← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

في كل مكان صديقاً وتنال ما تتمنى من دنياك واعلم أن أسمى الفضائل أن تقدر على كبح جماح شهواتك في السر والجهر وأن أدنى الرذائل أن يطيع الرجل بطنه وفرجه. وقد رأيت قوماً أطاعوا بطونهم وفروجهم فكبرت أجسامهم وصغرت أحلامهم وأصابتهم في ألسنتهم بذاءة يؤذون بها الأخيار. فكان لهم من بطونهم وفروجهم أعداء لا يستطيعون مخالفتها ولا يقدرون على دفع شرها. كن يا ولدي صادقاً في قولك أميناً في عملك وإذا جلست بين يدي الملك في مجلس الدولة فلا تخف عليه شيئاً من أمرك واعلم أنه لا حرج عليك إذا أنبأته بأمر كان يعلمه لأن في ذلك أداء الواجب وهو من أسمى الحلال وأكرمها. ولا يضعف عزمك أن يخطئك الملك مرة فإنه لا يخطئك أخرى وربما رجع إلى قولك إن كان حقاً. إذا كنت زعيماً فاختط لنفسك خطة مثلى واسع جهدك في انجازها وكن ممن ينظرون في العواقب ويتخذون من الحاضر أهبة للمستقبل حتى إذا جاء اليوم العصيب الذي لا يستطيع المرء فيه حلاً ولا عقداً تر محجتك واضحة وسبيلك جلياً ظاهراً فلا تدركك أزمة الضيق ولا يصيبك من حرج الموقف ما يصيب البله والبسطاء وبذا تستطيع أن تربأ بنفسك عن مواطن الفشل. ولا تكن محسوباً على أحد فإن ذلك يورث المذلة ويدعو إلى التراخي ولا تكل أمرك إلى غيرك فتصاب بداء الكسل. (متلو)

стр. 352

باب العلم العلم الاجتماعي ١ الأكاذيب المقررة في المدينة الحاضرة للنقادة الاجتماعي الأشهر ماكس نوردو لخصها الفاضل عباس محمود العقاد من أبناء جيلنا الأحياء عالم فيلسوف ألماني أصاب شهرة في الخافقين قل من يوفق لمثلها في أيام حياته، ذلك هو ماكس سيمون نوردو، ابن عالم إسرائيلي، ولد في مدينة بودابست من مدن النمسة في التاسع والعشرين من شهر يوليو لعام ١٨٤٩. وأتم دروسه الطبية في عام ١٨٧٢، ثم قضى بضع سنين في التطواف والتنقل من إقليم إلى إقليم كانت هي خميرة معارفه عن العالم الأوربي، إلى أن استقر بمدينة بست سنة ١٨٧٨. وهناك افتتح له مستوصفاً طبياً، ثم غادر المدينة إلى باريس في سنة ١٨٨٠، وبقي ثمت يدرس مذهب لمبروزو العلامة الإيطالي المبرز في علم العقل، فاقتنع به وتشبع بآرائه، وأخذ يطبق مقرراته على الفنون والآداب، ناهجاً في ذلك منهج التمحيص العلمي المستمد من قضايا علمي السيكولوجي أي علم النفس والفزيولوجي أي علم وظائف الأعضاء، فالعالم عند نوردو حيوان عظيم الفرد خلية منه فهو يفحص علله وأدواءَه ولا يلقي مشرطه من يده، وقد توخى في جميع مصنفاته الحقائق المرئية والوقائع المجردة، مع إعمال الروية وإدامة النظر، فجاءت آراؤه محكمة سديدة، وسلم في أكثرها من التعسف أو الضعف، والأول خطأ المغالين في الوقوف عند المحسوسات، والثاني خطأ الهائمين في أجواز الخيالات، وهو عاتي الفكر، صارم القلم، حديد النظر، لا يصلب في محكه رأي قديم أو سنة مرعية أو اصطلاح متواضع عليه، يميل في آرائه إلى الاشتراكية وقلب نظامات الحكم الحاضرة، ملكية كانت أو إمبراطورية أو جمهورية، لأنها تأخذ من الفرد أكثر مما تعطيه، ولأنه يراها كلها صوراً شتى لنظام واحد، يستقل فيها بالحكم بضعة رجال من الأقوياء فيصرفون الأمور كما يحلو لهم، ويوافق منافساتهم الحزبية، وعنده أنه ليس على ظهر الأرض حكومة تمثل فيها إرادة الأمة، وكل ما في الأمر أن فئة من أصحاب النفوذ الأدبي أو المالي

стр. 353

يسوقون الناس إلى انتخابهم لا بكفاءتهم وأخلاقهم وسعة مداركهم. فإن هذه قد لا تغني في مخاطبة الشعب واجتذابه، بل بوسائل التأثير والمشوقات التي ليست من الصدق في شيءٍ، ثم يجتمع هؤلاء فيقال أنهم نواب الأمة يبرمون وينقضون باسمها، ويفكرون وينطقون كما يلائم مرافقها. كأنما تسلّبوا عن أنفسهم أو فنوا في كيان الأمة، والحقيقة أنهم يسيرونها كما كان يسيرها نبلاء القرون الوسطى، وإنما هو اسم مبتكر لهيئة قديمة أو كما يقول خمر جديدة في دنان عتيقة. قال ماكولى عن فولتير أنه قوض مئات من المبادئ ولم يؤسس مبدأً واحداً وقد يسوغ لنا أن نقول مثل ذلك عن ماكس نوردو فأنه من أولئك الباحثين الذين ذهبوا في إصلاح البشر مذهب القائلين بتلافي النقص واستدراك الخطأ، وعندي أن الهادمين من الفلاسفة أقرب إلى الصواب من البناة منهم، فإنه يسهل علينا الإلمام بما كان ولا يسهل التكهن بما سوف يكون. ولا محل للخطأ إلا قليلاً في الاهتداء إلى فساد نظام سبق تطبيقه وبين الزمن نفعه وضرره على أنه لا سبيل إلى التحرز من الخطأ في وضع سنة لا يمكن أن يستجمع واضعها في ذهنه كل ما قد يتأتى عند تطبيقها من اختلاف أحوال الزمن وتجدد طوارئه، ويتعذر عليه أن يحيط بكل ما يلزم الناس فيودعه سنته، والخطل قريب من أصحاب المبادئ لأنهم لا يملكون أنفسهم أن لا يتشيعوا إلى مبادئهم، فيقلل ذلك من تسامحهم في قبول الحقائق والآراء التي لا تتفق مع آرائهم. وكتاب الأكاذيب المقررة من أهم كتب الرجل بل لعله أهمها. وقد نقل إلى أكثر لغات أوروبة فأثار حوله ضجة في كل لغة نقل إليها وطبع مراراً في أكثرها. نحي فيه منحى غريباً في نقد مساوئ الاجتماع وكشف طلاء غشه. وقد فضح بهارج المدنية الغريبة فأبان كيف أنها قائمة على غير أساس وكيف تختلف ظواهرها عن بواطنها وتناقض دعاويها وحقائقها. وقد صادرت الكتاب حكومة النمسة، وفي بلادها كان مسقط رأس الفيلسوف، زاعمة أنه يجرئ الناس على احتقار شخص الإمبراطور ويصدهم عن إحياء شعائرهم الدينية، وهو المزعم الذي طالما لجأت إليه الحكومات كلما خشيت على سلطتها من كتاب أو فكر جديد، وهي لا تخشى عليها من الباطل لأنها قائمة عليه وإنما تخشى من الحق ونوره الذي ينبه إليها عسس العقول ويغري بها بصر العدل، وهب نوردو كتب كتابه

стр. 354

ليزين للناس السجود أما الإمبراطور، ونسيان ذواتهم في ذاته، والتجرد عن حقوقهم لأجله، أفكانت ترى فيه حكومة النمسة أو سواها الأكل خير وبركة؟؟ وهل تراها واجدة فيه ما وجدته الآن من الخطر على النظام والضرر بالأمة؟؟ ولم يأبه نوردو بهذه المصادر بل قابل قرار الحكومة النمسوية بكلمات وجيزة كتبها مقدمة للطبعة السادسة، قال فيها أنه لا يتعرض لشخص هذا الإمبراطور أو ذاك وإنما يتكلم عن الإمبراطور حيث كانت وفي أي شخص تمثلت، وعجب من أن كتاباً يصد الناس عن إحياء شعائر الكنيسة وأنه لعجيب حقاً أن لا تفرق حكومة بين سلطان الدليل على العقول وسلطان القوة الغاشمة على الأبدان. واحسب أن هذا الكتاب سيكون للملأ الأوربي ما كأنه عقد روسو للأمة الفرنسية. فما هو إلا أن تتداوله الأيدي وقد تداولته، وتتفهمه العقول وهي جانحة بطبيعة روح العصر إلى تفهمه، وتشربه النفوس وهو واضح البيان صحيح البرهان. فهنالك تهب الطامة التي ليست الثورة الفرنسية إلى جانبها إلا مناوشة صغيرة بين الطلائع. ويثب من وراء كل حرف في كلماته مارد جبار كأنما هي حروف الطلاسم والأرصاد التي نقرأ عنها في كتب القدماء، فتقوض دعائم هذا الهيكل المتداعي وتدك جدرانه المتصدعة، فتقوم إذ ذاك المدينة التي يحلم بها نوردو، مدينة الحق والحب والإيثار والرضى. وقد لا يكون ذلك اليوم بعيداً جداً فإن الناس لا يطيقون البقاء طويلاً على هذه الحال التي ما أظن العالم نزل إلى أردأ منها في عصر من العصور ونحن مخلصون منه هنا أهم فصوله بالنسبة إلينا وهو فصل الزواج. أكاذيب الزواج قال في دلالة الزواج على حياة النوع أو الأمة: أقوى غرائز الإنسان التي تسيطر على حياته وتحرك كل عواطفه وأعماله اثنتان، هما غريزة حفظ الذات وغريزة حفظ النوع وأبسط مظاهر الأولى السغب كما أن أبسط مظاهر الثانية الحب ونحن لا نعلم سر القوى الغذائية أو التناسلية. على أن جهلنا إياها لا يمنعنا أن نراقب فعلها جلياً، فنحن لا ندري كيف أن فرداً من الأفراد يكمل دورة نمائه في سنين معدودة بخلاف فرد آخر، ولا نعلم مثلاً كيف أن الحصان وهو الحيوان القوي الكبير ينمو

стр. 355

ليبلغ خمساً وثلاثين سنة ثم لا يتخطاها، وأن الإنسان وهو حيوان أضعف منه جسداً وأصغر حجماً يبقى إلى السبعين وما فوقها، أو كيف أن الغراب يعمر مائتي عام بينما لا تعيش الإوزة إلا عشرين منها. ولكن الذي نعلمه علم اليقين أن لكل كائن أجلاً يقضيه في الحياة، يبدأ من ساعة ولادته، فكأن الساعة تملأ تروسها لتدور إلى عدد معروف من الساعات. وقد ينقص هذا الوقت لطارئ يطرأ على ذلك الكائن. ولكنه لا يزيد بحال من الأحوال. وللنوع كما للفرد أجل مقدور، فهو مثله ينشأ في وقت من الأوقات فيولد ثم ينمو ثم ينضج ثم يموت بعد ذلك. إلا أنه لا سبيل إلى وضع عدد السنين التي يقضيها كل نوع في حياته كما هو شأن أعمار الأفراد، ولكننا نعلم عن طريق علم الأحافير البالنتولوجي قواعد نستنتج منها أن صحة بنية النوع مرتبطة بنواميس مطابقة للنواميس التي تجري عليها صحة بنية الفرد، فما دام الفرد لم يبدد ما ركب فيه من القوى الحيوية فإنه يناضل بكل ما فيه من قدرة ليحمى نفسه ويرد عنها أذى أضداد بقائه، فإذا اضمحلت تلك القوى أو ضمرت وهت عزيمته في الاحتفاظ بنفسه وفتر شوقه إلى مقومات وجوده فيفنى، وعلى هذا النمط تظهر قوى النوع الحيوية في ميله إلى الاحتفاظ بنفسه أو معناه ميل أفراده إلى التناسل وتكثر عددهم، فما دامت هذه القوى مصونة حية رأيت كل فرد من النوع مسوقاً بغريزته في سن الفتوة إلى التماس زوج له، فإذا اعتراها الضعف والانحلال بدأ ذلك يظهر في قلة اكتراث أفراده لأمر التناسل حتى ينتهي أمرهم إلى أن يروا فيه ذلك الواجب الضروري الذي لا غنى عنه. ولدينا وسيلة لا تخيب في قياس القوى الحيوية في النوع أو الجنس أو الأمة فإن ذلك يكون على نسبة انتشار الأثرة الأنانية بين الأفراد التي يتألف منها ذلك المجموع، فكلما كثر عدد الفريق الذي لا يعني إلا بمصالحه الشخصية، يضعها فوق كل واجب من واجبات المجموع ويفضل التمسك بها على التمسك بالآداب والشعائر التي من شأنها تكاثر النوع وبقاؤه، كان ذلك عرضاً يشير إلى قرب الموت والفناء والأمر على عكس ذلك في البيئات التي يحس أفرادها بغرائز تدفعهم من تلقاء أنفسهم إلى خلال الشهامة والمفادة بالنفس ونسيان الذات، فإن هذا ينبئ بأن روح النوع قوية في أجزائه. إن انحلال الأمة كانحلال العائلة تلوح علائمه في تأصل الشره والأنانية من الأفراد،

стр. 356

ورعاية المرء مصلحته البحتة دون نظر إلى ما يكون من أثرها في المجموع علامة صادقة في الدلالة على أن روح التماسك قد ضعفت في الأفراد وأن النوع قد فقد قواه الحيوية التي تنهض بأفراده إلى كل ما يؤيده وينميه، ويتبع ذلك ضعف القوى الحيوية في الفرد إلا إذا اعتصم ببعض الذرائع الاستثنائية، ومتى شط النوع إلى مثل ذلك من الأثرة أضاع أبناؤه الاستعداد للحب الطبيعي المشروع، وماتت في نفوسهم عاطفة الألفة العائلية فلا يرغب الرجل في الزواج لأنه لا يطيق العناية بشأن غيره أو إلقاء تبعة أشخاص سواه على عاتقه، وتتحاشى المرأة آلام الأمومة ومتاعبها، وإذ اتصلت إلى رجل بآصرة الزواج لم تحجم عن تعقيم نفسها. ثم ترى غريزة التناسل ماتت في بعض الأفراد بعد أن يكون قد بطلت فطرتها التي تقصد بها إلى تجديد النوع، واتخذت في غيرهم وضعاً من أنكر الأوضاع فإذا بأسمى قوي الجسم التي لا تتم في إنسان إلا بعد أن يتم نضوجه. وأعني بها حاسة النسل التي قرنتها الطبيعة بأقوى ما يمكن أن يتأثر به الجهاز العصبي من الانفعال قد تسلفت إلى نوع من اللعب الشهواني لم يبق فيه موضع للنظر في استدامة النوع أو المبالاة يغير إرضاء الحواس والشهوات. وإذا اتفق فانعقد قران بعد حب ولو جريا على ناموس الرجعة في الوراثة، فلا يكون معنى ذلك التئام شطري فردين ناقصين في شكل من الفردية أرقى وأكمل، أو انتقالاً من حياة انفراد عقيمة إلى حياة زوجية مثمرة تمتد بتناسل ذريتها إلى أبعد ما قدر لها من الخلود في المستقبل، ولا يكون معناه ذلك الشوق اللاشعوري إلى طرح الأنانية حباً في الإيثار أو الغيرية أو إفراغ معين الحياة الفردية الراكد في مجرى الحياة لنوعية المتفجر المطرد، كلا! وإنما هو نزوة غريبة لا تبين حتى لنفسها، فقد تكون نوعاً من الضلال الحسي والانفعال العصبي نشأ من خليط مما قرأه المرء أو سمع به مضافاً إلى أهواء عاطفة منهوكة معتلة، وقد تكون هوساً محضاً مثاره نزعات النفس ووزغات الهوى. ثم انتقل من ذلك إلى تطبيق هذه القضايا والآراء على حال أوروبة في هذا العصر فخلص إلى أنها لا بد صائرة إلى عاقبة من أوخم العواقب، إذا أطرد سيرها في هذا المسلك لأنها تدابر سنن الطبيعة، وبين كيف أن الإنسان قد انساق على غير علم منه إلى معرفة الواجب عليه في تخليد النوع، مستشهداً على ذلك بغلبة نوادر الحب ووقائعه في آداب الأمم جمعاء،

стр. 357

واهتمام الجماهير منذ القدم بإشهار حفلات الزواج وإعلانها للملأ. قال وأن أكاذيب المدنية قد مسخت طبيعة الزواج، فليس الزواج في العصر الحاضر إلا اتفاقاً بين فردين على تبادل المنفعة لا يختلف في كنهه عن اتفاق تاجرين على المعاوضة في متجر بينهما، فلا يُتحرى فيه فائدة الأجيال المقبلة بل كل ما يراعى فيه فائدة الشخصين المتعاقدين، وأنه يغلّب الأنانية على الغيرية بدلاً من أن يغلب هذه على تلك، فليس معناه أن يعيش كل من الزوجين لأجل الآخر في هذه الصلة الجديدة، بل معناه أن يتمتع كل فرد منهما بما لم يكن يتمتع به لو بقي على حدته. ثم آنس في هذا الموضع اعتراضاً قد توسوس به نفس القارئ، فقد يقول قائل: مالنا نندد بالمدنية وهذه سنة الزواج من قديم الأزمان، فإن رجل القبيلة كان ربما اختطف أول سبية تعرض له، فيحتملها إلى خصّة لتكون هناك زوجه وأم بنيه، فأين الحب الذي أفسدته المدنية، وأين الصدق الذي موهته أكاذيبها؟؟ قال: ولكن الحال في المدنية تختلف عما هي في البداوة، ففي دور الفطرة كل الرجال متشابهون كما أن كل النساء متشابهات، فالمسألة مسألة ميل جنس إلى جنس، والزواج بينهم إنما هو علاقة أي رجل من جنس الرجال بأية امرأة من جنس النساء، وإذا ظهر تفوق أحد أفراد الجنس على سائره فهنالك تسمع عن العشق القاتل والعراك العنيف. والأمر غير ذلك في أدوار المدنية حيث يعم التفاوت وتكثر الفوارق في الصفات والأقدار، فلا مناص هنا من الانتقاء الذي رائده الانتخاب الجنسي أو الحب بمعناه الصحيح، فإنه لا بد بين هذه الطبائع المتفاوتة من انجذاب طبيعتين متفقتين تتمازجان ببعضهما امتزاجاً كيميا وليس اختلاطاً ظاهرياً فقط، والزواج إنما هو مزج كيمي كما قال جوث، يفقد فيه كل من المتمازجين خصائصه الأولية، وأنه كما يمتزج الأوكسجين بالبوتاسيوم، وكما لا يمتزج النيتروجين بالبلاتينوم، كذلك ترى الرجل يصبو إلى تلك المرأة دون سواها، وترى المرأة تتعشق هذا الرجل وترد كل من عداه. ثم استطرد إلى العلاقة بين الرجل والمرأة، فقال أنها لا تكون إلا واحدة من اثنتين: فأما علاقة حب متبادل غايتها النسل، أو علاقة لا يكون النسل غايتها الأولى ولا غرض منها إلا إرضاء المطامع، والأولى هي العلاقة المشروعة المرضية، أما الثانية فأنها علاقة

стр. 358

الدعارة والفجور كيفما كانت صيغتها وإلا فأي فرق بين رجل تنفق عليه صاحبته وبين رجل يخطب المرأة لمالها أو لينال وظيفة بجاه أبيها؟؟ وأي فرق بين البغي التي تعرض نفسها على رجل لا تعرفه لتبتزه شيئاً من ماله وبين العروس التي تزف نفسها إلى رجل لا تحبه ولكنها ترجو أن يرفعها إلى منزلته ويحليها بفاخر الثياب ونفيس الجواهر؟؟ ثم ما هي نتيجة مثل هذا الزواج؟ أب اختير لا لفضله وأخلاقه، وأم اختيرت لا لصفاتها وآدابها؟؟ أب لا هم له إلا غشيان الملاعب والنوادي ومعاقرة الخمور ومطالعة أوراق الميسر، وأم لا شاغل لها إلا التردد على المراقص وتتبع الأزياء والإيقاع بأترابها والزراية بهن؟ وأي شيء يتربص بنسل هذين الزوجين غير الانحطاط الفطري يلحقه انحطاط التربية والأخلاق؟ نعم إن الغنى والمنصب قد يدركان بهذا الزواج ولكن أصحاب الغنى والمنصب يخسرون أنفسهم وذريتهم به، فتنتقم الطبيعة لمدابرة سننها ونواميسها، ومن يستقص دخائل البيوت الكبيرة والعائلات العريقة التي لا يكثر هذا الزواج في طبقة من الطبقات كثرته بينها، علم أن أكبر أسباب انحلالها وسقوطها راجع إلى هذه العلة. وبعد أن التمس للفقراء بعض العذر لخروج الأمر عن اختيارهم، قال أن زواجهم ليس أقرب إلى سنن الطبيعة من زواج غيرهم من الطبقات، فليس الرجل والمرأة في طبقة الفقراء زوجاً وزوجة اجتمعا بجاذب من الانتخاب الجنسي، وإنما هو رجل يريد خادمة وامرأة تريد عائلاً. قال: وقد يتم على هذه الصورة قران قوم فطرتهم مستقيمة، وعاطفة الحب فيهم خالصة سليمة، أما لنقص عندهم في الفهم، أو لوجوم منهم عن اقتحام معركة التنازع على البقاء بين جمهور غلبت عليه الأثرة والأنانية، فلا يزال هؤلاء الأزواج في برم وضجر، وربما التقى أحدهم بمن يحرك فيه عاطفة الحب، فينفسخ عقد القران شرعاً أو فعلاً. ثم انتهى من هذا القول إلى هذه النتيجة وعلى هذا ففي كل عشرة عقود تسجل في أوربة تسعة قائمة على أبعد الصلات عن الصدق والإخلاص فيفضي بها الأمر إلى أضر النتائج بمستقبل النوع، ويجد أصحابها أنفسهم عاجلاً أو آجلاً في موقف تتنازعه واجبات الزوجية وحكم الحب القاسر، فإما اضطروا إلى سلوك مالا يليق إلا بالسوقة والسفلة. أو قادهم إلى الهلاك والضياع، وكذلك يكون الزواج بمثابة انتحار للنوع بدلاً من أن يؤدي إلى تجديد

стр. 359

قواه وحفظ فتوته. ثم أقبل يعلل هذه المعائب، فأسند معظمها إلى نقص في النظام الاقتصادي الحاضر وطريقة الحكم، فإن الحكومات قد وجهت كل عنايتها إلى الأفراد وصرفت أنظارها عن المجموع فأباحت لكل فرد التصرف كما يحب ما دام لا يضر بفرد آخر معين، ولا يعنيها بعد ذلك أعاد عمله بالنفع على المجموع أم بالضرر، فانطلق الأفراد يستكثرون من النقود ويجمعون الأموال وفشا الجشع فأصبح الناس يقدرون الرجل بقدر دراهمه، وتعلقت القلوب بالدراهم والدينار، ومن كان يتوخى سبيلهما في أعماله وآماله فعلام يحيد عن طريقهما عند الزواج؟؟ ألعله حبا في الإنسانية؟؟ وما هذه الإنسانية؟؟ وماذا استفاد منها!! أتراها تشبعه إذا جاع؟؟ أم تفتح له أبواب العمل إذا سدت في وجهه!! أم لعلها تطعم أطفاله إذا نادوه يطلبون القوت!! وإذا وافاه أجله، أتراها تتكفل بمؤونة أرامله وأيتامه؟؟ كلا. وإذا كان لا شيء من ذلك يكون، فعلام يفرط في آماله من أجلها ويتألم بسببها! قال وأنه كلما اشتدت الأثرة اشتد النزاع على الحياة وصعب على المرء تحمل أعباء سواه، وكلما تتابع الفشل في أحوال الزواج صد الناس عنه وآثروا العزوبة عليه، وكل ذلك كما تقدم من المحللات التي تنبئ باضمحلال قوي النوع الحيوي. ويتلو هذه المقالة القسم الثالث من الفصل وهو يبحث بحثاً دقيقاً وافياً عن الطلاق وطبيعة العشق الجنسي، وهل يجوز أو لا يجوز تقرير استمرار الزوجية مدى الحياة اعتماداً عليه. عباس محمود العقاد (البيان) سينشر هذا القسم الثالث في العدد التاسع وكذلك أفيد مباحث هذا الكتاب

стр. 360

التربية الطبيعية أو أميل القرن الثامن عشر وضعه جان جاك روسو وعربه ابراهيم عبد القادر المازني الكتاب الأول الطفولة - مبادئ عامة كل شيء حسن لدن يخرج من يد الصانع الأكبر مبدع الخليقة ومبديء الطبيعة فإذا انتقلت به الحال إلى يد الإنسان خبث وفسد بئس لعمري الإنسان زرّاع الفساد أما تراه يحمل الأمم على مكروهها ويطعم الشعوب جنا أرض غير أرضها ويُحمل الأشجار غير ثمارها وهو الذي يرهج الرياح ويخبثها ويهدم كل قائم ويشوه كل جميل ويذلل أخاه الإنسان كما تذلل الفرس الجموح حتى تصبح طوع العنان كأنما الإنسان شجرة في بعض رياضه يغرسها حيث يشاء: وكما أن الماء قوام النبت كذلك التربية قوام الإنسان فلو أن الناس خلقوا طوالاً أشداء وهم مع ذلك يجهلون المنفعة من ذلك لما اغني عنهم طولهم وقوتهم شيئاً ولكان وفاء الطول وشدة الأسر أضرّ بهم لامتناع التعاون وانقطاع التناصر إذ كانوا بطريق ذلك جاهلين ولهلك الناس من الحاجة قبل أن يحيطوا بحاجاتهم خُبراً. ولقد رأيت الناس يرثون لحال الطفل ويتوجعون لحظة وما دروا أن النوع البشري كان يهلك لو أن الإنسان لم يكن في بادئ أمره وأول حياته طفلاً! خلقنا الله ضعفاء فنحن محتاجون إلى القوة وخلقنا معدمين فنحن مفتقرون إلى المعونة وخلقنا بطاء الحسّ مغلقي الأذهان فنحن محتاجون إلى ما يرهف أذهاننا ويضرم شعلة الذكاء فينا. وهذه أصلحك الله حاجة لا يسدها شيءٌ غير التربية. والتربية على ثلاثة أقسام: التربية المكتسبة من الطبيعة والتربية المكتسبة من الناس والتربية المكتسبة من الأشياء: فأما نماء قوى المرء العقلية والجسمية فهذه هي التربية

стр. 361

المكتسبة من الطبيعة وأما استخراج المنافع من ذلك واجتلاب الفوائد فشيءٌ نقتبسه من الناس ونحمله عنهم وأما تجارب المرء وما يهديه إليه نظره فيما حوله فذلك ما اسميه التربية المكتسبة من الأشياء وكذلك يتواطأ على تخريجنا وتربيتنا أساتذة فمن تعارضت فيه دروسهم وتباينت تعاليمهم فذهب الخُلف بكلٍ مذهباً فقد ساء تخرجه ولم تحسن تربيته وأما من تدامج فيه تأديبهم وتسايرت كلمتهم واتحدت وجهتهم فهذا الذي حسنت تربيته فصار حقيقاً أن يعيش أكمل عيشة وأرغد حياة. وإذا نحن تأملنا هذه الأنواع الثلاثة وجدنا أن التربية المكتسبة من الطبيعة مستقلة عنا من بينها لا دخل لنا فيها وأن التربية المكتسبة من الأشياء رهن بنا من بعض الوجوه وليس درج أيدينا وتحت حكمنا إلا التربية المكتسبة من الناس. بيدَ أن هذا صحيح نظراً لا عملا إذ من ذا الذي يرجو أن لا يغفل الطفل طرفة عين وأن يراقب حركاته وسكناته ويوقظ رأيه لكل ما يقال ويفعل على مسمع من الطفل ومرأى حتى لا يسمع لغو الكلام ولا يرى فعال الأشرار. ومتى صارت التربية فناًّ فقد أوشكت أن يصير نجاحها أمراً لا تبلغ إليه وسيلة ولا تناله حيلة لأنا لا نملك كل شروط النجاح وأسباب الفوز وغاية ما تصل إليه مقدرتنا هو أن ندنو من الغاية القصوى جهد المستطاع فأما بلوغها فلا يكون إلا بمساعدة الحظ وهذا مالا يصح أن نعتد به أو نعتمد عليه. وما عسى هذه الغاية تكون؟ هي التي يهدينا إليها سراج الطبيعة لأنه لما كان تآزر الأنواع الثلاثة ضرورياً لتمام التربية كان من الضروري كذلك أن نجعل ما في أيدينا ذريعة إلى الظفر بما ليس فيها ولما كان لفظ الطبيعة من الغموض والاستبهام بحيث لا نأمل أن يفهم الناس ما أوقعناه عليه من المعنى لذلك رأينا أن نفصح عن مضمونه ونعرب عن مكنونه حتى لا تلتبس علينا وجهة الصواب. قالوا الطبيعة هي العادة والمرء مما تعود. وهذا قول يحتاج إلى إيضاح فاعلم أن المرء قد يجري في حياته على عادات لا محيد له عنها ولا سبيل إلا إليها من غير أن يغير ذلك من الطبيعة أو يؤثر فيها فهو في ذلك كالعود الذي أخذت عليه طريقه وحلت بينه وبين مسيره الرأسي فإذا خليته وشأنه بعد ذلك لم يرجع عما رسمت له بل يمضي حيث أكرهته ولكن

стр. 362

العصير النباتي لم يغير من أجل ذلك مذهبه الأول وإذا استرسل العود في النماء فلا بد أن يستقيم اعوجاج ما طال منه وكذلك أميال الإنسان التي تخلقها العادة والتي هي أجنبية من فطرته لا تتغير أو تتبدل الأحوال فتنبذ العادة وتعود الطبيعة إلى مجراها الأول. وليست التربية إلا العادة وأن في الناس من ينسى ويترك وآفة العلم الترك فيخسر ما أفاد من التربية وفيهم كذلك المعتصم بحبالها المستمسك بأسبابها فما علّة هذا الاختلاف؟ لئن كنا نقصر لفظ الطبيعة على ما توافق مع الطبيعة من العادات فما أحرانا أن ننزع عن هذا الجهل ونقصر عن هذا السخف؟ الصواب أن الطفل يولد شديد الحس تتناول مشاعره كل شيء فإذا شب وتنبه لما يحصل في نفسه من الإحساسات رأيته يميل إلى ما أثارها من الأشياء أو ينفر أولاً من حيث هي طيبة لذيذة أو ثقيلة بغيضة ثم من حيث هي ملائمة له أو غير مشاكلة ثم من حيث ما يتبين فيها من الارتباط بمعاني السعادة أو الكمال. وذلك إذا بلغ كمال العقل. وهذا الخُلق جدير أن يشتد ويقوي على قدرٍ ما لصاحبه من صفاء النفس ولطافة الحس ولكن العادة قيد فهو يتبدل تبعاً لأفكارنا وهذا الخُلقُ - قبل أن يتحول - هو ما أدعوه الطبيعة. وإذ قد نفضنا غبار اللبس عن لفظ الطبيعة وحسرنا عنه ظلال الإبهام فلنعد إلى ما كنا بصدده فنقول ينبغي أن نرد كل شيء إلى هذا الخلق وقد كان هذا يكون ممكناً لو كانت أنواع التربية الثلاثة التي ذكرناها فيما أسلفنا مختلفة وليست متعارضة ولكن ما العمل وهي متنادة متعارضة وما الحيلة ونحن بدل أن نربي المرء لنفسه نربيه لسواه؟ ألا إن الاتفاق محال لأنه لا محالة من مكافحة الطبيعة ومقاومة أوضاع البشر فأما أن نربي الطفل ليصير رجلاً وأما أن نربيه ليصير حضرياً لأن الجمع بين الغايتين من وراء الطاقة. والرجل الطبيعي كامل في ذاته غير ناقص فهو كالوحدة الحسابية أو العدد الصحيح نسبته إلى نفسه أو رفاقه فأما الحضري فما أشبه بكسر الوحدة الذي هو رهين بالمقام فإن قيمته ليست في نسبته إلى نفسه ولكن في نسبته إلى الكل - وهو المجتمع الإنساني. ولقد أعملت في المجتمعات الروية وقلبتها ظهراً لبطن حتى عرفت مظهرها ومخبرها فرأيت خيرها عند الناس أقدرها على مسخ الإنسان وسلخ وحدة وجوده منه لتفنى في الوحدة العامة بحيث يدرك كل أحد أنه جزء من الكُل وليس واحداً صحيحاً مستقلاً وأنه لا

стр. 363

حياة له إلا بالجماعة ولا إحساس له إلا مع الجماعة. ولكي نكون شيئاً معدوداً ذا شخصية مستقلة لا تتجزأ ينبغي أن يكون لساننا صورة قلوبنا وفعلنا مطايقاً لقولنا وأن نكون ذوي زَمَاع إذا هممنا بأمر لم يحلنا عن قصدنا شيء ولم تحسبنا عن لُبانتنا بَدَاة. ومن لي بأن أرى هذا الرجل لا علم أرجل هو أم حضري أم الاثنان معاً وكيف استطاع أن يكونهما أو يؤلف بينهما. ولقد كان من آثار هذا الاختلاف أن ظهر نوعان من التربية متناقضان كذلك أحدهما عام والثاني خاص فإذا أردت أن تحيط بالتربية العامة خُبراً وتسعها علما فعليك بجمهورية أفلاطون فإنها ليست كما يظن من يأخذ بالعنوان مؤلفاً في السياسة والحكومة ولكنها كتاب فريد في التربية لم يصنف في بابه أجمع منه. على أني مع ذلك رأيت الناس إذا ذكروها أدخلوها في باب الخرافة ولعمري لو كان ليسرجاس دون نظريته في التربية لكانت ادخل في هذا الباب فقد شوه الإنسان ومسخه فأما أفلاطون فقد طهره وشتان بين هذا وذاك. أما التربية العامة فلا وجود لها اليوم ولا يمكن أن يكون لها وجود لأنه لا بد كي تتهيأ أسباب ذلك من أمة وإلا فمن تريد أن تربي والأمة لا تتألف حتى يلم شعثها ويضم شتاتها بلد والأمة والبلد لفظان أصبحا لا ينبئان عن معنى ولا يسفران عن مدلول فصار حقاً علينا أن نمحوهما من لغاتنا الحديثة وعندي على ذلك البراهين القيمة والحجج اللائحة ولكن في الصدع بها خروجاً عما نحن فيه. ولست أعد هذه المعاهد والمدارس إلا أضحوكة من الأضاحيك وسخرة تضحك وتبكي ولا اعتداد عندي بهذا الأسلوب الذي جرى عليه العالم في التربية لأنه يرمي إلى غايتين متناقضتين والتناقض داعية الفشل وباعثة الخيبة وهذا القالب الذي يُضرب عليه في تأديب النشء وتربيتهم إنما يخرج لنا رجالاً ذوي وجهين أدعياء وإذا عمت الدعوى فنحن خليقون أن لا ننخدع بها وكل سعي في هذا السبيل ذاهب أدراج الرياح. بقيت التربية الخاصة أو الطبيعية ولكن أي غناء للناس في رجل لم يرب إلا لنفسه، ولو استطعنا أن نجمع في رجل واحد بين الغايتين ونوفق بين الغرضين بأن أزلنا مناقضات الحياة البشرية لذللنا بذلك كوؤداً ظاهراً في طريق سعادته وهذا أصلحك الله مطلب يقصر

стр. 364

عنه باعنا ويفوت مبلغ ذرعنا ولا بد لنا كي يتمثل مثل هذا الرجل لعالم تصورنا من رؤيته وقد بلغ كماله والإحاطة بأمياله ومراقبته في تقدمه وتعقبه في طريق نموه أي لا بد لنا من معرفة الرجل الطبيعي واستطلاع طلعه وهذا كلام سيحيط القارئ بجملته وتفاصيله بعد الفراغ من قراءة هذا الفصل. وقد آن لنا أن ننظر فيما ينبغي علينا فعله لنظفر بهذا المخلوق النادر فاعلم أن علينا واجبات جمة شتى جلها ينحصر في أن لا نفعل شيئاً وأن لا ندع شيئاً يفعل فإن الملاح إذا ركب ظهر البحر في ريح رخاء وأراد أن ينساب مع التيار انسياب الحُباب فليس به إلى الحذق والمهارة حاجة كبيرة فإذا التطمت الأمواج واصطرعت كتائب الماء فإن السلامة في أن يلقى الملاح خيرزانته والحزامة أن لا يكافح معتلج الأذى فإياك إياك أيها الملاح أن توكل بسفينتك الأرواح وتتركها رهن الأمواج وتلقى أزمتها إلى أيدي التيار فيلتهمك طامح اليم وتطوح سفينتك في مهاوي العباب. وفي الدائرة الاجتماعية حيث لكل منزلة معلومة ينبغي أن يربى كل امرئ لمنزلته فإذا ترك أحد مكانه الذي أعدّ له فليس بصالح لسواه فالتربية لا عائدة فيها إلا إذا كان السعد ألفاً للأب في وظيفته والزمان مساعفاً والأيام مسالمة فأما فيما عدا ذلك فهي ضارة بالطفل ولو كنا في مصر حيث يتوارث الأبناء وظائف الآباء لهان الخطب ولقلنا قد عرف كل امرئ آخرته ومصيره ولكنا في بلاد أهلها يتغيرون ومراتبهم ثابتة على حالها الأولى ولست أدري إذا أعد الرجل بنيه لمرتبته الاجتماعية أهو ناظر في ذلك إلى صالحه أم صالحهم؟ ولكن الناس متساوون ووظيفتهم المشتركة هي الرجولة فمن حسن إعداده لها فهو خليق أن ينهض بما يحمل وينفذ فيما يندب له وليس يعنيني أن تلميذي أميل سيكون في مستقبل أيامه عاملاً في الجيش أو الكنيسة أو القضاء فإن الطبيعة قد أغفلت عمل أبويه ودعته إلى الاضطلاع بواجبات الحياة البشرية وما كنت لأعلمه من ضروب التجارة إلا كيف يعيش ولست أنكر أنه لا يكون بعد نفض يدي من تأديبه قاضياً بمعنى الكلمة أو جندياً أو قسيساً ولكنه سيكون رجلاً قبل كل شيء وأنه لحقيق بعد ذلك أن لا يتعاظمه أمر ليس يعجز سواه ومن كان كذلك فليس بضائره مرَّ الليالي وانتقال الأحوال. وأولى العلوم بتوجهنا إلى تحصيلها وانقطاعنا لطلبها هي درس الحياة وتعرفها فإن أحسن الناس تربية هو عندي أردهم لنفسه على محبوبها ومكروهها وأجلدهم على مضّ الحياة

стр. 365

ومن هذا ينتج أن التربية الحقة ليست نصائح يصبها المرء في أذن طفله ويسديها إليه من حين لحين ولكنها الدربة وعجم الخطوب وأدب الزمان وسبك الدهور فهي تبتدئ مع ابتداء الحياة كالعود يسقى الماء وأول مؤدب للطفل ظئره. (متلو)

стр. 366

الطبيعة ونواميسها مبحث في فلسفة الطبيعة وما ورائها للفاضل صاحب الإمضاء الطبيعة هي القوة المتسلطة على جميع الكائنات وفي جملتها الإنسان ومصدر الحقائق الطبيعية هو الطبيعة ومصدر الطبيعة واجب الوجود. والأشياء الطبيعية هي الموجودة في حال ليس للإنسان يد فيها - كالجو والغيوم وسيارات النظام الشمسي والبحر بصخوره والشواطئ الرملية والدلغانية والجبال والأدغال والنبات والحيوان والسمك والطيور. أما الأشياء الصناعية فهي الطبيعة أصلاً. وإنما دخلت فيها يد الإنسان فركبتها أو جزأتها أو فرقتها - كالبيوت والأثاث والعربات والآلات فإنها تركبت أو تهيأت بصنع الإنسان. على أن الأشياء الصناعية تدخل تحت حكم الطبيعة عند إطلاقها. مثال ذلك: كأس ملآنة ماء. فالكأس شيء صناعي أي أشياء طبيعية أصلاً قد استحضرت وسلطت عليها الحرارة حتى ذابت فأصبحت زجاجاً. وهذا الزجاج قد جعله الصناع على هيأة كأس. وأما الماء فهو شيء طبيعي جاء من نهر أو بركة أو نبع أو من الميازيب التي يجري فيها المطر النازل على السطوح. فالكأس والماء داخلان تحت كلمة الطبيعة وأحكامها. والممكن للإنسان أن يغير هيئة بعض الموجودات وأن ينتفع بشيء من القوات الطبيعية ويتقي شيئاً من أضرارها. وغير مستطاع له أن يخلق شيئاً غير موجود فإن ذلك منوط بخالق الأشياء ومبدع طبائعها والإنسان نفسه هو جزء من الطبيعة أو الأشياء الطبيعية وله قوات طبيعية بها يغير بعض الأشياء التي يعرف قواتها وخصائصها فيجعلها صناعية لفائدة الإنسان. وينتج من ذلك أن مزاولة كل صناعة تستلزم معرفة بعض الأسباب الطبيعية ونتائجها. إذن فإتقان الصنائع وترقيتها يتوقفان على زيادة العلم بخصائص الأشياء وقواتها الطبيعية والوقوف على كيفية تحويلها لمنفعة الإنسان. على أن الأشياء العظمى في الطبيعة وحلقات الأسباب والنتائج المتعلقة بها تجري على رغم إرادة البشر وقواتهم فلا سلطان لهم عليها - كشروق الشمس وغروبها واستهلال القمر وابتداره وامحاقه واختلاف الفصول وتعاقب الحر والبرد والمد والجزر وهبوب الرياح وثوران العواصف والبراكين وحدوث المطر والصحو والنوء والهدوء والتموج والرهو

стр. 367

والتفريخ والنمو والخصب والجدب والرعد والبرق والصواعق والزلازل والأوبئة والبلاء والموت وتكاثر بعض أنواع الحيوان والنبات أو تفرقها أو انقراضها. وكلها قوات طبيعية تلعب بالإنسان لعب الأمل به أو الولد بالأطيار. على أنّا كلما ارتقينا في المعرفة والعلم استطعنا أن نجلب لأنفسنا بعض المنافع وندفع عنها بعض المضار. وتجري الطبيعة على نواميس ثابتة سنها الباري للحكم على الكائنات فتجري عليها الأشياء الطبيعية قسراً بترتيب واحد ونظام غير متغير فلا يحدث شيء في الطبيعة عرضاً أو مصادفة وإن عجز الإنسان عن تعليله. أول شيء تعلمه الإنسان عندما عني بدراسة الطبيعة هو أنه فطن إلى بعض الحوادث الطبيعية فرأى أنها تحدث بترتيب ونظام. وأن أسبابها تنتج دائماً نتائج واحدة. فالشمس تشرق على الدوام من جهة واحدة. وتغرب في الجهة الأخرى وتغيرات القمر تتبع بعضها البعض بسلسلة نظامية في أوقات معينة متشابهة وبعض الكواكب لا يغيب تحت أنق أي مكان نعيش فيه. الفصول تجري على نظام قياسي تقريباً. الماء يجري دائماً في الأودية. النار تحرق على الدوام. النبات ينمو من البذرة ويعطي بذراً كجنسه يطلع منه نبات آخر مثله. الحيوانات تتوالد وتنمو فتصل إلى سن البلوغ فتهرم ثم تموت جيلاً بعد جيل في طريق واحدة. هكذا وصلت إلى عقل الإنسان بالتدريج فكرة نظام الطبيعة وتجلى له ثبوت العلاقة بين السبب والنتيجة في جميع الأشياء الكونية. وكلما تجلت للإنسان سيادة هذا النظام شعر بوضوح الأشياء فأدركها. ثم حكم على الأشياء التي لا يفهمها بأنها تحدث مصادفة أو اتفاقاً. على أننا كلما تعمقنا في دراسة الطبيعة وأنعمنا البحث زاد هذا النظام جلاء ووضوحاً لدينا. وما كان يظهر أنه يجري على غير سنن نظامي يثبت لدينا أن أمره لم يكن إلا مغلقاً أو ملتبساً علينا نظراً لقصور الفطرة في الإنسان. ومن هنا لم يبق في عصر المدينة جاهل يعتقد أن شيئاً من الأشياء يحدث اتفاقاً أو أن هناك مصادفات في الأشياء التي ليس لها سبب ظاهر. وإذا قلنا أن هذا الشيء قد حدث اتفاقاً فهم الكل أننا نعني بذلك أننا لا نعلم علته الحقيقية أو سبب حدوثه. فالمصادفة إذاً أو الاتفاق من أحكام الجهل.

стр. 368

فدراسة النواميس الطبيعية واجبة لأن معرفتها ترشدنا إلى العمل وتهدينا إلى حسن التصرف. ومثلنا في ذلك مثل إنسان قصد أن يستوطن بلاداً فوجب عليه العلم بأحوال تلك البلاد وأحكامها وإلا كان جهله بها مجلبة بالطبع لما لا يرضي لنفسه. وهكذا شأن من يحاول أن يعيش بغير لفت إلى نواميس الطبيعة. فإنه يقصر عمره على الأرض. ويقضي حياة غاصة بالاضطراب وتلقى نفسه لجهله ما قدره الجهل من العقاب. وهذه النواميس تنفذ بالقوة القاهرة التي أودعها الباري الطبيعة فلا تقبل رشوة ولا محاباة ولا تميز الغني على الفقير ولا الأمير على الحقير فكم من ألوف وملايين يعيشون بالشقاء والخبل ويموتون في زهرة العمر مخلفين البلايا لنسلهم من بعدهم بسبب الجهل ودماؤهم على رؤوسهم. فمن عرض نفسه لعاديات الطبيعة من الحر والبرد والجوع بما يوسوس له الجهل مختاراً في ذلك غير مضطر ولا ملتمس منه نفعاً قريباً معلوما - ومن عدا على البدن بما يؤلمه من ضرب وجلد وتمزيق وإهمال بما يزينه الوهم راضياً في ذلك غير مكره ولا مفيد منه شيئاً - ومن شوه الجسم أو اسقط منه عضواً لازماً مفيداً كائناً ما كان ذلك العضو بما يموه له الطمع أو الخيال الفاسد عامداً في ذلك غير مجبر ولا مفتد سائر البدن بذلك الجزء كمن يقطع اليد الفاسد وقاية لبقية الجسم. ومن اجترأ على حريته الذاتية بالمحو أو الإنقاص والإضعاف بما يبعث عليه الكسل أو القسوة أو دناءة النفس راغباً في ذلك غير مقسور عليه - كل هؤلاء مخالفون لأحكام الطبيعة مناقضون للحكمة الإلهية الأزلية التي هي عين الجمال ومظهر الكمال ومصدر الوجود وعلة البقاء. التعليل العلمي إن المبدأ المتخذ أساساً لكل علم من العلوم هو: أن العلل المتشابهة معلولاتها متشابهة. وهذه الحقيقة مبنية على اختبار نام. أما علة الشيء فهي سببه المسبب عن شيء آخر وهذا عن آخر قبله وهلم جراً حتى ينتهي إلى علة العلل. وكلما تقهقرنا في سلسلة الأسباب والنتائج زدنا التعليل كمالاً. فكل تعليل ناقص لأن معرفتنا بالأسباب قاصرة: ولكنا إنما نبحث عن الحد الذي نكتفي به. أو يمكننا الوصول إليه.

стр. 369

وليست العلة والناموس واحداً وإنما يطلق عليها تسامحاً. والفرق بينهما كالفرق بين الشريعة وعدم الامتثال لها. والفرق بين الناموس الطبيعي والناموس البشري هو أن الأول ترتيب طبيعي لا يخل البتة. ولا يعد ناموساً طبيعياً إلا ما قام عليه البرهان. أيده العقل. وأثبته الامتحان. وأما الثاني فهو عبارة عن أوامر ونواه مفروضة على أصحاب مشيئة واختيار. إن شاؤا أطاعوا وإن شاؤا عصوا. فمن أطاع لم تؤيدها طاعته ومن عصى لم تبطلها مخالفته. ثم أن الأول يشمل جميع الأشياء الطبيعية وفي جملتها الإنسان وما يتعلق به. وأما الثاني فمقصور على الناس وأعمالهم. وتعرف النواميس الطبيعية بواسطة ثلاثة أمور: وهي الملاحظة والامتحان والتعقل - من باب علمي. أما الملاحظة العلمية فهي الرصد الدقيق. أو المراقبة الكاملة النافية للزعم والوهم والاستنتاج الباطل. وأما الامتحان العلمي فهو التجربة الدقيقة التي تجري على شروط مفروضة محققة. وأما التعقل العلمي فهو إدراك الحقائق بطريقتي الاستقراء والاستنتاج وإثباتها بهاتين الطريقتين يقال له التعليل العلمي. أما الاستقراء فهو تقصي الجزئيات للاستدلال منها على الكليات فتوضع قواعد عامة مبنية على ملاحظات أفراد متعددة في أماكن شتى وظروف مختلفة. مثال ذلك: إذا لاحظنا أن حجر المغناطيس يجذب قطعة من الحديد متى أدنيت منه وامتحنا ذلك في كثير من قطع الحديد وضعنا هذه القاعدة: أن المغنطيس يجذب الحديد. وأما الاستنتاج فهو الاستدلال من الكليات على الجزئيات: مثال ذلك: إذا قربنا قطعة حديد من حجر فجذبها حكمنا بالاستنتاج أنه حجر مغنطيس. الرأي والحقيقة الرأي الفرضي أو الوضعي - ويقال له التقديري أو المحتمل - هو ما يقدر في الأذهان من الظنون لما ينتهي إليه الأمر الطبيعي، إذا استطعنا أن نتبعه إلى نهايته، أو إلى درجة نحو تلك النهاية.

стр. 370

وقيمة الرأي الوضعي تتوقف على كفايته للتعليل عن كل ظاهر الأمر الطبيعي تحت الفحص. فإن قام رأي يعلل ذلك عول عليه إلى أن يظهر فساده أو يقوم رأي أكمل منه، أو مثبت بالبرهان القاطع، فيؤخذ به ويهمل الأول فالتمسك برأي محتمل يعين على التعليل أفضل من عدمه، لأنه يدل على طريق الحقيقة بقدر الإمكان وقد يكون مديناً لظهورها. مثال ذلك: أنه منذ ١٧ سنة كان الماء معدوداً عنصراً بسيطاً، كما أن الزئبق معدود اليوم بسيطاً. أما اليوم فقد عرف أن الماء مركب من عنصرين، وهما الأكسجين والهيدروجين، وأن هذين الغازين قد اتحدا بدرجة عظيمة من الضغط والبرودة حتى صار مزيجهما مائعاً. وكل من هذين العنصرين مركب من جواهر كجوهر الزئبق لا تتجزأ إلى أبسط منها. ولا يبعد في المستقبل أن يحل الزئبق ممتحن بحاثة فيظهر فساد هذا الرأي الوضعي ويحل الزئبق إلى عناصر أبسط. وهذا هو الفرق بين الرأي والحقيقة. وعليه فالحقيقة ضالة العاقل ينشدها أنى كانت. الطبيعة والخالق يميل العقل البشري إلى الوقوف على بعض الآراء في أصل العالمين. وهذا ظاهر من أن لكل أمة على وجه الأرض رأياً في أصل هذا العالم وعلة كونه وأسلوب تكوينه. فلقدماء الفرس والهنود والمصريين والصينيين في آراء شتى يرمون بها إلى اكتشاف ذلك السر العظيم وأكثرها على غاية الغرابة. أما اليونان فقال فريق منهم أن ليس في الوجود سوى الجواهر الفردة والفضاء الفارغ. ولكن عجز ديموقراطيس ولكريشوس عن إثبات صحة ذلك بالحجة القاطعة والبرهان الدامغ. ونشأت أفكار كثيرة عن البيضة الأولى. ولكننا نتعجب ممن لا يسلم بأن تلك البيضة صنع خالق قدير حكيم أزلي سرمدي. حكي أن أمير أهدى إلى خطيبته بيضة كبيرة من الحديد فنظرت إليها بازدراء ودفعتها على الأرض فانفتحت عن آح من الفضة ومح من الذهب وفي المح تاج ذهب وخاتم ماس. وما هذه بالنسبة إلى تلك البيضة العظيمة التي بعض ما فيها نجوم السماء التي لا تحصى وكل أحياء الكون وجواهره!! وهنا نستميح القارئ في بسط حديث مختصر بين مناظرين أحدهما مؤمن والآخر لا أدري

стр. 371

- كمثال لما يقع من الجدل في هذه المسألة العظيمة. م - أتنكر أن لا نهر الأوله ينبوع؟ ل - وأي صبيان المكاتب لا يعرف ذلك؟ نعم إن من الأنهر مالا يمكن الجزم بتعيين ينبوعه كنهر النيل. ولكن الجغرافيين قرروا أخيراً أنه في جبال القمر وأصله آخرون إلى ما وراء ذلك. م - إذاً أنت تعرف أن لا مسبب بلا سبب ولا أثر بلا مؤثر. أليس كذلك؟ ل - ذلك من أولي البديهيات إذ لا بد لكل معلول من علة. وإن كان التوصل إلى العلة من أصعب المطالب. م - أصبت فقد كنت أظنك تقول كداود هيوم أنه لا ارتباط بين المعلول والعلة وليس بينهما سوى التوالي كما بين النهار والليل. ل - إن هيوماً مخطئ في ذلك. فإن الليل والنهار متواليان لعلة ليست أحدهما. فليس بينهما ارتباط العلة بالمعلول كما بين انطلاق المدفع وهزيمه. م - أظنك لا تقول بأن المعلول والعلة واحدة. فانطلاق المدفع وهزيمه أمران مختلفان في الذات. أما هما كذلك؟ ل - بلى. م - فانتبه يا صاحبي فأني أراعي هذا المبدأ في شأن تلك البيضة العجيبة. ل - لا أرى مكاناً لمراعاته في شأنها. م - أنعم النظر ترَهُ. فأين ينبوع تلك البيضة، أو ما مصدرها، أو علتها وعلة كل ما فيها من الخصائص فأنت تقول أن ينبوع كل ذلك أو علته هو الطبيعة أم كل شيء. فأسألك أن تعلمني ما الطبيعة، ومن أين أتت. وكيف أتت. ومتى أتت؟ وقبل كل ذلك قل لي ما هي؟ ل - إن تحديد الطبيعة من أعسر الأمور. ولكني أقول مع برنيت أخرج إلى ما تحت السماء وأصغ إلى تعليم الطبيعة أو مع بوب ما معناه: شيم الطبيعة لا تنفك عاملة ... والجوهر الفرد يبغى مثله أبدا هذا إلى ذاك مجذوب وذاك إلى ... هذا كذلك كان الكون واتحدا م - لا اعتراض لي على بلاغة هذا الشاعر المجيد لكن ما أوردته يا صاح من قوله ليس

стр. 372

فيه ما يبين حقيقة الطبيعة فأنت تذهب إلى أن الطبيعة قد باضت تلك البيضة وأنقفتها، فنشأ عنها كل ما في العالمين على اختلاف حقائقه وصوره. وأنا لا استطيع التسليم بذلك ما لم أعرف الطبيعة وماهيتها، أتظن أنها ملك؟ ل - لا بمعنى ملك عندك. م - أروح هي؟ ل - لا أقول أنها روح. م - أغول هي إذاً أم عنقاء؟ ل - أرجو اعتزال المزح في مثل هذه المسألة الهامة. م - ولكنني أريد أن تعلمني سبيل الحقيقة لأنهج منهج الحد. فأني لم أقرأ في كتب اللادريين مقالاً في شيء مجهول العلة إلا وفيه أن علته الطبيعة وأن الطبيعة أم كل شيء فأولاد الطبيعة فيها لا تحصى كالرمال التي على شواطئ البحار ومع هذا فقد عجزوا عن الإتيان بتعريف لها. ل - أرى الطبيعة تكبر عن أن تحد وأنها تشتمل على السماوات والأرض والنواميس. م - أفلا ترى الطبيعة موجوداً غير منظور وعاملاً مستقلاً عن الجواهر الفردة؟ ل - نعم فإن الفيلسوف ستورث مل قال: ليست الطبيعة كل محدث بل ما يحدث من غير اختيار الإنسان وقوته العاقلة. أفليس ذلك قريباً من حد الطبيعة؟ م - هذا يقتضي أن السماء والأرض والأزهار والرياض وسمك البحار من الطبيعة. ل - لا ريب في ذلك. م - ولكن على قولك أن كل الأشياء حتى البيضة الأولى قد أخذت قواها من الطبيعة. فما الفرق بين الطبيعة والبيضة الهيدروجينية أخبرني بذلك وحسبي. ل - يصعب أن نفرق بين الأمرين وليس في وسعي أن أرسم خطاً فاصلاً بينهما. م - إنك لا تستطيع أن تفرق بينهما فهما واحد. فليس لك أن تجعل أحدهما على للآخر. ل - نعم. لكنني سأفكر في الأمر قليلاً لعلي أهتدي إلى حل هذا الإشكال. م - لك أن تفرض ما شئت في العالمين. مصدراً لتلك البيضة أما أنا فأقول: لا بد من إله خلقها واعتنى بها وانشأ منها سائر المخلوقات المشاركة لها في المادة. والنشؤ نفسه دليل

стр. 373

قاطع عل إثبات الإله الأزلي القدير الحكيم. ل - ولكنني لا أسلم بإلهك ولا بخالقيته ولا بعنايته. م - بل لزمك أن تسلم بإلهي أو بمن يكون مثله إذا أطرحت الغرض ولم تتعلم عن الحق الواضح. لأن البيضة التي تؤمن اعتباطاً بوجودها تستدعي موجداً عاقلاً. فإن الساعة التي ترى آلاتها تدور أمامك تنطق بأفصح بيان بأن يداً عاقلة صنعتها. وإن قلت أن البيضة واجبة الوجود جعلتها إلهاً فألّهت العالمين. وإلا فلابد من مبدع ومعتن فدعك من التكلف يا صاح ولا تستح من الحق أن ترجع إليه. ل - لقد ضيقت عليّ كثيراً. فأعترف لك أنك أعظم مما كنت أظن وأرجح رأياً مما كنت أخال.

стр. 374

النقد والمناظرة روح اللغة وروح الدين حديث لفيلسوف الشرق وإمامه المرحوم الشيخ محمد عبده نشأت في هذه الأيام ناشئة من الفتنة اللغوية أرهج في صحفها بالسواد، وأثار فيها نقع المداد، عصبة خفاف الأحلام، ضعاف الأقلام، لا يرون عهدة الخلق في أنفسهم أسراً، ولا رقة الدين في قلوبهم كسراً، وكأنهم منذ درجوا من بيوتهم صغاراً ما عرفوا من اللغة إلا ما تظهره السابلة أو تبطنه الحوانيت بل كأنهم منذ خرجوا من مدارسنا التي تفتح أبوابها كأفواه الخرس - على سعة بدون فائدة - ما عرفوا غير كراسة الإنشاء ولا راضوا من جماح القول غير تلك المجلدات البليدة التي تطير على وجهها في يد الصبي كلما ساطها بلسانه وهو قد يتعتع في أقصر سورة من القرآن، وأصغر عبارة من البيان. فأولئك لا يطلعون علينا إلا كالجيش يظهر بعد الهزيمة فُلُّهُ، ويذهب كُثره بالمجد ثم يرجع بالخيبة قُلُّه، وقد زعموا أنهم أُرسلوا إلينا بدعوة جديدة في الإصلاح اللغوي فإذا سألتهم ما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنّا أرسلنا إلى قوم مجرمين يحتفظون بلغة يزعمونها لهم وهي لغة العرب ويحرصون على تاريخ هو تاريخ العرب. ويتأدبون بآداب قديمة هي آداب العرب. وآية لهم أنا نريد أن نجعلهم نبطاً مستعربين أو عربا مستنبطين أو مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؟ فسبحانك اللهم لشد ما خذلتهم فتحجروا مما أبحت واسعاً، وشبهوا على الناس أمراً ساطعاً، وما نأمن أن نحن وسعناهم بالحلم، وأغضينا عنهم أعضاء أهل العلم، أن يعودوا فيقولوا وأن لكم ديناً أنتم بعروته مستمسكون، وبحبوته معتصمون، وهو كذلك ليس دسنكم ولا دين آبائكم الأولين وإنما هو دين العرب. . . . ثم أن لكم كتاباً (القرآن) نقرؤه ولا نفهمه لأنه لم ينزل باللغة المصرية بل نزل باللغة المضرية التي هي لغة العرب. ثم لا يكون من هذا الورم إلا أن ينفجر صديداً، وينقلب داثراً جديداً، ويصبح أمراً شديداً، وما أحد عندنا أولى بغصة النصيحة وأن شرق بها وتوجر الملام المرّ وإن اختنق به من هذا المريض بذات قلبه الذي لا يهزأ به فيما نري إلا من توهمه صحيحاً، ولا يسخر منه إلا من ظنه صريحاً، ولقد يكون وأنت ترى الثوب البالي أحسن وجهاً من عافيته، وأمتن أسباباً في الصحة من

стр. 375

بيته وقافيته على أن ركن اللغة الفصحى قد تعاورته قبل هذه الآونة معاول كثيرة أقربها عهداً بنا قلم القاضي ولمور الانجليزي ذلك الرجل الذي ما أحسبه اقتلع قلمه المسموم إلا من بين أنياب الشيطان فقد أراد أن يمسخنا مسخا، وينسخ شريعتنا نسخا، ويدع شيوخنا في المكانة اللغوية (كمشايخ الحارات) وفتياننا في الرطانة البربرية كخدم (البارات)، ولكم رأينا بعد ذلك من مثله ولموراً مصرياً لم يجن عليه إلا نقص تعليمه وضعف تقويمه، فأمسى حرباً على الحق ولكنه أصبح وحده المخذول فيها كما قال أستاذنا الإمام ﵀. فقد يممت ذات يوم تلك الدار دار الحكمة فأصبت الإمام في ظل شجراته وهو ينظر في بعض أوراق من كتاب المخصص الذي لولا همته، ما ظفرت به أمته، وكان يمر على كثير منه بعد أن يعاني ضبط روايته ذلك الحافظ الكبير المرحوم الشيخ محمد محمود الشنقيطي. فأخذت مجلسي وأنا من إجلالي للإمام كأنما أضع قلبي في كل حرف يقرؤه فما أن استتم الباب حتى التفت إلي مبتسماً وقال أيعجبك المخصص. قلت يا مولاي إنك قلبت البديع فجعلت براعة الاستهلال تجاهل العارف وإلا فإن الذي نشأ على أن تعجبه ألاجرومية كيف لا يعجبه المخصص. فضحك إلي وكان ﵀ يعرف مبلغ حرصي على تقييد ألفاظه والتقاط حكمته والضن بآثاره ويلمح أني إنما أدخر من لدنه علماً فكان يطيل أحياناً في بيانه، وينير كل مشتبه ببرهانه ويسلس لكل معنى من عناته. فقلت له فيما قلت: ولكن يا مولاي هل تظن نشأنا الحديث يقبل على المخصص وهو ما هو في بسط العبارة واتساعها واستفاضة الأطراف إلى ما يفوت أجل المستفيد، وأمل المستزيد، فضلاً عما فيه من تحقيق ليسوا لمثله وتدقيق ليس لمثلهم؟ فقال: لا أظن ذلك في النابتة الحديثة ولا في الجذوع القديمة. . . . (الشيوخ) وإنما علينا أن نعمل في إصلاح أمر دنيانا ليوم سيأتي كما نعمل في إصلاح أمر آخرتنا ليوم سوف يجيء. وإذا كنا ننصرف عن العلم لندرة أهله والمقبلين عليه فلا بد من يوم يكون فيه هذا النادر معدوماً لأن سنة النقص عند أسبابها كسنة الزيادة عند أسبابها والوجود لا يدرك مقدار ما نقص منه ولا ما زاد فيه فلا يعبأ بالموجودين وأحوالهم وإنما يدرك من له قوة الإدراك. نحن نظهر المخصص ونصبر على مضض ما نعانيه في ذلك لخلال ثلاث فأما واحدة فلئلا

стр. 376

نفقده كما فقدنا غيره من قبل وأما الثانية فليجده معنا من يكون من أهله حتى ينتفع به. وأما الأخرى فلتنشأ بعدنا به الأمة الجديدة. وهي آمال ليس لنا من ثلاثتها إلا الأول فعلينا أن نوجد العمل وعلى الزمن أن يحد مقدار الحاجة إليه. قلت يا مولاي نعم ولكن قد كان المخصص مفقوداً أو في حكم المفقود فما أحسسنا أننا فقدنا شيئاً رزئنا به أمراً جسيما. وكانت هذه الكلمة سقطة انطويت فيها تحت لساني فطارت لحظات الإمام كأنها لهب البرق ثم أغضي وقال: ذلك لأننا لا حس لنا وإنما نحن منوَّمون تنويماً خرافياً فلا نشتغل إلا بعقول الماضين التي استهوت عقولنا ببقايا آثارها في الكتب فإذا قيل لنا أن فلاناً قد نص على كيت وكيت جعلنا ذلك نصاً إلهياً على فقد إرادتنا وحجة على وجوب استسلامنا. فهم قد عاشوا لأنفسهم ولنا أما نحن فكأننا نعيش لهم ونموت لأنفسنا فقط. وبذلك فقدنا الشعور بالجنسية المستقلة وإن لم نفق الجنسية نفسها. أرأيت علماءنا يعرفون من تاريخ العلم كله غير أسماء معدودة ورثوها كما تورث العادة؟ فنحن نريد أن نخرجهم من هذا الجمود ليعلموا أن الأسماء كثيرة وأن بعضها كبعضها إذا صار الأمر للتاريخ وقد أصبحت كلها لدينا سواء نقدر منها بعقولنا لا بعقول غيرنا فإذا أخذنا أخذنا عن بينة وإذا تركنا تركنا عن بينة. وهذا لا يكون إلا إذا أحسسنا أننا في الوجود الحقيقي لا في الوجود التاريخي ولسنا نحس إلا إذا اعتدنا إدراك الفرق بين الوجودين ولن نعتاده إلا إذا جددنا ذلك التاريخ العتيق المتعلق ببعض الكتب التي ألفناها وعكفنا عليها هيهات بتجدد ذلك إلا إذا أكثرنا من إحياء آثار السلف كالمخصص وغير المخصص. فقلت ولكن المصيبة في النابتة شر من المصيبة في الجذوع لأن هذه لا تنخر إلا في زمن طويل أما مصيبة النابتة فهي القصف السريع وقد نراهم لا يكتفون بهجر لغتنا وآدابها والانسلاخ منها بل ينقلبون حرباً عليها وعلى أهلها. فقال ﵀: ذلك زيغ من الشبان يمكن تقويمه إذا استمرت حركة الإصلاح الديني في مجراها لأن التيار يعين على الإسراع في اكتساح مالا يَسبَح وما نشأ كره اللغة العربية في أمثال هذه المفتونة قلوبهم إلا من إهمال الدين فلو عرفوا أن دينهم يقوم بالكتاب والسنة

стр. 377

وأنهما عربيان وأن عربيتيهما نمط عال لسموا إلى هذا النمط ولكان من اندفاع رغباتهم إليه بالدرس والبحث والتنقيب على آثار العلماء حياة الجنسية في قلوبهم المريضة فإن نهضة الشرق لا تكون إلا بالجنسية الإسلامية الصحيحة التي أساسها الدين والكتاب. ولكنهم فقدوا روح الدين ففقدوا معه روح اللغة وأصبح ظاهرهم فيه الرحمة وباطنهم من قبله العذاب فهم منسوبون إلينا نسبة الوجوه المطمئنة وخارجون علينا خروج القلوب الكاذبة. ولو سئلت رأيي في المدارس التي يخرج منها أمثال هؤلاء لأشرت بأن تجعل مستشفيات لغوية. وأعلم أنه لولا شيوخنا يتعبدون بألفاظ القرآن تعبداً ينسيهم ذوق أسلوبها وحلاوة تركيبها لأحيتهم روحه اللغوية حياة أخرى ولكنهم لم ينظروا إلى أن اللغة كانت هي الأصل في هذا الكتاب الكريم حين أنزل إلى قوم ليس لهم من الدين الفطري السليم إلا دين اللسان وحده فنسوا ما قبل النتيجة ولذلك لم يحسنوا الانتفاع بها وسقطت عندهم إلى رتبة المقدمات التي لا تفيد بذاتها إلا قليلاً. غير أننا لا نيأس من روح الله ما دامت فينا طائفة تعمل عملاً صالحاً وأن كثر العائبون والمعارضون فقد يمسي حرباً على الحق ولكنه كثيراً ما يصبح المخذول فيها. قلنا وهذه قارعة نقرع بها أولئك الذين يريدون أن تكون لنا لغة مصرية مصبوغة باللون الأُمي فإن ذلك لا يكون إلا يوم يصبح لنا دين مصري. . .! ولو نظر هؤلاء إلى أبعد من أطراف أنوفهم ولو قليلاً لرأوا أنه ليست لنا سياسة مصرية أيضاً وما تربية الأمة السياسية بأعضل من تربيتها اللغوية ولا سيما في مصر فلو توخينا هذه الأخيرة وسعينا لها سعيها على الطريقة التي تربي بها الأمم - طريقة الروية والحزم والصبر الطويل الذي يعدل عمر جيل أو أجيال - لكان جزاؤنا منها موفوراً ولم يكن بيننا وبين ما نسعى إليه إلا جيل يسقط وتسقط معه تلك الفئة التي تستجهل أهل الفصاحة حتى يقوم الجيل الذي يشمئز من اللكنة وينتفي من عارها. فقبل أن يطلب اللون الأمي في لغة من اللغات ينبغي أن يسأل عن مقدار التربية الأمية في أبناء تلك اللغة فقد يكون هذا اللون بما ينطوي تحته من العلل كصفرة السل أو بياض البرص أو حمرة الرمد أو سواد الوجه عند الله. . . . وتربية الألكن لا تكون بالإشادة إلا زادته الإشارة لكنة كما أن تربية الأبكم لا تكون بالكلام

стр. 378

إلا زاده الكلام بكماً وإنما دواء العلة ما يقدره الطبيب دون ما يرضاه العليل فقد يكون ألم العلة في وهمه أخف من ألم العلاج وفي هذا تبصرة وذكرى.

стр. 379

رباعيات الخيام بقلم الأستاذ محمد لطفي جمعة منذ ست سنين في صيف ١٩٠٦ كنا جماعة من أقطار الأرض لا تربطنا سوى عروة الإنسانية وحب الجمال على ضفاف بحيرة ليمان بمدينة ذات مناظر حسناء وطرق منحدرة لا أصرح باسمها لأنه صار لديَّ من المضنون به على غير عشاقها فإن فطنت إليها فمكافأتك في معرفتك. وكنا جميعاً في ربيع الحياة نعشق الحسن في الطبيعة وفي القول. نجتمع في ضوء القمر بليال ما كان أقصرها وددنا لو تكون أبدية وكنا ننشد أغاني شاعر قديم كان لها في نفوسنا فعل السحر فكان بعضنا يحفظها عن ظهر قلب والبعض يقول عنها أنها إنجيله المنزل. وهذه الأناشيد هي رباعيات الخيام. المدفون في قبر تنمو حوله شجيرات الورد ويهب عليه النسيم من كل جانب. شعر الخيام الشاعر الفلكي الصوفي المؤمن الجاحد المتصبب العاشق الزاهد الحائر هو زهرة من رياض آداب الفرس بل درة من بحرها الزاخر وعجيب بنا أن يقل لدينا العارفون بها وبه وقد ألم أهل الغرب بكل دقيق وجليل من شؤونها ونقلوها إلى ألسنتهم ولها من اهتمامهم وإعجابهم نصيب وافر. فكان في آدابنا الحديثة فراغ حاول فريق من الأدباء أن يملؤوه فكتب الأديب عيسى اسكندر معلوف فصلاً في الهلال الأغر عن الخيام ثم دوَّن الألمعي أحمد حافظ عوض فصلاً في مجلة الموسوعات ثم أقبل الكاتب العبقري عباس محمود العقاد ففسر بعض رباعيات عمر الخيام في جريدة الدستور ولكن شاءت الأقدار أن يكون تمام التفسير على يد فرع الدائحة البستانية وهو الألمعي الضليع وديع البستاني. لا يزال شعر الخيام لغزاً على منشديه وقرائه وقد كانت الحياة كلها لغزاً في نظر عمر. كانت الحياة في نظره لغزاً لا يحل ومن حاول حله ضلوا. ولكن قليلين يفطنون إلى معانيه ومقاصده وهم الذين تألموا مثله وحارت ألبابهم في فهم معجزة الكون وفي قلوبهم نار تتأجج ولا تخمد وبنفوسهم ظمأ لا يطفأ صحونا ففطنا فدهشنا فبحثنا فلم نهتد وعدنا بصفقة المغبون وحسرة النادم وحاولنا إخفاء الحزن بقرع الكؤوس ومغازلة ذات حسن كاعب - هذه فلسفة الخيام التي صاغها في أجمل قالب رباعيات تتملك من أركان القلب الأربعة وأن

стр. 380

من يستوعب لسان الفرس العذب ليعروه الطرب كلما أنشد: - مائيم ومي ومصطبة وتون خراب ... فارغ زميد رحمت وبيم عذاب جان ودل وجام وجامه بردرد شراب ... آزاد زاخاك وباد اوز آتش وآب انظر كيف جمع أدوات الصفاء والأنس في سطر فيرتسم في مخيلتك لدى قراءة الربع الأول منظر المجلس والكؤوس والكانون. ثم إذا عرض لك الاعتراض عليه لشربه خرجت من أعماق قلبه صرخة خيامية: فارغ زميد رحمت وبيم عذاب أيها اللائم أليك عني فما أنا بخاش تعذيباً ولا براج رحمة أي بعد أن شقيت بنفسي وذبت حسرة بعد الدرس والبحث أصبحت لا أدري نفعاً في الرحمة ولا ضراً في العذاب. وإن للفتى في الحياة الساعة التي هو بها أن هو حظي بها وسعد فاز ون لم يحظ فقد جني على نفسه. بيد أن هذا ليس قول المدمن ولا الجاهل الراغب عن رحمة الله الساخر من عذابه إنما هو يأس العقل القوي والروح الحائر. بل هذه وسيلة من وسائل إظهار الحزن والأسى. أما عن صوفية الخيام فلست من القائلين بها. لأن الخيام لم يكن بطبيعته الفكرية ولا بحالته النفسية من فئة المتصوفة الضيقي الفكر اللائذين بأمور معينة يعتقدونها كل شيء إنما كان الخيام حياً شاعراً بحياته ومفكراً قوياً قادراً قوته قدرها والذين نسبوه إلى التصوف أرادوا تبرير قوله في الخمر والحب كما فعلوا في تفسير شعر حافظ الشيرازي البادئ ديوانه بالمطلع الآتي: ألا يا أيها الساقي ... أدر كأساً وناولها متى ما تق من تهوى ... دع الدنيا وأهملها والذي دعا كثيرين ممن اشتغلوا بدرس آداب الفرس إلى انتحال الأعذار الصوفية للخيام والشيرازي ظنهم أن النفس البشرية اليوم هي غيرها بالأمس وأن أبناء القرون الخالية ما كانوا يلتمسون ملجأ من هموم الحياة في الحب والسكر وكل ما جاء عنهم في هذا الباب إنما هو مجاز وكناية على أن عشاق سقراط وابن سيناء لم يلتمسوا لأحدهما عذراً ولم يفسروا قولهما تفسيراً صوفياً لأنه لم يكن في حياتهما مبرر لمثل هذا التفسير ولأن أصحاب العقول

стр. 381

الكبرى غير مسؤولين حيال غيرهم من البشر عن حياتهم ما دامت تفيض على العالم نوراً. أما التفسير العربي الذي قدمه الأديب وديع البستاني لقراء العربية فأقول أنه في مجموعه جيد ولكن فيه مآخذ شتى لا تقلل من قدره سيما وأن الشاعر الشاب أول من بدأ هذا العمل الجليل وأتمه ولولا ثقتي من أن وديعاً يعلم أن نقد الشيء جزءٌ من تقديره ما قلت له الكلمات الآتية: أولاً - إن الشاعر خرج برباعيات الخيام عن طبيعتها إذ عربها سباعيات أي نقل كل أربعة أسطر انكليزية إلى سباعية ذات سبعة أسطر والرباعية ضرب من الشعر الفارسي والسباعية ضرب من العربي وقد احتفظ المفسرون الأجانب بضروب الخيام ونقلوا شعره رباعيات وفي طليعتهم فتزجيرلد الأيرلندي الذي نقل عنه الأديب البستاني وقد أدى نقل أربعة أسطر في سبعة إلى الإسهاب الغير المقبول كقوله في السباعية الثانية عشر: فعتيد نزولنا في القبور ... في القبور النزول دان عتيد كذلك اضطر المفسر العربي في بعض سباعياته إلى تأليف لا يأتلف ومع روح الرباعيات الخفيف العذب كقوله: والمليك الصيَّاد صيدَ وأردى ... ومن العرش حطّ حطّا للحد وجمع طاعة لأمر القوافي في إحدى سباعياته بعض الألفاظ الجافية الغير الشعرية كقوله: ولكم قام في الورى من كليم ... وكليم وفيلسوف عظيم * وأتونا بكل قول عقيم * فالحكيم والفيلسوف واحد. وانصراف الذهن إلى القصد من الكليم بمعنى الناصح الواعظ المرشد الهادي صعب لأول وهلة وقوله بكل قول عقيم قول لا يوافق شعر الخيام. ثم تلاه قوله: وهم اليوم في الثري ساكنونا ... لا خطاب يلقونه صامتونا ثم هناك بعض التصرف في النقل لعل الفاضل البستاني اضطر إليه لكن فيزجيرلد قد سبقه في هذا الميدان وهاك مثالاً في السباعية الثانية والعشرين: زحل كان موطئي إذ رحلت ... بخيالي وفي السماك حللت وصعابا من المشكلات حللت ... واجتليت الغوامض المبهمات

стр. 382

غير أن الآجال والموت فيها ... ولقيت الحقائق السافرات ذاك سر لم أنض عنه نقابا وها نحن أولاء ننقل هذه الرباعية الفارسية وتفسيرها الحرفي ليتبين الفرق بين الأصل والنقل: اد قعر كل سيارة تالوج زحل ... كردم همه مشكلات كيتي راحل بيرون جشتم زبندهر مكروحيل ... هريد كشوده شدومكر بندأجل وهاك التفسير العربي: بلغت في البحث مقر الحمأ المسنون من بطن الأرض وملتقي السماكين في العلا. وحللت عقدة مشكلات الدهر وقفزت في دائرة ذات حبالة خيوطها صنوف المكر والحيل. وبعد هذا كله تراني عاجزاً عن حل أول قيد ألا وهو قيد الأجل. على أن حسنات التفسير العربي أكثر من أن تحصى والثناء على همة الأديب البستاني وفضله واجب على سائر قراء العربية ومن سباعياته المرقصة قوله: ومقامي غصن مُظِلٌّ بقفر ... ورغيفان مع زجاجة خمر كل زادي والأهل ديوان شعر ... وحبيب يهواه قلبي المعني وشجى يذيبني يتغنى ... هكذا أسكن القفار نعيما * وأرى هذه القصور خرابا * على أن الخيام نظم رباعياته كهلا وهي تقابل ليالي الفريد دي موسيه في الفرنسية. أما الخيام فقد نظم بعد أن عاش وتألم وبحث ودرس وحار وضل وعشق وأبغض وسكر وصحا ورجا ويئس. بعد أن صنعت الحياة الإنسانية به ما تصنع النار بالذهب. وصديقنا الأديب وديع لا يزال في عنفوان الصبى قلبه مملوء بأحلام الشباب ولم يستوعب ما استوعبه الخيام من مهيئات الحزن الأعظم الذي يغير النفوس. فرجائي إليه أن يعيد التفسير وهو في الخمسين من عمره فسوف يرى الرباعيات بغير العين التي يراها بها اليوم ويصوغها في قالب ترضاه نفسه الناضجة الخالدة.

стр. 383

أساليب الكتابة إلى محمد حسين هيكل للفاضل إبراهيم عبد القادر المازني نعيت على كتاب البيان اختلاف أساليبهم وفخامة تراكيبهم وعدولهم كما زعمت عن مذاهبه السهولة إلى جفوة الأعراب وخشونة البادية وقلت أن اللفظ السهل يخف محمله على السمع ويسهل جريه على اللسان ووروده على الطبع وأنه ما ملكت القلوب ولا استرقت الإفهام واختلبت الألباب بمثل اللفظ الواضح المشرق الذي يجلي عن نفسه ويشف ظاهره عن باطنه ويمهد له وطاء الطبع قبل أن تمتلئ منه العين وهو كلام ليس فيه مساغ للطعن أو مجاز للشبهة وقد كنت ألومهم معك وأعذرك منهم لو كانوا أثاروا كما زعمت مدفون الألفاظ واستخرجوا مهجور الكلام ولم تذهب أنت إلى ما هو أبعد من ذلك حيث جعلت النزول إلى درجة البسطاء والانحطاط إلى مرتبة العوام فرضاً على الكاتب واجب الأداء وقد نسيت صانك الله أن لكل مقام مقالاً ولكل طبقة كتاباً ولكل صحيفة قراء فإن كان ظني صادقاً وكان قد غاب ذلك عنك فأعلم وأنت المجرب العارف والعوان لا تُعلّم الخمرة أن ما تدعوننا إليه لا يقدمنا خطوة وإن كان يؤخرنا عشراً لأن في الناس العالم والجاهل والكاتب لا يستطيع أن يولج المعنى أفهامهم على السواء مهما تبذل في أساليبه وتسفل في تراكيبه والرجل لا يكتب ليقرأ كل الناس ولقد رأيت لك كلمة في البيان في الجمال والحب وأثرهما في الحياة فهل حسبت أن كل قراء البيان قد قرأوها أو أن كل الذين طالعوها فهموها على قرب منالها وسهولة أسلوبها وإذ كنت خبيراً بأسرار الجمال وكنت عارفاً بموارد الكلام ومصادره خبيراً بمحاسنه ومساوئه فهلا ذكرت أن اللفظ المهذب والديباجة الأنيقة موقعاً في القلب ومخالطة للنفس وهل كان عمر بن أبي ربيعة يبلغ من معشوقاته مثل ما بلغ لو كان قال لهن أحبكن وسكت وبماذا فتن الناس بشار وهو أعمى مشوه الوجه؟ أليس بحلاوة لفظه ورشاقة معناه وهل ترى للجاحظ إلا لفظاً منضداً وسياقاً مطرداً وحبكاً جيداً وكلاماً منسجماً وهو مع ذلك من أكابر الكتاب ومشاهير المترسلين فإن قلت ذاك زمان وهذا زمان قلنا لك أن البلاغة في كل زمان نصفها لفظ لأن اللفظ جسم وروحه المعنى فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصاً للكلام وهجنة عليه لا تجد معنى يختل إلا من جهة اللفظ واللفظ

стр. 384

الرث يفسد المعنى والشائق من الألفاظ يزينه ولو كان مبتذلاً. أنظر إلى قول جرير (ويروي للمعلوط السعدي): إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك ما يزال معينا غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا هذه الألفاظ كما ترى أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته بسيطاً وانظر قول بشار: إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذُرى منبر صلى علينا وسلما فهذا كلام فخم جزل وهو أذل على القوة وأشبه بما وقع فيه من موضع الافتخار ثم انظر إلى قول لبيد: ما عاتب الحر الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح فهذا وإن كان جيد المعنى والسبك فإنه قليل الماء والرونق وكذلك قول النابغة: خطاطيف حجن في حبال متينة ... تَمد بها أيد إليك نوازع فإن ألفاظه ليست جياداً ولا مبينة لمعناه لأنه أراد أنت في قدرتك علي كخطاطيف عقف وأنا كدلو تمد بتلك الخطاطيف على أن المعني ليس جيداً ولا غنى بالكاتب الذي يحاول أن يملك أعناق المعاني ورقاب الخواطر ولا الخطيب الذي يريد أن يضع لسانه حيث شاء عن الإقتداء بالأولين والاقتباس من المتقدمين واحتذاء مثال السابقين فيما سلكوه من طرقهم ونهجوه من سبلهم والمقلُّ من الألفاظ يعجز عن ذلك واللفظ أصلحك الله زينة المعنى وأن يكن المعنى عمادَ اللفظ فليس ينبغي أن تكون الألفاظ غير مشاكلة للمعاني في حسنها ولا المعاني غير مشابهة للألفاظ في جمالها وما مثل المعنى الرائع في اللفظ المبتذل إلا كمثل المليحة الحسناء في طمر خلق وبراعة الشكل وظرف الهيئة نصف الجمال ونصفه الثاني حسن المُجَرَّد فليست عناية الكاتب باللفظ إلا كعناية الغادة بثيابها واللفظ أغلى من المعنى ثمناً وأعز مطلباً فإن المعاني موجودة في طباع الناس يستوي الجاهل فيها والحاذق ولكن العمل في الكتابة الأدبية على جودة الألفاظ وحسن السبك وصحة التأليف ألا ترى لو أن رجلاً أراد في المدح تشبيه رجل لما أخطأ أن يشبهه في الجود بالغيث والبحر وفي الإقدام

стр. 385

بالأسد وفي المضاء بالسيف وفي العزم بالسيل وفي الحسن بالشمس فإن لم يحسن تركيب هذه المعاني في أحسن حلاها من اللفظ الجيد الجامع للرقة والجزالة والعذوبة والطلاوة والسهولة والحلاوة لم يكن للمعنى قدر. وعلى قدر تفاوت اللفظ يتفاوت حسن المعنى انظر إلى قول المتنبي في استعطافه المشهور: وكيف ينم بأسك في أناس ... تصيبهم فيؤلمك المصاب وقول الآخر: فإن انتقم منه أكن مثل رائش ... سهام عدو يستهاض بها العظم وقول قيس بن زهير: فإن اك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناني وقول الحرث بن وعلة: قومي هُم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لا عفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي وقول العديل: وأني وإن عاديتهم أو جفوتهم ... لتألم مما علّ أكبادهم كبدي وقول النميري: فإنك حين تبلغهم أذاة ... وإن ظلموا لمحترق الضمير فقد جاؤا بشيء واحد لا تفاضل بينهم فيه إلا من جهة حسن السبك ومن جهة الإيجاز في اللفظ وهذا مثال آخر قال النابغة: إذا ما غزا بالجيش حلقّ فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب جوانح قد أثبتن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غائب وقال أبو نواس: يتوخى الطير غدوته ... ثقة باللحم من جزره وقال مسلم بن الوليد: وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل

стр. 386

وقال المتنبي وقد خرج إلى غير المقصد الذي قصدوه فأغرب وصار كأنه المبتدع لهذا المعنى: وذي لجب لاذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم تمر عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم فأما كون الناس ليسوا كلهم أدباء فلا ينبغي أن نكلفهم فهم مالا يعرفون فصحيح ولكن الذنب في ذلك ليس للكاتب الذي يصور ما يتمثل له من الخواطر على الأسلوب العربي الصحيح بل للذين لا يعلمون النشء علوم اللسان ويقفونهم على أخبار العرب ويروونهم أشعارها وأمثالها وللذين لو شاؤا لمهروا فيها وملكوا عنانها وتوسطوا باحتها. (متلو)

стр. 387

العدد ٧ - بتاريخ: ١٦ - ٤ - ١٩١٢

стр. 388

الرأي العامي في العربية الفصحى هذا مذهب من الكلام في اللغة كثيراً ما يشتبه فيه اليقين حتى لا يُنفذ إلى تمحيصه، ويلتوي الظن حتى لا يطاق على تخليصه، وأنت فكيف مددت عينك في هذا الجيل فلست آمناً أن تقع من نشئه الذين يطمحون إلى مشيخة الكتب. . . على كل ضيق المجم، ضئيل الهم، ألفّ اللسان، ملتف البيان، وهو مع ذلك يُسمّع بالفصاحة والفصحاء، ويستطيل في البلاغة والبلغاء، ويبسط في هذا الرهان. من جلده علي هزاله، ويفسح في هذا الميدان. من خطوه علي كلاله، ومهما أخطأك فيما يَعمى عليك من حقيقة أمره، ويكاتم مهب ريحك من دخانه وجمره، فلا يخطئك أن تستبين منه رأياً كأنه في رأسه نزوة ألم، وعقلاً مدنفاً لو هو مات لما قطرت له دمعة من قلم. ومن آفة الجهل أنه على استواء واحد في نظر أهله على ما يتحرون بزعمهم من النصفة والمعدلة فلو تدسس أحدهم إلي كل مكروه وأصعد في كل بلاء لكان بعض ذلك كبعضه سواء في بادي الرأي وعند تقليب النظر لا بدرك فرق ما بين درجاته، ولا فصل ما بين صفاته، حتى إذا ضرب كل سبب في غايته، واتصل كل مبدئ بنهايته، ووقعت الواقعة بركن أمة كان قائماً وتعثرت المصيبة بشعب كان متقدماً، عرف ذلك الجاهل من مقدار الرزيئة مقدار جهله وعلم حينئذ أنه كان يملك من الكف عن هذا البلاء مثل الذي ملك من التسبب له وأسَفَّ من ذلك ولكن بعد أن يكون السهم قد مرق والأمر قد مضى وبعد أن لا يكون قد أفاد من الجناية إلا معرفته كيف جناها فكأن المصيبة على هولها إنما حلت لتفهمه أنه جاهل وما أعزها كلمة لا تفهم إلا من مصيبة. وليس ينفك الجاهل بالشيء إذا رأى فيه رأياً من خصال: فأما واحدة فاقتضابه الرأي لا يغبه للخبرة ولا يبلوه بالتثبيت ولا يكاد يرى فيه مذهباً لتقليب النظر فما هو إلا أن ينزو في رأسه نزوة أو نزوتين حتى يكون قد وزنه ورازه وعرف مقداره صواباً من خطأ وخطأ من صواب فيصدره على أنه مما أنبطه الزمن من قليب قلبه وافتكَّهُ من عقال عقله وعلى أنه الحق لا مراء فيه وعسى أن لا نجد في باب المراء مثلاً أدل منه على الرأي القائل كيف يهلك أو يفيل. وأما الثانية فتزين ذلك الرأي له على فسولته وضؤلته حتى يدفع عنه كل الدفع ويحوطه بكل حجة ملجلجة وحتى يرى أن الكد في ذلك هو يثبته وأن الثبات على الكد هو يحققه فلا

стр. 389

يزال يخور بمقدار ما يشتد في أمره ثم لا يصيب من وجه الأمر إلا ما يضل في مجاهله فيكون قد تأتي من سبيل الثقة إلى الغرور ومن سبيل الغرور إلى الباطل وكبر ذلك مقتاً وساء سبيلا. وأما الأخرى من تلك الخصال فأن الرأي متى تماسك بما يجم حوله ويلتقي إليه ويستمر عليه من الخواطر فأنه سيكون منه عقد (اعتقاد) يخرج عن أن يكون رأياً موضوعاً، إلى أن يصير وحياً مرفوعاً، ويكبر عن أن يكون مضطرباً في العقل بين الحجج والبراهين، فينحدر إلى القلب عند مستقر العاطفة والدين، ثم لا يكون من هذا إلا ما تراه في كل جاهل من الرأي يصدره شرعاً معصوماً لا يزيغ عنه الزائغ إلا بخذلان من الله. . . فأن هو لم يتبع عليه ولم يتشيع له فيه أحد كان هذا الجاهل نبي نفسه لا يبالي ما ترك الناس مما اتبع ولا ما اتبعوا مما ترك. وتلك خصال في نسق واحد وعلى نظم مطرد لا هوادة بين أولها وآخرها فهي وإن تعددت إلا أنها كما يتعدد الموج تنتصب منه أشباه الجبال ثم لا يستند منها الغريق إلا إلى الماء الذي يغرق فيه وهذا تفسير القول إن الجهل على استواء واحد في نظر أهله. لا جرم كان العنت كل العنت والبلاء كل البلاء أن تفهم من لم يستجمع أداة الفهم لما تلقى إليه وأن تناظر صاحب الرأي وليس له مما قبلك ألا أنه يرى وألا أنك تدفع فإن الحجة في مثل هذا وإن وضحت واستبانت بيد أنها لا تصيب من غرض يستهدف لها وإنما تستعرض ما يستعرض السهم من الهواء يمر فيه منطلقاً لا يلتوي فمهما نلت من ذلك لا تنال سبباً إلى الإقناع وليس لك بعد إلا أن تطيب نفساً عن نتيجة أنت فرغت من مقدماتها، وترتد عن غاية كنت في ظل قصباتها، لأن الحجج لا تنتهي إلى الحق إلا إذا كانت متكافئة فهي تختلف متدابرة ولكنها متى تواجهت وأخذت كل حجة برقبة الأخرى فاختصمت ثم ارتفعت إلى العقل قضى بينها وكشف القناع عن وجه الإقناع. أما الحجة الواهية التي لا يسد منها علم ولا تنهض في جانب اطلاع فهذه تظل مدبرة وإنما قوتها في إدبارها ولياذها بكل منطلق فأنت تجد في كل الناس إلا في صاحبها مقنعاً ومعدلاً وما أن تزال معه في إدبار ثم لا تزال مقبلاً منه على مدبر عنك حتى تنكص عنه غالباً كمغلوب، وتنقلب طالباً كمطلوب. وأنا لا أدري ولا جرم ما الذي زيَّنَ لفلان من الناس أن يكون صاحب رأي في

стр. 390

العربية وآدابها وأن يتمحل لرأيه ويشتد للنضال عنه ولا يعدو بالخصومة فيه من لا يقاره عليه أذلك حين بذلت له اللغة مقادتها أم حين حجمت عنه وحين استطاع له علمه أم حين طوع له وهمه، وما فلان هذا والعربية وآدابها والمراء في كل ذلك وهو بعد في حاجة من هذا العلم إلى استئناف الطفولة كرة أخرى. . . أئن التوي عليه أمر اللغة منذ دراسه فيها طلبة يسمونهم من فلم يفيدوه من المعرفة حتى ولا معرفة كيف يعلم نفسه. . . رمى هذه اللغة بالنقص وجعل الكمال لله ثم له فأراد أن يحيلها عن وضع انحرف به حَوَل عينه ويخرجها من حيز لم ينله ضيق ذرعه فذهب في طنطنته الضئيلة كل مذهب وافترش لسانه البكئ كل مفترش وهل اللغة إلا علم بعد أن انتقضت فينا الفطرة واختبلت الألسنة وهل يناظر في كل علم إلا أهله. ولم لا ينصب هذا وأمثاله لمن يقدم على أداة من الآلات البخارية فيقول له لو كانت هذه القطعة مكان تلك ولو كان هذا التركيب القبيح أجمل مما هو ولو أخرت أو قدمت ولو زدت أو أقللت ولو نقضت أو أقمت ولو فعلت وفعلت! وليت شعري ما يكون أمره وأمر صاحبه ذاك وكيف يراه ويرى فيه من لسن كله وعلم كله جهل؟ ألم يأن أن يعلم هؤلاء أن من الرأي غررا وأن راكب الخطر من ذلك إنما يركب رأسه وأن في الصمت زاوية مظلمة باردة تسمى قبر المخزيات ولو عرف الجاهل معنى المخزية. . .! إن العجز مطواع وأن ما يعي أهل الحزم يهم به العاجز ويراه سهلاً لأن ذلك هو الذي يحقق معنى عجزه وما زال من يعجز عن الكتابة هو الذي يريد أن يصلح لغتها وأساليبها ومن يعجز عن الشعر هو الذي يضطلع بتخفيف أوزانه وتجفيف بحوره وهلم إلي أن تستوعب الباب كله فقد قالوا أننا نخاطب الدهماء والأجلاف ومن يُسف إلى منازلهم بكلام أهل نجد وألفاظ أهل السَّراة ونتوهم من سبل الحاضرة بوادي قيس وتميم وأسد وبالجملة فنحن نضرب في حدود الفوضى التي لا مخرج منها ولا وجه فيها وفي ذلك مضرة على الأمة وفساد كبير. قالوا هذا وما يجري مجراه ولم يستحوا أن يصدعوا به وهم يرون إلى جانبهم من المستشرقين أعاجم قد فصحوا وأقبلوا على آدبنا وتاريخنا فوسعوها بما اتسع لهم من العلم وأحاطوا بها على ما أطاقوا بل كادوا يكونون أحق بها وأهلها ولقد كانوا في غنى عن كل
следующие страницы →