Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
ذلك لعبرة لمن اعتبر ودليلاً قاطعاً على عجز العلماء المحققين والفحاص المدققين وضعف أحلامهم وانحسار أوهامهم على سر أعماق الطبيعة وإدراك أسرارها الخفية وبرهاناً ساطعاً على أنه قد يستحيل البتة على أمهر فلاسفة الماديين أن يهتدوا إلى تعليل أمثال هذه الحقائق الثابتة بما يطابق نظرياتهم المادية. وقوانينهم الفسيولوجية والكيماوية. وأن أقصى ما وصل إليه جهد العلماء في هذا السبيل وآخر ما اهتدوا إليه من تعليل هذه الحقيقة الثابتة هو ما قاله المستر جوزيف كراب في مباحثته العلنية التي جرت بيني وبينه حديثاً من أن المادة اللزجة المنبعثة من أجزاء جسم الوسيط المسماة الاوكتوبلازم ما هي إلا حالة من حالات رشحان المواد الغذائية غير المهضومة من نوافذ الجسم ومسامه! ولقد نسي - حفظه الله_أن وجه الوسيطة وجسدها وسائر أعضائها كانت في بعض التجارب تلف لفاً محكماً في زرد حصيف من الحديد جيد الحبك لا ينفذ منه الماء وقد كان الاكتوبلازم يمر منه وينفذ. فلو كانت هذه المادة هي من محتويات المعدة والامعاء الت يقيئها الجوف ويرشحها سوء الهضم فكيف كانت تستطيع النفاذ من هذا الحجاب الكثيف والغطاء المحكم الحصيف!
هذه الحقائق قد أيدها وأكدها الدكتور شرنكتوتزنج الألماني بما أجراه من التجارب على وسيطة أخرى من نساء بولونيا ممن امتازوا لقوة نفث مادة الاكتوبلازم فإن هذا الدكتور لما اجرى تجاربه على الوسيطة البولاندية وصل إلى عين النتائج التي كان أفضى إليها عندما أجري تجاربه الأولى على الوسيطة حواء. وقد شهد تجاربه الثانية نفر عديد من فطاحل علماء الألمان المدققين قأقروا بصحتها وخلوها من أساليب التدليس والتمويه ولقد أمعن الدكتور شرنكتوتزنج - بفضل ما امتاز به أهل جلدته الألمان من فرط التحقيق - في اعماق الموضوع وتغلغل في صميم لبه إلى أبعد وأعمق مما أفضى إليه سلفه (أعني المدام بيسون) وذلك بقصه بضع شعرات من شعر الأشباح المكونة من مادة الاكتوبلازم فقارن بواسطة المكروسكوب بينها وبين شعر الوسيطة (وكانت الوسيطة هي حواء. وقد جرت هذه المقارنة في بعض التجارب التي جرت في فرنسا) ثم أثبت بعدة اختبارات كيمياوية أن هنالك خلافاً بينا بين عتيي الشعر وأن شعر الشبح لا يمكن أن يكون مصدره من شخص الوسيطة بل هو أجنبي غريب عنها وصادر من شيء غيرها. ثم أخذ قطعة من الاكتوبلازم فأحرقها في جهاز كيماوي فاحترقت مستحيلة إلى رماد ينبعث عنه رائحة كرائحة القرن
стр. 3257
وأصيب أيضاً بين متخلفات الحريق الكيماوي مادة كلورور الصوديوم (الملح العادي أي ملح الطعام) وفوسفات الكلسيوم. وختم الدكتور اختباراته بأخذه سلسلة صور سيناموتوغرافية عن الاوكتوبلازم في حالة انصبابه من فم الوسيطة. وقد أورد في كتابه جانباً من هذه الصور السيناماتوغرافية.
وجدير بالذكر أنه بينما كانت الوسيطة في غيبوبة أثناء هذه التجارب فإنها لم تكن فاقدة الشعور بل كان يرى عليها كأنما ق تقمصت فيها شخصية أخرى خلاف شخصيتها ويكن تفسير هذه الشخصية الثانية بأنها إحدى شخصياتها أو ذاتيتها المتعددة (لأن الإنسان يكون له عادة شخصيات أو ذاتيات متعددة) أو بأنها روح حقيقية خارجية أجنبية قد تقمصتها واستحوذت عليها. وقد كانت هذه الشخصية الجديدة المتلبسة بالوسيطة تتكلم عن الوسيطة وتتحدث في شؤونها بشيء من العنف والحدة إذ جعلت تخاطب المدام بيسون قائلة عن الوسيطة إنها تحتاج إلى شيء كثير من التمرين والرياضة والتعويد على النظام والضبط وإلى الحث والتحريض على الاهتمام بأداء أعمالها وواجباتها وفي كثير من الأحايين كانت هذه الشخصية الجديدة تبدي مزية الكشف (اعني الاطلاع على المغيبات) كدلالته على عيوبها واختلالات غامضة خفية في الآلات والأجهزة الكهربائية مما كان يخفي على أبصار الفنيين القائمين على تلك الآلات ويغيب عن أذهانهم ويدق على أبصارهم. وفي ذلك كان ينبعث من جسم الوسيطة سلسلة متوالية متصلة من التأرهات والأنات والاعتراضات والاحتجاجات كانت فيما يظهر منفصلة انفصالاً تاماً عن تلك الشخصية وعن عقليتها ولم تكن في حدذاتها سوى ضجة حيوانية محضة.
ومما ساقه العالم الألماني في سرد ملاحظاته ما ذكره من أن الوسيطة حواء بدت في بعض تلك التجارب مغشاة من قدمها إلى رأسها بملاءة من مادة الاكتوبلازم ثم نهضت واقفة في مقعدها. ولهذه الظاهرة أهمية كبرى من حيث أن فيها بياناً وإيضاحاً لتلك الحالة التي يسميها الروحانيون تغير الشكل أو التمقص ويعنون بها أن الوسيطة تمثل دور الروح المستحضر إذ كانت تكتسي مادة الاكتوبلازم وتحاول تقليد شخصية الروح الوافدة. وقد روى تاريخ علم الأرواح عدة من امثال هذه الحالة كانت الوسائط فيها تمثل أدوار الأرواح كالوسيطة باستيان امام ولي العهد رودلف والمس كوك وسيطة كروكر والمدام اسبيرنس
стр. 3258
وغيرها. وقد كان المتفرجون في جمع هذه الحالات يمدون أيديهم فيمسكون الوسيط ولكن المادة المكون منها تلك الثياب والأزياء المتنكرة كانت تتلاشي توا فتختفي ثم لا يوقف لها على أثر.
ووما يؤيد هذه الأقوال ما ذكره الدكتور جيلي أعد علماء باريز بعد إجرائه عدة تجارب من هذا القبيل على حواء الآنفة الذكر واستدعاء جماعة من قادة العلماء لمشاهدة بعض هذه التجارب. قاللقد أجريت تجاربي على نحو ما أجراها أسلافي من أساطين هذا العلم فانتهيت إلى هذه النتيجة وهي أن تجاربهم كانت بريئة من أدنى أثر للغش لا ذرة عليها البتة لغبار الخديعة والتمويه. فلقد سلكت تلك الطرق القديمة بعينها فأفضت بي إلى عين تلك النتائج المأثورة حذو القذَّة بالقذة لا خلاف البتة سوى أن الخيالات كانت في تجاربي خيالات وجوه نسائية كانت تبدو في كثير من الأحايين مليحة جميلة وهي مع ذلك غريبة على عيني مجهولة عندي. وربما كانت هذه الوجوه صور أفكار مما يجول في ذهن حواء لأني لم أحصل قط في تجاربي على الروح الحية مستوفاة كاملة مطلقة. وخلاصة القول أن هذا الذي شاهدناه خلال هذه التجارب ما يهدم مذهب المادية هدماً تاماً ويمحو أثره محواً باتاً، لقد أصبحت المادية مع وضوح هذه الحقائق لا موضع لها في الحياة ولا مكان لها في العالم وهو بلا شك يريد بالمادية ههنا تلك المادية القديمة - (المذهب الذي ساد في العهد الفكتوري. عهد الملكة فكتوريا) - القائلة بأن الفكر إنما هو نتيجة المادة، فأما الشواهد الجديدة والأدلة الحديثة فتثبت عكس ذلك وهو أن المادة نتيجة الفكر. على؟؟؟ إذا شرعت تخوض في هذه المسألة قائلاً إذا صح أن المادة (أعني الكون) نتيجة الفكر فما هو هذا الفكر أو أي فكر هو أو فكر من هو؟ إذن لولجت باب الشكوك والريب ودخلت في معضلة مستعصية ومشكلة عويصة.
والآن بعد ما أدركنا أنه قد يتأتى لإنسان أن يولد من ذات نفسه مادة نادرة غريبة تستطيع أن تتشكل بأشكال أجسام آدمية تحتلها أرواح لمدة من الزمن فدعنا نطبق هذه الحقيقة العجيبة المدهشة على ظواهر غريبة قد وقعت وأثبتت في الأجيال السالفة ولكنها لم تعلل إذ ذاك ولم تفهم أسبابها إلى أن ظهرت لتجارب الحديثة التي بيناها آنفاً. فمن بين تلك الظواهر أذكر ما كان في عام ١٨٧٣ من امر العالم كروكس ووسيطته فلرو كوكس هذا
стр. 3259
الكيماوي الشهير لبث ثلاثة أعوام يجري تجاربه على وسيطته الفتية الصغيرة التي جعلت نفسها تحت تصرفه المطلق وملكته عنانها ابتغاء التخلص من تهمة وجهت إليها. وقد أسفرت تجارب العلامة كروكر عن تبرئتها تماماً من التهمة. أما وصف هذه التجارب فهو أن كروكس كان يحبسها في الظلام في غرفته الصغيرة. فإذا مرت ساعة أو نحوها نفذ إلي الغرفة المجاورة امرأة مخالفة لها تمام المخالفة وهذه المرأة كانت تتحرك وتتكلم وتسمي نفسها كيتي كينج قائلة انها روح كانت تعيش في عهد الملك الأول شارل الثاني (ملك انكلترا فيما بين ١٦٦١ و ١٦٨٥) وأنه قد سمح لها أن تهبط فتسكن لمدة قصيرة الجسم الذي قد تكون من المس كوك وفي خلال ذلك كانت المس كوك المذكورة يسمع صوتهاوفي بعض الأحايين يبصر شخصه في الغرفة المجاورة. وقد قيل عن هذه المسألة في إبان حصولها إنها لم تكن بطبيعة الحال إلا المس كول نفسها قد تنكرت في غير زيها وهيئها واكتست شكل عفريتة أو جنية أو روح (سمها كما شئت) ولكن أول ما يحتج به بطلان هذا التأويل هو أن يترك العلامة كروكس بين حكمين: أما انه مجنون أو كذاب متعمد للكذب إذ لا مشاحة من غير أن ينخدع بمث هذه الظواهر لا يكون إلا مجنوناً كما أن لا يكون كذاباً أشراً من يقول أن المرأة المنبعثة من الغرفة المجاورة المحبوس فيها الوسيطة كوك كانت أطول من المس كوك بأربع بوصات ونصف وكان شعرها ضارباً إلى السواد وقد قصت منه خصلة بالفعل (وكان شعر الوسيطة ذهبي اللون) أضف إلى ذلك أن سرعة النبض كانت مختلفة في الشخصين هذا وأن سيرة العلامة كروكس كانت نثبت تماماً أنه لم يكون بالمجنون ولا بالكذاب فإزاء كل هذا لا يسع المنصف المتعقل إلا الاعتقاد بأن هذه المعجزة التي يؤيدها أربعون فوتوغرافاً لا بد أن تكون حقاً لا ريب فيه ولكنها لا علاقة لها البتة بأية حقيقة من حقائق الكون.
أما الآن فقد أخذ الأمر مظهراً آخر. فقد استطعنا بفضل الأبحاث الحديثة أن ندخل تلك الغرفة المظلمة ففنظر ما يحل بالوسيطة فلوري كوك فماذا نرى؟ نراها مستلقية على المتكأ (الكنبة) ترسل أنة عميقة من آن لآخر ومادة الاكتوبلازم الحيوية تنبعث من بدنها مكونة من سحابة من مادة لزجة وهذه السحابة لا تلبث أن تأخذ شكل جسم آدمي وهذا الجسم لا يلبث أن ينعزل من جسم الوسيطة وتنصرم بينهما سباب الصلة وأواصر الارتباط. وعندئذٍ
стр. 3260
ترسل المرأة المسماة كيني كنج روحها في ذلك التكوين الذي لعله صورة من جسمها الأصلي يوم كانت على قيد الحياة ثم تسع على قدميها لتقضى ساعتها القصيرة على وجه الأرض متحدثة إلى العلامة كروكس ملاعبة أطفاله قاصة عليهم السير والأنياء عن العصر الغابر حتى تنتهي ساعتها فتخاطبهم قائلة لقد حان لي ان أنطلق إذ قد انهيت مأموريتي وبلغت رسالتي ثم تتلاشى. أما رسالتها فتلك كانت إبلاغ الناس مع البرهان الدامغ أن الروح قد تبقى بعد فناء الجسد أزماناً طوالاً. ولقد كانت هذه الرسالة تفلح لو أنها أيدت بالشجاعة الأدبية من القوم الذين شاهدوا المعجزة عياناً ولم يحل دون انتشارها غبارة وبلادة ومادية هذا العالم الصحافي العلمي الكيماوي البيولوجي الخ الخ. والآن بعد مضي الأيام العديدة قد بدأنا نفهم ببطء هذه الرسالة العظيمة.
وهناك حلقة تجارب أخرى قام بها الدكتور كروفورمن علماء بلفاست بايرلندة وقد أجراها على وسيطته جوليجير وأبرزها في كتاب سماه (الظواهر النفسانية وتجارب في علم النفسانيات) أما الوسيطة المس (جوليجير) فهن كما يظهر من صورتها الفوتوغرافية سيدة فتية السن قويمة الأخلاق مستنيرة العقل على جانب عظيم من التهذيب والرقي سلالة أسرة كريمة من أهالي (بلفاست) لكنها فقيرة وقد اتخذ هذا ألأمر - أعني فقر أسرتها - جماعة المضادين لمذهب الروحانيات ذريعة إلى اتهامها بالغش والتدليس. ووما يؤسف له أن نرى أمثال هذه المطاعن توجه إلى سيدة كريمة نزيهة تبذل مجهودها وتهب نفسها لتجارب العلماء. مدفوعة إلى ذلك بأشرف الأغراض وأنبل الغايات إذ كان في أمثال هذه المطاعن ما ينفر أمثال هذه السيدة ممن قد أوتين تلك الموهبة النقية النادرة من التعرض لهذه التجارب وبذلك تقوم العقبات في سبيل هذه الأبحاث العظيمة.
وأهم ما يستنتج من تجارب الدكتور كروفور هو أن الاكتوبلازم مادة يمكن استخدامها في أغراض شتى بفضل ما يمكن وراءها من القوى والمزايا. فقد رأينا في الأمثلة المتقدمة إمكان استخدامها في تكوين الأشكال من صورة الإنسان. أما في تجارب بلفاستفقد امكن استخدام هذا الاكتوبلازم بعينه في عمل قضبان أعمدان من القوة ذات ثقل ولكنها مع غير ذلك غير مادية (لا يمكن لمسها) وكانت هذه العمدان والقضبان تنبعث من جسم (من الأطراف غالباً) الفتاة الفاقدة الشعور ثم تحدث ضربات ولطمات أو تحرك أمتعة وأشياء
стр. 3261
وقعة على مسافة منها. وكان يمكن استخدام مثل هذا العمود المكون من القوة في رفع الأثقال وذلك بتوصيله بآلة رافعة توضع تحت مائدة مثلاً فتكون نتيجة ذلك هي أن هذا العمود يسلط قوته على الآلة الرافعة المتصلة به فيرفع المائدة في الهواء وعند ذلك ينضاف ثقل المائدة إلى ثقل الوسيطة كما لو كانت الوسيطة المذكورة قد أحدثت عملية الرفع هذه بواسطة قضيب من الحديد متصل بجسمها ومستعمل كآلة رافعة. وقد أمكن أيضاً وضع قضيب القوة المذكور (المكون من مادة الاكتوبلازم) يضغط على المائدة فيلاحظ أن مقدار القوة التي يصرفها القضيب المذكور في احداث هذا الضغط يستمد من مقدار وزن الوسيطة فينقص بذلك وزنها بمقدار ثلاثين أو أربعين أو خمسين رطلا كما يشهد بذلك أن ميزان الثقل المركب في الكرسي الجالس عليه الوسيطة. وفي هذه الحالة تصبح الوسيطة مجرد بقية إذ يكون قد انسحب من مجموع مادتها مدقا الثلث أو اكثر ولأصبح منفصلاً منها خارجاً عن كيانها. وهذا المادي يظهر على الجسم بمظهر صفاء وتهذيب في جوهره وليس بمظهر خسارة محسوسة في مادته. وقد كنا نلاحظ إذ ذاك أن كل عمل كان يعمل في هذه الظروف الخارقة بقصد تعويق هذا الجزء المفصل الخارجي عن سرعة العودة إلى الجسم كان يحدث ألماً بدنياً للوسيطة.
ومن التجارب التي أجراها الدكتور كروفور انه جاء بنسيج فصبغه بصبغة حمراء رطبة ثم نصبه أما جسم الوسيطة أثناء انبعاث مادة الاكتوبلازم. فلم يلبث أن رأى جدران الغرفة قد تلطخت ببقع من الحمرة المذكورة - دليل على أن عمود القوة المندفع قد كان من الصلابة بحيث استطاع ان يحمل معه أجزاء من تلك الصبغة. وفي هذا من قوة الاقناع ما لا يخفى على غير المتحيز.
ولعل معترضنا يقول هذه الظاهرة لا تعدو كونها ظاهرة لقوة مادية غير مفهومة ولكنها ليست روحاً أو عقلاً منفصلاً عن أرواح أو عقول الحاضرين المشاهدين تلك التجارب على أن مثل هذا المعترض إذا طلع على كتاب الدكتور كروفور الآنف الذكر علم أن في كل دور من أدوار التجربة كانت ثمة روح أو عقل مهيمن يرشد وينصح ويشير ويقترح بواسطة إشارات وعلامات منظمة محكمة. ولكن روح من؟ وأي عقل؟ فأجابة على هذا السؤال قد قرر الدكتور (كروفور) في كتابه الآنف الذكر أنه مقتنع تماماً أن هذه الأرواح
стр. 3262
المهيمنة هي أرواح آدميين مجردة من أجسامها.
فناشدتك الله ايها القارئ هل بقي بعد ذلك مجال للتكذيب بصحة هذه البراهين الناصعة. وصدق هذه الحقائق الرائعة، ومن ذا الذي يطلع على هذه الآيات البينات آيات العلماء الأعلام والجهابذ المحققين (بيسون) و (شرنك نوتزنج) وجيلي و (كروكس) و (كروفور) ثم يرتاب في أننا واجدون في هذه الغيوم والضبابات المنسدلة حوالي (الساحل المجهول) كمكا وصفت آنفاً صخرة وا حدة من الحقيقة الناصعة قد برزت من الظلمات والدياجير في جو اليقين الواضح المشمس! ولا اكر بعد أن وراء هذه الحقيقة الضاحية يمتد أقليم الخفاء والابهام وتنفسح مجاهل الشكوك والأوهام. وتبقى على مدى العصور والأجيال مطمع استطلاع الرواد. ومطمح استكشاف الطلاب والقصاد.
стр. 3263
محاوره بين الطبيعة وإحدى النفوس
للشاعر الإيطالي الخالد ليوباردي
الطبيعة: اذهبي الآن يا ابنتي المحبوبة إلى الحياة وكوني عظيمة بائسة
النفس: ألم تقدري التعاسة والشقاء
الطبيعة: لأني جعلت العظمة من نصيبك ولا يمكن أن تكوني عظيمة دون أن تكوني شقية، ومما يزيد الأمر تعقيداً أو إشكالاً أنه قد قضى عليك بأن تسكني جسماً بشرياً وكل البشر بالضرورة في الشقاء من ساعة يولدون.
النفس: وبدلاً من أن يكون ذلك كذلك أما كان الأفضل في الرأي والأرجح في العقل أن تحتاطي وتهيئ لهم وسائل السعادة وأسباب الرفاهة وإذا كان ذلك من وراء قوتك فإنه كان يحمل بك أن تكفي عن وضعهم في الدنيا.
الطبيعة: كلا الطريقين ليس في قدرتي لأني أنا نفسي عبدة الأقدار التي سيرت الأمور وأدارت الأحوال على خلاف ذلك ومهما كانت العلة في ذلك فإنه ليس في وسعك ولا في وسعي أن نسبر غورها ونستكشف دخائلها والآن وقد عرفت انك خلقت وقدر عليك أن تحتلي جسماً بشرياً فإنه ليس بي ولا بأي مخلوق آخر من راسخ القوة وصادق القدرة ما نستطيع أن نرد به عنك عوادي الشقاء وطوائح المحن وفوق ذلك فإنه بسبب نلك وسبقك وتبريزك سيكون نصيبك من الشقاء أكبر من نصيب غيرك.
النفس: لحداثة مجيئي إلى الأرض فإن أمامي أشياء كثيرة لاحفظها ومن أجل ذلك لا أستطيع أن أفهمك الآن كل الفهم وكلن اخبريني هل الشرف الشقاء المتزايد هما واحد في المادة والعنصر وإذا لم تكونا كذلك أليس في وسعك أن تفرقي بينهما.
الطبيعة: في أحوال أفنسان والحقيقة إلى حد خاص في سائر صنوف الحيوانات يمكننا أن نقول بأن هذين الشيئين - النبل والشقاء_هما في التجربة والواقع شيء واحد لأنه كلما سمت المواهب وحفلت القرائح وأرهفت الخواطر سهل إدراك أحوال الحياة وشوؤنها ووضح الشقاء المرتبط بالوجود وبذلك يضير ذلك الشقاء نفسه واضحاً مجسماً وفي الوقت نفسه فإن تلك الحدة في الإدراك تقضي إلى توسيع نطاق حب النفس ونزيد التوقان إلى ظل السعادة الرطيب ونواحيه المصقولة المخضلة ذلك التوقان الذي ينتهي باضرام الأسف
стр. 3264
وإيقاظ الألم في نفوسنا لعجزنا عن إدراكها ولعدم تحملنا مثالب الحياة وشرورها التي لا تدفع ولا مرد لها وكل ذلك قد أركز من الأولية والبدء في تركيب الأشياء المخلوقة الأبدي الذي من فوق قوتي تعديله وتبديله. ط
، اكثر من ذلك فإن مضاء عقلك باقترانه إلى خيالك المتوثب يقلصان من ظل سلطتك على عواطفك، وأن الحيوانات الوضيعة إنما تستعمل مواهبها وقواتها إلى الوصول إلى الغايات التي تجعلها نصب عيونها ولكن الإنسان يترك ملكاته طليقة مرخية العنان وقوته العملية بقدر ما معطلة مشلولة بتأثير الفكر والخيال اللذين يحشدان على تفكيره الشكوك الكثيرة ويقيمان عقبات عدة في سبيل تنفيذ مقاصدهم وبلوغ مآربهم وإن أقلهم مقدرة في رنة الأفكار وتحليل الأغراض وأبعدهم من الانكاب على هذه العادة هم الأكثر مضاء في عزائمهم والأكثر توجهاً إلى أغراضهم ومطالبهم بينما الأفراد نظراؤك النازعون في التفكير في نفوسهم والذين قوتهم معرقلة موقوفة بسبب ضخامتها هم في الغالب عاجزون عن إدراك الغايات العملية مقصرون عن شأوها وهم هدف لتكسر العزم وتضعضعه سواء في الفكر أو في العمل وهذا من أبلغ أسباب فشلهم وخيبتهم.
زد على ذلك أنه لسمو مداركك يسهل لديك أن تبزي رفقاءك في عمق المعرفة وفسحة الخطوة في العلم وأن تفهمي ما تجسر دونه افهامهم وتكل عن إدراكه أفكارهم ولكن على رغم كل ذلك فإنك ستجدين أنه من الصعب المستحيل عليك أن تخرجي إلى ميدان العمل أشياء كثيرة ضئيلة في المظهر قميئة في الصورة ولكنها أشد لوازم شؤون الحياة وفي الوقت نفسه ترين هذه الأشياء نفسها وقد أتقنتها بغير عناء وإجهاد قوم أقل منك في مراتب العقل والملكات إن لم يكن في أخلاقهم ما يبعث على الاحتقار ولازدراء وهذه العوائق والعثرات وأمثالها تحدق بالارواح الكبيرة وتول بينها وبين النجاح وجزاء هذه الأرواح على تحمل كل هذه النكبات والدروس القاسية هو الشهرة الواسعة والاشادة بالذكر وما تناله من لشرف لعظمتها وبقاء ذكرها مخلد الرونق دائم الريعان.
النفس: ولكن من الذي يصوغ لي عقود الثناء ويكيل لي التمداح ويخلع على حلل الشرف الذي تتحدثين وهل كل ذلك سيأتي إلي من السماوات العلى أو منك أو ممن؟
الطبيعة: سيقوم بذلك البشر إذ لا أحد غيرهم يستطيعه.
стр. 3265
النفس: ولكني اتوسل إليك أبتهل في أن تتبصري وتفكري معي وقد سنح بخاطري أنه من حيث أتى سأعجز عن القيام بأعمال لازمة لأحوال البشر وشؤونهم وهذه الأعمال نفسها يستطيع - كما تزعمين_أن ينهض بها أفقر الناس ذهناً وأضاء لهم عقلاً وأسخفهم فكراً فإن نتيجة ذلك هي أني بدلاً من أن تنظم لي الأماديح ويحاز على بالشرف والتبجيل أكون رديئة للذام والسباب والتجريح والطعن أو على الأقل يتجنبونني ويفرون مني كإنسان غير صالح للحياة بينهم.
الطبيعة: لم أوت علم الغيوب وقراءة المستقبل بدقة مطلقة فليس في مقدروي أن أتنبأ بصدق بكل ما يمكن أن يجول في ظنون الناس ويطوف بخواطرهم من ناحيتك أثناء إقامتك في الأرض ولكن من طريق القياس على تجاربي الماضية يمكنني أن أحكم أنه من المتوقع والمحتمل أن نفوسهم ستغتلى بالحسد لكِ وتتلظي بالحقد عليك فإن ذلك نصيب النفوس النبيلة المنازع الشريفة الغايات أو يدرون صفاءك ويغيمون جوك بالسخرية والاستهزاء أو بالاطراح والاهمال وان الحظ نفسه سيتهضمك وتخونك الصدف فيما تخون.
وعلى رغم كل ذلك فإنه بعد موتك - كما حدث لكاميونز أو كما حدث من أعوام قلائل لآخر يسمى ملتون - يثني عليك وينوه بذكرك ويحلق به إلى السماوات لا أقول من كل الناس وإنما من الفرق القليل الذي يملك هبة الفهم والقدرة على التمييز والحكم - وربما تجاليد الإنسان الذي كنت تسكنينه عى الأرض تنزل في قبره وتحفظ ملامح وجهه منقوشة على بعض المواد النفسية ليستعز بها الناس ويصف كثير من الكتاب حوادث حياته وتحفظ ذكراها حتى يصير لواء شهرته منشوراً في الآفاق وكل هذا محتمل الوقوع إلا إذا حيل بينك وبين إظهار مواهبك وإبداء أي برهان كاف على قيمتك بسبب لؤم القدر أو بسبب إفراط مواهبك في الاعتلاء والسمو كما حدث في حالات كثيرة أعرفها أنا والقدر.
النفس: انى - يا أمي - وإن كنت عاطلة عن المعرفة مجردة من العلم لأعرف حق المعرفة أن أقوي رغبة قد رميت بذورها في نفسي بل الرغبة التي أبدأ بها شاعرة ولها منتبهة متيقظة هي الرغبة في السعادة واني وإن كنت أجاريك في أني قد أكون طامعة في المجد وصعب العلى جديرة بالطموح إلى احتبار المفاخر واقتناء المآثر سواء كان ذلك خيراً أو شراً فإنه من الثابت الذي لا يدفع والأكيد الذي لا ينقض أني لا أتطلع إلى ذلك ولا
стр. 3266
أرغب فيه إذا كان لا يورثني السعادة أو على الأقل إذا يقذني إلى طريقها ويهديني سبيلها والآن طباقاً لما قلت فإن بوارع الصفات التي جدت على بها ونوادر المواهب التي منحتني إياها يجوز أن يكونا. . . . لأدراك الؤدد وبناء العلى ولكن من الواضح الجلي أنهما لا يسوقان إلى السعادة بل على عكس ذلك يقضيان إلى الشقاء وفوق كل ذلك فإنه يبدو لي أن تلك الصفات لا لتنليني الفخر إلا بعد موتي وإذ مت وطواني القبر فأي مغنم أصيبه من ذلك وأي هزة فرح تعروني من وراء ما تقدمه لي الأرض من المزايا والفوائد. وفي الختام فأنت نفسك تعترفين أن ذلك الخيال الموهوم من الفخر الذي يشترى بهذا الثمن الغالي من الشقاء والبأساء قد لا يتاح لي نواله أبدا ولو بعد الموت، وكون كل هذه الأشياء بهذا الوضع ومما ومما تبيتنه من معاريض كلامك أرى تفسي مضطرة إلى أن أعتقد أنك لا تضمرين لي الحب والولاء كما زعمت في مفتتح خطابك بل أنك في الحقيقة تحنين ضلوعك على مقتي وكرهي وإن كرهك لأشد وأبلغ من الكره الذي قد تضمره لي البشر والحظ أثناء إقامتي في الأرض وذلك لأنك لم تتريثي في أن تقدمي إلي هذه الهدية المشؤومةرمثل هذا النبل في الأخلاق الذي إنما نظرت عند إهدائه إلى مصلحتك الخاصة والذي قد أثبت أنه هو نفسه الحاجز المنبع القائم بيني وبين أعظم رغبات نفسي - الرغبة في السعادة.
الطبيعة: يا طفلتي إن نفوس البشر مقدر عليها التعس والبؤس وذلك على الرغم من مني ولكني بين ذلك الشقاء الطامي الذي هو نصيب كل مخلوق ولا عاصم منه وبين كل المسرات الفانية الزائلة فإن المجد هو أشد ما يستهوي نفوسهم وهو أعظم الخيرات التي يمكن أن تغدق عليهم وأنه أحق شيء بمجهوداتهم ومساعيهم ولذلك قد حبوتك بكل الصفات التي في استطاعتي منحها لتجتني ثمار هذا المجد وتهتصري أغصان ذلك الفخر وليس ذلك لكرهي لك وإنما من رغبة طيبة صادقة صريحة غير مؤتشبة في منفعتك.
النفس: حدثيني هل بين مخلوقاتك العديدة الوضيعة واحدة أقل مني حيوية واستعداد وقابلية للشعور.
الطبيعة: هذا مؤكد وأن تلك السلسلة من الأحياء التي تبدأ بالنبات إلى ما فوقه لتوجد مخلوقات بقدر ما أقل من الإنسان إحساساً وحيوية فإني قد أفردت الإنسان بغزارة الحياة
стр. 3267
ووفرة الشعور وذلك لأنه أكمل المخلوقات الأرضية.
النفس: ومن ثم - إذا كنت تضمرين لي صادق الحب فدعيني أسكن في أقل المخلوقات كمالاً وإذا عجزت عن ذلك فجرديني من تلك المواهب القاتلة التي تخالينها تشرفني واجعليني جديرة بسكني أضأل البشر عقلاً وأشدهم رقدة احساس.
الطبيعة: هذا في استطاعتي القيام به ومن حيث أنك تردين هبة الخلود التي قدرتها لك فأنا أميل إلى فعل ذلك معك.
النفس: عوضاً عن ذلك الخلود اصنعي معي معروفاً واجعلي لك على يدا وارسلي لي الموت العاجل.
الطبيعة: سأشاور القدر في ذلك. . . . .
стр. 3268
وطنية الشعراء
على ذكر
وطنية الشاعر الألماني هايتي
إذا صح أن الشعراء هم أحر خلق الله احساساً وأرق بني الدنيا وجدانا وأكبرهم قلوباً وأعذبهم نفوساً، وصح أن الوطنية هي أحر مشاعر الإنسان وأكبر منازع الفؤاد وأعظم عاطفة في الدنيا، ورأس كل المشاعر الاجتماعية في العالم. فقد صح على هذا القياس أن الشعراء هم أنبياء الوطنية ورسلها، وقادتها وزعماؤها. ولعل هذا ما وقع بعينه في تاريخ الشعر الإنساني من يوم مشى جدهم الأكبر. ذلك الحسير المكفوف متأبطا قيثارته، يغني الياذته في طرق أثينا، مسترزقاً طالب القوت من شعره، وعجيب إن كان الشعر في فم ذلك الزعيم الأول مادة للشحاذة، وبضاعة للتسول، ثم يكون بعده والعالم عالم ثلاث عروش وبناء أمم ومسقط ممالك ومكسب انتصارات، ومفقر أجواد وسروات.
الوطنية بلا ريب حاسة متينة عميقة في الإنسان، والشعر عاطفة غريزية تتغلغل في طيات الجنان، والناس الذين يسخرون من الشعر ويقولون بأن الشعر لا لزوم له في العالم، وما دام الناس يستطيعون أن يمضوا سحابة يومهم ولا تثور فيهم نزعة إلى معرفة تسعيرة الشعر، ومادام الشعر لا أثر له في قوانين الانمان، وتعريفه المواد، ولوائح البلديات والمحافظات فما نفع الشعر وما جدوى الشعراء - هرلاء الناس الماديون الذين يريدون أن تكون الحياة كلها بالماكينات والكهرباء، إنما يستخفون بالحياة تفسها ويريدون لها الفساد والهدم، فلو أننا استطعنا أن نقتل الشعر ونمحوه من صفحة الدنيا ونضع العقوبات الصارمة للذين يحاولون طبع القديم منه، أو نشر جديد عليه إذن لقتلنا شيئاً كثيراً من القوة المحركة للحياة ولهدمها عناصر الفضيلة - واعتدينا على الوطنية فسلبناها أعز مصدر نستمد منه قوتها وعصارتها النامية.
إذا صح هذا وجب أن يكون الشعراء جميعاً وطنيين، يجب أن تكون الوطنية فيهم مشتعلة، مستعرة محتدمة، وينبغي أن يكون نصف الديوان شعر الدنيا وطنياً، والنصف الآخر في تلك الشؤون هي التي مهوى نفوس الشعراء، ولكن وا أسفاه لا يزال الشعراء في مقدمة الوطنية فيهم مختلفين، وذلك على مقدار اختلاف أمزجتهم وسرعة تقلب أهوائهم، وحضور
стр. 3269
خيالهم، على أنك وإن رأيت الشاعر الجزل الفحل منهم لم يضع في كل أجزاء ديوانه قصيدة واحدة عن وطنيته ولم يحشد في شعره من تلك الروح الحماسية المشتعلة التي تضرم الأفئدة، لا تزال ترى لديه أثراً زاهياً منها في إعلائه من شأن اللغة، ولغة الشعر هي أسمى أساليب اللغة، والعمل على تمجيد اللغة ورفع مستواها، والنهوض بها، وخلق أدب جديد لها، كل أولئك وطنية بينة ظاهرة وإن لم تحو بيتاً واحداً فيها.
واكبر مظاهر الشاعر الصحيح الذي يتلقى الوحي من العاطفة، ولا يعمد إلى لأفاعيل والأعاريض يصب فيها كلاماً مرصوصاً تحس أن كل كلمة منها عند قراءتك إياها تكاد تثور وتخرج من الطابور الذي صفت فيه مع غير أخواتها بلا مناسبة ولا موافقة ولا لزوم - إن أكبر مظاهر ذلك الشاعر الحقيقي الاعتزاز بوطنه والافتخار بأرضه الزهو بأهله وممتلكاته، وكم من شعراء خرجوا من ديارهم من جراء عسف أو ظلم حاق بهم، أو طلباً للرزق في غير أراضيهم إذ ضاق عليهم وعز مطلبه في وسط أهلهم فلم يكن ذلك ليكرههم في البلاد، أو يثير الحقد في نفوسهم على وطنهم بل ظلوا يحبون وطنهم وإن لم يحسن إليهم حتى حتى رحلوا إلى مضاجع الآخرة.
ساقني إلى هذا حديث الشاعر هايتي - الشاعر هنريخ هايني المتهكم السخار بالدنيا وما فيها - ذلك الشاعر الخفيف البديع الذي ظل حياته نهب أمراض أليمة وأحزان جمة حتى لقد قال يوماً عن نفسه، إذا قدر لي أن الفالج - تلك اليد الحدبدبة القابضة على صدري، سيخف يوماً، ويقل أثره، فلا ألبث أن أجد نشاطي القديم متحركاً مهتاجاً عائداً إلى بحرارته وقوته الذاهبة. نعم. أنا مريض إلى حد الموت ولكن روحي لم يصبها أذى قاتل فإنها لاتزا ل كالزهرة العطشى المطرقة برأسها الناحلة ولكنها لم تذبل بعد ولم تسقط عن أغصانها ولا تزال جذورها متينة في أرض الحق والحب، على أنه لم يكد يمضي شهر على ذلك حتى كتب الوصية الأولى من وصاياه الثلاث. وفيها ختم الوصية بوداع حار لأرضه وبلده الذي اختاره مقاماً له ومنزلاً فقال: وداعاً ألمانيا أراضي قومي ومهبط آبائي بلد الأسرار الغامضة والأحزان، بلد الغرائب والأشجان، لتهنأ أيها البلد ولتسعد، وداعاً أيها الشعب الفرنسي الكريم الذي طالما أحببت وإليه أخلصت، شكراً لكرمكم وضيافتكم وحسن مثواي بينكم.
إن هذا الشاعر الذي يحب الإنسانية كلها ويرسل شعره في مهب الرياح كلها والذي مال
стр. 3270
بعاطفته إلى فرنسا واتخذها وطناً ثانياً له لم يزل يخص وطنه الأول وأرض آبائه على البأساء والنعماء وحياة طويلة قطعها مبتثاً محزوناً بحب ظل في فؤاده فتياً قوياً لا يخفت ولا يموت.
ولقد كتب في وصيته الأخيرة إن كل ما كان يرمي إليه في مختتم حياته لم يكن إلا سعياً متواصلاً في تحبيب الشعبين الألماني والفرنسي والمشي بينهما بالمودة والوئام وقد أقام في باريس زهاء خمس وعشرين سنة ووظفت عليه في السنوات الأخيرة من حياته وظيفة من الحكومة الافرنسية ومنح منها عطاء يتقاضاه عاماً فعاما فجر عليه قبوله ذلك العطاء نقداً حاداً أليماً من أعدائه وخصومه وكارهيه إذ رأوا الفرصة سائحة للتشهير به والأزراء عليه بالخروج عن حب ألمانيا بلده والتجنس بالجنسية الفرنسية ولو كان هيني شاعراً من أولئك الشعراء الذين رصدهم الشيطان رسلا لاقتناص الأموال والذين تسمع من خلال بيوتهم وقصيدهم وسوسة النقود التي يطلبونها من وراء شعرهم ولو كان هايني باع وطنه الذي أساء بثمن بخس ساومته فيه فرنسا، إذن لسكت على الإهانة ولم يستطع صراخاً في وجه تلك التهمة الأليمة بل لقد ثارت ثورته وجن جنونه إذ قرأ قول لأعدائه فكتب في الحال إلى صحيفة من صحف ألمانيا يقول:
كلا، كلا. إن تلك الدريهمات التي تلقيتها من جيزو الوزير لم تكن ثمناً لوطنية بعتها وجنسية خلعتها ولم تكن ضريبة ولا صنيعة ولا رشوة بل إن ذلك المعاش لم يكن إلا على سبيل المعونة. لقد كانت - واسمحوا لي يا قوم أن أسميها باسمهاوان لا أخجل من ذكر حقيقتها - لقد كانت نفحة من تلك الصدقة العظيمة التي تتصدق بها فرنسا على الواغلين فيها. على المشرذين والمنفيين. على الطريدين من أرضهم. على الطريدين من أهلم المنبوذين منهم أولئك الين استهدفوا لعداء حكوماتهم بما نقدوها به وعابوها عليه وجاؤا إلى كنفها فاستظلوا بظلها واحتموا بها.
إنني ما سألتهم تلك المعونة المالية إلا بعد ظهور تلك الأحكام القاسية في ألمانيا التي تريد أن تهدم امري وتسلمني إلى المتربة والعيش الضنك بمصادرة تواليفي الحاضرة بل مصادرة كل ما يخرج في المستقبل من قلمي وكل بنت حسناء بلدها فكري. بعد ظهور تلك الأوامر العنيفة التي أريد بها أن أجرد من كل شيء يلاحق ولا محاكمة ولا سماع دفاع.
стр. 3271
وقد عاد فكتب بعد ذلك مقالاً مسهبا فيصحف المانيا عن هذه التهمة التي ألصقت به باطلاً، حوى ذلكم المقال دعابة مرة شأن دعابات هايني المتهكم المستهزيء بمظالم الدنيا ونحن نفتطف شذرة من ذلك المقال وقطعة تصور للقارئ. صورة الشاعر على حقيقته.
قال هايني لدى اعتراف أريد أن أنزل عنه وذات صدر أريد أن أنفثها وإن كان الحزم يتطلب السكوت عليها وكتمان أمرها ولكن لقد قضى العهد الذي كان ينبغي فيه الحرص وقد أصبحت اليوم وبي رغبة شديدة في أن أؤكد للناس أنني لم أكن يوماً متجنساً بجنسية الفرنسيين ولم أكن في فرانسا فرنسياً وإن تجنسي لم يكن إلا محض وهم ألماني قام في أذهان نفر من أهل وطني ولا أدري أي عقل بليد خبيث مسف دنيء اخترع تلك الأكذوبة ومشى بتلك السخرية ولقد ادعي كثيرون من مواطني أنهم أقتفوا أثر هذه الاشاعة حتى أدركوا لها مصدراً حقيقياً لا غبار عليه من الباطل ويعنون بذبك تلك الأقوال التي امتلأت بها أنهار الصحف الالمانية وغرهم بي سكوتي فتبينوا حقاً ما ليس بالحق ولقد خدع كذلك كثيرون من أعدائي السياسيين وخصومي في الأدب في برلين وباريس فرموني بتلك التهمة مع الرامين وتجنوا علي مع المتجنين واعتقدوا أن أرتدائي ثوب الجنسية الفرنسية قد حماني من كيد الكائدين ورد عني دسيسة الدساسين على أنني أحمد لأعدائي هذا الجهل وأشكر لهم سوء الفهم فقد أنقذني ضعف بصائرهم من كثير من السوء وعصمني من الكدر ومن شر أولئك الفضوليين المتداخلين الحاشرين أنفسهم في أمر المادين أعينهم الواضعين أنوفهم في كل شأن لكي يحرموا الناس ما يكسبونه لأنفسهم فإن الغريب الذي لم يشتمل ببردة الجنسية الفرنسية في باريس لا يستطيع أن يظفر من أهلها برضي أو حب لا يجد رخصاً في النفقة ولا يصيب إلا غبنا في الشراء وظلماً في الثمن ولا يستطيع أن يعيش إلا إذا خرج عن المال الكثير فهو نهب مقسم بين الخداع والارهاق ولا يصيب كل أولئك إلا على يد الغرباء الذين ارتضوا أن ينزعوا وطنيتهم ويدخلوا في شملة الجنسية الفرنسية فأجمعت النية ذات يوم أن أضع إمضائي في ذيل تلك الصبغات وقاء من كل ذلك الشر ومنجاة من كل تلك المتعبة على أن تلك الصبغات لم تقيدني بأي قيد ولم تربطني إلى شيء وإنما ذللت لي عند الضرورة الظفر بالحق المدني كأي فرد فرنسي يسكن با ريس العظيمة على أنني طالما انزويت رعباً وانكارا من فعلة كتلك ومن قيد كهذا ولقد وضعتني تلك
стр. 3272
الترددات التي قامت بصدري وذلك الاشمئزاز العميق في فؤادي من ترك جنسيتي الأولى في مركز حرج وموقف غريب هو السبب الأكبر في كل ما نالني من نصب وألم وحزن في مدى الأعوام التي قضيتها في باريس وقد أدى بي ذلك إلى الظفر بمكان في الحكومة كان مغلقاً في وجهي وقد كنت موضوع الغيرة في كثيرين من الفرنسيين أنفسهم لأنه لم يصب الماني قبلي في هذا البلد ما أصبت من حب الشعب في فرانسا في العالم الأدبي وفي المجتمع والاسمار والندى حيث جعل كثيرون من أهل الخطر والألقاب العظيمة والأسامي النبيلة يلتمسون التعرف بي التماسا وينشدون صداقتي نشدانا لا كما يرعي الأمير الاديب ولا كما يبتسم الخطير للصغير ولا لأكون تحت الرعاية ومتعهد شعر لأصحاب الدولة بل كرفقاء وحلفاء وأهل ود وصحب أعزاء.
فالأمير الفارس القريب على العرش الذي قرأ شيئاً من كتبي في الأصل الألماني راح يظن أنه الموفور المسعد إذا أنا قبلت عليه ورغبت في الدخول في خدمة الحكومة وأن أنسى فما أنا بناس ذلك اللطف وتلك الرقة التي لقيتني بها ذات يوم في حديقة صديق خطير الشأن ذلكم الرجل العظيم واضع تاريخ الثورة الفرنسية ومؤرخ الامبراطورية البونابرتية. ذلك الرجل العظيم جيزو الذي كان في فرنسا يومذاك السلطان والكل في الكل. إذ أخذ بذراعي وجعل يماشيني وهو يلح علي الا ما نفضت له عن صدري وكاشفته بحاجتي. واعداً إياي أن ينليني ما أطلب. ويحقق ما أشتهي. إلا أن نغمات صوته. تلك النغمات المالقة، العذبة الكريمة لا تزال ترن في مسمعي، ولا أزل أتنفس عبير تلك الأزاهر التي كانت تحف بنا ونحن نتسابر متمشيين بين منافس البستان. لك الله تلك الأزاهر التي كنا نخطر أمامها. تلك المانوليا. الجميلة بأكمامها المتفتحة المرمرية اللون. التي ترسل أنفاسها العبقة المتأرجة في الأفق كأبهى وأفخم وأعز ما يكون قلب هذا الشاعر الألماني في أيام نعماه.
نعم. لقد قلت حقاً ما عليه ظل باطل. لقد كانت تلك العزة المتشامخة الرافعة الرأس التي هي دأب الشاعر الألماني هي التي منعتني حتى من قبول الصبغة الظاهرية أن أكون فرنسياً. لقد كان ذلك وحياً كمالياً سماوياً لم أكن لي على الخلاص منه؟؟؟ وإذا قيست عاطفتي نحو وطني بما اصطلح الناس على تسميته الوطنية فلقد كنت مرتداً منشقا خارجيا. ولكن ذلك لم يمنعني أن أثور وأتألم وأتمرد من أي أمر ولو خفيا يراد منه يتم الطلاق بيني
стр. 3273
وبين أمتي. هذا هو الاحساس العميق المتغلغل في نفوس الشعراء والمهذبين الذي لا تمحوه قوة الأرض. نعم قلما يتكلم الشعراء عن وطنيتهم وقلما يتغنون بحبهم أرضهم، ولكن الوطنية عميقة في حبات أفئدتهم. لقد كان زواجي بألمانيتي الجميلة. ألمانيتنا العزيزة. ذلك الملاك الحارس - وأسفاه - زواجاً غير رغد ولا سعيد. نعم إنني لا أذكر ليالي قمراء زاهرة نعمت فيها بأحضانها. يوم كانت تضمني إلى صدرها الرحيب. ذلك الصدر النقي. الطاهر. ولكن تلك الليالي الحلوة كانت معدودة. وكم أعقبتها أيام هي ظلمات بعضها فوق بعض فقصمنا عرى تلك الزيجة بالانفصال والفراق. ولكنه لم يكن إلا طلاقاً صورياً غير حقيقي. لأنني لم أفكر يوماً أن أفارق خادمي الأمين. نعم لطالما كنت أكره الناس في الارتداد. ولطالما كان المروق من الدين والخروج على العقيدة بغيضين إلى قلبي كريهين. وما كنت أرضى أن أهجر حتى ولا قطة ألمانية. بل ولا كلباً من كلاب بلدي العزيز وغن كان لايطاق.
كلا. لم أفقد شرياناً واحداً من ألمانيتي. ولم ينزف من دمي عرق واحد من جنسيتي. كلا. لم أعرض نفسي لخيانة كتلك. إن التجنس بغير الجنسية الأولى أمر يليق بأناس غيري. قد يعقل أن يفعل ذلك محام سكير ملح على الشراب. ومغفل نحاسي الرأس والأنف يريد أن يصيب وظيفة ناظر مدرسة. أو معلم في كتاب. نعم هذا الرجل وأمثاله قد يبرأون من أممهم التي لا تعرف شيئاً عنهم ولم تسمع بهم ولن تسمع بذكرهم ولا يضيرها خروجهم، ولكن لا هذا يصدر عن شاعر أزجى إلى ألمانيا أجمل أشعارها وأبدع قصيدها الغنائي. بل انها لتروح لدي فكرة لعينة شنعاء. بل فكرة مجنونة تذهب باللب وتفقد الرشد. لو أنني قلت عن نفسي ها أنذ شاعر ألماني وفي الوقت نفسه فرنسي متجنس بجنسية الفرنسيس، بل ليخيل إلي لو أنني فعلت ذلك أني قد أصبحت أشبه بتلك المخلوقات الشنعاء ذات الرأسين التي يقدمونها في الأسواق والمعارض. أعيش برأس فرنسي وبالرأس الآخر أبدي عاطفتي ومشاعري في أوزان اللغة الألمانية. وا أسفاه - الشعر الفرنسي!؟ ما أبغضه على نفسي وما أشنأه لدي أنني قلما أستطيع هضم أشعر شعرائهم الذين لا رائحة لهم البتة. أنني كلما ذكرت الشعر الفرنسي الذي يسمى مجازاً شعراً غنائياً تبين لي جلال الشعر لالماني وروعة جماله واعتقدت إذ ذاك أنني جمعت منه لنفسي إكليل الغار. كلا. أنني أتنازل عن ورقة
стр. 3274
واحدة من ذلك الاكليل. وصانع القبور الذي سينحت قبري عند ضجعتي الأخيرة لن يجد أحد من الناس مجترئاً على أن يمنعه من حفر هذه الكلمات على صفحة القبر هنا يرقد شاعر ألماني!.
هذا صوت شاعر عميق العاطفة - شفاف الاحساس - يعبر عن مبلغ حبه بلاده على حين ابتأس فيها ولقى الشر من ناحيتها. وتشرد في الآفاق من سوء ما ناله على يدها فظل الحياة يفخر بوطنيته ويزهى بحمل اسم بلده لأن الشعراء الحقيقيين هم الذين يحملون لواء الوطنية في طليعة صفوف الأمم والشعوب. . .
стр. 3275
الأميرة الصغيرة
بقلم الكاتب الروائي ولاند برتوي
عربها عباس حافظ
قال ملك تيرانوفا - مملكة الأرض الجديدة في جنوب أمريكا - لفتاه وولي عهده: أي بني وددت لو أنك تركت فرق فروع شعرك وإرسالها تتدلى على أذنيك. فإن هذا لا يجمل بك وليست هذه زينة الأمراء وولاة العهد.
فرد عليه الفتى بهزة من كنفيه وراح يقول: أما عن الاحتفاظ بزينة الإمارة وتجمل الأمراء فذلك أمر لا رغبة لي فيه وشأن ولا أحبه.
فسقطت لفافة التبغ من يد الملك عجباً ودهشة ومضي يقول: يحزنني أن أرى أولياء العهد وفتية الإمارة وأبناء الملوك اليوم قد طلعوا مودة جديدة وهب التلون بلون الاشتراكية والظهور في أردية الاشتراكيين وأصبحوا يميلون إلى الفرار من الواجبات التي فرضتها عليهم منابتهم ووراثتهم وأعراقهم والبيوت التي منها نشأوا.
فاحتد الفتى ايفولت وقال: ان واجب الأمير. . . . .
فقاطعه الملك قائلاً: أن يكون بمظهر الإمارة كما أن واجب حمال الفحم أن يحمل فحماً.
فأجاب الفتى خائفاً: أني لأود أن أكون حمال فحم من أكون أميراً وولي عهد الملك.
فبتسم الملك وقال: اني لأذكر أنك حاولت أن تكون يوماً فحاماً عندما كنت تزور مقاطعة المناجم وقد نشرت تلك الحادثة في الصحف السيارة على أنني ووالدتك الملكة لم تكن تظن أنك لم تظهر أي براعة يومذاك في حمل الفحم كما برع فيه حمالوه.
فتوردت وجنة الفتى خجلاً وقال: إنني أريد أن أقول أن الملوك والأمراء ليسوا إلا لعباً أشبه بلعب ألف صنف وليسوا أناساً من لحم ودم لأن حركاتهم وسكناتهم وغداوتهم وروحاتهم بالأمر والنظام. فهم لا يخطون إلا بقيد ولا يسيرون إلا والحراس حولهم حافون والعسكر حاشدون مزدحمون والكواكب قريبون محتاطون بل أنهم لا يستطيعون كذلك أن يعيشوا في المنازل التي يحبون أن يختاروا الدور التي يسكنون والصحب الذي يعاشرون. فلم ذلك؟ لم ذلك.
قال الملك بكل رفق وأدب: انني منتظر منك أن تخبرني عن السبب.؟ فإذا أتممت الشرخ
стр. 3276
أنبأتك بالسر وبسطت لك الباعث.
فأجاب الفتى اسمع إلي يا أبتا - لنتكلم بصراحة تامة ولندع طريقة المعاجم في البحث ونترك جانباً شأن العلماء في المحاجة والجدل. إنني متألم متبر مملول. هذا كل شيء.
فأجاب الملك - إذا كنت يا بني تتألم من اسلوبي الفلسفي في الحديث. وطرقيتي المدرسية في المناقشة فلنتحدث بلا تكليف ولنتكلم بلا تحشم شأن أهل القربى ولعلني خشِن الحديث غير مصقول الكلم. ولكني محاول جهدي أن ألين حديثاً وأنعم لهجة فما بك. نبئني ماذا يؤلمك.
قال الفتى - إنني أكره هذه الفكرة العفنة والطريقة الصدئة السقيمة في الزيجات المرتبة المقررة والمقيدة، إني أراها سيئة شريرة. غير طبيعية.
قال الملك مترفقاً في كلامه - نعم قد يلوح عليها ظاهراً أنها عقيمة صدئة_وهنا تمهل الملك وأمسك بلحيته مفكراً ثم عاد يقول - ولكنني أعلم انها ليست كذلك في حقيقتها ولبها - إنني محدثك حديثا لا أظن هذا الشعب الذي يعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا مستطيعاً أن يعتقد صحته ويؤمن بحقيقته ذلك انني ما زلت حياتي كلها ولا أزال في حب شديد وأمك الملكة ولو أنني كنت رجلاً من عامة الناس لما وجدت ولا أظنني واجداً رفيقة غيرها تستطيع أن تجعل أيامي في الحياة هانئة رغيدة هذا حديث يجب أن لا يتعدى غيرنا نحن الاثنين فإنني رجل شيح ولا أحب أن أتراءى مضحكاً متخلعاً متظرفاً أمام الناس.
فأجاب ولي العهد: هذا حظ جميل، ولكن لعل غيرك من الأمراء وأهل بيت الملك غير مصيبيه. ألا أسمع إلى يا أبي. ان مبدئي في الحب. . . .
وإذ ذاك قاطعه الملك فقال: أن لا يكون مقيد بالمراتب والألقاب وأن يتنزل إلى العامة ويساوي بين الكبير والحقير.
قال الفتى - ولم لا؟
فاجاب الملك الشيخ ليس ثمت خطأ أكبر من الذهاب إلى الحب لالذة فيه إلا حيث يكون ممنوعاً أو صعب الوصول إليه فإنك لو قلت ذلك فكأنك تريد أن تقول أن الإنسان لم يصل إلى قمة جبل مونت بلانكالجبل الأبيض لأنه صعد إليها بقطار النفق - ولم يبلغها سعياً على القدم.
стр. 3277
فقال الفتى - ولقد لمعت عيناه كأنما تخيل حلماً معسولاً ذهبياً: إنني أريد أن أعيش عيشة طليقة حرة على هواي ومبتغاي.
فأجاب الملك في رفق. أعرف ذلك. وهذا ما سيكون لك يا بني العزيز وأنت تعلم يا ايفولت أنني أحبك الحب كله. ولكنني أود لو أنك تركت فرق جدائلك بحيث تتدلى على أذنيك.
فقال ولي العهد: إنك يا ابتا رجل خير حنون. ولكنني لا أعرف. . . .
فرد عليه الملك قائلاً: كلنا لا نعرف في المبدأ ولكننا جميعاً نحن بني آدم ننهى بالمعرفة، والآن لنعد إلى أحاديث المملكة وشؤون السياسية. هل أعددت العدة لهذا المساء؟ فأطرق لفتى برأسه يأساً وتبرماً وأنشأ يقول: نعم فسأكون في المحطة في لباس الكولونيل وسأخطو في اللحظة المعينة فألثم يد الأميرة وهي تنزل من القطار.
قال الملك: بديع للغاية. ولكن لا حاجة بك إلى التحدث معها حتى حفلة المساء فأجاب الفتى. يلوح لي إذن أنه سيكون زواجاً أخرس صامتاً وسأمشي بها إلى الهيكل كما تساق الشاة إلى المذبح.
قال الملك. هذه هي آداب الأعراس الملوكية. ومع ذلك سنرى. . . . . وهنا ابتسم ومشى منصرفاً من الحجرة.
هناك في حجرة الزهر وجد الملكة.
قال الملك. ألم تعلمي يا عزيزتي الخبر - أن فتانا قد أصبح متمرداً. فنظرت إليه الملكة نظرة جزع وقالت - واها للفتى المسكين. ولكنها فتاة بارعة الجمال ولو لم تكن كذلك لما اخترته له عروساً. ولكن لا تنزعج ولا تتألم.
قال الملك: يالك من زوجة كريمة. وهنا طوق خصرها بذراعه كما لو كان مثلك أو مثلي.
وكان سلوك الأمير في المحطة بديعاً للغاية إذ خطا في اللحظة الواجبة فلثم يد الفتاة العروس ومشى بها إلى مركبة الإمارة وركب هو جواده وجعل يعدو به جانب المركبة وجعل الشعب في الطريق والجماهير الحاشدة على الأفاريز يهتفون ويلوحون بمناديلهم في الهواء. ولم يبق منهم أحد إلا وافق على أن هذه الزيجة ليست إلا زواج حب من النظرة الأولى.
فلما بلغت المركبة بالعروس القصر. تلفت الملكة العروس وأخذتها إلى مائدة أعدت لتناول
стр. 3278
الشاي لتحتسي العروس قدحاً قبل أن تخلع عنها أثوابها.
أما الأمير ايفولت فما كاد يفرغ من توصيل الأميرة حتى صعد سلم القصر وانزوى في مخدعه وطح جسمه على فراشه وجعل يتململ ويتلوى - وقد برقت في عينيه لمعة ذكرى قديمة وراء أفق بعيد وراح يقول: لماذا لم أولد فتى من عامة الناس؟ لم لم أكن من السوقة والصعاليك؟. . . . . ولبث كذلك في سريره ثم نهض فصاح بغلام من غلمة القصر فجاء الغلام فخلع عنه نعليه وقال ماذا يرتدي صاحب السمو؟
قال الأمير - الثوب المزركش
فابتسم الوصيف وقال - هذا هو الثوب الذي أعددته لسموكم من قبل
فنظر الأمير في أنحاء الحجرة فأبصر الثوب يلمع في صندوقه فقال:
أتراني أبدو جميلاً في هذا الثوب؟
قال الغلام: إنك لتبدو. . . . . ولكنه لم يستطع أن يتم قوله إذ ابتدره الأمير. إنني أريد جواباً أميناً صادقاً لا رياء فيه. . . . فتمهل الغلام ثم قال. . . . إنك في لباس تود لو أنك لم نشتمل به. . . . قال الأمير أصبت؟
* * *
فلما انتهى المدعوون من العشاء، لبث الفتى يرتقب العروس، في حجرة أعدت لخلوتهما. وإذ ذاك أقبلت والدته تتقدم الأميرة.
وهي تقول. . . لتسمرا هنا بعض السمر حتى يحين وقت الحفلة والمرقص ولمست آنذاك براحتها خد الفتى ووجنة الفتاة وفي ذلك معنى لا يدركه إلا الأمهات. وابتسمت وانطلقت تمشي إلى الحفل.
فأمسى العروسان في خلوة
نظر كل إلى صاحبه، فأطرقت هي حياء، ووضع هو يده على مكان فؤاده
وبدأ الفتى الحديث فقال. . . . إنك أيتها الأميرة جئت كغريبة لتسودي كملكة في قلوبنا وقلوب. . . . . .
فقاطعته العروس قائلة. . . أعرف ذلك. فقد قرأته في الصحف. . . إلا إذا كنت تريد أن تسترسل في مبادئك.
стр. 3279
فأجاب الأمير شاكراً كلا لا أريد.
قالت العروس. . . . ماذا ترى في زواجنا هذا.
فأجاب الأمير يبعث الإنسان على السرور
قالت العروس كلا إنني لست مسرورة
وإذ ذاك أشرق وجه الأمير، وقال. أحقا
فأجابت. وكيف به أسر، ألسنا في القرن العشرين
ولم تكد تتم قولها حتى ارتفع صوت جرس البهو معلنا ابتداء الرقص
ولما صدحت الموسيقى وأقبل الراقصون يريدون رقصاً قال الأمير لعروسه هلمي بنا فنحن مضطرون لفتح الرقص
فوضعت يدها فوق ذراعه وانطلقا إلى قاعة الرقص
قال الأمير للعروس. مالك مترددة
فابتسمت قائلة، إن هذا أمر فوق الطاقة.
فأجاب الفتى بتنهدة طويلة. ما أفسد كل هذه الرسوم. فأومأت العروس إيماءة الإيجاب وعاد وهو يقول. لماذا نكره على الرقص. ألسنا بني آدم لحماً ودماً، ولماذا يريد القوم منا أن نهتز وندور كلعب الأطفال.
فنظرت إليه طويلاً. وقالت: إنني أشد الناس لهذا الرقص كرهاً
فأجاب الأمير: اجل تكرهينه بلا ريب ليس كل هذا إلا أكذوبة ظاهرة أيكون في الدهر ليلة ألعن من هذا العشاء والاحتفاء. ثم آخر الأمر هذا ارقص الطائش المجنون؟ يالله. ما أجمله لو أنه كان على بساط سندسي في حقل بعيد عن هذه المدينة. وأرض خضراء في قرية من قرى الريف. وسط الفلاحين والقرويات أما هذا الرقص فما معناه عمرك الله. لا شيء مطلقاً. أكذوبة وحق السماء!
أطرقت قائلة: هو ذلك. ب هو أقل من لا شيء إذا أردت الحق!
قال الأمير: هذا ما أشعر به. ثم تمهل واستطرد يقول: إنك لم تحسني هذه الخطوة. إن ضربة الرجل يجب أن تكون مماثلة والموسيقى.
فأجابت الأميرة: أخطأت لك الحق.
стр. 3280
قال: الآن قد أجدت الخطوة. هذه هي المشية الامريكية كما يسمونها.
وهنا وقفت الموسيقى عن الصياح.
قال الأمير: الحمد لله. هيا بنا إذن إلى الحديقة.
قالت العروس: أتحب أن نذهب؟
فأجاب الفتى: أظن ذلك فنحن مكرهون بحكم الرسميات على الذهاب.
قالت الفتاة: إذن فدعنا نذهب.
قال الأمير: إننا نستطيع هناك أن نخلو إلى حديث طويل.
قالت العروس: إذن هلم بنا
فلما بلغا الحديقة وجدا عندها رجلاً وسيدة من المدعوين، فلما شهدا العروسين انحنيا انحناءة بأدب، وانطلقا مبتعدين وهنا جلست العروس في مقعد طويل وراحت تقر عينيها عليه.
وبدأت الأميرة بالحديث.
قالت: بخت سيء. كم عمرك؟
قال - اثنان وعشرون
قالت_وأنا في التاسعة عشر.
قال_ونحن مكرهان على أن يزوج بعضنا بعضاً. سواء أردنا أم لم نرد.
فنظرت إليه نظرة سريعة وقالت: إذن لا تريد أن تتزوج بي.
فأجاب - أنني أريد أن أشرح لك أمري ولكن يلوح لي أنك مدركة الغرض نعم. لا أريد.
قالت: هل تحب أحداً؟
قال: نعم. عشيقتي الحرية.
قالت: متسائلة_الحرية فقط؟
فأطرق رأسه شأن التلميذ في المدرسة عندما يكره على الاعتراف بذنبه.
قال: بل لقد أحببت منذ كنت في الربيع السادس عشر، فهل تحبين أن تسمعي قصة حبي.
فأجابت نعم
قال - اتفق أنني مرضت ذات يوم فنصح لي الأطباء بالنقلة إلى الريف أمضي فيه صيفاً كاملاً فسافرت أنا ومعلمي فقط ولم يكن في خدمتنا إلا خادمان وبضعة وصائف وساسة
стр. 3281
خيل وطاهيان، وكانت سفرة غاية في البساطة، لا زهو فيها. ولا أبهة. ولا إمارة. فوقع لي إذ ذاك أول بوادر الحب.
قالت الأميرة_وكبف كان ذلك.
قال الأمير_نزلنا بضيعة بعيدة عن مدائن الحضارة. وكان هناك دجول يجري في الحديقة منسربا في منافسها متلألي. الصفحة. بالله لقد كان مصطافاً يانعم ذاك المصطاف. وكنت أتلقى الدرس في الصباح ساعة أو ساعتين ثم أقضي بقية النهار طائفاً الغابة متجولا في الأجمة تارة طالباً صيدا - وطوراً مطالعاً في كتاب على حافة النهي. وكان معلمي وهو رجل إنكليزي بل لعله اسكوتلندي يدعى مستر جرين لا يفارقني في تلك الطوفات، ولعل ذلك كان من تعليمات شديدة، تلقاها من الملك أبي وكان رجلاً أعمى أصم في انفاذ الأوامر. نعم لقد كان رجلً طيباً وكنت أحبه، ولكن كان يحدوني الشوق دائماً إلى أن أكون وحيداً منطلقاً إلى حيث أنطلق وحدي دون صحبته.
فأطرقت الفتاة قائلة: أعرف ذلك
فعاد الفتى إلى قصته فقال: ووجدت بعد مدة أنه ولوع بالاغفاء بعد الظهيرة فأردت أن أنتهز إغفائه فرصة للنزهة وحدي ولكنه جعل يتألم ويرغي ويزيد عند رجوعي على أنني لم ألبث أن جعلته يرى ذلك مني صابراً لا لائماً ولا عاتباً ففي ذات يوم أجمعت النية على نزهة بعيدة على مسافة أميال خمسة من الضيعة وكان الجو جميلاً والنسيم سجسجاً فلم أشعر بتعب المسير حتى بلغت جدولاً ذا خرير ونغم جميل فلما أشرفت على عدوته ألقيت ببصري فيما حولي من الأشجار وفارع السرح فوجدت هناك بين الدوح. . . . .
فأكملت الأميرة قوله فقلت: فتاة: أليس كذلك. فأجاب. أجل. فتاة. فكيف عرفت ذلك، قالت العروس، لا بد أن يكون كذلك.
ثم ماذا
قال: وكانت جالسة القرفصاء. أمام ذلك الجدول تغسل ثوباً لها، تلقيه في الموج ثم ترفعه وكان الثوب الذي تغسله ولا ريب قميصها، لأنها كانت عارية الذراعين ليس على بدنها إلا غلالة رقيقة وحل عنقها شبيكة مما تلبسه القرويات، وكانت صغيرة الدن قليلة اللحم بالنسبة إلى سنها، وكانت في الربع الرابع عشر، ولها جدائل صفر كالذهب، مرسلة على ظهرها
стр. 3282
مطلقة، أما وجهها، كلا. كلا. إنني غير مستطيع أن أصف تلك المحاسن، لقد كانت كلها جمالاً حياً حتى إنني لم أشعر كيف اجترأت فمسيت حتى جلست بجانبها فوق العشب - قالت: يالله، من أنت؟
قلت: أنا لست إنساناً مذكوراً، بل وجدتني بحاجة إلى إنسان أحادثه فجئت وجلست.
قالت: ماذا أحدثك عنه؟ إنني أغسل ثوبي كما ترى.
فاستأذنها في المكث بجانبها لأرقب كيف تغسل ثوبها فأذنت لي ولا أذكر فيم جعلنا نتكلم وإنما كل ما أذكر أنني علمت منها أن لها خالاً يحرث أرضاً قريبة وقد علاني الخجل عندما سألتني عن صناعتي ولم أجد ما أجيب غير أنني لا أعرف إلا الكتب وكانت في حياتها لا ترى للرجال ولا للفتيان عملاً إلا الكدح بأيدهم لاكتساب خبزهم.
وهنا أشعل الأمير لفافة تبغ ورمى بعود الثقاب مشتعلاً على الأرض ومضى يقول:
وكنت أرى انها على حق.
وقالت الأميرة ثم ماذا
قال: ثم علقت الثوب الأزرق فوق غصن شجرة ومكثنا ننتظر أن يجف على حرارة الشمس فسألتني على اسمي فأجبته: برنس: فضحكت للاسم فرأيت ثم أسنان صغيرة بيضاء كالعاج ولا اعلم كيف قلت لها أنني أحبها واضطررت إلى زيادة الشرح ولكنها لم تفهم.
قالت الأميرة: وكيف شرحت ذلك
قال الأمير بقبلة
فراحت العروس تسأله. وعند ذلك فهمت أليس كذلك؟
قال أجل
فقالت الأميرة: وماذا كان بعد ذلك؟
فعاد البرنس يقول: وقلت لها أنني غير تاركها وأمسكت بيدها وأمسكت براحتي حتى هجمت جيوش الظلام ولا أذكر الآن الكلمات التي دارت بيننا وإنما لا أزال أذكر أنني أنبأتها أنني سأرى خالها اليوم التالي وأطلب إليه عملاً في حقله وكنت أشعر إذ ذاك بسعادة لا توصف أما العقل فقد عاد في طي تلك السعادة ونمت تلك الليلة مختبئاً في مخزن التبن
стр. 3283
في بيتها فلما هدأت الرجل فيدارهم تسللت في جنح الظلام فجاءت إلي ولبثنا ساعات نتهامس والفيران حولنا تجري هاربة وقد اجتمعت نيتنا على أن أكون زوجاً وتكون هي زوجتي فلما طلع الصبح جاءت تحمل لبناً وبيضاً وقبلتني ووقفت تنظر إلي ولكن لم نلبث أن سمعنا صوت خالها في فناء الدار ممتزجاً بصوت معلمي مسترجرين وكانت الأصوات حادة كأنما كانا في غضب ومناقشة حارة.
وسمعت معلمي يقول لصاحبه وهو يحاوره لا بد أن يكون هنا لقد دلنا كلبه على هذا المكان.
وفي الحال أبصرت بالكلب قد وثب فكان على مقربة منا وجعل ينبح نباحاً طويلاً وصاح المستر جرين لقد كنت واثقاً من ذلك وصعد يريد مكمنناً ولكن خال الفتاة كان أسبق إليه وهو يقول: إذا لم تصدقني فسنجد المكان خالياً.
ولكنهما وجدانا مشتبكين متعانقين تحت ظل تعريشة في الركن.
قال معلمي ببرود: ما شاء الله
ودنا خالها مني فألقي يده على كتفي كأنها من حديد وقال أيها الكلب الصغير سأعلمك كيف تختبئ مع العذارى الساذجات ورفع عصاه يريد أن يهوي بها على رأسي.
فصاح به مستر جرين مستوقفاً وألقى في ذاته بضع كلمات فتراجع فتراجع الرجل مذعوراً وقال:
ماذا تقول: الأمير. . . وجعل يكررها وقد رفع قبعته عن رأسه وقال للفتاة وصوته يرعش رعباً ودهشة أيتها الحمقاء حيي التحية الملوكية.
وإذ ذاك رأيت الفتاة ترفع مئزرها وفي عينيها نظرة ذهول كأنما لم تدرك شيئاً وأدت التحية.
وقال المستر جرين تفضل يا صاحب السمو فمشيت في أثره وخرجنا من البيت.
وهنا قالت الأميرة: ثم لم ترها بعد ذلك اليوم.
قال الأمير بل إنني لأراها كلما أردت. ليس عليَّ الآن إلا أن أغلق عيني فأراها ولا ريب في أنها أصبحت الآن فتاة جميلة ولكن قدر علي أن لا أكون رجلاً.
وهنا التفتت العروس وقد شعر بالدهشة من جرأته على قول ما قال. وراح مستطرداً يقول.
стр. 3284
لم يعرف أحد هذه القصة إلا أنت فقط. ولم يفه معلمي بكلمة عنها. أنني متخيل إليًَّ أنه لم يكن ينبغي أن أخبرك بهذه القصة.
فأجابت الأميرة. يلوح لي ذلك. إلا إذا. . . وأمسكت عن الكلام. فقال الأمير إلا ماذا؟
قالت: إلا إذا سمحت لي أن أخبرك بسري كذلك. .
قال ايفولت - ليس أبدع من ذلك تكلمي. فبدأت الفتاة حديثها. فقالت - لقد كان أشجع رجل رأيته في حياتي.
قال - عمن تتكلمين
قالت عنه. .
فأجاب. آه. لقد فهمت. ثم ماذا.
قالت - رأيته لأول مرة وهو يروض جواداً من خيل أبي المعدَة للسباق لقد كان الجواد شكا شامسا جموحاً وقد وقف على ساقيه المؤخرتين وساقاه الأخريان في الهواء. وكانت عيناه حمراوين وأنفه قانياً.
قال البرنس وكان قد عمي عنه الغرض. تمهلي لحظة عمن تتكلمين الآن.
قالت الفتاة عن الحصان وقد علاه وامتطى صهوته وجعل يبتسم وقد وقفت أرقبه عند باب الاسطبل - وأنا في اشد الخوف ولبث القتال بين الجواد وبين الرجل مدة وكان هو المنتصر على الحيوان، إذ ترجل عنه وأمسك بعنانه ومشى به إلى سائس هناك فأسلمه زمامه. ثم دنا مني فقدمت يدي أصافحه ورحت أقول. إنني لا أعرف من أنت ولكني أراك أروع رجل رأيته في حياتي. .
وهنا سألها الأمير. متى وقع هذا؟
فأجابت الأميرة منذ ثلاث سنين
قال أيفولت - انهي الحديث.
قالت - فابتسم وقال أتظنين ذلك يا آنسة. . . وسألته عما إذا كان يعرفني فهز رأسه نفياً فخلعت عليه جميع؟؟؟ وقلت له: أتخاف من ذلك قال لست أخاف شيئاً.
قال الأمير مضطرباً مندهشاً - ومن هو ذلك الرجل؟
قالت الأميرة: سائس في الاسطبل. وأخطر رجل رأيته. ولعل اكبر ما أجللت منه إنه كان
стр. 3285
لا يحفل أكنت مليكة أم صعلوكة متكففة. وإنما كان يبتسم ويطرق برأسه ولقد خلتني سأذهب إليه فأرمي بنفسي عند قدميه صاغرة مذعنة له.
قال الأمير - كلا. لم أفعل. لقد كنت لا أزال تياهة العطف. بل كنت أريد أن يعترف بي. أردت أن أملكه وأهزمه. فقلت له أخشى أن تكون خائفاً مني. ورحت أنظر إلى عينيه فأخرج القش من فمه ونظر حوله كأنما أراد أن يستوثق مما حوله وقال: هل إذا قبلتك ترفضينيي. قلت لك أن تفعل، ولكن لا ينبغي أن يكون هنا. لنتواعد الليلة إلى الغابة في منتصف العاشرة. إذا كان لديك شيء من الشجاعة. فقال. إني فاعل ذلك. وانطلقت خافقة الفؤاد.
قال الأمير: وهل توافيما إلى الموعد المضروب.
قالت الأميرة - لقد حاولت ولكني لم أنجح. فقد تعقبتني سيدة من وصائف والدتي الملكة، وجاءت إلى حيث كنا واقفين، وهو يهم بتقبيل يدي وكذلك لم يقبلني الرجل الذي كنت أحب. ولن يستطيع ذلك.
قال الأمير. وهل علم أحد بأمركما
فاجابت - نعم. لقد علم أبي وكان أمراً شنيعاً.
لقد طردوه. لقد طردوه
قال الأمير: ولم تنظريه بعد ذلك اليوم؟
قالت الأميرة كلا. بل لقد علمت بعد ذلك أين يسكن ولكني لم أتمكن من لقائه: وها نحن غريبان يراد بنا أن نكون زوجين. أي ايفولت انه لا يشعر أحدنا نحو الآخر بعاطفة الحب: أليس كذلك. تكلم.
قال الأمير. هذا ما أتبينه الآن.
قالت - إنني لا أريد أن أكون ملكة وأنت لا تود أن تكون ملكاً
فقال الأمير بحدة البتة
فعادت تقول. وإنما نريد أن نكون ناساً عاديين كخلق الله
قال. هذا ما نبغي.
قالت_وماذا يمنعنا أن نكون كذلك
стр. 3286
فنظر إليها متحيراً وقال. الحكومة والدولة.
قالت الأميرة وقد أدنت مقعدها منه قليلاً. استمع إلي. . . . وراحت تصب في مسمعيه كلمات في همس ورفق. وجعل هو يطرق أولا برأسه علامة الشك ثم لم يلبث أن لمع ذلك البريق في عينيه. وما كادت تتم همسها حتى أخذ يدها متأثراً وقال. إنك لفتاة قوية الإرادة. شهمة جريئة.
وإذ ذاك كان الملك مقبلاً نحوها.
وأقبل الملك فجلس يقعد ومضى يقول. . . . أرى أن تتكلم كلمة او كلمتين في برنامج حفل الغد.
فتردد الأمير ونظر إلى العروس ليسألها نجدته واسعافه على القول ثم عاد يقول إن الأميرة تشعر بالتعب. ونرى أن الأفضل أن نلغي حفلة الغد إذا كان ذلك ميسوراً.
قال الملك. ونقصر همنا على مرقص الليلة. ليكن ذلك. فأجاب الأمير، أخشى أن يكون المرقص متعب لنا. إذ سنضطر إلى التسليم على ألفي إنسان وتخلق عند التحية لكل إنسان كلمة أو كلمتين تناسبان المقام.
وإذ ذاك نهض فقدم ذراعه للملكة العروس. ورأى الشيخ ذلك منهما فقال في صوت رقيق يحدث نفسه. انه لفتى طيب جميل ولكن يميل إلى ترك فروع شعره متدلية على أذنيه.
* * *
في الساعة الرابعة من السحر. وقد هدأت الرجل في القصر. وقام أهلوه. كان الأمير أيفولت يمشي على أطراف أصابعه متسللاً في ردهة القصر حتى وقف باب الأميرة فلم يكد يمكث بالباب لحظة حتى فتح الباب وطلعت الفتاة من خدرها مشتملة بمعطف طويل وقد غطت رأسها بقبعة من الفرو وتقنعت بقناع كثيف فاشتبكت أيديهما في الظلام اشتباكة تأثر وعزيمة غريبة فمشيا حتى بلغا نافذة صغيرة تشرف على حديقة القصر والأرض منها تبعد بنحو أقدام قلائل.
قال إيفولت إنها لمخاطرة كبيرة ولكننا إذا حاولنا الخروج من أبواب القصر اعترضنا الحراس والحفاظ ولا بد لهم من السؤال فنظرت الأميرة من النافذة وقالت اغمض عينيك إذا كنت تشعر بالاضطراب.
стр. 3287
فلم تكد تمضي لحظة حتى وثب من النافذة. فإذا هو في أرض الحديقة واقفاً.
قالت الأميرة. هل أثب؟
قال_نعم
ووثبت. . . . .
وجعلا يمشيان حتى بلغا سوراً غير متعال فقال الأمير: ليس لنا سبيل إلى الخروج إلا بالوثوب على هذا السور خمسة أقدام.
قالت الأميرة. مستضحكة. ومن ذا الذي لا يلبث خمسة أقدام في سبيل الحرية!.
قال الأمير إنك لمدهشة.
قلت - هلم
فقال هلمي
ووثب وطفرت بعده فتلقاها إيفولت باليمين. والتقيا خارج السور وأحسا قلبيهما ينبضان أشد النبض.
قال. لا تبعد السيارة عنا إلا مسافة دقيقتين!
فانطلقا يعدوان حتى بلغا السيارة
فطارت بهما في جنح الظلام
قال الملك الشيخ لكاتم سره صبيحة اليوم التالي، أرجو أن تبلغ تهنئتي للأمير وتقول له أنني أريد أن أراه.
فمضى كاتم السر ولكنه لم يلبث أن عاد وهو يقول. أي صاحب الجلالة إن الأمير غير موجود في القصر كله.
فرفع الملك رأسه وقطب جبينه وقال. ادع لي وصيف الأمير ودعه ينتظر أمري لدى الباب.
وإذ ذاك دق التليفون. وكان المتكلم الملكة فالتقط الملك السماعة في اللحظة التي خرج فيها كاتم السر من الحجرة.
قالت الملكة في التليفون. لقد ذهبت الأميرة. يلوح لي أنها لا بد من أنها تركت الحجرة حوالي الساعة الرابعة فجراً وقد عثرت إحدى وصيفاتها على ساعة معصم ملقاة على
стр. 3288
الأرض في الردهة محطمة وقد وقف عقرباها على الرابعة.
قال الملك لا تنزعجي. سأكون لديك في الحال فوضع السماعة وفتح الباب وإذ ذاك دخل وصيف الأميرة فابتدره الملك قائلاً. أي الأثواب ارتدى لأمير في هذا الصباح؟
قال الرجل - لباس السيارات يا صاحب الجلالة فأمسك الملك بلحيته مفكراً ثم قال. أغلق أبواب حجرات الأمير. وصندوق هذا الحديث الذي جرى الآن. ولا تقل لأحد شيئاً.
وأشاح عنه بوجهه فدق الجرس وفي الحال كان كاتم سره في حضرته. انشر في صحائف الملكة كلها خبراً مؤداه انه يخشى أن يكون الأمير وعروسه قد أصيبا بوعكة البرد وقد وصى طبيب القصر بأن يبقى العروسان في حجرتهما لا يخرجان منها حتى يتماثلا للعافية، قال كاتم السر، وماذا نصنع بالمرقص الذي سيقام يا صاحب الجلالة.
قال الملك بلهجة العزيمة الصارمة سيقامن، وانطلق الملك يريد حجرة الملكة.
قال: لقد هربا معاً.
قالت الملكة - مبهوتة - ايقولت كذلك؟
قال: نعم - لقد ذهبا هما الاثنين.
قالت. ولكن لماذا؟
فأجاب الملك - وقد سقط في مقعد متعباً - ومن أين لي أن أعلم؟
وظلت السيارة تعدو بالعروسين الهاربين حتى قطعت مائتي ميل. وإن ذاك لاحت لهما عن بعد قباب قرية ذات سوق ومتاجر.
قال الأمير - بالطبع سنجد سيارة هناك للأجرة فهل تستطيعين سوق السيارات.
قالت الأميرة. أي نعم. أستطيع أي شيء
قال الأمير. ولكني أخشى أن يستوقفوك عند الحدود.
فأجابت الفتاة. لمن أحاول اجتيازها. بل سأترك السيارة في وسط الغابة وأتسلل بين الدوح حتى أصل إلى الطريق العامة.
فسألها الأمير. هل المكان بعيد.
قالت الأميرة. كلا. . . . بل الاسطبلات في الناحية الأخرى من الغابة.
فوقف الفتى حائراً لا يدري ماذا يقول على أنه ما؟؟؟؟؟ أن قال. ألا تشعرين بأي تردد.
стр. 3289
قالت - كلا
قال أتظنين أنه سيحسن لقاءك ويتلقك بأحسن من يتلقى حبيب حبيبا
فأجابت وهي باسمة. أجل. إنه لرجل خطير إنه لآية الإبداع
قال ليكن ذلك. ولعلي. موفض بالسيارة نحو سبعين ميلاً حتى أدرك المكان
قالت الملكة - نعم. وأرجو أن تجدها كما تراها بعين الحلم والخيال الآن وتلقيها كعهدك آخر لقاء بها وأتمنى لك السعادة والهناء.
فقال ايفولت. أتمنى ذلك وكان صوته أثر من نغمة الشك.
وساد السكون بينهما برهة ومرا بالسيارة ينفذان في أرباض القرية. وأوقف الأمير المركبة بباب. . . . ورشة. . . . . الأوتومبيلات
وصاح بالقوم. أريد سيارة!
قال صاحب المصنع. للأجرة تريدها أم للشراء
قال للأجرة فرد عليه الرجل قائلاً. ولكن ليس لدي سائق يسوقها
فاجب الأمير. إن السيدة تجيد سوق السيارات
قال الرجل. متردداً_نعم - ولكن
فعاجله البرنس بالقول. لا حاجة إلا ولكن هذه أنني أبتاعها ابتياعاً إذ أردت
قال الرجل. لا مانع لدي من بيعها ولكنها قديمة وأنا على أحسن حال.
وذكر الثمن ودفع الأمير إليه به ثم قال_هي الآن على استعداد للسفر.
قال الرجل وهو يعد الأوراق المالية بل ستكون كذلك في لحظات.
ولم تكد تمضي لحظات قليلة حتى كانت السيارة واقفة على استعداد، وهنا مد الفتى يده إلى صاحبته. وقال. . . الآن. . . . وداعاً فمدت إليه يدها.
قال مستطرداً حديثه. إنك أبدع فتاة لقيتها في حياتي. إنك لفتاة مدهشة. ولا أدري كيف تطاوعني نفسي أن أقول لك. وداعاًً. وداعاً ولكن من يدري لعلنا مجتمعان بعد الآن عندما تتزوجين به وأتزوج بها. فسنلتقي ونعيش جميعاً عيشة واحدة.
فأجابت الأميرة. هو ذلك. هو ذلك. إذن فلا تدعنا نقول وداعاً حتى يقدر الله لنا اللقاء الثاني.
стр. 3290
فعقب هو على كلامها فقال. عجل الله بذالك اللقاء ليباركك الرحمن. فقالت هي. وليباركك كذلك.
فرفعها إلى السيارة بكل أدب واحترام ووقف يرقبها حتى اختفت السيارة بها عن الأنظار وإذ ذاك هز نفسه فرحاً معتزاً وقال لنفسه. الآن قد أصبحت حراً متخلصاً من قيود المجتمع.
وفي لحظة عدت السيارة مطلقة للريح عجلاتها واختفى.
* * *
قال الملك يحادث زوجته الملكة. ما علينا إلا التعلل والصبر.
قالت الملكة. ولكن لنفرض أنهما لن يعودوأ أصلاً.
فأجاب الملك الشيخ. إن هناك يا عزيزتي مثلاً سائراً يقول لا تثقوا بالامراء ولكن شعاري وديدني يخالفان هذا المثلإذ أن من عادتي أن أثق بالأمراء ماعشت. ولهذا أقول لك ان الأمير ولا ريب راجع إلينا. ألا تحبين أن نخرج للنزهة. ونشرف على الشعب.
قالت الملكة إذا أحببت.
وانطلقا.
* * *
ونزل الأمير ايفولت عن السيارة وراح يمشي مخترقاً للغابة وترك الأمير الفتى السيارة وراح ينفذ في منفس الغابة وأحس أنه في اضطراب ذهني وقلق واختفت عن عينيه أشباح تلك الأحلام الجميلة التي كانت تتراءى له. ولم يعد يشعر بتلك اللذة الساحرة التي كان يتخيل أنه سيشعر بها إذا انطلق من قصر أبيه - ولم ير تلك الفتنة التي كان يظن أن ظفر بالحربة في طيات فؤاده. وكان قد مضت عليه ساعات لم يذق طعاماً. ولا غرو إذا لم يجد فيما حوله فرحة. ولم ير ابتهاجاً لأن المعدة الخالية لا تنبه في الجائع شيئاً من السرور إذا كان السرور حوله. وهناك رأى الحقول والاجم كما كان يتصورها في ذاكرته. وهناك كانت تجري من تحتها الجداول. . . . . متغنية أغانيها المائية. مترنمة للصخور التي تحف بعدوتها ولكن أين ذل ك الابتهاج الخفاق في قلب الشباب الغض الناضر الذي كان يسوقه عاري القدمين منذ سنين إلى ذلك الموضع. وأين ذاك الباعث الذي كان يثيره إلى
стр. 3291
غشيان تلك العهود والروحات الحسناء الناعمة. وهناك من خلال طائفة من السرح المتطاول الافرع. رأى دخاناً متكاثفاً في الجو متصاعداً. تلك هي المزرعة. هناك تخيل بأنه سيراها بتلك الفروع الحمراء والعين الرانية. وجلال البساتين يحف بها ويكسو بدنها الغض اللدن الجميل.
هنا تنفس طويلاً وانطلق يجد السير إلى الموضع فلما بلغه وجد عنده رجلاً جالساً لدى باب منزل هناك يدخن في قصبة طويلة له. وينظر فيما حول هـ نظرة فارغة مذهولة وهو في سكون تام. فتبينه الأمير فإذا هو خال الفتاة وإنما علته الستون وأثرت في معالم وجهه كرة الأعوام.
فدنا من الأمير وحياه تحية القرويين وقال_انني ضللت الطريق وبي جوع شديد فهل لك أن تطعمني؟
فأخرج الرجل القصبة من فمه وأجاب. إذا دفعت ثمن ما تطعم. قال الفتى؟ هذا ما لا شك فيه.
ومشى الرجل بالأمير فاخترقا فناء البيت حتى بلغا حجرة أشبه شيء بالمطبخ وترك الرجل الأمير وهو يقول. سأخبر ها أن تهيء لك الطعام.
وانطلق من باب آخر مكث ألأمير يرتقب الطعام أمام مائدة مهشمة بالية وشعر ذاك أن يديه ترتجفان وقد جف ريقه وقد سرت في نفسه حاسة الانتظار والتلهف والخوف من أن يفسد عليه ذلك الحلم المعسول الذي كان يتخيله في صحوه ومنامه، فبعد مدة قصيرة حسبها أجيلاً وأدهاراً فتح الباب بدفعة صينية تحملها يد فتاة قروية الملامح وتقدمت فوصعت الصينية أمامه فوق المائدة وقالت هذا كل ما نستطيع أن نطعكمه، فسكت الأمير وتنفس طويلاً وراح يجيل فيها البصر.
كان شعرها معقوصاً في غير نظام. مجدولا في غير نسق أو إبداع. مهملاً أشعث مغفلاً. وحاجبها مجعداً وقد بدت الغصون والمكاسر في جلدة خديها وصفحة وجهها. وكانت شفتاها. تلك الشفتان اللتان كان يتخيلها كآخر عهده بهما قطعة من الارجوا، ولهيباً. من لهب النيران. راحتا متدليتين متراخيتين في ذبول ودمامة. وعيناها. يالله لقد كانت عينين فعولين بالألباب فعل الخمر في النفس. أما الآن فقد ذهب عنهما ذلك الصفاء الذي كان أكبر
стр. 3292
جمالها. وتولت نلك الطهارة التي كان تطل منهما. وكأنها لم تعرف ماذا تصنع بيديها ها فقد تركتهما بقذارتهما فوق بذلتها.
قال الأمير. إنني لموفور الحظ إن وجدت هذا الكرم منكم. فاستضحكت ومشت تريد الباب فاستوقفها الفتى متوسلاً وهو يقول. ألا تتحملين المكث بجانبي ريثما أنتهي من الطعام.
فأجابت. لا. لا أستطيع
قال الفتى معيداً الرجاء. ولكن تلك منة كبرى تصنعينها لي. فنظرت إليه نظرة حادة وضحكت ضحكة بغاء وقالت. نعم إنها لمنة وصنيع كبير.
ولم تشمئز نفس الفتى أشد مما اشمأزت من تلك النظرة المتكلفة. ومن علمها بحقيقته وتجاهلها له. وذلك المظهر الخداع الذي ظهرت به.
فانحنى على الرغيف الذي أمامه وراح يقضم قطعة الجبن التي قدمت له وشاح بصره عنها. فلما رفعه بعد فترة رآها قد وقفت بجانب الحائط وهي تنظر إليه نظرات خبيثة ماكرة شهوانية.
قال الأمير. إنك لتذكرينني بفتاة عرفتها منذ دهر بعيد فهل تحزرين من تكون تلك الفتاة.
فلم تجب
وأعاد الأمير السؤال. لقد كانت فتاة أحبها وأهيم بذلك الحب.
فانطلقت الفتاة في نوبة من الضحكات العصبية وأطالت بوجهها وقالت - إنك لفظيع. . . .
وفي تلك اللحظة. وما كادت هذه الكلمات تخرج من فم الفتاة حتى تولى الأمير اشمئزاز شديد فأخرج قطعاً فضية من النقود وطرحها على المائدة ورفع قبعته إلى رأسه وفر من البيت عاديا.
وسمع وراءه صوت الشيخ يصيح به. . . أنت يا هذا هل دفعت ثمن ما طعمت!.
فأجابه بايماءة الايجاب ومضى نافذاً في الحقول.
ومضت ساعة وهو يمشي لا يلوي على شيء. ثم وقف تحت ظل سرحة عظيمة هناك مفكراً سارحاً في بيداء الفكر وما عنم أن قال لنفسه إذ ذاك. ولكن لا تزال لي ذلك حريتي، وكأنما سمع إذ ذاك كل ما حوله يصيح به صيحة هازئة ساخرة قائلة. كلا. كلا أين حريتك يا أبله.
стр. 3293
فجلس ثمت وأخفى عينيه في راحتيه وراح يئن ويبكي ويقول لنفسه. . لقد طرحت كل شيء. لقد نبذت الواجب. ورميت الشرف. وبذلت كل شيء ضحية وفدى ولن أستطيع بعد ما أصبحت هزؤة وسخرية في أعين الشعب والأمة أن أحاول رجوعاً إلى القصر.
وأخرج ساعة ونظر فيها فإذا الساعة الثالثة وعلم أنه يبعد عن العاصمة بمائتين وخمسين ميلاً وسيفتح المقصف والمرقص في الساعة التاسعة. ورأى أنه لو قطع أربعين من الأميال في الساعة - استطاع أن يكون على أبواب القصر في ذلك الميعاد، فلم تكد تجول في نفسه الخواطر حتى نهض واثباً من مجلسه. وعدا يجري بحمية هائلة إلى الوادي، ولكنه ما عتم أن فكر في ألأميرة فوقف في مكانه وتصور أنه قد يصل فلا يراها. وتقع إذ ذاك الفضيحة ولكن شعبه وواجبه نحو شعبه وأمته. وجعل يقول لنفسه أنهم على مر الزمن سينسون نبأ الأميرة التي هربت. وسيتزوج أميرة أخرى غيرها. ثم أبواه. أبواه. الملك الشيخ والملكة فصاح بنفسه. ما كان أحمقني وأضلني. كيف قبلت ذلك وكيف رضيت لها أيضاً أن تفعل ذلك.
ووجد نفسه بعد هذا يجري مطلقاً للريح ساقيه. واثباً لجداول الصغيرة عادياً فوق مياهاهها الضاحكة. متخطياً الجذوع المحطمة - وفروع الشجر المتساقطة.
أما الأميرة الفتاه فبلغت الاسطبلات وقد دقت الساعة واحدة وأرت عندها غلاماً يملأ وعاء من بئر هناك فنادته وسألته على رجلها المنشود فأجب الصبي أنه يعرف مكانه وانطلق يعدو ليناديه وفي الحال أقبل الرجل يمشي وراء الغلام فلما أشرف عليها تولاها شيء من الرعب إذ لاح الرجل في عينها كأنه مخيف الطلعة عن كثب وأشار الغلام بأنملته صوب الفتاة والتقط وعاءه ومضى منصرفاً وتقدم الرجل فإذا وجهه أحمر مجعد قذر.
قالت الفتاة تخاطبه. آه. هاأنت قد جئت. .
فرد الرجل قائلاً. . . هل من خدمة يا آنسة؟.
فاجابت - ألا تعرفني. . .
فهز رأسه وكشفت هي اللئام عن وجهها فنظر وحدق البصر للحال أجفل وتراجع.
قالت. . ما رأيك الآن.
فلعق شفتيه مضطرباً وقال متلعثماً ماذا تريدين يا صاحبة السمو.
стр. 3294
فعجبت الفتاة وقالت. هل أخفتك. ولم الخوف. لقد قطعت كل هذه الشقة لكي. . .
فقاطعها الرجل بقوله. حسبك يا مولاتي. لا تنبئيني بذلك أتوسل إليك. لا تنبئيني. لقد تكون منك دعاية وأمراً بسيطاً للغاية ولكنه عندي أمر عظيم وخطب كبير. .
قالت الأميرة. بل هو عندي كذلك. أنني أجد ولا أمزح.
فهز رأسه هزة أخرى وقال بسرعة. لقد كنت أحمق مغفلاً. لقد سلكت مسالك الحمقى الأغرار ولكني اعتبرت بالدرس الذي تعلمت فلا ينبغي للإنسان أن يتعالى إلى مصاف الذين هم فوق مرتبته.
فنظرت إليه الأميرة مندهشة ومضى هو يقول. نعم. لقد اعتبرت يوم طردوني فكدحت في ذلك العهد ورأيت المرين في الغيش. . . . وقد كلفتني تلك الدقائق الثلاث من عمري أعواناً ثلاثة. ولا نفع الآن في ذلك ولا فائدة. فإن علي مسئولية كبرى اليوم. ولا علم لم جئت الآن وأي باعث ساقك إلي. فهلا أسديت إلي يا صاحبة السمو يا مولاتي الأميرة. أكبر الصنيع. بذهابك فإنني أخشى وأفرق من مقدمك.
فصمتت الأميرة هنيهة ثم قالت وهي تعيد اللئام إلى وجهها. . . أي مسئولية تعني؟
قال الرجل. أجل مولاتي. إنني الآن رجل متزوج ثم. . . . . فوجمت الأميرة وانبرت تقول. أعرف ذلك ولكني لا أدري باعث اضطرابك. إنني إنما جئت لأهنك بالزواج. . . .
وتولت عنه دون كلام وانطلقت.
فلما ابتعدت راحت تبكي قائلة لنفسها. كان ينبغي أن لا يدعني أحضر. أين أذهب الآن. لا أستطيع العودة إلى القصر. أين الذهاب. أين الذهاب. أين الذهاب.
وأنت أيها القارئ تعلم أن المشكلة التي تشغل ذهن الرجل منا ساعات طوالاً في سبيل حلها والتخلص منها لا تأخذ في ذهن المرأة أطول من دقائق قلائل ولحظات ولهذا لم تلبث الفتاة أن نفذت من العوسج فبلغت سيارتها التي تركنها على الطريق وفي لحظات كانت تنهب الأرض بها نهباً تريد العاصمة.
* * *
وما كادت تدق الرابعة حتى كان إيفولت قد أدرك القرية التي ودع عندها الأميرة وجعل الناس يفرون من طريق سيارته على اليمين وعلى الشمال عزين. والسيارة منطلقة تطوي
стр. 3295
الطريق طياً. وقد جعل لفتى يقول لنفسه. الآن. ليبس شيء أمامي سأصل في الموعد المضروب للمرقص.
ولكن هناك على مسافة غير بعيدة منه كانت الأميرة كذلك تسير بمركبتها بسرعة هائلة.
وما عتمت الشمس أن اختفت وراء الجبال وعم الظلام الأرض فقالت الفتاة لنفسها. لا أستطيع نظراً في هذه الظلمة ولكن لم يبق علي إلا ستون ميلاً. وهي ليست بالمسافة الكبرى وينبغي أن لا أحدث بغيابي فضيحة ما.
وانطلقت ولكن لم يلبث أن وقفت السيارة وقد تحطمت عجلاتها الأمامية فأرادت أن تعالج دفع السيارة فمضت العجلة حتى سقطت في حفرة صغيرة على جانب الطريق. فتولى الأميرة البأس وجلست في مقعد السيارة تبكي وتنتحب وحجبها الظلام بستارة واختفت دموعها في حلكته وللحال اخترق الجو صوت مهمهم أشبه شيء بصةت سيارة تعدو الأرض وجعل الصوت يزداد ويعلو فصرخت. . . . هذه سيارة!. . فنهضت من مجلسها ورفعت ذراعيها وقد دنت المركبة قليلاً وإذ ذاك تبينت السيارة فصاخت لنفسها هذا ايفولت. هذا ايفولت!. ولكن الأمير لم ير إلا لمحة من شبح الظلام وظل سيارة مرتطمة في الحفرة فانفلت سريعاً في الطريق وانطلق بآخر سرعة العجلة إذ كان يريد أن يبلغ القصر على جناح البرق. ولم يحتاج الأمر إلى الوقوف إلى إنقاذ هذا الراكب وسيارته المحطمة.
فوقفت الأميرة وهي في أشد حالات البأس لا تدري ماذا تصنع.
وإذ ذاك مر رجل على دراجة بخارية موتوسيكل وهو ينهب الأرض نهباً حتى كاد يصطدم بها ويدهمها وهي واقفة على الطريق مذهولة اللب، وكان اجتناب لاصطدام بها ليس في مكنته فأخذها في طريقه وجعلت تتحرج أمام الدراجة حتى استطاع أن يوقفها.
ونزل الرجل وقد تولاه الجزع وقال للفتاة - وهو ينهضها من سقطها. . . . لم يكن ينبغي أن تقفي في وسط الطريق والظلام حالك. هل جرحت؟
ولكن الأميرة لم تحفل بألم العثرة إذ رأت وسيلة الخلاص قد تمهدت لها. وعاجلته بقولها. كلا. لم يصبني شيء. بل أريد أن أبلغ العاصمة. أنك ستأخذني إلى العاصمة فهز الرجل رأسه وقال. آسف يا آنسة. فإنني على رهان اليوم، وقد كدت أكسب مائة جنيه فإذا أخذتك فأنا ولا ريب خاسرها.
следующие страницы →