Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
غشيان تلك العهود والروحات الحسناء الناعمة. وهناك من خلال طائفة من السرح المتطاول الافرع. رأى دخاناً متكاثفاً في الجو متصاعداً. تلك هي المزرعة. هناك تخيل بأنه سيراها بتلك الفروع الحمراء والعين الرانية. وجلال البساتين يحف بها ويكسو بدنها الغض اللدن الجميل.
هنا تنفس طويلاً وانطلق يجد السير إلى الموضع فلما بلغه وجد عنده رجلاً جالساً لدى باب منزل هناك يدخن في قصبة طويلة له. وينظر فيما حول هـ نظرة فارغة مذهولة وهو في سكون تام. فتبينه الأمير فإذا هو خال الفتاة وإنما علته الستون وأثرت في معالم وجهه كرة الأعوام.
فدنا من الأمير وحياه تحية القرويين وقال_انني ضللت الطريق وبي جوع شديد فهل لك أن تطعمني؟
فأخرج الرجل القصبة من فمه وأجاب. إذا دفعت ثمن ما تطعم. قال الفتى؟ هذا ما لا شك فيه.
ومشى الرجل بالأمير فاخترقا فناء البيت حتى بلغا حجرة أشبه شيء بالمطبخ وترك الرجل الأمير وهو يقول. سأخبر ها أن تهيء لك الطعام.
وانطلق من باب آخر مكث ألأمير يرتقب الطعام أمام مائدة مهشمة بالية وشعر ذاك أن يديه ترتجفان وقد جف ريقه وقد سرت في نفسه حاسة الانتظار والتلهف والخوف من أن يفسد عليه ذلك الحلم المعسول الذي كان يتخيله في صحوه ومنامه، فبعد مدة قصيرة حسبها أجيلاً وأدهاراً فتح الباب بدفعة صينية تحملها يد فتاة قروية الملامح وتقدمت فوصعت الصينية أمامه فوق المائدة وقالت هذا كل ما نستطيع أن نطعكمه، فسكت الأمير وتنفس طويلاً وراح يجيل فيها البصر.
كان شعرها معقوصاً في غير نظام. مجدولا في غير نسق أو إبداع. مهملاً أشعث مغفلاً. وحاجبها مجعداً وقد بدت الغصون والمكاسر في جلدة خديها وصفحة وجهها. وكانت شفتاها. تلك الشفتان اللتان كان يتخيلها كآخر عهده بهما قطعة من الارجوا، ولهيباً. من لهب النيران. راحتا متدليتين متراخيتين في ذبول ودمامة. وعيناها. يالله لقد كانت عينين فعولين بالألباب فعل الخمر في النفس. أما الآن فقد ذهب عنهما ذلك الصفاء الذي كان أكبر
стр. 3292
جمالها. وتولت نلك الطهارة التي كان تطل منهما. وكأنها لم تعرف ماذا تصنع بيديها ها فقد تركتهما بقذارتهما فوق بذلتها.
قال الأمير. إنني لموفور الحظ إن وجدت هذا الكرم منكم. فاستضحكت ومشت تريد الباب فاستوقفها الفتى متوسلاً وهو يقول. ألا تتحملين المكث بجانبي ريثما أنتهي من الطعام.
فأجابت. لا. لا أستطيع
قال الفتى معيداً الرجاء. ولكن تلك منة كبرى تصنعينها لي. فنظرت إليه نظرة حادة وضحكت ضحكة بغاء وقالت. نعم إنها لمنة وصنيع كبير.
ولم تشمئز نفس الفتى أشد مما اشمأزت من تلك النظرة المتكلفة. ومن علمها بحقيقته وتجاهلها له. وذلك المظهر الخداع الذي ظهرت به.
فانحنى على الرغيف الذي أمامه وراح يقضم قطعة الجبن التي قدمت له وشاح بصره عنها. فلما رفعه بعد فترة رآها قد وقفت بجانب الحائط وهي تنظر إليه نظرات خبيثة ماكرة شهوانية.
قال الأمير. إنك لتذكرينني بفتاة عرفتها منذ دهر بعيد فهل تحزرين من تكون تلك الفتاة.
فلم تجب
وأعاد الأمير السؤال. لقد كانت فتاة أحبها وأهيم بذلك الحب.
فانطلقت الفتاة في نوبة من الضحكات العصبية وأطالت بوجهها وقالت - إنك لفظيع. . . .
وفي تلك اللحظة. وما كادت هذه الكلمات تخرج من فم الفتاة حتى تولى الأمير اشمئزاز شديد فأخرج قطعاً فضية من النقود وطرحها على المائدة ورفع قبعته إلى رأسه وفر من البيت عاديا.
وسمع وراءه صوت الشيخ يصيح به. . . أنت يا هذا هل دفعت ثمن ما طعمت!.
فأجابه بايماءة الايجاب ومضى نافذاً في الحقول.
ومضت ساعة وهو يمشي لا يلوي على شيء. ثم وقف تحت ظل سرحة عظيمة هناك مفكراً سارحاً في بيداء الفكر وما عنم أن قال لنفسه إذ ذاك. ولكن لا تزال لي ذلك حريتي، وكأنما سمع إذ ذاك كل ما حوله يصيح به صيحة هازئة ساخرة قائلة. كلا. كلا أين حريتك يا أبله.
стр. 3293
فجلس ثمت وأخفى عينيه في راحتيه وراح يئن ويبكي ويقول لنفسه. . لقد طرحت كل شيء. لقد نبذت الواجب. ورميت الشرف. وبذلت كل شيء ضحية وفدى ولن أستطيع بعد ما أصبحت هزؤة وسخرية في أعين الشعب والأمة أن أحاول رجوعاً إلى القصر.
وأخرج ساعة ونظر فيها فإذا الساعة الثالثة وعلم أنه يبعد عن العاصمة بمائتين وخمسين ميلاً وسيفتح المقصف والمرقص في الساعة التاسعة. ورأى أنه لو قطع أربعين من الأميال في الساعة - استطاع أن يكون على أبواب القصر في ذلك الميعاد، فلم تكد تجول في نفسه الخواطر حتى نهض واثباً من مجلسه. وعدا يجري بحمية هائلة إلى الوادي، ولكنه ما عتم أن فكر في ألأميرة فوقف في مكانه وتصور أنه قد يصل فلا يراها. وتقع إذ ذاك الفضيحة ولكن شعبه وواجبه نحو شعبه وأمته. وجعل يقول لنفسه أنهم على مر الزمن سينسون نبأ الأميرة التي هربت. وسيتزوج أميرة أخرى غيرها. ثم أبواه. أبواه. الملك الشيخ والملكة فصاح بنفسه. ما كان أحمقني وأضلني. كيف قبلت ذلك وكيف رضيت لها أيضاً أن تفعل ذلك.
ووجد نفسه بعد هذا يجري مطلقاً للريح ساقيه. واثباً لجداول الصغيرة عادياً فوق مياهاهها الضاحكة. متخطياً الجذوع المحطمة - وفروع الشجر المتساقطة.
أما الأميرة الفتاه فبلغت الاسطبلات وقد دقت الساعة واحدة وأرت عندها غلاماً يملأ وعاء من بئر هناك فنادته وسألته على رجلها المنشود فأجب الصبي أنه يعرف مكانه وانطلق يعدو ليناديه وفي الحال أقبل الرجل يمشي وراء الغلام فلما أشرف عليها تولاها شيء من الرعب إذ لاح الرجل في عينها كأنه مخيف الطلعة عن كثب وأشار الغلام بأنملته صوب الفتاة والتقط وعاءه ومضى منصرفاً وتقدم الرجل فإذا وجهه أحمر مجعد قذر.
قالت الفتاة تخاطبه. آه. هاأنت قد جئت. .
فرد الرجل قائلاً. . . هل من خدمة يا آنسة؟.
فاجابت - ألا تعرفني. . .
فهز رأسه وكشفت هي اللئام عن وجهها فنظر وحدق البصر للحال أجفل وتراجع.
قالت. . ما رأيك الآن.
فلعق شفتيه مضطرباً وقال متلعثماً ماذا تريدين يا صاحبة السمو.
стр. 3294
فعجبت الفتاة وقالت. هل أخفتك. ولم الخوف. لقد قطعت كل هذه الشقة لكي. . .
فقاطعها الرجل بقوله. حسبك يا مولاتي. لا تنبئيني بذلك أتوسل إليك. لا تنبئيني. لقد تكون منك دعاية وأمراً بسيطاً للغاية ولكنه عندي أمر عظيم وخطب كبير. .
قالت الأميرة. بل هو عندي كذلك. أنني أجد ولا أمزح.
فهز رأسه هزة أخرى وقال بسرعة. لقد كنت أحمق مغفلاً. لقد سلكت مسالك الحمقى الأغرار ولكني اعتبرت بالدرس الذي تعلمت فلا ينبغي للإنسان أن يتعالى إلى مصاف الذين هم فوق مرتبته.
فنظرت إليه الأميرة مندهشة ومضى هو يقول. نعم. لقد اعتبرت يوم طردوني فكدحت في ذلك العهد ورأيت المرين في الغيش. . . . وقد كلفتني تلك الدقائق الثلاث من عمري أعواناً ثلاثة. ولا نفع الآن في ذلك ولا فائدة. فإن علي مسئولية كبرى اليوم. ولا علم لم جئت الآن وأي باعث ساقك إلي. فهلا أسديت إلي يا صاحبة السمو يا مولاتي الأميرة. أكبر الصنيع. بذهابك فإنني أخشى وأفرق من مقدمك.
فصمتت الأميرة هنيهة ثم قالت وهي تعيد اللئام إلى وجهها. . . أي مسئولية تعني؟
قال الرجل. أجل مولاتي. إنني الآن رجل متزوج ثم. . . . . فوجمت الأميرة وانبرت تقول. أعرف ذلك ولكني لا أدري باعث اضطرابك. إنني إنما جئت لأهنك بالزواج. . . .
وتولت عنه دون كلام وانطلقت.
فلما ابتعدت راحت تبكي قائلة لنفسها. كان ينبغي أن لا يدعني أحضر. أين أذهب الآن. لا أستطيع العودة إلى القصر. أين الذهاب. أين الذهاب. أين الذهاب.
وأنت أيها القارئ تعلم أن المشكلة التي تشغل ذهن الرجل منا ساعات طوالاً في سبيل حلها والتخلص منها لا تأخذ في ذهن المرأة أطول من دقائق قلائل ولحظات ولهذا لم تلبث الفتاة أن نفذت من العوسج فبلغت سيارتها التي تركنها على الطريق وفي لحظات كانت تنهب الأرض بها نهباً تريد العاصمة.
* * *
وما كادت تدق الرابعة حتى كان إيفولت قد أدرك القرية التي ودع عندها الأميرة وجعل الناس يفرون من طريق سيارته على اليمين وعلى الشمال عزين. والسيارة منطلقة تطوي
стр. 3295
الطريق طياً. وقد جعل لفتى يقول لنفسه. الآن. ليبس شيء أمامي سأصل في الموعد المضروب للمرقص.
ولكن هناك على مسافة غير بعيدة منه كانت الأميرة كذلك تسير بمركبتها بسرعة هائلة.
وما عتمت الشمس أن اختفت وراء الجبال وعم الظلام الأرض فقالت الفتاة لنفسها. لا أستطيع نظراً في هذه الظلمة ولكن لم يبق علي إلا ستون ميلاً. وهي ليست بالمسافة الكبرى وينبغي أن لا أحدث بغيابي فضيحة ما.
وانطلقت ولكن لم يلبث أن وقفت السيارة وقد تحطمت عجلاتها الأمامية فأرادت أن تعالج دفع السيارة فمضت العجلة حتى سقطت في حفرة صغيرة على جانب الطريق. فتولى الأميرة البأس وجلست في مقعد السيارة تبكي وتنتحب وحجبها الظلام بستارة واختفت دموعها في حلكته وللحال اخترق الجو صوت مهمهم أشبه شيء بصةت سيارة تعدو الأرض وجعل الصوت يزداد ويعلو فصرخت. . . . هذه سيارة!. . فنهضت من مجلسها ورفعت ذراعيها وقد دنت المركبة قليلاً وإذ ذاك تبينت السيارة فصاخت لنفسها هذا ايفولت. هذا ايفولت!. ولكن الأمير لم ير إلا لمحة من شبح الظلام وظل سيارة مرتطمة في الحفرة فانفلت سريعاً في الطريق وانطلق بآخر سرعة العجلة إذ كان يريد أن يبلغ القصر على جناح البرق. ولم يحتاج الأمر إلى الوقوف إلى إنقاذ هذا الراكب وسيارته المحطمة.
فوقفت الأميرة وهي في أشد حالات البأس لا تدري ماذا تصنع.
وإذ ذاك مر رجل على دراجة بخارية موتوسيكل وهو ينهب الأرض نهباً حتى كاد يصطدم بها ويدهمها وهي واقفة على الطريق مذهولة اللب، وكان اجتناب لاصطدام بها ليس في مكنته فأخذها في طريقه وجعلت تتحرج أمام الدراجة حتى استطاع أن يوقفها.
ونزل الرجل وقد تولاه الجزع وقال للفتاة - وهو ينهضها من سقطها. . . . لم يكن ينبغي أن تقفي في وسط الطريق والظلام حالك. هل جرحت؟
ولكن الأميرة لم تحفل بألم العثرة إذ رأت وسيلة الخلاص قد تمهدت لها. وعاجلته بقولها. كلا. لم يصبني شيء. بل أريد أن أبلغ العاصمة. أنك ستأخذني إلى العاصمة فهز الرجل رأسه وقال. آسف يا آنسة. فإنني على رهان اليوم، وقد كدت أكسب مائة جنيه فإذا أخذتك فأنا ولا ريب خاسرها.
стр. 3296
فقالت الأميرة وهي مصرة. ولكنك ستأخذني إليها. . يجب أن تفعل. يجب أن تفعل.
قال الرجل ببرود. . لا أرى سبباً موجباً على ذلك فتلك صفقة طيبة وأنا رجل أعيش من أمثال هذه المراهنات. .
فقالت الأميرة. أنا السبب الذي يوجب عليك ذلك. . . ألا تنظر إليّ لتعرف من أكون؟.
وحسرت قناعها ووقفت أمام مصباح دراجتة فما كاد الرجل يبصر وجهها حتى تلعثم واضطرب وصاح. يا إله السموات. ولكن ماذا جاء بك إلى هذا المكان يا صاحبة السمو.
قالت الفتاة. أعرف أنني كنت فيما ارتكبته حمقاء. . طائشة. لقدر أردت فراراً والآن أريد عوداً مسرعاً. وها أنت رجل مهذب وعليك أن تعينني على بلوغ العاصمة.
قال الرجل. لست رجلاً مهذباً يا مولاتي. وإنما أنا صانع عادي لا أقل ولا أكثر ولكني فاعل ذلك دون سؤال. هلمي واصعدي ورائي.
وواصلت الفتاة الملوكية مسيرها خلف الرجل ورديفة فوق العجلة وقد أمسكت بذراعيه وطوقت خصره بيديها.
* * *
وكانت قاعة الاستقبال في القصر في الموعد المضروب وخاصة بالاضياف والمدعوين وعلا القوم الدهشة إذ رأوا الأمير ايفولت يدخل القاعة وحده بلا عروسه. ولم تظهر على الملكة والملك علائم الدهشة إذ دنا فتاهما منهما وانحنى انحاءة الملوك للملوك ولكن الملك الشيخ همس له في أذنه - لقد قطعت المسافة بنجاح تام. ولكن أين الأميرة؟
فهز ايفولت رأسه وقال. إنها لن تعود.
فنظر الملك إلى الملكة وألقت هي ببصرها إليه.
قال إيفولت هل أنبئ المدعوين؟.
قال الملك نعم. ولكن برفق. لنقل إن الأميرة لم يرق له المقام في أرضنا الجديدة.
فأرسل الأمير نفساً صاعداً وبدأ خطبته فقال:
سيداتي. سادتي!
وللحل انفتح الباب وبدت الأميرة في ثوب أبيض فضفاض مزركش وهي تقول. هل تأخرت، وأردفت كلمتها المتواضعة الظريفة بابتسامة ملكت بها قلوب الحاضرين. . . . .
стр. 3297
* * *
ووجد الأمير نفسه في خلوة وعروسه بعد ساعات فهمس لها في أذنها. . . لن نعود إلى الفرار من بعضنا بعد اليوم. . . . .
стр. 3298
الحاوى
كل قارئ. ولا ريب يعرف الحلوى. ولطالما أعجبته أما به يوم كان طفلاً. ولطالما استوقفته الزحمة التي حوله وهو راجع من (الكتّاب) يجمل اللوح تحت ابطه وألهته الألعاب التي كان يشاهدها من الحلوى عند العودة إلى المنزل حتى أشفق أهله من غيابه. فأرسلوا في أثره المنادي ينادي يا عدوي.
هذا ولا ريب أمر معلوم لأطفال الدنيا الكبار منهم والصغار وقد اخترنا هذا العنوان لباب من أبواب البيان يفتح على طائفة كبيرة من الفكاهات الفلسفية والمقالات المفرحة المبهجة والخواطر المليحة النادرة إذ تجتمع الحكمة والفكاهة في إطار واحد.
وقد آثرنا أن نفتح هذا الباب بنشر المقالات عدة لكاتب من كبار كتاب الغرب يعد في الصفوف الأولى من الفلاسفة المضحكين. والكتاب المتهكمين. بما انما زعن الكتاب الآخرين، براعة أسلوب. ولطف منحى، وسعة روح، وتهكم حلو في حدود الحق. وهو الكاتب المشهور، المستر شسترتون.
وهو من الكتاب المعاصرين ألحياء. ويعد من كتاب الطبقة الأولى.
سر النجاح
في عصرنا هذا ظهر نوع خاص من الكتب والمقالات أشهد حقاً لا حانثاً ولا كاذباً أنها أسخف ما اخرج الناس في الدنيا كلها. فهي أكثر غرابة من اغرب روايات الحب والفروسية وأثقل ظلاً من الكتب الدينية وفضلاً عن ذلك فإن روايات الحب والفروسية هي كتب تدور حول الحب والفروسية. والكتب الدينية هي عن الدين ولكن هذه الكتب التي أتكلم عنها هي عن لا شيء أو هي عما يسمونه النجاح ففي جميع رفوف المكاتب. وفي كل مجلة ترى أيها القارئ كتباً ومصنفات وأبحاثاً تبين للناس سبيل النجاح. وتبصرهم وترشدهم كيف ينجحون في الدنيا ويفوزون وهذه المصنفات والكتب وضعها كتاب ومؤلفون لم ينجحوا في أي شيء في الدنيا حتى ولا في كتابة الكتب. لأنه قبل كل شيء يجب أن تعرف أيها القارئ. أنه بالطبع لا يوجد بالعالم شيء كهذا يسمى النجاح أو إن شئت تعبيراً آخر فاعلم أن لا شيء في العالم إلا وهو ناجح. وأن تقول عن شيء أنه ناجح لا تزيد شيئاً عليه. فالناجح ناجح. والمليونير الناجح أي صاحب الملايين الناجح ناجح في
стр. 3299
انه مليونير. والحمار الناجح ناجح في انه حمار. والإنسان الحي قد نجح في انه عائش والميت كان يكون ناجحاً لو أنه انتحر.
إن هؤلاء الناس يريدون بكتبهم تلك أن يقولوا للإنسان العادي عن الطريقة التي يستطيع بها أن يبلغ النجاح في صناعته أو حرفته أو آماله أو أطماعه وكيف ينجح في العمارات والبناية إذا كان بناء أو (معمارياً) وفي السمسرة إذا كان سمساراً ويريدون بمؤلفاتهم هذه أن يشرحوا للصحافي (الترسو) و (الجيونالجي) الغلبان، كيف يصير في الصف الأول من أصحاب الصحف الكبرى. أو كيف يصبح عضواً في الجمعية التشريعية ويبينوا لليهودي الألماني كيف يصبر (من الأنكليز السكسون) وهذا بالحق مشروع لطيف، هذه شغلة تجارية جميلة. وأفتكر أن للناس الذين يشترون تلك الكتب إن كانت ثمت احد يبتاع كتباً مثل هذه حقاً أبيا - إن لم يكن حقاً قانونيا - في طلب فلوسهم واستراد أثمان تلك الكتب، إذ لا يجترئ مخلوق في الدنيا أن ينشر على الناس كتاباً في (الكهرباء) لم يحو شيئاً البتة عن الكهرباء، ولا يجسر إنسان على نشر مقال في علم النباتات يدل على أن الكاتب لا يعرف إذا كانت (الفجلة) تختفي في الأرض أو تظهر قبل الذيل على الأرض. ومع ذلك لا تزال دنيانا الحاضرة مخنوقة بالكتب الدائرة حول النجاح والناجحين. وهي لا تحتوي أية فكرة على الإطلاق ولا معنى لها ولا قيمة.
ومما لا شك فيه أن لا توجد في كل صناعة شريفة كضرب الطوب أو كتابة الكتب إلا وسيلتان للنجاح، إما أن يؤدي صاحب الصنعة عملاً جيداً وإما أن يغش، وكلا الوسيلتين من السهولة والبساطة بحيث لا حاجة إلى شرح أو تفسير. فإذا كنت حاذقاً في الوثب العالي في الألعاب الرياضية فإما أن تثب أعلى من أي واثب آخر، إما أن تحال على الإدعاء بأنك وثبت كذلك. وإذا أردت النجاح في لعبة الويست - الميسر - فإما أن تكون من مهرة اللاعبين إما أن تغش الورق وتلعب بأوراق معلمة أو منقطة وأنا لا أنكر أنك قد تحتاج إلى كتاب ف يطرق الوثب والنط أو قد تحتاج إلى كتاب في النجاح كتلك الكتب التي تراها اليوم منثورة بالمئات في الكتبية وسوق الكتب، نعم قد تريد الوثب أو تطلب اللعب بالورق ولكنك لا تحتاج إلى قراءة صفحات عديدة لا تخرج منها إلا بأن بالوثب وثب والقفز قفز وأن الألعاب يكسبها الناجحون، على أنه لو أراد هؤلاء الكتاب أن يقولوا شيئاً ذا معنى في
стр. 3300
موضوع الوثب والنجاح فيه. ينبغي للواثب أن يضع غرضاً معيناً معيناً نصب عينيه ويجب أن تكون رغبته موجهة بكليتها إلى الوثب أعلى من المبارين والمتسابقين جميعاً. ويجب أن لا يدع لأية عاطفة من عواطف الشقفة سبيلاً إلى منعه من بذل قصارى جهده بل لا يجب أن لا يبرح عن باله أن المباراة في الوثب هي مباراة. . . بحق وحقيق. وإن الضعفاء، كما قال دارون، يجب أن يتلهوا، على أعينهم فلو كان كاتباً منهم كتب هذه كلها أو بعضها لكان منه خير ولكانت منه فائدة لو قرئ على فتى يانع قبل أن يدخل في مسابقة الوثب العالي أو لو وضع هذا الكاتب واشباهه مؤلفاً في لعب الورق فأولى به أن يقول في تأليفه. . . لا بد في لعب الورق من الحذر في الوقوع في الخطر الشائع بين الإنسانيين والكماليين من اهل الدنيا والقائلين بحرية التجارة. وهو أن تسمح لمزاحمك وقرتك في المباراة بأن يكسب الرهان. بل ينبغي أن تضع كل همك في الفوز فإن أيام المذاهب الكمالية والتسامح والعواطف قد زالت ودالت ولتها. واننا نعيش في عصر العلم، وعصر العقل وإذا لم يكسب أحد القرنين السباق. فسيكسبه من غير كلام قرنه الآخر.
كان كل هذا يكون صالحاً لو عمد إليه كتاب. . . النجاح. ولكنني اعترف بأنني إذا أحببت اللعب فإنني أفضل على كل هذا كتاباً صغيراًً يشرح لي قواعد اللعب وطرقه. وبعد القواعد والطرق لا أريد شيئاً. فإن الموضوع بقى بعد ذلك موضوع ذكاء أو موضوع غش، وعلي أنا أن ألجأ إلى الأول أو أختار الثاني.
وقد وقعت في يدي يوماً مجلة من المجلات فوجدت مثالاً غريباً استشهد الآن به، إذ في المجلة مقال بعنوان الغريزة التي تجعل الناس أغنياء، وقد صار ذلك المقال بصورة ضخمة للورد روتشيلد، ونحن نعرف أن هناك وسائل عديدة. بين وسائل شريفة، ووسائل سافلة خادعة دنيئة، تجعل من الناس أغنياء وثراة. أما أن تكون هناك غريزة تجعل القوم أغنياء فلا نعرف فلا أعرف شيئاً عن ذلك إلا ما يسميه رجال الدين، رذيلة البخل والشح، وأنا أريد أن أختطف الشذرة الآتية من ذلك المقال الموضوع ل تفهيم الناس سبل النجاح في الحياة. . .
إن اسم فندربلت (١) وكلمة ثراء لفظتان مترادفتان لمعنى واحد وهو الثراء الذي اكتسب بفضل المشاريع والأعمال الخطيرة. ولكن ذلك الرجل العظيم إنما أنشأ أول مرة نشأة
стр. 3301
صغيرة. أعني ابن فلاح فقير فانتهى أمره بأن أصبح مليونير بل قل أكبر من مليونير بعشرين مرة وما ذلك إلا لأنه كان يملك غريزة تكثير المال وتنميته ولأنه كان ينتهز الفرص السوانح التي تعرض له - الرفص التي مهد لها استخدام الآلة البخارية في تسيير السفن على صدر الاوقيانوس. وبفضل كل أولئك استطاع أن يجمع ثروة كبرى.
ولكن مما لا ريب فيه أننا لا نستطيع جميعاً أن نقتفي أثر ذلك الملك العظيم ملك السكة الحديد لأن الفرص التي وقعت له لا تقع لنا بحذافيرها. ولأن الظروف تغيرت، وإنما نستطيع على الرغم من كل هذا أن نتبع طرقه العامة بأن ننتهز الفرص التي تمهد لنا ونحتال بكل ما نستطيع على بلوغ الثراء.
من كل هذه النعمة نستطيع الآن أن ندرك ما وراء كل هذه المقالات وأشباهها وتلك الكتب وإضرابها، فليس المقصود العمل والاجتهاد، والدأب والسعي وإنما هو جلال المال وغموض مسألة الثروة وجمعها وهذا المقال يدا دلالة واضحة على أن الكاتب لا يدري شيئاً قط عن الطريقة التي جمع بها فندربلت ماله وثراءه ولا عن الطريقة التي يجمع بها أي إنسان آخر المال. ولا أنكر أنه رسم خطة في هذه الأسطر ولكنها ليست الطريقة التي اتبعها فندربلت أصلاً. وإنما أراد من كل هذا أن يسجد للغز المال وجمعه وتنميته ووفرته، لأننا عند ما نعيد شيئاً من الأشياء لا نولع إلا بالناحية الغامضة الرهيبة منه فمثلاً عندما يعشق رجلاً امرأة لا يلذه منها ولا يروق في عينيه من خصالها إلا غرابة أطوارها وتدللها وطفولة عقلها، وكذلك الشاعر المتدين المؤمن الذي يحب دائماً أن يصور الخالق في صورة غامضة جد الغموض ولكن الكاتب الذي بسطنا كلامه ليس أمام إله أو خالق ولا هو متعشق امرأة وإنما الشيء الذي يعشقه ويعبده هو فندربلت فهو ينظر إلى نظر المؤمن إلى الله وهو لا يكتم سروره وفرحه بأن إلهه فندربلت يخفي عنه سراً له مكتوماً بل أن روحه لتمتلئ ابتهاجاً ولذة ومكراً وخبثاً أشبه بخبث القساوسة ومكرهم إذ يريد أن يكشف للناس اللئام عن هذا السر الذي لا يدري منه حرفاً.
وقد انتقل الكاتب إلى الكلام عن الغريزة التي تجعل الناس أغنياء فقال: (في العصور الغابرة كانت هذه الغريزة مفهومة على حقيقتها وقد عبدها اليونان القدماء باختراع قصة الملك ميداس الذي كلما لمس شيئاً استحال في يده ذهباً وكثيرون أمثال ميداس في هذا
стр. 3302
العصر والنجاح رائدهم في كل عمل لهم فهم لا يخيبون قط ولا يبوؤون بالفشل.
ولكن لسوء الحظ قد خاب ميداس لأنه جاع ومات من الجوع لأن كل شيء لمسه استحال ذهباً وكلما أمسك قطعة من البسكويت أو السندوتش انقلبت ذهباً في يده!. . .
نعم إن قصة ميداس هذه قصة خرافية فيها شيء من الحكمة ولكن لا يصح أن نطبقها على الأغنياء مثل فندربلت لأنه خاب ولم ينجح وطق من الجوع ثم لا تنسى أنه كان له أذنا حمار. وأنه أيضاً مثل بقية الأغنياء وسائر المثرين في العالم كان يجتهد في إخفائهما وكتم حقيقتهما عن الناس ولم يكن يعرف ذلك السر إلا حلاقه الذي أنزله منزلة الصديق ولكن هذا الحلاق الجنتلمان لم يقم بأدب الصداقة فأفشى السر.
إنني أنظر باحترام وتوقير وإكبار إلى صورة اللورد روتشيلد وأقرأ باحترام وإكبار ما يكتب عن فعال المستر فندربلت. وأعرف أنني لا أستطيع أن أقلب كل شيء ألمسه ذهباً ولكننني اعلم أيضاً أنني لم أحاول ذلك قط لأنني أفضل مواد أخرى مثل الحشيش أو النبيذ الجيد.
إنني أعلم أن هؤلاء الناس نجحوا في شيء من الأشياء وأنهم ملوك الأسواق، وكلنني مع ذلك أعرف أن هناك سراً دقيقاً في بيوت الأغنياء يحاولون دائماً أن يخفوه ولكنني لست حلاقهم حتى أكشف هذا السر!!
وجمالة القول دعنا نتوقع أن نعيش لنري تلك الكتب الطائشة قد علاها التراب وغبر عليها النسيان والاحتقار والاطراح، فإنها لا تعلم الناس كيف ينجحون، وإنما تعلهم كيف يروحون رقعاء أنطاعا، وهي تنشر بين الناس شعراً شريراً يتغنى بالدينونة والماديات.
стр. 3303
محاربة التدخين
وهل تنجح
بالأمس صاح بالعالم صائح أن أبطلوا شرب الخمر وأكسروا اقداحها، وقامت جمعيات عدة أسمت نفسها جمعيات الاعتدال ومقاومة المسكرات. وخطت أمريكا الخطوة الأولى في هذا السبيل فمنعت شرب الخمور منعاً ينص عليه القانون. وطاردت الخمر مطاردة نخشى أن تكون رفعت من قيمة الخمر في نظر الذين حرموا كؤوسها. ومنعوا تعاطيها. إذ ألذ شيء للإنسان ما منع. واليوم أهاب بالإنسانية صوت آخر يحذر الإنسانية من خطر التدخين. ويوصي الدنيا بمقاطعة التبغ والتنباك والسيجار، إذ قام في أمريكا مؤتمر جديد. ليس على غرار عصبة الأمم. ولا مؤتمر فيننا. ولا أشباه تلك المؤتمرات السياسية التي تلعب بمستقبل الإنسانية. ولطالما لعبت به. ولكنه مؤتمر غريب في ذاته وفي مسماه. وهو ذلك الذي أسموه في الولايات المتحدة الأمريكية مؤتمر مقاومة الصالونات وإليه يرجع الفضل في مقاومة شرب المسكرات في تلك البلاد. وبعد أن أتم تلك الخدمة الجلى لصالح أمريكا انطلق يبحث عن شيء آخر يمنعه. فجاء دور للتدخين. فأعدت لحرية العدة. وأفرغت جميع مجهوداتها لمقاومته. وقد وجدت الطريق ممهدة لها منذ سنين. لأن موضوع إبطال التدخين لم يكن جديداً في أمريكا. لأن بدئ منذ سنوات عدة. وكان آخر ما كتب فيه رسالة صغيرة عنوانها النيكوتين بعد ذلك أي حال دون إبطال التبغ. أو المادة السامة التي يحتوي عليها التبغ. ونعني بها هذا النيكوتين اللعين. وقد ظهرت تلك الرسالة عام ١٩١٨. وقد قامت جمعية اليوم بنشره وتوزيعه على كافة الناس. وهي جمعية نسوية بالطبع لأن رائحة التبغ تؤلم النساء قبل كل إنسان أسمت نفسها جمعية الاتحاد على مقامة المسكرات والمنبهات. وليس هذا الكتيب وحده كل ما أخرجته تلك الجمعية من رسائل التحذير. بل لا تزال تخرج كتيباً ورسائل عدة. تشرح فيها للناس أن خطر التدخين ليس أهون على الدنيا من خطر الشراب وتبين لهم أن كثيرين من كبار أهل الدنيا وعظمائها وقوادها لم يكونوا مدخنين في حياتهم.
وقد قصرت تلك الجمعية وأخوات لها أكبر همها على منع الفتيان والشبان والأحداث من الوقوع في عادة التدخين المضرة فقالت: إن البراهين العلمية على ضرر التبغ للشبان
стр. 3304
والأحداث كثيرة لا يحصى لها عد. ولما كانت الأمهات لا تحب أن ترى أولادها وشبابها يدخنون. كان لا بد من أن تستمد المقاومة عون الأمهات. ولا ضرورة لنداخل التشريع في منع الشبان وغيرهم من التدخين. ولا حاجة إلى سن القوانين. ونص النصوص. وتحديد العقوبات. لإبطاله. بل ينبغي أن يقوم أمر إبطاله على احتفاظ الناس بأمر صحتهم وبصرهم بعواقب هذه العادات الضارة المؤذية.
وقد قفت علي آثار تلك الجمعية جمعية أخرى وهي معهد إطالة العمر في أمريكا. وهذا المعهد يقوم بعمل خطير لتهذيب الحياة. وحفظ صحة الشعب الأمريكي. وطريقتها في المراسلة. والبريد. فهي تقدم للناس المستنصحين النصائح الغالية بطريق البريد في مقابل أجور زهيدة. وتقوم بفحص المرضى المستشفين. وتبعث التقارير الصحية للجمعيات والأندية ولأصحاب المتاجر ولحوانيت لحفظ عمالها ورجالها. وقد جعلت في هذه الأيام الأخيرة تنشر رسالات صغيرة تحت هذا العنواناحفظ صحتك ومن هذه الكتيبات كتاب جديد كتبت فيه مسألة التدخين وأظهرت مضاره ووجوده وأذاه. من الوجهتين الصحية والمادية وهي ترجع معظم الأمراض والمتاعب البدنية إلى علة التدخين وقد قالت في أحد كتبها. في مدي الستة الأشهر المنصرمة كتب الكتاب نحواً من ثلثمائة ألف سطر ظهرت في نحو أربعمائة كتاب في موضوع ضرر التدخين وتصوير الخطر الذي ينجم عنه فمن شاء أن يقتنع بصحة ذلك فليقرأ تلك الكتب وليعلم أن التدخين ويل عظيم لا يقل عن الويل الذي تعانيه الإنسانية من الخمور.
على أن عدة ولايات من الجمهورية الأمريكية قد عمدت إلى سن القوانين التي تحرم التدخين تحريماً. ومن تلك لقوانين عدة نصوص على منع بيع التبغ للأشخاص الذين دون الثامنة عشر. ففي ولاية كانساس ينص القانون على ما يأتي يحظر بيع السجائر والسيجار أو تهريبها أو خزنه في مخزن عمومي يقصد التجارة. أو الإعلان عنها في المجلات أو نشر الإعلانات عنها في محطات السكة الحديد أو بيع المجلات التي تحوي إعلانات من هذا القبيل. ويحظر بيع أية مادة مدخنة للأشخاص الذين لا تتجاوز أعمارهم الحول الواحد والعشرين. وكذلك محظور على أصحاب المحلات التجارية أو على مصلحة السكة الحديد أو الترامواي أو غيرها من المصالح أن تبيع لعمالها الأحداث التدخين بأي شكل. ومن
стр. 3305
يخالف هذه القواعد يعاقب بغرامة من ٢٥ جنيهاً إلى مائة جنيه عن إحدى هذه المخالفات.
ولكن لا ينبغي أن ننسى أن في هذه الناحية الأخرى فوائد كبرى لثروة البلاد من التبغ والدخان. وإذا بطل التدخين نقصت ثروة البلاد بنسب ما كان يرد إليها من الضرائب وأشباهها. ثم ل ينبغي أن ننسى كذلك ولوع الكثيرين من الكييفة الذين لا يستطيع أي عقوبة في الدنيا. ولا أية قوانين صارمة. أن تغريهم بترك التدخين.
فهل تنجح هذه الحرب التي أثيرت في وجه لفائف التبغ. هذا ما سيتمخض عنه المستقبل.
стр. 3306
الانسانية المجنونة
وخصومة القضاء والطب عليها
يعلم الناس أن القوانين الجنائية في العالم قد نصت على أن الفرد الذي اختل شعوره وارتكب جرماً يقع تحت طائلة القانون. لا ينبغي أن تلقي عليه أية عقوبة. بل ينبغي أن يدفع إلى عناية المستشفى. ويلقى في ذمة الأطباء لمعالجته. ذلك نص لا يقل دحضً في النظام الحاضر. ما دمنا نعلم أن القانون بالقائه العقوبة وتقرير القصاص لا يريد إلا إزالة أسباب الجرائم. وردع الناس عن ارتكاب الجنايات. ولكن موضوع رأي القضاة في المجانين ومبدأ القوانين الجنائية في معاملتهم قد أثاروا في هذه الأيام ضجة كبرى بين العلماء. وجدلاً وحواراً شديدين ولعل الناس يتساءلون ما السبب. ويقولون ما الباعث.
ونحن ننشر لهم ملخصاً مما كتبه المستر بوين رولاندس تحت هذا العنوان قانون الجنايات والمجانين وأجاب فيه عن هذا السؤال. ومجمل الباعث هو اختلاف الآراء بين رجال القضاء وبين الأطباء وبين عامة الناس.
وقد قال الكاتب من أين نشأ هذا الجدل. وجواب ذلك ما قاله احد المحامين الكبار وهو يقول القانون أن ليس في الدنيا أحد مجنون ويقول الطب. ليس في الدنيا أحد عاقل. ويقول الإنسان العادي أن خمسة وثلاثين في المائة على وجه التقريب من سكان أي بلد مجانين صرف.
هذا كل ما في المسألة لأن الناس ك لهم في اعتبار القانون عقلاء. ولا يستطيع أحد أن يفلت من العقوبة إلا إذا ثبت أنه في الحقيقة ونفس الأمر مجنون من غير شك. ولكن الأطباء في رأيهم أن كل الناس مجنون. والعالم بأجمعه مجانين. وأن كل إنسان يريد أن يثبت أنه ليس على شاكلة من هذه الوجهة يجب أن يقنع الأطباء الأخصائيين في الأمراض العقلية. لا القضاة والمحلفين. ويقول الإنسان العادي، أو هو كما قال أحد الكتاب. الإنسان الذي في الشارع. إذ يرى جريمة وحشية ترتكب - أن الرجل الذي ارتكبها لا بد من أن يكون مجنوناً ذهب لبه.
فبصرف النظر عن رأي الإنسان العادي. ينحصر الخلاف بين القضاة وبين الطب. إذ يقول الأطباء أن المجرم يجب أن يترك لمحكمة مؤلفة من بعض الخصائيين في الأمراض
стр. 3307
العقلية. حتى تبت جنونه أو تقر سلامة عقله. ويؤيدون مطلبهم بقولهم أن درجة جنون أي شخص موضوع ينبغي أن يترك كلية للذين يصح لهم أن يدلوا برأيهم بفضل درسهم وعلمهم وهم يشكون من أن الطبيب الأخصائي في النظام الحاضر يعد كمية مهملة في محاكم الجنايات. فإذا نحن نظرنا إلى شكواهم فلا شك في أن شهادة الطبيب قد لا تحدث أي أثر في رأي القاضي أو المحلفين، وقد لا يقام لها بينهم وزن وليس ذلك لأن رأيه لا يقيد به. وإنما لأنه قد يدحض بشهادة أخصائي آخر. كما وقع أخيراً في المحكمة العليا إذ قال رجل من كبار الأخصائيين في لأمراض العقلية أن المجرم الذي طلبت شهادته عنه ضعيف العقل، ثم جاء أخصائي آخر لا يقل عنه شهرة فقال أن المجرم عاقل في تمام عقله. وإنما كل ما فيه أنه تحت تأثير نسائية شديدة فيه راسخة في تركيبه عواطفه ثم إذا نحن نظرنا إلى مطلبهم القائل بوجوب تقرير جنون المجرمين المشكوك في صحة عقولهم بمعرفة أخصائي أو أخصائيين عديدين، وجدنا أن الأخذ برأي طلب واحد مضر بمصالح العدل. وإذا تركنا جمعاً من الأطباء يدلون بآرائهم الفنية، ألفينا كثيراً من الاختلاف بين الآراء وبعضها البعض، ولا ينبغي أن نأخذ في العدل والقضاء بين الناس على طريقته القرعة والتصويت لأنه لا بد من القطع والجزم. ولكن إذا نحن فرضنا أننا وجدنا طبيبين قد اتفقا على رأي واحد، فهل نظن أن اتفاقهما يبنى على أسباب واحدة، وعلل متشابهة؟ وقلم يحدث ذلك، وأقرب حادثة لأثبات ذلك ما وقع في أحدى القضايا إذ قال أحد الأطباء عن الجاني أنه مجنون لأن طبيعته النفور من الناس ولأن له نظرات زجاجية ثم جاء طبيب آخر فقال بجنونه وإنما ذهب إلى أن جنونه ثبت من استغراقه زمناً طويلاً في لعبة البروج!
من كل هذا الجدل والحوار يخشى أن يخسر الأطباء القضية ويكسبها القضاء بالطبع.
стр. 3308
النشيد المصري الوطني
الاستاذ السيد مصطفى صادق الرافعي أشهر من أن ينبه عليه أو يدل على مكانته في الأدب العربي وبخاصة في أسلوبه المنفرد الذي يكاد يكون صورة من نفسه. فهو في أخلاقه أسلوب وحده من أين جئته رأيته مندمجاً متماسكاً جزلاً إلى الجد والدقة في كل شيء يعالجه حتى ليسرف على نفسه من حيث يكتفي غيره بأيسر النصب والتعب ولذا فهو قلما يخرج عملاً من أعماله إلا ظهر كل ذلك فيه واضحاً صريحاً وجاء به على الغاية.
وقد وفق توفيقاً تاماً في النشيد المصري الذي نحن بصدده والذي قدمه إلى لجنة الأغاني ثم استقل به وأذاعه وقدمته إلى الأمة جريدة الأخبار الغراء فكان له دوي بعيد وكتب عنه مالم يكتب عن كتب من الكتب ثم طبع على حدة في كراسة طارت نسخها ألوفاً ألوفاً ولم يكد يمضي على هذه الطبعة شهران حتى بدأت الطبعة الثانية التي ظهرت هذا الشهر.
ولقد ظفر هذا النشيد فوق ذلك كله بعدة ملحنين تناولوه وأذاعوه ثم كان لحنه الأخير الذي يعد وحده توفيقاً نادراً - هذا اللحن الذي وضعه نابغة الموسيقى الشرقية الاستاذ منصور عوض رئيس الجنة الفنية لنادي الموسيقى الشرقي. وهذه الطبعة الذانية ذات فاتحة تتلوها كلمة ثم مقدمة الطبعة الأولى ثم مقالة لرصيفنا الأستاذ أمين الرافعي بك ثم النشيد ثم مقالة للأستاذ الأديب حافظ عامر المحامي ثم مقالة للأستاذ الفاضل محمد صادق عنبر ثم كلمة بعنوان خير لجنة الأغاني وهو فصل مسهب لذاع يجدر بالأديب أن يتأمله ويعطيه حقه من النظر ثم فصل آخر في نقد نشيد أمير الشعراء أحمد شوقي بك الذي اختارته اللجنة ونشرناه في العدد الماضي من البيان.
وهذا النقد حاد جداً ولا يتسع المقام الآن لتفصيل الكلام في هذا النقد ولعلنا نفصله ونكتب رأينا في الأناشيد ظهرت ونخرج بذلك عما الترمناه مما لم يرض جانباً من القراء لا يزالون يتطلعون إلى غير ذلك منا غير أن الرافعي لم يترك لشوقي بك شيئاً من نشيده وكان يجمل به غير هذه الخطة ولعله كان يعدل بعد ذلك لولا لجنة ترقية الأغاني وسلوكها معه. وهذا هو نشيد الرافعي.
* * *
إلى العلا إلى العلا بني الوطن ... إلى العلا فتاة وفتي
إلى العلا في كل جيل وزمن ... فلن يموت مجدنا كلا ولن
стр. 3309
إلى الأمام للأمام للأمام ... يا مصر والهمة تدفع الهمام
لمصرنا عهد لمصرنا ذمام ... لمصرنا على بني الدنيا المنن
مصر العلوم والفنون من قدم ... أيام لم تثبت الدولة قدم
أيام علم غيرنا دمع ودم ... وما سوي توحش العالم فن
رسا أبو الهول ركبنا ... ربضة جبار على الأرض قبض
فالهول كل الهول منه لو نبض ... فهم فاستعدي فزلزل الزمن
إلى الأمام الخ
بعزم مصر غالب الدهر الهرم ... وشمس مصر تضرم الذكاضرم
ونبل مصر يملأ النفس كرم ... وخصب مصر ينبت الخلق الحسن
والصبر في المصرى صبر وجلد ... خلت خصوم أرضه وهو خلد
وما كمصر في البلاد من بلد ... ثراء للطاغي وللباغي كفن
إلى الأمام الخ
هيا اذن هيا اذن إلى العلا ... يا مصر لا نفسي ولا مالي ولا
أهلي ولكن أنت أنت أولا ... وأنت أنت كل سري والعلن
يا مصر كلنا لمجدك الفدا ... تقتلع الأنجم لو كانت عدى
فلن نراعي يا بلادي أبداً ... لا عاش من يروحه عليك ضن
ٍإلى الأمام الخ
لا الضعف يوهي عزمنا ولا الضجر ... خلق من الحديد أو من الحجر
هيهات ما الأطواد في قيد تجر ... فمن إذن يقيد الأحرار من
حرية البلاد عزة الأمم ... إن لم تنلها أمة عاشت
فدا النفوس حرة فدا الذمم ... فدا بلادي أنا روحاً وبدن
إلى الأمام الخ
إيماننا كنيسة ومسجداً ... دين اتحاد للبلاد وهدى
وكل ما في العمر يوماً وغداً ... وكل ما نملك للمجد ثمن
فلنحي في أعمالنا أجدادنا ... ولنحي في آمالنا أولادنا
стр. 3310
ولنحي مصريين مهما اعتادنا=ولنحي مصريين وليحى الوطن
* * *
نوتة النشيد الوطني المصري
هذه النوتة هي كما قلنا لحن شيخ الموسيقيين في مصر الأستاذ منصور عوض وقد لحن النشيد (مارشاً) على وزن موسيقى من أبدع الأوزان وأقواها وأدعاها للحماسة وربط لحنه بالنوتة الافرنجية وطبعت هذه النوتة على ورق فاخر وثمنها عشرون قرشاً وهي تطلب من مكتبة الهلال ومكتبة التأليف.
стр. 3311
حوال دول العرب
لأمير الشعراء أحمد شوقي بك
نشرت إحدى الجرائد الاسبوعية لشيخوخ متنطع سقسم الذوق ليس من الأدب ولا قلامة ظفر نقدا لما ذهبنا إليه في شرح هذا البيت
يا زيدَ كل مسرَج وملجَم ... كيف علا غرتك ابن ملجم
إذ قلنا ما ملخصه: زيد هـ زيد الخيل الصحابي الذي وفد على رسول الله في وفد طيء وسماه النبي زيد الخبر - وشاعرنا يخاطب عليا بذلك أي يا رجل الخيل أي يا أشجع الشجعان الح فجاء هذا الشيخوخ وأبي عليه ذهنه السقيم ألا تخطئا في ذلك وإلا أن يفهم أن زيد مصدر بمعنى زائد ومسرج وملجم. بكسر الراء والجيم بصيغة اسم الفاعل أي يا زائدا على كل مسرج وملجم الخ. . . مرحى مرحى. وحسن جداً يا مولانا. لقد عثرت بحماقتك عثرة أنت بها خليق فلليدين وللفم. أليس بين كل مسرج وملجم ساسة الخيل المبتذلون لخدمتها وهل هناك أبلغ من تفضيل الامام والابانة عن أناقته وتفوقه من أنه زاند على ساسة الخيل الذين يسرجونها ويلجمونها رحم الله من قال:
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الطبع السقيم
ما هكذا يا قوم يفهم الشعر! على أن شاعرنا العظيم أطال الله لنا حياته لا يزال بيننا حيا يرزق. وهو منا حيث يسهل الرجوع إليه في فهم أغراضه فعلام الخلاف على شيء بين ظهرانينا حاسمه؟ اللهم إلا إذا كان حاديكم على مثل هذا أحقاد تأكل الصدور. يمدها غباء مستو على العقول إن كانت ثمة عقول ونستغفر الله لنا ولكم. . . .
стр. 3312
العدد ٥٩ - بتاريخ: ٣١ - ١٢ - ١٩٢٠
стр. 3313
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وسلام على عباده الذين اصطفى
(أما بعد) فهذا هو العدد الأول من السنة التاسعة لهذه المجلة التي عزم الله لنا أن نخرجها كل خمسة عشر يوماً في طراز إن شاء الله بديع نُرجَى أن يعجب قراءنا في جميع الأقطار على اختلاف نزعاتهم وأميالهم، إذ سنعنى العناية كلها - بعد موضوعات البيان - بالتصوير، غير مدخرين في ذلك وسعاً فلا إقصار بعون الله ولا تقصير.
وخطة البيان هي خطته التي عرف بها وحافظ عليها منذ نشأته إلى اليوم - أن يكتب ويترجم كل ما هو مجد علينا راد في أي باب من أبواب العلم والأدب والتاريخ والأخلاق والاجتماع وما إلى ذلك من كل ما هو خارج عن دائرة السياسة والدين اللهم إلا من ناحيتهما العلمية السامية الجميلة.
ولقد تضاعفت حاجتنا في هذه الآونة إلى الموضوعات القوية الفعالة ذات الأثر الصالح فينا بعد أن آضت صحفنا - واأسفاً على ذلك - سجلات سياسية بحتة فلا أثر فيها لعلم أو أدب حتى كادت بذلك تبغض الناس في العلم والأدب وكل ما من شأنه أن يسمو بأخلاقنا وأذهاننا وأرواحنا، إذ جعلت السياسة - قبحها الله - وكدها وشغلها فألهت الناس بها عن النظر في كل ما يرد عليهم ويجدي، فاللهم حوالينا ولا علينا.
стр. 3314
مستقبل العالم
وهل تبطل الحرب من الدنيا
تحت هذا العنوان وضع كاتب من كبار الكتاب الاشتراكيين وطلاب المثل الأعلى الساخطين على النظام الحاضر في العالم - وهو المستر ويلزـ المبحث الأول من عدة مباحث مسلسلة، وهو موضوع طالما كتب فيه الكتاب وتناوله العلماء والمفكرون بالتفكير والتحليل. ولكن المستر ويلز انتحى فيه منحى غريباً وبسطه بسطاً جميلاً بتلك الطريقة الشيقة التي ألفها قراؤه منه. ونحن ننشر هنا هذا البحث الأول. ثم نتبعه في الأعداد القادمة بالمباحث الأخرى التي تليه.
نحن الآن أمام مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني هي أغرب ما قطعته الإنسانية. وأول ما شهده التاريخ في نوعه. فقد عدت على الدنيا طائفة من الويلات والأحداث الخطيرة فبددت هدوء الإنسانية التي ظلت أجيالاً تتطلب تقدماً مطرداً واجباً، تقدماً في سبيل إحراز قوى كبرى، وسعادة عامة كبرى. وتوسيع نطاق الحياة ورفاهيتها، قد أوقف تياره بعنف، وحيل بين الإنسانية وبينه بصرامة. وقد كشفت فاجعة الحرب اللثام عن وجود قوى مخربة هدامة اجتمعت فاختفت في أضعاف مجتمعنا الإنساني الذي بنم ظاهره على الرفاهية والسعادة. ولم يكن أحد منا يحلم بتلك القوى أو يظن أن الإنسانية بالغتها. وقد أظهرت الإنسانية عجزاً تاماً عن مقاومة تلك القوى الهادمة الناقضة لبنيان العالم، ولقد بدا لكثيرين من أهل الأذهان اليقظى، أن العامين الذين انصرما بعد عقد الهدنة، ووضع الحرب أوزارها، بما كان فيها من مجاعة وفقر، وفوضى واضطراب، في المغرب والمشرق، بل في أمريكا التي لم تسهم في الحرب بما أسهم فيه أهل الغرب. كانا شراً على المجتمع الإنساني من تلك الحرب نفسها التي سبقتهما. فالناس راحوا يتساءلون ترى ماذا يحدث للإنسانية. وما مصير العالم. وما مآل كل تلك الويلات. وهل كانت تلك الآمال الوثيقة؟ والأماني الوطيدة التي افتتحنا بها القرن العشرين إلا حلم حالم وخيال متخيل وهل دارت دائرة النعمة والتقدم فلا دورة لها إلا إلى الرجعة والنكوص، وإلى أين تحدو بنا هذه الضلات التي نحن فيها والتعثر الذي نحن نراه وتلك العداوة والبغضاء التي يحملها كل منا لصاحبه في العصر الحاضر وهل العالم مقبل على قرون عدة مفعمة بالفوضى والخراب. فلا يكون منها إلا كما انتهت الدولة
стр. 3315
الرومانية الغربية في المغرب. ودولة الصين في المشرق. وإذا حم هذا ووقع. فهل تراه سيمتد فينال من العالم الجديد. ويبلغ أمريكا القوية أم لأمريكا من نظامها وكيانها ووحدتها ما يبقيها سائرة إلى الأمام إذا تحطم العالم القديم وانهار تلك هي الأسئلة الواسعة العويصة المشكلة. التي يجب على كل رجل منا أن يتساءلها ويحتال على الجواب عنها.
فالناس يعدون أبطال الحرب عامة من الدنيا والتعفية على آثارها، ومحوها من تاريخ المستقبل، محور كل هذه المسائل، ولكن الحرب ليست شيئاً جديداً في العالم وقد حاولت الإنسانية طول تلك القرون الماضية أن تسير في سبيلها على الرغم من تكرار الحروب ورجوعها. بل السواد الأعظم من الدول والممالك ظل طول عهده وفي سبيل تطوره في حروب لا يخبو لها ضرام ولا يبرد وطيس، فلا أثرت تلك الحروب في كيانها، ولا أنقصت من هنائها ورغدها. على أن تلك الحروب الماضية لم تكن على شاكلة حروب اليوم وليست الحروب القديمة هي التي عدت على سير النمو الذي كان مطرداً منذ قرن ونصف. وليست الحروب القديمة المألوفة هي التي أوقفت التيار المندفع إلى الأمام بل هي هذه الحروب الجديدة بما دخل عليها من التغيير وما أوسع من جوانبها ومد في نطاقها من الوسائل المستحدثة والمخترعات المستطرفة، بل هو هذا التغيير بعينه، وهذا التوسع في الحرب بذاته، وليست الحرب في نفسها بخيلها ورجلها هو ما ينبغي لنا أن نأخذه بالتحليل والشرح والبحث.
في عام ١٩١٤ عمدت دول المغرب إلى الحرب. كما عمدت إليها قبل ذلك في مناسبات ماضية. وظروف سابقة. للفصل في أمور خطيرة ثارت الثائرة عليها فيما بينهم. فلم يكد ناقوس الحرب يدق. وتنطلق القذيفة الأولى في الفضاء. حتى اندلع لسان الحرب بسرعة لم نشاهد مثلها من قبل، واندمج العالم كله فيها واشترك في نارها. فأحدثت الحرب شناعة. ووسائل مخيفة من وسائل التخريب والتدمير. لم نشهد نظائرها في الحروب المتقدمة. فهذا الاختلاف في طور الحرب هو لب البحث وجوهر الموضوع. وقد تبين أهل الأذهان المفكرة أن الحرب مهما وجدت لها من الشفائع في الماضي والمعاذير المبررة للالتجاء إليها عند احتدام الاختلاف بين الأمم والأمم. لم تعد الطريقة التي يصبح اتخاذها الآن في الخلافات الدولية. وكان من ذلك فكرة عصبة الأمم. وإنشاء محكمة عالية كبرى يرجع إليها
стр. 3316
عند الخصومات الاجتماعية.
والآن ما هي هذه التغييرات التي ألزمت الإنسانية بأن تفكر في ضرورة إبطال الحروب دفعة واحدة. فقد كانت الحرب قدماً قي جميع البيئات الإنسانية فكرة مهذبة بانية مقررة منظمة. وهذا ما لا يشك فيه إلا القليلون. والفضل في إصلاح السنن السياسية وتنظيم العلاقات الدولية راجع إلى الحرب. ومن الحرب وثب. وقد قام كيان كل أمة في العالم على أمرين وحيدين هما الدفاع والهجوم. كما قام التعاون في التجارة والصناعة على الاحتكار والضغط والإجبار. فإذا أجمعت الإنسانية الآن فجأة نيتها على إبطال الحرب - فستجد أن هذه النية ستؤدي إلى تنقيح القواعد والمبادئ الاجتماعية والسياسية في العالم كله.
هذا هو المبحث الذي سنفرد له هذه الأبحاث التباع، ولب البحث في هذا السؤال. ماذا يكون حال العالم إذا انمحت الحرب من الدنيا كلها، وماذا يجب أن نصنع إذا هي نفيت ومنعت إلى الأبد من النشوب بين الناس والناس إذ يجب أن لا ننسى هذه الحقيقة وهي أن إبطال الحرب بتة ليس أمراً سهلاً ولا خطوة طبيعية ذلولاً. بل إن إبطال الحرب إذا نحن استطعنا أن نحققه وننفذه. سيكون رجعة وانقلاباً في الحياة الإنسانية العامة. ونقضاً لقوانين الطبيعة نفسها - قوانين تنازع البقاء. بل سيغير وجه الحياة بأجمعها. والتاريخ الإنساني كله. وسنحاول في هذه الأبحاث شرح العبء الذي سيلقى على عاتق العالم إذا ألغيت الحرب حقاً وأبطلت. وتفهيم الناس أن محاولة إبطال الحرب بتلك المحاكم والمجالس التي يسمونها عصبة الأمم ومؤتمر الشعوب وهلم. هو في ذاته أشبه بمحاولة إبطال الظمأ والجوع والموت من الدنيا بإصدار قانون من البرلمان وليس النجاح في الأمرين والتوفيق في المحاولتين إلا واحداً.
دعنا أولاً نفحص التغيير الذي طرأ في شؤون الحياة الإنسانية فحول الحرب من طورها العادي وهو تنازع الجماعات الإنسانية على البقاء فأصارها شناعة وهولا ونذير الخراب للجنس الإنساني بأسره فنقول: إن هذا التغيير في جوهره لم يكن إلا تغييراُ في مقدار القوة المهيأة لأغراض الناس ومصالحهم ومقاصدهم. ولا سيما مقدار القوة المادية التي يستطيع الفرد الواحد أن يديرها فقد كانت القوة الإنسانية منذ قرنين فقط أحد أمرين فقط. قوة العامل: وقوة الحصان فضلاً عن مقدار معين من القوة المائية والقوة الهوائية. وقد ظهرت
стр. 3317
البوادر الأولى لهذا التغيير الذي أدى إلى هذه الحرب منذ سبعة قرون. أي منذ اختراع البارود إذ استخدم المغول في القرن الثالث عشر للقتال الاكتشاف الذي اكتشفه أهل الصين. وهو البارود. فاستفادوا به فائدة حربية كبرى. إذ أغاروا على الممالك المعروفة إذ ذاك وفتحوا البلدان. ولم يلبث بارودهم أن طاحَ بالقصور وهدم الحصون. وهزأ بالقلاع والأسوار. وأبطل الفروسية. وبروز القرن للقرن. ووثوب المغوار على المغوار. وخرب أرض ما بين النهرين. وأفسد نظام ريها. على حين كانت تلك الأرض آهلة متحضرة قبل عهد الدنيا بهذا التاريخ المعروف، ولكن كعرفة ذلك العصر بعلم المعادن وصهرها وما يجري مجرى ذلك كانت محدودة ضيقة المضطرب فلم يتجاوز حجم ما اخترع يومذاك من المدافع والبنادق ومدى مرمى القذائف حداً محدوداًّ، ولكن لم يكد يقبل القرن التاسع عشر حتى اتسع نطاق المخترعات من جراء نمو العلوم الكمية والمخترعات الحديدية وإنما بدأ اتساع نطاق القوة الإنسانية في القرن الثامن عشر باستخدام الفحم والبخار ففاضت المخترعات فيضها. وألقت في أيدي الناس مقادير عظمى من القوة والنشاط لم يبلغ نهايته حتى اليوم ونحن لسنا بحاجة إلى تكرار القصة من أولها فذلك أمر معلوم للناس قاطبة. كيف أن التلغراف والراديوجرام جعلا كل حادثة خطيرة تسير سير البرق فتبلغ كل ذهن من أذهان الدنيا في لحظة واحدة. وكيف كانت الأسفار تستغرق الأشهر فراحت لا تأخذ من المسافر أياماً وهلم وهلم مما تعرفونه ولا حاجة على التغني بذكره أو بسط تأثيره في فنون الحرب وإنما ما نقصد إليه هو أن الجماعات الإنسانية قبل عصر المخترعات طالما تناحرت وتناجزت وتلاكمت أشبه بشجار الصبيان في (الكتّاب) أو المدرسة الابتدائية في دائرة قوتهم النسبية وقد آذت كل أمة صاحبتها ولكنها لم يعدم بعضها البعض كلية ولهذا يصح لنا أن نعد تلك الحروب القديمة مقوية صالحة مروضة مهذبة. ولكن دخل هذه المدرسة الابتدائية العلم فدفع في أيدي هؤلاء الأطفال السكاكين والمواسى مسمومة الأطراف والسنان والقنابل والمفرقعات والسوائل والغازات الخانقة اللعينة. فانقلب شجار هؤلاء الأطفال في الحال فكان منه ويل وشناعة أي ويل وأية شناعة. وما لبث صحن الكتاب أن تغطى بأكداس الجثث ورميم الأشلاء وقد يكون تداخل (عريف) الكتاب حائلاً بين الأطفال وهذا الشجار المقيت. ولكن الإنسانية واأسفاً ليس لها عريف إلا حكمتها الفقيرة
стр. 3318
المسكينة. والمشكلة الكبرى التي تشغل أذهان الإنسانية في العصر الحاضر هي هل تستطيع هذه الحكمة المسكينة أن تحدث أثراً فعالاً وتداخلاً متيناً يمنع هذه الحروب الموحشة المخيفة.
بيد أن هذه الأسلحة المميتة المهلكة لا تزال تنمو وتزداد ولقد اطردت زيادتها من سنة ١٩١٤ إلى أوائل سنة ١٩١٨ إذ حيل بينها وبين الاندفاع والتكاثر - من أثر النقص في المواد والفتور في النشاط، ومنذ عقد الهدنة والعلم الحربي لا يزال يدأب على النمو والازدياد. ولقد أكد لنا علماء الحرب أن الحرب القادمة - إن هي وقعت - ستكون أثر من تلك الدابرة سرعة واتساعاً في نطاق التدمير والحصد. إذ لم تعد الجيوش بعد اليوم تتقدم على طرق دروب بل ستنتشر في مركبات كبرى تحرث الأرض التي تجري فوقها حرثاً. وتقلب أديمها قلباً. وستكون القذيفة ترمى من قباب السماء كافية لحصد مدينة بأسرها على مسافة ألف ميل وراء خط النار وسينسف ما على ظهر البحر من سفائن وعمائر ولن يكون ثمة تمييز بين المحاربين وغير المحاربين من العجزة والشيوخ والأطفال والنساء. فسيحصدون حصداً. لأن الكل مستهلك طعاماً. والطعام أبقى للقوي وأجدي عليه. والحرب حرب. وديدنها الهول والنكر. ويجب أن يضرب المحارب بكل ما استطاع من قوة. ولكن يكون انتصار المنتصر إلا فوز الرجل المتعب المنهوك القوي المضمحل المحتضر على الرجل الميت الخامد الأنفاس.
ولقد قيل وذهب الرأي إلى أن لا حرب كحربنا الماضية (١٩١٤ - ١٩١٨) واقعة إلا بعد ردح طويل من الدهر. من جراء ما هزت تلك من كيان المجتمع. ولكن ليس في هذا الرأي ما نفرح له وبه نبتهج. لأن معناه أن ما دامت الإنسانية ضعيفة مريضة فقيرة فلا حرب ولا قتال فإذا نقهت وأبلت عادت إلى الحرب وآضت إلى القتال. بأهول مما بدت الأولى وأشنع. بفضل ما اخترعت الإنسانية منذ ذلك العهد واستحدثت. وأنه ما دامت الانقسامات والاختلافات باقية فلا بد من رجعة الحرب رجعة شنيعة رهيبة. تهدم البناء من قواعده إذن ليس هناك حل لهذه المشكلة. وشفاء من هذه الآفة إلا أمراً واحداً. وهو إعادة بناء المجتمع الإنساني على نظام وطريقة وطراز يكره الناس في الحرب كراهية التحريم. فقد أصبح العالم مجموعة واحدة متصلة بعضها ببعض كالحلقة المفرغة وقد تستطيع الإنسانية أن
стр. 3319
تعيش على هذه الوتيرة بمرور الزمن. وقد ينجح الناس كجنس بشري مجتمع في الرغبة عن الحرب والزهد فيها والحيد عن الصراع والقتال. وللسعي في الوصول إلى تعاون جامع شامل وتسامح متبادل وقد تستطيع أن تترك محاولتها القديمة على أن تعيش في ممالك منفصلة وتأخذ في كل طرح كراهياتها القديمة وأضغانها الأولى والعيش تحت ظل قانون واحد وسلام واحد. فلا يكون من ذلك إلا أن هذه القوى العظيمة التي كانت معاول في أيديها للهدم والتخريب تعود فتستخدم في وجوه صالحة ترد السعادة على بني الدنيا في صورة لم تصل إليها من قبل.
ولكن هذا الجنس الإنساني قدير على الشروع في هذا السعي الذي سيكون في ذاته انقلاباً للمشاعر الغريزية والتقاليد الاجتماعية التي رسخت في فؤاده إلى اليوم وهل نتوسم خيراً في حياتنا الحاضرة السياسية والعقلية، وإلى أي حد نعمل أنا وأنت أيها القارئ مثلاً للوصول إلى هذه الغاية. بل هل نحن واعوها في الأذهان جاعلوها نصب الأعين. وهل الناس الذين حولنا كذلك، أم لسنا أنا وأنت والجميع مندفعين في نفس التيار كما كنا قبل عام ١٩١٤، فّإذا لم يقم منا قائم، ولم يسع ساع. ولم يبد اجتهاد، فسيؤدي بنا ذلك التيار إلى الحرب فالجوع والفقر ونقص في الأموال والثمرات وينتهي أمرنا إما بالانقراض التام أو بانحطاط لا تتصوره الأذهان.
(انتظروا المبحث الثاني)
стр. 3320
روح الشعب الانكليزي
في هذا العصر
منذ بدء هذا العام تولي رئاسة مجلة المجلات الانجليزية التي أسهها ذلكم الكاتب الغريب المعروف بأبحاثه النفسانية وعجائب الوحي الروحاني والذي استشهد غريقاً في سفينة التايتنك، وليام ت ستيد. كاتب آخر من سادة الصحفيين الانكليز وكبرائهم وهو السير فيليب جيبس. فدخل على المجلة بدخوله مظاهر التحسين والإبداع. وأقبل الكتاب الأعلام في الشعب الانكليزي على المجلة يسهمون في تحريرها ويخصونها بمقالات خطيرة وقد صدر العدد الأخير من المجلة بمقال لرئيس التحرير بهذا العنوان الذي وضعناه في رأس هذا البحث فآثرنا نقله للقراء لما فيه من الحقائق الغريبة والمعاني السامية.
كل ما أقصده ببحثي هذا الكلام على الشعب الانكليزي عامة. لا عن الاسكوتلنديين فحسب أو أهل الغال (ويلس) فحسب. والسؤال الذي أريد أن أجيب عليه وأتحيل على حله واستكناه حقائقه هو سؤال ليس بالسهل ولا بالذلول. وأعني به هذا (ماذا بقي لنا من خلقنا الانكليزي القديم المتأصل فينا وروح شعبنا ومزاجه وغرائزه القوية، بعد ما أفنت الحرب الكبرى أبدع رجولتنا، وقتلت أعز شبيبتنا، وطاحت بأنضر فتيتنا، ولا سيما في هذا العصر الذي أصبح نظام المجتمع الإنساني فيه مهدداً بالأخطار يريد أن ينقض، لا شك عندي البتة في أنه لو سقطت انجلترة إلى هوة الفوضى أو لو تداعى بنيانها الاجتماعي فجأة. فلا يكون من ذلك إلا أن تجفل أوروبا بأجمعها من أثر هذه الصدمة وتتزعزع أركان العالم كله ويرتج صرحه. بل لا يكون من ذلك إلا الضربة القاضية على جميع الآمال والأماني الكبرى في شفاء الإنسانية من جراحات هذه الحرب الأخيرة وتأسيس مجتمع سامي عام يشتمل الأمم كلها ويمشي إلى مدينة منتظمة متخلصة من هذه المقاذر التي تلوث المدينة الحاضرة وذلك لأن انجلترة ما فتئت منذ أبعد العصور ساحلاً آمناً في وسط زوابع التاريخ وعواصفه. وعاملاً من العوامل المؤثرة في نظام العالم وقوته. ولئن كان أكثر أمم العالم ينظرون إلينا بعين الكراهية ويبغضوننا البغض كله فلا يزالون ينظرون إلى انجلترة نظرهم إلى صخرة مكينة ثابتة. وهم يتهموننا - ويتهموننا بحق - بأن ترنمنا بالمبادئ العالمية التي نخفي بها في غالب الأحايين أطماعنا ونياتنا ومقاصدنا الذاتية ينطوي على
стр. 3321
شيء كثير من النفاق والرياء. وهم يروننا - وما أظنهم مخطئين - بالغباوة المدهشة. والحماقة والجهل الفاضح الذي لا سبب له إلا موقعنا الجغرافي وانفصالنا بمكاننا من هذه الجزيرة عن بقية القارة الأوروبية. ولكنهم على رغم هذه التهم كلها لم يستطيعوا يوماً أن يخفوا اعتقادهم في حكمتنا الغريزية وسداد رأينا الذي أعاننا على أن نسير دفة سفينتنا وسطاً بين التطرف في القول والعمل وأن نوازن بين الحرية والنظام ونلائم بين الأمانة والسياسة. ولا زالت طرق المعاملة الانجليزية ومظاهر الشجاعة الانجليزية واللياقة الانجليزية والأخلاق الصخرية في المتانة الحكومية الانجليزية ذات تأثير عميق في الحياة الأوروبية وهي إلى الآن الدعامة التي يعتمد عليها القوم في أوروبا في إنقاذ العالم من الخراب والاضطراب اللذين أرسلتهما الحرب في الدنيا جمعاء.
فما هي الروح السارية اليوم في الشعب الانجليزية وهل ماتت فينا فضيلتنا القديمة. وهل زال عنا خلقنا المعروف قدماً. وهل قدر لنا أن تكون الأمراض والجراح التي أحدثتها الحرب لنا عاملة على أضغاننا وزوال متانة خلقنا وهل نحن من جراء الويلات التي أعقبت الحرب وخمود الحمية وهذا الفساد والظلم النازلين بالعالم ومخالفة الفقر المتوقع المنتظر، والمرض العام والسآمة المتفشية في نفوس الجماعات، فاقدون تلك الحكمة الغريزية التي امتزنا بها كشعب بين الشعوب على رغم الحماقات والسخافات التي نرتكبها والجهل الفاضح الذي نعاب به. وما هو ذلك العامل النفساني الذي يسري الآن في روح الأمة الانجليزية.
هذه هي الأسئلة التي يتساءلها أكثر الناس في هذا العصر إذ تهتاج نفوسهم من أثر شكوك وريب كثيرة، ومخاوف مقلقة. إذ لا يمكننا أن نتجاهل ما نرى من مظاهر الوحشية التي نرتكبها والشراهية التي نبدو بها وهذه النزوات والسورات النفسانية التي تتجلى فينا، والأميال الهدامة المخربة التي يجنح إليها كثيرون من أفراد هذه الأمة من كبيرهم إلى أحقر حقير فيهم. ثم يلوح لنا أيضاً أننا مقبلون على أزمة اقتصادية يريد فيها أصحاب رؤوس الأموال أن ينجوا بأنفسهم على حساب العمال والعاطلين، ويود العمال أن ينقذوا أنفسهم، مستيئسين من شرة الحاجة وآلام الفاقة، بإسقاط أصحاب رؤوس الأموال ودك حصونهم دكاً.
стр. 3322
وإنني لا أنكر أنني كلما مررت بشوارع لندن يخيل إليّ أن هذه الجماهير التي تتكون منها الأمة الانجليزية لم تتعلم شيئاً من هذا الدرس الأليم الذي لقنته الحرب أهل الدنيا، وأن هذه الجموع العظيمة لا تحفل البتة بهذه العلة الفاشية في أوروبا وتريد أن تمس أرضنا وتنزل بسوحنا، فلا شاغل لهم إلا همامات أنفسهم ومطالب عيشهم وأطماعهم وشهواتهم وملاذهم أنهم صاروا من الانحطاط الذهني والخلقي بحيث لا أثر في نفوسهم البتة من هذه المعرة التي تلصق بنا من المأساة القائمة اليوم في إيرلندة، ولا من احتضار أمة كبيرة كالنمسا ولا من الحالة السوأى التي وصلت إليها جنودنا الذين سرحناهم بعد الحرب، ولا من هذا الفالج الذي أصاب متاجر العالم وأسواقها الاقتصادية، ولا من هذه المبادئ السامية التي بدأت تبذر بذورها في العالم كعصبة الأمم، ولا شيء من هذا أصلاً.
إن الإنسان ليشهد اليوم أن أشد ما يجتذب نفوس هذه الأمة رواية تافهة أو حادثة مقتل، أو طلاق، وهي أكثر اهتماماً بأمثال هذه السفاسف من قصة أمم بأكملها تنتابها المجاعات أو نبأ نذير يهدد حريتها ويذهب بشرفها ولا تقل أنانية الأغنياء وأصحاب الأموال عن غباوة الطبقات العامة والفقيرة وضيق عقولهم، وإني لأشهد جموعاً عظيمة تموج كلجج البحر دافعة إلي مشاهدة لعَب الكرة، فيأخذني العجب ولا أدري هل ذهب عن هؤلاء الجموع صوابهم وتولت عنهم حكمتهم، وأرى أن هؤلاء الحمقى هم نتاج مدينة لا تستحق الإنقاذ، وإني لأجد الشباب - وهم آمال العالم - مسرعين جماعات حاشدة إلى قاعات الرقص، ودور السينما، للفرجة على روايات كاذبة لا تصور الحياة على حقيقة واحدة من حقائقها، روايات خالية من الخيال الرائع، غير محتوية شيء من السمو وبراعة التصوير، فيخيل إلي كما يخيل للكثيرين في ساعات اليأس أن روح انجلترة قد ماتت وأننا قد فسدنا وضعفنا وحمقنا وصرنا إلى البلاهة والطيش، وأننا لا نجد منا زعماء يتصدون للقيادة، لأننا لا نرى جماهير تتبع الزعيم أو تمشي في أثر الصائح. ليس لدينا مثل أعلى لأن الصدق زال من قلوب أفراد هذه الأمة.
إن انجلترة قد انحطت وتدهورت وانتهت إلى الحقارة والعبث ونحن بعد أن أنهكنا أنفسنا في هذه الحرب التي سقط في ميدانها أعز رجالنا وأفضل شبابنا منحدرون الآن في طريق السقوط حيث يزول من أيدينا ما كان من قبل لنا وطوع بناننا.
стр. 3323
ولكن دعونا لا ننكر بل نعترف صراحة بأن هذا الحلم المظلم الذي يعتم أرائي هذه كما يسوّد أفكار كثيرين منا يريدون أن يروا قومنا ناهضين على وقدة حمية جديدة بعد متعبة هذه الحرب، لا يزال رأياً ظالماً لا حقيقة فيه، وإن الشعب أعقل مما يلوح في الجماعات. وإنهم لا يخدعون بما يقدم لهم لأجل خديعتهم وإنهم أقوى وأصح أرواحاً من الذين يتصدون لقيادتهم والترأس عليهم.
نعم ولا نكذب إذا نحن قلنا أنهم يؤثرون قراءة رواية تبسط حوادث القتل أو تصور شنائع الطلاق على قراءة الأبحاث العامة التي تبسط أمام أعينهم الحالة الدولية السيئة وتصور لهم مشكلات الحياة وأمهات مسائلها، ولكنهم إنما يفعلون ذلك لأنهم أكثر انشغالاً بحوادثهم الشخصية ومشاكل حياتهم الخاصة عن التفكير في المسائل العامة المطلقة البعيدة عن مواقع حسهم ومما لا شك فيه أنهم لا يزالون (جزائريين) معتزلين لا هم لهم إلا مصالحهم الشخصية، على الرغم من هذه الحرب التي التحمت فيها القارة الأوروبية كلها وأنهم لا ينظرون إلى أبعد من مطالب العيش وحاجيات الحياة وملاذها التي تجري في وسطهم.
نعم إن الازدحام على رؤية لعب الكرة، أو مشاهدة أسراب من النساء في رواية هزلية أو قراءة شذرات من الكلام الفارغ وسقط المتاع الذي تمتلئ به الصحائف المصورة لا توحي إلى الإنسان شيئاً من الذكاء أو الحكمة التي وصفتها بالحكمة الغريزية. وإنه ليلوح لي أن وبع الجماهير وطبقات العامة بلعب الكرة الذي اتخذوه اليوم صنعة وحرفة تحترف، لا يزال ضرباً من الجنون والحماقة الكبرى، ولكنا إذا نظرنا إلى هذا الولوع دون تحيز لرأينا أن هذا الضرب من الرياضة البدنية هو أقرب سبيل للعمال والعامة إلى التمتع بشيء من هذه الرياضة، وهي تقوي أبدانهم وفي الوقت عينه ترد عليهم عقولهم صحيحة سليمة قوية منعشة، على ما فيها من عدم المبالاة بمستقبل الحياة وبشؤونها وإن الشباب لعلى حق إذا هم لم يبالوا بالمستقبل لأنهم يطلبون من الحياة مراحاً ويبتغون أبدع ما فيها من ملهاة وترويح.
ولا يزال كثيرون منا يفكرون ويتلمسون بلوغ الحقائق، ولا تزال في أعماق نفوسهم عواطف ومشاعر وأمثلة عليا. ولئن كان يلوح لنا في أغلب الأحيان أن الحرب لم يبق لها أثر في نفسية الشعب الانكليزي ولم تترك شيئاً، فالناس كما كانوا، يغضبون لما يفقدون، ويقنعون بما يعانون، ولا يحفلون بالمخاطر تقف في طريقهم، وتعترض سبيلهم، ولا
стр. 3324
يغضبون إذ يحاولون الانتقام من زعمائهم الذين وهموا وغلطوا شنع الأغلاط. ولا يجن جنونهم ولا يثورون طلباً لتجديد الحياة وتغيير أنظمتها الحاضرة، ولكنك إذا تحدثت إلى جمع من الجنود الذين سرحوا بعد الحرب، والعمال الذين أسهموا في ميادينها، وجدت لهم آراء وخواطر لا يمكن أن تكون وليدة عقول فارغة وأدمغة مجوفة سخيفة فإنهم لم ينسوا بعد شنائع الحرب، وهم يتطلعون إلى حياة جديدة غير هذه التي جلبت هذه الحرب المجنونة المعتوهة وإنك لتلمح منهم اشمئزازاً واستنكاراً للحرب ورغبة في إبطالها والحذر من وقوع مثلها ثانية لهم أو لأولادهم.
وعلى ذلك ترى روح المزاح والمجون والاستهتار آخذة بنفوسهم، مانعة لهم من التحمس لشيء من الإصلاح بتة، أو الغضب من شيء أو التمرد عليه، والشعب الانكليزي ينزوي من طلب الأمثلة الخيالية والمبادئ الاجتماعية الكمالية.
وهم أعداء كل شيء متطرف، شراً كان أم خيراً، وهذا ما يجعلهم غير مكترثين بما يقع في إيرلندة، إذ يقولون لأنفسهم: ما لنا ولهؤلاء الناس. لأنهم لا يفهمون ولا يحبون أن يفهموا هذا الولوع الجنوني الذي أخذ بلب الايرلنديين وراء الاستقلال وحكم أنفسهم بأنفسهم ولا يدركون هذا الأسلوب الجديد في الاستشهاد الذي اخترعه ماكس ويني المحافظ. ولا يعرفون هذا الطراز السن فيني في القتال والنضال، إذ يبدو كل هذا في أعينهم عملاً هستيرياً مهووساً غير لائق.
على أن الأخلاق الانجليزية القديمة أكثر ما تتجلى في الريف فسكان الريف على الرغم من جهلهم بالشؤون الخطابية والفنون الكلامية، ورغم بطء تفكيرهم وضيق بصائرهم، وحسر نظرهم إلى الحقائق، لا يزالون مستمسكين بالأخلاق القديمة، ولا تزال حكمة الشعب الانكليزي التالدة متأصلة في نفوسهم، وبفضل المؤثرات التي تبدو فيها قوانين الوراثة لا تكاد ترى عليهم شيئاً من الانحراف عن أسلافهم الانكليز الأولين.
ولئن كان قد استشهد في هذه الحرب شبان كثيرون، فقد رجع منها مجموعة طيبة كذلك لم تمت، وهؤلاء اليوم بيننا، وهؤلاء لم يفقدوا سجيتهم وخالقهم المتين، وإني لا أعتقد أن غرائز الشعب الانكليزي لم تطلق بتة من آدابها الأولى وإن قلب انجلترة على رغم ما ينتابه من المرض والضعف والتسمم لا يزال قوياً رفيقاً وإن الجماهير الانجليزية أفضل
стр. 3325
من زعمائها، وإن الشعب بمجموعه أرقى من قادته.
стр. 3326
العادة
بحث فلسفي سيكولوجي أخلاقي بديع
للكاتب الفيلسوف العظيم البروفسور جيمس
مما يؤثر عن القائد العظيم الدوق أوف ولنجتون أنه صاح يوماً وقد جاء ذكر العادة وقوة سلطانها فقال (أوكل ما يقوله الناس عن العادة أنها طبع ثان؟ كلا لعمرك إنها الطبع مضاعفاً إلى عشرة أمثاله!) وإن أولى الناس بأن يتخذ قوله حجة في مثل هذا الموضوع من كان أخبر الناس به وأشدهم مزاولة له ومعالجة أعني الجندي الذي حصر مجرى حياته وحياة جنوده داخل قيود حرجة من العادات وحواجز شديدة من أقسى القواعد والنظامات فاتضح له من ذلك أن تأثير العادة لا يزال بالإنسان حتى يبدل شخصيته تبديلاً ويخلقه خلقاً جديداً فيما يتعلق بمعظم طبيعته وأخلاقه.
وقد ذكر البروفسور هسكل على سبيل الفكاهة وإن كان ذلك من الجائز المحتمل (إن ماجنا بصر بجندي مستودع ذاهباً بطعامه إلى مأواه فصاح به بغتةحازدور! فأرخى الرجل ذراعيه تواً وسقطت منه الشريحة والثريدة في بالوعة الطريق. وعلة ذلك أن عادة التمرينات العسكرية قد كانت تسلطت عليه إلى درجة أصبحت معها قد اندمجت في جهازه العصبي وصارت قطعة من كيانه).
وكثيراً ما شوهد في ميادين القتال أن الجياد وحدها عارية من فرسانها كانت تجتمع على نداء البوق وتجول جولاتها المعتادة من تلقاء ذاتها بلا مدبر ولا مصرف، وهذه الحيوانات المنزلية تراها كأنها آلات ومكنات مضبوطة الأجهزة مطردة السير والنظام تقوم من لحظة إلى أخرى بأداء ما قد علمتها من الأعمال والحركات ولا يبدو عليها البتة أنه من المحتمل أن تشذ يوماً عن هذا المنهج أو تنحرف عن هذه الخطة. ومما يؤثر عن أهل السجون أن كثيراً منهم ممن يغادرون السجن بعد قضاء أعوام عدة ربما تمنوا العودة إليه بعد الخلاص فطرقوا بابه ثانياً وبهم من الحنين إليه ما بالآيب إلى وطنه بعد طول الهجرة والفراق. ويحكى أن نمراً انكسر قفصه أثناء حادثة من حوادث القطارات فأفلت من القفص ولكنه ما لبث أن أصابته حيرة ودهشة من هذا الوسط الجديد الذي أفضى إليه بعد طول المقام في قفصه واعتياده العيشة بين قضبانه ثم بلغ من شدة ارتباكه وحيرته ان انقلب عائداً من تلقاء
стр. 3327
ذاته إلى القفص فأخذ فيه مجثمه كعادته ودأبه.
فالعادة هي الشكيمة التي تكبح جماح المجتمع الإنساني إذا همّ أن يعدو أطواره ويتجاوز حدوده. وهي التي تبقي كل امرئ في دائرته وقيوده. وتحمي أبناء النعمة والسعادة من ذوي الثروة واليسار من أن يثور بهم ويطغى عليهم حسادهم من الفقراء والوضعاء. وهي العادة ليس غيرها يمنع أوعر سبل الحياة وأصعب مسالك العيش وأمقتها وأخبثها وأفظعها من أن يهجرها أهلوها الذين خلقوا لها وخلقت لهم. فهي التي تهون على العدّان القيام في ظلمات المناجم والغواص في زمهرير العباب والنوتى في ثورة العواصف والفلاح في حقله المنقطع الفريد يقاسي لذعات الفقر خلال أشهر الثلوج. والعادة هي التي تحمينا من غزوات أهل الصحاري والمناطق المتجمدة. وهي تمنع الطبقات الاجتماعية المختلفة أن يختلط بعضها ببعض. وأنت إذا تأملت أرباب الحرف والصناعات المختلفة وجدت أن أحد هؤلاء متى بلغ الخامسة والعشرين من عمره أي بعد قضاء بضعة أعوام قليلة في حرفته لم يلبث أن تنطبع صحيفة شخصيته بطابع هذه الحرفة وترتسم عليها بل على سحنته وشمائله وصوته ولهجته سمات حرفيته وأماراتها ومميزاتها وخصائصها من أفكار وعقائد وآراء ومذاهب وأميال ومحاب ومكاره ثم لا يستطيع الرجل أن يتخلص من هذه إلا إذا استطاع وجهه أن يتخذ سحنة أخرى أو بشرته أن تتبدل صبغة جديدة.
إذا كانت المدة ما بين عشرين وثلاثين من العمر هي مدة تكوّن العادات الذهنية والفنية أي الحرفية (الخاصة بالحرفة التي يحترفها الإنسان) فإن المدة التي دون العشرين هي مدة تكون العادات الشخصية مثل كيفية نطق الألفاظ وحركات الإشارة والإيماء وأساليب المواجهة والخطاب وهلم جرا. ومن ثم ترى أن الرجل إذا تعلم لغة أجنبية بعد العشرين من عمره استحال عليه أن يبرئ لسانه فيها من اللكنة وكذلك الصبي الذي نشأ في بيئة سافلة ثم ارتفع بإحدى فلتات الحظ إلى مستوى طبقة عالية فعاشر أهلها من ذوي الفضل والعرفان أعواماً طوالاً - يتعذر عليه أن ينقي منطقه ويبرئ لفظه من تلك الخنة وما يجري مجراها من معايب النطق مما كان قد اكتسبه أثناء طفولته وشبيبته. وكذلك شأن هذا الإنسان فيما يتعلق بملابسه وأزيائه - فمهما غص جيبه بالدرهم والدينار كان من المتعذر عليه أن يحاكي في نظام الزي والهندام أهل الطبقة العالية العريقين فيها. فإن تجار الأنسجة
стр. 3328
والملابس وباعة الحلي والزخارف ليتهافتون على مثل هذا الدخيل بشتى سلعهم وفنون بضائعهم ولكنه لا يوفق في اختياره ولا يعرف ماذا يأخذ وماذا يدع. ولا يزال يتسلط عليه ويتحكم فيه سلطان ناموس الطبقة السافلة التي لم يفارقها إلا بعد أن تكونت حسب قوانينها وأصولها عاداته الشخصية ومنها عادة الملبس وقلما يقوم لهذا الناموس الأولي أو يقوى عليه قانون الطبيعة العالية التي اندس فيها على كبر. ثم يقضي أيامه تعجباً من كيفية اهتداء أقرانه الجدد من ذوي الأحساب والأنساب إلى حسن اختيار الملابس ويرى أن توفقهم إلى إيجاد هذه الأزياء فوق أجسادهم واستطاعتهم أن يجدوا هذه الألوان المختلفة والأشكال المتنوعة من مهاب الريح الأربع وتأليفها وفقاً لهذا النظام العجيب على أكتافهم وصدورهم - يرى هذا عجيبة العجائب ومعجزة المعجزات والسر الذي لا يناله الفهم ولا يدركه الوهم.
فرأس الحكمة إذن وأساس الصواب والسداد هو أن نجعل جهازنا العصبي حليفنا لا عدونا ولنا لا علينا. أعني أن ندخر من صالح العادات أكبر رأس مال نتمتع بقية عمرنا بأرباحه في هينة ودعة. وابتغاء هذه الغاية يلزمنا أن نبادر في باكورة الصبا باستشعار أكثر ما يستطاع من نافع الخصال والخلال استشعاراً يجعل إتيانها كلما دعت الحال أمراً محتماً يجري من تلقاء ذاته كحركات الجسم الاضطرارية - وفي الوقت ذاته يلزمنا اتقاء سيء الخصال وضارها كما يتقى الوباء وكلما كثر عدد العادات التافهة والأعمال الحقيرة الاعتيادية التي نكلف الجهاز العصبي بتأديتها عفواً من تلقاء ذاته دون استشارة أذهاننا - كاشتراء غذائنا أو ذهابنا للحلاق أو مساح الأحذية أو خروجنا لنزهة العصر أو ابتياعنا شخشيخة لطفلنا إلى غير ذلك من الصغائر والحقائر من تفاصيل الحياة اليومية وجزيئاتها.
اتسع بذلك لعقولنا مجال التفكير والتأمل في هام الشؤون وعظيم المسائل مما هو أليق به وأشبه. وما إن رأيت قط إنساناً هو أحمق وأغبى وأسخف وأحقر من الذي لم يتخذ لنفسه عادة سوى عدم العادة - الذي لا يزال يتوقف ويتردد كلما همّ بشأن له ولو كان من أدنى شؤونه كإشعاله (سيجارة) أو شربه كأساً أو ذهابه إلى المرقد ليلاً أو قيامه منه صباحاً أو شروعه في أي عمل من أضأل اليوميات المعتادة. هذا الرجل مرزوء في حياته منكوب في عمره فإن نصف أوقاته يضيع سدى بين التردد والتوقف والتحير وإبرام العزم وعقد النية
стр. 3329
على إتيان أعمال هي من الدقة والضؤولة وصغر القيمة كان الواجب أن تكون مندمجة في حركات أعصابه الاضطرارية تحصل من تلقاء ذاتها فلا يكاد يحسها أو يشعر بجريانها. فإذا كان بين قرائي الذين يتلون الآن هذا المقال إنسان مصاب بمثل هذه العلة فليبدأ لتوه ولحظته بمعالجتها ولمس الخلاص منها.
جاء في رسالة (العادات الأخلاقية) للبروفيسور (بين) بضع نصائح عملية عظيمة الفائدة أخص منها اثنتين بالذكر وهما (١) عند استشعارك عادة جديدة أو تخليك عن عادة قديمة اجتهد أن يكون ابتداؤك مشفوعاً بأقوى وأمضى ما يستطاع من الدوافع. وذلك بأن تهيئ حواليك من الظروف وترشح من الأسباب وتخلق من الأحوال كل ما هو جدير أن يستحث العزيمة ويستثير الهمة أجل يا فتي! ولتضع نفسك عنوة في تلك الظروف التي تعرف أنها مليئة أن تحدوا بك إلى الخطة الجديدة وتحملك عليها. كأن تجدد عقوداً ومعاهدات منافية للقديمة وكأن تشهد الأمة والجمهور على نفسك علناً. وقصارى القول يجب عليك أن تؤيد عزيمتك بكل مل تستطيعه من وسائل التنفيذ والإمضاء. وأعلم أن هذا يعير فاتحة عزمك من المضاء والنفاذ والقوة ما هو خليق أن يجتاح ما لابد أن يعرض لك في طريقك من دواعي الشهوات فيؤجل ساعة انتكاصك وانتكاسك وكل برهة تأجيل لتلك الساعة المشؤومة تبعد احتمال وقوعها وتقل من فرص عودتها.
أما النصيحة الثانية فهي. لا تسمح بأي شذوذ عن عادتك الجديدة حتى تتأكد أنها قد تأصلت في حياتك الجديدة ورسخت. فإنك إن فعلت ذلك فإن مثلك كمثل رجل قد تناول خيطاً طويلاً وأخذ يطويه على هيئة كرة فكلما أفلتت الكرة من يده فسقطت انحل بالسقطة الواحدة من الخيط ما لا يتأتى طيه ثانياً إلا بخمسين لفة أو أكثر. والحقيقة أن مواصلة التمرين وإدامة التدريب هي خير وسيلة لحمل الجهاز العصبي على أداء حركاته بضبط ودقة دون أدنى شذوذ أو إخلال. وبلا أقل تقصير أو إهمال.
لا يستطيع امرؤ أن يبدأ بإصلاح أمره أو تعديل خطته حتى يكون قد بدأ أولاً بإرغام نفسه على ركوب المسلك الوعر المستقيم وعرف كيف يروض نفسه على المضاء فيه مندفعاً منصلتاً مشمراًّ منجرداً غير ناظر حواليه لا يمنة ولا يسرة أما الذي لا يزال يجدد لنفسه كل يوم عزماً فمثله كمثل من يريد أن يطفر من فوق حفرة فهو كلما أوفى على حافتها وقف
стр. 3330
ثم ارتد وتراجع كيما يتحفز للوثوب من جديد - ذلك شأنه ودأبه لا هو بواثب فماض ولا هو بمقلع فمريح نفسه. والواقع أنه ليس بغير العزمة الثاقبة والهمة الماضية والصرامة النافذة التي لا يعوقها عائق ولا تقف في سبيلها عقبة يستطيع المرء أن يحشد لنفسه من القوى الأخلاقية ما يحرز به النضر الباهر والفتح المبين في معترك الحق والباطل أحسن الوسائل وأضمنها لتكوين مثل هذه العزيمة الماضية والإرادة النافذة المؤدية إلى هذه الغاية البعيدة والأمنية السعيدة - هي المثابرة والمواظبة على أداء العمل باطراد واستمرار وبلا انقطاع ولا شذوذ.
وثمة وصية ثالثة نردف بها الوصيتين السابقتين وهي: انتهز أول فرصة سانحة لإمضاء ما قد أبرمته من العزم لتنفيذ ما يوحي به ضميرك في سبيل اتباع ما قد اخترته لنفسك من العادة الجديدة. واعلم أن الساعة التي يكون فيها للنوايا والعزائم الجديدة التأثير الأقوى في الذهن ليست هي ساعة تكوينها وعقدها ولكن ساعة تحركها وجيشانها وتبجسها عن قوة محركة فعالة.
إن سنوح الفرصة العملية لهو القاعدة الوحيدة التي عليها ترتكز الإرادة الأخلاقية في تأييد نفسها ومضاعفة قواها وفي النهضة والسمو إلى أعلى. أما من حرم سنوح هذه الفرصة العملية فقد حرم القاعدة التي يرتكز عليها ويعتمد فمثل هذا لا يصنع أكثر من الكلام واللفظ والدعاوى والوعود ولا يتخطى مجال الأقوال إلى مجال الأفعال.
إنه مهما امتلأ وعاؤك من الحكم والأمثال والمواعظ والوصايا ومهما حسنت نواياك واشتد ميلك للهدي والصلاح فاعلم أنك لست بمصلح من خلقك ولا مهذب من نفسك مثقال ذرة ما لم تنتهز سانح الفرص وتنتفع بها في إبراز نيتك من حيز الفكر والشعور إلى حيز العمل. فأما مجرد النوايا والأميال والعزائم فهذه لعمرك خدع الشيطان عن الهدى وحداة الغاوين إلى النار وقد قيل في الأمثال (ألا إن بالنوايا الحسنة مجردة يمهد السبيل إلى جهنم).
قال (ستوارت ميل) الخلق هو الإرادة التامة التكوين والإرادة هي مجموعة أميال تدفع المرء إلى العمل لدى جميع مقتضيات الحياة وضرورياتها بأسلوب محدد ومضاء وشدة وثبات، على أن الميل إلى العمل إنما يكون انغراسه في طبائعنا وتأصله في غرائزنا ورسوخه في أعصابنا على قدر تكرار حصول الأعمال وقلة العوائق دونه (وبالتالي) على
следующие страницы →