Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
فتاوى الأطباء في التقبيل
أنُقَبِل أم لا نُقَبِل؟
وضعت إحدى المجلات الغربية المشهورة هذا السؤال على بساط البحث واستفتت فيه صفوة الأطباء في الغرب فجاءت من نواحيهم جملة من الفتاوي الطبية الشائعة، وها نحن أولاء ناقولها لقراء البيان حتى يدركوا لذة التقبيل وآلامه وأخطاره.
فتوى الطبيب روبرت بل
نائب رئيس جمعية الأبحاث الدولية في السرطان
لا مراء في أن التقبيل جائز مقبول إذا أريد منه أن يكون دليلاً على الحب. وكان الشخص المقبل وصاحبه الذي تطبع على وجنته القبلة يعرفان بعضهما البعض المعرفة الأكيدة ويعرف عنهما أنهما صحيحان سليمان من الأمراض، نقيان من العلل. أما التقبيل الذي يأتي عفو الخاطر ويرمي على خدود الناس بلا تمييز ولا احتراز ولا معرفة فلا بد من اجتنابه اجتناب السم الزعاف والوباء المجتاح. لأنه قد ينقل سما ليس في خطورته أقل من مركبات السموم. فهو وسيلة من وسائل العدوى، ولهذا كان واجب الأمهات والمرضعات أن لا يسمحن لأحد من الغرباء بتقبيل أطفالهن وتدليلهن، بل ينبغي لهن أن لا يأذن لأحد من الأصدقاء، وأعز الصواحب بأن يقبلن الأطفال إذا كانت ثمت خالجة من الشك في أفئتهم من صحة اولئك الصحاب والخلطاء وسلامتهم من الأمراض إذ لا ريب في أن التقبيل ينقل العدوى إلى الأطفال وإن كان الهدف إظهار الحب وإبداء ما تكنه العواطف من المودة والاعزاز للولد والصبيان المساكين.
أما تقبيل القطط والسنانير والكلاب الصغيرة فالخطر كل الخطر حتى وإن لم يكن في ذلك شيء من الأذى. وقد تسلم هاتيكم الحيوانات منه إذ المعروف عنها أنها تحمل جراثيم المرض في فروها وشعرها وأوبارها. ونحن خلقاء أن لا ننسى أن تلك الديدان التي تعم جسوم تلك الحيوانات والقراض الذ يجري مكاسر جلودها وثنايا بشرتها لا تزال وسائط لنقل المرض وسريان العدوى. ولذلك كان من الواجب أن يحذر الأطفال المستهترون بملاطفة الكلاب والقطط من حملها في أحضانهم وتقبيل أفواهها ووجوهها.
وإني أعضد الطبيب الفرنسي الذائع الذكر مسيو روم في آرائه المتعلقة بمضار التقبيل
стр. 3187
وتقبيل الكلاب والقطط خاصة، ولثم الغرباء وجنات الأطفال والوليدات الصغيرات.
* * *
فتوى الطبيب روبرتسون ولَس
على الرغم من أننا لا نستطيع اليوم أن نستأصل عادة تغلغات منذ أقدم عهود الإنسانية في أعماق الطبيعة الآدمية. وذاعت في كل بلاد الحضارة. نقول أنه يجب أن نجتنب التقبيل الطائش. واللثم النزق. الذي لا نضن به على أي فم، ولا نمسكه عن أي شفة وثغر، إذ لا ريب في أن الخطر الأكبر أن يقبل الإنسان مريضاً لا يزال تاريخه المرضي مشكوكاً فيه. وأشد الناس تعرضاً لهذا الخطر، واستهدافاً لهذه الآفة، الأطفال والصبيان الصغار والبنات القاصرات لأنهم يعدون حلية في الدار لا يستطيع أولئك الأشخاص الوثابة عواطفهم الذين لا يجلدون عن إمساك شعورهم، وضبط إرادتهم فيهرعون إلى تقبيل أي إنسان، أن يزجروا هذه الحاسة ويعينهم على ذلك عجز الاصبية عن المقاومة ورفض هذا الوابل الواكف من اللثمات. فهؤلاء الناس، بل أولئك الموزعون أمراض الدنيا على الناس. أولئك أعوان الجراثيم وحملتها ونقلة ألمراض وحفظتها. لا يترددون في تقبيل الكلاب والقطط والأطيار والكنار، ويجدون في ذلك لذة كبرى، وفرصة عظمى لا يجدونها في شيء آخر أبعث على الفرح والسرور في تقبيل كلب لاهث أو قطة كسلى. وقد يكون هؤلاء الناس أقوياء الجسوم في مأمن من العدوى. وحرز حريز من الجرائيم فلا يحلمون يوماً أنهم قد يروحون على الرغم من سلامتهم من فعل الجرائيم، أشد الوسائط في نقلها إلى الناس. بل قد يجرون على غيرهم العلة المعضال وق يسوقون إليهم المنون ويجلبون أشد الأخطار لأولئك المساكين الذين يظهرون لهم دلائل الحب بالتقبيل. فيودعون كل مكروبات الأمراض فوق خدودهم ووجناتهم.
وليس ثمت بلد أدرك قانون الصحة من ناحية التقبيل وتبع تلك الرسوم والتعاليم الصحية. كبلاد الأمريكان. فقد درسوا قانون التقبيل الواجب أشد درس. وهناك يرون أن التحية التي يرد القاؤها من الشفاه يجب أن تكون في شكل طاهر نقي من الجراثيم. وقد اخترع أحد علمائهم برقعاً يسمى برقع التقبيل وهو أشبه بحاجز يوضع الشفتين والشفتين. حتى يكون العاشقان في مأمن من كل مرض وعدوى. وهذا الحاجز قد يستعمل عندما لا توجد شفاه
стр. 3188
تقبل، وثغور تلثم، مضرباً صغيراً للعبةالتينس المنزلي. وهذه الأداة الجديدة عبارة عن شبكة مدهونة بمادة مطهرة تقتل الجراثيم قبل أن تصل من الفم إلى الفم. وما أعجب أن يرى الناس روميو وجولييت هذا الزمان واقفين وفم كل ممتد إلى صاحبه من وراء مصفى أشبه بمصفى الشاي. ولكن الأمريكان لا يزالون أمريكان في كل شيء. وعندهم ان قانون الصحة قبل قانون الحب. على أن العشاق في بلادنا هذه وفي جميع بلاد الله الأخرى سيستمرون على مص الشفاه ولثم الأفواه بالطريقة الطبيعية الفرحة. محتجين على تداخل الطرق العلمية والمواد الكيماوية في غرامهم وأكبر لذاذات حبهم. قانعين من جميع الأخطار بخطر واحد وهو ارتباطهم برابطة الزواج.
* * *
فتوى الطبيب هنري روبرتسن
أستاذ التحاليل الكيماوية في جامعة لندن
لاخفاء في اننا لو حرمنا التقبيل وجعلنا اللثم سنة ملغاة ومحظوراً لا يجوز ارتكابه رفعنا من قيمة القبلة وزدنا في حب الناس لها، وأولع بها العشاق واستهتر بها الناس عامة. وارتفعت قيمتها ألف مرة عما هي عليه اليوم. على أننا نقول آمنين النقد أن ليس في كل ألف قبلة قبلة واحدة تجد لها مبرراً بيولوجياً.
على أن التقبيل بين المحبين أمر طبيعي جداً. ولذة محبوبه الحب كله. ثم يأتي بعد ذلك قبلة الأم طفلها. ولثمة الطفل وجنة أمه. وما بعد هذا من القبل يجب أن في عرف العقل ومبادئ الأخلاق أن يعد جريمة عظمى. وأما القبلات الباردة العادية التي تقع بين شفاه الممثلات ومن أفواه العمات والخالات والعجائز والقواعد من النساء والدردبيسات والخيزبونات. فمن الطيش والسخف والرذالة بحيث لا نستطيع أن نصف. إذ لا لذة فيها البتة ولا فرح ولا معنى. ثم لا يزال تقبيل الطفل الصغير على كره منه وضد إرادته جريمة يحل لها العقاب.
أما القول بأن للتقبيل أضراراً صحية. ومحاولة منعه وحشد جملة من المعارضات الطبية لمقاومته فكلام في فارغ، فإنني رجل خبرت الطب دهري. ولي عهد طويل في هذه الصناعة. وقد مضي عليّ اليوم عشرون حولاً وأنا أرى في كل يوم مائة مريض في عيادتي - وهو معدل مضبوط لزواري م طلاب العافية - فلم أرى في حياتي حادثة مرض
стр. 3189
كان السبب الأكبر فيها قبلة من الشفة، أو لثمة منة فم. ولكن بالطبع لا يجترئ أحد إلا الأبله العبيط على تقبيل شخص مريض بتلك الأمراض الخبيثة المعروفة. ولكن أمثال هذه الحوادث نادرة فلا تعبأ بتخويفات أؤلئك المخوفين الذين يريدوننا على الاعتقاد بأن التقبيل على وجه العموم خطر مخيف.
وقد اخترعت أمريكا للتقبيل مضرباً شبكياً. وقد تفيد هذه الأداء الحديثة بعض الناس. ويمكن حملها في الجيب كالمنظار. لاستعمالها وقت اللزوم. عندما تعرض خدود للقبل. ويراد بالطبع لثمات على الوجنات. ولا أظن منظر المتحابين وهما يخالسان بعضهما البعض تلك القبل الجميلة من وراء هذا المصفي العجيب يخلو من الفكاهة والتسلية.
وأنا شخصياً متأكد أنه إذا وقع التقبيل فقط بين المتحابين اللذين يجدان إليه روحاً ويفرحان به وينعمان. فلا ضرر البتة منه ولا اذاة. من الوجهة الطبية ولا من الوجهة الأخلاقية. اللهم إلا في أدمغة الفلاسفة الاجتماعيين الذين يتهرسون بالاصلاح والتهدذيب.
* * *
فتوى السير مالكولم موريس
وهو الحجة الكبرى في محاولة استئصال أمراض السل والأمراض الجلدية.
أول ما أقول يجب أن لا نفزع من التقبيل ونفرق. وينبغي أن لا نخوف الناس من ناحية عادة اتفقت عليها الإنسانية جمعاء.
والأمر الثاني يجب تحذير الناس أخطار التقبيل الطائش المتسرع قبل الخبرة والائتلاف. أما القبلة المنزلية بين الأهل والأهل في الصباح عند الخروج من لمضاجع. وفي الليل عند الانزواء في الفراش. فلا ضرر منها البتة. ولا خوف على أهل الدار منها. إلا بالطبع حيث تقع علة البرد والانفلونزا لأحد من أفراد الأسرة. إذ يجب إيقاف ذاك التقبيل حتى تنقشع العلة.
ولا يمكن أن يقال أن هناك ضرر من القبلة المنزلية الاعتيادية تلك اللمسة فوق الجبين أو الخد. أما القبلة المفعمة (المليانة) فوق الشفتين فتلك قبلة خطر ينبغي للإنسان اجتنابها إذا لم يكن مستوثقاً بسلامة الفم الذي ييريد أن يقبله من كل مرض.
* * *
стр. 3190
فتوى الطبيب س. و. صليبي
(العالم اليوجني الطائر الصيت)
أظهرا الاحصائيات ولا سيما في مستشفى اللقطاء بموسكو. أن لوفيات في الأطفال الذين تقوم أمهاتهم على حضانتهم وبأمر تربيتهم. بمعدل نصف الوفيات في الأطفال الذين يلقون رعاية من المرضعات. وقد شرح الأستاذ بيريتشارد في جلسة من جلسات مجمع الأبحاث الطبية في درجة المواليد سر هذه الحقيقة العلمية. فقال أن الطفل وهو لا يزال جنيناً يتلقى من أمه نصيباً من مقاومتها للجراثيم التي تجتمع في أنفها وفمها وحلقها ولهذا لا خطر على الطفل من عناق أمه وتقبيلها وتدليلها إياه وأنا أقول انه لا ينبغي كقاعدة عامة أن يقبل الطفل أحد غير أمه.
فتوى اللورد دوسون
(طبيب الملك جورج)
القبلة هي فرصة من الفرص الكبرى في الحياة لا أراني متردداً في المجازفة والاجتراء على التقاطها مهما كلفني ذلك.
هذه فتاوى الاطباء في القبل ولو نحن سألنا رأي أهل الحب فيها لهزأوا بالطب والأطباء. وسخروا من العلل والأدواء. وأثاروا حرباً شعواء على المجتمع لا ينتهي أمرها إلا بأن يكون التقبيل عاماً. يؤدى في الطرق. وتسمع وسوسته من كل ناحية. . . . . .
стр. 3191
الشعر والمدينة
للكاتب المؤرخ الكبير اللورد ما كولي
إني أعتقد أن ارتقاء المدينة وتقدم الحضارة يتبعها في الغالب الأرجح تأخر الشعر وانحطاطه. فمع إعجابنا الحار الشديد بأعمال الخيال العظيمة التي أخرجتها العصور المظلمة فإن هذا الإعجاب لا يعظم ولا يزداد لأن هذه الأعمال ظهرت في عصور الظلام، بل على العكس من ذلك أرى أن أعظم دلائل العبقرية وأجلها هو نظم قصيدة كبيرة في عصر حضري متمدن. ولا أستطيع أن أفهم كيف أن أولئك الذين يؤمنون بهذا المبدأ الأدبي الصحيح وهو أن أحسن الشعر على العموم هو الشعر القديم يعجبون من تلك القاعدة التي ذكرناها كأنما هي أمر مستثنى. لا ريب أن وحدة الظاهرة دليل على وحدة السبب.
وفي الواقع نرى النقدة العاديين يستدلون بتقدم العلوم البحثية على تقدم العلوم النقلية. ولكن تقدم الأولى يسير سيراً تدريجياً بطيئاً. فعصور تنقضي في جميع المعلومات والمواد وعصور أخرى تنقضي في تعيين تلك المواد وفصلها ومزجها. فإذا ما انتهى البحث إلى تكوين عمل معين لم نعدم أن نجد شيئاً نضيفه إليه أو نغيره فيه أو نطرحه منه. وكذلك يغنم كل جيل كنزاً عظيماً أهدته له العصور التي قبله، ثم يهديه إلى الأجيال المستقبلة بعده بعد أن يكون قد زاد أيضاً في ذخائره واعلاقه. وبذلك يكون أوائل المفكرين والباحثين غير متمتعين بتك الميزة التي يغنهما من بعدهم تلاميذهم وهم أقل مواهب وعظمة ذهن ويبرزون عليهم في معلوماتهم وأبحاثهم. إن كل فتاة قرأت كتاب المحاورات الاقتصادية الصغيرة تأليف مستر مارست تستطيع أن تعلم مونتاجي أو والبول دروساً عديدة في العلوم المالية. وأن أي إنسان ذكي الفهم يستطيع الآن في سنوات قليلة، إذا انكمش في دراسة الرياضيات بهمة، أن يحرز من المعلومات أكثر مما عرفه نيوتن العظيم بعد التأمل والدرس زمناً أكثر من نصف قرن.
ولكن ليست الحال على شيء من ذلك في الموسيقى أو التصوير أو النقش، بل وأقل من ذاك في الشعر. إن التقدم في المدينة وتحسين مرافق الحياة قلما يمد تلك الفنون بموضوعات أفضل تصوغ منها معانيها. نعم قد يكون هذا التقدم سبباً في تحسين الأدوات التي تلزم الموسيقى أو النقاش أو المصور للقيام بأعماله الآلية فحسب، ولكن اللغة التي هي
стр. 3192
أداة الشاعر إنما تصلح أحسن ما تصلح له وهي في حالتها من البداوة والفطرة. إن الأمم كالأفراد تحس ثم تفكر. إنها تبتدئ بالصور المعينة ومنها إلى الحدود العامة. ولذلك نرى الأمة الراقية المستنيرة ترى كلماتها فلسفية علمية بينما الأمة البعيدة من التمدين نرى كلماتها شعرية.
وأن هذا التغيير في لغات الناس بعضه سبب وبعضه أثر لتغيير يقابله في طبيعة الأعمال الذهنية، ذلك التغيير الذي يستفيد منه العلم ويخسر الشعر. إن التعميم ضروري لتقدم العلوم ولكنه لازم لاغنى عنه لمبتكرات الخيال. وبقدر ما يزداد علم الناس وتفكيرهم يقل اهتمامهم بالنظر إلى الجزئيات ويعظم بالنسبة إلى الكليات. وبذلك يخرجون إلينا نظريات حسنة وأشعاراً رديئة. ويقدمون إلينا معاني مهمة بدل صور معينة وصفات شخصية للإنسان بدل الإنسان ذاته. قد يكونون أقدر على تحليل الطبائع البشرية من آبائهم وأجدادهم، ولكن التحليل ليس من عمل الشاعر، لأن عمله يقتصر على التصوير ولا شأن له بالتقسيم والتحليل. قد يكون الشاعر من أنصار المبدأ الأخلاقي كشافتسبوري، وقد يكون ممن يرجعون أعمال الإنسان كلها إلى حب المصلحة كما يقول بذلك هلفشياس، وقد لا يكون فكر في شيء من هذا اصلاً. وعلى العموم فإن رأيه في هذه الموضوعات كلها لن يكون له تأثير في شعره الحقيقي أكثر من تأثير المعلومات التي يحرزها المصور عن الغدد الدمعية أو عن الدورة الدموية في تصويره دموع نيوب أو تورد أورورا. ولو أن شاكسبير كتب كتاباً في الدوافع النفسية للإنسان لما كان ولا ريب كتاباً قيماً جليلاً، بل لما كان فيه من القوة والإثبات نصف ما في كتاب أساطير النحل. ولكن هل يستطيع مؤلفه ماندفيل أن يخلق أياجو؟ نعم إنه أحسن تحليل الطباع وردها إلى عناصرها ولكن هل يستطيع أن يحسن ضم تل العناصر بعضها إلى بعض بطريقة يخلق بها شخصاً حياً حقيقياً؟. .؟
ربما لم يكن هناك إنسان يستطيع أن يكون شاعراً، أو على الأقل يستمتع بالشعر ويطرب به. إن لم يكن في ذهنه شيء من النقص - إن صح أن نسمي نقصاً ما يورثنا أعظم اللذة والطرب. ولا نعني بالشعر كل ما هو مقصد، بل ولا كل قصيد حسن وبذلك يخرج من اعتبارنا كثير من القصائد التي قد تكون لأسباب أخرى جديرة بلإعجاب والثناء، ولكننا نعني بالشعر هنا تلك القدرة الغنية على استعمال الكلمات استعمالاً يجسمها في الذهن، أو
стр. 3193
هو القدرة على أن يستعمل الإنسان الكلمات استعمال المصور للألوان وكذلك وصف الشعر أكبر شعرائنا في أبيات استحقت الإعجاب العام لقوتها وسلاسة تصويرها، وأكثر من ذلك لما فيها من الرأي الصائب السديد عن الفن الذي تفوق هو فيه: - كما أن الخيال يخلق الأشياء من عوالم المجهولات، فكذلك قلم الشاعر يصبها في قوالب الصور، ويعطي لصورة أخرجها شكلاً واسماً.
وهذه ثمرة من ثمرات التهيج الظريف الذي وصف به الشاعر هو أيضاً تهيج ظريف ولا ريب ولكنه بعد يهيج. إن الحقيقة ضرورية في الشعر ولكنها حقيقة المجانين. ان النتائج صحيحة ولكن المقدمات خطأ. لقد كان ينبغي بعد كتابة القضايا الأولى أن يكون التعليلي صحيحاً غير متضارب ولا متعارض، ولكن الحقيقة هي أن هذه القضايا ذاتها بحاجة إلى تساهل شديد لتصديقها يكاد يصل إلى اختلال جزئي مؤقت في الذهن. لذلك كان الأطفال أكثر الناس خيالاً لأنهم يطلقون العنان لأنفسهم في قبول كل الأوهام والأباطيل، وكل صورة مرت بأذهانهم تؤثر فيهم تأثير الحقيقة الواقعة. إن ما من إنسان مهما بلغت عقليته بمتأثر من رواية هاملت أولمير بمقدار ما تتأثر فتاة صغيرة من حكاية القبعة الحمراء. فمع أنها تعلم أن شيئاً من ذلك لم يكن وأن الذئاب لا تتكلم وأنه لا يوجد ذئاب في انجلترا بالمرة - مع هذا كله فإنها تصدق وتبكي وترتعد فرقاً ولا تجسر على أن تدخل غرفة مظلمة مخافة أن ينشب الوحش أسنانه في عنقها!! وهذا مبلغ تأثير الخيال في العقول الجاهلة غير المستنيرة.
ففي المجتمعات التي لم تزل على حالتها من الداوة والفطرة يكون رجالها أطفالاً صغاراً ذوي آراء أكثر أشد تنوعاً. وفي مثل هذه المجتمعات يمكننا أن نتوقع وجود العاطفة الشعرية في أسمى درجاتها. أما في المجتمعات المتمدنية المستنيرة فإننا نجد مواهب أعظم، وعلوماً وفلسفة أكثر، ووفراً من التقسيم الصحيح والتحليل الدقيق، والفصاحة والفكاهة، بل والقصيد البديع الكثير، ولكننا لا نجد إلا الشعر القليل. سيكون أهل هذا المجتمع أقدر على النقد والحكم والمقارنة ولكنهم أعجز عن الابتكار والخلق والإبداع. سيتكلمون عن الشعراء الأقدمين وسيشرحونهم وسيطربون بهم إلى حد معين، ولكنهم لن يستطيعوا أن يدركوا التأثير الذي كان يؤثره الشعر في نفوس آبائهم وأجدادهم من ألم وجذل وقوة إيمان. يقول
стр. 3194
أفلاطون أن رابسودست اليوناني كان لا يقرأ شعر هومر إلا تشنج وصرع. وأن رجلاً من رجال الموهاك لتنزع السكين من جلد رأسه وهو لا يشعر ولا يتألم ما دام يغني أنشودة الموت وأن السلطة العظيمة التي كانت للشعراء الأقدمين في الفال وألمانيا على الجماهير التي تسمع إنشادهم لما تدعو إلى الدهشة وعدم التصديق في هذا العصر الحديث. هذه الإحساسات وأمثالها قلما تراها في الجماعات المتحضرة، وهيهات تراها بين أولئك الذين ينعمون بمرافق تلك الحضارة ومزايا هذا التمدين. ولكنها تدوم زمناً أطول بين القرى ومزارع الريف.
إن الشعر يجسم الخيال للذهن كما يجسم المصباح السحري الأشباح أمام العين وكما أن المصباح السحري لا يخرج أحسن صورة إلا في غرفة مظلمة فكذلك الشعر لا تسمو درجته ولا يبلغ منزلته الحقيقية إلا في العصور المظلمة، فإن ضوء العلم إذا انتشر على صوره وضحت معالم الأشياء واستبانت ظلال اشك الاحتمالات، إذ ذاك تتلاشى تلك الألوان وتنطفئ تلك الملامح التي رسمتها يد الشاعر لأشباحه وخيالاته. لأننا لا نستطيع أن نظفر بتلك المزية العظيمة مزية الجمع بين الحقيقة والخيال، بين رؤية الواقع الواضح والاستمتاع اللذيذ بالتصورات. . . .
وإن الذي يريد أن يكون شاعراً عظيماً في مجتمع متعلم متمدن عليه أن يصبح أولاً طفلاً صغيراً. ينبغي له أن ينفض رأسه نفضاً مما يحتشد فيه وأن يجهل كثيراً من العلوم التي تلقاها والتي ربما كانت إلى الآن سبب نبوغه وشهرته. إن ملكاته ومواهبه ستكون هي العقبات التي تعترض طريقه. وسوف تكون المصاعب التي يغالبها بمقدار مجاراته وتعلقه بمرافق المدينة التي تحيط به، كما أن اندماجه هذا في الحياة التي حوله سيكون بمقدار ما عليه ذهنه من قوة ونشاط وعساه بعد هذه التضحيات والمتاعب أن يقول شيئاً غير شبيه بالرجل الألثغ أو الطلل الحديث. فلقد رأينا في عصرنا هذا مواهب كبيرة ومجهودات عظيمة وتأملات طويلة تصرف جميعها في مكافحة روح العصر ثم ترجع - لا نقول بالفشل التام - ولكن بنجاح مشكوك فيه وشهرة خافتة ضئيلة.
ط. ر.
стр. 3195
شهداؤنا الاثنا عشر
ألا في سبيل الله ذاك الدم الغالي ... وللمجد ما أبقى من المثل العالي
وبعض المنايا همة من ورئها ... حياة لأقوام ودنيا لأجيال
أعيني جودا بالدمع على دم ... كريم المصفى من شباب وآمال
تتاهت به الأحداث من غربة النوى ... إلى حادث من غربة الدهر قتال
جرى ارجوانياً كميتاً مشعشعاً ... بأبيض من غسل الملائك سلسال
ولاذ بقضبان الحديد شهيده ... فعادت رفيقاً من عيون واظلال
سلام عليه في الحياة وهامدا ... وفي العصر الخالي وفي العالم التالي
خليلى قوماً في ربى الغرب واسقيا ... رياحين هام في التراب وأوصال
من الناعمات الراويات من الصبا ... ذوت بين حل في البلاد وترحال
نعاها لنا الناعي فمال على أب ... هلوع وأم (بالكنانة) مثقال
طوى الغرب نحو الشرق يعدو سليكه ... بمضطرب في البر والبحر مرقال
يسر إلى النفس الأسى غير هامس ... ويلقى على القلب الشجا غير قوال
سرى فنعاهم للديار أهلة ... فمن هالة عطل ومن منزل خال
سماء الحمي بالشاطئين وأرضه ... مناحة أقمار ومأنم أشبال
وأدهام تدرى الريح أن قد أعادها ... بسافاً ولكن بحديد وأثقال
يريك جياد السبق في الحضر كلما ... رمى بذراعيه وبالمرجل الغالي
يقل من الفتيان أشبال غابة ... غداة على الأخطار ركاب أهوال
ثنته العوادي دون (اودين) فانثنى ... بآخر من دهم المقادير ذيال
قد اعتنقا تحت الدخان كما التقى ... كميان في داج من النقع منجال
فسبحان من يرمي الحديد وبأسه ... على ناعم غض من الزهر منجال
ومن يأخذ لسارين بالفجر ... طالعاً=طلوع المنايا من ثنيات آجال
ومن يجعل السفار للناس همة ... إلى سفر ينوونه غير قفال
فيا ناقليهم لو تركتم رفاتهم ... أقام يتيماً في وصاية لآل
وبين غريباً لدي وكافور مضجع ... لنزاع أمصار على الحق نزال
فهل عطفتم رنة الأهل والحمى ... وضجة أتراب عليهم وأمثال
стр. 3196
لئن فات مصراً أن يموتوا بأرضها ... لقد ظفروا بالبعث من تربها الغالي
وما شغلتهم عن هواها قيامة ... إذا عتل رهن المحبسين بأشغال
حملتم من الغرب الشموس لمشرق ... تلقى شفاها مظلماً كاسف البال
عواثر لم تبلغ صباها ولم تنل ... مداها ولم توصل ضحاها بآصال
يطاف بهم نعشاً فنعشاً كأنهم ... مصاحف لم يعل المصلى علي التالي
توابيت في الأعناق تترى زكية ... كتابوت موسى في مناكب أسراله
ملففة في حلة شفقيه ... هلالية من راية النيل تمثال
أظل جلال العلم والموت وفدها ... فلم تلق إلا في خشوع وإجلال
تفارق داراً من غرور وباطل ... إلى منزل من جيرة الحق محلال
فيا حلبة رقت على البحر حلية ... وهزت بها (حلوان) أعطاف مختال
جرت بين أيماض العواصم بالضحى ... وبين ابتسام الثغر بالموكب الحالي
كثيرة باغي السبق لم ير مثلها ... على عهد اسماعيل ذي الطول والنال
لك الله هذا الخطب في الوهم لم يقع ... وتلك المنايا لم يكن على بال
بلى كل ذي نفس أخو الموت وابنه ... وإن جر أذيال الحداثة والخال
وليس عجيباً أن يموت أخو الصبا ... ولكن عجيب عيشة عيشة السالي
وكل شباب أو مشيب رهينة ... بمعترض من حادث الدهر مغتال
وما الشيب من خيل العلي فاركب الصبا ... إلى المجد تركب متن أقدر جوال
يسن الشباب البأس والجود للفتى ... إذا الشيب سن البخل بالنفس والمال
ويا نشأ النيل الكريم عزاءكم ... ولا تذكروا الأقدار إلا بإجمال
فهذا هو الحق الذي لا يرده ... تأفف قال أو تلطف محتال
عليكم لواء العلم فالفوز تحته ... وليس إذا الأعلام خانت بخذَّال
إذا مال فاخلفوه بآخر ... وصول مساع ولا ملول ولا آل
ولا يصلح الفتيان لا علم عندهم ... ولا يحرزون السبق أنصاف جهال
وليس لهم زاد إذا ما تزودوا ... بياناً جزاف الكيل كالحشف البالي
إذا جزع الفتيان من وقع حادث ... فمن لجليل الأمر أو معضل الحال
стр. 3197
ولولا معان في الفدي لم تعانه ... نفوس الحواريين أو مهج الآل
بهاتيك المصارع بينكم ... ترنم أبطال بأيام أبطال
ألستم بني القوم الذين تكبروا ... على الضربات السبع في الأبد الخالي
رددتم إلى فرعون جداً وربما ... رجعتم لعم في القبائل أو خال
شوقي
стр. 3198
رأيي في الزواج
من أكبر معضلات الحياة التي لا يفتأ الناس يديرون فيها وجوه الرأي. ويتحدثون يها في الندى والسامر، والمجلس، والمسجد والسوق. مسألة الزواج. فهي اليوم مشغلة الإنسانية الحاضرة، وهي الموضوع المودة الذي لا يزال يحاول كل إنسان أن يصل إلى اختراع لون منه واكتشاف هيئة ظريفة له. ولا تنى الصحف تعادوه من الحين إلى الحين. ولا تزال الكتب تخرج عنه. وقد أدمجه الروائيون في قصصهم. واستخدمه فريق من السياسيين الاجتماعيين في التدليل على الاضطراب الاجتماعي الواقع اليوم في أكثر بلاد الحضارة.
إن الوظيفة الطبيعية الأولى للزواج. والغرض الغريزي منه. هو بلا ريب الاحتفاظ بالنوع. وبقاء الجنس. وعمران الدنيا. ولكن الأدب العصري يتنازع والعلم الحديث عند هذه اليقظة من البحث. ومذ اليوم الذي افتتح فيه الروائي هنريك اييسن. بروايته الكوميدية بيت العروسة المناقشة في مسائل الزواج. والكتاب جارون في الكلام عنه. والروائيون عاقدون عليه القصص. ومنشئون الفصول والأبواب. وقد تضافر الجميع على أن للرجال والنساء الحق أن يقيسوا الزواج بمقدار ما يجلب لهم ارتباطهم به من الهناء واللذة. وقد ذهب اييسن إلى أن الزوجة التي ترى زوجها لا يستطيع أن يقدر عواطفها من ناحية اللذة - ويشبع رغبتها في الهناء ينبغي لها أن تغلق الباب في وجه زوجها وأطفالها. وتحرر من هذا القيد الثقيل. وتخرج من هذا الغل اللعين - وتلتمس لها عيشاً من وراء أية صناعة. وقد عمد روئي اسكندناوي آخر من كبار روائي الإنسانية الحاضرة في الدفاع عن الزوج من هذه الوجهة نفسها فجعل يقول أن الزواج يعطل رقي المزايا الرجولية في الرجل وأن المرأة تستعبده وتستأثر به وتضطره إلى كثير من التضحيات في سبيل لذتها وهنائها ولا يزال الروائي العظيم برناردتشو يقول هبذا الرأي. وينحو في البحث هذا النحو. وقد أبدى كل ذلك في روايته المشهورة (الإنسان والبرمان) وقد اعترف الشاعر رديارد كبلنغ بإيثاره العزبة على الزواج إذ قال في شبيته الأولى. يم كان حدثاً غفلاً لم ينضج بعد (أشد السفر سرعة وإيفاضاً، المسافر وحده، غير متخذ رفيقاً).
فترى أيها القارئ أن امثال اييسن وسترندبرج وأولئك الطائفة التي تقول بهذه الآراء تراهم يمثلون الوجهة الأنانية من البحث. وقد لا يبعد أن يكون في ما يقولون نصيب ضئيل من الحق.
стр. 3199
ونحن قد نظن أننا إذا استطعنا أن ننشئ في المجتمع الإنساني الحاضر طائفة كبيرة من وسائل التحصين ومقاومة قوى الطبيعة الخشنة. قد تمكننا من الفرار من قوانبن الحياة، فنحن نميل عند النظر إلى الزواج إلى اعتبار الواجب الأول في الزواج. والقصد الأكبر منه سعادة الزوجين وهناؤهما الشخصي. ونحن لا ننكر أن الزواج الإنساني في أبدع أدواره. مصدر لذة نقية عظيمة ممتعة. ولكن الهناء أنما يأتي بطريقة غير مباشرة ولا ينبغي أن يكون هو الغرض الأول المباشر. لإننا إذا عددنا سعادة الزوجين بين الناس المقياس الأكبر لنجاح الزواج فكأنما وضعنا المركبة أمام الجواد. لا الجواد أما المركبة. وكأنما قد أغفلنا الغرض. ولم نعتد إلا بالواسطة. وإذا أخذنا بهذا المبدأ. فثمت خطر كبير. وبلاء أعظم. وهو وقوفنا في منتصف الطريق الذي أرادتنا الطبيعة على أن نسير فيه حتى نبلغ نهايته. وما كانت السعادة في الزواج إلا أشبه شيء بسياج من أشجار الورد ومختلفات الأزاهر قد امتد على طريق الحياة. ليرسل أنفاس الشذى العطر ويثير الأرج الندى. فيخفف من وعثاء السفر وشقة الطريق. ولكن لا ينبغي أن نضل الطريق ونقف عند كل زهرة فنقتطفها. وندفع إلى كل وردة زهية ننتزعها من شجرها. وليست السعادة في الزواج كذلك إلا أشبه بالجزاء الطيب الذي يناله العامل الحاذق على واجب شاق يؤديه وعمل مستصعب ينفذه، ولكن في سبيل بقاء النوع ينبغي أن نحتمل الآلام والمتاعب والنفقة في سبيل إيجاد الذراري. وإن لم نصب هذا الجزاء الذي لقيه العامل الكادح. لأن السعادة ليست أمراً ضرورياً. ولا شأناً في الحياة لازماً. وقد أثبت ذلك كثيرات من الأمهات الرؤوفات. إذ ربين أطفالهن فأحسن تربيتهن. على حين كانت معيشتهن الزوجية سيئة أليمة. ولم يكن اييسن وسترندبرج وأشياعهما على شيء من حسن النية إذ وضعوا للزواج قيوداً وحدوداً. فإن تلك المبادئ الكلبية إنما تقوم على حب اللذة. والرغبة عن واجبات عن واجبات الزوج. ولكنها على الرغم من ذلك قد أعانتنا على أن نرى هذه لمسألة الاجتماعية الكبرى بنور اليقين. ونستوضح بها الشبهات.
وإذا نحن نظرنا إلى الزواج في الإنسانية الحاضرة فلا يسعنا إلا الاعتراف بأن الزواج العصري مريض ضعيف لا نجاح منه ولاصلاح. فإن عدد الأنانيين من الشباب والمحبين أنفسهم من الفتية وأطفال الإنسانية الكبار الذين ينعمون بالعزوبة. ويرونها خيراً متاعاً من
стр. 3200
الزواج. لا يزال آخذا في الازدياد. مربيا على عدد الذين يؤدون أكبر الواجبات الإنسانية المحتمة على الجنس في سبيل بقائه. فإن هؤلاء متناقصون في كل يوم. منزوون. آخذون في القلة والاضمحلال.
هذه هي الحقيقة الواقعة في العالم المتحضر كله في السنين لأخيرة، فإن الرفاهية وتكاثر أنواع النعمة. وازدياد ألوان الترف. وحشد المصانع ألوفاً من ضروب البهجة واللذة، قد أفسد على الإنسانية عملها الأول. وبث في شباب العالم روح الأنانية اللئيمة القذرة الثوارة المستبدة. وجاء الكتاب الأدعياء. والشعراء الأخساء، ضعاف القلوب والأبصار فراحوا يعلمون الناس أن الزواج يحول بين الرجل والمرأة وبين تنمية شخصيتهما. وتهذيب قواهما السامية. وآخرون أشد من أولئك كلبية وأنانية يقولون أنه يحول بينهما وبين النجاح في الحياة. ولا يكون مآل ذلك إلا أن الفرد يصيب اللذة. ولا يصيب المجموع إلا الفناء والانقراض. والفتى الحدث يعلم انه مدين بوجوده في الحياة لآبائه وأجداده. ولكنه من الأنانية وحب ذاته بحيث لا يرد أن يحمل مصباح الحياة فيمشي به إلى الأجيال القادمة كما حمله آباؤه من قبل.
ونحن قد رأينا من خلال صحائف التاريخ أن جملة من أكبر المدنيات التي ظهرت في العالم تهدمت ودالت دوائها وبادت. لأن العمل على بقاء النسل، والاحتفاظ بالجنس، ضعف في قلوب أهلها وغلبت عليه أميال أخرى. وقهرته رغبات ونزعات متباينة. ولم يقتل مدينة الإغريق. ويحطم حضارة الرومان. إلا قلة الزواج في أخريات أيامها. وولوع الناس من العاهل إلى أحقر رجل في الصفوف الرومانية، بجميع وسائل الحيوانية. واشباع الشهوات. وكثرة ألوان الرفاهية والترف.
وهذه النكبة التي وقعت لتلك المدنيات القديمة تكاد تحف اليوم بحياة العالم المتحضر. ولا تزال الإنسانية سائرة في الطريق التي سارت فيها اليونان ورومة القديمة. فقد جن جنون الناس رجالاً ونساءاً اليوم بحب المال. والتهالك على كسبه. والتنعم بلذته. وإيجاد ألوف من وسائل الترف واللذاذات. حتى أصبح سواد شباب الإنسانية يؤثرون العيش في ظلال العروبة طوال حياتهم.
ونرى كبار الشعراء والروائيين يمجدون الحب الذ يؤول الحب الزواج، وبتمجيدهم الزواج
стр. 3201
من ناحية العاطفة إنما يتفقون المفكرين والعلماء الذين ينادون الناس إليه من ناحية الغريزة ويقاء النوع. لأن هؤلاء يرون أن الفرد يجب أن يخضع لمطلب المجموع. ولو درسنا الزواج من الناحية العلمية. لم نجده ضرراً للإنسانية أو أذى. وليس فيه ما يحول بين الفرد وتنمية قواه وذاتيته. وليس عائقاً دون النجاح في الحياة. لأن أوفا من المتزوجين استمدوا من الزواج ومطالب الأسرة والعناية بابنين. وتربية الأطفال قوة كبرى وكدحاً أعظم. وأنك لترى الذئب الوحيد أشد الوحوش شدة وحولا إذا عضه الجوع بنابه. ولكنك ترى كذلك الذئب ذا الجراء والصغار يطلب غذاء أشد منه وحشية إذا استنفره. وتلك حال الناس حذوك مثلاً بمثل. فهم أشد كدحاً وأدأب على العمل. وأجلد على العناء إذا كانوا يعملون لأنفسهم وأطفال لهم وزوجات في ذمتهم منهم إذا كانوا طليقين أعزاباً منفردين بذاتهم.
ولم تقل الطبيعة بأنه لا بد لارتباط الجنسين، المرأة والرجل، والذكر والأنثى، من وجود مصدر لذة كبرى للأبوين بل أرادت أن تكون الغاية من إنشاء الذرية أسمى من ذك وأعظم. بل في كثير من طبقات الحيوانات الدنيا نرى الطبيعة تضحى لأب أو الأم في سبيل الطفل، ولبقاء النوع، فإن الحشرة المسماة دودة القز لا تلبث أن تموت إذ توشك أن تضع أفراخها، وتترك عند موتها غطاء جمها ليكون غلافاً واقياً لنسلها، ومن هذا ندرك أنه إذا كانت مصلحة النوع تتوقف على مصلحة الفرد من ناحيته، لا تزال مصلحة النوع تتطلب من الوجهة الأخرى بعض التضحية من الفرد، على أن النصيب الأكبر من المتاعب في عالم الحيوانات الدنيا لا يزال واقعاً على الصغار، وهذه تبيد في أغلب الأحيان ألوفاً ألوفاً، فإن الحوت قد ينتج أكثر من مليون بويضة ولكن لا يعيش من هذا المقدار العظيم إلا الألف أو أقل من ذلك قدراً، وقد أرادت الطبيعة أن يكون أكثر طبقات الحيوانات الدنيا أشد حناناً على صغارها من فريق كبير من أهل المدينة الذين يعتزون بأنهم أصابوا المكانة العليا على الحيوان، فإن عدد اللقطاء الذين يلقون على قوارع الطريق، من وراء الارتباط الأثيم، وإغواء العذارى العفل، وخديعة النساء المتزوجات، لا يزال معرة إنسانية كلها، ومن أقسى الحقائق التي اهتدى إليها الاحصائيون أن موالي الأطفال المزنمين غير الشرعيين أقل من الأقاليم الجاهلة التي جادت فيها الأمية، وفشى الجهل، وضعف مستوى الحضارة، عنها في البلاد المتناهية في المدينة، التي أدركت أوج التهذيب، فإن عدد أولئك المواليد في بلاد مثل
стр. 3202
الروسيا وإيرلندة ومقاطعة بريتانيا لا يكاد يذكر بالنسبة لعددهم في البلاد المتحضرة المجاورة لهم، وإليك
إحصائية عن نسبة المواليد المزنمين غي الشرعيين في كل ألف طفل يولد
الدانمارك ١٠١
السويد ١١٣
النرويج ٧٤
النمسا ١٤١
ألمانيا ٨٤
فرنسا ٨٨
اسكوتلندة - ايقوسيا ٦٤
انجلترة ٤٠
ايرلنده ٢٦
روسيا ٢٧
من هذه الأرقام تدرك أن التعليم والتمدن والحضارة والرفاهية أسباب كبرى لتكاثر الزنا والارتباط الأثيم والولادة غير الشرعية.
وإذا كنا الآن على أبواب انتقال جديد في الحياة وتطور اجتماعي طريف، فما أخلقنا بأن ننمي فكرة الزواج والاقبال عليه بين الشباب والرجال، وبين العذارى والفتيات لأننا تابعنا تيار المدينة، ورضينا بأمراضها تعمل في كياننا، وعللها تسري في مجموعنا، فلا يكون من ذلك إلا أنقع في نكبة اجتماعية أليمة، ولا نستطيع أن نستفيد شيئاً من هذه الحياة الجديدة التي نحن اليوم مقتحمون أبوابها، قاصدون إلى حيث نعيش أمة محترمة متينة البنيان. (ع. ح)
стр. 3203
غراميات ديزرائيلى
بنيامين ديزرائيلى - ايرل لوف بيكونسفيلد
حامل لواء الأدب والسياسة، ورئيس الوزارة الانكليزية
والروائي الأعظم في أواخر القرن الماضي
فصل من حوادثه الغرامية السرية
من ماثور كلمات بنيامين ديزرائيلى قوله: أنى مدين في كل شيء للمرأة، وإلى تأثيرها فيّ وسلطانها علي يعزى كل ما أوتيت من الفخار والمجد والذكر وكل ما صادفت من النجاح والفوز. وإذا كنت لا أزال في هرمي أحمل قلباً فنيا. ووجداناً ضرماً ذكياً ولا أبرح تحت وقار الشيب وجلال الشيخوخة أقلب لسان شاعر متخيل، وعاشق منعزل. وأقول مع القائل:
يا هند ما شابرفتى ... وإنما شاب الشعر
فذلك أيضاً راجع إلى تأثير المرأة.
في هذا الاقرار الصادر عن إمام البلاغة والسياسة تعليل شاف لما امتازت به شيخوخة البطل العظيم من حوادث الحب العجيبة، وروايات الغرام المدهشة الغربية.
كان ديزرائيلى في كل أدوار حياته سريع الافتتان بجمال المرأ مفرط الولوع بملاجائها فكان لا ينفك من شغف بالنساء، وحنين إليهن وطرب إلى محادثتهن ومغازلتهن بل هيام في اثرهن، واقتناص وشواردهن. وكل ذلك كان بعلم من زوجته التي كانت تطيب نفساً عن ذلك وتتسع به صدراً. وكانت صنع الله لها وله أر قلباً واكرم شيمة من أن تكدر على زوجها العبقري صفوه في أمر ليس فيه عليها كبير شقوة ولا بلاء. ولا جرم فلقد كانت تنطوي على شيء من البطولة، فكانت لغرائب خصائص الأبطال أفهم من طبقة العاديات من النساء. ولشواذ نزعات العظماء أفطن وأخبر. وهي بما أوتيت من طبيعة البطولة مليئة أن تجل النابغة العبقري - زوجها - وتقدسه واهبة له تلك الهفوات (إن صح أن نسميها هفوات) التي هي أبداً من مستلزمات البطولة والعظمة - بل التي هي أس البطولة ومادتها وبها غذاؤها ونماؤها وعليها مدارها وقوامها. وكانت زوجة ديزرائيلى هذه أرملة أحد أحد زملائه السياسيين أورثها مالاً جماً، وعقاراً كثيراً فاقترن بها ديزرائيلى وهو ابن أربعة وثلاثين. وكان يقول لها ممازحاً إنما أغراه بزواجها مالها وثروتها.
стр. 3204
ولكن اللادي بيكونسفيلد (زوجة ديزرائيلى) صرحت مرة في بعد أحاديثها لاتراب لها كلا والله ما كان اقتران بنيامين بي لطمع في ثروتي. وكيف، ولقد كان يبدي شوقه لي وغرامه في حياة زوجي الأول. لقد عاش ديزرائيلى وزوجته ثلاثة وثلاثين عاماً في صفاء ورخاء. وكان قد بلغ من فرط حبها إياه أن جعلت تدخر قصاصات شعره طول مدة حياتها الزوجية وكانت تقص شعره بيديها كل أسبوعين أو ثلاث.
والرسالة الآنية وهي ما كتبه ديزرائيلى إلى زوجته أثناء تأليفه مأساته المشهورة الاوربوس تنم عما كان يجد لها في أعماق قلبه من شدة الغرام والوجد. وهاهي لقد أدمنت أمس الكتابة اسحّ بها سحاً، وأهضب بها هضبا. ولقد والله جعلت أصب في فصول قصتي الخيالية وجداناتي الشخصية، ومشاعري الذاتية. فجاءت وكأنها قطعة من حياتي الماضية، وشعبة من عيشتي الخالية. يوم أطارحك الغرام. وأجاذبك أسباب الهوى. فإذا نظرت في تلك الصحف وجدتها مرآة ماضيك وصدى ذكرياته. وإذا تلوتها تلوتها بمهجة واقدة، وأنفاس صاعدة، وبحشاً خافقة، ومقلة مغرورقة. وكيف وقد كنت أكتبها وشخصك مرتسم على صفحة جناني، واسمك يرفرف على أسلة لساني. ولا غرو فمن غيرك ملهمي - إذا تناولت البراعة - ومصدر وحيي وشيطاني.
لم يكد يمضي على وفاة هذه الزوجة نصف عام حتى رأينا صاحب الرئاسة وداهية الحكام والساسة، يحرر الرسائل الغرامية لامرأتين كانتا في تلك الآونة جدتين لهما أولاد وأحفاد. وكان في ذلك الحين قد أربي على الثامنة والتسين، ولكن رسائله كان بها من حرارة الوجد وسعير الجوي ما أدهش معشوقتيه واستثار أقصى عجبهما. وكانتا أختين: اللادي شترفيلد والكونتيس سبلبنا اوف برادفورد. وكانت الأولى قد أنافت على السبعين ولكن التي شغف بها ديزرائيلى وهام، وراح فيها نهب الوساوس والأوهام هي اللادي برادفورد التي كانت متزوجة وقد ناهزت الخامسة والخمسين. وكقد كان من فرط وجده بها أنه بعث إليها بمائة وألف رسالة. وكان يبعث لها في سحابة نهار بالخمس والست من الرسائل على أيدي رسل مختارة كان يقول عنهم في كتبه إلى السيدة المذكورة وإن رسلي لعبيدك ورق بين يديك لا فرق بينهم وبين سيدهم صبك المنيم، وهم تحت أمرك واقفون ببابك من الشروق إلى الغروب.
стр. 3205
ويدلك على فرط لوعته في الغرام. وشدة التهاب غلته في الهيام الرسالة الآنية وهي ما كتبه السياسي الداهية إلى اللادي برادفورد عقب تقلده منصب رئاسة الوزارة للمرة الثانية بثلاثة اسابيع، وكانت السيدة المذكورة قد أزمعت مغداة لندن مع أختها لمدة لا تتجاوز الاسبوعين فوجد لو شك هذا البين من شدة الكرب وفرط الجزع ما أجري براعة بالكلمة الآتية:
أتعلمين يا فتنة العالم وزينة الدنيا إنك ما كنت قط أجمل ولا أملح منك مساء هذا اليوم. وأما لو استطعت وساعدني القدر لجلست إلى يوم القيامة ألتهم بعيني بدائع جمالك، وذني روائع مقالك. ولكن كان ينغص علي لذتي، ويكدر صفاء نعمتي علمي. إن هذا اللقاء إنما كان لوداع. وإن الفراق كان رهيناً بذلك الاجتماع
حجبوها حتى بدت لفراق ... كان داء العاشق ودواء
أضحك البين يوم وذاك أبكى ... كل ذي لوعة وسرّ ساء
فجعلنا السلام فيه وداعاً ... وجعلنا الفراق فيه لقاء
والظاهر أن اللادي برادفورد احتجت على طغيان صبابته، وأنكرت منه غلواء هيامه وسورته، حتى كتب إليها ديزرائيلى رداً على إنكارها واجتجاجها الرسالة الآتية:
ما أحسب أني كنت في مكاشفتي إياك الهوى ومصارحتي ما شفني من الجوى بمتجاوز قدرى، ومعتد حدى وطورى. وكيف ولم أبغ منك قط أكثر من مجالسة الأصحاب. ومؤانسة الأحباب. ولا حاولت أزيد من الماس القائل:
أتأذنون لصب في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر
فإذا بلغت هذا كل غاية ما أريد. فلم أطمح إلى ما دونه ولم أقل هل من مزيد. فجنبيني يا قرة العين وعيدك بالحرمان. ولا تروعيني بنذر الصد والهجران، فما أراني أهلاً لذلك، ولا مستوجباً مساءتك وأذاك، وعلى كل فلن يكون مني بعد اليوم أدني ما يسخطك ويسؤوك.
ثم مشى بالصلح بينهما وجاءته رسالة من معشوقته سلينا لادي برادفورد تنبئ عن العفو والرضا. فكتب إليها:
قرأت كتابك فأبرأ علتي، وشفى غلتي
وكان ألذ في نفسي وأندى ... على كبدي من الزهر الجنى
وضمن صدره ما لم تضمن ... صدور الغانيات من الحلى
стр. 3206
وأقاما حقبة من الدهر بين صلح وخصام، ونفار ووئام، وان شأنهما في الحب لعلى حد قول القائل:
لا خير في الحب وقفا لا تحركه ... عوامل اليأس أو يرتاحه الطمع
وقول الآخر:
إذا لم يكن في الحب عتب ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
ومن أعجب العجائب له أنه بينما كانت أعباء السياسة تتراكم على كاهل السياسي الريب، وجو الحوادث مظلم مكفهر كنت تراه في هذا المأزق الصنك واليوم العصبصب يوالي الرسائل إلى اللادي برادفورد كأمثال الرسالة الآتية:
لا أكذبك يا مولاتي أنه لا حياة لي إلى برؤيتك. ولا بقاء لي إلا بسماع صوتك ونغمتك. أو تلاوة كتابك ورسالتك.
أحمد الله الذي مد في أجلي حتى نعمت بفجر الحب وضحاه، وبيكرته وممساه. وبسحره وأصيله. ومغداه ومقليه.
ألا ان رؤيتي إياك في المجلس الحافل للذة متميزة عن سواها علي أن خلوتي بك ممتعة مغايرة لتلك لست على ممر الدهور أنسها. ولكلتيهما بعد مذهبها الخاص من الروح ومجراها كنور القمر وكالشمس في ضحاها. . .
وأعجب ما في غراميات ديزرائيلى أنه لما يئس من رضا اللادي برادفورد خطب أختها الكبرى اللادي شترفيلد محتجاً لذلك بقوله سأعتنق إحداهما كزوجة لي وأعتنق الأخرى كشقيقة.
ولكن اللادي شيستر فيلد أبت ذلك لاعتقادها أنها لم تكن تشغل من قلبه المكان الأعلى.
أما رسائل السيدتين إلى ديزرائيلى وحقيقة شعورهما نحوه فهذا لم ينتشر تحقيقه وتثبيته. ولن يتيسر. وذلك لأن رسائلهما إليه أحرقت عقب وفاته طبقاً لمرادهما ورغبتهما الصريحة. على أن نعلم أن اللادي برادفورد كانت لا تغالي بشيء مغالاتها بفوتوغراف صغير لديزرائيلي كانت أهدته إليها الملكة فيكتوريا التي كانت يسمسه ديزرائيلي الحورية.
ولم يفتر شغف الرجل بالنساء حتى في أخريات عمره بل بقي إلى ذلك الحين طلابا للغواني وحريصاً على مجالستهن حتى آل الآمر أخيراً إلى أنه ألف نادياً منة صويحباته
стр. 3207
كان له اللذة الكبرى والنعمة العظمى. . . .
стр. 3208
باب الزراعة
حقائق في سقى القطن
حينما كان الري الصيفي أكثر بالروافع (الآلات) وكان من لا روافع عندهم يسقون أقطانهم على روافع جيرانهم بأجر كان اكثر ما يكون ذلك مسانهة وعلى أن يسقى القطن منذ زراعة البكيرة إلى مجيئ الفيضان تسع ريات تعطى في المواعيد الآتية بالتقريب
السقية الأولى في ٢٠ فبراير وهي سقية الزراعة سقياً خفيفاً
السقية الثانية في ٢٠ مارس وهي سقية المحاياة سقيا أشفاقاً أي خفيفاً جداً
السقية الثالثة في ١٥ إبريل سقيا خفيفاً
السقية الرابعة في ١٠ مايو سقيا متوسطاً
السقية الخامسة في أول يونيو يميل إلى الإشباع
وفي اثناء هذه الريات الخمس يعزق خمس عزقات الأولى بعد الزراعة وقد تعزق الثانية أيضاً بعدها وقبل المحاكاة وكلاهما عزقا خفيفاً والثانية منهما نسمى (ردة) - ثم عزقة بعد المحاياة عزقة متوسطة ثم عزقة بعد السقية الثالثة ثم عزقة بعد السقية الرابعة وهي العزقة الأخيرة.
السقية السادسة في ١٥ يونيو سقياً متوسطاً يميل إلى الإشباع
السقية السابعة في اول يوليو سقياً اشباعاً
السقية الثامنة في ١٥ يوليو سقيا اشباعا
السقية التاسعة في أول أغسطس سقيا اشباعاً
وقد تحرث خطوطه قبل السقية التاسعة حراثة تسمى تكتينا وفائدتها فتح التربة (بعد أن تكون بلطت من كثرة السقي) لقبول السقي الغزير.
وبعد السقية التاسعة يكون جاء شهر مسرى والفيضان فيمكن السقي سجا بالراحة ولكن لأن القطن يكون حينئذٍ قد استوفى حياته الزهرية فيمنع عنه السقي إلى أن يحنى أول جنيه ثم يسقى بعدها سقية غزيزة بحيث يرصد الماء فوق التربة نحو ٢٤ ساعة فيتلو ذلك تناثر ورق القطن وتخصيب لوزه وإسراع انضاجه.
وكان البعض يسقيه أكثر من تسع سقيات بأن يقلل الفترة بين السقيات في شهري يونيو
стр. 3209
ويوليو - بؤنه وابيب - سيما في الأخير منهما فيجعلها ١٠ أيام خصوصاً في الأرض العلو وبالأخص إذا كانت صفراء خفيفة.
وكان أصحاب السواقي المعين يسقون أقطانهم سبما في الغيطان الصغيرة منذ نزول النقطة إلى قبيل الفيضان كل ٨ أيام مرة ويتحرون اجراءها طرفي النهار وعامة الليل أي من بعد العصر فقبيل الضحى ويمتنعون عن سقيه أيام الحرارة الجافة وخصوصاً إذا كانت ظهرت عليه إمارات العطش لأن سقيه حينئذٍ يكون مفاجأة مضرة به فيتناثر وسواسه وزهره.
والخلاصة أن القطن بدء نموه يجب أن يكون سقيه خفيفاً وفي فترات متباعدة ثم لعد تنشئته وترسيخ جذوره يزاد سقيه زيادة تتناسب مع زيادة نموه وزيادة حرارة الجو إلى أن تتم حياته الزهرية.
والمعروف في العرف الزراعي أنه كلما كثر ري القطن في الصيف تطبيقاً للقواعد السابقة سيما في شهري بؤنه وابيب (يونيو ويوليو) كان ذلك أفعل في تكثير طرحه وتكبيره وتجويده وقد ألبدت التجارب الحديثة ذلك.
وفي الجهات البحرية التي تصرف صرفاً جيداً قد لا يمنع السقي أوائل الفيضان سيما في الغيطان التي لم يكن استوفي نباتها حياته الزهرية استيفاء مناسباً لإعطائه محصولاً كافياً سواء كان ذلك من تأخير زرعه وأضعف تربته وفلاحته وإذن يلزم سقيه مرة او مرتين سقياً خفيفاً متقارباً وفي اوقات الطراوة بشرط أن لا تزيد المدة بين السقية السابقة واللاحقة عن ١٠ - ١٢ يوماً وكذلك يعمل للقطن في الجهات الجنوبية وما صاقيها إذا لم يكن استوفى حياته الزهرية تماماً كما يحصل في الغيطان المتأخرة زراعتها أو التي ظمئت في الصيف ويجب أن يكون هذا الري النيلي والتربة سخية من أثر الرية السابقة وأن يحصل في اوقات الطراوة
أحمد الألفي
стр. 3210
تفاريق
تناسل اللؤلؤ
هل للؤلؤ أطفال
يتساءل الناس هل اللؤلؤ حيوان حي، وهل تأكل وتتوالد؟ - تلك هي الأسئلة التي كثيراً ما خطرت على أذهان كثيرين من الناس. ولكنهم لم يجدوا لها جواباً حتى نشر رجل من كبار رجال المغرب غرائب عدة عن طائفة اللالئ. كانت في حوزة زوجته. فأدرك البعض منها ما يسكن من حدة حيرتهم.
أما الرجل فهو السير ارنست بيرس وهم من الحكام الذين ولوا على الهند وما جاورها. وقد أكد أن هذه اللالئ منذ استحوذ عليها لم تزدد فقط في الحجم بل ظلت كذلك تتناسل وتتوالد وتتكاثر. وقد قال في ذلك:
عندما كنت حاكم يورينو عام ١٨٩١ خرجت يوماُ لركوب البحر. وإني لجالس في زورقي إذ دنت من الزوارق امرأة تحمل في يدها كيساً مفعماً باللؤلؤ تريد بيعه فنزلت لها عن ست جنيهات وابتعت اللالئ بها. وكانت تلك اللالئ صغيرة، لا تزيد كبراها حجماً عن راس الدبوس.
فلم أعبأ باللالئ كثيراً يومذاك بل طرحتها في مكان ونسيت ما كان منها بتة ومضت خمسة اعوام فإذا بزوجتي قد وجدتها في مكانها المخبؤة فيه. ولشد ما كان عجبنا إذ رأيناها كبرت حجماً وتكاثرت عدداً!!
قال السير ارنت برس - فأخذتها إلى رجل جوهري أسأله الخبر فلم يستطيع أن يحل هذا السر ويفك إغلاق هذا السر العجيب، فأعدتها إلى زوجتي فصنعت من بعضها حلياً وأبقيت البعض الاخر - كان الصائغ أخبرنا انها ليست بذات قيمة - وانصرمت عشرون عاماً. ومن العجب أن أصبحت بعد ذلك من لكثرة بحيث تكفي لصوغ عقد ذي مائتي لؤلؤة! وما بقي من تلك اللالئ كان من صغر الحجم بحيث لا يصلح لشيء من الحلي. فما كان منة زوجتي إلا أن أخذت تلك الصغار فوضعتها في كيس صغير. ووضعت معها قليلاً من حبات الأرز فلما مضت خمسة أعوام فتحنا الكيس فإذا بها قد زادت كذلك وكبرت ونمت. وأعجب من ذلك أن السير ببرس قد جمع اليوم من تلك اللالئ القليلة التي ابتاعها يومذاك
стр. 3211
أكثر من أربعة آلاف لؤلؤة. . . .
عجائب الطبيعة
وحيرة الإنسان في حل أسرارها
الطبيعة ملآي بالأسرار وهي تضع رموزاً يحار الإنسان في حلها. ولها ألف عجيبة وعجيبة يظل أمامها شارد اللب لا يدرك لها حكمة أو سبباً.
أليس من عجائب الطبيعة أن نري الغربان وهي ترف فوق الأفنان. أو تستريح فوق السرحان. أو في الحقول. فتق الأرض والنبات - لا تزال تندب من صفوفها حارثاً يقف عن كثب ديدبانا يرقب أي خطر. فإذا رأى ثمت ما يخشى على الجمع منه نبه اخوانه إليه فطار السرب جميعاً. فكيف أدركت الغربان وجوب الحراسة وندب الديدبانات هذا ما نحار في إدراك كنهه.
ولا يتنس ما يكون في الحدأة، فإنك إذ تطلق أول طلقة من قذيفتك ترى الحدآت أسرع ما يكن إلى الطير في الفضاء رعباً وهولاً. على أنها تصل إلى مكان بعيد في الهواء تدرك منه أن رصاصتك لا تصل إليها تقف حينئذٍ في مكانها ولا تبرحه! وإن استرسلنا نطلق الرصاصات تلو الرصاصات. . . . فكيف علمت تلك الطيور أنها في نجوة من الخطر ومأمن؟
ونحن نعلم أن الديك الرومي أشد مخلوقات الله نفساً مغرورة، وعطفاً تياها، ونفخة مزهوة. وهو طائر قوي متكبر جارح عداء، إن لم يجد شجاراً خلق شجاراً. وإن لم يقع له التنافر أبي إلا أن يكون متنافراً. على أنه أول طائر يجري إذا استحر القتال وحمى وطيس الشجار. فكيف إذا أتيحت له هذه الطبائع المتناقضة وكيف ركبت فيه الطبيعة تلك الخصال المتعارضة؟ هذا ما لا نستطيع أن نفهمه.
стр. 3212
حول حفلات البيان
التمثيل - وليس يدافع في ذلك اثنان - فن من فنون الآداب الرفيعة، بل هو القمة الباسقة التي انتهى إليها الأدب في هذه العصور، لأنه أعم الآداب شيوعاً وأقربها مثالاً وأخابها لنفوس الجماهير وأصدقها بعد ذلك أثراً، ومن هنا كان واجباً حتماً على كل من يستطيع إلى ذلك سبيلاً، أن يأخذ بناصره، وأن يسمو به نحو الكمال والغرض الأسمى الذي وضع لأجله.
وان من يلقي نظرة على حالة التمثيل عندنا اليوم يرى أن التمثيل الجدي النافع قد اختنق اختناقاً وتضاءل ثم تضاءل حتى ذهبت به وبرجالاته روح العصر وكشكشيانه، وشردت أهليه في البلاد تشريداً، فكان ذلك مما حدانا - لتلك الصلة التي تواخي بين عمل البيان وبين التمثيل - على التفكير في انتقاء روايات تمثيلية يتساوق مع روح العصر، بديعة المنحنى بدعة نبيلة المغزى - أخاذ بالنفوس، طيبة الأثر في الأرواح - ثم اغرار الجمهور الذي تهافت على هاتيك الكشكشيات تهافتاً شديداً حتى استبدت به وملكت عليه أمره وأورثته هذا الفساد المقيت الذي نضج منه ضجيجاً - بالإقبال على مشاهدة هذه الراويات النافعة والاستفادة منها ومن المعاني السامية التي تنطوي عليها وتطلع النظارة من تضاعيفها، فنقلنا من الفرنسية إلى العربية رواية نبي الوطنية أو الرسول ثم راوية القناع الممزق، وكلاهما من الروايات الخالدة التي أصابت من الجميع أقصى غايات الاستحسان، ثم مثلنهما - الأول في دار التمثيل العربي بواسطة حمعية أنصار التمثيل تحت رئاسة حضرة صاحب المعالي أحمد حشمت باشا وزير المعارف الأسبق، والثانية في تياتروبرنتانيا بواسطة النجم الأبيض تحت رئاسة أمير الشعراء أحمد شوقي بك، وكل من وزيرنا الجليل وامير الشعراء قبل هذه الرئاسة عن طيبة خاطر واستحساناً منهما بهذا العمل وغيرة منهما بعد ذلك على البيان، وتقديراً للجهاد الأدبي الأكبر الذي جاهده ويجاهده صاحبه. فكان ذلك - وأقيمت هذه الحفلات على النحو الذي لم يسبق إليه، وتلاقى فيها الجمال بالجلال، وما يروع الخاصة بما يستوهي الكافة إذ بينما تشاهد تمثيلاً تراجيدياً آية في الروعة والسمو إذ يُنتقل بك إلى قطعة كوميدية مضحكة تروح عن النفس ثم إلى أنشودة موسيقية مبتكرة من أنبغ موسيقى الدهر، وهلم مما أصفق جميع من حضر هذه الحفلات على أنها تضطر الناس على اختلاف نزعاتهم وامبالهم إلى مشاهدتها اضطراراً.
стр. 3213
وبعد فهذا ما نقصد إليه قبل كل شيء من حفلات البيان - نهوض بالفن وترغيب للناس في التمثيل الجدي النافع ومران للنوادي والجمعيات التي رصدت نفسها لأحياء الفنون الجميلة، ومساعدة لأرباب المراسح والممثلات ومن إليهم - كل إولئك هو الجنى الطيب والأثر الصالح الذي تثمره حفلات البيان. . . . . على أنا إذا كنا نبغي بعد ذلك ربحاً مادياً للبيان - وإن كنا يعلم الله لم نجن من وراء هذه الحفلات شيئاً مذكوراً إذ أن أجور المراسح والممثلات وأدوات التمثيل ونفقات الإعلانات وما إلى ذلك مما لا يستهان به - فمن الذي يعيينا أو ينتقصنا ويصغى أناءنا بذلك - وهل كان يعاب شكسبير وهو الشاعر المخلد عند تلك الأمة على انجازه بالتمثيل وهو القائل: - إننا نكتب ونكدح لنعيش - أظن لا يوجد من يعيينا على ذلك إلا أولئك الزعانف الذين أكلت صدورهم من الحقد. أولئكم الحيوانات الصخابة الجائعة التي تدعي أن بها نعرة صحفية والحقيقة بها نعرة معوية. . . والتي لا تطيب لها الحياة إلا بامتصاص الدماء الفاسدة ولا يحلو لها العيش إلا بتمرير عيش الناس والقدح في أعراضهم وإنما هي صرخات معدهم وصواعق بطونهم - تلكم الحشرات الخبيثة السامة التي أبت الأقدار إلا أن تغريها بكل شيء طيب نافع لسر من الأسرار التي عند الله علمها. ولكن لا. لا. لا عتب على الشرير. لا مبالاة بالضيل الحقير، لا اكتراث بالجائع الذي يدور مع الدينار، أينا دار، كعباد الشمس فيمدح من لا يستاهل المدح كما يُمدح الله ويهجو أهل الفضل كما يهجى شر خلق الله، قل كيف شئت أبهذا المخلوق الدنيء
قل كيف شئت وأن تشأ ... وأبرق يميناً وأرعد شمالا
نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقادذيره أن ينالا
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولقرائنا الكرام
стр. 3214
مطبوعات جديدة
باحثة البادية
لقب على فقيدة النهضة الفكرية الحديثة في مصر المرحومة ملك هانم كريمة فقيد اللغة والأدب المرحوم حفني ناصف بك وقرينه حضرة صاحب العزة السري المفضال عبد الستار الباسل بك، وصاحبة كتاب النسائيات. والموضوعات الاجتماعية المفتنة المنوعة التي كانت تنشر بإمضاء (باحثة البادية) في الجرائد اليومية والمجلات المصرية. وقد كتبنا في السنة السادسة لمناسبة انتقال الباحثة إلى جوار ربها نبذة صالحة أبنا فيها عن مكانة المرحومة من الأدب والتفكير المهذب المستنير. وعددنا وفاتها أكبر رزء اصاب (الكلتور) المصري. وكنا نود وقتذاك ان ينهض من بينا زعيم من زعماء الحركة الفكرية فيكتب عن باحثة البادية كتباً فياضاً يحلل فيه شخصية الباحثة وكفاءتها ومواهبها والمركز الأدبي الذي كانت تشغله بيننا. وها هو اليوم قد حقق الله آمالنا واكثر من آمالنا بظهور كتاب عن الباحثة يكاد يكون منقط النظير، ذلك هو كتاب (باحثة البادية) بقلم الآنسة (مي) الواقع في زهاء مائتي صفحة، المطبوع على ورق ناعم جبد أطيب طبع وأنقاه - أما الآنسة مي فهي الآنسة ماري زيادة كريمة الياس زيادة بك صاحب جريدة المحروسة التي توقع ما تكتبه عادة بتوقيع (مي). والآنسة لا تخفي على أحد من قراء العربية، وليس بهم حاجة فيما نرى إلى تعريفهم بها وبفضلها وأنها من النبوغ والألمعية والذكاء المتوقد والشخصية الممتازة وقوة الملاحظة والتفكير الحي المبتكر المتوثب بحيث لجميع الناطقين بالضاد أن يدلوا بها ويرفعوا رؤسهم عالية فخاراً بوجود مثلها بينهم، وتفاؤلاً بالخير العميم الذي سنناله من وراء وثبة الشرقيات - وآية ذلك ما نراه اليوم في هذا الكتاب الذي بين أيدينا - كتاب الآنسة مي عن باحثة البادية - وليتصور القارئ الكريم ماذا تكون قيمة ما تكتبه عن كاتبة كاتبة مثلها، هاتيك منزلتها. ونحن لو طاوعنا القلم واسترسلنا مع ما يجيش في الصدر نحو هذا الكتاب القيم لاستوعبنا صفحات عدة من صفحات البيان بيد أن نجتزئ بهذه الكلمة الصغيرة اليوم على أن نعود ونكتب كلمة كبيرة عن هذا الكتاب الكبير وكاتبته الكبيرة الآنسة مي في فرصة أخرى - والكتاب يباع في جميع المكاتب وثمنه ١٢ قرشاً صحيحا
النشرة الاقتصادية المصرية
стр. 3215
لا يوجد عندنا مع السف مجلات أسبوعية على نحو مجلات الغرب الأسبوعية وكأنا بالرجل الفاضل ألهام منصور صدقي بك وقد فطن إلى هذا الفراغ العظيم فأبت عليه همامته إلا أن يملأه بحق بتلك المجلة الاقتصادية الأدبية الأخلاقية المصورة التي لم يسبق إلى مثلها فيما نعلم، وفاجأنا بها مفاجأة بهرت الأنظار، وأصابت منا أقصى غايات الإعجاب والإكبار - مجلة كبيرة في حجم كبير تقع في نحو أربعين صفحة ويكتب فيها كتاب أفاضل كبار يقوم فيها بتصوير الصور الهزلية البديعة مصور مصري نابغة هو الاستاذ أهاب. وتنشر احصائيات اقتصادية لا بد من معرفتها والالمام بها، وكل أولئك لقاء قيمة لا تفي في ظننا بثمن الورق أبيض عاريا، الجديرة بالاستحسان كل الاستحسان ثم بالاقبال كل الاقبال.
مؤلفان جليلان
للكاتب النابغة الأشهر أمين ريحاني
أهداهما إلينا حضرته من امريكا - وقد كتبهما باللغة الانكليزية، وهما كتاب عن أبي العلاء المعري ومختارات من لزومياته وكتاب عن البولشفية أتى فيه على أصل البولشفية وتاريخها وتطورها إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم - والكتابان يطلبان من مجلة الفنون بنيويورك.
стр. 3216
العدد ٥٧ - بتاريخ: ٣١ - ١٠ - ١٩٢٠
стр. 3217
إلى قرائنا
نلفت نظر قرائنا الأفاضل إلى شيء طالما لفتناهم إليه بالقول والفعل. ذلك هو أن سنة البيان إنما هي عشرة أعداد لاغير، وإن البيان يستريح في شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام. على هذه السّنة سار البيان منذ نشأته إلى اليوم، غير أنه كان بودنا أن نعوض على قرائنا من هذين العددين كتاباُ قيما يغني غناءهما، ولكن ما حيلتنا وأمر الورق وغير الورق من الغلاء، على ما يعرف القراء. وهذا وقد كان لدينا من الموضوعات التي أعدت لهذه السنة مواد مدخرة موفورة كان من حقها أن تنشر في الأعداد الماضية، لذلك اضطررنا لأن نؤثرها على المواد الأخرى الجديدة بنشرها في هذا العدد، ومن بين هذه الموضوعات الجديدة التي أرجأنا الشروع في نشرها تلك الرسائل التي ألمعت إليها صحفنا اليومية والتي عنونت بهذا العنوان سياحة في الآخرة أو صوت من الموتى وهذه الرسائل الغربية كتبها روح شهيد الوطنية المصرية المرحوم محمد فريد بك وقد استزار أحد كبار الروحانيين الأدباء اللذين عنوا في عصرنا هذا باستحضار الأرواح، وأصابوا في هذا الأمر الخطير أقصى غايات النجاح، هذا الروح الكريم فزاره زورات عدة في ليالي متتابعة، وكتب له هذه الرسائل التي وصف فيها سياحة له في الفردوس قابل فيها كثيراً من عظماء المشرق ورجالاته من أنبياء وعلماء وفلاسفة وأدباء وشعراء ممن ظهروا تحت أديم سمائه قديماًً وحديثاً، وجرى بينه وبينهم أحاديث شتى في موضوعات مختلفة هامة، فنظرة قراءنا الأفاضل إلى الأعداد القادمة.
مزايا الترجمة
الترجمة منبع من المنابع التي تندفق منها الوطنية الصادقة النقية لأنها ضرب شريف من أسمق ضروب التضحية وأسماها، وهي من أشد مسلزمات الأمم ومتطلباتها، ومن قوى حوائجها ومفتقداتها. ولعل الأمة في إبان نهضتها أحوج إلى الترجمة والنقل منها عند ازدهار النهضة ونضوجها، فإن الأمة لا تتحرك ولا تتقدم ما لم تضرب امواجَ حياتها رياح الأفكار القوية، فإنه كلما كان الفكر في امة أبعد مدى وأوسع دائرة كانت آمالها أبعد وطموحاتها أسمى وكان المثل الأعلى في نفوس أفرادها أجل وأفخم واكثر صفاء وتهذيباً فلا نقعد بهم العزيمة عن العمل لبلوغه ولا يأتلون سعياً وراء تحقيقه، والترجمة من أفضل
стр. 3218
الوسائل وأمثل الطرق لتنوير العقول وتوسيع نطاق المعرفة ومن ذلك مشحذة للذهن ومثار للتفكير، ولقد كانت الأمم في العصور القديمة المنصرمة تغامر في معترك الحياة بالقوة البدنية ولكن الفكر الآن هو أمضى سلاح وأقوى مجن في التنازع على الحياء، وان النهضات الصادقة الحقة هي التي تستند على أساس متين راسخ من المبادئ الكبيرة والأفكار الخطيرة والمذاهب الحية المتوقدة، وقد آن الآن لنا أن نقذف من حالق بكل فكرة ميتة هامدة وكل مبدأ خامد هاجع حتى لا يعتاق سبيلنا ويعترض تيار تقدمنا ولقد سئمنا تلك الأفكار الفجة النيئة والآراء السقيمة البالية، وانه لما يحزننا ويحز في نفوسنا أن نعلم أننا كنا نعيش محفوفين بأفكار قديمة قد ترشفت منها الأيام قطرات الحياة وخرافات فارغة لبس فيها من متعة للخيال ولا مسلاة للذهن بينما بيرون يصدح بأناشيد الحرية فيهتز لها قلب أوروبا ويخفق، وجبتي يلقي حكمته في ويمار فيستقبلها العلم بلهف والتياع وترى بها الفوش الظماء والقلوب الصوادي وبينما العالم في بحر مزيد بتيارات الأفكار الجديدة وبركان مورا بالآمال المضطربة الحديثة، وان مما يهون علينا ذكرى تلك الحال المكمدة ان نرى الأمة الآن وقد أخذت تصوغ حياتها الفكرية على أوضاع مؤتقة جديدة وسنن طريفة حديثة تلمح من جنباتها دلائل الحياة ويطالعك من نواحيها آثار التماسك والقوة، وان روح السخط والمال والتذمر والنقمة بادية في نفوسنا متفشية في أقوالنا، وان في نفوسنا الرياح الثائرة الهوجاء والزوابع العاصفة الهزجة، ولكن ليس لهذا السخط والتذمر من كبير قيمة وعظيم شأن ما لم يكن دافعنا إلى النهوض بالأعمال الكبيرة وحافزنا إلى الاضطلاع بالأعمال الجسيمة وإلا كان دليلاً على ضعف نفوسنا وخور عزيمتنا، وان الملل ليشرف النفس ويعليها إذا أصلحت عواصفه وأمطاره ثرى النفس وهيأتها لزرع الجليل الصالح بعد اقتلاع الحقير الفاسد وابادته.
واننا بالترجمة نتجاوز الحدود التي تفصلنا عن الطوائف الأخرى من الانسانية وتمزج حياتهم الفكرية بحياتنا، وان الفرد منا يقف في الحياة في خوف بين ماض ناء سحيق ومستقبل غامض مريب ولكنه إذا عرف أنه يفكر بذهن الانسانية جمعاء وبرمق السكون بلواحظها وإذ أحس ان قلبه ينبض بآمالها وان نفسه تهتز لمخاوفها سرى عنه ذلك ألم الوحشة وسكب على قلبه شآيبب العزاء ورد عليه الامن المفقود والسكون المسلوب وصار
стр. 3219
يشعر بقوته وعظمته أمام قوة اللانهاية وعظمتها.
ان الترجمة تزيد التيارات الفكرية قوة وتدفعاً وان العظمة لا تظهر مستكملة بصورتها مستوفية لشرائطها إلا حيث التيارات الفكرية القوية، والعظمة التي تظهر في غير ذلك تكون ناقصة بتراء، ولا تستسر العلاقة بين نهضة الشعوب وبين الدب القوي الحافل بالأفكار إلا على ذوي النظر الحسير والفكر الكليل فإن الأدب القوي يحرك الطبائع ويهز النفوس ويرسل نوره وحرارته في كل مناحي الحياة ووجوهها وان الأمة إذا ثملت برحيق فكرة كبيرة رأيت آثار تلك الفكرة متوثبة في كل نفس من نفوس أفرادها ظاهرة في أعماله مستجلية في أحاديثه وأقواه وإن كان يختلف مقدار فهم كل فرد لجوانب الفكرة المتعددة.
إن كل فرد منا يرقد في أعماق نفسه تاريخ الإنسانية بأسرها، وتقيم في ذهنه كل فكرة أمّت الكون ولكنها تروح في النفس غامضة خفية، وكلما كانت النفس شاعرة بذلك مستيقظة له كانت تواقة إلى المطالعة نزاعة إلى البحث والتفكير وصارت ترى في كل دور من أدوار التاريخ صفحات من نفسها وترى في كل فكرة خيالاً للفكرة التي كانت تختلج بنفسها ومثل هذه النفس تنسى نفسها وتنكرها لتتعرف ما حولها في مختلف الأمكنة والأزمنة وهي لهذا الانكار والتناسي تلتقي بذاتها الكبرى ونسها العظمى وما يصدق على الفرد في تناسبه نفسه لعرفاتها يصدق على الأمة ولذا فإن الأمة عند يقظتها تكثر من النظر فيما حولها، ولعل هذا ما يدعو فريقاً منا للترجمة فإنها من وسائل النظر إلى ما حولنا، واننا بالترجمة نستثير في نفوسنا كل ألأحلام والآمال والافكار والخواطر التي واجهت الانسانية في رحلة حياتها وتخرج الدرر الكامنة في بحر النفوس وتطلق الانغام العذبة الشجية المحبوسة في الصدور وتهدم الاسوار والحواجز التي تمنع شخصيتنا من الاتساع وتجعل آمالنا ضيقة غير مترامية وعزائمنا محصورة وليست بعيدة نائية وتمنعنا من أن نعيش في الدائرة الشاملة لكل الدوائر والتي لا ينبغي لأمة كبيرة أن تعيش في غيرها - دائرة اللانهاية. . . . . .
стр. 3220
اعترافات
الشاعر الفرنسي الخالد الفرد دي موسيه
الفصل العاشر
فلما أبصرت وجه الشبه بين هذه المرأة وبين حبيبتي ثارت في ذهني المضطرب فكرة مخيفة شرعت أنفذها للتو واللحظة.
في الدور الأول من رواية غرامنا كانت حبيبتي تزورني سراً من حين لآخر وكانت أوقات زيارتها هذه أعياداً تحل بغرفتي الصغيرة فكنت أنثر الأزاهير في جوانب الحجرة وأوقد نار المدفأة حتى تتأجج وتتوهج وأصنع طعاماً طيباً ثم أنصب الخوان. أنصب عليه الألوان. فأنها قطع البساتين وأفانين الرياحين.
وزخرف البيت كما زخرفت ... روضة حزن جادها هاضب
إذا ما بساط اللهو مد وقربت ... على عجل أنماطه ونمارقه
وكم من برهة قضيتها جالساً على وسادتي تحت المرآة أمتع نظري الساعات الطوال برونق محياها الجميل وقلبي قلبها يتجاوبان بنجوى الغرام وأسرار الصبابة وأنظر إلى حجرتي الحقيرة وقد بدلتها تلك الساحرة الحسناء بنفثات سحرها المبين فأصارتها مقصورة من جنة رضوان وحولت تلك الغرفة التي طالما بللت جنباتها بدموع الجوي فردوسا مشرق الجو ضاحك الأرجاء، الا فأجمل بها وأحسن من غادة ورد الشباب قد قامت كالدمية الغالية النفسية الجمال بين المرتخص المذال من اسمال ثيابي ورثات كتبي وأسفاري وقديم أثاثي وأدواتي. وما كان أبهي سناها أشرق ضياها وسط ذلك الجو الموحش المظلم. وما كان أذكى سراجها الوهاج وأثقب نجمها الوقاد في دياجير ذلك الفقر المدلهم وحنادس ذلك البؤس الحالك!
وأني والله منذ فقدت عشيقتي ما برحت هذه الذكريات تنتابني. وما فتئت هذه الهواجس تعتادني حتى سلبتني القرار نهاراً والمنام ليلاً وكأنما جدران غرفتي كانت تحدثني عنها بأوضح عبارة والات بيتي تنث عليَّ حديثها سراً وجهاراً. وكنت لا أطيق إلى هذه المناجاة اصغاء. وكذلك كلما دنوت من فراشي حدثني عنها فراشي ففررت منه إلى الشارع وكنت أرتاع لرؤية الفراش الا ساعة يشغلني عن الخوف البكاء فتحول دون مرآة دموعي.
стр. 3221
وسرت بالفتاة الآنفة الذكر إلى غرفتي وسألتها أن تقعد ثمت وظهرها إلي وأن تنضر ثيابها عن شطرها الأعلى ثم نضددت متاع الغرفة من حولها وصففته كما كنت أصنع في حضرة حبيبتي ووضعت الوسائد والمضاجع بحيث كانت في ذات ليلة بعينها من ليالي وصالها قد تذكرتها إذ ذاك. والواقع أن المرء لا يزال يتذكر من بين خواطر مسراته الغابرة في حادثة بعينها قد غلبت على غيرها من الخواطر وضحت في عالم الذكرى على سائر ما يلوح به من المعالم - كمثل برهة أو ساعة قد تفوقت على كل ما عداها وسادت فكانت نموذجاً ومثالاً
فهذه لعمرك لحظة يزفها إليك وسط القدر وسط ملايين اللحظات العديدة لا كمثلها لحظة فتهفت بك ملائكة السعادة.
ابشر يا فتى وطوبى لك! لقد ألقت يد الحظ في جعبتك سهماً من النار وركبت في عجلتك ضلعاً من النضار.
وبعد استيفاء الترتيب والتنضيد أشعاث بالمدفئة نارا طار لهبها واحتدم شواظها ثم قعدت فأطرقت وأرسلت عنان فكري في واد سحيق من الخواطر الحزينة والهواجس السوداء أو أغرقت احساسي في أعمق لجة من اليأس والقنوط وأقبلت على قلبي فأهويت إلي أوهد أعماقه وجعلت أتلمس ما هنالك فإذا بي لا أجد ثمت إلا الكمد القارح والألم المبرح والجرق الكاوية والحسرات المضاضة وإذا بصميم قلبي يتفتت ويتفرى. ثم أخذت أتغنى بأخفت صوت لحناً كانت حبيبتي لا تزال أيام وصالنا.
أتغنى بهذا اللحن وأنصت إلى صدى شجاه في صحارى قلبي المقفر، ثم قلت لنفسي الحمد لله على ما قد صرت إليه اليوم. وربك أقضى سعادة الإنسان في هذه الدنيا! هذه الغرفة جنتي وهذه الفتاة ابنة الشوارع وطريدة الانسانية حوريتي! ولا جرم! أو ليست في منزلة حبيبتي ودرجتها قد صيغت على مثالها وطبعت على غرارها. وبما أصلحك الله تفضلها معشوقتي وبأي شيء تفوقها. هذا هو الذي يفضي إليه العاشق في النهاية من المرأة الذي يهوى. هذا هو الشمع الذي تنتهي إليه بعد أن تجرد قرص الخلية من العسل. هذه عكارة الكاس بعد أن ترشف رحيقها! هذه هي أقذاء القدح الذي تديره علك الآلهة بعد أن تشرب مابه من المن والسلوى! هذه جيفة الحب القذرة.
стр. 3222
فلما سمعت الفتاة المسكينة غنائي شرعت تغني هي أيضاً. فاصفر وجهي وارتعدت فرائضي حين رأيت ذلك الصوت الخبيث الممقوت ينبعث من مخلوقه هي أشبه الناس بحبيبتي فكأنه كان عنواناً على ما كنت أحسه إذ ذاك واكابده وما كان ذاك الصوت المنبعث غليظاً أجش من حنجرة الفتاة إلا صوت الدعارة والفجور ذاته. وخيل إلي أن صوت حبيبتي قد آض كذلك الصوت منذ خانتني وحفرت ذمتي. وتذكرت البطل الروائي الخرافي (فوست) الذي حينما شرع يرقص مع الساحرة الجميلة ابصر فأرة حمراء تثب من حلقها.
فناديتها صه لا ابالك ثم نهضت فدنوت منها فقعدت على فراشي مبتسماً ثم انطراحت بجانبها كأني تمثال نفسي ملقى على قبري: فناشدتكم الله يا أهل هذا الجيل! يا من تلهون بالمراقص والنلاعب ثم تذهبون إلى المضاجع فتمترون النوم من صفحات كفرية من كفريات فولتير أمام الملحدين أو هزلية من هزليا بول لويز كوريير - ناشدتكم الله يا أهل هذا الجيل يا من هذا بأدبهم وذاك ديدنهم - إذا وقع هذا الكتاب الخامل المغمور في أيديكم صدفة لا تسخروا منه ولا تهزؤا ولا تتهموني بأني أشتكي آفة موهومة ونكبة خيالية محتجين بأن العواطف من كواذب الاحساسات وأن آلام الحب أوهام وأحلام وأن التعقل والتروي خير ملكات النفس وأصح وظائفها وأنه لا حقائق في هذه الحياة إلا البورصة والبنك والاسهم ومائدة الطعام ومائدة القمار وصحة البدن وقوة العضلات والانانية والاستهانة باحساسات الغير وقلة المواساة واسترخاء المفاصل ليلاً على الفراش تحت لبشرة المضمخة بالملاب والعبير.
* * *
لما انتبهت في الصباح شعرت بوخز الضمير ولذعة الندم ورأيتني قد سقطت في عيني إلى الحضيض الأوهد من السفال والدناءة فوثبت من الفراش وأمرت الفتاة أن تلبس ثيابها وتترك البيت بأسرع ما يمكن، ثم اني لبثت ساكناً ساكتاً أتلفت حوالي بنظرات الساخط الآسف ثم استقرت نظراتي على ركن الغرفة المشتمل على مسدساتي وخناجري.
وبينما كنت أحس نفسي كأنها فريسة في براثن اليأس الحازب والبث الكارب كانت الفتاة لا تزال باقية في الغرفة قد وقفت أمام المرآة وأخذ تصلح هيئتها وترجل شعرها وهي تبتسم ولبثت كذلك ربع ساعة كدت أثناءها أن أنسي كل ما جرى بيني وبينها حتى لكأنها لم تكن
стр. 3223
وكأني لم أرها ولم ألقها، غير اني لم ألبث بعد تلك البرهة أن أحسست بها فزجرتها وأمرتها بالخروج بأشد لهجة واعتقها فتهيأت للانصراف في الحال وتأهبت ولوت اكرة الباب للذهاب بعد أن أومأت بقبلة.
في هذه اللحظة دق الباب فنهضت مسرعاً وفتحت باب خزانة دولاب فخبأت فيها الفتاة ثم فتحت الباب فدخل صاحبي ديزينيه بصحبة فتيان من جيراني.
كان ديزينيه مشرق الوجه متهلل الجبين فشرع يداعبني قائلاً إن وجهي يدل على طول السهاد والأرق ليلة أمس ولما لم أكن بحال من الانشراح تسهل علي احتمال أمازيحه سألته بالله أن يكف عني غرب لسانه.
فلم يكترث لرجائي ولكنه أخذ بلجهة تهكمه المعهودة يشرح لي سبب مجيئه وهو ان حبيبتي لم تقتصر على عشيقين حتى عززتهما بثالث وأنها أساءت إلى خصمي بمثل ما أساءت إلي. وان هذا الخصم لما تبين الأمر ثارت ثائرته وأحدث هياجاً رنت له أنحاء باريز حتى أصبحت المسكينة بعد هذه الفضيحة مضطرة إلى مغادرة المدينة ما لم تكن قد أصرت على تعريض نفسها لفضيحة أعظم.
كل هذه التصريحات لم تزدني إلا كآبة إذ كانت ترمي إلي اتهامي بالغفلة والغرور والحماقة. فلم انبسط لصديقي ديزينيه ولم أهش لحديثه ولم ازد على افاضته في النصح الا تجافياً وانقباضاً وتجهما وعبوسا. ولكنه لم يحفل بحالتي ولم يكترث وتمادى في إيلامي وإيجاعي إذ كان قد عاهد نفسه على أن يتولى علاج دائي ليشفيني من علة الحب. ورأى أن ما له علي من حرمة الإخاء والصداقة قد اكتسبته هذا الحق بلا مراء.
ولم يكشف ديزينيه بتلك المعالجة القاسية المستديمة ولكنه حينما أبصر كربتي وخجلي طفق يضاعفهما جهد طاقته. ولكن شواهد الجزع تزايدت على صفحة وجهي بما زجره عن التمادي في قوارصه والوافحه حتى تبين خطأه فأمسك عن الخوض في هذا الحديث وكف عني قوارعه - وأخذ يلعب دوراً صامتاً ولكن هذا كان أسوأ لي وآذى.
فأقبلت أوجه له بضعة أسئلة واني لا تمشي في الغرفة جيئة وذهاباً والله يعلم أن هذ القصص الذي أداه لي عن حبيبتي كان من أوجع ما جرح مسمعي وامضه ولكني كنت مولعاً بإعادته وترديده. ولقد حاولت جهدي أن أكسو ديباجة وجهي قناعاً من الانشراح
стр. 3224
والطمأنينة ولكن عبثاً أحاول. وألحفت ديزينيه بالسؤال فإذا به قد عاد أخرس من صنم وتمثال. وأصمت من رسم محيل وطلل بال. فجعلت أجول في الغرفة وأهدر بالسؤال أثر السؤال. وأرغي وأزيد وهو صامت وادع رخى البال. وأفور كالتنور وهو أجمد من الثلج وأبرد من الزلال.
وهنا يعجز لساني عن شرح ما كابدت إذ ذاك من الكرب والقلق. والوجد والحرد والحنق. وكيف وأيسر ما في الأمر أن أرى المرأة التي ملكتها زمامي قلبي. وأسلمتها مقاليد حبي. وأرعيتها بأرض الهوى. وأمطرتها وسمي مدامع الجوي والتي منذ فقدتها لم أذق نوماً. ولم أجد للحياة طعما. وما أراني إلا باكيا عليها ما بكي المزن بدموع الغمائم.
وتفجعت لفقد الأليف ثاكلات الحمام - أن أرى المرأة التي هذه منزلتها قد صبحت من الملوثات الاعراض المجرحات الأديم بمقاريض الثلب والقدح في المجالس والأندية والمحافل، المعرضات لسخرية كل ساخر وتهزئ كل هازئ، لقد أحسست إذ ذلك كأن شيطاناً من المردة الا الأبالسة قد تناول من أعماق الجحيم مكواة من الذع شواظها ونحاسها فأقبل يبصم بها على عاتقي أشنع من العار وأبشع وصمة من الخزي والفضيحةّ!.
وكلما ازددت تفكراً وتدبراً ازدادت الدنيا في وجهي ظلاماً. وكلما التفت إلى ديزينيه أبصرت على وجهه ابتسامة ثلجية ونظرة منكرة غير مألوفة.
وأخيراًُ قال لي أسرك الحديث. إلا أن أطيب ما فيه خاتمته. لقد جرت تلك الحادثة يا صديقي اوكتاف في ليلة قمراء. . . فبينما الخصمان يتشاجران في غرفة المعشوقة ويهدد أحدهما الآخر بالذبح والقتل كان يتمشى بالشارع تحت النافذة شبح وكان يشبهك إلى حد أن اعتقد الجيران أنه أنت لا مراء، ولا محالة. فأجبته قائلاً: من قال ذاك من رغم أني كنت أطوف الشارع ومن ذا الذي بصرني هنالك؟ ٍ
حبيبتك بالذات. انها لتقص ذلك الحديث على كل من أبدى رغبة في سماعه. . ونقصه بمثل ما نقصه نحن من الابتهاج والمرح والدعابة وتصرح بأنك لا تزال تهواها وإنك تقوم االيل الطويل على بابها ديدبانا، إلى غير ذلك من امثال هذه النكت والأمازيح على أنه حسبك من كل هذا أنها لا تزال تتحدث بمثل هذه الأقوال علانية على رؤوس الملأ.
وليعرف القارئ اني ما كنت قط في وقت ما من الحاذقين في فن الكذب وتلفيق الأحاديث
стр. 3225
فكنت كلما حاولت اخفاء الحقيقة خانني صوتي وخذلني وجهي فبدا على هذا وذاك آيات الاضطراب وإمارات الارتباك. ولكني جعلت مع ذلك احتفاظاً بكرامتي أحاول الانكار والجحود بتكلف الكذب والتمويه بيد أني ارتبكت أثناء ذلك واحمر وجهي بما كشف للحاضرين من حقيقة حالي وثم عن مكنون صدري. فعند ذلك ابتسم يزينيه.
فقلت له احترس يا صديقي. احترس وخذ حذرك ولا تتعد حدودك!
وطفقت أدور في الغرفة كالمجنون لا ادري ماذا أصنع. وكان بودي لو قدرت أن أضحك ولكن كان ذلك محالاً. وأخيراً قلت له، وكيف كان في استطاعتي أن أعرف تلك الحقيقة - كيف كان في طاقتي أن أعرف أن تلك الشقية -.
وهنا عض ديزينيه على شفته كأنه يريد أن يقول لقد كنت تعلم ذلك حق اليقين.
فأمسكت عن الكلام وجعلت من لحظة إلى أخرى ألفظ كلمة سخيفة مضحكة. وجعل دمي - وكان ما برح منذ نصف ساعة يفور في أوعيته ويغلي - ينبض في صدغي أشد نبض وآلمه. ثم أستأنفت الكلام فقلت:
أجل يا ديزينيه. لقد كنت أجوب الشارع تحت نوافذ غرفتها باكياً منتحباً بعبراتي شرقا. وفي طوفان مدامعي غرقا. ومع ذلك كله فقد كانت المعركة بين النظيرين تجري في غرفة تلك الغادرة الخائنة. لا حول ولا قوة إلا بالله! أفي مثل تلك الليلة وطعنات غدرها في صميم قلبي لم تبرج غضة جديدة تفور بدم حياتي وتغلي وجراح مهجتي دامية وهامية. وكبدي على جمرات الجوى تنضجها نار الأسى الحامية أفي مثل تلك الليلة ومثل هاتيك الحال تتمادى الغادرة في سخرها مني واستهزائها بي لا يزعها وازع ولا يردعها رادع؟
أحقاً ديزينيه إن ما تذكره من هذا ألمر قد جرى وكان؟ ألا يجوز أن تكون في ما تحدثني به واهماً أو حالماً؟
أيمكن أن يكون ذلك حقاً أو محتملاً أو جائز؟ وكيف تدري؟
وهنا شرد لي وعزب حلمي وبلغ الحنق والحرد مني أقصاه فتهافت قاعداً على كرسي ويداي ترعشان.
قال ديزينيه هون عليك يا صديقي فالخطب أيسر. إن حياة العزلة التي عشتها منذ شهرين قد أضرت بك كثيراً كما تشهد بذلك حالك. فأراك يا اوكتاف أحوج ما تكون إلى شيء من
следующие страницы →