Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
وسرت بالفتاة الآنفة الذكر إلى غرفتي وسألتها أن تقعد ثمت وظهرها إلي وأن تنضر ثيابها عن شطرها الأعلى ثم نضددت متاع الغرفة من حولها وصففته كما كنت أصنع في حضرة حبيبتي ووضعت الوسائد والمضاجع بحيث كانت في ذات ليلة بعينها من ليالي وصالها قد تذكرتها إذ ذاك. والواقع أن المرء لا يزال يتذكر من بين خواطر مسراته الغابرة في حادثة بعينها قد غلبت على غيرها من الخواطر وضحت في عالم الذكرى على سائر ما يلوح به من المعالم - كمثل برهة أو ساعة قد تفوقت على كل ما عداها وسادت فكانت نموذجاً ومثالاً
فهذه لعمرك لحظة يزفها إليك وسط القدر وسط ملايين اللحظات العديدة لا كمثلها لحظة فتهفت بك ملائكة السعادة.
ابشر يا فتى وطوبى لك! لقد ألقت يد الحظ في جعبتك سهماً من النار وركبت في عجلتك ضلعاً من النضار.
وبعد استيفاء الترتيب والتنضيد أشعاث بالمدفئة نارا طار لهبها واحتدم شواظها ثم قعدت فأطرقت وأرسلت عنان فكري في واد سحيق من الخواطر الحزينة والهواجس السوداء أو أغرقت احساسي في أعمق لجة من اليأس والقنوط وأقبلت على قلبي فأهويت إلي أوهد أعماقه وجعلت أتلمس ما هنالك فإذا بي لا أجد ثمت إلا الكمد القارح والألم المبرح والجرق الكاوية والحسرات المضاضة وإذا بصميم قلبي يتفتت ويتفرى. ثم أخذت أتغنى بأخفت صوت لحناً كانت حبيبتي لا تزال أيام وصالنا.
أتغنى بهذا اللحن وأنصت إلى صدى شجاه في صحارى قلبي المقفر، ثم قلت لنفسي الحمد لله على ما قد صرت إليه اليوم. وربك أقضى سعادة الإنسان في هذه الدنيا! هذه الغرفة جنتي وهذه الفتاة ابنة الشوارع وطريدة الانسانية حوريتي! ولا جرم! أو ليست في منزلة حبيبتي ودرجتها قد صيغت على مثالها وطبعت على غرارها. وبما أصلحك الله تفضلها معشوقتي وبأي شيء تفوقها. هذا هو الذي يفضي إليه العاشق في النهاية من المرأة الذي يهوى. هذا هو الشمع الذي تنتهي إليه بعد أن تجرد قرص الخلية من العسل. هذه عكارة الكاس بعد أن ترشف رحيقها! هذه هي أقذاء القدح الذي تديره علك الآلهة بعد أن تشرب مابه من المن والسلوى! هذه جيفة الحب القذرة.
стр. 3222
فلما سمعت الفتاة المسكينة غنائي شرعت تغني هي أيضاً. فاصفر وجهي وارتعدت فرائضي حين رأيت ذلك الصوت الخبيث الممقوت ينبعث من مخلوقه هي أشبه الناس بحبيبتي فكأنه كان عنواناً على ما كنت أحسه إذ ذاك واكابده وما كان ذاك الصوت المنبعث غليظاً أجش من حنجرة الفتاة إلا صوت الدعارة والفجور ذاته. وخيل إلي أن صوت حبيبتي قد آض كذلك الصوت منذ خانتني وحفرت ذمتي. وتذكرت البطل الروائي الخرافي (فوست) الذي حينما شرع يرقص مع الساحرة الجميلة ابصر فأرة حمراء تثب من حلقها.
فناديتها صه لا ابالك ثم نهضت فدنوت منها فقعدت على فراشي مبتسماً ثم انطراحت بجانبها كأني تمثال نفسي ملقى على قبري: فناشدتكم الله يا أهل هذا الجيل! يا من تلهون بالمراقص والنلاعب ثم تذهبون إلى المضاجع فتمترون النوم من صفحات كفرية من كفريات فولتير أمام الملحدين أو هزلية من هزليا بول لويز كوريير - ناشدتكم الله يا أهل هذا الجيل يا من هذا بأدبهم وذاك ديدنهم - إذا وقع هذا الكتاب الخامل المغمور في أيديكم صدفة لا تسخروا منه ولا تهزؤا ولا تتهموني بأني أشتكي آفة موهومة ونكبة خيالية محتجين بأن العواطف من كواذب الاحساسات وأن آلام الحب أوهام وأحلام وأن التعقل والتروي خير ملكات النفس وأصح وظائفها وأنه لا حقائق في هذه الحياة إلا البورصة والبنك والاسهم ومائدة الطعام ومائدة القمار وصحة البدن وقوة العضلات والانانية والاستهانة باحساسات الغير وقلة المواساة واسترخاء المفاصل ليلاً على الفراش تحت لبشرة المضمخة بالملاب والعبير.
* * *
لما انتبهت في الصباح شعرت بوخز الضمير ولذعة الندم ورأيتني قد سقطت في عيني إلى الحضيض الأوهد من السفال والدناءة فوثبت من الفراش وأمرت الفتاة أن تلبس ثيابها وتترك البيت بأسرع ما يمكن، ثم اني لبثت ساكناً ساكتاً أتلفت حوالي بنظرات الساخط الآسف ثم استقرت نظراتي على ركن الغرفة المشتمل على مسدساتي وخناجري.
وبينما كنت أحس نفسي كأنها فريسة في براثن اليأس الحازب والبث الكارب كانت الفتاة لا تزال باقية في الغرفة قد وقفت أمام المرآة وأخذ تصلح هيئتها وترجل شعرها وهي تبتسم ولبثت كذلك ربع ساعة كدت أثناءها أن أنسي كل ما جرى بيني وبينها حتى لكأنها لم تكن
стр. 3223
وكأني لم أرها ولم ألقها، غير اني لم ألبث بعد تلك البرهة أن أحسست بها فزجرتها وأمرتها بالخروج بأشد لهجة واعتقها فتهيأت للانصراف في الحال وتأهبت ولوت اكرة الباب للذهاب بعد أن أومأت بقبلة.
في هذه اللحظة دق الباب فنهضت مسرعاً وفتحت باب خزانة دولاب فخبأت فيها الفتاة ثم فتحت الباب فدخل صاحبي ديزينيه بصحبة فتيان من جيراني.
كان ديزينيه مشرق الوجه متهلل الجبين فشرع يداعبني قائلاً إن وجهي يدل على طول السهاد والأرق ليلة أمس ولما لم أكن بحال من الانشراح تسهل علي احتمال أمازيحه سألته بالله أن يكف عني غرب لسانه.
فلم يكترث لرجائي ولكنه أخذ بلجهة تهكمه المعهودة يشرح لي سبب مجيئه وهو ان حبيبتي لم تقتصر على عشيقين حتى عززتهما بثالث وأنها أساءت إلى خصمي بمثل ما أساءت إلي. وان هذا الخصم لما تبين الأمر ثارت ثائرته وأحدث هياجاً رنت له أنحاء باريز حتى أصبحت المسكينة بعد هذه الفضيحة مضطرة إلى مغادرة المدينة ما لم تكن قد أصرت على تعريض نفسها لفضيحة أعظم.
كل هذه التصريحات لم تزدني إلا كآبة إذ كانت ترمي إلي اتهامي بالغفلة والغرور والحماقة. فلم انبسط لصديقي ديزينيه ولم أهش لحديثه ولم ازد على افاضته في النصح الا تجافياً وانقباضاً وتجهما وعبوسا. ولكنه لم يحفل بحالتي ولم يكترث وتمادى في إيلامي وإيجاعي إذ كان قد عاهد نفسه على أن يتولى علاج دائي ليشفيني من علة الحب. ورأى أن ما له علي من حرمة الإخاء والصداقة قد اكتسبته هذا الحق بلا مراء.
ولم يكشف ديزينيه بتلك المعالجة القاسية المستديمة ولكنه حينما أبصر كربتي وخجلي طفق يضاعفهما جهد طاقته. ولكن شواهد الجزع تزايدت على صفحة وجهي بما زجره عن التمادي في قوارصه والوافحه حتى تبين خطأه فأمسك عن الخوض في هذا الحديث وكف عني قوارعه - وأخذ يلعب دوراً صامتاً ولكن هذا كان أسوأ لي وآذى.
فأقبلت أوجه له بضعة أسئلة واني لا تمشي في الغرفة جيئة وذهاباً والله يعلم أن هذ القصص الذي أداه لي عن حبيبتي كان من أوجع ما جرح مسمعي وامضه ولكني كنت مولعاً بإعادته وترديده. ولقد حاولت جهدي أن أكسو ديباجة وجهي قناعاً من الانشراح
стр. 3224
والطمأنينة ولكن عبثاً أحاول. وألحفت ديزينيه بالسؤال فإذا به قد عاد أخرس من صنم وتمثال. وأصمت من رسم محيل وطلل بال. فجعلت أجول في الغرفة وأهدر بالسؤال أثر السؤال. وأرغي وأزيد وهو صامت وادع رخى البال. وأفور كالتنور وهو أجمد من الثلج وأبرد من الزلال.
وهنا يعجز لساني عن شرح ما كابدت إذ ذاك من الكرب والقلق. والوجد والحرد والحنق. وكيف وأيسر ما في الأمر أن أرى المرأة التي ملكتها زمامي قلبي. وأسلمتها مقاليد حبي. وأرعيتها بأرض الهوى. وأمطرتها وسمي مدامع الجوي والتي منذ فقدتها لم أذق نوماً. ولم أجد للحياة طعما. وما أراني إلا باكيا عليها ما بكي المزن بدموع الغمائم.
وتفجعت لفقد الأليف ثاكلات الحمام - أن أرى المرأة التي هذه منزلتها قد صبحت من الملوثات الاعراض المجرحات الأديم بمقاريض الثلب والقدح في المجالس والأندية والمحافل، المعرضات لسخرية كل ساخر وتهزئ كل هازئ، لقد أحسست إذ ذلك كأن شيطاناً من المردة الا الأبالسة قد تناول من أعماق الجحيم مكواة من الذع شواظها ونحاسها فأقبل يبصم بها على عاتقي أشنع من العار وأبشع وصمة من الخزي والفضيحةّ!.
وكلما ازددت تفكراً وتدبراً ازدادت الدنيا في وجهي ظلاماً. وكلما التفت إلى ديزينيه أبصرت على وجهه ابتسامة ثلجية ونظرة منكرة غير مألوفة.
وأخيراًُ قال لي أسرك الحديث. إلا أن أطيب ما فيه خاتمته. لقد جرت تلك الحادثة يا صديقي اوكتاف في ليلة قمراء. . . فبينما الخصمان يتشاجران في غرفة المعشوقة ويهدد أحدهما الآخر بالذبح والقتل كان يتمشى بالشارع تحت النافذة شبح وكان يشبهك إلى حد أن اعتقد الجيران أنه أنت لا مراء، ولا محالة. فأجبته قائلاً: من قال ذاك من رغم أني كنت أطوف الشارع ومن ذا الذي بصرني هنالك؟ ٍ
حبيبتك بالذات. انها لتقص ذلك الحديث على كل من أبدى رغبة في سماعه. . ونقصه بمثل ما نقصه نحن من الابتهاج والمرح والدعابة وتصرح بأنك لا تزال تهواها وإنك تقوم االيل الطويل على بابها ديدبانا، إلى غير ذلك من امثال هذه النكت والأمازيح على أنه حسبك من كل هذا أنها لا تزال تتحدث بمثل هذه الأقوال علانية على رؤوس الملأ.
وليعرف القارئ اني ما كنت قط في وقت ما من الحاذقين في فن الكذب وتلفيق الأحاديث
стр. 3225
فكنت كلما حاولت اخفاء الحقيقة خانني صوتي وخذلني وجهي فبدا على هذا وذاك آيات الاضطراب وإمارات الارتباك. ولكني جعلت مع ذلك احتفاظاً بكرامتي أحاول الانكار والجحود بتكلف الكذب والتمويه بيد أني ارتبكت أثناء ذلك واحمر وجهي بما كشف للحاضرين من حقيقة حالي وثم عن مكنون صدري. فعند ذلك ابتسم يزينيه.
فقلت له احترس يا صديقي. احترس وخذ حذرك ولا تتعد حدودك!
وطفقت أدور في الغرفة كالمجنون لا ادري ماذا أصنع. وكان بودي لو قدرت أن أضحك ولكن كان ذلك محالاً. وأخيراً قلت له، وكيف كان في استطاعتي أن أعرف تلك الحقيقة - كيف كان في طاقتي أن أعرف أن تلك الشقية -.
وهنا عض ديزينيه على شفته كأنه يريد أن يقول لقد كنت تعلم ذلك حق اليقين.
فأمسكت عن الكلام وجعلت من لحظة إلى أخرى ألفظ كلمة سخيفة مضحكة. وجعل دمي - وكان ما برح منذ نصف ساعة يفور في أوعيته ويغلي - ينبض في صدغي أشد نبض وآلمه. ثم أستأنفت الكلام فقلت:
أجل يا ديزينيه. لقد كنت أجوب الشارع تحت نوافذ غرفتها باكياً منتحباً بعبراتي شرقا. وفي طوفان مدامعي غرقا. ومع ذلك كله فقد كانت المعركة بين النظيرين تجري في غرفة تلك الغادرة الخائنة. لا حول ولا قوة إلا بالله! أفي مثل تلك الليلة وطعنات غدرها في صميم قلبي لم تبرج غضة جديدة تفور بدم حياتي وتغلي وجراح مهجتي دامية وهامية. وكبدي على جمرات الجوى تنضجها نار الأسى الحامية أفي مثل تلك الليلة ومثل هاتيك الحال تتمادى الغادرة في سخرها مني واستهزائها بي لا يزعها وازع ولا يردعها رادع؟
أحقاً ديزينيه إن ما تذكره من هذا ألمر قد جرى وكان؟ ألا يجوز أن تكون في ما تحدثني به واهماً أو حالماً؟
أيمكن أن يكون ذلك حقاً أو محتملاً أو جائز؟ وكيف تدري؟
وهنا شرد لي وعزب حلمي وبلغ الحنق والحرد مني أقصاه فتهافت قاعداً على كرسي ويداي ترعشان.
قال ديزينيه هون عليك يا صديقي فالخطب أيسر. إن حياة العزلة التي عشتها منذ شهرين قد أضرت بك كثيراً كما تشهد بذلك حالك. فأراك يا اوكتاف أحوج ما تكون إلى شيء من
стр. 3226
اللهو والرياضة فزرنا تلك الليلة لتنازعنا العشاء واخرج غداً إلى بعض المنتزهات فتناول به غذاؤك.
فكانت اللهجة التي برزت فيها هذه الألفاظ أوجع لي وآلم من كل ما نطق به ديزينيه إذا كنت تنم على معنى الرثاء والرحمة وأنه كان يعاملني كما لو كنت طفلاً.
وكنت جالساً ناحية منهم بمعزل وقد نفر جاشي ووهي جلدي وانهارت دعائم ثباتي وعزمي فبذلت كل جهد في استرداد حلمي واستثابة رشدي فقلت في نفسي لقد نكبت بالخيانة من حبيبتي وبسوء النصيحة من صديقي إذ يشير علي أن أتداوى من دار يأسي بالفسق والفجور والدعارة على أني معرض بعد للوقوع في هاوية هذه المنكرات إذ كا لا عاصم لي منها سوى ما يغشاني من حزني الرهيب المقدس الطاهر! ولكن شر المصاب وأشد البلية أن هذه الدرع الوحيدة التي أتحصن بها من الوقوع في حبائل الفساد - هذا الحزن العميق المطهر الذي أراه أثراً مقدساً لما فقدته من نعمة الحب - أقدس نعم الحياة وأطهر لذات الدنيا. . . .
هذا الحزن الرهيب المقدس - وقايتي من الانغماس قي بيئة منكرات العصر وعصمني من لتورط في حمأة مفاسد الجيل.
هذا الحزن - هذه الوقاية - هذه العصمة والدرع والجنة - قد تحطمت في يدي وتصدعت تحت صدمة هذا النبأ الفظيع الذي سمعته الآن من تلك الغادرة التي لم يكفها أن تسخر من حبي حتى هزأت كذلك بحزني وبثي وضحكت من قنوطي وبأسي.
لقد جعلت تهزأ بي وتسخر واني لواقف على اعتاب دارها أنتحب وأبكي! لقد جعلت ذكريات الماضي تنبعث من لجة ضميري فتطفو على يمه عندما فكرت في ذلك وخيل إلي أن خيالات الوصال أخذت تثور من مكامنها واحدة نلو أخرى وكأنها قد قامت تشرف على أعماق هاوية سحيقة موحشة سوداء حالكة ومن فوق هذه الهاوية كان يدوي صدى ضحكات صفراء ساخرة معناها هذا جزاؤك!.
لو أن العالم أجمع هزأ بي وضحك مني ما باليت قط. ولكن الذي مضني وأرمضني وادمى فؤادي هو أن الساخر والهازئ كان تلك المرأة التي لم أهو غيرها ولم أعشق سواها - تلك المرأة وذلك الوجه وتأنك الشفتان اللتان امتزجتا بشفتي مليون مرة وذلك البدن وتلك الروح
стр. 3227
- روح حياتي - ومن ثم كان بلائي ومصيبتي وشقائي.
أجل. تلك محنتي ونكبتي - أن نبصق السخرية القاسية في وجه الحب المنكوب والحزن البائس.
وكنت كلما انغمست في لجة أفكاري شعرت بازدياد غضبي على أني لا ادري هل يصح لي أن أسميه غضباً إذا كنت في الحقيقة لم أعرف ماذا أسمى ذلك القلق الذي كان معتريني إذ ذاك. على أني موقن اني كنت أجد دافعاً جنونياً إلى الثأر والانتقام. ولكن كيف السبيل إلى الانتقام من أمرأة. وعلم الله أني ما كنت أضن بأغلى ثمن أبذله في استحضار السلاح الكفيل لي بإيلامها وإيجاعها. ولكن أي السلاح كفيل بذلك.
لقد كنت أعزل من كل سلاح حتى من مثل ذلك الذي حاربتني وطعنتني وبحده ادمت جراحي. وأعلت صباحي. وإني لمنغمس في عباب هذه الهواجس إذ لمحت خيالاً وراء ستارة باب الخزانة الزجاجي وكان ذلك شبح الفتاة قائمة تنتظر بحيث أودعتها وكنت قد نسيتها. فعند ذلك صحت مسروراً طرباً أنصت إلى ديزينيه لقد عشقت كما يعشق الأحمق والمجنون وجنيت على نفسي بحق كل هزء وسخرية ولكني سأريك اللحظة شيئاً يدلك على أني لست ذلك الأحمق الغبي الذي تخاله اني دفعت الباب الزجاجي بقدمي فاندفع وظهرت الفتاة جائمة بزاوية.
قلت لديزينيه هلم يا ديزينيه سل الفتاة هل حقاً بت ساهراً تحت نافذة أية امرأة؟ تقول إنك ذاهب الليلة إلى وليمة لتناول العشاء وغدا خارج الأرياف للنزهة. فاعلم اني مصاحبك الليلة وغدا. فالبثوا معي حتى المساء ولا تفارقوني وسآتيكم بكل ما تبتغون من آلات الشراب والميسر وغير ذلك ثم لا تذهبون.
لقد كنت أردت أن أجعل قلبي ضريحاً أدفن فيه رفات حبي ولكنني سأقبر حبي الميت ف ضريح آخر ولو آل بي إلى أن أحفر ذلك الضريح الآخر في قلبي. . . يا الله. . . . . يا الله.
وهنا قعدت ودخل ضيوفي الخزانة وأحسست إذ ذاك كيف ينجم شعور الفرح أحياناً من إحساس الغضب المخفف. والحنق المكفف. وإني لقائل لكل من يعجب لما حدث منذ تلك الساعة من الانقلاب الهائل العظيم في سيرتي وتاريخ حياتي. أنلك لست بصيراً بخفايا
стр. 3228
سريرة الإنسان وخبايا ضميره وانك لا تعرف أن المرء ربما لبث عشرين يتردد في أمره لا يجرأ أن يخطو خطوة حتى إذا ما أخطاها مضى قدماً في وجهتها مندفعاً بقوة السيل الجارف ثم لم يطق بعد ذلك رجوعاً. . . .
стр. 3229
مختارات
من حديقة اببقور
للكاتب الروائي الفرنسي الخالد أناتول فرانس
القراءة والتمثيل
لا أظن من الحتم اللازم الذي ليس عنه معدل أن انتظام سمط اثني عشر مائة شخص لسماع رواية يكوّن جماعة ملهمة بالحكمة التي لا يتسور عليها الخطأ ولا يمس أنحاءها النقص - بيد أن الجمهور - كما يبدو لي - يحمل معه إلى المرسح بساطة القلب واخلاص العقل وهذان يمنحان قيمة خاصة للمشاعر التي نعالجها هناك وكثيرون ممن لا يستطيعون أن يكوّنوا لأنفسهم فكرة أو يصدروا لها حكماً عما قرأوه؟ في وسعهم أن يذكروا ملخصاً حسناً دقيقاً لما عرض على نواظرهم في المسرح، وإنك قد تمر الكتاب مراً عند قراءته وقد تقرأه إذا شئت بإمعان وروية وترجع فيه الفكر وتقلب النظر وإن الكتاب يترك كل شيء للخيال ولذا فإن العقول المجدبة والأذهان العادية لا تجد إلا لذة ضعيفة فاترة قليلة الآثر في الكتب، والمرسح على خلاف ذلك فهو يضع كل شيء إزاء العين فهو غني بنفسه عن كل مساعدة وتعضيد من الخيال ولهذا السلبب لا يكلف بد ذووا العقول المفكرة والخواطر الخطارة المتأملة لأن هؤلاء يقدرون الفكرة ويزنون الموقف بما يمده في نفوسهم من آفاق التفكير وما يفسحه من أطراف التأمل وبقدر ما يثيره من أصداء الانغام التي تطن في عقولهم وتتجاوب في أذهانهم، وأما في المسرح فإن قوة خيالهم تظل معطلة مقيدة وهم يجدون فيه سرورا منفعلاً يؤثرون عليه سرور القراءة الفعال - وما هو الكتاب؟ أليس هو سلاسل متصلة من علامات صغيرة مطبوعة؟ أليس هو كذلك في الأصل والجوهر؟ وإنه على القارئ أن يجلب لنفسه الصور ويلتقيها ويتخير الألوان والاحساسات والعواطف التي تناسب هذه العلامات وسيتوقف عليه إن كان الكتاب فاتراً كليلاً أو بارعاً حاراً متوقداً بحرارة النوازع والوجدانات أو هامداً بارد كالثلج أو إذا فضلت أن أذكر ذلك في صورة أخرى - كل كلمة من كلمات الكتاب بنان مسحور يحرك في ألياف ذهننا ويهزها ويرعشها كما تهتز وتر المزهر وهو يثير النغم في تجويفه أرواحنا، وليست مادة الأمر وأكبر ما فيه متوقفة على مهارة الفني ومكانة من الاستاذية ومقدرته على استنزال الوحي فإن الصوت
стр. 3230
الذي يوقظه يترتب على طبيعة الاوتار داخل نفوسنا وليس هذا شأن المسرح فإن هناك بدلاً من العلامات الصغيرة السوداء في الكتب ترى صوراً وأشباحاً حية وعوضاً عن الحروف الدقيقة المطبوعة التي تترك مجالاً واسعاً للحدس والتخمين ترى رجالاً ونساء لا تميد فوقهم ظلال الغموض ولا تحجبهم أستار اللبس والإبهام وترى كل شيء مقيداً في مكانه ثابتاً في موضعه. ولذا فإن ما يحدث في نفوس الحاضرين من التأثيرات يختلف ويتباين في دائرة محدودة ومجال ضيق تابع للاختلافات التي أركزها القدر في الطبيعة البشرية من ناحية مواجهة الأشياء والنظر إليه ولذا نشاهد دائماً دور التمثيل - إذا لم تتداخل فيه الخلافات السياسية أو الأدبية - كيف يؤسس بين الحاضرين تبادلاً في الشعور واشتراكاً في الاحساس صادقاً نقياً وإذا فكرنا أبعد من ذلك وتذكرنا أن فن التمثيل هو ألصق الفنون الأخرى بالحياة ينبغي لنا أن نفطن إلى أنه أقرب إلى الفهم والتقدير وينتج من ذلك أنه هو الوحيد من بين سائر الفنون الأكثر التئاماً بأرواح الجمهور، وثقتهم بآرائهم فيه أوفر من ثقتهم في غيره.
إلى جيريال سياليز
لا أستطيع أن أقول أن دنيانا هذه هي أردأ دنيا ممكنة، وأني لأعتقد اعتقاداً ل كفاء له بأن من أشد المداهنة والافراط في الملق المعيب أن نمنحها الأسبقية والتفوق على غيرها ولو كان هذا التفوق في الشر والخبث، وإن ما يمكننا، أن نتصوره عل الدنى الأخرى لقليل جداً والفلك الطبيعي لا يقدم إلينا معلومات دقيقة صحيحة وافية خاصة بأحوال الحياة حتى على سطح تلك السيارات الأقرب إلينا والأدنى منا، وكلنا نعلم أن الزهرة والمريخ فيهما مشابه كثيرة من الأرض وهذه المشابه نفسها ضمانة كافية وحجة بالغة لاعتقادنا أن الشر هنا كما هو في السموات العلى، وإن دنيانا هذه هي إحدى مقاطعات دولته العظيمة المترامية الأطراف المبسوطة الظل، وليس هناك من سبب يدعو إلى افتراض أن الحياة أجمل على سطح تلك العالم الضخام الكبيرة نظائر المشتري وزحل وأورانوس ونبتون التي تمرق في سكون في أقطار السماوات وتنزلق بهدوء في منحرقات الفضاء حيث الشمس قد أخذت تفقد قسماً من حرارتها وضوئها ومن يستطيع أن يخبرنا أي نوع من المخلوقات تسكن هذه العوالم المتلفعة في أبخرة كثيفة سريعة التحول. وإذا قضينا من ناحية المشابهة لا يمكننا إلا
стр. 3231
أن نظن أن كل نظامنا الشمس شبيه بمذبح متسع بعد النواحي قاصي الأطراف تولد فيه الحياة الحيوانية لتشقى حتى يطيح بها الموت وليس هناك من عزاء ولا تأس في توهم أن النجوم الثوابت قد ترسل أضواءها إلى سيارات أسعد حالاً وأحسن شأناً من أرضنا فإن النجوم الثوابت قريبة الشبه لشمسنا من هذه الناحية وقد حلل العلم تلك الأشعة الضئيلة التي يكلفها نقلها إلينا السنين والأجيال وتحليل هذا الضوء يثبت أن المواد التي تحترق على سطوحها هي نفسها المواد المنتشرة المتماوجة حول الشمس التي لا تزال منذ خلق الإنسان وظهوره تبعث الحرارة في حياته الشقية المؤلمة السخيفة وأن تلك المشابهة كافية وحدها لتملأ جوانجي بالكره الممض الأليم للعالم.
وأن التجانس في التركيب الكيماوي يقوي في نفسي فكرة أنه ليس هناك اختلاف في احوال الروح والجسد بالعوالم الأخرى الممتدة إلى مسافات لا يتصور أبعادها ولا نتوهم حدودها وأكبر ظني أن كل المخلوقات المفكرة في عالم سيريوس أو في غيره تحيا حياة وبؤس وشقاء كخلائق هذه الأرض ولكنكم قد تقولون أن كل ذلك لا يكون الكون! نعم إن عندي شبهة قوية في أنكم في جانب الصواب وأني أشعر أن هذه العوالم الضخام العظام الرائعات ليست شيئاً والحقيقة التي أخفيها اني واثق من انه إذا كان هناك شيء فإن ذلك الشيء محتجب عن أبصارنا خاف على عيوننا واني لأشعر بأننا نعيش محفوفين بمجرد خيالات وتصورات وإن نظرتنا للكون هي نتيجة الكابوس الذي يتخلل ذلك النوم الهادئ العميق نوم حياتنا وأن ذلك لأشد الضربات وأفتكها لأنه من الواضح أننا لا ندري شيئاً وان كل الأشياء تعمل على خداعنا وان الطبيعة لتتهافت بجهلنا وعجزنا تهافتاً قاسياً مراً.
لذة المجهول
أشد اللذاذات تأثيراً في أرواحنا واهتياجاً لأشواقنا لذة المبهم الخفي وأن الجمال الغير المغطى بالسجوف والأستار ليس جمالاً وان أشد ما نهواه هو المجهول وأن الوجود ليصبح غير محتمل إذا منعنا لذة الأوهام وروقة الأحلام وان خير جزاء وأحسن هدية تقدمها لنا الحياة هي اشعارها إيانا بشيء لا يدركه التعبير ليس جزاءاً منها وأن الحقيقي يساعدنا بقدر ما في رسم وتصوير ناحية من نواحي الخيالي وقد يطون هذا أكبر مزاياه وأسمى فوائده.
الطفلة الصغيرة
стр. 3232
هناك طفلة صغيرة عمرها تسع سنوات ا، اواثق من أنها أرجح عقلاً من كل الحكماء وقد قالت لي في التو واللحظة ان الإنسان يرى في الكتب ما لا يراه في الحقيقة لأنها جد بعيدة عن عنها أو لانها قد انفرط زمانها ومضى عهدها ولكن ما نراه في الكتب نراه رديئاً ممسوخاً أو محزناً مكمدا واني أظن أنه ينبغي للأطفال الابتعاد عن قراءة الكتب وانه يوجد في الدنيا آلاف الأشياء الصالحة للنظر والمشاهدة ولا نراها في الكتب مثل البحيرات والجبال والأنهار والمدن والحقول والبحر والسفن والسماء والنجوم.
اني أشايعها على فكرها وأن لنا ساعة نعيشها فلماذا نتعب رؤوسنا ونذيبها من أجل أشياء كثيرة؟ ولماذا نحاول أن نعرف كل شيء ما دمنا نعلم أننا سوف لا نعلم شيئاً أننا نعيش في الكتب أككثر مما نعيش في الطبيعة وأننا لنشبه ذلك الأبله الذي استمر مسترسلاً في قراءة إحدى مؤلفات الإغريق وإزاء عينيه كان بركان فيزوف الثائر يواري خمسة مدن تحت رماده.
الاستسلام
ليس عندنا من شيء نعمله في هذه الدنيا سوى الاستسلام للظروف وان الطبائع الأنبل تعرف كيف تخلع على الاستسلام ذلك الاسم الجميل - الاقتناع - وأن الأرواح السامية تستسلم وتلقى مقادتها إلى الأيام رفرح مقدس وهي لا تزال تجاهد بين الشك المؤلم المكمد وبين الحزن الشامل الغالب وتحت السماء الخاوية المقفرة لتحفظ الفضائل القديمة السالفة نقية الصفحة مطهرة الأديم وهي تؤمن بأنها مرغمة على الإيمان وحب الإنسانية يملأ نفوسها حرارة وحمساً بل هي تفعل أكثر من ذلك. إنها تنقب باهتمام نقي طاهر عن تلك الفضيلة التي تضعها المسيحية في لذروة العليا والمستقر الاسمي لانها تستصحب الفضائل وتحل محلها فضيلة الأمل، فلنشعر نفوسنا حلاوة الأمل لا في انسانية فإن بكل مجهوداتها العظيمة ومساعيها الجسيمة لم تستط إخماد جذور الشر المشبوبة ونيرانه المتأججة، ولكن لنعقد الآمال وننيط الرجاء بالمخلوقات التي لا يمكن لعقولنا أن نتصورها والتي يوماً ما ستترقي من الإنسان كما ترقى الإنسان من الحيوانات الوضيعة ودعنا نحيّي باحترام وإجلال هذه المخلوقات الأسمى من الإنسان أهل الأزمنة المقبلة ولنجعل أملنا مرتكزاً على اللم العام وعلى العمل فإن قانونهما التحول والتبدل وان لنشعر بوقع ذلك الألم الواهب
стр. 3233
للحياة في نفوسنا وأنه هو الحادي بالإنسانية في مسيرها إلى الكمال الإلهي الذي لا محيد عنه.
الحزن الفلسفي
لقد طالما عبر عن الحزن الفلسفي في كلمات محزنة المعنى، وكما أن المؤمنين السالكين الذين ترقوا إلى الدرجات العالية في الكمال الأخلاقي يذوقون مطارب الاستسلام ومباهج الزهد فكذلك العالم العارف يغريه كون كل ما حوله مظهراً فارغاً وادعاء باطلاً على أن يستقى من حياض ذلك الحزن الفلسفي وأن ينسى نفسه من ملذات اليأس الساكن الوديع، وهذا الحزن الصامت الجليل من مرة لا يرغب إبداله بكل عبث الحياة ولهوها وزينتها وبهائها ولا يود بيعه بكل الآمال الفارغة التي تستهوي جماعة الجهال وترضي فريق العامة، وإن المعترضين الذين يتناسون الجمال الفني لهذه الأفكار ويرون فيها سما للمجتمع وفناء للأمم قد يخفقون من حدة كرههم إذا علموا أن عقيدة الوهم العام وأن كل الأشياء في فيض وتتابع فلا قرار لها قد انتشرت واستفاض أمرها في العصر الذهبي للفلسفة اليونانية مع زيفون وانها كانت يسكن إليها ويطمئن لها في أكثر عصور الحضارة تهذيباً وتمدينا أصفى العقول وأهداها وأشدها إحساساً وتنبهاً أمثال ديموقريتس وابيقور وجاسندي.
طيران الزمن
الزمن وهو يطير يجرح أو يقتل أحمى وأحد عواطفنا وأرق وأحلى مشاعرنا وهو يسكت الإعجاب ويخرسه ويجرده من عنصريه الرئيسين وهما الدهشة والعجب وهو يهدم صروح الحب ويذهب بسخافاته اللذائذ وهو يهز قواعد اليقين ويميل برواسي الأمل ويعري كل نمو بريء من وروده واوراقه ويا ليته يترك لنا الشفقة فلا نرمي من الشيخوخة في سجن ضيق مسود الأرجاء شبيه بالقبر وان من طريق الرحمة أن أبقينا على رجولتنا ودعنا لا نتحول إلى أحجار مثل الذين حابوا الآلهة في لأساطير القديمة ولنشعر قلوبنا الرأفة بالضعيف ونأخذ من أحزانه بنصيب لا يقاسي الاضطهاد وبالمنعَّم المسعود لأنه مكتوب واهاً لمن يضحك ولنأخذ الجانب الصالح وهو أن نشارك المتألمين في آلامهم ولنقل من أطراف الشفاه وأطراف القلب لصرعى الدهر وضحاياه قول المسيحي الصالح لمريم دعيني أقاسمك الهموم دعيني
стр. 3234
علي أدهم
كم من مؤخر غاية قد أمكنت ... لغد وليس غد له بموات
حتى إذا فاتت وفات طلابها ... ذهبت عليها نفسه حسرات
تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وأرى السرور يجبى في الفلتات
خير أيام الفتى يوم نفع ... واصطناع الخير أبقى ما صنع
ما ينال الخير وبالشر ولا ... يحصد الزراع إلا ما زرع
خذ من الدنيا الذي درت به ... واسل عما بان منها وانقطع
وأرض للناس بما ترضى به ... واتبع الحق فنعم المتبع
وابغ ما استطعت عن الناس الغنى ... فمن احتاج إلى الناس جزع
قد بلونا الناس في أخلاقهم ... فرأيناهم لذي المال تبع
أبو العتاهية
стр. 3235
دول العرب
لأمير الشعراء أحمد شوقي بك
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁
تابع لما نشر في العددين السادس والسابع
يا جلاً تأبى الجبالُ ما حمل ... ماذا رَمت عليك ربة الجمل
أثار عثمان الذي شجاها ... أم غُصة لم يُنتزع شَجَاها
قضيةٌ من دمه تبنيها ... هبت لها واستنفرت بنيها
ذلك فتق لم يكن بالبال ... كيد النساء مُوهن الجبال
وإن أم المؤمنين لأمرأة ... وإن تك الطاهرة المبرأة
أخرجها من كِنها وسنها ... ما لم يُزل طول المدى من ضِغْنها
وشر من عاداك من تقيه ... ومَلقى السلاح تنتقيه
جهزها طلحة والزبير ... ثلاثة فيهم هدى وخير
صاحبة الهدى وصاحباه ... فكيف يَمضون لما يا أباه
ياليت شعري هل تعدوَّوا وبغَوا ... أم دمَذي النورينبالحق بغوا
جاءت إلى العراق بالبنينا ... قاضين حق الأم محسنينا
فانصدعت طائفتين البصرة ... فريق خِذلان وفريق نَصرة
أو ذادت البيعة والذمام ... وقادة الفتنة والزمامِ
وانتهك الحي دماء الحيّ ... من أجل ميْت غابر وحيّ
وجاء في الأُسد أبو تواب ... على متون الضُمَّر العِراب
يرجو لِصَدع المؤمنين رأياً ... وأمهم تدفعه وتأبى
وعَجز الرأي وأعيا الحِلمُ ... وخُطبت بالمرهَفات السِلم
من كل يوم سافك الدماء ... تعوذ منه الأرض بالسماء
تجر ذات الطُهر فيه عسكراً ... وتَذْمُرالخيل وتغرى العسكرا
ظل الخطام من يد إلى يد ... كالتاج للأصيد بعد الأصيد
مستَلما توهى الغيوث دونه ... وبالدماء أنهراًً يَفدونه
стр. 3236
حتى أراد الله إمساك الدم ... في كرم لسيفه المقدم
وظفرت ألوية الإمام ... وألقت البصرة بالزمام
فردت الأم إلى مقرها ... مبالَغاً في نقلها وبِرها
وظللت مَن حل أرض الملحمة ... من الفريقين سماء المرحمه
هلكي بكى البيت عليهم والحرم ... والموت دون العهد غاية الكرم
* * *
يا يوم صِفِّين بمن قضاكا ... هل أنصف الجمعان إذ خاضاكا
فيك انتهى بالفتنة التراقي ... واصطدم الشآم بالعراق
ونفِدت بقية من صخب ... تلقت الطعن بصدر رحب
بنو الظُبىَ أُبوَةُ الاسنة ... آل الكتاب أولياء السنة
لقد وفَى بدر لهم أهله ... وخنَهم مشيخةً اجله
لو في بناء المجد ذلك الدم ... بل عمدوا لما بَنَوا فهدموا
فيما مجالا قصر الاعنة ... ومد في اشتجارها الاسنة
ترجرجت بالفئتين أرضُه ... وضاق عنهم طوله وعَرضه
ووقع الانجاد بالانجاد ... وخر (عمار) من النجاد
ما كان ضر نصراَء البيعة ... لو صبروا على الوغى سويعه
بينا بنودهم هي العوالي ... والنصر حول البِيض والعوالي
غادرهم بسحره معاوية ... كأنهم اعجاز نَخل خاوية
ألقى القنا شرع المصاحفا ... ينشد بالله الخميس الزاحفا
فلا تسل عن فشل العزائم ... ولم يزل طليعة الهزائم
انقطع النَظم والانقياد ... وَحَمكت في الشُكُم الجياد
وافتيت في الرأي على الأعيان ... وهدد الإمام بالعصيان
ما كان في قبوله التحكيما ... على علو رأيه حكيما
لا يُرفع المصحف كالدفوف ... والسلم لا تذكر في الصفوف
وراية في الأشعريَ أعجب ... لله فيه فدَر محجب
стр. 3237
أين أبو موسى وأينْ عَمْرو ... لا يستوي مجرِّب وغَمرُ
أمن دها قيصر والمقوقسا ... كمن على مصحفه تقوسا
قام فرد الرجلين ونزل ... وقام عمرو فأقر وعزل
أبى عليا وارتضى معاوية ... ونقض المِنبرُ عَقد الزاويه
* * *
يا زيد كلِّ مُسرَج وملجم ... كيف علا غُرتك ابن ملجم
أصاب قِرنا لا ترام شمسه ... أعيا على الاقران دهر ألمسه
بالمرهف المسموم فيما قد ذكر ... وكل شيء قتل الماضي الذكر
يا شؤمَ سيف قطع الصلاة ... واغتر ليث الغابة المِصلانا
ولم يك ابن ملجم صُعلوكاً ... بل غالياً يقتحم الملوكا
وضارياً في دمه العدوان ... لم يخل من امثاله أوان
جبلة بين السباع والبشر ... يطوي الدم اضرابها إذا انتشر
وقال قوم ذلك مسلم نقم ... حكومة القرآن فهو منتقم
قولٌ غدا عند النهى مرفوضاً ... لو صَحْ راحَ العالَمون فُوضَى
الرأي للأمة في الولاة ... وليس للغِضابِ والغُلاة
وقتلكَ الإنسانَ غيلةً شَنِعْ ... ألجبن أن تَقْتُلَ منْ لا يمتنِعْ
النَفس لله وَللنظامِ ... والدّمُ إِحدَى الحُرَمِ العِظامِ
فكيف بالبغي على عليّ ... الراشد المقرّب الوليّ
* * *
مالك والناسَ أبا ترابٍ ... ليس الذئابُ لك بالاترابِ
هم طردوا الكليم كل مَطْردٍ ... وأتعبوا عصاه بالتمرد
وزُين العجل لهم لما ذهب ... وافتتنوا بالسامريّ والذهب
وبأبن مريمٍ وشَموا ونموُّا ... واحتشدوا لصلبه وهموا
وأخرجوا محمداً من ارضه ... وسرحت السنهم في عِرضه
وغيبوا المسوىَ الفاروقما ... وخَيرَ شمسيَهم لهم شروقا
стр. 3238
وذبحوا الشيخ على الفرقان ... حتى بكى الذكر بدمع قان
وهبّ منهم لحقك اختلس ... وفجعوا لك الصلاة في الغلس
وأشرقوا الحسين بالدماء ... مَلوّحاً بين عيون الماء
قاسم سمو الزاهد الحواري ... في درجات القرب والجوار
إن زال ملك الأرض عنك مِن ملَك ... يا طول ملك في السماء تم لك
стр. 3239
موضوعات صغيرة
كيف يحكم لينين روسيا
سأل كثيرون كيف يدير البولشفيك حكومة روسيا!! وقد أجاب المستر هادن جست أحد كتمة أسرار وفد العمال الانجليزي الذي ذهب إلى روسيا لتعهد أحوالها فقال:
ال - ٢٠٠٠٠٠٠٠٠ روسي تحكمهم أقلية عددها ٦٠٠٠٠٠ وهذه الأقلية تملي ارادتها على ال - ٢٠٠٠٠٠٠٠٠ بواسطة حكومة نادرة المثال في تاريخ الثورة.
تنتخب القرى المذكورة سوفيتات وبعبارة أخرة مجالس. ولهذه المجالس في دورها تنتخب مندوبيها المتعددين في مؤتمر السوفيت السنوي الذي يعين اللجنة التنفيذية التي يختار من وسط أعضائها سوفيت وكلاء الشعب المفوضين وبعبارة أخرى الوزراء.
والحقيقة أن الذي يدير حركة الحكومة الروسية هو الحزب البولشفي الذي يضحى أعضاؤه في سبيله كل مرتخص وغال وهو أشبه بأخاء حربية تديره اللجنة المركزية لحزب الكومون المعتبر القوة الأصلية للبولشفية وهو الذي يدير الحركة بأسرها.
وتتألف اللجنة المركزية من ثلاثين عضواً بينهم خمسة من الصحافيين واثنان من الثوريين ومحاميان وأربعة من العمال. وهذه الهيئة هي التي تقرر أعضاء سوفتيات (مجالس) القرى والمصانع وكذلك أعضاء المؤتمر السنوي وأعضاء اللجنة التنفيذية ووكلاء الشعب المفوضين (الوزراء) وجملة القول أن جميع هذه الهيئات هي مخلوقات اللجنة المركزية.
وتؤلف الوزارة من ستة وزراء كل وزير منهم في الحقيقة قيصر وذلك لنفوذه الكبير وهم لينيين. وترونسكي. وسفرلدوف. وريكوف. وستالين. وتزبروبا.
والوزارة الكاملة مؤلفة من خمسة عشر وزيراً ثلاثة محامين. وثلاثة أطباء. وصحافيين ومهندسين وثوريين وأستاذ. وارستوقراطي واحد. ورجل واحد من العمال. والوزراء الثوريون صميمون أصقلت عقولهم الفظائع التي كانت ترتكب في عهد النظام القيصري السالف.
والبولشفيك لا يؤمنون أحياناً بالخطابة الحرة كذلك؟؟؟؟؟ في هذا أن الحكومة تصنع ما تراه في مصلحة الشعب فلا داعي إذن للمعارضة.
وقد طاف المستر جست الانجليزي في الفلجا مع الوزير سفردلوف الذي يملك باخرة
стр. 3240
خاصة تقل سيارة ويختاً شراعياً صغيراً. ولسفردلوف بجانب ذلك قطار خاص.
وقد صرح الوزير سفردلوف اما المستر جست بأنه يعتقد اعتقاداً راسخاً في النظام القاسي بمعنى انه يبرر قتل الرجل السكران المعربد.
وزار جست لينيين فوجده محوطاً بالجنود وقد تحادث معه فرآه شديداً في مسألة الخطابة الحرة. ومما قاله لينين لماذا تسمح الحكومة للشعب بانتقادها مع أنها ترى نفسها مستريحة الضمير من جهة المحافظة على مصالحه؟؟ إذا كانت الحكومة ستقتل كل من يشهر السلاح في وجهها فلماذا لا تقتل كل ذي رأي معارض لأن الآراء في نظري أمضى من الأسلحة؟؟ ولماذا تترك الشعب يذيع الآراء التي تدخل في سياسة الحكومة؟؟.
стр. 3241
جميس رول
أو دك وتنجتون القرن العشرين
يؤمن كثيرون بالحظوظ ويغالي بعضهم فيقول أن مستقبل الإنسان مرتبط بحظه لا بجده واجتهاده. ونحن لا نوافق على هذا الرأي ونعتقد أن اجتهاد الإنسان وحسن تصرفه وحزمه هي الصفات التي تضمن له الوصول إلى المرتبة التي تطمح بها نفسه إليها. وحسنا إذا أردنا أن نضرب مثلاً لذلك أن نشير إلى تواريخ الأبطال الذين رقوا المراتب العالية بعد أن كانوا في الحضيض. ومنهم المستر جميس رول محافظ لندن الحالي الذي نسوق إلى القراء شيئاً من نرجمة حياته نقلاً عنه.
يقول كثيرون إن الإنسان يصل إلى الدرجة التي تطمح نفسه إليها بحظه أكثر من اجتهاده ومثابرته. وأنا مع اعتقادي بالحظوظ لا أوافق هؤلاء فيما ذهبوا إليه بل أقول أن الجهد الذي يبذله الإنسان في سبيل الوصول إلى غايته هو أضمن طريق للنجاح وأحسن وسيلة للاحتفاظ بما ربحه. وأنا معتقد أنني ما كنت أتوصل إلى الدرجة التي أغبط نفسي عليها ألان وهي درجة محافظ لندن لولا اجتهادي ومثابرتي.
رباني والدي وأنا صغير في إحدى مدارس القرى الصغيرة في مدرسة ايست برست نيوفوريك. وكان في ذلك العهد مزارعاً بسيطاً فلم أحصل من التعليم إلا على النذر اليسير. ثم خرجت من هذه المدرسة ودخلت مدرسة أخرى صغيرة فلم أستفد فائدة تذكر. ولم يبتدئ تعليمي الحقيقي إلا بعد أن غادرت المدرسة.
ذهبت إلى لوندره في سن الرابعة عشرة ولم يخطر على بالي ذلك العهد أن أمتع نفسي برؤية مناظر شوارع لوندره كما كان يفعل سلفى دك وتنجتون بل كان فكري منصرفاً إلى الاستمرار في العمل بقدر ما وهبني الله من قوة وجلد وصبر على الشدائد. وقد فتح الله أمامي السبل فتوظفت في إحدى شركات التأمين براتب اسبوعي قدره ستة شلنات ومع أنني كنت أشعر بضجر وملل من هذه الوظيفة فقد عاهدت الله أن أذلل جميع العقبات التي كانت تعترضني في طريقي حتى أصل إلى القصد التي تطمح نفسي إليه وهو وظيفة وكيل لإحدى شركات التأمين.
كنت أذهب إلى محل عملي في الساعة الخامسة والنصف صباحاً وأعود إلى بيتي في
стр. 3242
الساعة الحادية عشرة أي قبل منتصف الليل بساعة. وقد واظبت على هذا أسابيع وسنين. . بيد أن آمالي لم تقف عند هذا الحد فقد كان يجول في خاطري أن أصبح رئيساً في يوم من الأيام ولكنني كنت أعلم أن الإنسان لا يصل إلى مثل هذا المركز إلا إذا كان حائزاً لدرجة كبرى من الكفاءة فسعيت ولم ألبث بعد ذلك قليلاً حتى وصلت إلى أمنيتي المنشودة.
وإذا جيء إلي الآن بشاب يطلب إلى أن أدله على الخطة التي سيسير عليها في أمر مستقبله. سألته أن يجعل نصب عينه الغرض الذي يرمي إليه. فإذا قال لي أنه يتوق أن يكون مهندساً مثلاً قلت له أن هذا لا يكفي إذ هناك مهندسون مجيدون ومهندسون لا يفهمون شيئاً.
والواجب فعله أن يفكر جيداً في نوع المركز الذي تصبو نفسه إليه فإذا استقر رأيه سار في سبيل الحصول عليه.
وكم أسر الآن إذا تذكرت اليوم الذي دعيته فيه لأكون مديراً للشركة ولا شك في أنني ما وصلت إلى هذه الغاية إلا بعد أن صممت في بادئ الأمر على أن أكون أحسن وكيل للشركة ثم بعد ذلك أحسن رئيس لها. وقد كانت سياستي في كل ادوار حياتي أن أجعل نصب عيني الغرض الذي أرمي إليه فلا عجب إذا تحقق هذه السياسة.
стр. 3243
متفرقات
بعض طبائع الحيوان
يعد الثعلب أجرأ حيوان على تخليص حياته من الموت والخروج من المآزق الحرجة. ومع أنع لا يعد من الحيوانات المتسلقة فقد تراه أحياناً مختبئاً بين أغصان شجرة من ألشجار على أثر مطاردة الصيادين له وضيق سبل الفرار أمامه.
وإذا قبض الفخ على الثعلب حاول الخلاص فإذا لم يتمكن من ذلك عض قدمه وابتلعه رجاء التخلص من الفخ.
وللأرانب طبيعة خاصة في الهروب من الفخ فإذا أحس الأرنب وقوع قدمه في الفخ جذب نفسه بشدة بحيث يترك القدم فيه وينجو هو بنفسه.
أما الهرة فعلى خلاف ذلك فهي إذا وقعت في الفخ استسلمت لقضاء الله وظلت سجينة من غير أن تكلف نفسها عناء النجاة.
من عامل إلى مليونير
قال كثيرون أن أصل المستر جميس دليث ملك الألعاب والأشغال أنه كان فاعلاً. وهو معدود الآن من ضمن مليونيرات لوندن مع أن عمره لم يتجاوز الثانية والأربعين وهو أعضاء الفريق الذي اشترى معامل قطن المستر هوردكس كرودسن بمباخ ٥ ملايين جنيه.
وقد تفاوض المستر جميس في بيع ضيعة بدفورد كوفنت جاردن بمبلغ ثمانية ملايين من الجنيهات! ويقال أنه كسب٠٠ر١٠٠ جنيه في سيزارويتس!
الرجل في نظر النساء
ذكر المستر ماكردي مراقب الطعام في انكلترا أنه استلم خطاباً من ناظرة مدرسة للبنات يحتوي على موضوع إنشاء كتبته إحدى التلميذات عن الرجل وقد جاء في هذا الموضوع النبذة الآتية:
الرجل هو ما تتزوجه المرأة! وهو الذي يدخن ويتعاطى المسكرات ولا يذهب إلى الكنيسة على الإطلاق.
نبوغ النساء
فاقت المسز سسي كوبر جميع الرجال في مدرسة مستشفي كروس وكانت طالبة بها
стр. 3244
وحازت المدالية الذهبية وهذه أول مرة حازت فيها امرأة هذه المدالية. وقد تخصصت لمسز سسي في فن الجراحة والطب الباطني.
أقبح امرأة في العالم
المسز بيفان أقبح امرأة في العالم بشهادة الجميع وهي تعجب من بقبح خلقها وتقول أنها مرد رزق لأسرتها، وقد اختبرت من بين كثيرات أجبن دعوة الإعلانات الت نشرت في الصحف عن اقبح امرأة في العالم. وعادت إلى لوندره أخيراً بعد أن عرضت في أمريكا ولها حكمة مأثورة تقولها في بعض الأحيان وهي أنني لم أكن أتوقع أن تصبح خلقتي الدميمة في يوم من الأيام مصدر سعادة!!.
وكم أشعر بالغبة والسرور عندما أرى أني أصبحت مورد رزق لي ولأولادي الأربعة!.
أم منجبة
المسز هارمسورث من أعجب الأمهات الشهيرات في التاريخ البريطاني فقد تزوجت بشاب إيرلندي نشيط كان يحترف حرفة وكيل قضايا وقد قضي وهو في شرخ الشباب واثنان من أولادها وهما اللورد نور ثكليف واللورد روثرمور بلغا رتبة الأشراف قبل أن يبلغا سن الخمسين ولها ابن بارون آخر هو السير روبرت ليسترهارمسورث ورابع هو المستر هارمسورث المشهور في وزارة الخارجية الانجليزية فيالها من أم منجبة.
الاضراب عن الطعام
ليس في العالم الآن من يجهل المستر ماك سويني محافظ مينة كورك الذي استشهد أخيراً بعد أن امتنع عن الطعام مدة (٧٤ يوما) والذي عده العالم نموذجاً من نماذج حب الوطن ومثلاً أعلا لصدق العزيمة وقوة الإرادة.
ولما كان الشيء بالشيء يذكر نورد ههنا أن اول من اتخذ الإضراب عن الطعام مظراً للاحتجاج على السجن هو رجل ليقوس يدعى جون اسكوت عاش في القرن السادس عشر للميلاد.
وقصة هذا الرجل أنه حكم عليه مرة بغرامة كبرى ولما نس من نفسه العجز عن السداد لا بكنيسة (هولي رود هاوس) حيث لبث زاهداً في المأكل والمشرب زهر ألربعين يوماً. فطار صيته حتى اتصل بالملك فتاق إلى أن يقف على حقيقة أمره فاحتبسه في غرفة وشدد
стр. 3245
مراقبته ولم يدع لأحد سبيلاً للدخول عليه. وعد مضي اثنين وثلاثين يوماً اقتنع الملك وأطلق سراحه.
دورة الزمن
يالتصرفات الزمن وتقلباته! فإنه لا يني يضع رفيعاً ويرفع وضيعاً. ويقذف بمن يشاء إلا أعلى درجات العلا ويهوي بمن يشاء إلى أسفل دركات الهوان ولقد كانت الحرب العالمية الكبرى من أكبر الفرص التي جرى الدهر فيها بيده العسراء فعبث بحظوظ الناس وسخر من آمالهم وأحلامهم. وهل أدل على ذلك مما سمعناه عن قيصر الروسيا (النصف آلة) يعزل فيبقى ثم يقتل ويتسم ذروة عرشه بعض عامة شعبه.
وهل أعجب مما نسمعه الآن من أن مئات من أمراء روسيا يمتهنون الآن في فرنسا حرفاً عدة؟ فمنهم سائق لعربة وخادم لحانة وها هو الكونت (بول اجناتيف) الذي قبل الحرب من أعوان القيصر وألصقهم به يبيع الآن اللبن في (جارشيه) وزوجه التي كانت أجمل امرأة في (بتروجراد) تقوم فتحلب البقر كل مطلع شمس. بينما يشتغل ابنه بالفلاحة في حي سان جرمان كما أن الكلونيل اسكورانوف أشهر فرسان روسيا وأعظمهم جرأة قد استعاض عن السيف المعول وهو الآن خبير زراعي هنالك. وأضحى الجنرال نيكولاجيفقائد الحملة الروسية في فرنسا يسوق سيارة نقل لاحدى شركات الجملة في باريس. . . .!!!
آلة لصنع السكائر
٠٠٠، ٧٥٠، ٤ سيكارة في اليوم
اخترعت آلة لصنع السكائر هي الآن موضع إعجاب القوم في لندن. وهذه الآلة تستعمل الآن لصنع سكائر شركة القطة السوداء
يوضع التبغ في وعاء مخروطي الشكل ثم يمر ما بين اسطوانتين يسقط من بينهما إلى يدين متحركتين تحمل الدخان المفرى (المفروم) كمية من ورق السكائر لا نهاية لها. وبمجرد الانزلاق في هذا الورق في الآله يطبع عليه اسم الشركة من الوجهين ثم ينتهي إلى مكان مستدير يلف فيه فيأخذ شكله المعروف. ولا يلبث المشاهد بعد ذلك حتى يرى السكائر تخرج من الآلة بسرعة لم تر عين مثلها إذ أنها تخرج ٤ مليون سيكارة في اليوم.
احساس الساعات
стр. 3246
يقولون إن ساعات الجيب إذا كانت دقيقة الصنع مركزة على أحجار كريمة لأنها تتأثر بحالات حامليها النفسية فإذا ما عانى أحدهم انفعالات قوية اضطربت الساعة وقتئذٍ، بل ربما وقفت تماما.
وللأحجار الكريمة أيضاً ميزة الاحساس فأحوالها تتغير تبعاً لأحوال أصحابها إلى حد أنه لو عكفت امرأة مثلاً على استعمال جواهرها أثناء اعتلالها ذهب عن الجواهر رواؤها وانطفأ لمعانها. . وقد لاحظ الكثيرون أن الأحجار عين القط وحجر النجوم مع الذكي المتوقد الذهن أكثر تألقاً واستطع نوراً منه مع الغبي البليد.
لا تدع طفلك ينام على ظهره، فذلك مضربه وأصح أن ينام على جنبه الأيمن على رأسه على وسادة واطئة قليلاً ويداه أمام صدره.
تميز العين بين ٠٠٠، ٣٠ لون وظل وصبغ ٠٠٠٠ كما أن الأذن - على حد قول العلماء - تميز بين ٠٠٠، ١١ نغمة مختلفة.
لا يمكن الوصول إلى قمم الجبال العالية جداً لأن الهواء في هذه الأجواء يكون خفيف الضغط، قليل الاوكسجين (العنصر الحيوي في الهواء) ولهذا السبب لم يستطيع المستكشفون أن يتجاوزوا الثمانية آلاف متر من ارتفاع (افرست) - أعلا قمة في (الهملايا) والتي يبلغ ارتفاعها نحو ٠٠٠، ١٠ مترأً أما ارتفاع أمثال هذه القمم الشامخة فتعرف بطرق علمية.
اخترع التليسكوب المنظار ككثير من الاستكشافات العظيمة بطريق الصدفة ذلك أن أولاد أحد صناع الساعات كانوا يوماً يلعبون بالعدسات فرتبوها بكيفية خاصة فرأوا بوسطتها منارة بعيدة جداً كأنما هي على مقربة منهم. فأعلموا أباهم بذلك، فاهتم بالأمر ومازال يعمل حتى اخترع أول تلسكوب.
стр. 3247
أحداث الشهر
النشيد الوطني المصري
تألفت في هذا العام تحت رآسة حضرة صاحب المعالي الوزير العالم الشاب جعفر والي باشا لجنة رسمت نفسها بلجنة ترقية الأغاني القومية واقترحت على شعرائنا وضع نشيد وطني مصري نتناشده في مواطنه الملائمة على نحو الأناشيد التي للأمم الأخرى فقدم لها نحو من ستة وخمسين نشيداً وبعد فترة من الزمن اجتمعت اللجنة بدار الجامعة المصرية يوم الجمعة ١٩ نوفمبر سنة ١٩٢٠ ومعها المحكمون في اختيار النشيد بعد أن وزعت على أعضائها هذه الأناشيد مطبوعة مغفلة من أسماء واضعيها ثم انتهت اللجنة في مناقشاتها إلى أن أكفاها كلها وأوفاها بالغرض وأجمعها للمزايا التي ينبغي أن تنسق لنشيد قومي مصري هو النشيد الذي نظمه حضرة صاحب السعادة أحمد شوقي بك فاختارته وقررت نشره وطرحه على أهل الفن لتلحينه وضبطه بالعلامات الموسيقية ليبقي لحركة هذه الأمة شعاراً، ويتخذ للحوادث الوطنية على وجه الزمان مساراً وقد اجتمع رأي اللجنة كذلك على أن ثاني الأناشيد هو النشيد الذي قدمه حضرة الشاعر الأديب محدم أفندي الهراوي الموظف بدار الكتب السلطانية، ويلي هذين النشيدين ثلاثة أناشيد تتبارى في ميدان الاجادة والاحسان وتسبق سائر ما عداها بشوط بعيد. هذا هو ما بلغتنا اللجنة إياه - وقبل أن تذيع اللجنة هذا البلاغ علمنا أن حضرة الأديب الكبير السيد مصطفى صادق الرافعي كان قد قدم فيمن قدم إلى اللجنة نشيداً له ثم استقل بنشيده ولم ينتظر رأي اللجنة وأذاعه بالطبع. ونحن هنا نثبت هذه النشيدين دون أن نتعرش لشيء من النقد والتجريح والموازنة أو لايذاء رأي خاص بنا إذ أن ذلك مما يوسع دائرة الخلف الذي أصبحنا نمقته المقت كله ولا نوده لامتنا المحبوبة في أي شأن من شؤنها ولكن الذي نستجيزه لأنفسنا هو كلمة على الأناشيد وكيف تشأت وترجمة بعض الأنشيد الأمم الأخرى مثل المرسببز وخلافه وموعدنا العدد القادم إن شاء الله.
* * *
النشيد الوطني المختار
عمل سعادة أمير الشعراء أحمد بك شوقي
стр. 3248
بني مصر مكانكمو تهيا ... فهيا مهدوا للملك هيا
خذوا شمس النهار له حليا ... ألم تك تاج أولكم مليا
* * *
على الأخلاق خطوا الملك وبنوا ... فليس واءها للعز ركن
أليس لكم بوادي النيل عدن ... وكوثرها الذي يجري شهبا
لنا وطن بأنفسنا نفيه ... وبالدنيا العرسضة نفتديه
إذا ما سيلت الأرواح فيه ... بذلناها كأن لم نمط شيا
* * *
لنا الهرم الذي صحب الزمانا ... ومن حدثانه أخذ الأمانا
ونحن بنو السنا العالي نمانا ... أوائا علموا الأمم الرقيا
* * *
تطاول عهدهم عزاً وفخراً ... فلما آل للتاريخ ذخرا
نشأنا نشأة في المجد أخرى ... جعلنا الحق مظهرنا العليا
* * *
جعلنا مصر ملة ذي الجلال ... ألفنا الصليب على الهلال
وأقبلنا كصف من عوال ... يشد السمهري السمهريا
* * *
نروم لمصر عزاً لا يرام ... يرف على جوانبه السلام
وينعم فيه جبران كرام ... فلن تجد التنزيل به شقيا
* * *
نقوم على البناية محسنينا ... ونعهد بالتمام إلى بنينا
نقوم فداك مصر كما حيينا ... ويبقى وجهك المفدى حيا
نشيد مصر القومي عمل محمد الهراوي
دعت مصر فلبينا كراماً ... لنا مصر فلا ندع الزمان
قياماً تحت رايتها قياما ... أمامكم العلى فامضوا أماما
стр. 3249
* * *
هناك المجد يدعوكم فهبوا ... وليس يروعكم في الجد خطب
لعمر المجد ما في المجد صعب ... تردى الذل من يخشى الحماما
* * *
فنحن أولو المآثر في العصور ... وبين يدي أبو الهول الممصوز
وفي الأهرام أو فوق الصخور ... ترى آثار أيدنا جساما
* * *
لنا مجد على الدنيا تعالي ... (بناه الله يوم بنى الجيالا)
وسمناه برايتنا هلالا ... وننشرها على الدنيا سلاما
* * *
لنا التاريخ فياض المعاني ... لنا الأسرار معجزة البيان
لنا علم الأوائل في الزمان ... لنا الأخلاق نرعاها ذماما
* * *
لنا ذكر مع الماضي مجيد ... لنا أمل يجد بنا بعيد
كذلك مثلما سدنا نسود ... ونرفع فوق هام النجم هاما
* * *
فيا وادي الكنانة لن تزولا ... وفيك النيل يجري سلسبيلا
يطوف بمائه عرضاً وطولا ... ويبسط فيضه عاماً فعاما
* * *
بساطك السندس، وثراك تبر ... وجوك مشرق، وشذاك عطر
ونهرك كوثر، وبنوك غر ... أبوا في الله والوطن انقساما
* * *
فيا ابن النيل هز لواء مصرا ... وهيء في النجوم له مقرا
وأطلع بالهلال عليه فجرا ... وعش في ظله العالي إماما
стр. 3250
العدد ٥٨ - بتاريخ: ٣٠ - ١١ - ١٩٢٠
стр. 3251
ما وراء الساحل المجهول
الدليل القاطع
هذا هو المقال الثاني للسركونان دويل الذي يعد اليوم في طليعة بلاد الغرب الذين يعنون بمسألة الحياة بعد الموت وهي المسألة التي أصبحت شغلاً شاغلاً للعلماء.
قد عثرنا في آخر مؤلف من مؤلفات الاستاذ هيستون - أستاذ المنطق في جامعة كاليفورنيا سابقاً وأمام الحجة الثقة في علم الفلسفة النفسية في القارة الأمريكية الذي عليه المعتمد وإليه المرجع في كل ما ينجم من المسائل السيكولوجية من معضلاتها وملغزاتها - أعني تصنيفه المعنون الحياة يعد الموت على جملة لا يكاد يحتملها السامع أو تسيغها ألذن وهي: كل من لا يسلم بوجود الأرواح المجردة من الأجسام ويصدق بالبرهان على ذلك فهو إما جاهل أو مصاب بآفة الجبن الأدبي. هذا قول حق ولكن ما يتضمنه من همز ولمز قد يفل من حده ويخفف من وخزه ما يقوم للمنبوذ به من العذر الواضح في جهله بهذه الأسرار إذ أن الدليل القاطع على صحة هذه المسائل الروحانية لا يزال بعد جديداً حديث العهد وهو مطوي في تضاعيف مصنفات لم تنقل إلى الانكليزية فضلاً عن غلاء أثمانها وصعوبة الحصول عليها. ولا أنكر أن بين أيدينا ذلك المؤلف الفذ البديع تصنيف العلامة كروفورد وكتاب مباحث كروكر ولكن كليهما كان في حاجة إلى احراز المصادقة والتأييد والشرح ولتفسير من مباحث علماء القارة الأوربية لكي تظهر أسرار معانيه في أجلى مظهر. وبين يدي الآن كل هذه التصانيف وسأحاول في هذه المقالة أن أثبت لكل من لا يكابر في الحقيقة الساطعة أن هذه الاكتشافات الحديثة قد أصبحت اليوم لا موضع فيها للجدال والمشاحنة ولكن قد فصل فيها وتبين صدقها إلى نقطة معينة محدودة يصح أن تجعل أساساً متيناً لأبحاث المستقبل ولا نزاع في أن جميع المستكشفات الحديثة سواء أكانت من مبتدعات الطيران أو التلغراف اللاسلكي أو غيرهما من المبتكرات_كلها جدير أن بتضاءل قدره وتضمحل قيمته إزاء ذلك الاختراع الذي قد أبرز إلى عالم الحس نوعاً جديداً من المادوة محلى بخواص لم يسمع به قط ولم تخطر على بال ثم هو (أي هذا النوع الجديد من المادة) لعله كامن مخبوء في كيان كل واحد منا. وإنه لمن أدهش الغرائب وأعجب المناقضات أن الباحثين وراء الروح قد استكشفوا في سبيل أبحاثهم الروحانية من أسرار المادة ومن غرائب خواصها
стр. 3252
ومدهشات قواها وتأثيراتها أثر مما وصل إليه الماديون أنفسهم.
وجدير بنا أن نذكر مبدئياً أن تقدم المظاهر الروحانية لم يكن إلا تدريجياً وأن تمقص الأرواح في المادة (ظهورها على أشكال مادية) إنما هو أمر حديث العهد. ثم أنه أخذ يزداد ويتفشى في العقد السابع والثامن من القرن التاسع عشر إذ تطرقت إليه أساليب التزوير والتدليس والتمويه بسبب ضعف العالم إذ ذاك في علم الانتقاد والتمحيص فكانت ظلمات الجهل المخيمة حينذاك مما ساعد كثيراً على انتشار ذلك واستفاضته. بيد أن بقطع النظر عما كان يشوب نلك المسائل الروحانية من مظاهر الغش والتزوير لقد كان يوجد بينها ما هو حق صرح وصدق بين. ولقد أثبت العلماء الراسخون في ذلك الباب والثقاة الجهابذة أثناء مشاهداتهم العديدة لتلك المظاهر الروحانية أنه يوجد بعض أشخاص ممن يسمونهم الوسائط المجسمة (أي المستطيعة إبراز الأرواح في ثرب من المادة) قد امتازوا بخاصة أو موهبة مادية غريبة وهي أنهم يستطيعون أن ينفثوا من أبدانهم مادة غروية لزجة مخالفة في كنهها لكل ما قد عرف حتى الآن من جميع أشكال المادة وصورها من كونها يمكن تصلبها (أي صيروتها مادة صلبة) واستعمالها في أغراض مادية وهي مع ذلك يمكن استيرادها إلى داخل الجسم من حيث أتت دون أن تترك أدنى أثر البتة ولا على الثياب التي اخترقتها عند انبعاثها من الجسم. ولقد تمكن بعض البحاثين فعلاً من لمس هذه المادة فخبروا أنها مادة مرنة مطاطة وفيما يظهر حساسة كما لو كانت إفراز عضوياً من جسم الواسطة. ولقد استقل رجال العلم هذه الآراء بالهزء والسخرية طبعاً. ثم انبروا إلى دحضها ونقضها بالبراهين التشريحية وبالحجج الطبيعية العامة غير أن الأبحاث الحديثة العهد قد أثبتت كما سأبين ههنا أن الروحانيين المنقدمين كانوا في هذه المسألة وفي غيرها رواد الحق المبين وأنهم قد عثروا على أغرب وأعجب ما بدا في الكون من مظاهر المادة.
وفي عام ١٩٠٩قامت المدام اسكندربيسون_وهي سيدة فرنسية من المولعات بالعلوم الطبيعية - بدراسة هذه لظاهرة وجعلت واسطتها في ذلك امرأة تدعى حواء كانت قد أوتيت القدرة على تكوين هذه المادة التي سماها شارل ريشيه الفسيولوجي الفرنسي الشهير الابكتو بلازم وقد أيدها في هذه المباحث دكتور الماني لسمه شرنكتو تزنجإذ جمع مذكرات الجلسات فيما بعد فنشرها بالفرنسية في كتاب عليه اسم المدام بيسون بعنوان ظواهر
стр. 3253
المادية والجملة الآتية من مقدمة الكتاب تدل دلالة بينة على فحوى الكتاب ومرماه. وهي لقد استطعنا مرات عديدة إذ نقدر أنه قد يخرج من جسم الواسطة بسبب عملية بيولوجية مجهولة مادة تكون في أول أمرها نصف سيالة وتتضمن بعض خصائص المواد الحية التي أهمها القدرة على التغير والحركة واتخاذ أشكال محدودة ثم أضاف إلى ذلك قوله وقد كان للإنسان أن يكذب هذه الحقائق لو لم تقم على صحتها الأدلة الدامغة مئات المرات أثناء التجارب الدقيقة تحت شروط مختلفة متنوعة محكمة مضبوطة فهل بعد ذلك مصداق على صحة دعاوى أولئك الروحانيين المتقدمين الذين لبثوا جيلين عرضة لاستهزاء العالم صابرين متجلدين لسهام ضحكهم وسخريتهم؟ وقد ختم شرنكتوتزنج مقدمته الجليلة بتشجيع زميلته واستنهاض همتها حيث قال: لا تنكلي ولا تنكصي عما قد نهجته لنفسك من تلك السبيل الوعرة المعتاصة المؤدية إلى فتح جديد في معترك الجهاد العلمي المفضية إلى مملكة مستحدثة في عالم العلوم بأن تجعلي سبيلاً عليك إلى تثبيط الحمقى المعاندين ومطاعن الجبناء المشاغبين ومغالطات المقسطين المكابرين ولكن امعني في منهاجك الذي افترعته وأوغلي في سبيلك الذي شققته ولا تزالي ذاكرة؟؟؟ العلامة فارادي حيث قال: لا يصح أن يقال عن شئ مهما بلغ من غرابته: هذا أغرب من أن يكون حقاً.
أما طريقة إجراء هذه التجارب المدهشة فقد كانت كما يأتي: كانت تؤخذ كل الاحتياطات الممكنة ضد التزوير والتدليس. فكانت المدام بيسون تحفظ مفتاح غرفة الحفلة في جيبها وكانت حواء الواسطة تضطر إلى تبديل ثيابها بثياب أخرى حينما تكون، وجودة في هذه الغرفة ثم تعود إلى ثيابها الأصلية بعد خروجها منها.
وكان يجري عليها الفحص الطبي على أيدي جماعة من مهرة ألأطباء. وبعد ذلك كان الضوء الذي بالغرفة يأخذ بالازدياد تدريجياً حتى يستكمل بها ستة مصابيح قوية حمراء والأحمر هو - كشأنه في الفوتوغرافيا_اللون الوحيد الصالح لتلك التجارب. وأهم ما في هذه الاحتياطات أنه كان يوجه إلى حواء المذكورة من جميع اتجاهات الغرفة عدة آلات مصورة (فوتوغرافيات) - وقد بلغ هذا العدد ثمانية في المرة الأخيرة فتسلط عليها بحيث أنها لا تغفل أدنى حركة من حركات الوسيطة حواء إلا سجلتها وقيدتها. وقد بلغ عدد ما تجمع من هذه الصور وظهر في الكتاب الآنف الذكر ٢٠٠ فوتوغرافاً. وقد استمرت هذه
стр. 3254
الحفلات المسلسلة أربعة اعوام وقد شهدها خلاف المدام بيسون والدكتور الألماني جملة من رجال العلم قد بينت أسماؤهم بالكتاب المذكور.
أما نتائج هذه التجارب فهي فيما أرى لأهم وأشهر مما يؤثر على نتائج أي أبحاث أخرى فلقد شهدت الشهود وبينت الفوتوغرافيا أنه كان يترشح من عيني الواسطة (حواء) وفمها وأذنيها وجلدها هذه المادة الغروية الخارقة للعادة. وأن الفوتوغرافياا لمبينة لهذه الظواهر لبشعة كريهو منكرة شنيعة ولكتن البشاعة والكراهية والشناعة هي من الصفات التي يتجلى فيها لأعيينا الكيثر من عوارض الطبيعة وحوادثها وإنك إذا تأملت الصورة الفوتوغرافية الخاصة بهذه الأبحاث لرأيت هذه المادة الغروية اللزجة تتدلى من الذقن كنتف الثلج المتساقطة فتتقاطر فوق الجسم مكونة عليه شبه المبذلة أو بارزة من نوافذ الوجه وثقوبه (أعني الخياشيم والفم والعينين والاذنين) على هيئة كتل منتشرة مشوشة عديمة النظام والشكل. وهذه المادة إذا لمست أو سقط عليها لون من النور غير ملائم (غير الأحمر الآنف الذكر) تكمشت وتقبضت مرتدة إلى داخل الجسم من حيث أتت. وإذا قبض عليها وقرصت أرسل ذلك صيحة ألم وتوجع من الواسطة وهذه المادة تبرز من الثياب ثم تعود فتختفي دون أن تترك عليها أدنى أثر. وقد اقتطعت فلذة من المادة بأذن من الواسطة فذابت هذه الفلذة في الصندوق الذي وضعت به كما يذوب الثلج تاركة شيئاً من البلل والرطوبة وبضع خلايا كبيرة كالتي تنبعث عن الطفيليات الفطرية.
ولا يغيبن عن الذهن أنه قد اتبع في هذه التجارب تلك الطريقة العادية ةهي وضع الوسيط في فرغ محصور محجوب بأستار وهذا ما يسمونه الخلوة فهنالك جلست الوسيطة على كرسي ولكن يديها كانت ابا بارزتين للعيان احتياطاً إضافياً من حدوث الغش والتمويه. والغرض من إيجاد هذه الخلوة هو أن تكون الاكتوبلازم يتوقف أولاً على نوع من تكاثف المادة شبيه بالبخار الثقيل.
وكأني بالقارئيقول في نفسه ولكن ماذا عسى تكون علاقة كل هذه الاشياء بالأرواح؟ وما لتلك المظاهر الغريبة ونظرية الروحانيين؟ فلتعلم إذن أن كل ذلك مما يفوت الوهم والتصور ولا يدخل في نطاق المعقول ان هذه المادة الاكتوبلازم قد تتجمد وتخثر عند بعض الوسطاء بعد تكونها فتأخذ أشكالاً محدودة وصوراً معينة وهذه الأشكال هي أرجل
стр. 3255
بشرية ووجوه بشرية ترى في أول الأمر منفصلة منعزلة ثم تلتم وتتحد فتسكتمل منها صور إنسانية. وأن كثيراً من الفوتوغرافات تمثل لنا هذه الأشباح الغريبة في أحجام أصغر من حجم الإنسان الحي كما يرى من الفوتوغرافات المأخوذة عن حواء الآنفة الذكر. وبعض هذه الوجوه المترائية تمثل صوراً ذهنية كانت تقوم في ذهن حواء وقت التجربة ثم تقمصت تلك المادة فتراءت بارزة عن ضمير نفسها للعيان في الهواء الجوي وقد وجد بعض الشبه بين تلك الأشباح المترائية وبين صور كانت حواء قد نظرتها من قبل وخزنتها في وعاء ذاكرتها. فمن ذلك شبح كان يشبه المسيو بوانكاريه عبوس الوجه متنمر مكفر. ومن هذه الأشباح شبح يمثل لفظة المرآة مكتوبة بحروف الطباعة فوق رأس الوسيطة وقد قال بعض النقاد أن هذا يدل على أن الوسيطة كانت قد أخذت في ذاكرتها إذ ذاك تلك الجريدة المسماة هكذا المرآة وإن كان أعياهم تعليل هذه المسألة وإبداء السبب الباعث لها على التفكير في جريدة المرآة ساعة استحضارها صورتي هذين السياسيين في ذاكرتها وأي علاقة بين الرجلين العظيمين وبين جريدة المرأة. أما الوسيطة نفسها فقد عللت هذا باحتمال أن القوات المتحركة ربما أوردت فكرة المرآة هذا لتدل على أن ما عرض إذ ذاك من صورتي الرجلين لم يكن طبق الأصل (أي صورتيهما الحقيقيتين) وكان كما يشاهد في المرآة منعكساً.
ولعل القارئ لم ير حتى لآن علاقة ظاهرة بين هذا ونظرية استحضار الأرواح. فليعلم إذن أن حواء عندما تكون في أحسن حالاتها قد يتكون امامها شبح كامل. على أن هذا لا يكون إلا في الندرة ويصحبه عاددة تأثير في حالتها الصحية وهذا الشبح يمثل شخصاً ميتاً ثم ينفصل انفصالاً تاماً عن جسم الوسيطة. ثم يهبط على هذا الشبح شخصية تدعى أنها شخصية إنسان ميت أو لعلها في الحقيقة شخصية ذلك الميت فتتقمص الشبح المذكور فتهب فيه روح الحياة وتتنفس فيه فيتحرك ويتكلم ويعبر عن عواطف الروح المتقمصة فيه. ولقد جاء في خاتمة تقرير بيسون الآنف الذكر الكلمة الآتية: أنه منذ انعقاد هذه الجلسات وبعد ذلك قو شوهد أن الشبح يتراءى برمته ويبرز بحذافيره من الخلوة وينطلق لسانه بالكلام ولقد سار وتحرك حتى وصل إلى المدام بيسون فاعتنقها وطوق ذراعيها قربتها ثم قبلها. وقد سمع في المكان صورة القبلة. فهل رؤى قط مثل ذلك ختاماً لبحث علمي؟ إلا أن في
стр. 3256
ذلك لعبرة لمن اعتبر ودليلاً قاطعاً على عجز العلماء المحققين والفحاص المدققين وضعف أحلامهم وانحسار أوهامهم على سر أعماق الطبيعة وإدراك أسرارها الخفية وبرهاناً ساطعاً على أنه قد يستحيل البتة على أمهر فلاسفة الماديين أن يهتدوا إلى تعليل أمثال هذه الحقائق الثابتة بما يطابق نظرياتهم المادية. وقوانينهم الفسيولوجية والكيماوية. وأن أقصى ما وصل إليه جهد العلماء في هذا السبيل وآخر ما اهتدوا إليه من تعليل هذه الحقيقة الثابتة هو ما قاله المستر جوزيف كراب في مباحثته العلنية التي جرت بيني وبينه حديثاً من أن المادة اللزجة المنبعثة من أجزاء جسم الوسيط المسماة الاوكتوبلازم ما هي إلا حالة من حالات رشحان المواد الغذائية غير المهضومة من نوافذ الجسم ومسامه! ولقد نسي - حفظه الله_أن وجه الوسيطة وجسدها وسائر أعضائها كانت في بعض التجارب تلف لفاً محكماً في زرد حصيف من الحديد جيد الحبك لا ينفذ منه الماء وقد كان الاكتوبلازم يمر منه وينفذ. فلو كانت هذه المادة هي من محتويات المعدة والامعاء الت يقيئها الجوف ويرشحها سوء الهضم فكيف كانت تستطيع النفاذ من هذا الحجاب الكثيف والغطاء المحكم الحصيف!
هذه الحقائق قد أيدها وأكدها الدكتور شرنكتوتزنج الألماني بما أجراه من التجارب على وسيطة أخرى من نساء بولونيا ممن امتازوا لقوة نفث مادة الاكتوبلازم فإن هذا الدكتور لما اجرى تجاربه على الوسيطة البولاندية وصل إلى عين النتائج التي كان أفضى إليها عندما أجري تجاربه الأولى على الوسيطة حواء. وقد شهد تجاربه الثانية نفر عديد من فطاحل علماء الألمان المدققين قأقروا بصحتها وخلوها من أساليب التدليس والتمويه ولقد أمعن الدكتور شرنكتوتزنج - بفضل ما امتاز به أهل جلدته الألمان من فرط التحقيق - في اعماق الموضوع وتغلغل في صميم لبه إلى أبعد وأعمق مما أفضى إليه سلفه (أعني المدام بيسون) وذلك بقصه بضع شعرات من شعر الأشباح المكونة من مادة الاكتوبلازم فقارن بواسطة المكروسكوب بينها وبين شعر الوسيطة (وكانت الوسيطة هي حواء. وقد جرت هذه المقارنة في بعض التجارب التي جرت في فرنسا) ثم أثبت بعدة اختبارات كيمياوية أن هنالك خلافاً بينا بين عتيي الشعر وأن شعر الشبح لا يمكن أن يكون مصدره من شخص الوسيطة بل هو أجنبي غريب عنها وصادر من شيء غيرها. ثم أخذ قطعة من الاكتوبلازم فأحرقها في جهاز كيماوي فاحترقت مستحيلة إلى رماد ينبعث عنه رائحة كرائحة القرن
стр. 3257
وأصيب أيضاً بين متخلفات الحريق الكيماوي مادة كلورور الصوديوم (الملح العادي أي ملح الطعام) وفوسفات الكلسيوم. وختم الدكتور اختباراته بأخذه سلسلة صور سيناموتوغرافية عن الاوكتوبلازم في حالة انصبابه من فم الوسيطة. وقد أورد في كتابه جانباً من هذه الصور السيناماتوغرافية.
وجدير بالذكر أنه بينما كانت الوسيطة في غيبوبة أثناء هذه التجارب فإنها لم تكن فاقدة الشعور بل كان يرى عليها كأنما ق تقمصت فيها شخصية أخرى خلاف شخصيتها ويكن تفسير هذه الشخصية الثانية بأنها إحدى شخصياتها أو ذاتيتها المتعددة (لأن الإنسان يكون له عادة شخصيات أو ذاتيات متعددة) أو بأنها روح حقيقية خارجية أجنبية قد تقمصتها واستحوذت عليها. وقد كانت هذه الشخصية الجديدة المتلبسة بالوسيطة تتكلم عن الوسيطة وتتحدث في شؤونها بشيء من العنف والحدة إذ جعلت تخاطب المدام بيسون قائلة عن الوسيطة إنها تحتاج إلى شيء كثير من التمرين والرياضة والتعويد على النظام والضبط وإلى الحث والتحريض على الاهتمام بأداء أعمالها وواجباتها وفي كثير من الأحايين كانت هذه الشخصية الجديدة تبدي مزية الكشف (اعني الاطلاع على المغيبات) كدلالته على عيوبها واختلالات غامضة خفية في الآلات والأجهزة الكهربائية مما كان يخفي على أبصار الفنيين القائمين على تلك الآلات ويغيب عن أذهانهم ويدق على أبصارهم. وفي ذلك كان ينبعث من جسم الوسيطة سلسلة متوالية متصلة من التأرهات والأنات والاعتراضات والاحتجاجات كانت فيما يظهر منفصلة انفصالاً تاماً عن تلك الشخصية وعن عقليتها ولم تكن في حدذاتها سوى ضجة حيوانية محضة.
ومما ساقه العالم الألماني في سرد ملاحظاته ما ذكره من أن الوسيطة حواء بدت في بعض تلك التجارب مغشاة من قدمها إلى رأسها بملاءة من مادة الاكتوبلازم ثم نهضت واقفة في مقعدها. ولهذه الظاهرة أهمية كبرى من حيث أن فيها بياناً وإيضاحاً لتلك الحالة التي يسميها الروحانيون تغير الشكل أو التمقص ويعنون بها أن الوسيطة تمثل دور الروح المستحضر إذ كانت تكتسي مادة الاكتوبلازم وتحاول تقليد شخصية الروح الوافدة. وقد روى تاريخ علم الأرواح عدة من امثال هذه الحالة كانت الوسائط فيها تمثل أدوار الأرواح كالوسيطة باستيان امام ولي العهد رودلف والمس كوك وسيطة كروكر والمدام اسبيرنس
стр. 3258
وغيرها. وقد كان المتفرجون في جمع هذه الحالات يمدون أيديهم فيمسكون الوسيط ولكن المادة المكون منها تلك الثياب والأزياء المتنكرة كانت تتلاشي توا فتختفي ثم لا يوقف لها على أثر.
ووما يؤيد هذه الأقوال ما ذكره الدكتور جيلي أعد علماء باريز بعد إجرائه عدة تجارب من هذا القبيل على حواء الآنفة الذكر واستدعاء جماعة من قادة العلماء لمشاهدة بعض هذه التجارب. قاللقد أجريت تجاربي على نحو ما أجراها أسلافي من أساطين هذا العلم فانتهيت إلى هذه النتيجة وهي أن تجاربهم كانت بريئة من أدنى أثر للغش لا ذرة عليها البتة لغبار الخديعة والتمويه. فلقد سلكت تلك الطرق القديمة بعينها فأفضت بي إلى عين تلك النتائج المأثورة حذو القذَّة بالقذة لا خلاف البتة سوى أن الخيالات كانت في تجاربي خيالات وجوه نسائية كانت تبدو في كثير من الأحايين مليحة جميلة وهي مع ذلك غريبة على عيني مجهولة عندي. وربما كانت هذه الوجوه صور أفكار مما يجول في ذهن حواء لأني لم أحصل قط في تجاربي على الروح الحية مستوفاة كاملة مطلقة. وخلاصة القول أن هذا الذي شاهدناه خلال هذه التجارب ما يهدم مذهب المادية هدماً تاماً ويمحو أثره محواً باتاً، لقد أصبحت المادية مع وضوح هذه الحقائق لا موضع لها في الحياة ولا مكان لها في العالم وهو بلا شك يريد بالمادية ههنا تلك المادية القديمة - (المذهب الذي ساد في العهد الفكتوري. عهد الملكة فكتوريا) - القائلة بأن الفكر إنما هو نتيجة المادة، فأما الشواهد الجديدة والأدلة الحديثة فتثبت عكس ذلك وهو أن المادة نتيجة الفكر. على؟؟؟ إذا شرعت تخوض في هذه المسألة قائلاً إذا صح أن المادة (أعني الكون) نتيجة الفكر فما هو هذا الفكر أو أي فكر هو أو فكر من هو؟ إذن لولجت باب الشكوك والريب ودخلت في معضلة مستعصية ومشكلة عويصة.
والآن بعد ما أدركنا أنه قد يتأتى لإنسان أن يولد من ذات نفسه مادة نادرة غريبة تستطيع أن تتشكل بأشكال أجسام آدمية تحتلها أرواح لمدة من الزمن فدعنا نطبق هذه الحقيقة العجيبة المدهشة على ظواهر غريبة قد وقعت وأثبتت في الأجيال السالفة ولكنها لم تعلل إذ ذاك ولم تفهم أسبابها إلى أن ظهرت لتجارب الحديثة التي بيناها آنفاً. فمن بين تلك الظواهر أذكر ما كان في عام ١٨٧٣ من امر العالم كروكس ووسيطته فلرو كوكس هذا
стр. 3259
الكيماوي الشهير لبث ثلاثة أعوام يجري تجاربه على وسيطته الفتية الصغيرة التي جعلت نفسها تحت تصرفه المطلق وملكته عنانها ابتغاء التخلص من تهمة وجهت إليها. وقد أسفرت تجارب العلامة كروكر عن تبرئتها تماماً من التهمة. أما وصف هذه التجارب فهو أن كروكس كان يحبسها في الظلام في غرفته الصغيرة. فإذا مرت ساعة أو نحوها نفذ إلي الغرفة المجاورة امرأة مخالفة لها تمام المخالفة وهذه المرأة كانت تتحرك وتتكلم وتسمي نفسها كيتي كينج قائلة انها روح كانت تعيش في عهد الملك الأول شارل الثاني (ملك انكلترا فيما بين ١٦٦١ و ١٦٨٥) وأنه قد سمح لها أن تهبط فتسكن لمدة قصيرة الجسم الذي قد تكون من المس كوك وفي خلال ذلك كانت المس كوك المذكورة يسمع صوتهاوفي بعض الأحايين يبصر شخصه في الغرفة المجاورة. وقد قيل عن هذه المسألة في إبان حصولها إنها لم تكن بطبيعة الحال إلا المس كول نفسها قد تنكرت في غير زيها وهيئها واكتست شكل عفريتة أو جنية أو روح (سمها كما شئت) ولكن أول ما يحتج به بطلان هذا التأويل هو أن يترك العلامة كروكس بين حكمين: أما انه مجنون أو كذاب متعمد للكذب إذ لا مشاحة من غير أن ينخدع بمث هذه الظواهر لا يكون إلا مجنوناً كما أن لا يكون كذاباً أشراً من يقول أن المرأة المنبعثة من الغرفة المجاورة المحبوس فيها الوسيطة كوك كانت أطول من المس كوك بأربع بوصات ونصف وكان شعرها ضارباً إلى السواد وقد قصت منه خصلة بالفعل (وكان شعر الوسيطة ذهبي اللون) أضف إلى ذلك أن سرعة النبض كانت مختلفة في الشخصين هذا وأن سيرة العلامة كروكس كانت نثبت تماماً أنه لم يكون بالمجنون ولا بالكذاب فإزاء كل هذا لا يسع المنصف المتعقل إلا الاعتقاد بأن هذه المعجزة التي يؤيدها أربعون فوتوغرافاً لا بد أن تكون حقاً لا ريب فيه ولكنها لا علاقة لها البتة بأية حقيقة من حقائق الكون.
أما الآن فقد أخذ الأمر مظهراً آخر. فقد استطعنا بفضل الأبحاث الحديثة أن ندخل تلك الغرفة المظلمة ففنظر ما يحل بالوسيطة فلوري كوك فماذا نرى؟ نراها مستلقية على المتكأ (الكنبة) ترسل أنة عميقة من آن لآخر ومادة الاكتوبلازم الحيوية تنبعث من بدنها مكونة من سحابة من مادة لزجة وهذه السحابة لا تلبث أن تأخذ شكل جسم آدمي وهذا الجسم لا يلبث أن ينعزل من جسم الوسيطة وتنصرم بينهما سباب الصلة وأواصر الارتباط. وعندئذٍ
стр. 3260
ترسل المرأة المسماة كيني كنج روحها في ذلك التكوين الذي لعله صورة من جسمها الأصلي يوم كانت على قيد الحياة ثم تسع على قدميها لتقضى ساعتها القصيرة على وجه الأرض متحدثة إلى العلامة كروكس ملاعبة أطفاله قاصة عليهم السير والأنياء عن العصر الغابر حتى تنتهي ساعتها فتخاطبهم قائلة لقد حان لي ان أنطلق إذ قد انهيت مأموريتي وبلغت رسالتي ثم تتلاشى. أما رسالتها فتلك كانت إبلاغ الناس مع البرهان الدامغ أن الروح قد تبقى بعد فناء الجسد أزماناً طوالاً. ولقد كانت هذه الرسالة تفلح لو أنها أيدت بالشجاعة الأدبية من القوم الذين شاهدوا المعجزة عياناً ولم يحل دون انتشارها غبارة وبلادة ومادية هذا العالم الصحافي العلمي الكيماوي البيولوجي الخ الخ. والآن بعد مضي الأيام العديدة قد بدأنا نفهم ببطء هذه الرسالة العظيمة.
وهناك حلقة تجارب أخرى قام بها الدكتور كروفورمن علماء بلفاست بايرلندة وقد أجراها على وسيطته جوليجير وأبرزها في كتاب سماه (الظواهر النفسانية وتجارب في علم النفسانيات) أما الوسيطة المس (جوليجير) فهن كما يظهر من صورتها الفوتوغرافية سيدة فتية السن قويمة الأخلاق مستنيرة العقل على جانب عظيم من التهذيب والرقي سلالة أسرة كريمة من أهالي (بلفاست) لكنها فقيرة وقد اتخذ هذا ألأمر - أعني فقر أسرتها - جماعة المضادين لمذهب الروحانيات ذريعة إلى اتهامها بالغش والتدليس. ووما يؤسف له أن نرى أمثال هذه المطاعن توجه إلى سيدة كريمة نزيهة تبذل مجهودها وتهب نفسها لتجارب العلماء. مدفوعة إلى ذلك بأشرف الأغراض وأنبل الغايات إذ كان في أمثال هذه المطاعن ما ينفر أمثال هذه السيدة ممن قد أوتين تلك الموهبة النقية النادرة من التعرض لهذه التجارب وبذلك تقوم العقبات في سبيل هذه الأبحاث العظيمة.
وأهم ما يستنتج من تجارب الدكتور كروفور هو أن الاكتوبلازم مادة يمكن استخدامها في أغراض شتى بفضل ما يمكن وراءها من القوى والمزايا. فقد رأينا في الأمثلة المتقدمة إمكان استخدامها في تكوين الأشكال من صورة الإنسان. أما في تجارب بلفاستفقد امكن استخدام هذا الاكتوبلازم بعينه في عمل قضبان أعمدان من القوة ذات ثقل ولكنها مع غير ذلك غير مادية (لا يمكن لمسها) وكانت هذه العمدان والقضبان تنبعث من جسم (من الأطراف غالباً) الفتاة الفاقدة الشعور ثم تحدث ضربات ولطمات أو تحرك أمتعة وأشياء
следующие страницы →