً وإني إذا كنت أحسد حسداً شريفاً هؤلاء الذين استطاعوا أن يملؤا كؤوسهم أكثر فتنة وأمهر ائتلاقاً من كأسي حيث مجرى النهر سلسال صاف فإن عندي - وإن كنت أجهل ذلك - نصيباً وافراً من كل ما يستقون من النهر بل أن شفي
стр. 3158
لتجاور شفاههم على حافة تلك الكأس اللماعة.
* * *
لنترك الشكوى من عدم اكتراث الطبيعة بالحكيم، وإن هذا الاكتراث يبدو لنا غربياً لأننا نتوغل في أقاليم الحكمة، فإن أول واجبات الحكمة أن نطرح في الضوء ضآلة الفراغ الذي يملؤه الإنسان في ذلك الوجود، وفي هذا الصراع يظهر الإنسان خطير الشأن مثل النحل في خلاياه، وإن النحل ليحمل نفسه عناء إذا أظن أن زهرة واحدة تكون في الروض أكثر ازدهاراً وإشراقاً لأن ملكة النحل قد ثبت أنها شجاعة باسلة جديرة بالسطوة والنفوذ في الخلايا، وأن لا ينبغي أن نظن أننا نحط من قيمة أنفسنا ونهضم من جانبها عند ما نعلي قدر الكون ونفخمه، وسواء أنطنا العظمة بنفوسنا أو بالكون فإن هذا يسوق إلى أرواحنا حلسة اللانهائي التي هي دم الفضيلة وقوتها ولا ينبغي أن نتطلب من وراء الفضيلة جزاء ضخماً، فإن جزاء الفضيلة داخل نفوسنا لا خارجها، والذين يرفعون أصواتهم في طلب مكافأة هم أبعد الناس وأقصاهم عنها، ولا ينبغي أن يعزب عن بالنا أن عمل الخير نفسه هو زهرة لحياة داخلية طويلة من السرور والقناعة والبشاشة والرضي، وهو يحدث عن ساعات الهدوء والسلام في أشرق أعالي الروح واسحق نواحيها، وأنه لا مكافأة تأتي بعد عمل الخير تعادل أو تقارن بذلك الجزاء العذب الجميل الذي ذهب معه وأن هؤلاء الذين يفعلون الخير غير منتظرين لجزاء هم الذين يعرفون سرور الروح، وأننا نفعل الشر لأسباب واضحة معلومة لنا ولكن أفعال الخير تصيرا كثر صفاء ونقاوة كلما جهلنا الدافع لها والحافز عليها، ولو أدنا أن نقدر فضيلة رجل فلنسأله عن بواعث الفضيلة في نفسه وإن أقل الناس علماً بالجواب هو أصدقهم فضيلة، وقد تظن أن العقل إذا اتسع وترامت حدوده تزول من الروح الشجاعة وهذا نقيض الحق فإن العقل الأكثر اتساعاً يستصحب مثلاً أعلى للشجاعة أسمى وأبعد عن الغرض، وإن هذا الذي يذهب إلى أن الفضيلة في حاجة إلى تأييد ومساعدة من القدر أو نم العوالم الأخرى ليس في نفسه حاسة الفضيلة المبجلة المحترمة، وإذا أردنا أن نخلص في عمل الخير فإنه يلزم أن نعمل الخير لتلهفنا إلى الخير نفسه ولتلفتنا إلى معرفة أدنى وأعرق بالخير. وإن هناك فرقاً لا يخفي على العين البصيرة بين روح الرجل الذي يعتقد أن أشعة عمل الخير ستترامى إلى مسافات بعيدة وتنير في
стр. 3159
نواح قاصية وبين هذا الذي يعتقد أنها لا تنير سوى روحه ولقد توجد قوة وقتية في الحق الطموح المتطلع ولكن القوة التي تأتي من ناحية الحق المتواضع المتخشع أكثر دواماً وأبقى على الزمن، ولخير لنا أن نكون مثل الجندي الذي يغرف صغر قدره وتفاهة تأثيره في المعركة ولكنه يظل يجاهد بقوة وعزيمة مشدودة نم أن نكون مثل الجندي الآخر الذي يخيل له أن كل ضربة من ضرباته تقرب النصر وأن الرجل المهذب المستقيم ليحقر أن يخدح جاره ويزيل له المحال ولكنه شديد الميل إلى أن يعتبر أن مقداراً من خداع النفس لا يمكننا فصله عن المثل الأعلى وإذا كان في الفضيلة مكسب وربح فإن أنبل الناس نفساً يرغم على أن يفتش عن السعادة في مظان أخرى.
لماذا لا نعتقد أنه ليس من واجبنا أن نرسل العبرات مع كل الباكين ولأن نشاطر الأحزان كل موجع كسير القلب وأن نعرض قلبنا لكل طارق فيلاطفه ويسليه أو يطعنه ويدميه؟ إنا لا نجد من الدموع والجروح والآلام أعواناً إلا إذا كانت لا تحل منا عرى العزمات ولا تقدح منا في معاقد القوة والثبات، ولا يغيبن عن بالنا أنه مهما متن رسالتنا في الدنيا ومهما كان الغرض من مساعينا وآمالنا ومن نتيجة أفراحنا ومسراتنا فنحن قبل كل شيء حراس للحياة وإن هذا لا صدق الحقائق وأثبتها بل هو الأساس الذي تشاد عليه أخلاق البشر وآدابهم، وإن الحياة منحت لنا السبب نجهله فليس من شأننا أن نصغر من قيمتها وأن نقذف بها في زوايا الإهمال وأننا نمثل في هذا الكوكب الأرضي حياة الشعور والفكر ولذا فإن كل الميول التي من شأنها ان تطفئ حماس الإحساس وتفت قوة الروح هي في مصدرها غير تهذيبية، وواجبنا هو أن نتعهد ذلك الحماس وأن نزيد في قيمته ونعلي من أمره ولنحاول دائماً أن نتهدى إلى يقين أعمق في عظمة الإنسان وفي قوته وفي مصيره ومآله أوفى شعفه وشقائه وبؤسه ومرارته لأن الشفاء النبيل السامي ليس بأقل إنهاضاً للروح نم السعادة النبيلة السامية من أشعتها إلى ميولنا وأفكارنا وتبعث من ضيائها إلى شجاعتنا وأقدامنا وإن كل جمال تأخذه العين ويستمكن منه البصر فيما حولنا لجميل أيضاً في نفوسنا وإن كل ما نجده في نفوسنا عظيماً مستحقاً للإجلال والتوقير نجده أيضاً في نفوس الآخرين واني لا أستطيع أن أجعلك نبيل النفس ما لم أكن نبيلها ولست أمنحك إعجاباً ما لم يكن في روحي شيء يستوجب الإعجاب.
стр. 3160
* * *
إن السمو لا يأتي إلى الروح من طريق تضحية النفس وإن النفس كلما صارت أسمى أخذت التضحية تختفي عن الإبصار كما تختفي أزهار الوادي عن ناظر الصاعد الجبل وإن التضحية لعلامة جميلة على قلق الروح ولكن القلق لا ينبغي أن يعيش وأن يتغذى في نفوسنا من أجل نفسه والروح التي على طريق اليقظة ترى في كل شيء سبباً للتضحية ولكن أشياء قليلة تظهر كذلك للروح التي صارت لا ترى في أنكار النفس والرحمة والتطوع جذوراً لا يستغنى عنها بل فيها أزهاراً خفية، وكثيرون من يهدمون قصور سعادتهم ويطفئون أنوار مآلهم المتألقة ليصلوا إلى رؤية أوضح للنفس في اللهب المتهالك الفاني وكأنهم يمسكون في يدهم مصباحاً يجهلون طريقة استعماله فإذا انتظم سلك الليل وتشوقوا للأنوار بددوا مادته في نار غيرهم ولنحذر أن تعمل عمل الرجال في الخرافة الذي وقف يحرس المنارة ثم تصدق بزيتها الذي كان يضيء فيملأ البحر نوراً، وإن كل روح في فضائها منار تتفاوت حاجتها إليه وإن القوة اللامدية التي تغير في أرواحنا ينبغي أن تضيء أولاً لنفسها لأنها بهذا الشرط فقط ستضيء للآخرين أيضاً.
* * *
إن أصغر فكرة مسلية فيها من القوة في ذاتها ما ليس موجوداً في أبلغ شكوى وأفصح تعبير عن ألم وحزن، وإن الفكرة العامة المتسعة العميقة التي لا تجلب سوى الحزن لقوة تحرق أجنحتها في الظلام لترمي أشعة حول جدران سجنها وإن أبسط فكرة أمل أو خضوع بارتياح لقانون لا مندوحة عنه لقوة في نفسها.
علي أدهم
стр. 3161
محاورة
بين فقيه متدين وفيلسوف ملحد
للفيلسوف الألماني الأكبر آرثر شوبنهور
تابع لما نشر في العدد الثالث من هذه السنة
الفقيه - إذا كانت نتيجة تعاليم المسيحية لم تجيء متفقة مع هذه الملة الغراء في الطهر والنقاء فلعل السبب في ذلك أرجع إلى أن شرف المسيحية وقداستها هي أعلى وأرفع من أن ترتقي إليها الإنسانية مع ما قد ركب فيها من غرائز السفال وما جبلت عليه من نحائز اللؤم والضعة - وإن أغراضها أسمى من أن تنالها همة البشر الضعيفة الواهنة الكليلة الوانية مع ما يقعد بها من دواعي السقوط والضعة والإسفاف. ولا مراء عندي في أنه أهون على بني البشر وأيسر أن يتبعوا شريعة الوثنية أو اليهودية. ولا مشاحة في أن أسمى ما في المسيحية وأسناه. وأشرفه وأعلاه. هو أقربه أن يجعل ذريعة إلى الشرور والإضرار. أفلا ترى كيف عمد ذوو المآرب والغايات إلى أقدس عقائد المسيحية فاتخذوه سلّماً إلى إتيان أشنع المآثم. واقترف أفظع الجنايات والجرائم. ونحن قد أسلفنا أن انقراض النظامات الأوروبية القديمة واضمحلال الفنون والعلوم اليونانية والرومانية معزوّ إلى غزوات الشعوب البربرية أثناء القرون الوسطى. فلا غزو للحالة هذه إذا رأينا الجهالة والهمجية قد تسيطرت وتسلطت ونهضت دولة العنف والاعتساف. وقام سلطان البغي والإجحاف. وأصبحت فئة الإشراف وطائفة القسوس على كاهل الإنسانية كلاّ. وعلى عاتق الجماعات عالة وحملا. وبعض السبب في هذا راجع إلى أن المسيحية جعلت تحث على ترك المصالح الدنيوية والأخذ بالمصالح الدينية وتعلم الناس أن اتقاء السريرة وسلامة الطوية مفضلة على العلوم العقلية والمعارف الذهنية، وتحض على إطراح اللذات والملاهي التي هي في الحقيقة ثمرات العلوم ونتائج الصناعات والفنون. على أن المسيحية لم تحث على ترك العلوم والفنون فيما يعود على الدين بالفائدة بترويح شرائعه ونشر مبادئه وتعاليمه وعلى ذلك فقد استبقى للفنون والعلوم رواجها وانتشارها في هذه الناحية وهذا المجال.
الفيلسوف - مجال لعمر أبيك ضنك ضيّق - لقد صادف رجال الدين في العلم رفيقاً متهماً
стр. 3162
ظنيناً. وصاحباً لا موثوقاً به ولا مأموناً. فشددوا عليه الرقابة والتضييق وشدوا عله كل غل محكم وقيد وثيق. بينما الجهل وهو ذاك العنصر الضروري لنفاق مذاهب الدين قد بدل أقصى العناية في حفه، ورفه. وفي تأييده. وتعضيده.
الفقيه - ومع قولك هذا فنحن نرى أن الذين استنقذوا ودائع العلوم الأولين نم هاوية الفناء. وتلافوا نفائس فنون الأقدمين من شفا جرف الهلاك والتواء. إنما هم قسوس النصرانية من جلة الرجال. ولا سيما من سكن منهم الهضاب والجبال. فماذا كانت إليه تنتهي الحال لو أن المسيحية لم تظهر في العالم قبل غزوات الشعوب الهمجية وغارات الأمم المتوحشة البربرية؟
الفيلسوف - هذا لعمري مبحث عظيم جليل الفائدة لا مريء حر نزيه شريف الغاية نبيل المقصد. يتحرى سبيل العدالة والإنصاف ويتنكب طريق الجور والإجحاف. يوازن بأحكم قسطاس. ويوضح بأسطع نبراس. بين ما للمسيحية من مزايا وحسنات. ومخازي وعورات. ويبن ما نجم عنها من فائدة وخير وكارثة وشرّ.
ولكن الذي يتصدى لمثل لهذا هذا البحث يجب أن يكون لديه من المعلومات التاريخية والبسيكولوجية ذخيرة أوفر مما لديّ أو لديك. فهو عمل أحق بالقيام به المجامع العلمية (الأكاديمية). ولكن حسبنا الآن رجل إحصائي يبين كم عدد الجرائم التي تحول البواعث الدينية دون وقوعها وكم عدد الجرائم التي تحول دون وقوعها بواعث أخرى. فاعتقادي أن الرجل إذا أحس في نفسه ميلاً إلى اقتراف جريمة فلا مشاحة في أن أول ما يخطر بباله هو الخوف من عقوبة القانون التي لا بد سيلقاها - ثم يتلو ذلك مسألة تعريضه سمعته للتشويه. ولا عندي في أنه سيفكر الساعة تلو الساعة في هذين الأمرين قبل أن يخطر بباله أدنى شيء من الاعتبارات الدينية وإني لعلى يقين من أنه إذا استطاع أن يأمن شرّ هذين الخطرين - خطر القانون وخطر تشويه سمعته فقلما تقف في سبيله دون الجريمة الموانع والعوائق من قبل الدين وزواجره.
الفقيه - إلى لعلى خلاف رأيك في ذلك، اعتقد أن زواجر الدين كثيراً ما تقوم عقبة دون ارتكاب الجرائم ولا سيما إذا كانت المؤثرات الدينية تحدث أثرها من طريق العادة فتزجر الإنسان عن مقارفة الجريمة لأول وهلة وذلك لتشبث المرء بما جبل عليه ولأن اعلق
стр. 3163
المؤثرات بالنفس أقدمها عهداً. وإذا طلبت مثلاً على ذلك فإذا كركم من رجل - ولا سيما الكريم العنصر الشريف المحتد - يضحي الضحايا العظيمة من ذات ماله وجاهه ونفسه ليفي بموعد أو يبر بقسم ولا باعث له على ذلك سوى ما كان أبوه لا يزال يوصيه به في الصغر من أن الرجل الشريف الكريم البعيد الهمة لا يمنعه من الوفاء بالعهد مانع مهما عظم
الفيلسوف - لقد غابت عنك أن هذه لن تنجع حتى تصادف المؤثرات من المرء نفساً شريفة وغريزة كرم ونبل فهي كالبذور ولا يزكو لها غرس وتينع ثمرة حتى يصيب تربة خصبة كريمة. فلا تعز إلى الدين خطأ من حسن الأثر ما هو في الحقيقة نتيجة الغريزة الطيبة والخلق الشريف الفاضل الذي يعز على صاحبه أن برى الشخص المقصود بالإساءة يقاسي الألم والعذاب فيمنعه ذلك من إتيان الجريمة - فالزاجر إذن عن الجريمة هي الرحمة الغريزية الفطرية التي لا صلة لها بأن تعاليم الدين البتة.
الفقيه - ولكن هذا الباعث الغريزي من الرحمة والمروءة لا يكون له تأثير في الجماعات حتى يمزج بزاجر من الدين يظل له بمثابة مؤيد ومعضد. على أن البواعث الدينية وحدها بلا أساس ولا معين من الغرائز الفاضلة قد تمنع من ارتكاب الجرائم. وما هذا بمستغرب في أمر الجماعات إذا ذكرنا أن طوائف المتعلمين المستنيرين ربما تأثروا في كثير من الأحايبن بالعوامل الدينية بل بأسخف الخرافات والترهات يسترشدون بها ويستهدون في كثير من شؤونهم طول أعمارهم - كأن يمتنعوا مثلاً من مباشرة الأعمال أيام الجمعة ويأبو الجلوس على المائدة ثلاثة عشر نفساً ويؤمنون بالعرافة والقيافة يتشاءمون بالبوارح. ويتفاءلون بالسوانح - وإذا كان هذا شأن المتعلمين المستنيرين فكيف بالجهال من الغوغاء والدهماء. وإنك يا صديقي لن تستطيع أن تتصور شدة ما نشأت عليه أذهان العامة من الضيق وعقولهم من الكثافة والبلادة فإنها وأيم الله مفعمة بالظلمات ولا سيما إذا كان ينبوع مادتها القلوب الخبيثة والنفوس الخسيسة. فأمثال هؤلاء وهم السواد الأعظم من البشر ينبغي أن يسيروا ويقادوا جهد الطاقة بالبواعث الخرافية حتى يرتقوا بفضل التأديب والتهذيب إلى مستوى إدراك ما وهو أقرب إلى الحقيقة وأبعد من الخرافة وحسبنا دليلاً على قوة سلطان الأديان. وبليغ أثره في النفوس والأذهان. ما يزوى عن الثقات من أن
стр. 3164
لصاً طاب نفساً عن متاع نفيس غالي القيمة مما سرقه فرده إلى حيث كان قد سلبه وذلك بفضل تأثير قسيسه المقرر إذ افهمه أن نجاته من النار متوقفة على رد ذلك المسروق. ثم انظر إلى مسألة القسم وتحليف ومالسلطة الأديان من قوة الأثر والمفعول في هذا الصدد. وخبرني ما الذي يحمل الرجل من العوام والكثيرين من غير العوام على توخي الصدق في موقف التخليف - أهو لأن المحلف قد وضع نفسه في مصاف النبلاء المتروكين إلى طهارة ذممهم وصحة ضمائرهم الناظرين إلى شرف منزلتهم الأدبية وسمو مرتبنهم الاجتماعية - كما هي الحال في فرنسا حيث ينحصر القسم في قول المحلف. بشرفي أو كما هي الحالة عند بعض المذاهب في إنكلترا حيث يقتنع بقول الرجل نعم أو بلا أدنى قسم - أم هو لمحض اعتقاد المحلف أن اليمين الكاذبة معطية ومرداة ومدرجة إلى سقر وبئس المصير؟ وعلى أية حلا فالبواعث الدينية ليست سوى وسائل لا يقاظ الشعور الأخلاقي واستثارة الإحساس الأدبي. وأتن ترى الرجل رما أجاب إلى حلف القسم الكاذب بادئ ذي بدئ حتى إذا طلب إليه تنفي ذلك رفض فجأة - وبذلك يظفر الحق على الباطل وتفوز الفضيلة على الرذيلة - وما ذلك تأصثير الدين في نفسه.
الفيلسوف - ومع ذلك فنحن لا نزل نبصر الجرأة على القسم الكاذب نزداد استفاضة وانتشاراً ونبصر نتيجة ذلك من هزيمة الحق واندحار الفضيلة بمرأى ومسمع من الشهود الوافقين على الحقيقة. فالواجب والحال هذه أنن لا يجعل اليمين في المحاكم إلا بمثابة الملجأ الأخير للقضاء وعلى هذا لا ينبغي إلا كثار منه ولا تصح الاستعانة به إلا في الضرورة القصوى وفي هذه الحالة الحرجة يجب أن يرفرف جلال الوقار على مقام التحليف ويكون ذلك بحضرة القسوس ورجال الدين والأليق أن لا يجري هذا العمل إل بين جدران كنيسة بجوار الحكمة. على أنك محق في اختيارك مسألة التحليف شاهداً على نفوذ الديانات العملي وتأثيرها الفعلي. وأني مع كل ما ذكرت وسردت لأشك في أن نفوذ الدين يمتد إلى آمد بعيد وراء مسألة التحليف.
وأني أناشدك أن تصور لنفسك ماذا تكون الحال إذا أعلن على رؤوس الملا أن الحكومة قد أصدرت قراراً بإلغاء قانون العقوبات بحذافيره وأناشدك أيضاً لو أنه حدث ذلك أكنت تجرؤ على الذهاب وحدك من ههنا إلى دارك تحت حماية البواعث الدينية. ولكن لاشك هنالك
стр. 3165
مطلقاً في أنه إذا أعلن على رؤوس الملا كافة بطلان الديانات وكذبها فانمحى من النفوس أثرها. ومن القلوب ذكرها. فإنا لا نفتأ بعد ذلك ننعم من العيش بمثل ما كنا به ننعم أيام عز الدين في سلطانه. وشباب الدين في عنفوانه. فنحيا بفضل حماية القوانين وحدها حياة لا تزيد فيها مخاوفنا ولا محاذرنا ولا تكثر فيها وسائل تحفظنا واحتراسنا وتقوانا من أذى المجرمين وشر المعتدين عما كانت عليه من قبل. على أني أذهب في رأيي إلى أبعد من ذلك فأقول أن الدين هو في الأحابين الكثيرة مفسدة للأخلاق. وبيان ذلك أن واجباتنا نحو الله تكون في مذهب الدين في الأحابين الكثيرة عكس واجباتنا نحو أخينا الإإنسان، وأن من السهل أن يكفر الإنسان عن إساءته للبشر بتضرعاته إلى الله. ومن ثم لا نزال نرى السواد الأعظم نم الخلق في كل زمان ومكان يجدون الصلوات والعبادات أسهل في التماس ثواب الآخرة واجتناب عقابها من حسن معاملة الناس وإتباع سبل الخير والإحسان حتى يصبح المذهب الشائع في كل دين إذ رضى الله وغفرانه ومثوبته وإحسانه، لتنال برسوخ العقيدة وعمق الإيمان وبإقامة الشعائر والمناسك والمراسم والمواسم بأكثر مما تنال بمكارم الخلال، ومحامد الفعال وبإتباع منهج الفضل القويم، وصراط الخير المستقيم. وإذا كانت إقامة الشعائر الدينية والمراسم والمناسك تدر على معشر القسوس ورجال الكنيسة بالخيرات. وتفيض عليهم بالغنائم والثمرات. كانت ولا شك أخصر طريق إلى الجنة وأمنع وقاية من النار. وها نحن نرى تضحية القرابين من صنوف الحيوان وتلاوة الأدعية والأوراد ونصب الصوامع والصلبان على جوانب السبل والطرقات تعد في آراء الناس من أعظم ما يتقرب به إلى الله لمحو الذنوب وتكفير السيئات حتى أشنع المآثم وأفظع الجرائم كما يتوسل أيضا إلى العفو والغفران بالتوبة والندامة وبإنابة والاستغفار وبالخضوع إلى أحكام القساوسة ورجال الكنيسة وبالاعتراف والحج إلى مقامات الأولياء ومزارات القديسين وبالهبات والعطايا والتبرعات للكنيسة وتسوسها. وتشييد إلهياً كل والأديرة والمعابد حتى أصبحت طائفة القسوس وكأنما لا وظيفة لها إلا الوساطة يبن المخلوق والخالق وجمل الرشوة من المذنبين إلى خزينة الآلهة. وإذا كان الأمر لا يصل إلى هذا الحد فقل لي جعلت فداك أين القساوسة الذين لا يرون الصلوات والأدعية وأناشيد الحمد والاستغفار وغير ذلك من ضروب الشعائر والمناسك كفارة للذنوب وعوضاً وبديلاً من مكارم الأخلاق ومن البر
стр. 3166
والتقى والصلاح؟ انظر إلى قساوسة إنكلترا الوقحاء المتبجحين كيف سوّغوا لأنفسهم المطابقة بين يوم الأحد المسيحي ويوم السبت اليهودي وجعلوا هذ هو ذاك بعينه بالرغم مما قضاه القيصر قسطنطين من جعل الأحد ضداً للسبت، وكرّس الأول على الفرح والابتهاج واللهو والتلذذ إذا كان معنى الأحد هو يوم الشمس وتألقها بالنور والسرور. فكان من نتيجة تزوير القسوس وتموبههم هذا بأن حرموا على الناس أدنى اشتغال بالأمور الدنيوية من لذة أو منفعة كمباشرة أي صنف من الألعاب أو الملاهي الطيبة الحلال وتعاطي الغناء والعزف بالآلات والغزل والنسيج والحياكة وقراءة الكتب منزلين كل هذا منزلة الذنوب والخطايا واقفين يوم الأحد على التعبد والتسنك وقضاء الساعات الطوال في الكنسية واستماع إلى خطبة مملولة مسؤومة. وتريد سخافات غير معقولة ولا مفهومة.
عد عن ذكر هذا وانظر رعاك الله إلى زمرة أرباب العبيد وتجار العبيد في الولايات الحرة بأمريكا (حقها أن تسمى ولايات العبيد) هل تراهم إلا من صفوة المتدينين ونخبة الأتقياء الصالحين من تبعة الكنيسة الإنكليزية وهم مع ذلك أبالسة في صور آدميين. وأجساد بشر على أنفس شياطين. ترى حياتهم سلسلة آثام، ومتوالية إجرام. ويبلغ من فرط تظاهرهم بصحة الدين. وتكلفهم لقوة العقيدة واليقين. أنهم يتنزهون عن تعاطي الأعمال في الآحاد. ويكرسونها على عبارة رب العباد. ويحسبون أنهم يخدعون الله بهذه الأباطيل ويدخلون الجنة بهذه الأكاذيب والأباطيل.
إن من حمق الحمق وأسخف السخف أن يحسب الناس من أمثال هذه الأضاحي والقرابين والمواسم والشعائر والمراسم فيها كفارة عن مآثم الأديان وشنائعها وفظائعها كالاضطهادات والحروب والمذابح الدينية مما برأ الله أهل المدنيات القديمة عن ارتكاب مثله - كالحرب الصليبية - تلك المذبحة التي دامت نيفاً ومائتي عاماً وبرر فيها إزهاق الأرواح باسم الله ظلماً وجوراً. وكل ذلك من أجل الاستيلاء على قبر إنسان كان يوصي بالسلام والتآلف والوئام - وكجريمة طرد المسلمين واليهود من الأندلس وكالمذابح ومحاكم التفتيش وغيرها من المحاكم الملية وغزوات المسلمين الدموية الرهيبة في جميع أنحاء العالم وغزوات المسيحيين في أمريكا حيث استأصل الغزاة أهلها الوطنيين ولا سيما في جزيرة كوبيا فقد قال المؤرخ لا كازاز أن عدد من أفناه الأوروبيون في أمريكا بلغ اثني عشر مليوناً في
стр. 3167
ظرف أربعين عاماً باسم الدين طبعاً ونشر الإنجيل ولأن كل ما خالف المسيحية كان يعد في آرائهم الفاسدة خارجاً عن دائرة الإنسانية فهو بالإعدام خليق. وبالإبادة حقيق، ولا أنكر أني قد شرت إلى هذا آنفاً. ولكن المقام ههنا يأبى إلا تكرار ما تقدم. ثم لا تنس ما ارتكب أهل الدين في أقدس بلاد الله أعنى الهند الإنسانية ومنيت البشرية أو على الأقل منبت النوع الذي منه تسللنا وإليه نعزي وننتسب وما كان من جناية أؤلئك المجرمين أهل الدين على ديانة الهنود أصل الديانات ومنبع العقائد بتدميرها كلها البديعة ومعابدها العجيبة وما حوته من روائع الدمى والتماثيل والصور. وأفظع تلك الجرائم ما؟؟؟؟ الملكان المسلمان مرمود وأورنزيب قاتل أخاه، وما ارتكبه بعد ذلك البرتغاليون تقليداً لفظائع هذين الملكين واقتداء بسوء آثارهما. ولا تنس أيضاً شعوب اليهود ذلك الشعب المصطفى المختار الذي تقول على الله أن أمرهم بسرقة الأوعية والأواني الذهبية من أصحابهم وآباء مثواهم المصريين وكان أقرضوهم إياها ثم فروا بما سرقوا وسلبوا الوادي المقدس طوى بطور سينا يقودهم زعيم العصابة موسى كما ينتزعوا تلك المسروقات من أيدي أربابها الشرعيين ظلماً وعدواناً وذلك أيضاً بأمر ربهم فيما يزعمون ويدعون. وما في قلوبهم إزاء كل ذلك من رحمة ولا رأفة يتلون الرجال ويذبحون النساء والأطفال وما أن لهم من ذنب سوى أنهم غير مختونين وغير مؤمنين برب موسى وهرون وكفى بهذا مبرراً لسومهم الخسف والعذاب. ونكبتهم بكل رذيلة ومصاب. ومن أجل هذا السبب عينه أنزل النبي يعقوب وشيعته بملك شالم المسمى هامور الكارثة العظيمة المخزية والنكبة الجسيمة الوارد حديثها في التوراة. ولا مبرر لهذه الإساءة سوى أن القوم لم يؤمنوا برب يعقوب. لا مشاحة في أن أسوأ سوءات أي دين ما هو إلا أن أهله يبررون لأنفسهم إلحاق أي أذى ونكبة بإتباع غيره من الأديان. ولعلى مبالغ إذا عزوت هذه الرذيلة لي جميع الديانات بلا استثناء والحقيقة أنها منصورة على الديانات التوحيدية أعني اليهودية بفرعيها النصرانية والإسلام فإنا ما سمعنا قط بمثل هذا عن الهنود والبوذيين بالرغم مما نعلم من قيام البراهمة بطرد البوذية من مهدها الأصلي بأقصى جنوب الهند وما كان بعد ذلك من اتنشارها في كافة آسيا ولكنا بالرغم من ذلك لم يدل إلينا التريخ بأخبار صحيحة الأسانيد قاطعة البراهين تقيد أن البراهمة تذرعوا إلى عملهم هذا بأي شيء من وسائل العنف والعسف من حروب أو مذابح
стр. 3168
أو تنكيل أو تمثيل. ولهل هذا يرجع إلى ما يغشي تلك العصور الغابرة من ظلمات الخفاء وغياهب الإبهام بيد أن ما اشتهر به دين البراهمة من فرط التسامح واللين والدماثة الدالة على أن القوم كانوا أشفق وأبرّ بمخلوقات الله نم أن يتعمدوا إلحاق الضرر حتى بالنملة والبعوضة يؤكد لنا أن أهل تلك الملة لم يعولوا قط بسفك الدماء وتمزيق الأشلاء. وأنهم كانوا بلا شك أحقن الطوائف لدم العباد. وأزهدهم في الحرب والجلاد. وقد أورد المؤرخ الجليل سنبس هادري في كتابه البديع المعنون الرهبنة في الشرق فصلاً صافياً في مدح البوذيين ووصفهم بأقصى غاية اللين والتسامح واحتج بقوله هذا بأن تاريخ البوذية أقل التواريخ الدينية حوادث قتل وذبح وكوارث ظلم وضيم. والحقيقة هي كما قدمنا أن أقل الملل تسامحاً وأشدها عنفاً وقسوة هي الأديان التوحيدية. ولا بدع في ذلك فإن الإله المفرد يكون بطبيعته إلهاً غيوراً لا يسمح بوجود أدنى شريك ولا يقبل أي منافس ولا مزاحم. وعلى العكس من ذلك ديانات الشرك التي يتولى رئاسة الكون فيها آلهة عدة تكون بطبيعتها متسامحة متساهلة. فهم يأخذون بالمذهب القائل عش ودع غيرك يعيش. فهم يحتملون زملائهم المشاركيهم في سياسة الدين هم أربابه هذا التسامح يسرى منهم فيما بعد إلى أرباب الديانات الأخرى. حتى لتراهم يرحبون بآلهة الأديان المغايرة لدينهم يتلقونهم بأعظم البشر والاحتفال والحفاوة ولا يمنعوهم من التمتع بمثل مالهم من الحقوق والسلطات والامتيازات. وأصدق دليل على ذلك ما كان من أمة الرومان إذ رحبوا بآلهة اليونان والمصريين وغيرهم نم الآلهة الأجنبية. ومن ثم ترى أن الأديان التوحيدية هي وحدها التي سوّدت صفحات التاريخ بشنيع الفظائع من حروب التعصب والاضطهادات الملية ومحاكم التفتيش وما إلى ذلك من الشنائع كتحطيم الصور والتماثيل وإتلاف أصنام الآلهة وتخريب آلهياً كل الهندية والمعابد المصرية التي حيت بشرفاتها العالية طلعة الشمس ثلاثة آلاف عام. وكل ذلك السفك والسفح. والقتل والذبح. والتخريب والتحطيم. والتدمير والتهديم. لأن إلهاً غيوراً ظهر فقال لا إله غيري. حطموا الأوثان لا أوثان معي! الخ. الخ
والخلاصة أنك محق في قولك أن العامة تحتاج إلى الدين تفسيراً للغز الحياة والموت والواجبات والفرائض، ولكن أري الدين لا يسد هذه الحاجة وإن أضراره على العموم أكثر نم فوائده. وقد رأينا أن منافعه من حيث ترقية الآداب مشكوك في صحتها. ولكن مضاره
стр. 3169
ولا سيما ما ارتكب باسمه في سيبله من الفظائع الآنفة الذكر محققة مؤكدة. على أن لا أنكر منفعة الدين لأرباب العروش من الملوك والسلاطين والقياصرة فإن الدين قوام دولهم وعماد أرائكهم وروح سلطانهم. وذلك أنه لما كانت العقيدة السائدة في الممالك المطلقة والدول الاستبدادية أن العرش هو هبة الله أصبحت الصلة بين العرش والكنيسة متينة مؤكدة. ولذلك ترى الملك الشديد التعلق بعرشه يأبى إلا التظاهر لرعيته بمظهر الورع التقي المتدين. ولقد رأينا كتاب السياسة يوصون الملوك بالتعبد والتدين حتى الكاتب الشهير ماكيافيلي أوصى بمثل ذلك في الباب الثامن نم كتابه الأمير فحث الملوك على الصلاح والتقوى والإكثار نم التعبد، والله والناس يعلمون أنه كان أخبث خلق الله نية. وأفسدهم طوية. وأضعفهم ديناً وأمرضهم يقيناً. أضف إلى ذلك أن الديانات المنزلة تنزل من الفلسفة منزلة سلطة الملوك الإلهية الصدر من سلطة الأمة. فلا غرور إذا رأيت تناسباً وملائمة بين الشطرين الأوليين من الموازنة أعني بين الأديان وبين سلطة الملوك.
الفقيه - لا تضرب على هذا الوتر يا صديقي واذكر أنك بتصريحك هذا إنما تزين الفتنة وتروج الفوضى وتحاول هدم الأصول والشرائع والنظم والقوانين بل هدم المدنية الإنسانية.
الفيلسوف - أنت محق في هذا. لم تكن هذه مني إلا ضرباً من المغالطة والسفسطة - أو ما يميه معلم السيف - حيلة وخدعة. وإني وحقك لساحبها ولكن أرأيت كيف تفسد المجادلة على الرجل عدله وإنصافه وتتركه حائراً متعصباً خبيثاً. فلنكف الآن عن المناظرة والمنازعة.
الفقيه - يسوءني والله أن أرى تعبي ومجهودي قد ضاع عليك عبثاً وإني لم أستطع مع كل ما بذلت وحاولت أن أغير في الدين في رأيك فلتعلم أنت أيضاً أنك لم تستطع أن تغير في الدين رأيي.
الفيلسوف - لا أشك في ذلك ولا عجب، فلقد قال هو ديبراس من وافق على الشيء مضطراً، فما تحول عن رأيه فترا. ولكن لي بعد عزاء عما يبدو لي الآن من ضياع تعبي في المثل القائل إن متعاطي المناظرة كمتعاطي المياه المعدنية كلاهما لا يظهر فيه أثر ما تعاطاه إلا بعد حين
стр. 3170
الفقيه - أرجو أن يكون هذا المثل عليك لا على منطبقاً
الفيلسوف - قد يكون ذلك لو أني أستطيع هضم مثل معروف من الأمثال الإسبانيولية.
الفقيه - وما هو هذا المثل؟
الفيلسوف - هو القائل إن وراء الصليب يكمن الشيطان
الفقيه - حسبك يا صديقي ولا تجعل ختام حديثنا السخرية والتهكم. واعترف معي أن الدين شبه إله الموت عند البراهمة نم حيث أنه ذو وجهين وجه مشرق وآخر مظلم. وإن كلينا إنما ينظر إلى وجه دون الآخر.
الفيلسوف - الحق معك يا صاحبي: - تمت هذه المحاورة -
أصغر لتعظم كم تجمع واثب ... ثم استعز نعز بعد صغار
وأحسب الناس لو أعطوا زكاتهم ... لما رأيت بني الإعدام شاكينا
أهدى بعض الأمراء فرساً لشاعر فمات ليلة وصوله، فكتب إليه الشاعر يقول أن لا شيء أسرع من الفرس الذي أهديته إلى، فقد وصل من الدنيا إلى الآخرة في ليلة واحدة.
هوى بعض الشعراء إحدى الغواني الحسان ومضى على هذا الحب المضمر دون أن يعلمها بذلك وإنما كان يذكر لها أنه يهوي حسناء صفتها كيت وكيت وينعتها بكل نعت جميل ووصف نبيل فسألته ذات يوم أن يريها محبوبته تلك التي يصف فأبى عليها ذلك فقالت فأرني صورتها إذن فقال أما صورتها فأرسلها إليك غد ثم أرسل إليها في الغد مرآة. . .
стр. 3171
عالم الأدب
دول العرب
لأمير الشعراء أحمد شوقي بك
لفتنا الأنظار في العدد الماضي إلى ذلك االفتح العظيم الذي أجاءه إلى عالم الأدب العربي أمير الشعراء أحمد شوقي بك بتلك الملحة التاريخية الخالدة الني وضعها وهو في أسبانيا وألم فيها بالدول الإسلامية العربية جمعاء ومن بينها الأندلس - وقنا ثمت أنا أخذنا من سعادته النبذة الخاصة بالدولة الفاطمية وأنه ناط بنا شكلها وشرحها ووعدنا القراء بنشرها في هذين العددين، بيد أن سعادته كان قد أعطانا نبدة أخرى قبل ذلك تتعلق بتلك الأحداث التي نشبت بين سيدنا علي وسيدنا معاوية ﵄، وبالكلام على كل منهما وخصائصه منفرداً، وكنا بدأنا بشرحها قبل شرح الفاطمية ومن هنا نقدمها عليها في النشر وهذه النبذة العلوية المعاوية هي من بحر الرجز وسائر هذه الملحمة إنما هو من بحر الرجز ما عد المقصورة الفاطمية وموشحات في الأندلس، وقد التزم فيها كلها مالا يلزم - وهذا لزوم ما يلزم هو من المحسنات البديعية التي تجمل الكلام أن منظوماً وان منثوراً مسجعا - جاء في شرح التلخيص الذي وضعناه قديماً وطبع سنة ١٩٠٤ ما يأتي. ان هذا التنوع من أشق هذه الصناعة وأبعدها مسلكاً وذلك لأن صاحبه يلزم ما يلزم وهو ان تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفاً واحداً وهو في الشعر أن تتساوى الحروف التي قبل روي الأبيات، ومن هذا النوع نثراً ماروي أن لقيط بن زرارة تزوج بنت قيس بنت خالد فحظيت عنده وحظى عندها ثم قتل فآمت بعده وتزوجت زوجاً غيره فكانت كثيراً ما تذكر لقيطاً فلامها زوجها على ذلك فقالت أنه خرج في يوم دجن وقد تطيب وشرب فطرد البقر فصرع منها ثم أتاني وبه نضح دم فضمني ضمة وشمني شمة فليتني مت ثمة فلم أر منظراً كان أحسن من لقيط. فقولها ضمني ضمة وشمني شمة فليتني مت ثمة من الكلام الحلو في باب اللزوم ولا كلفة عليه، وهكذا فليكن، ومن ذلك قول الحماسي
ان التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدق - ها وأجلها
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وٌلها
стр. 3172
وإذا وجدت لها وساوس ساوة ... شفيع الضمير إلى الفؤاد فسلها
وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه. وممن قصد من العرب قصيده كله على اللزوم كثير عزة وهي القصيدة التي أولها:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... فلوصيكما ثم حللا حيث حلت
وهذه القصيدة تزيد على عشرين بيتاً وهي مع ذلك سهلة لينة تكاد تترقرق من لينها وسهولتها. وبعد فإن ما يقع من هذا النوع لمتقدم فهو غير مقصود منه ولذلك لا يرى عليه من أثر الكلفة شيء أما المتأخرون فقصدوا عمله وأكثروا منه حتى أن أبا العلاء المعري عمل من ذلك ديواناً كاملاً سماه ديوان اللزوم فأتى فيه بالجيد الذي يحمد والردىء الذي يذم - انتهى. أما لزوميات شوقي فهي كلها آيات فقد تنزهت عن شوائب الغموض، وخلصت من أكدار الحشو والتعقيد وهي بعد ذلك لا ترد على السمع فتصدر إلا عن استحسان - فكأنه التزم ما يلزم لا ما يلزم. . . وذلك عنوانه الشاعرية الحقة، والعبقرية الصادقة، وآية من آيات خصوبة الذهن وصفاء الروح والقريحة السمحة الحافلة، فضلاً عن غزارة المادة، وسعة الاطلاع والبسطة في العلم وامتلاك ناصيتي البيان، وهكذا فليكن الشعراء - وهكذا شوقي - ومن هنا كانت هذه الملحمة خليقة بأن تكتب على جبين الدهر، وأن يستظهرها الناشئون في جميع الأقطار العربية بعد أن يستظهروا كتاب الله. وهنا نطلب إلى كل قارئ أن يفتح ذهنه تفتيحاً حتى يفطن - مستعذباً جذلاً - بتلك الأسرار وأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز التي ينطوي عليها شعر شوقي، والتي تطالع الذهن الثاقب من خلال كل بيت بل كل كلمة فتعبث باللب كما تعبث الشمول - قال حفظه الله تحت هذا العنوان:
الخصمان
يا فطِناً بسير الكبارِ ... مُفتتناً بغرر الأخبارِ
وطالبَ الجوهر في التراجم ... مُلتمسَ التِبرِ من المناجم
جئتك بالبرجاس والمريّخ ... خَصمَين بين يدي التاريخ
فرنْتُ خيرها تقىَ وعلماً=بخيرها سياسة وحلما
بل قرنْتُ بينهما أيدي الغِيْر ... وافترقا على التلافي في السير
أبو الشهابين وهل يخفى القمر ... والثاقبُ الرأي اللعوب بالزُمر
стр. 3173
أو قيمُ الدين ولا أحابي ... وقيم الدنيا من الصِحاب
ان ذُكر الآباء جاآ القمر ... جَدّا تمناه العتيق وعمر
تحدرا مُزْنَين من غمامِ ... ولاقيا الدِيمة في الاعمامِ
قُربى على تفاوت المنسوب=كالمُومِ والشهد من اليَعسوب
* * *
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁
أما الإمام فالأغرّ الهادي ... حامي عرين الحق والجهاد
العمران يأخذان عنه ... والقمران نسختان منه
أصل النبي المجتبى وفرعُهُ ... ودينه من بعده وشرعهُ
وَصفحتاه مقبلاً ومدبراً ... وفي الوغي وحين يرقى المنبرا
يدنو إلى ينبوعِه بيانا ... ويلتقي بحراهما أحيانا
الحجرُ الأول في البناء ... وأقربُ الصحَب بلا استثناء
وأوهدُ الناس وفي الدنيا يدُه ... وأخشع العالم وهو سيدهُ
وجامع الآيات وهي شتّى ... وسُدّة القضاء باب الأفتا
والسُّهدُ الآوِى إلى أشواقِه ... إذا الظلامُ مَدّ من رُواقِه
بَحْرُ الهوى والقومُ رَكْبُ السفن ... كم من شِراع دون
يا ليتَ شِعْري والأمورُ تخفى ... والفِكْرُ في هذا الطريق يحفَى
ما ساَء هذا الناسَ من عليّ ... وحاد بالناصر والوليِّ
وغَرَّ بالليث الذّئابَ العَاويهْ ... وسهَّل الغابَ على معاويهْ
قيلَ دَمُ الشيخ الضعيفِ المسلم ... يَطْلُبُه اللهُ وكلُّ مُسلِم
تركُ الإمام قاتلَ الإمامِ ... أخلَّ بالهيبة للزمام
وقيلَ بلْ أدَلّ بالمكانَهْ ... ولو تَصوَّر الخشوعُ كأنهْ
والزَّهوُ أحياناً من المعاني ... أن سال من معاطِف الشجعان
وقيل في سياسة الطباع ... وفي المدارة قصيرُ الباع
لو صانعَ الإمامُ أو تأنى ... مابلغ الشاميُّ ما تمنى
стр. 3174
وقيلَ علمٌ مالَه انتهاءُ ... لم يَجْرِ فيه الرأيُ والدهاء
في ثقةٍ بمن به لا يوثَقُ ... ولا يدوم عهدُه والمْوثِِق
ونبذُ رأي الناصح المماحِض ... في قُحَم الأمر وفي المداحض
وقيل أخفىَ للثلاثةِ الحسَدْ ... وكادت الجيفة تأكل الأسَد
لا بل هو المنازِعُ التوَّاق ... طِلْبتُه الأعباء والأطواق
سما إليها بعيون الفضل ... وحنّت الحسناء تحت العَضْلِ
من كان في منزلة الرفيع ... يَدر مكان مِنْبر الشفيع
وطالما استأخر غيرَ قاحِم ... ولاذ بالحياء لم يزاحم
ياجبلا تأتي الجبال ما حمل ... ماذا رمت عليك ربة الجمل
أثارُ عثمانَ الذي شجاها ... أم غصَّة لم يُنتزع شجاها
стр. 3175
صور مضحكة
الحلاقون
للكاتب الهزلي الأمريكي الطائر الصيت مارك توين
كل شيء في الوجود عرضة للتغيير والتبديل إلا الحلاقين وأساليب الحلاقين ومتعلقات الحلاقين. فإنها ثابتة لا تتحول. سرمدية لا تتغير ولا تتبدل. فإن ما يكابده الإنسان عند دخوله دكانة حلاق أول مرة هو عين ما يكابده كلما دخل أشباهها ونظائرها حتى يوافيه أجله.
ذهبت للحلاقة اليوم كالعادة. فلما دنوت من دكان الحلاق بصرت برجل يدنو إليها من الجهة المقابلة، وهذا هو ما يزال يقع ويحدث. فأسرعت نحو الباب وأسرع الرجل وأردت أن أسبقه إليه فسبقني. وهذا أيضاً هو لا زال يقع ويحد. وكذلك دخلها الرجل قبلي بخطوة واحدة واني لا أطأ على عقبه ورأيته وعيني تدمع. وقلبي يبجع. يتبوأ كرسي الحلاقة الوحيد الخالي الواقف عليه أحذق حلاقي الدكان وأمهرهم. وهذا أيضاً هو لا يزال ويقع ويحدث. وكان في الدكان غير ذلك الحلاق الأمهر الأحذق صانعان آخران أحدهما لا بأس به واسميه هنا الحلاق نمرة (١) والثاني طائش اليدين. ثقيل الراحتين. ذو أصبع هوجاء. وانملة خرقاء. وهو فوق ذلك ثرثار مهذار فظ غليظ بارد سمج ثقيل واسميه هنا الحلاق نمرة (٢) فقعدت عل أحد المقاعد الخالية وجعلت اتضرع إلى الله أن يورثني الكرسي القائم عليه خير هذين الحلاقين وأن يجنبني شرهما وادعوا على هذا الأخير في سري متمثلاً قول القائل فشركما لخيركما الفداء واكد أملي بلوغ المراد اني رأيت نمرة (١) أقرب إلى الفراغ من زميله المنحوس إذا كان قد شرع يمشط شعره محلوقه على حين أن زميله كان لم يفرغ بعد من مرسه خصل محلوقه ودلكها بالزيت. فلبثت أرقب السباق بينهما بمهجة قلقة ونفس مشفقة. فلما رأيت نمرة (٢) المشؤوم الطلعة قد لحق بنمرة (١) وهم أن يسبقه صار اشفاقي لهفاً وفزعاً. ثم لما رأيت نمرة (١) قد وقف في عمله لإصلاح بعض شأنه تحول لهفي وفزعي كرباً وجذعاً. فلما استأنف نمرة (١) عمله ورأيت الزميلين ينتزع كلاهما الفوطة ويمسحان البودرة عن وجهي محلوقيهما وقد أصبحا في التعادل والتكافؤ كفرسي رهان. وقد استوت كفتا الميزان. بهرت واحتبست أنفاسي من شدة القلق والاشفاق.
стр. 3176
فلما رأيت نمرة (١) قد وقف في هذه الأزمة الحرجة ليمر مشطه على حاجبي زبونه دفعتين علمت أنه خسر السباق فحينذاك زال الشك وبرح الحفاء.
رجع اليقين مطامعي يأساكما ... رجع اليقين مطامع الملتمس
فانطلقت إذ ذاك من الدكان هارباً من وقوعي في مخالب نمرة (٢) ورأيت أن أجول جولة في الطريق ثم أرجع علّ الله يحدث من بعد ذلك أمرا وعسى أن يكون النحس قد أدبر والسعد قد أقبل وقلت إلا ان في كل حركة بركة. ودوام الحال من المحال. وكذلك جعلت اتعلل بهذا وبمثله من الحكم والأمثال. وقد آثرت الفرار من الدكان والعودة بعد فترة على أن اجبه الحلاق نمرة (٢) وقد دعاني إلى كرسيه - بالرفض وقولي له أني منتظر زميله. فأنى وربك شديد الخجل مفرط الحياء لا أستطيع أن أخجل إنساناً ولو كان الحلاق نمرة (٢). ولو كنت سأذوق على يديه الأمرين.
ثم إني عدت بعد ربع ساعة فألقيت كراسي الحلاقة الثلاثة مشغولة جمعاء. ووجدت بالمكان أربعة رجال في الانتظار صامتين واجمين كأن على رؤسهم الطير تبدو عليهم إمارات القلق والضيق شأن كل من قضى عليه أن ينظر نوبته في دكان حلاق. فرأيت أن أزجي الوقت بإجالة النظر في دواليب المكان وما احتوته من أمتعة وآلات وبتلاوة ما على الجدران من الاعلانات عن كافة أنواع الأدوية والتراكيب والأدهنة والروائح والزيوت وما على الزجاجات من الأسماء الدهنية. وعلى القناني من السطور الزيتية، ثم انتقلت إلي الصور الرخيصة المعلقة على الجدران أنظر ما بها من تصاوير الحروب والمدافع والأساطيل ورجال السياسة والملوك والبرلمانات والسلاطين. ثم أخذت بعد ذلك أتعلل بغناء الكروان وثرثرة الببغاء اللذين لا تكاد تخلو منهما دكانة حلاق. ثم عمدت من بعد ذلك أتعلل بتلاوة ما بها من الأكاذيب والاختلافات.
وبعد أن فنى صبري. وضاق الكون في بصري. سمعت منادياً ينادي باسمي فالتفت فإذا هو نمرة (٢) فاستسلمت للأقدار، وأذعنت لحكمة المنتقم الجبار. وهذا هو لا يزال بقع ويحدث. ثم أخذت مجلسي تحت سلطانه، وسألته مبتهلاً متضرعاً أن يسرع إذ كان لدي من الحاجات ما يعجلني ويرهقني. فضاعت عليه تضرعاتي ضياعها على الحجر الأصم. وعلى الوثن والصنم. ثم أنه دفع رأسي يجمع كفه ووضع فوطة من الأمام. وبعد ذلك عاث بمخالبه في
стр. 3177
شعري وقال انه يحتاج إلى شيء من القص فقلت له إني لا أحتاج إلى شيء من ذلك. فعاث فيه بمخالبه مرة ثانية ثم قال انه أطول مما يلائم ذوق العصر وان الواجب قصه - ولا سيما من الخلف حيث يعاب بقلة الاستواء والانتظام. ثم جعل يتأمل مؤخر رأسي بنظرو ازراء وازدراء وقال وهو يهز رأسه سخطاًُ من الذي قص لك الشعر آخر مرة؟ فقلت مسرعاً أنت الذي فعلت وكذلك أفحمته فخرس ولم يفه بكلمة. ثم انه شرع يقلب الرغوة ويتأمل به في المرآة. وجعل يقطع سير عمله من حين إلى آخر لينعم النظر إلى شخصه يدنو إلى المرآة فيتأمل ذقنه بدقة أو يعاين اثر بثرة. وبعد ذلك رغّى من وجهي وهم بأن يرغى الثانية وإذا بمضاربه من مضاربات الكلاب في فتركني وأسرع إلى نافذة الدكان حيث استمر واقفاً يتفرج على المضاربة وأدوارها إلى النهاية وخر ثلاث شلنات في رهان علي نتيجة مع زملائه فكانت خسارته أسر الأشياء لخاطري وأورحها لنفسي. ثم عاد إلى بعد الفرحة فأكمل الترغية وشرع يدلك صفحتي وجهي يعنف وقوة وبعد ذلك أخذ يشخذ موسى على مسن معلق وقد أبطأ وتوانى في العملية ما شاء إذ جعل يحاور زميله بشأن مرقص متنكر كان شهده ليلة الأمس في زي راعي غنم يحمل عوداً أخضر من النبات وقد بذ الاقران بحسن ورشاقة حركاته ثم بلغ من فرط سروره عند تعريض زميله بما كان بينه وبين الفتيات إذ ذاك من المغازلات والمداعبات وما كان منها من ابدائها الافتتان بمحاسنه وملاحات ما حمله على الاستزادة من الحديث واستطالة المحاورة بإظهاره من تعريضات زميليه والتأفف من تلميحاتهما وتصريحاتهما. ثم كان من هذه المحاورة أنه ألقى الموسى جانباً وأقبل على المرآة يستزيد من النظر إلى والتفرس في خلقته وتبريم شاربيه وإصلاح حاجبيه. وتمشيط لمته. . وتصفيف طرته. وتنضيد فوديه. وتجعيد سالفتيه. وهذا كله الأحكام ونهاية الدقة والنظام. ومن خلال ذلك كانت الرغوة تجف على ديباجتي أكل جلدتي.
وأخيراً تناول الموسي وأخذ يحلق. وقد أقبلي بغرز أصابعه في وجهي ليشد ويمطه ويدفع رأسي ذات اليمين وذات الشمال حسبما يقتضيه أسلوب الحلاقة أثناء ذلك يتنخم ويتنخع فرحاً ومسروراً غير مكترث ولا حافل. وكان قد من موساه محراثاً ومن وجهي حقلاً وأقبل يشق بمحراثه في شفتيه. في خديه. فلم اكترث لذلك عظيم اكتراث ما دام يجر آلته الزراعية البقاع الصلبة الغليظة في وجهي. فلما انتهى إلى المواضع الرقيقة اللينة وأخذ
стр. 3178
فيها ويمزق في أديمها عضضت على نواجذي من سوء سلوكه. وتحدر الدمع من عيني تحدر الدر من سلوكه. وبعد ذلك اتخذ من أنفي يداً أو مقبضاً مستعيناً بذلك على حلق الشفة العليا. فاستنتجت من ذلك أن الرجل قبل اشتغاله حلاقاً يزاول مهنة (عرقسوسي) أو (حملي) لكثرة ما اعتاد القبض على أيدي الأباريق والأواني.
في هذه الآونة كنت أرجم الظنون فيما عسى أن يكون الضربة التالية وأين من وجهي سيكون موقعها ولكن الحلاق الحاذق سبق الظن بالواقع وأكد الشك باليقين إذ جرحني في طرف ذقني قبل أن يستقر تخميني على شيء دون آخر. وحينذاك أدرك خطأه فأقبل يشحذ الموسى. أبعدك الله وأخزاك يا شر الحلاقين. وعار المزيين. هلا فطنت إلى ذلك من قبل احداث الجراح. واتيانك جرائم السافك السفاح؟ ثم اني حاولت أيها القارئ الشقيق أن أصرفه عن إعادة الكرة معتذراً إليه بأني لا أحب التفريط وأن وجها (اووشا - في اصطلاح المزيين واحداً فيه الكفاية ولكنه أبى واستكبر وقال لا بد من إعطاء الصنعة حقها وأنه ما كان ليخاطر بسمعته في الكار. إجابة لرجاء واعتذار. وكان في جانب ذقني بثرة أخشى عليها مرّ السلاح فيبنما أنا في منتهى الحيرة والكرب والاشفاق إذا بالفارس الكرار. والبطل المغوار. قد استباح من ذقني تلك البقعة المحرمة. وأجال فيها حسامه القاطع بلا رأفة ولا مرحمة وهنا نبع الدم المحقون. وكان الذي خفت أن يكون.
ثم انه نقع فوطته في زجاجة من الروم ثم ضرب بها وجهيي بلا رفق ولا أناة. كأنه ظن أنه قد رؤي أو سمع بإنسان أو حيوان غسل له وجهه هكذا ثم نشف وجهي بضربه اياه بالجزء اليابس من الفوطة كأنه ظن أنه قد رؤي أو سمع بإنسان أو حيوان نشف له وجهه هكذا. ولكن الحلاق قلما يشبه خلق الله في أي شيء. وبعد ذلك حشا الجرح (بالروم) بطرف فوطته ثم بالغراء المسحوق ثم بالروم ثم بالغراء المسحوق ولا شك أنه كان مستمراً في عمله هذا إلى يوم القيامة لولا معارضتي واحتجاجي. والحاحي ولجاجي. ثم أنه طلا وجهي بالبودرة ونصب صلبي وعدل رأسي وأسرع يرتع أنامله في شعري وهو أثناء ذلك ساهي الطرف شاخص البصر كالذاهل والمتذاهل. ثم اقترح أن يبيعني نوعاً من الدهان زعم أنه يطري الشعر ويلينه فخبرته أن لدي من هذا الدهان كمّا وافراً. فاقترح ضرباً من الزيت زعم أنه يصقل الشعر ويلمعه فأبيت.؟؟؟؟؟ يقرظ لي صنفاً جديداًُ من الغالية. قائلاً
стр. 3179
أنه ذكي من نفح الطيب وأرج الحبيب.؟؟؟؟؟ أيضاً: فعرض علي مصيبة من (غسول أسنان) من اختراعه وإبداعه فلما أبيت؟؟؟؟ أن يتاجر معي في المقصات والسكاكين.
فلما فشل في مشروعه الأخير استأنف العمل فرشني بالماء الممسك من فرعي إلى؟؟؟؟ ولم يدع فيّ ذرة ولا جزئياً. بالرغم من معارضتي ودفاعي ثم دهن رأسي وأقبل؟؟؟؟؟؟ ويدلكه بعنف وقسوة حتى تطاير منه شيء كثير انتزعه من جذوره اقتلاع أعاصير النبات والشجر ثم فرقه وثنى على الجبين تلك الخصلة السرمدية المعروفة. ثم؟؟؟؟؟ يمشط حاجبي النزر الخفيف بمنتهى البطء والكسل وجعل خلال ذلك بسرد قصة طوية عن بعض أجداده وأسلافه نمت واستيقظت أثناءها ولما انتبهت النومة الثالثة سمعت صفارة الظهر وعلمت أن القطار قد فاتني بخمس دقائق. ثم اجتذب الفوطة ونفضها على وجهي بخفة وأمر مشطه على حاجبي كرة أخرى وصاح؟؟؟؟ (الذي بعده).
بعد هذا الحادث بساعتين أصيب الحلاق المذكور بسكتة قلبية أخمدت حسه.؟؟؟؟؟ رمسه - وقد أجلت السفر لا فوز بلذة الشماتة والانتقام وسأشيع بمعونة الله؟؟؟؟؟ غداً الساعة الثالة بعد الظهر. . .
محمد السباعي
стр. 3180
اليوجنيون
والعلم الحديث الذي يريد خلق إنسانية جديدة
يوجد بين رجالات العلم وأساطينه اليوم قوم يسمون اليوجنين؟؟؟؟ أن روح كل تحسين في العالم هو تحسين الروح، وأنه لما كان الناس محكوماً عليهم بالموت والفناء كانت درجة الأبوة العامل الأكبر في تأسيس بناء مستقبل الإنسانية تهذيب هي خير صناعات العالم وواجب عمل تؤديه الدنيا لحفظ؟؟؟؟ وأن كل طفل يثب إلى الدنيا من أحشاء الكون ينبغي أن توضع لتربيته الخطة ويرغب في مجيئه قبل خروجه وبحب قبل وثوبه، وإن واجبات الحكومة هي انتاج الكفاءة الإنسانية وإبادة الضعف والفسولة والعجز بين الناس، وإنه في سبيل تحقيق جميع هذه الأغراض التي من أجلها خلق العالم ينبغي أن تذلل جميع قوى الإنسان والطبيعة وجميع القوى المادية والروحانية على السواء.
ومن بين هؤلاء العلماء ينهض صفوة جبابرة الأذهان أو أكبر فلاسفة العصر ومفكري العالم. وجميع أولئك الذين جاهدوا وفكروا وعملوا وكدوا وسعوا لأجلنا ونحن ورائهم وحفدتهم، فقد كان أفلاطون يوجينا ولم يكن أقل من غالتون في هذا العالم الجديد اليوم شاؤا بل لقد كان أكبر شعراء الإنسانية يوجنيين كذلك وكانوا جميعاً يدركون كلمات الكاتب المخلد ويثمان إذ يقول: أنتخبوا أناساً أقوياء ثم لا تهتموا بعد ذلك بالباقي وليس ثمت ريب في أن هذه الفكرة ليست طريقة بل هي الفكرة الكمالية الكبرى التي جعل يسعى في سبيل تحقيقها أنبل رجال الإنسانية الماضية ونسائها. وإنما اتخذت شكلاً حديثاً وراحت في صيغة جديدة. وأكبر خاصيتها اليوم انها أضحت علماً. وان كان رجال هذا العلم المنادون إليه إنما يودون ما كان يوده المصلحون من قبل أعني ظهور إنسانية قوية صحيحة. وأن يوجد في العالم رجال أبدع من رجال اليوم ونساء أصح وأنبل روحاً وأقوى جثماناً. وأن تختفي من العالم جميع مظاهر المرض والقبح والدمامة والشقاء والبؤس والشرور والمناقص. وأن نؤسس عالماً أفضل من هذا العالم ونبني إنسانية أمتن من هذه الإنسانية حتى ينبثق فجر العصر الذهبي الذي طالما تغنى شعراء الماضي به وتخيلوه وأرسلوا القصيد تلو القصيد في تصويره.
على أن اليوجنيين يقولون أنه إذا كنا نريد حقاً أن ننفذ هذا المبدأ الجميل فلا ينبغي لنا أن
стр. 3181
نقصر عملنا على ترداد هذه الكلمات العذبة والتلفظ بها والتنغم بحلاوة مخارجها وأنه لا يكفي لنا الصلاة والتضرع والابتهال والدموع والعبرات والإيمان والاستسلام والتمني والتعلل بل ينبغي أن يكون شعارنا العبادة هي الكد والدأب واكبر حاجة الإنسانية اليوم ومطلبها الإيمان العامل القوي الفعال، لا المستسلم القوام الصوام. وهذا واجب العصر الحاضر، وفريضة أبنائه، لأننا لسنا إلا أعواناً للطبيعة على عملها وشركاء في خلق خلقها. وكيف لا يكون هذا واجبنا ونحن ننشيء الجيل، وكان حتماً علينا أن نهذب نشأته ونقوي أصوله ومتونه. وليس تاريخ الإنسانية الماضية إلا اكبر دليل على امكان انقاذ هذه المبادئ السامية إذا نحن تذكرنا من أية وهدة وثبنا، ومن أي منشأ خرجنا. وفي تاريخ الماضي لنا ألف مرشد ودليل، وإذا كان الماضي يعلمنا بفتح بصائرنا ويهبنا مبادئ وطرائق فإنه يوحي إلينا أننا مدينون له بدين عظيم وأن لا سبيل إلى الوفاء بهذا الدين إلا إذا اختصصنا بالمستقبل، وإن كان غرضنا أن نبني جنساً أرقى من هذا الجنس - وأنه لعمل عظيم من بناء المدائن وإنشاء الحواضر - فليكن أساس ذلك البناء تعظيم الطبيعة نفسها ومبادئها القوية المتينة.
وإذا كان يخيل للناس أن اليوجنية ليست إلا ديناً أو عقيدة فلا تزال كذلك علماً ولا بد للدين من عون العلم. ثم لا ينبغي أن لا ننسى أن هناك علوماً كثيرة لا تجد مرشداً لها إلا اليوجينة ولا تزال تستمد وحيها وأصولها ومقاصدها من تعاليم هؤلاء اليوجيين.
وقد آن الأوان الذي يطلب فيه إلى هؤلاء العلماء أن يبسطوا الطرق التي نستطيع بها أن نخرج عقيدتهم هذه إلى حيز الفعل فقد تقبلت الإنسانية فكرتهم، وارتضت مبادئهم ولم تجد لهذه المبادئ الأولية هذه لها من جميع أبناء الإنسانية الحاضرة إلا التحييذ والقبول والإجماع. ولكن ليس المقصد هو قبول الفكرة وهي معلقة لا تنفيذ لها. فإن لكل إنسان أن يصيح اليوم. إذا كانت هي اليوجنية فنحن كلنا يوجنيون، كما قال السير ويليام هاركور إذا كانت هذه الاشتراكية فنحن جميعاً اشتراكيون ولكن الاشتراكيين جعلوا يردون على هذه الفكرة فيقولون أنها وإن كانت من بعض الوجوه صحيحة لا يزالون هو قوماً منفصلين وطبقة خاصة من الإنسانية. وليس ذلك لأن لهم غرضاً معيناً مخصوصاً لأننا جميعاً نبتغي السعادة كما يبتغيها الاشتراكيون. وإنما لأن لهم نظرية خاصة معينة في كيفية الوصول إلى
стр. 3182
تحقيق هذه الأغراض. وعلى هذا النحو يقول اليوجنيون انه وإن كانت الإنسانية جميعها تود ما يودون وتبغي ما يبغون، لا يزالون طبقة خاصة لأن له نظرية خاصة في وجوه السعي إلى تحقيق هذه المبادئ السامية.
ونحن الآن باسطون شيئاً من المبادئ العملية التي يقول بها علماء اليوجنية فنقول أننا إذا سلمنا جدلاً أن غرضنا هو تحسين الجنس الإنساني وتهذيبه فأول سؤال ينبغي أن نسأله هو: ما هب العوامل التي نجعل من الناس قوماً أصحاء وقوماً مرضى وأفراداً أقوياء الروح، وأفراد أضعافها أحقارها مهدميها، وأناساً أقزاماً قصاراً، وأناساً طوالاً مشذبين كباراً. وتجعل من الناس حمقى أغبياء، وألمعيين أذكياء، وقساة غلاظ الأكباد وحِداباً رقيقي العاطفة رحماء. والجواب سهل للغاية. وهو أن كل مزية في الإنسان، وسجية وخليقة ليست إلا نتاج عاملين كبيرين الطبيعة والتغذية وقد استمد السير فرنسيس غالتون البطل الأول الذي ظهر في ساحة هذا العلم الجديد هاتين اللفظتين من كلمة للشاعر شكسبير. فمما يدخل تحت كلمة الطبيعة الوارثة وما يتلقاه الإنسان عند نشوءه وتكوينه وإن لم يكن شبيهاً لما في الوالدين والآباء. وأما التغذية فتلك التي تشمل جميع وسائل الغذاء التي يتلقاها الطفل من بدء تكوينه وتأثير الوسط النفاتي والاجتماعي والجثماني. وكذلك نرى أن تحت هاتين اللفظتين تختفي جميع القوى التي تنشئنا والتي تنشىء كل مخلوق في هذه الحياة. ونحن ندرك أنه لا تقوم واحدة دون الأخرى. ولا عمل لعامل منهما دون عون صاحبه، فإذا لم تكن الطبيعة فلا أثر للتغذية. وحيث لا تكون التغذية تتهدم الطبيعة، ولا تكون شيئاً مذكوراً.
فإذا سلمنا بهذا واعترفنا به فقد أدركنا المبادئ الأولية لهذا العلم. وكذلك نرى أن اليوجيين وإن كانوا ينادون الإنسانية إلى عقيدة جديدة لا يزالون ينشرون عقيدة قديمة. ويجب أن يعترفوا بفضل التغذية بجميع وجوهها، وليس غرضنا في الحياة إخراج خليات لقاح قوية وإنما أفراد أصحاء أقوياء وما كان طلبنا الخليات القوية إلا لأنها تنمو فتكون أفراداً طيبين. ولهذا كان واجبنا أن نعمل على تغذية هذه الخليات من المبدأ إلى النهاية. في كل دور من أدوار التكوين والنمو. وهذا يؤدي بنا إلى فكرة وجوب العناية بالأمومة. قبل حصولها ولكن كثيرين من هؤلاء العلماء يقفون إزاء هذه الفكرة معارضين محتجين ويعدون طلب العناية
стр. 3183
بالطفل قبل ولادته وهو في دور الجنين اشتراكية استخفافاً وسخرية. ويسمون عنايتنا بالأطفال في مستشفيات الأطفال واللقطاء والتعويض عن إهمالنا قبل ولادة الطفل تصدقاً. والتصدق مادة غير موجودة في قوانين العلم الحديث.
وهناك فكرة أخرى يعارض فيها اليوجييون. إذ يقولون أننا نجاهر بقولنا الناس جميعاً أحرار بالفطرة متساوون إنما نعلن حقيقة سياسية فقط. ولكنها من الناحية البيولوجية أي من الوجهة الحيوية: ليست إلا اكذوبة صريحة. وهم لا ينكرون أن هذه الحقيقة السياسة خليقة بالتحبيذ والقبول والاحترام. ولا ينبغي مقاومتها أو العمل على هدمها ولكن ينبغي أن لا تخلط بالحقيقة الحيوية وهي أن الناس لم يخلقوا أحراراً ولم يثبوا إلى العالم متساوين وإنما لا يزالون مختلفين وأن فريقاً منهم قد حكمت عليه الطبيعة بالعبودية والوقوف في الصفوف الخلفية من الإنسانية وفريقاً آخر خصته الطبيعة بالحرية والمكانة العليا فإذا كانت هذه الاختلافات بين الناس رجالاً ونساء تحور إلى قوة التغذية أو ضعفها فنحن نقول أن في ذلك إنكاراً لعمل الطبيعة واستخفافاً بقوتها ولكننا إذا ذهبنا إلى أن هذه الاختلافات ليست طارئة عارضة وإنما هي تمشي على قانون ثابت وتجري مع سنة مقررة وتعمّ الإنسانية كلها من أبله مجنون في الحياة إلى أعقل عاقل ومن الغبي إلى الذكي ومن المرض إلى الصحيح فإنما نعترف بأن لقوة الطبيعة العامل الأول في تكوين الناس وهذه الفكرة الأخيرة تنطبق على ما اختبره العلم في العهود الحديثة.
وقد أنفذت الإنسانية المتحضرة في القرن الماضي أو نصفه الأخير شيئاً كثيراً من الإصلاح الاجتماعي. وقد تحسنت الحياة من بعض فروعها. ومن ناحية التربية على أن هذه اللفظة الأخيرة يجب أن تبقى كما هي الآن بين قوسين. حتى تدل على أنه لا يزال يوجد نوع منها أفضل من حالها اليوم وأجدى على الإنسانية. ولكننا على رغم الاصلاحات التي أدخلناها على الحياة لم نتناول بعد الموضوعات الخطيرة التي هي أحق بالإصلاح من سواها فقد عني أهل الغرب بوسائل الصحة فقط الظاهرة السطحية، ولكن العامل الآخر وهو عنصر الطبيعة لم يمسح لأحد بالإصلاح ولم تعمل الإنسانية بعد على تنظيم سيره وضبط قوانينه واحترامه نواميسه. فلا يزال قانون الوراثة مقفلاً لا يؤبه به: ونحن اليوم نخرج للإنسانية أطفالاً عجزة مرضى وندع الأمهات عرضة للأمراض والعلل: ثم لا يكون
стр. 3184
منا إلا أن نحاول إصلاح ما أفسدنا بالاجتهاد في تحسين هؤلاء العجزة بإيجاد المستشفيات وتشييد الملاجئ ودور الشفاء.
وإذا كان للطبيعة في خلق الناس وتكوينهم كل هذه الأهمية التي بسطناها. وإذا كانت الاختبارات التي ينشرها العلم في كل يوم ويؤيدها الذين يتوفرون على تربية الماشية والأنعام والسوام وتلقيح الخيول والأزهار والنباتات. فقد حق علينا أن نحشد جميع وسائل العلم لتربية الناس بعين الطريقة التي تحسن بها نوع خيولنا وماشيتنا.
هذا هو واجب هؤلاء العلماء قهم يقولون أنه على الرغم من جميع المصاعب التي ستعترض انفاذ هذا الواجب - من جهل وجمود على المبادئ القديمة واستمساك بالأفكار البالية العتيقة يجب أن ينفذ هذا الواجب - وقد آن الأوان لانفاذه وسيتغلب الإنسان على جميع تلك المصاعب يوماً من الأيام. وستذهب سخريات الحمقى والمجانين والهزائين، وضحكات المتشائمين والساخرين - في طخية الظلام. وسيرى العالم أن تلك القوى التي رقت الإنسان من الحيوان ومن الدودة الحقيرة لا نزال مستسرة فيه كامنة في طبيعته، لأنها عمل الكون كله وقدره الذي لا حد لقدرته.
لهذا السبب وحده يقول علماء اليوجنية بان لتنظيم فعل الطبيعة - المكان الأول - ولتنظيم عمل التغذية المكان الثاني. وأكبر سعي اليوجنيين مقصور على العنصر الأول. والمبدأ الأول هو انتخاب البذور القوية لأخراج أناس أقوياء. وإذا كان هناك انتخاب فمعنى ذلك أنه لا بد كذلك من رفض واطراح. فإذا كنا سنأخذ بانتخاب الأقوياء والصالحين فلا غنى عن اطراح الضعفاء والفاسدين. ومن هذا نقسم اليوجنية الطبيعية إلى يوجنية إيجابية، ويوجنية سلبية. فالغرض الأكبر من اليوجنية الأولى الايجابية هو تشجيع الأبوة الصالحة - والغاية من السلبية - منع الأبوة الضعيفة المتأدوة المريضة. وهناك فكرة أخرى، وهي أنه إذا كان ثمت عوامل قد تستطيع أن تجعل من الأفراد الأقوياء الأصحاء الصالحين أبوة فاسدة ضعيفة. فلا بد لليوجنيين من العمل على محاربتها ومقاومتها: وقد شاهد علماء الوراثة أن الرجل إذا فقد عضواً من أعضاء جثمانه. أو أصيب بفقد الباصرة أو تشوه وجهه من أثر الجدري لا يمنعه ذلك من الزواج. ولا يقتضي ذلك أن تكون منه إذا تزوج أبوة غير صالحة إذ لا ينتظر أن يخلف له خلف ناقص البدن. ولا يكون نسله فاقد العضو
стр. 3185
الذي فقده من بدنه، ولا يثب أبناؤه إلى الحياة عمياً مشوهي الوجوه. وهناك أمثلة كثيرة نستطيع إيرادها للدلالة على أن كثيراً من الخسائر أو الأضرار الصحية التي تقع للآباء لا تؤثر في حالة نسلهم وذراريهم - على أن الذين درسوا قوانين الوارثة يدركون أن هناك عوامل تؤثر في صلاحية الأبوة. ولهذا ينبغي مقاومة هذه العوامل الضارة، ومن بينها الكحول والعقاقير وسائر تلك السموم.
إذا أدركنا هذا كله أمكننا أن نقسم اليوجينة إلى الأقسام الآتية:
اليوجنية الطبيعية
١ - إيجابية - تشجيع تحسين الأبوة بالزواج الصالح
٢ - سلبية - منع الأبوة الفاسدة غير الصالحة
٣ - منعية - مقاومة السموم الجنسية الضارة
بوجينة التهذيب والتغذية
١ - بدنية. التغذية من المبدأ الأول إلى النهاية. بل من المهد إلى اللحد.
٢ - نفسانية. التربية وما إليها
٣ - اجتماعية وأخلاقية. في المنزل والمدرسة والأمة.
نلك أصول هذا العلم. وهي واضحة بينة. لكن ستستعرض انفاذ هذه المبادئ حماية من العواطف الإنسانية والغرائز الآدمية والأحوال الاجتماعية. كالزهو والأثرة والأنانية والسياسة والعادات. واهم أولئك عامل الحب. فقد يهدم اليوجنيه ويقلبها رأساً على عقب.
وسأعود إلى تفصيل جميع مبادئ هذا العلم الهام مذ العدد القادم إن شاء الله
عباس الحافظ
стр. 3186
فتاوى الأطباء في التقبيل
أنُقَبِل أم لا نُقَبِل؟
وضعت إحدى المجلات الغربية المشهورة هذا السؤال على بساط البحث واستفتت فيه صفوة الأطباء في الغرب فجاءت من نواحيهم جملة من الفتاوي الطبية الشائعة، وها نحن أولاء ناقولها لقراء البيان حتى يدركوا لذة التقبيل وآلامه وأخطاره.
فتوى الطبيب روبرت بل
نائب رئيس جمعية الأبحاث الدولية في السرطان
لا مراء في أن التقبيل جائز مقبول إذا أريد منه أن يكون دليلاً على الحب. وكان الشخص المقبل وصاحبه الذي تطبع على وجنته القبلة يعرفان بعضهما البعض المعرفة الأكيدة ويعرف عنهما أنهما صحيحان سليمان من الأمراض، نقيان من العلل. أما التقبيل الذي يأتي عفو الخاطر ويرمي على خدود الناس بلا تمييز ولا احتراز ولا معرفة فلا بد من اجتنابه اجتناب السم الزعاف والوباء المجتاح. لأنه قد ينقل سما ليس في خطورته أقل من مركبات السموم. فهو وسيلة من وسائل العدوى، ولهذا كان واجب الأمهات والمرضعات أن لا يسمحن لأحد من الغرباء بتقبيل أطفالهن وتدليلهن، بل ينبغي لهن أن لا يأذن لأحد من الأصدقاء، وأعز الصواحب بأن يقبلن الأطفال إذا كانت ثمت خالجة من الشك في أفئتهم من صحة اولئك الصحاب والخلطاء وسلامتهم من الأمراض إذ لا ريب في أن التقبيل ينقل العدوى إلى الأطفال وإن كان الهدف إظهار الحب وإبداء ما تكنه العواطف من المودة والاعزاز للولد والصبيان المساكين.
أما تقبيل القطط والسنانير والكلاب الصغيرة فالخطر كل الخطر حتى وإن لم يكن في ذلك شيء من الأذى. وقد تسلم هاتيكم الحيوانات منه إذ المعروف عنها أنها تحمل جراثيم المرض في فروها وشعرها وأوبارها. ونحن خلقاء أن لا ننسى أن تلك الديدان التي تعم جسوم تلك الحيوانات والقراض الذ يجري مكاسر جلودها وثنايا بشرتها لا تزال وسائط لنقل المرض وسريان العدوى. ولذلك كان من الواجب أن يحذر الأطفال المستهترون بملاطفة الكلاب والقطط من حملها في أحضانهم وتقبيل أفواهها ووجوهها.
وإني أعضد الطبيب الفرنسي الذائع الذكر مسيو روم في آرائه المتعلقة بمضار التقبيل
стр. 3187
وتقبيل الكلاب والقطط خاصة، ولثم الغرباء وجنات الأطفال والوليدات الصغيرات.
* * *
فتوى الطبيب روبرتسون ولَس
على الرغم من أننا لا نستطيع اليوم أن نستأصل عادة تغلغات منذ أقدم عهود الإنسانية في أعماق الطبيعة الآدمية. وذاعت في كل بلاد الحضارة. نقول أنه يجب أن نجتنب التقبيل الطائش. واللثم النزق. الذي لا نضن به على أي فم، ولا نمسكه عن أي شفة وثغر، إذ لا ريب في أن الخطر الأكبر أن يقبل الإنسان مريضاً لا يزال تاريخه المرضي مشكوكاً فيه. وأشد الناس تعرضاً لهذا الخطر، واستهدافاً لهذه الآفة، الأطفال والصبيان الصغار والبنات القاصرات لأنهم يعدون حلية في الدار لا يستطيع أولئك الأشخاص الوثابة عواطفهم الذين لا يجلدون عن إمساك شعورهم، وضبط إرادتهم فيهرعون إلى تقبيل أي إنسان، أن يزجروا هذه الحاسة ويعينهم على ذلك عجز الاصبية عن المقاومة ورفض هذا الوابل الواكف من اللثمات. فهؤلاء الناس، بل أولئك الموزعون أمراض الدنيا على الناس. أولئك أعوان الجراثيم وحملتها ونقلة ألمراض وحفظتها. لا يترددون في تقبيل الكلاب والقطط والأطيار والكنار، ويجدون في ذلك لذة كبرى، وفرصة عظمى لا يجدونها في شيء آخر أبعث على الفرح والسرور في تقبيل كلب لاهث أو قطة كسلى. وقد يكون هؤلاء الناس أقوياء الجسوم في مأمن من العدوى. وحرز حريز من الجرائيم فلا يحلمون يوماً أنهم قد يروحون على الرغم من سلامتهم من فعل الجرائيم، أشد الوسائط في نقلها إلى الناس. بل قد يجرون على غيرهم العلة المعضال وق يسوقون إليهم المنون ويجلبون أشد الأخطار لأولئك المساكين الذين يظهرون لهم دلائل الحب بالتقبيل. فيودعون كل مكروبات الأمراض فوق خدودهم ووجناتهم.
وليس ثمت بلد أدرك قانون الصحة من ناحية التقبيل وتبع تلك الرسوم والتعاليم الصحية. كبلاد الأمريكان. فقد درسوا قانون التقبيل الواجب أشد درس. وهناك يرون أن التحية التي يرد القاؤها من الشفاه يجب أن تكون في شكل طاهر نقي من الجراثيم. وقد اخترع أحد علمائهم برقعاً يسمى برقع التقبيل وهو أشبه بحاجز يوضع الشفتين والشفتين. حتى يكون العاشقان في مأمن من كل مرض وعدوى. وهذا الحاجز قد يستعمل عندما لا توجد شفاه
стр. 3188
تقبل، وثغور تلثم، مضرباً صغيراً للعبةالتينس المنزلي. وهذه الأداة الجديدة عبارة عن شبكة مدهونة بمادة مطهرة تقتل الجراثيم قبل أن تصل من الفم إلى الفم. وما أعجب أن يرى الناس روميو وجولييت هذا الزمان واقفين وفم كل ممتد إلى صاحبه من وراء مصفى أشبه بمصفى الشاي. ولكن الأمريكان لا يزالون أمريكان في كل شيء. وعندهم ان قانون الصحة قبل قانون الحب. على أن العشاق في بلادنا هذه وفي جميع بلاد الله الأخرى سيستمرون على مص الشفاه ولثم الأفواه بالطريقة الطبيعية الفرحة. محتجين على تداخل الطرق العلمية والمواد الكيماوية في غرامهم وأكبر لذاذات حبهم. قانعين من جميع الأخطار بخطر واحد وهو ارتباطهم برابطة الزواج.
* * *
فتوى الطبيب هنري روبرتسن
أستاذ التحاليل الكيماوية في جامعة لندن
لاخفاء في اننا لو حرمنا التقبيل وجعلنا اللثم سنة ملغاة ومحظوراً لا يجوز ارتكابه رفعنا من قيمة القبلة وزدنا في حب الناس لها، وأولع بها العشاق واستهتر بها الناس عامة. وارتفعت قيمتها ألف مرة عما هي عليه اليوم. على أننا نقول آمنين النقد أن ليس في كل ألف قبلة قبلة واحدة تجد لها مبرراً بيولوجياً.
على أن التقبيل بين المحبين أمر طبيعي جداً. ولذة محبوبه الحب كله. ثم يأتي بعد ذلك قبلة الأم طفلها. ولثمة الطفل وجنة أمه. وما بعد هذا من القبل يجب أن في عرف العقل ومبادئ الأخلاق أن يعد جريمة عظمى. وأما القبلات الباردة العادية التي تقع بين شفاه الممثلات ومن أفواه العمات والخالات والعجائز والقواعد من النساء والدردبيسات والخيزبونات. فمن الطيش والسخف والرذالة بحيث لا نستطيع أن نصف. إذ لا لذة فيها البتة ولا فرح ولا معنى. ثم لا يزال تقبيل الطفل الصغير على كره منه وضد إرادته جريمة يحل لها العقاب.
أما القول بأن للتقبيل أضراراً صحية. ومحاولة منعه وحشد جملة من المعارضات الطبية لمقاومته فكلام في فارغ، فإنني رجل خبرت الطب دهري. ولي عهد طويل في هذه الصناعة. وقد مضي عليّ اليوم عشرون حولاً وأنا أرى في كل يوم مائة مريض في عيادتي - وهو معدل مضبوط لزواري م طلاب العافية - فلم أرى في حياتي حادثة مرض
стр. 3189
كان السبب الأكبر فيها قبلة من الشفة، أو لثمة منة فم. ولكن بالطبع لا يجترئ أحد إلا الأبله العبيط على تقبيل شخص مريض بتلك الأمراض الخبيثة المعروفة. ولكن أمثال هذه الحوادث نادرة فلا تعبأ بتخويفات أؤلئك المخوفين الذين يريدوننا على الاعتقاد بأن التقبيل على وجه العموم خطر مخيف.
وقد اخترعت أمريكا للتقبيل مضرباً شبكياً. وقد تفيد هذه الأداء الحديثة بعض الناس. ويمكن حملها في الجيب كالمنظار. لاستعمالها وقت اللزوم. عندما تعرض خدود للقبل. ويراد بالطبع لثمات على الوجنات. ولا أظن منظر المتحابين وهما يخالسان بعضهما البعض تلك القبل الجميلة من وراء هذا المصفي العجيب يخلو من الفكاهة والتسلية.
وأنا شخصياً متأكد أنه إذا وقع التقبيل فقط بين المتحابين اللذين يجدان إليه روحاً ويفرحان به وينعمان. فلا ضرر البتة منه ولا اذاة. من الوجهة الطبية ولا من الوجهة الأخلاقية. اللهم إلا في أدمغة الفلاسفة الاجتماعيين الذين يتهرسون بالاصلاح والتهدذيب.
* * *
فتوى السير مالكولم موريس
وهو الحجة الكبرى في محاولة استئصال أمراض السل والأمراض الجلدية.
أول ما أقول يجب أن لا نفزع من التقبيل ونفرق. وينبغي أن لا نخوف الناس من ناحية عادة اتفقت عليها الإنسانية جمعاء.
والأمر الثاني يجب تحذير الناس أخطار التقبيل الطائش المتسرع قبل الخبرة والائتلاف. أما القبلة المنزلية بين الأهل والأهل في الصباح عند الخروج من لمضاجع. وفي الليل عند الانزواء في الفراش. فلا ضرر منها البتة. ولا خوف على أهل الدار منها. إلا بالطبع حيث تقع علة البرد والانفلونزا لأحد من أفراد الأسرة. إذ يجب إيقاف ذاك التقبيل حتى تنقشع العلة.
ولا يمكن أن يقال أن هناك ضرر من القبلة المنزلية الاعتيادية تلك اللمسة فوق الجبين أو الخد. أما القبلة المفعمة (المليانة) فوق الشفتين فتلك قبلة خطر ينبغي للإنسان اجتنابها إذا لم يكن مستوثقاً بسلامة الفم الذي ييريد أن يقبله من كل مرض.
* * *
стр. 3190
فتوى الطبيب س. و. صليبي
(العالم اليوجني الطائر الصيت)
أظهرا الاحصائيات ولا سيما في مستشفى اللقطاء بموسكو. أن لوفيات في الأطفال الذين تقوم أمهاتهم على حضانتهم وبأمر تربيتهم. بمعدل نصف الوفيات في الأطفال الذين يلقون رعاية من المرضعات. وقد شرح الأستاذ بيريتشارد في جلسة من جلسات مجمع الأبحاث الطبية في درجة المواليد سر هذه الحقيقة العلمية. فقال أن الطفل وهو لا يزال جنيناً يتلقى من أمه نصيباً من مقاومتها للجراثيم التي تجتمع في أنفها وفمها وحلقها ولهذا لا خطر على الطفل من عناق أمه وتقبيلها وتدليلها إياه وأنا أقول انه لا ينبغي كقاعدة عامة أن يقبل الطفل أحد غير أمه.
فتوى اللورد دوسون
(طبيب الملك جورج)
القبلة هي فرصة من الفرص الكبرى في الحياة لا أراني متردداً في المجازفة والاجتراء على التقاطها مهما كلفني ذلك.
هذه فتاوى الاطباء في القبل ولو نحن سألنا رأي أهل الحب فيها لهزأوا بالطب والأطباء. وسخروا من العلل والأدواء. وأثاروا حرباً شعواء على المجتمع لا ينتهي أمرها إلا بأن يكون التقبيل عاماً. يؤدى في الطرق. وتسمع وسوسته من كل ناحية. . . . . .
следующие страницы →