Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
العادة
بحث فلسفي سيكولوجي أخلاقي بديع
للكاتب الفيلسوف العظيم البروفسور جيمس
مما يؤثر عن القائد العظيم الدوق أوف ولنجتون أنه صاح يوماً وقد جاء ذكر العادة وقوة سلطانها فقال (أوكل ما يقوله الناس عن العادة أنها طبع ثان؟ كلا لعمرك إنها الطبع مضاعفاً إلى عشرة أمثاله!) وإن أولى الناس بأن يتخذ قوله حجة في مثل هذا الموضوع من كان أخبر الناس به وأشدهم مزاولة له ومعالجة أعني الجندي الذي حصر مجرى حياته وحياة جنوده داخل قيود حرجة من العادات وحواجز شديدة من أقسى القواعد والنظامات فاتضح له من ذلك أن تأثير العادة لا يزال بالإنسان حتى يبدل شخصيته تبديلاً ويخلقه خلقاً جديداً فيما يتعلق بمعظم طبيعته وأخلاقه.
وقد ذكر البروفسور هسكل على سبيل الفكاهة وإن كان ذلك من الجائز المحتمل (إن ماجنا بصر بجندي مستودع ذاهباً بطعامه إلى مأواه فصاح به بغتةحازدور! فأرخى الرجل ذراعيه تواً وسقطت منه الشريحة والثريدة في بالوعة الطريق. وعلة ذلك أن عادة التمرينات العسكرية قد كانت تسلطت عليه إلى درجة أصبحت معها قد اندمجت في جهازه العصبي وصارت قطعة من كيانه).
وكثيراً ما شوهد في ميادين القتال أن الجياد وحدها عارية من فرسانها كانت تجتمع على نداء البوق وتجول جولاتها المعتادة من تلقاء ذاتها بلا مدبر ولا مصرف، وهذه الحيوانات المنزلية تراها كأنها آلات ومكنات مضبوطة الأجهزة مطردة السير والنظام تقوم من لحظة إلى أخرى بأداء ما قد علمتها من الأعمال والحركات ولا يبدو عليها البتة أنه من المحتمل أن تشذ يوماً عن هذا المنهج أو تنحرف عن هذه الخطة. ومما يؤثر عن أهل السجون أن كثيراً منهم ممن يغادرون السجن بعد قضاء أعوام عدة ربما تمنوا العودة إليه بعد الخلاص فطرقوا بابه ثانياً وبهم من الحنين إليه ما بالآيب إلى وطنه بعد طول الهجرة والفراق. ويحكى أن نمراً انكسر قفصه أثناء حادثة من حوادث القطارات فأفلت من القفص ولكنه ما لبث أن أصابته حيرة ودهشة من هذا الوسط الجديد الذي أفضى إليه بعد طول المقام في قفصه واعتياده العيشة بين قضبانه ثم بلغ من شدة ارتباكه وحيرته ان انقلب عائداً من تلقاء
стр. 3327
ذاته إلى القفص فأخذ فيه مجثمه كعادته ودأبه.
فالعادة هي الشكيمة التي تكبح جماح المجتمع الإنساني إذا همّ أن يعدو أطواره ويتجاوز حدوده. وهي التي تبقي كل امرئ في دائرته وقيوده. وتحمي أبناء النعمة والسعادة من ذوي الثروة واليسار من أن يثور بهم ويطغى عليهم حسادهم من الفقراء والوضعاء. وهي العادة ليس غيرها يمنع أوعر سبل الحياة وأصعب مسالك العيش وأمقتها وأخبثها وأفظعها من أن يهجرها أهلوها الذين خلقوا لها وخلقت لهم. فهي التي تهون على العدّان القيام في ظلمات المناجم والغواص في زمهرير العباب والنوتى في ثورة العواصف والفلاح في حقله المنقطع الفريد يقاسي لذعات الفقر خلال أشهر الثلوج. والعادة هي التي تحمينا من غزوات أهل الصحاري والمناطق المتجمدة. وهي تمنع الطبقات الاجتماعية المختلفة أن يختلط بعضها ببعض. وأنت إذا تأملت أرباب الحرف والصناعات المختلفة وجدت أن أحد هؤلاء متى بلغ الخامسة والعشرين من عمره أي بعد قضاء بضعة أعوام قليلة في حرفته لم يلبث أن تنطبع صحيفة شخصيته بطابع هذه الحرفة وترتسم عليها بل على سحنته وشمائله وصوته ولهجته سمات حرفيته وأماراتها ومميزاتها وخصائصها من أفكار وعقائد وآراء ومذاهب وأميال ومحاب ومكاره ثم لا يستطيع الرجل أن يتخلص من هذه إلا إذا استطاع وجهه أن يتخذ سحنة أخرى أو بشرته أن تتبدل صبغة جديدة.
إذا كانت المدة ما بين عشرين وثلاثين من العمر هي مدة تكوّن العادات الذهنية والفنية أي الحرفية (الخاصة بالحرفة التي يحترفها الإنسان) فإن المدة التي دون العشرين هي مدة تكون العادات الشخصية مثل كيفية نطق الألفاظ وحركات الإشارة والإيماء وأساليب المواجهة والخطاب وهلم جرا. ومن ثم ترى أن الرجل إذا تعلم لغة أجنبية بعد العشرين من عمره استحال عليه أن يبرئ لسانه فيها من اللكنة وكذلك الصبي الذي نشأ في بيئة سافلة ثم ارتفع بإحدى فلتات الحظ إلى مستوى طبقة عالية فعاشر أهلها من ذوي الفضل والعرفان أعواماً طوالاً - يتعذر عليه أن ينقي منطقه ويبرئ لفظه من تلك الخنة وما يجري مجراها من معايب النطق مما كان قد اكتسبه أثناء طفولته وشبيبته. وكذلك شأن هذا الإنسان فيما يتعلق بملابسه وأزيائه - فمهما غص جيبه بالدرهم والدينار كان من المتعذر عليه أن يحاكي في نظام الزي والهندام أهل الطبقة العالية العريقين فيها. فإن تجار الأنسجة
стр. 3328
والملابس وباعة الحلي والزخارف ليتهافتون على مثل هذا الدخيل بشتى سلعهم وفنون بضائعهم ولكنه لا يوفق في اختياره ولا يعرف ماذا يأخذ وماذا يدع. ولا يزال يتسلط عليه ويتحكم فيه سلطان ناموس الطبقة السافلة التي لم يفارقها إلا بعد أن تكونت حسب قوانينها وأصولها عاداته الشخصية ومنها عادة الملبس وقلما يقوم لهذا الناموس الأولي أو يقوى عليه قانون الطبيعة العالية التي اندس فيها على كبر. ثم يقضي أيامه تعجباً من كيفية اهتداء أقرانه الجدد من ذوي الأحساب والأنساب إلى حسن اختيار الملابس ويرى أن توفقهم إلى إيجاد هذه الأزياء فوق أجسادهم واستطاعتهم أن يجدوا هذه الألوان المختلفة والأشكال المتنوعة من مهاب الريح الأربع وتأليفها وفقاً لهذا النظام العجيب على أكتافهم وصدورهم - يرى هذا عجيبة العجائب ومعجزة المعجزات والسر الذي لا يناله الفهم ولا يدركه الوهم.
فرأس الحكمة إذن وأساس الصواب والسداد هو أن نجعل جهازنا العصبي حليفنا لا عدونا ولنا لا علينا. أعني أن ندخر من صالح العادات أكبر رأس مال نتمتع بقية عمرنا بأرباحه في هينة ودعة. وابتغاء هذه الغاية يلزمنا أن نبادر في باكورة الصبا باستشعار أكثر ما يستطاع من نافع الخصال والخلال استشعاراً يجعل إتيانها كلما دعت الحال أمراً محتماً يجري من تلقاء ذاته كحركات الجسم الاضطرارية - وفي الوقت ذاته يلزمنا اتقاء سيء الخصال وضارها كما يتقى الوباء وكلما كثر عدد العادات التافهة والأعمال الحقيرة الاعتيادية التي نكلف الجهاز العصبي بتأديتها عفواً من تلقاء ذاته دون استشارة أذهاننا - كاشتراء غذائنا أو ذهابنا للحلاق أو مساح الأحذية أو خروجنا لنزهة العصر أو ابتياعنا شخشيخة لطفلنا إلى غير ذلك من الصغائر والحقائر من تفاصيل الحياة اليومية وجزيئاتها.
اتسع بذلك لعقولنا مجال التفكير والتأمل في هام الشؤون وعظيم المسائل مما هو أليق به وأشبه. وما إن رأيت قط إنساناً هو أحمق وأغبى وأسخف وأحقر من الذي لم يتخذ لنفسه عادة سوى عدم العادة - الذي لا يزال يتوقف ويتردد كلما همّ بشأن له ولو كان من أدنى شؤونه كإشعاله (سيجارة) أو شربه كأساً أو ذهابه إلى المرقد ليلاً أو قيامه منه صباحاً أو شروعه في أي عمل من أضأل اليوميات المعتادة. هذا الرجل مرزوء في حياته منكوب في عمره فإن نصف أوقاته يضيع سدى بين التردد والتوقف والتحير وإبرام العزم وعقد النية
стр. 3329
على إتيان أعمال هي من الدقة والضؤولة وصغر القيمة كان الواجب أن تكون مندمجة في حركات أعصابه الاضطرارية تحصل من تلقاء ذاتها فلا يكاد يحسها أو يشعر بجريانها. فإذا كان بين قرائي الذين يتلون الآن هذا المقال إنسان مصاب بمثل هذه العلة فليبدأ لتوه ولحظته بمعالجتها ولمس الخلاص منها.
جاء في رسالة (العادات الأخلاقية) للبروفيسور (بين) بضع نصائح عملية عظيمة الفائدة أخص منها اثنتين بالذكر وهما (١) عند استشعارك عادة جديدة أو تخليك عن عادة قديمة اجتهد أن يكون ابتداؤك مشفوعاً بأقوى وأمضى ما يستطاع من الدوافع. وذلك بأن تهيئ حواليك من الظروف وترشح من الأسباب وتخلق من الأحوال كل ما هو جدير أن يستحث العزيمة ويستثير الهمة أجل يا فتي! ولتضع نفسك عنوة في تلك الظروف التي تعرف أنها مليئة أن تحدوا بك إلى الخطة الجديدة وتحملك عليها. كأن تجدد عقوداً ومعاهدات منافية للقديمة وكأن تشهد الأمة والجمهور على نفسك علناً. وقصارى القول يجب عليك أن تؤيد عزيمتك بكل مل تستطيعه من وسائل التنفيذ والإمضاء. وأعلم أن هذا يعير فاتحة عزمك من المضاء والنفاذ والقوة ما هو خليق أن يجتاح ما لابد أن يعرض لك في طريقك من دواعي الشهوات فيؤجل ساعة انتكاصك وانتكاسك وكل برهة تأجيل لتلك الساعة المشؤومة تبعد احتمال وقوعها وتقل من فرص عودتها.
أما النصيحة الثانية فهي. لا تسمح بأي شذوذ عن عادتك الجديدة حتى تتأكد أنها قد تأصلت في حياتك الجديدة ورسخت. فإنك إن فعلت ذلك فإن مثلك كمثل رجل قد تناول خيطاً طويلاً وأخذ يطويه على هيئة كرة فكلما أفلتت الكرة من يده فسقطت انحل بالسقطة الواحدة من الخيط ما لا يتأتى طيه ثانياً إلا بخمسين لفة أو أكثر. والحقيقة أن مواصلة التمرين وإدامة التدريب هي خير وسيلة لحمل الجهاز العصبي على أداء حركاته بضبط ودقة دون أدنى شذوذ أو إخلال. وبلا أقل تقصير أو إهمال.
لا يستطيع امرؤ أن يبدأ بإصلاح أمره أو تعديل خطته حتى يكون قد بدأ أولاً بإرغام نفسه على ركوب المسلك الوعر المستقيم وعرف كيف يروض نفسه على المضاء فيه مندفعاً منصلتاً مشمراًّ منجرداً غير ناظر حواليه لا يمنة ولا يسرة أما الذي لا يزال يجدد لنفسه كل يوم عزماً فمثله كمثل من يريد أن يطفر من فوق حفرة فهو كلما أوفى على حافتها وقف
стр. 3330
ثم ارتد وتراجع كيما يتحفز للوثوب من جديد - ذلك شأنه ودأبه لا هو بواثب فماض ولا هو بمقلع فمريح نفسه. والواقع أنه ليس بغير العزمة الثاقبة والهمة الماضية والصرامة النافذة التي لا يعوقها عائق ولا تقف في سبيلها عقبة يستطيع المرء أن يحشد لنفسه من القوى الأخلاقية ما يحرز به النضر الباهر والفتح المبين في معترك الحق والباطل أحسن الوسائل وأضمنها لتكوين مثل هذه العزيمة الماضية والإرادة النافذة المؤدية إلى هذه الغاية البعيدة والأمنية السعيدة - هي المثابرة والمواظبة على أداء العمل باطراد واستمرار وبلا انقطاع ولا شذوذ.
وثمة وصية ثالثة نردف بها الوصيتين السابقتين وهي: انتهز أول فرصة سانحة لإمضاء ما قد أبرمته من العزم لتنفيذ ما يوحي به ضميرك في سبيل اتباع ما قد اخترته لنفسك من العادة الجديدة. واعلم أن الساعة التي يكون فيها للنوايا والعزائم الجديدة التأثير الأقوى في الذهن ليست هي ساعة تكوينها وعقدها ولكن ساعة تحركها وجيشانها وتبجسها عن قوة محركة فعالة.
إن سنوح الفرصة العملية لهو القاعدة الوحيدة التي عليها ترتكز الإرادة الأخلاقية في تأييد نفسها ومضاعفة قواها وفي النهضة والسمو إلى أعلى. أما من حرم سنوح هذه الفرصة العملية فقد حرم القاعدة التي يرتكز عليها ويعتمد فمثل هذا لا يصنع أكثر من الكلام واللفظ والدعاوى والوعود ولا يتخطى مجال الأقوال إلى مجال الأفعال.
إنه مهما امتلأ وعاؤك من الحكم والأمثال والمواعظ والوصايا ومهما حسنت نواياك واشتد ميلك للهدي والصلاح فاعلم أنك لست بمصلح من خلقك ولا مهذب من نفسك مثقال ذرة ما لم تنتهز سانح الفرص وتنتفع بها في إبراز نيتك من حيز الفكر والشعور إلى حيز العمل. فأما مجرد النوايا والأميال والعزائم فهذه لعمرك خدع الشيطان عن الهدى وحداة الغاوين إلى النار وقد قيل في الأمثال (ألا إن بالنوايا الحسنة مجردة يمهد السبيل إلى جهنم).
قال (ستوارت ميل) الخلق هو الإرادة التامة التكوين والإرادة هي مجموعة أميال تدفع المرء إلى العمل لدى جميع مقتضيات الحياة وضرورياتها بأسلوب محدد ومضاء وشدة وثبات، على أن الميل إلى العمل إنما يكون انغراسه في طبائعنا وتأصله في غرائزنا ورسوخه في أعصابنا على قدر تكرار حصول الأعمال وقلة العوائق دونه (وبالتالي) على
стр. 3331
قدر اعتياد الذهن وتمرنه على تلك الأعمال. لتعلمن أنك إذا تركت جذوة عزمك تخمد أو جمرة شعورك الحي الشريف تنطفئ فتهمد قبل أن تنتج طيب ثمراتها الفعلية فذاك وأبيك شر من إضاعة الفرصة إذ يبلغ من سوء أثر ذلك في نفسك أنه يمنع عزماتك ونواياك المستقبلة من الاندفاع في مجراها الطبيعي إلى غاية الإنتاج الحسن والإثمار الطيب. ولست أعرف في أصناف الناس من هو شر وأخبث من الرجل الخيالي الخائر العزيمة الذي يظهر الرحمة والرثاء لبني الإنسانية والأسى والأسف لمصائبهم وشدة الغبة في إصلاح شأنهم ولا يتعدى ذلك منه مجرد الأمل والأمنية ولا يتخطى مجرد الكلام والهتاف أو العويل والبكاء - تراه دائماً أبداً في بحر من الأحزان والأشجان والحرق والأشواك والحسرات واللهفات يتخبط في لجه ويتقلب في موجه ثم لا تجده بعد ذلك يحرك إصبعاً في سبيل أدنى عمل يدل على الهمة والنخوة والرجولة فإذا أردت مثلاً على هذا الصنف من المخلوقات فلن تجد أصدق من الكاتب الأشهر جان جاك روسو فإنه بينما كان يشعل ببلاغته أفئدة الأمهات في فرنسا ويستعمل سحر بيانه في إغراءهن بإتباع سنن الطبيعة ونواميسها في تربية أطفالهن إذ هو يبعث بأطفاله وأفلاذ كبده إلى ملاجئ اللقطاء لتتولى تربيتهم على أننا كلنا ذلك الرجل أي كلنا (روسو) حينما ترانا نتحرق لهفاً ونتأجج ولوعاً وشغفاً ونتلهب غيرة وحمية وتحمساً لمذهب من المذاهب أو مبدأ من المبادئ ولكننا في الوقت ذاته نناقض أنفسنا بإنكار حقيقة واقعية تدخل في حدود هذا المبدأ وتعد إحدى جزيئات ذلك المبدأ الكلي: كأن ننادي بمذهب الاشتراكية ولا نخرج زكاة أموالنا أو ننادي بمبدأ العدالة ونأكل حقوق الجار وأموال اليتامى وهلم جرا - ونحتج لأنفسنا عن عملنا هذا بأن هذا الشيء الذي نؤاخذ عليه ليس في شيء من المذهب الذي ننادي به بل هو شيء آخر البتة إذ هو شيء ناقص مشوه ملوث بينما المذهب هو شيء كامل طاهر نقي وقد يكون في دعواه هذه شيء من الحق ولكنه إذا أنعم النظر وتأمل الأمر بلا تحيز ولا غرض وجد أن هذه المسألة الجزئية بالرغم من تلوثها وتشوهها باحتكاكها بالشؤون اليومية العادية الحقيرة الخسيسة لا تزال هي جزأ من ذلك المذهب العام السامي المقدس فالويل كله للرجل القصير النظر المظلم البصيرة الذي لا يستطيع أن يعرف الحق ويميز الصواب إلا وهو في صورته المعنوية وشكله البحت المجرد - فإذا ما بدا له متنكراً في هيئة الشؤون العادية ممزوجاً
стр. 3332
بشوائب ما يجاوره أو يخالطه مما عداه من الأشياء أنكره وجهله!
وقد ظهر أن الإفراط في قراءة القصص ومشاهدة التمثيل مدعاة إلى تفشي هذه الرذيلة في طبقات الأمم، فإذا طلبت دليلاً على ذلك فانظر إلى السيدة الروسية في مركبتها الفخمة تجرها الجياد الضخمة وهي تتلو بعض الروايات التراجيدية ودموعها على الصفحات تنحدر حزناً على شخص بائس من أشخاص الرواية وقد غاب عنها أنه أبأس من ذلك البائس وأسوأ حالاً ذلك السائق المسكين الجالس خارج زجاج المركبة معرضاً لغوائل الجو وجوائحه وسياط الزمهرير تمزق جلده وكلب الشتاء يكاد يسلب روحه. بل إن الإفراط في استماع الموسيقى إذا لم يكن لأغراض فنية وعلى سبيل الرياضة الذهنية بل كان لمجرد الاسترسال في الشهوة الحسية كان جديراً أن يحدث فتوراً وخوراً في القوة الأخلاقية لأن الألحان تبث في فؤاد السامع من الإحساسات والانفعالات والعواطف ما لا يستطيع أن يخرجه من حيز الشعور إلى حيز الفعل فيبرزه في صورة أعمال جليلة ومآثر نبيلة ومن ثم ينشأ في المرء ذلك الخلق الممقوت الجامع بين اهتياج الشعور وجيشان القلب بالعواطف الكريمة وبين الخور والفتور والعجز وسقوط الهمة - فترى أمامك قلباً يتأجج غيرة وحمية ويدين مغلولتين عن الخير والبر وأماني وآمالاً تسمو إلى السماء وتقاعداً وتبلداً وتثاقلاً تهبط وترسب إلى الحضيض. فالعلاج الوحيد لذلك هو أن الواجب على المفرط في سماع الموسيقى أن لا يدع قلبه يمتلئ بعاطفة أو انفعال إلا إذا كان قد عزم على إبراز هذا الشعور بعد قليل في صورة فعلة كريمة أو مأثرة حميدة - ولو لم تكن إلا الشيء القليل الضئيل، كإهداء الكلمة الطيبة أو اللفظة اللينة لأحد الأقارب أو الأباعد أو كإيثار أحد الجلساء بمجلس ألين وأوثر، أو وقاية بعض الزملاء من الحر أو المطر بمظلتك وهلم جرا. هذا وأمثاله من تافه الفعال وضئيلها هو ما يجب عليك أن تصنعه تعبيراً عن شعورك وإبرازاً لإحساسك وضناً بالعاطفة الشريفة أن تذهب سدى وتفني بخاراً ولا عار عليك في ضؤولة مثل هذه الفعال وتفاهتها إذ لم تستطع غيرها ولم تسنح لك الفرصة بما هو أجل منها وأعظم.
وكما أننا إذا تركنا إحساساتنا وعواطفنا تتبخر دون أن نطلقها من مكامنها على هيئة أعمال فاضلة فإنها تعتاد هذا التبخر ويصبح لها ديدناً ودأباً فكذلك إذا نحن أحجمنا عن بذل
стр. 3333
المجهود ضعفت فينا قوة بذل المجهود واضمحلت وماتت ومن ثم نسوق لك الحكمة الآتية قاعدة مطردة وركناً من أركان الأدب وهي: أحي في نفسك ملكة (بذل المجهود) وجدد نشاطها برياضة نفسك على ذلك بما تيسر من أعمال الخير والمروءة تأتيه على سبيل التمرين ليس إلا أو بعبارة أخرى ألزم نفسك خطة الزهد أو خطة البطولة في صغائر الأشياء غير الضرورية أعني اصنع كل يوم فعلة أو اثنتين وإن لم يكن ثمت باعث على ذلك سوى عدم ضرورتها يكن ذلك رياضة لنفسك على أعمال المروءة وتدريباً لها على مواقف الجلد والصبر والبطولة حتى إذا وقع المكروه وأزفت الآزفة وجدتك جلداً متيناً راسخ القدم رابط الجأش ثاقب العزم وثاب الهمة. فمثل هذه الرياضة والتمرين على الصبر والزهد والخشونة تعد بمثابة الضمانة التي يدفعها المرء لشركات التأمين على المال والحياة. فإن الضريبة المدفوعة لذلك قد لا تعود بالفائدة العاجلة وربما ينقضي العمر ولا تعود بعاجلة ولا آجلة. ولكنة إذا وقع البلاء وشبت النار فعلاً في دارك كان فيما دفعته من تلك الضريبة النجاة من النار والفرار من الدمار. وكذلك الرجل الذي ما برح يروض نفسه كل يوم على الجد والنشاط والهعمة والزهد والقشف في صغائر الأمور ودقائق الشؤون. فإنه إذا أزفت الآزفة وعصفت العاصفة وعاد كل شيء حوله يموج ويضطرب ويميد ويتزلزل رأيته تحت هذه المحن الطائرة والخطوب الثائرة كالبرج المشيد والطود الشامخ.
هنالك تتجلى عنه الغماء. وتنجاب الأواء والعزاء. وتنكشف الظلمة الطخياء. أثبت ما يكون وأرسى. وأصلب ما يكون وأقسى. بينما غيره منت الضغنة العجزة الرعاعيد يتبددون هباء. ويذهبون جفاء.
إلا أن جهنم التي يتوعد بها العصاة في الآخرة ليست شراء من جهنم التي نشعلها لأنفسنا في الحياة الدنيا بصوغ أخلاقنا وتصويرها على صورة كاذبة وصبها في قالب مشوه. فلو أن الصبي أدرك أن لن يكون في مستقبل عمره سوى مجموعة أو حزمة من العادات تسعى على قدم وساق إذن لزاد عنايته بسلوكه وسيرته وهو في دور التكوين إذ عوده رطب الملامس غض المكاسر يلين تحت الثقاف المقوم ويطاول أنامل الطابع المهذب. والواقع أن المرء خالق نفسه وواهب حظه وممهد سبيله ونهجه وحائك لنفسه ثوب العيشة مسعوداً أو منحوساً حوكاً باقياً على الدهر لا طاقة للمقادير بنقضه ولا حلة فما من حركة خير أو شر
стр. 3334
يأتيها إلا تاركة بجوهر نفسه أثراً لا يزول ما بقي فيه عرق ينبض. لقد جاء في قصة الروائي (جيفرسون) أن السكير (فانوينكيل) يعتذر لنفسه عن كل خطيئة يأتيها بقوله (هذه المرة لا تحسب). سبحان الله! ما هكذا تكون التوبة والأنابة. فهبك أيها المغرور أنك لا تحسب هذه المرة وهب الملك القدوس الغفور الرحيم قد وهبك زلتك وأقال عثرتك فلم يحسب أيضاً هذه المرة فهل ذلك بحائل دون حسابها وتسجيلها؟ كلا! فإن في خلايا أعصابك وأنسجتها ستحسبها عليك الذرات بالعمليات الكيمياوية وستعدها وتحصبها وتسجلها وتخزلها لتقوم ضدك وتتألب عليك متى عاودتك أسباب الغواية والإغراء ثانياً. فما من شيء تأتيه إلا تسجله عليك وتغرزه فيك يد لا ماجى الدهر لأثرها. فعليك من نفسك عين يقظة لا تنام ولا تغفل، ورقيب عتيد يحصي عليك ويسجل. على أن لهذا التسجيل ناحية نفع كما له ناحية ضرر فكما أن تكرار الدفع المتعددة من السكر يؤول بنا إلى رذيلة الإدمان فكذلك تكرار المبرات يرفعنا إلى منزلة الأتقياء الأبرار ومواصلة ساعات الدرس والكد والتمرين تسمو بنا إلى مرتبة المهرة الحذاق الراسخي القدم في العلوم والمعارف والفنون. فلا يشغلن الفتيان بالهم ولا يتعبن أنفسهم تفكيراً فيما عساهم بالغين من درجات العلم ومراتب الحذق والنبوغ في صناعاتهم وفنونهم أياًَ كانت فإن الشاب الذي ينفق كل ساعات دراسته في الكد والاجتهاد مليء بأن يثق بحسن النتيجة وبلوغ الغاية. فاعمل ما عليك ودع النتيجة وشأنها فستعمل أيضاً ما عليها إذ تنتبه يوماً ما من منامك فتجدك معدوداً ضمن الفحول والنوابغ والفطاحل مهما كانت صناعتك وحرفتك. واعلم أن ملكة التمييز والبصيرة والحنكة والخبرة لا تبرح تنمو فيك وتتكون وسط كل ما تعاني وتعالج من تفاصيل الصناعة وجزيئاتها وتافهاتها وحقائرها حتى تنضج لك هذه الملكة وتستتم وتصبح لك ملكاً ثابتاً (أبقى على الزمن الباقي من الزمن).
غموض الحق حين تذب عنه ... يقلل ناصر الخصم الحق
تجل عن الدقيق عقول قوم ... فتحكم للمجل عن المدق
إذا غمر المال البخيل وجدته ... يزيد به يبساً وأن ظن يرطب
وليس عجيباً ذاك منه فإنه ... إذا غمر الماء الحجارة تصلب
إذا طرف من حبلك انحل عقده ... تداعت وشيكاً بانتقاض مرائره
стр. 3335
فلا تغفلن أمراً وهي منه جانبه ... فيتبعه في الوهي لا شك سائره
стр. 3336
حضارة العرب في الأندلس
الرسالة الثانية
من المرية إلى قرطبة
(تابع)
وبعد أن أقمنا في الورية ثلاثة أيام بلياليها تحمنا منها في ركب فخم نبيل موف على الغاية، في الأبهة والروعة والجلال، قاصدين إلى قرطبة حضرة هذه البلاد، وكان في طليعة الركب أمير البحر عبد الحمن بن رماحس، إذ أمره الحكم بن أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر وولي عهده كما أسلفنا أن يتلقانا في وفد من وجوه الأندلسيين ويجيء معنا إلى قرطبة مبالغة من الأمير حفظه الله في الاحتفاء بنا وبأبي علي القالي البغدادي وبأبي عبد الله الصقلي الفيلسوف الذي وصل إلى المرية قبل انفصالنا عنها، وكان في المركب من الأندلسيين الرمادي الشاعر وأبو بكر بن القوطبة وأبو بكر الزبيدي وكثير من أدباء الأندلس وأعيانها.
وقد بهرنا وسحر أعيننا وملك علينا ألبابنا ما رأيناه في طريقنا من استبحار العمران في هذا القطر الأندلسي، فقد كنا نمر في اليوم الواحد بثلاث مدن وأربع، وفي حيثما سرنا نرى الحوانيت - في الأودية ورؤوس الجبال لبيع الخبز والفواكه والجبن واللحم والحوت وما إلى ذلك من ضروب الأطعمة. وكنا نتعثر تعثراً بالجداول والأنهار، تحفها البساتين وصنوف الزرع والنجوم والأشجار، حتى لظننا أنه ليس في هذه البلاد صحراء مقفرة أو أرض غامرة.
يا أهل أندلس لله دركم ... ماء وظل وأنهار وأشجار
ما جنة الخالد إلا في دياركم ... ولو تخيرت هذا كنت أختار
أما القرى والمعاقل والحصون فإنها لا تحصى كثرة، وقراها جميلة لتأنق أهلها في أوضاعها وتبييضها لئلا تنبو العين عنها.
لاحت قراها بين خضرة أيكها ... كالدربين زبرجد مكنون بي عبد اأبي عبد الله أ
وأكثر مدنها مسور من أجل الاستعداد للعدو، وفي مدنها لذلك ما يبقى في محاربة العدو ما يربى على عشرين سنة، لامتناع معاقلها ودربة أهلها على الحرب.
стр. 3337
وكنا في طريقنا نتذاكر الأدب ونتناشد الأشعار ونخوض في ضروب من الحديث لا علينا إذا نحن أوردنا شيئاً منها في هذه الرسالة، فمن ذلك أن أبا علي قال من كلمة له (لما مررت بالقيروان - وأنا أعتبر من أمر به من أهل الأمصار فأجدهم درجات في العبارات وقلة الفهم بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد كأن منازلهم من العلم محاصة ومقايسة فقلت أن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم، فسأحتاج إلى ترجمان في هذه الأوطان، ولكن لما جئت إلى هنا قضيت عجباً من أهل هذا الأفق الأندلسي في ذكائهم) ومن ثم كنا نراه يتغطى عن الأندلسيين عند المباحثة والمناظرة ويقول لهم (إن علمي علم رواية وليس علم دراية فخذوا عني ما نقلت فلم آل لكم إن صححت) ثم فرط منه قول ذهب فيه إلى تفضيل شعراء المشرق على شعراء المغرب فانتدب له أحد الأدباء ممن كانوا في هذا الركب وقال إن أهل الأندلس أشعر الناس فيما كنزه الله تعالى في بلادهم وجعله نصب أعينهم من الأشجار والأنهار والطيور والكؤوس، لا ينازعهم أحد في هذا الشأن - أما إذا هب نسيم، ودار كأس في كف ظبي رخيم، ورجع بم وزير وصفق للماء خرير، أورقت العشية، وخلعت السحب أبرادها الفضية والذهبية، أو تبسم عن شعاع ثغر نهر، أو ترقرق بطل جفن زهر، أو خفق بارق، أو وصل طيف طارق، أو وعد حبيب فزار من الظلماء تحت جناح وبات مع من يهواه كالماء والروح، إلى أن ودع حين أقبل رائد الصباح، أو أزهرت دوحة السماء بزهر كواكبها، أو قوضت عند فيض نهر الصباح بيض مضاربها، فأولئك هم السابقون السابقون. الذين لا يجارون ولا يلحقون، وليسوا بالمقصر ينفي الوصف إذا تقعقعت السلاح، وسالت خلجان الصوارم بين قضبان الرماح، وبنت الحرب من العجاج سماء، واطلعت شبه النجوم أسنة وأجرت شبه الشفق دماء، وبالجملة فإنهم في جميع الأوصاف والتخيلات أئمة، ومن وقف على أشعارهم في هذا الشأن فضلهم فيه على أصناف الأمة، فقال أبو علي: (نعم وفي الحق ما تقول بيد أن شعراء المشرق فضلاً أن شعرهم أصفى ديباجة، وأكثر ماء وطلاوة، وأسد مسلكاً وأوضح منهجاً، وأشكل في مبناه بالشعر القديم حتى لا يكاد يشذ عنه قيد شعرة، وفضلاً أنه في الأعم الأغلب رصين متماسك جزل قوي غير مهلهل النسج، تراهم مع ذلك ذهبوا به كل مذهب من القول، وافتنوا في مناحيه أيما افتتان، وغاصوا على المعاني
стр. 3338
غوصاً حتى بلغوا في ذلك المبالغ، ووصلوا إلى الغاية التي لا وراءها، وإني لا أظن أن لعلي بن العباس الرومي أو بشار بن برد أو أبي نواس أشباهاً ونظائر في هذه البلاد، على أني مع ذلك لست أنكر على الأندلسيين ذكاءهم وتوقدهم وأنهم - كما رأيت وكما وصفوا إلى - (عرب في العزة والأنفة وعلو الهمة وفصاحة اللسان وإباء الضيم والسماحة بما في أيديهم والنزاهة عن الخضوع والاستخذاء - هنديون في فرط عنايتهم بالعلوم ورغبتهم فيها وضبطهم لها - بغداديون في نظافتهم وظرفهم ورقة أخلاقهم وذكائهم وجودة قرائحهم ولطافة أذهانهم ونفوذ خواطرهم - يونانيون في استنباطهم للمياه ومعاناتهم لضروب الغراسات واختيارهم لأجناس الفواكه وتدبيرهم لتركيب الشجر وتحسينهم للبساتين بأنواع الخضر وصنوف الزهر - صينيون في إتقان الصنائع العملية وأحكام المهن الصورية - تركيون في معاناة الحروب والحذق بالفروسية والبصر بالطعن والضرب)
كبرت حول دياركم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق
ولو أبصروا ليلى أقروا بحسنها ... وقالوا بأني في الثناء مقصر
وهنا انبعث أبو عبد الله الصقلي الفيلسوف وقال ما تلخيصه، الذي أراه أن شعراء كل قطر من الأقطار أو جيل من الأجيال لابد من أن يتأثروا بالمحيط الذي يحيط بهم، وأن يصطبغ شعرهم بصبغة ما يرون ويحسون من حولهم، فالشاعر الجاهلي أو المبتدي في الجاهلية والإسلام الذي لا تقع عينه إلا على صحراء مقفرة، أو سماء ماطرة، أو وحش كاسر أو غزال نافر، لم ير ريفاً، ولم تغذه رقة الحضر، ولم يشبع من طعام، قد خالط الغيلان، وأنس بالجان، وأوى القفر واليرابيع والظباء، فإنه حري أن لا يقول إلا في جنس ما هو بسبيله من وصف البيد والمها والظبي والظليم والناقة والجمل وما إلى ذلك، في قول مؤنق مشرق واضح الطريقة لا تعمل فيه ولا كلفة، يوائم أمزجتهم وطبائعهم، ويلائم المحيط الذي فيه عاشوا والجو الذي فيه درجوا والفطرة الأولى التي فطروا عليها، والسذاجة التي هي من خاص صفاتهم، وقد يكون لهم مع ذلك الحكمة البارعة والكلمة الرائعة والمثل السائر والموعظة الحسنة، مما يبهر أعرق المتحضرين ويصيب منهم أقصى غايات الإعجاب والإكبار، ولكنه الوحي والإلهام الذي تلهمه الفطرة القوية النقية البريئة، ويؤتى الطبيعة الكريمة ما يؤتى سهوا رهوا، وليس هو بنتاج العقل المسموع ولا بثمار الملكات المكتسبة.
стр. 3339
(وبعد) فأما المولدون وهم الذين تصح المفاضلة بينهم وبين شعراء المفرب لأنهم جميعاً تحضروا وعاشوا في رونق النعيم واعتركوا بالدنيا واعتركت بهم فالرأي عندي أن يقال إن الشعر لفظ ومعنى وأما اللفظ فإن شعراء المشرق لأن أكثرهم جاروا الأعراب وأهل البادية ولقنوا اللغة منهم والتصقوا بهم ونشؤوا في أحضانهم وغذوا بلبانهم ترى لهم الألفاظ المتخيرة، والديباجة الكريمة والطبع المتمكن والسبك الجيد وكل كلام له ماء ورونق، وترى شعرهم رصيناً متسقاً على استواء واحد لا يتدافع من جهاته ولا يتعارض من جوانبه ولا يجمع ولا يشتط ولا يأتيه الضعف والهلهلة والاسترخاء من أية ناحية من نواحيه. وأما المعنى فإن فحولة وشعراء المشرق الذين افتنوا في المعاني فتناناً وغاصوا عليها وأمعنوا حتى ظفروا بكل معنى عجيب يعمر الصدر ويزكي الروح ويشع في دنى العقل فتنجاب له ظلمته وتنير نواحيه وتنفتح مغالقه مثل بشار بن برد وأبى نواس وابن الرومي وهذه الطبقة فهم إنما بلغوا هذه الدرجة لأنهم من الموالي أبناء تلك الأمم الحمراء الذين امترسوا بالحضارة قبل العرب امتراساً وعالجوها وعالجتهم وداوروا صنوفها من الصناعات والعلوم وما إليها وصرفوا فيها أعنة الفكر وافتدحوا لها زناد الرأي وهلم حتى أن ذلك على كر الغداة ومر العشي عقولهم، وشحذ أذهانهم وأذكى أرواحهم وأكسبهم ملكات عبقرية عجيبة، فورث ذلك منهم أبناءهم وانحدر مع دمائهم وكان منهم هذا النبوغ الذي نرى آثاره في الإسلام.
وما كاد أبو عبد الله يتم قولته تلك حتى صاح أبو بكر بن القوطية وقال أشيخنا شعوبى؟ فقال أبو عبد الله إني وإن كنت لا أرى لعربي فضلاً على عجمي إلا بالتقوى وإن تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم ولا بأحسابهم ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم وشرف أنفسهم وبعد هممهم، فمن كان دنيء الهمة ساقط المروءة لم يشرف وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها، ومن أمية في أرومتها، ومن قيس في أشرف بطن منها، ومن ثم يقول الله جل شأنه إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ويقول رسول الله في خطبة الوداع، أيها الناس إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء كلكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى - فإني مع هذا أقول ما قاله ابن المقفع - وقد سأل جماعة من أشراف العرب - أي الأمم أعقل فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا لعله أراد أصله من فارس فقالوا فارس، فقال
стр. 3340
ليسوا بذلك، إنهم ملكوا كثيراً من الأرض ووجدوا عظيماً من الملك وغلبوا على كثير من الخلق ولبث فيهم عقد الأمر فما استنبطوا شيئاً بعقولهم ولا ابتدعوا باقي حكم في نفوسهم، قالوا فالروم. قال: أصحاب صنعة. قالوا فالصين. قال: أصحاب طرفة. قالوا الهند. قال: أصحاب فلسفة. قالوا السودان. قال: شر خلق الله. قالوا الخزر. قال: بقر سائمة. قالوا فقل. قال العرب. فضحكوا - قال أما إني ما أردت موافقتكم ولكن إذ فاتني حظي من النسبة فلن يفوتني حظي من المعرفة. إن العرب حكمت على غير مثال مثلها، ولا آثار أثرت، أصحاب إبل وغنم، وسكان شعر وادم، يجود أحدهم بقوته، ويتفضل بمجهوده، ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة ويفعله فيصير حجة، ويحسن ما يشاء فيحسن، ويقبح ما يشاء فيقبح، أدبتهم نفوسهم، ورفعتهم هممهم، وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم، فلم يزل حباء الله فيهم وحباؤهم في أنفسهم. حتى رفع لهم الفخر، وبلغ بهم أشرف الذكر وختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر، وافتتح دينه وخلافته بهم إلى الحشر، على الخير فيهم ولهم فقال إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. فمن وضع حقهم خسر، ومن أنكر فضلهم حسر، ودفع الحق باللسان أكبت للجنان.
بيد أن العرب لم يكن لهم بادئ ذي بدء دراية بالحرف والصناعات وبالعلوم وتعلمها الذي هو في عداد الصناعات وذلك لمكانهم من البداوة ورسوخ أقدامهم فيها ومن ثم كانت الشريعة الإسلامية - إذ كان القوم أكثرهم أميين - تتناقل في صدورهم - وجرى الأمر على ذلك أزمان الصحابة والتابعين - فلما بعد النقل من دولة الرشيد فما بعد احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية وتقييد الحديث مخافة ضياعه ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنة وفسد مع ذلك اللسان فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية وصارت العلوم الإسلامية ذات ملكات محتاجة إلى التعليم فاندرجت في جملة الصنائع، وهو معلوم أن الصنائع من منتحل الحضر والعرب أبعد الناس عنها والحضر لذلك العهد هم العجم أو من في معناهم من الموالي فكان صاحب صناعة النحو سيباويه ثم الفارسي من بعده ثم الزجاج وكلهم عجم في أنسابهم وكذا حملة الحديث وعلماء أصول الفقه وعلماء الكلام والمفسرون وأكثر فقهاء الأمصار مثل الحسن بن أبي الحسن ومحمد من سيرين فقيهي البصرة وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وسعيد بن جبير وسليمان بن يسار فقهاء مكة وزيد بن أسلم ومحمد
стр. 3341
ابن المنكدر ونافع بن أبي نجيح فقهاء المدينة وربيعة الرأي وابن أبي الزناد فقهاء قباء وطاوس وابن منبه فقيهي اليمن وعطاء بن عبد الله فقيه خراسان ومكحول فقيه الشام والحكم ابن عتيبة وعمار بن أبي سليمان فقيهي الكوفة وهلم، وبالجملة لم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم وظهر بذلك مصداق قوله ﷺ : لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس، وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا إليها عن البداوة فقد شغلتهم الرئاسة في الدولة وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم والنظر فيه فإنهم أهل الدولة وحاميتها وأولو سياستها مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم بما صار من جملة الصنائع، والرؤساء أبداً يستنكفون من الصنائع والمهن وما يجر إليها ودفعوا ذلك إلى من قام به من العجم والمولدين - فكان امتراس العجم من القديم القديم في الحضارة وما تستتبعه من العلوم والصنائع سبباً في كيسهم وفطنتهم ونماء عقولهم ورجحان أحلامهم وميران ملكاتهم على الاستنباط والتخريج والتماس الحيل وتوليد المعاني ومن ثم كان شعر الموالي منمازاً عن شعر العرب الأقحاح باستفتاح إغلاق المعاني الدقيقة العبقريات والافتتان فيها وتلوينها بكل لون، وهاك شعر بشار وأبي نواس ومروان بن أبي حفصة وابن الرومي ومن إليهم من الشعراء الموالي، ترى الشاهد الصدق لما أقول، وعرب الأندلس منذ فتحهم هذه البلاد إلى وقتنا هذا لا تزل نزعتهم عربية في كل شيء حتى في شعرهم إلا ما أكسبتهم إياه طبيعة بلادهم وخصوبتها فمن ثم كان فرق ما بين شعرهم وشعر المشارقة في الجملة. .
وبعد أن أتم أبو عبد الله كلامه أفضى بنا الحديث إلى ذكر الغزال الشاعر الأندلسي الظريف - وملحه ونوادره، وهذا الغزال كما أخبرنا ابن القوطية، هو يحيى بن حكم البكري الجياني الملقب بالغزال لجماله وقد كان في الثالثة من بني بكر بن وائل وكان حكيماً شاعراً عرافاً وكان آية في الظرف وخفة الروح، وجهه الأمير عبد الله ابن الحكم المرواني إلى ملك الروم فأعجبه حديثه وخف على قلبه وطلب منه أن ينادمه فتأبى ذلك واعتذر عنه بتحريم الخمر، وكان يوماً جالساً معه وإذا بزوجة الملك قد خرجت وعليها زينتها وهي كالشمس الطالعة حسناً فجعل الغزال لا يميل طرفه عنها وجعل الملك يحدثه وهو لاه عن حديثه، فأنكر ذلك عليه وأمر الترجمان بسؤاله، فقال له عرفه أني قد بهرني
стр. 3342
من حسن الملكة ما قطعني عن حديثه فإني لم أر قط مثلها وأخذ في وصفها والتعجب من جمالها وأنها شوقته إلى الحور العين فلما ذكر الترجمان ذلك للملك تزايدت حظوته عنده وسرت الملكة بقوله، وأمر الترجمان أن يسأله عن السبب الذي دعا المسلمين إلى الختان وتجشم المكروه فيه مع خلوه من الفائدة فقال للترجمان عرفها أن فيه أكبر فائدة وذلك أن الغصن إذا زبر قوي واشتد وغلظ وما دام لا يفعل به ذلك فإنه يبقى رقيقاً ضعيفاً فضحكت واستظرفته، ومن نوادره أنه أرسل مرة سفيراً إلى بلاد المجوس (أسوج ونروج) وقد قارب الخمسين وقد وخطه الشيب ولكنه كان مجتمع الأشد، فسألته زوجة الملك يوماً عن سنه فقال مداعباً لها، عشرون، فقالت وما هذا الشيب، فقال وما تنكرين من هذا ألم تري قط مهراً ينتج وهو أشهب؟ فأعجبت بقوله فقال في ذلك - واسم الملكة تود -
كلفت يا قلبي هوى متعباً ... غالبت منه الضيغم الأغلبا
إني تعلقت مجوسية ... تأبى لشمس الحسن أن تغربا
أقصى بلاد الله في حيث لا ... يلفى إليه ذاهب مذهبا
يا تود ورد الشباب الذي ... تطلع من أزرارها الكوكبا
يا بأبي الشخص الذي لا أرى ... أحلى على قلبي ولا أعذبا
إن قلت يوماًص إن عيني رأت ... مشبهه لم أعد أن أكذبا
قلت أرى فوديه قد نورا ... دعابة توجب أن أدعبا
قلت له ماباله أنه ... قد ينتج المهر كذا أشهبا
فاستضحكت عجاباً ولي لها ... وإنما قلت لكي تعجبا
ولما فهمها الترجمان شعر الغزال ضحكت وأمرته بالخضاب فغدا عليها وقد اختضب وقال:
بكرت تحسن لي سواد خضابي ... فكأن ذاك أعادني لشبابي
ما الشيب عندي والخضاب لواصف ... إلا كشمس جالت بضبابي
تخفى قليلاً ثم يقشعها الصبا ... وطلاوة الأخلاق والآداب
стр. 3343
البولشفية
(هل عرفت حقيقة البولشفية؟)
لعل الجواب على ذلك لا يكون ميسوراً. إن نظاماً يتهمه أعداؤه بكل ألوان التهم، ويعيش ثلاث سنوات وصحافة العالم كلها تكتب عنه كتابات متناقضة متضاربة، نقول إن نظاماً هذا شأنه أن ينطوي على حقائق أكبر مما يقدر للصحف وكتابها أن ينشروا للناس.
إننا نعيش في عصر مضطرب مجنون. وآية ذلك تلك الصرخة العنيفة التي انطلقت ضد البولشفية، وذلك الصوت الذي تألب ضدها، يقذفها بإنكار التهم وأقذرها. إنها نظام إباحي يجعل المرأة شركة عامة!!
ولسنا هنا بسبيل الدفاع عن البولشفية أو نقدها. فهذا أمر لا نتصدى له في هذه المجلة. ولكنا نسوق للقراء شيئاً مما يقال عن أكبر نظام علمي اجتماعي والكلام هنا منقول عن أدق المصادر وأوثقها. والكاتب هو المستر بريسفرد كاتب انجليزي قدير محترم في بلاده زار روسيا وتجول فيها واختلط بأهلها ووقف على أنظمتها فهو يكتب عن خبرة وتدقيق. وقد كتب ما نحن ناقلوه في مجلة (الكونتمبري رفيو) التي يعرف قراء الانجليزية أنها من أكبر المجلات وأوثقها.
قال الكاتب: لقد شهد العالم أنظمة وحكومات تستمد قوتها من قوة العصبية أو الثروة أو الجنس أو التعليم أو المقدرة الشخصية. وفي روسيا اليوم أحزاب تستطيع أن تبز البولشفيك في بعض هذه المزايا أو فيها جميعاً ولكن البولشفيك يحتفظون بميزتين خاصتين بهم هما:
التدريب والنظام.
القدرة على العمل وفرط الإيمان بمذهبهم وشجاعتهم إلى حد التهوس.
وتاريخ هذا الحزب ينتهي إلى زمن الحكومة القيصرية وهذا تعليل ما هم متصفون به من قسوة التدريب وحب النظام. فلقد كانوا وهم محكومون بالحكومة المطلقة يعدون حياتهم مؤامرة مستمرة، فتعلموا التدقيق والحذر وكتمان السر والطاعة المطلقة، وتعلموا أن يقاتلوا الجاسوسية بجاسوسية أشد منها، وهكذا جعلتهم المحنة صنفاً خاصاً، فراحوا يكرهون الترف والدعة، ويكرهون الشراب واللهو وتعلموا أن يعملوا ويطيعوا وأن يعيشوا في حالة حذر مستمر ومن هنا كانوا أقدر من أعدائهم الذين ما انفكوا أهل لهو وخمول.
والحزب البولشفيكي لا يربى على أكثر من ٦٠٠ ألف رجل وامرأة. فهو أقل الأحزاب
стр. 3344
الروسيى عدداً. ولعل في ذلك ما يبعث الدهشة ويثير الاستغراب إذ كيف تستطيع أقلية كهذه أن تحكم امبراطورية تنيف على ١٢٠ مليوناً من الناس. وتعليل ذلك أن البولشفيك يعملون على أن يحتفظوا بمكانتهم بين الأحزاب بأن يكونوا أقلية. وهم أزهد الناس في الكثرة، ومن أصعب الصعوبات أن يقبل الروسي في عداد هذا الحزب ولاا بد له إذا أراد ذلك من أن يكون رجلاً معروفاً قادراً على أن يأتي بكثيرين يشهدون له شهادة طيبة فإذا استطاع طان عليه أن يؤدي امتحاناً علمياً في مبادئ البولشفيك فإذا نجح عد (طالباً) فقط وعليه أن يبرهن على مقدرة وأهلية حتى يعد (عضواً).
والبولشفيك أقرب إلى أن يكونوا نظاماً دينياً منهم إلى حزب سياسي كسائر الأحزاب التي نعرفها في أوروبا. وللخلق المقام الأول عندهم.
فطالب الانضمام إليهم موطن نفسه لا محالة على امتحانات شديدة قاسية. فلا بد له من أن يكون شديد المواظبة على الاجتماعات الحزبية وأن لا يهمل قط في أعماله وأن يطيع رؤساءه طاعة مطلقة. فإذا قبل عضواً كانت الرقابة على سلوكه أشد واقسى فإن الميسر وشرب الخمر والإهمال والفتور والتمرد جرائم يحاكم عليها بالموت وهم يكرهون الرقص ويمقتون التدخين وأكبر جرم في نظامهم الأدبي هو طالب الربح المادي.
والأسباب التي يتجعلهم أقلية صغيرة واضحة. ذلك أن الثورة التي أقاموها لا تزال تقاتل لتعيش فهم أقلية مختارة تعيش للفكرة والمبدأ. فإذا هزم جزء من الجيش الروسي يؤتى بالآليات البولشفية لتقذف في أحر القتال وأشده وإذا أبطا المعمل في مقدار ما ينتجه من العمل فلا بد من إرسال طائفة من العمال البولشفيك إليه. فإذا انتقضت قرية أو ثارت عليهم يؤتى بعضو أو اثنين من الحزب ليعيشا فيها. وإنهم يحيون حياة جهاد مستمر وهم مصدر القوة والنشاط في كل روسيا فإذا انتقصت غيرتهم للعمل أو تهاونوا أو أهملوا فإن نظامهم لا محالة مقضي عليه بالخذلان؟
ولكن هل نجحوا؟ وإلى أي حد بلغ نجاحهم؟
لقد ألقيت على واحد منهم هذا السؤال! فأجاب: نحن البولشفيك نؤدي الواجب ولا ننتظر الفائدة. إننا نعيش لحياة الحزب. فحياتنا رهينة القيادة العليا للحزب، وإن أحدنا ليتلقى الأمر فينطلق ويترك وراءه أولاده وزوجه ولعله لا يعود إليهم قط. والأعمال التي تلقى إلينا تنفذ
стр. 3345
بدون بحث فقد تكون تنظيماً أو حرباً أو نشر دعوة. وأهونها جميعاً القتال في الجيش وإننا لنعد أنفسنا في راحة وبطالة إذا تلقينا الأوامر بالانضمام إلى الجيش. إننا نخضع لأنظمة من السلوك والآداب رفيعة لا يحتملها غيرنا. يدلك على هذا أن الضابط البولشفي يعاقب بالقتل إذا أمسك في شراب ويقتل الموظف البولشفي إذا سرق أو تقبل رشوة. أما غير البولشفي فيعاقب بالسجن على هذه الجرائم نفسها، فليس ثمة ما يبعث الناس إلى الانضمام إلينا إلا شعور سام بالفكرة التي ندين بها.)
ونقاد البولشفيين وأقسى خصومهم يقرفونهم عادة بأنهم يستبيحون لأنفسهم من الترف والنعمة ما لا يتوفر لخصومهم. والتهمة باطلة بطلاناً تاماًًَ ولقد أتيح لي أن أراقب البولشفيين عن كثب واختلطت بهم (في مؤتمر الصلح في منسك) فرأيت أكبر موظفيهم يعيشون عيشة أبسط عمالهم ومسترزقيهم. ومقر الوزارة في قصر الكرملين في موسكو لم تكن قبلاً إلا بيوت ضباط حرس القصر. والحق في هذه التهمة - إذا كان لا بد من تقرير الحق - هو أن الموظف البلشفي أو غير البلشفي يتمتع بشيء من الراحة والميزة في أسفاره إذا كان موفداً في عمل رسمي للحكومة. وإن الذين يعملون في أعمال خطيرة كرجال الجيش والتعليم وصناع الذخائر يعطون من المؤن أكثر مما يعطى غيرهم وهذه الميزة متمتع بها البولشفي وغير البولشفي وهي مطلوبة للضرورة الباعثة عليها إذا أريد جعل الكفاءات الفنية موفورة الكرامة.
ويذاع مما يؤاخذ به البولشفيين أيضاً أن توزيع الطعام والملبس تراعى فيه المحسوبية والتحزب ومصداقاً لهذا أقول انه اكتشفت في الأقاليم حادثة من هذا النوع ولكن مما يقال دفاعاً عن البولشفيين أن مفتشيهم هم الذين فضحوا الجريمة وأبرزوها للتحقيق مما يدل على أنهم يكرهون مثل هذه الجرائم ولا يشجعونها والرشوة والمحاباة داآن معروفان في روسيا وقد تكون هناك جرائم أكبر مما اكتشف الآن السبيل إلى إذاعتها قط ولكن الحق يقضي إنصافاً للنظام البلشفي أن نقول أنهم يعاقبون المجرم المتهم بالرشة أو المحسوبية بالموت وهم من صرامة العقاب يزيدون الجرائم ولا يقللونها ذلك أن الناس يكرهون أن يدل بعضهم على بعض ويقودوهم للموت.
وتأليف هذا الحزب مثير للدهشة باعث على العجب. ذلك أن حزب الشباب. وأنا أسوق
стр. 3346
هنا إحصاء كنموذج لذلك. والإحصاء مأخوذ عن سنة ١٩١٩ في بلدة سامارا -
من سن ١٦ إلى ١٨ عدد الأعضاء ٦٧
من سن ١٩ إلى ٣٠ عدد الأعضاء ١٣٥٣
من سن ٣١ إلى ٤٠ عدد الأعضاء ٦٠٧
فوق الأربعين عدد الأعضاء ٢٠٥
وعدد الرجال ١٩١٢ والنساء ٢٤٧. والمهن كما يأتي: -
صناع يدويون ١٢٩٣ عضواً
كتبة وموظفون ٤٩٨ عضواً
فلاحون ١٥٦ عضواً
أطباء ومعلمون ١٥٤ عضواً
ومثال آخر يدل على أن الشباب هو الذي يمد هذا الحزب بالنصيب الأوفر من القوة والنفوذ هو ما يدل عليه الإحصاء في جامعة سفرلدوف في موسكو وهي جامعة خاصة بتدريب رجال البولشفية على النظام والإدارة. وعدد طلا بها نيف وألف شاب وشابة هم صفوة الطبقة العاملة وأحسن مفكريها يدرسون العلوم السياسية كما يفسرها البلشفيك وكما تتساوى مع أنظمتهم. ومدة الدرس ستة أشهر. يأخذون فيها دروساً في الاقتصاد السياسي وتاريخ الحضارة وتاريخ روسيا وتاريخ المذاهب الاشتراكية كما ارتآها كارل ماركس الزعيم الأكبر. وبعد الستة أشهر ينقطع الطلاب لدرس أساليب الإدارة والنظام في الوزارة التي يستخدمونها (الزراعة أو التعليم أو الطعام الخ) ويجمعون فيها بين الدرس والعمل. ولما كانت الستة أشهر غير كافية لتخريج أخصائيين أكفاء فقد جعلوها سنتين وهذه الجامعة واحدة من عدد عظيم مثلها قائم في سائر أنحاء روسيا.
وطلاب الخدمة المدنية يقترعون لهذا التدريب العلمي بواسطة المجالس السوفيتية والنقابات والجمعيات البلشفية. وهم في الجملة يمثلون ٢٥ شعباً من شعوب روسيا حتى الآسيوية منها ولكن للروس الأصليين الأغلبية إذ يبلغون ٧٣ في المائة من المجموع ويأتي بعدهم اليهود ولهم سبعة ونصف في المائة فقط.
والحزب البلشفي ينتقي رجاله اليوم من الشباب - رجالاً ونساء - الذين شهدوا الثورة
стр. 3347
وعاشوا في ظل حكومتها. ولهم هيئات منظمة يسمونها (الحزب الكوموبي الفتي) يضم ٤٠٠ عضو وهو يكاد يتساوى مع الحزب الأصيل في قوته ونظامه.
زارني أربعة فتيان من هذا الحزب في إقليم فلدمير وهم متحمسون غلاة في عقيدتهم لهم جرأة وإقدام نادران. جاؤوا إلي يسألونني أسئلة عن حزب العمال الانجليزي ويصفون نظام حزبهم. وقد علمت منهم أن إقليمهم يضم ٩٠٠٠ عضو ثلثهم فتيات وهم ينشرون فكرتهم بواسطة الخطابة والاجتماعات. مثال ذلك أنهم يعقدون اجتماعات عامة يحضرها أنصارهم وغير أنصارهم ثم يثيرون مسألة خلافية كفكرة كارل ماركس مثلاً ويتركون للخطباء الدفاع عن آرائهم ومن هنا يذيعون عن المبادئ الاشتراكية دعوة ناجحة. ولهم في التربية والتعليم غايات محدودة واضحة المعالم ولقد قيل لي رداً على سؤال مني عن هذه الغايات هذا القول: إننا نذهب إلى خلق نفسية جديدة في الشبان ونعدهم أعداداً خاصة للعمل الاجتماعي نريد أن نجعل الذين تمتعوا بحظ من التعليم العالي أن يؤدوا بعض هذه النعمة في شكل عمل اجتماعي منظم لا أن يكتفوا بأداء عمل حكومي تافه. وقد علمت منهم أنهم يبذلون مساعدتهم في ملاجئ الأيتام ومدارس الأطفال وينظمون عمال المعامل الكبرى لزيادة المزارع وهكذا مع الزراع لزيادة المعامل.
وأسوق هنا بعض ما يعمله الشباب منقولاً عن جريدة الحزب الأسبوعية.
أقام الحزب في قرية معملاً للصابون يوزعونه مجاناً على الفلاحين توخياً للنظافة بينهم.
وفي قرية أخرى أقاموا محلاً لإصلاح الأحذية القديمة مساعدة لعائلات الجنود المحاربين.
وفي أخرى نظموا طوائف من السكان لمحاربة الأمراض الوافدة.
وفي أخرى أحصوا الأميين من السكان الذين تزيد سنهم عن الست عشرة سنة وافتتحوا مدرسته لتعليمهم.
وفي إقليم خزان افتتحوا ٣٥ مكتبة ضمت بين أعضائها ١٥٠٠ مسلم منهم ٢٥٠ مسلمة.
وفي بلدة أخرى جمعوا الحديد القديم البالي ودقوه محاريث للفلاحين.
وفي بلدة سوزدال (قرب فلدمير) وبخوا سكرتير الحزب لارتياده المراقص الليلية.
وفي التركستان جمعوا إحسانات لإعانة الأطفال في موسكو وبترغراد.
قال الكاتب بعد كلام عن (اللجنة الخاصة) وهي التي لا تحاكي خصوم البلشفية: (وأنا ولا
стр. 3348
شك معط فكرة غير صحيحة عن البلشفيين إذ قلت أنهم يستخدمون القوة وحدها لتأييد نظامهم. والحق يدعوني أن أقول أنهم لا يستندون على القوة إنهم يأخذون أقرب طريق لتحقيق سياستهم وهذا مثال من ذلك.
كانت الأكاديمية العلمية في بترغراد قد قررت قبل شبوب الثورة الأولى العدول عن طريقة الكتابة بالحرف الروسي القديم (البيان: يكتب الروس لغتهم بحروف تختلف عن الحروف اللاتينية وهي أقرب إلى اللغة الأرمنية منها إلى اللغة اللاتينية) فلما حلت حكومة كرنسكي محل الحكومة القيصرية نشرت أمراً عالياً لتنفيذ توصيات الأكاديمية ولكن شيئاً من ذلك لم يقع وظلت المطابع تستخدم الحروف القديمة. فلما جاء البلشفيون عمدوا إلى وسيلة عملية ناجحة ذلك أنهم أرسلوا رجال الجيش إلى المطابع كافة ليرفعوا الحروف القديمة ويحلوا الجديدة محلها وهكذا نجحت الفكرة الإصلاحية بواسطة القوة.
إن البلشفيين رجال عمل ونشاط. وعملهم لا يستند على القوة وحدها لإنجاحه بل لعله لا توجد في العالم حكومة تفوق البلشفيين في استخدام الإقناع ونشر الدعوة وبث التعليم. البندقية دائماً معدة في أيديهم ولكنهم لا يعمدون إلى استخدامها إلا إذا فشلت المطبعة ولهم في نشر دعوتهم طرق منوعة. فهم يكثرون الإعلانات الملونة التي تلصق على الجدران ففي كل طارئ من طوارئ السياسة العامة يتلقى الناس درساً في الاقتصاد أو الجغرافيا عن طريق الإعلانات فإذا حرم الناس السكر أو الزيت فإن الحكومة تعمد إلى تبيان الأسباب التي أدت إلى ذلك مثال ذلك أنهم ينشرون خريطة للبلاد الروسية ويلونون كل جزء منها بلون لإظهار ميزته من الوجهة الاقتصادية فالمقاطعات التي تنتج السكر بلون والتي تصنع الزيت بلون آخر وهلم جرا. فالرجل العامي لأول مرة في تاريخ روسيا بدأ يعرف شيئاً عن حدود بلاده بعد أن كان لا يدري أكثر من حدود قريته.
وهذه الطريقة نفسها طريقة نشر الخرائط الملونة متبعة في إظهار مقدار ما أصلح من الخطوط الحديدية وما خرب منها وبها يذيعون أخبار انتصارات الجيش أو الثورات الداخلية، وهكذا جعلوا للعامل فكرة عن نفسه أدخلوا إليه روح الاعتداد بعمله.
فمن الإعلانات الملونة التي رأيتها إعلان منها يدل على مقدار الحرية التي تتمتع بها المرأة في ظل الثورة ونقد الأمثال الروسية القديمة عن المرأة وآخر ينطوي على تهكم مر على
стр. 3349
خصوم الثورة وهم أصحاب المال والارستقراطيون وكهنة الدين.
وفي كل بلدة أو محطة غرفة للمطالعة تقوم فوق جدرانها هذه الإعلانات المصورة وفيها تجد الكراسات التي تنشر فكرة خاصة عن موضوع خاص ولهم أيضاً قطر السكك الحديدية المعدة لنشر الدعوة - وعددها ستة - وهي مسلحة بكل وسيلة للإعلان والنشر. ففي كل قطار تياترو وسينماتوغراف ومطبعة وجوقة موسيقية وهكذا يزخرف البلشفيون الحياة ويبعثون فيها لذة وفتنة.
وهم يجمعون بين استخدام القوة واستخدام الإقناع والجدل. مثال ذلك الطريقة التي يتبعونها في جمع الغلال من الفلاحين وهي التي يأخونها بديلاً من الضرائب. وقد صور تولستوي وسائل الإرهاب والجلد التي كانت تتبعها الحكومة القيصرية في جمع الضرائب أما البلشفيون فيتبعون وسائل أخرى، ذلك أنهم نظموا شرطة خصيصين لجمع الغلال وهؤلاء لا يتقاضون ما للحكومة قبل أن يعقدوا اجتماعات عامة للفلاحين ينبري فيها الخطباء للتأثير على السامعين بالكلام عن حاجة المدن وبؤس أهلها فإذا انتهوا من البلاغة وإقامة الحجة خلع الشرطة أرديتهم وأخذوا المناجل وانحنوا على الأرض للحصد والجمع، وهكذا يجمعون إلى قوة البيان قوة البندقية.
وقد صرفت في فلدمير وقتاً استمعت فيه خطباء البلشفيين وهم معروفون بلقب (الدعاة) (ولعل ألطفهم وأفتنهم النساء) وعمل هؤلاء الدعاة شاق فإنه ليس ما يستهان به إقناع القرويات الروسيات بنظريات البلشفية وحملهن على تسليم أولادهن إلى المدارس التي أقاموها ولهم في هذا السبيل وسائل ممتعة جميلة، ذلك أنهم ينظمون حفلات (بساتين الأطفال) ويدعون الأمهات إليها فتأتي الأمهات ويبتهجن بهذا النوع من التعليم ويطلبن إلا كثار منه.
ولعل أكبر الصعوبات في سبيل البلشفية هي مسألة الدين، والبلشفيون أهل تسامح ولكنهم معادون لرجال الدين عداء قاسياً لأن الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا أشد العالم كله تأخراً وأكثرها تشبثاً بالخرافات السخيفة والبلشفيون معدودون عند الكبار وأهل الجيل الماضي كغرة ملحدين ولكنهم ليتخذون من انحطاط رجال الدين وسيلة للاستظهار عليهم والظفر بهم فالخرافات التي يروجها القساوسة هي التي يستخدمها البلشفيون وسيلة لنقد الكنيسة،
стр. 3350
فالروس يعتقدون إن صلاة الكهنة تجلب لهم المطر إذا أجدبت أرضهم وقد وقع مثل هذا الجدب وهم يتخذون عقيدة الناس في أهل التقوى والصلاح الذين تكثر مزاراتهم والمقامات التي يقدسها العامة وسيلة لهدم هذا التقديس. فالروس يعتقد أن جثة القديس محفوظة في الجدث حتى يوم البعث وإن البلى لا يجد إليها سبيلاً. وقد فتح البلشفيون قبور أهل التقوى فإذا هم عظام نخرة وأكوام تراب. هذا وأمثاله مما يفعل فعله في هدم الكنيسة وتقويض دعائمها.
وأهل الكنيسة مبغوضون لتلك الحياة التي يحيونها والناس لا يعدونهم إلا عمال جمارك على حدود هذه الدنيا والدنيا الأخرى. وهذا ما يجعل للدعوة التي يبثها أعداؤهم (البولشفيك) قوة ونفوذاً.
стр. 3351
بطل مصر العظيم
سعد زغلول
لعل قراءنا لا يزالون على ذكر مما كتبه البيان باستفاضة أوائل سنة ١٩١٤ عن بطلنا العظيم، ورسول هذه الأمة القوي المتين الأمين - سعد زغلول - لمناسبة اختياره وكيلاً عن الأمة في الجمعية التشريعية - وكأنا بما كتبنا إذ ذاك كنا نتنبأ بما سيكون من سعد، ونقرأ بظهر الغيب تلك الآيات التي خبأها القدر مسطورة في صحيفة بطل مصر - وإن كل من عرف سعد قبل اليوم وخالطه كما خالطناه، وكان ثاقب البصر نافذ البصيرة نيرها، لا بد متنبئ نبوءتنا، قاض بأن سيكون لسعد هذا الشأن أو مثل هذا الشأن. وهكذا نبأنا التاريخ بأن عظماء الدنيا وأبطال العالم من أنبياء ومصلحي أديان وفاتحين ومحرري أوطان ومن إليهم قد عرفهم وتنبأ بما سيكون منهم - قبل أن يكون - كثير ممن رآهم.
واليوم - وقد تحققت نبوءتنا وأصبحنا نرى البطولة تغدو وتروح بين ظهرانينا ونري حتماً لزاماً علينا أن ننبه الغافلين إلى هذه البطولة الخالدة وإلى وجوب تقديسها وحبها واحترامها والاغتباط بها والتملي بجمالها وجلالها، إذ يعد جحودها أو عدم تقديرها سبة العصر ووصمة الجيل وعنوان الكفر والإلحاد وفساد القلوب وخبث الأرواح وموت الضمائر - نعيد الكرة ونأخذ في الكلام على البطولة وخصائصها ومزاياها وآثارها الصالحة في العالم، وإنها كلها الآن بحمد الله ماثلة بمصر، في شخص سعد. وإننا نفتتح الكلام في ذلك بكلمات لصاحب هذه المجلة حول بطولة سعد هي بنت الساعة وعفو الخاطر، خرجت من القلب عسى أن تقع في قلب من له قلب، ثم نردفها بمقالين وضعا خصيصاً للبيان في هذا الشأن، أحدهما تام في هذا العدد للكاتب علي أدهم والآخر طوال مسلسل ننشر بعضه على أن ننشر باقيه في الأعداد القادمة - للكاتب محمد السباعي.
(١)
كل خصائص البطولة من الرجولة الحقة القوية المتينة، ولا صراحة التامة الخالصة النقية، والإخلاص الحار العميق والإيمان القوي الراسخ والصدق، واليقين والثقة بالنفس والمضاء والجرأة والإقدام وقوة العارضة ونصوع الحجة، ووضوح المحجة. كل أولئك موفور في بطل مصر العظيم سعد زغلول باشا، فهو بلا شك بطل من أبطال الدنيا وعظماء العالم
стр. 3352
الذين ترسلهم السماء إلى هذه الأرض في الوقت المناسب. ومن الحين إلى الحين رحمة للعالمين.
لا يعرف البطل ولا يقدره حق قدره ولا يحبه ويحترمه ويؤمن به ويشد أزره ويهتدي بهديه وينقاد إليه إلا كل من كان فيه عنصر البطولة،. فكل من يفطن إلى بطولة سعد فيقدسه ويؤمن به إيماناً تاماً مطلقاً لا شوب فيه ولا حد له، فذلك لأنه هو الآخر رجل بطل صادق مخلص طيب العنصر كريم المنبت كبير القلب عظيم الروح إلهي النزعة وقد ما قيل (إنما يعرف الفضل من الناس ذووه) وكل من لا يؤمن بسعد كبطل من إبطال الدنيا فلا يستشعر حبه واحترامه وتقديسه والتفاني فيه والاستماتة في ذلك إلى حد التهوس والجنون فهو إما رجل جبان مروع منخوب القلب، أو رجل حقود حسود رانا على قلبه القوة الغضبية، وهوت بها إلى ما هو دون مستوى الإنسانية العالية، أو رجل خاوي النفس فاتر الروح بليد القلب، أو رجل ماكر خبيث ملحد ناضب معينت الإيمان فلا قلب ولا صدق ولا إخلاص، وبالتالي لا خير فيه لنفسه ولا لأهله ولا لدينه ولا لوطنه.
من أكبر خصائص البطل أن يكون أشياعه ومريدوه من ذويي الأرواح الطاهرة النقية البريئة أو القلوب الحارة المتأججة المضطرمة، ومن ثم نرى أول من يؤمن به وببطولته هم أولئك الذين لم تلوث فطرهم، ولم تدنس من اللؤم أعراضهم، من الشباب والنساء والأطفال والعامة والمصطفين الأخيار من الخاصة. وترى أشد الناس عداوة له ومناوأة، أو المتثاقلين في أمر الإيمان به، هم أولئك الذين يعبر عنهم في هذا العصر الغريب بأرباب المصالح أو المعتدلين أو المفكرين، لأن هؤلاء لأنهم ماديون أرباب غايات دنيوية عاجلة، أو لأنهم فاتروا الأرواح خائروا النفوس ومتبلدوا القلوب، أو لأنهم لؤماء ماكرون، يظنون أن البطولة تقف عثرة في سبيل غاياتهم، أو هي حجة قائمة على بلادتهم وفتور أرواحهم، أو هي إعلان عن ضآلتهم وحقارة نفوسهم.
ليس انفضاض الناس من حول البطل مما يعيبه أو يتنقصه أو يصح اتخاذه سبيلاً لغمره أو غمط بطولته - وفي الحق، أن ذلك من أحمق الحمق، لأن انفضاض الناس من حول البطل إنما هو على العكس آية على انحطاط الجيل، إذ تنوء البطولة بأهله ولا يطيقون لها احتمالاً فيدركهم الإعياء والكلال ولا يستطيعون مضياً في سبيل البطولة فيتراجعون
стр. 3353
متخاذلين. وهذ١انابليون العظيم أنبأنا التاريخ أن أشياعه ومريديه لما دب إليهم الضعف والوهن صاحوا قائلين ما معناه (كفى نابليون - لقد شبعنا نابليونية).
ليس منت مستلزمات البطولة أن يحالفها النجاح فيما تنهض به وترمي إليه من الغايات والمقاصد. وكل ما على البطل أن يسعى إلى الخير جهده وليس عليه كما يقولون أن يساعده الدهر، وهل أزرى ببطولة نابليون أن انهزمت جيوشه في واقعة واترلو؟ ألم يبق نابليون بعد ذلك هو نابليون؟
يعيب البطال في نظر الحمقى أن يغيروا ويبدلوا في أنظارهم، وأن ينقضوا اليوم ما أقروا بالأمس، وأن لا يستقروا على حال من القلق، بينما هم يبررون أفاعيل الساسة وتلونهم بكل لون ولبوسهم لكل حال لبوسها بأنها السياسة. وأن السياسة تكذب وأمثال ذلك - أو ليس الأنبياء المرسلون أنفسهم كانوا يعمدون الحين بعد الحين إلى نسخ ما اشترعوا من الأحكام، واستبدال بعض ببعض مراعاة للظروف وتبدل الأحوال كانوا يعمدون إلى ذلك ويعمدون إليه كثيراً وما عليهم به إلا السفهاء من الناس.
من المعروف لدى كل من تتبع حركة الإصلاحات الفكرية أو الانقلابات الاجتماعية أن رجال الدين دائماً أعداء لهذه الحركات وأعداء لزعمائها والقائمين بها. لأن رجال الدين في الأعم الأغلب جامدون يأبون إلا بقاء القديم على قدمه. فهم يخشون أن يكون من وراء هذه الحركات قضاء على نفوذهم الديني وما يجر إليه هذا النفوذ من المصالح والنافع وإذا كنا نرى من بينهم من يخرج على هذه القاعدة فإنما يكون ذلك لأسباب راجحة غلابة، كأن تكون هناك روح حارة وثابة، أو مصلحة آجلة، ترجح بالمصلحة العاجلة، أو تشبع بالروح الدينية البريئة الصحيحة، أو المبادئ القويمة السامية الصريحة.
جرت سنة الله في خلقه أن الناس لا يرون العظماء والأبطال بالغين الحقيقة فيقدرونهم حق قدرهم ويقدسونهم التقديس الواجب ويتعلقون بهم التعلق التام إلا إذا حيل بينهم وبين الأبطال بأي حائل كان: وتكرم أوصال الفتى بعد موته، وعلى ذلك فكلما كانوا لاصقين بهم قريبين منهم رأوهم أقل مما هم عليه، وفترت قوة الإيمان بهم وضعف إجلالهم في نفوسهم، والأبطال في ذلك كالشمس لا تستطيع العين المجردة أن تجتليها اجتلاء صحيحاً تاماً أتم ما تكون ساطعة مشعة متلألئة، أما إذا كان هناك حائل كثيف من غيم أو منظار أمكن العين إذ
стр. 3354
ذاك أن ترى الشمس أدنى ما تكون إلى سنخ نفسها، ورحم الله من قال:
والنجم تستصغر الأبصار صورته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
كنت كلما سمعت أو قرأت لأحدهم أمثال هذه الكلمات. نحن إنما نجل سعد لأنه رمز أمانينا - لسنا عباد أشخاص وهلم جرا - يعروني لذلك امتعاض أليم، لأني لا أدري لماذا لا نجل سعد لذات سعد؟ وأي ضير علينا في ذلك؟ بل على العكس كل الضرر والسوء في عدم تقديس الأبطال لتلك البطولة التي هي ضرب من النبوة، والتي اختص الله بها هؤلاء الأبطال. ولكنها روح الإلحاد السائدة في هذا الجيل الكافر، والروح الارستقراطية المنكوسة الآخذة بنفوس الشرقيين، والتي هي سر ما نرى من معاني التخاذل والخلاف والشقاق - أقول أنه كان يعروني لذلك امتعاض شديد لم أجد له متنفساً إلا عندما قرأت كلمة الأستاذ وليم مكرم عبيد التي ألقاها في حفلة الموظفين التي أقاموها لإكرام بطلنا العظيم وقال فيها ما معناه على ما أذكر: إنا إنما نكرم سعد لا لأنه رمز أمانينا القومية كما يقولون بل لتلك الشخصية البارزة المتفوقة التي خص بها سعد: عندما قرأت هذه الكلمة ونظيراتها من بعدها سرّى عني وروّح، وأكبرت هذا الفاضل كل الإكبار، وقلت هكذا فلتحلل البطولة، وهكذا فليجل البطل البطل ولا جرم إن كان وليم مكرم عبيد نابغة من نوابغ مصر وبطلاً من أبطالها وذا عقل كبير وقلب أكبر ومثلاً أعلى يؤتى به، وجديراً أن يجعل حبه واحترامه لذلك شعاراً لنا ودثاراً. . تحيا مصر - ويحيا بطلنا العظيم - ويحيا كل من يحبه ويجله ويقدسه. . .
(٢)
التاريخ هو هو قصيدة الحياة الطويلة المطربة المشجية، وإلياذتها الحماسية المسلية وسفر أناشيدها المؤثرات، وتراتيلها المبكيات، وهو الرواية التمثيلية الكبيرة التي افتن في خلق أشخاصها فن السماء المبدع الفائق الذي يرسل لنا من وقت لآخر شخصيات من صنع الحقيقة أوفر بطولة وأعمق حكمة من كل مبتكرات الخيال وتلفيقات الأوهام ترتسم، في طبائعهم القوية الصافية ظلال تلك القوة الرهوبة الجانب المسيطرة على الكون - ويحيى هؤلاء الأبطال لتمثيل أدوار متعاقبة مختلفة الصورة متحدة المغزى فوق مسرح الحياة الكبير المخيف ذلك المسرح المشيد من الزمان والمكان والممتد بين الأزل العتيق والأبد
стр. 3355
السحيق، والذي تنيره مصابيح النجوم السرمدية وتشرق من سقوفه أضواء الشمس الخالدة.
وأجل ما في التاريخ نهضاته فإن كل نهضة مهما كانت الفكرة التي قامت عليها ومهما كان نصيبها من الحق والجمال جديرة بالنظر وأعمال الروية لما يظهر فيها من نفائس النفس وكنوز الروح، فإن من شأن النهضات أنها ترفع الأستار عن حياة الشعب الداخلية فتظهر خصائصه ومزاياه في شكل أخاذ ورونق خلاب.
وإذا كان من أجل ما في التاريخ نهضاته وكانت كل نهضة أدبية كانت أو سياسية أو دينية تنما. برجل كبير يسمها بميسمه ويكون منها بمثابة محور الدوران فإنه يصح لنا أن نستخلص من ذلك أن العظماء هم عصارة التاريخ ولبابه وسره وجوهره، ومن يقلب الصحف المطوية في بطون التواريخ لا يمكنه مهما كان منكراً لعقيدة البطولة هادماً لمذهب الشخصيات التاريخية أن ينكر ما لهؤلاء الأفذاذ النوادر من خطارة الشأن في إقامة موازين الحضارات وتأثيل مجد الشعوب، وهم أشبه بالآلات الرافعة توجدهم الطبيعة عندما يسئمها سير التطور التدريجي لأحداث الطفرة فلا عجب إن هي حبتهم بتلك القوة العادية اللازمة لتلك الفعلة الكبيرة - وليس العامل الفرد في خلق أمثال هؤلاء الأفراد الظروف والوسط فإن رجالاً مثلهم لا ترفعهم الظروف وإنما هم الذين يرفعونها ولا يخلع عليهم الزمن أبراد المجد وإنما بهم تكتسي الأزمان جمالاً قشيباً وجلالاً مهيباً والوسط هو الذي يستمد من صادق وحيهم ويستنير يثواقب آرائهم ويستند على مواضي عزماتهم ويستقي من ينابيع قواتهم الروحية والأخلاقية، ومن الغبن والتوهين من أمر تلك الشخصيات الكبيرة أن نعتقد أنها من صنع الظروف وأنها جاءت محمولة على تيار النهضة.
وإنما سبب بطولة البطل ترتد إلى أسباب وراثية بعيدة الأعراق من فوق منال المفكر الاجتماعي لأن بارقات أفكاره لا تنير في غياهبها المتكاثفة ونافذات نظراته لا تتغلغل إلى أغوارها المتقاصية والبطل يحمل في دمه جرثومة عظمته وبين جوانحه سر بطولته وإنما فضيلة الظروف هي في أنها تجلو الحياة الداخلية وتهيئ له الفرص وتعد له المعدات وتفسح له المجالات والعظيم أشبه بالزهرة تستتم نموها وتتفتح كمائمها ويتفاوح أرجها إذا هي أصابت جواً صالحاً تتغذى منه عناصرها الكريمة.
من أولئك الرجال الذين تزخر في عروقهم دماء البطولة والذين يرسلهم القدر مزودين
стр. 3356
بالقوة الخفية، ومن تلك الشخصيات الغلابة الجاذبة التي تطالبك في كل وقت أن تفكر فيها وتقتادك نحوها - سعد زغلول بطل مصر في نهضتها الأخيرة والذي في وجوده بيننا معنى سام يملأ نفوسنا ثقة ويقيناً فإن الأرض التي تنبت الدوحة الباسقة - الوطن الذي ينجب مثل سعد جدير أن يحمل ثراه أدواحاً فارعات نظائر سعد - وظهور بطل كسعد يدل على سلامة عضوية الأمة وقوتها صلبها لأن الأمم الواهنة الدارجة إلى الاضمحلال يندر فيها ظهور العظماء والقوة المكتنة في سعد دليل قوة الأمة وعنوان حيويتها وهذا مما يغمر نفوسنا بنور الأمل الوضاء، إن الرجل الكبير لا يبتكر أفكار عصره ولا يبتدع مبادئه ولا يخلق أمانيه ومنازعه، لأنها كلها مجموعة عضوية مكونة لذهنية الشعب، وهي أكبر وأكثر تعقيداً من أن يوجدها فرد ولكن العظيم ينفخ فيها كلها روحاً من أنفاسه فتتحول الفكرة إلى إحساس دافق والمبدأ إلى عاطفة مستفيضة ويجعل للأمل المتردد الحائر والنزوع القلق الثائر وجهة يتخيلها وتنصب إليها متزاخر تياراتهما وهذا يزيدهما قوة وتدفقاً. وإنه من جانب سعد هبت تلك النسمة المتأرجة التي أحيت القلوب وشدت العزائم، وفي معبد فؤاده الكبير كانت تجول الأفكار البركانية الحارة حتى أصابت من الظروف مخرجاً. وسعد هو ذلك الكاهن الإلهي الذي أوقد النار المقدسة بين أضالعنا وهو الذي جدد أمامنا نواظرنا صوراً شتى من أفاعيل الأبطال، وهو الذي نقل الشعب من التفكير في سفاسف الأمور ومحاقرها إلى التفكير في الغايات العامة الكبيرة ومطالب الحياة السامية النبيلة والعظيم هو الناطق عن الذات العامة لشعبه والناشر لمطوى خوالجه، فآلاف النفوس الصامتة تجد من سعد أصدق معبر عن أمانيها ومطالبها وأفصح ناطق عن آلامها وشكواها وآلاف من الأبطال الراقدين في ظلمة الدهر يتاح لهم منه مجدد لبطولتهم باعث لمجدهم الملحود، وليس العظيم هو أكبر الناس عقلاً فحسب بل هو أسماهم مقصداً وأشرفهم غاية وأقدرهم على التحليق في الأجواء العالية. والعقل أشبه بالضوء ليست له غاية أخلاقية ولكن الإخلاص هو الذي يجعل للعقل الكبير قيمة ولذا فإن عظمة سعد قائمة على صخر مرضم لا تؤثر فيه معاول الهادمين لأن أساسها العقل الكبير والإخلاص العميق، وما دامت نوادر صفاته باقية لا يعتريها التبديل فعبثاً يحاول الأفاكون النيل منها، وليس يكربنا إن غابت وجوه عظمته عن الأغمار الأغبياء من كل خاو النفس فاتر الروح ولئن كانوا يقومون عليه
стр. 3357
صلابته ويجيلون الألسنة في تشدده ومتانته فإن هذا لمما يزيدنا يقيناً ببطولته، فما كانت الصلابة يوماً مما لا يوصف به زعماء الأحزاب العظماء، ولئن كان قد انفض من حوله كل موصوم الوطنية متهم المأرب فإن هذا مما يزيد عرش ملكه استقراراً في القلوب ويجمع حوله العناصر القوية المخلصة خالية من الأخلاط والشوائب، ولئن تخونه الأتباع ونال منهم الكلالة والإعيار ورأوا أن الطريق طويل والغاية بعيدة فإنه سيمضي وحده، فهو من نفسه الكبيرة في جيش لهام وجمع ضخم، ومن تأبيه وعزته في معقل أشب متعاسر، وقديماً كان البطل أشد الناس إقداماً على المكروه واقتحاماً للمخاطر بل هو الذي يتقدم وحيداً إلى الهاوية التي تكمن فيها أهول المخاوف لإنقاذ وطنه.
إن تلك الوفود التي تتسايل من حواضر القطر ومدنه وقراه وكفوره هي دليل حياة مشرقة ستنجلي عنها أحلك الحوادث ولا يصغر من شأنها إلا من كان يود لبلاده الخراب والاستعباد الأبدي، ويوجد فارق كبير بين الإيحاء الطبيعي للبطل إلى أذهان الشعب الذي تنطبع على قلوب أفراده صور منازع البطل وأمانيه فيلقي إليه المقادة طائعاً مختاراً مقراً بنبله وفضله، وبين إرغام الشعب على قبول فكرة خاصة - ذلك الإرغام الذي يجيء من جانب الحكومات، ولئن كان الأول من أجمل مظاهر تقديس الشعوب لرجالها العاملين المخلصين فإن المظهر الثاني مما يبعث على الحزن والقلق لأنه يشل قوة الشعب ذلك الشلل الذي يسمونه تداهياً بالنظام ويسبب الجمود الذي يخلع عليه اسم الحكمة ويدعو إلى التفريط في الحقوق المقدسة الذي يعرف بالاعتدال وهو ينضب موارد التفكير الحر ويطعن الأمة في صميم رجولتها وأنفتها وإن وراء عواطف الجماهير السريعة التأثر والانفعال عقلاً أعمق من عقل ذوي الفتور والنظرة المقرورة، ومن يتعمق في تفهم نفسية الجماهير يمكنه أن يصل إلى المعنى الجدي الكامن وراء لجاجهم وانفعالاتهم، ومن الخطأ أن نقيس حركات التاريخ بمقياس العقل المدرك ونهمل جانب الخوالج والخياليات وتأثيرها في أرواح الجماهير، وأسمى مزية لرجال التاريخ هي استجاشتهم للعزائم وإثارتهم لرواقد الإحساسات ولذا كان تأثر روسو أوسع مدى وأرمى أطرافاً من تأثير فولتير وإن في قولهم أن صوت الجماهير من صوت الله لمعنى مستدقاً أعمق من أن يدركه الزارون بالجماهير والدين يجهلون أن مشاعر الجماهير الصافية البريئة من الغايات أسمى من كل منطق
стр. 3358
خسيس مسف، وما دام لا يمكن لكل إنسان أن يكون ذا رأي خاص ومذهب مبتكر وعقيدة مختلقة، ومادام هناك رجل كبير العقل مخلص جاد وآخر كاذب مستخف فإن المساواة مفقودة، وليس هناك من عار في أن يقودنا أكبرنا روحاً وأخلصنا سعياً، وإذا أصبح لكل إنسان من نفسه دليل وقائد فإن هذا مما يرخي أواصر أي مجتمع مهما كانت قوية متماسكة ويسوقه إلى أشنع حالات الفوضى. وأليست الحياة معركة أبدية كبيرة ونحن كلنا جنود نحارب بقولب ملؤها الحزن أو بقلوب مفعمة بالبشر وإن كنا نجهل الغاية البعيدة لهذا التقاتل والتلاحم، فلماذا لا نسلم قيادتنا إلى أكفأ قوادنا وأوفرهم إخلاصاً ونسير تحت لوائه الخفاق؟
قال شاعر خالد (إننا نحيا بالحب والإعجاب والاحترام) وأمامنا الآن عظمة خالية من الشوائب ستتبدد السحب المحتشدة في جونا المتردي بالغيوم فتظهر في نصوعها وجلائها. فلنثبت للعالم أننا خلقاء بالحياة الجليلة بحبنا وإعجابنا واحترامنا لتلك العظمة. عظمة سعد زغلول.
(٣)
مما يؤثر عن الذين لاقوا كبار المصلحين وأرباب المذاهب الجديدة وزعماء الثورات الفكرية والانقلابات الاجتماعية أمثال نابليون بونابرت وميرابو والسيد جمال الدين الأفغاني والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وأمثالهم من الزعماء والقادة أن المنصتين إلى أحد هؤلاء العظماء كانوا يحسون أن وراء ألفاظه معنى خفياً هو أروع وأجمل من أعظم ما ينطق به من الصواب والحكمة، وخلف إشاراته وكلماته قوة كامنة وسراً عجيباً لا يعرف كنهه وماهيته ولكنه يحس أثره ومفعوله، فهو في ذلك ضرب من الكهرباء والمغناطيسية وكذلك لما ألف النابغة كارليل (تاريخ الثورة الفرنسية) الذي شهد العالم أنه أدق وأبرع ما أخرج للناس في وصف ذلك العهد فتناول سيرة (ميرابو) فصورها للناس صورة حية تتفزز تكاد تلمس باليد وتوشك أن تثب من الصحيفة فتمشي على وجه الأرض إنساناً حياً ناطقاً - صاح النقاد صيحة واحدة (أين هذا من ميرابو الحقيق!) لقد عجز كارليل - وما هو إلا بشر - عن تصوير ذلك المعنى الخفي - ذلك السر العجيب - تلك الفكرة الكامنة - تلك المغناطيسية والكهرباء - التي يصح لنا الآن أن نسميها (الشخصية).
стр. 3359
هذه الشخصية التي هي قوة مستكنة كامنة تؤثر في قلوب من حولها تأثيراً مباشراً بلا واسطة بمجرد وجودها - هذه القوة المتعذرة الوصف والتكييف والتي يمكن تقريبها إلى الإفهام بأنها أشبه شيء بروح أو طيف يكمن في فؤاد البطل يوحي إليه ويلهمه ويحثه ويدفعه ويجعله غنياً بنفسه عن المؤازر والمعاون ويتركه وكأنه قبيلة في فرد وأمة في شخص - هذه القوة الهائلة والنار المقدسة التي نزلت من السماء على أفئدة أعاظم الأبطال ممن ذكرنا آنفاً فرفعتهم بقوة لهيبها إلى مقام القديسين والملائكة - هي أيضاً مما أراد الله أن يمتاز به زعيم الأمة المصرية وبطل النهضة العصرية سعد زغلول.
إن صاحب مثل هذه الشخصية ينال انتصاراته بغريزة تفوقه وسبقه وبفضل تغلبه وسيطرته وليس بحد الحسام ولا بقذائف المدفع بل السر في في انتصاره هو أن مجرد ظهوره على مسرح الدنيا يبدل صورة الأحوال ويقلب نظام الأمور والمسائل. لقد جاء في أساطير اليونان أنه لما سئلت (ايولي) كيف عرفت يا ايولي أن هرقلاً اله أجابت (لأني عندما وقع عليه بصري انشرح صدري واطمأن قلبي. وهذا ما لم أحسه حينما أبصرت (ثيسيوس) ولذلك طلبت أن أراه يصارع الأبطال في حومة الوغى أو على الأقل يركض أفراسه في المضمار، أما هرقل فلم ينتظر فرصة الصراع والجلاد ليثبت تفوقه وغلبته كلا. ولكنه نال الظفر والنصر سواء أكان واقفاً أم سائراً أم قاعداً أم على أية حال غير ذلك).
هذه الشخصية هي قوة طبيعية كالحرارة والضوء. فإذا هي عملت فإنما الطبيعة بأكملها معها تعمل وتشترك وإياها، تساعد وتساند. وإذا كان الرجل الاعتيادي الضعيف يكون دائماً مفكك الصلة بالعالم الذي يعيش فيه فإن البطل القوي صاحب هذه الشخصية يرى كأنه يحيا بنفس الروح التي تحيا بها الكائنات وينبض فؤاده على نبضات قلب العالم وكأنك تبصر فيه أحد القوانين والنواميس التي تضبط مسرى النجوم والأفلاك وحركة المد والجزر. ولست أرى في مسألة تأثيرنا وخضوعنا لشخصية هذا الإنسان دون غيره إلا أمراً بسيطاً جداً لا يختلف عن نظرية الجاذبية التي تشمل العوالم والأكوان جميعاً - أعني انجذاب الأصغر إلى الأكبر. بيد أن مقياس الصغر والكبر والضؤولة والعظمة في الإنسان هو مقدار ما فيه من عنصر الصدق والحق. فالرجل الطاهر النقي المفعم بروح الحق والنزاهة
стр. 3360
والإخلاص والإيمان يتسلط على من هم أحط منه وأدنى فيخضع أرواحهم بما هو أشبه بالتنويم المغناطيسي إذ تخشع أمامه هذه الأرواح وتطأطئ وتفقد قوة الدفاع إلا ما كان منها ينطوي على قسط من العظمة غير زهيد فهذا ينهض بجاذبية الشخصية العظيمة نحوها ويسمو إليها. وهذا هو ناموس الطبيعة العام فإن الأرواح العليا إذا عجزت عن أن ترفع إلى مقامها الأرواح السفلى شلت حركتها وخدرتها وأخمدت قواها كما يصنع الإنسان بالحيوانات السفلى. وكم رأينا من شخصية عظيمة كان لنا في قوة نفوذها وسلطانها مصداق ما لم نزل نسمع من حكايات السحر والسحرة. ولا غرو فإنك لا تبصر صاحب الشخصية الكبيرة كأنما يتدفق من عينيه تلقاء من حوله تيار نفوذ وسلطان - سيل من الضياء الثاقب يسري إلى الجماعة فيفشي فيهم مبادئه وأفكاره ويصبغ جميع الأحوال والحوادث بصبغة روحه وذهنه. ولما سئل مرة أحد الساسة (بأية حيلة استطعت أن تستميل خصمك وتحمله على ما قد أردت؟) أجاب (لم أستعمل حيلة سوى تأثير الذهن الأقوى على الأضعف) أوليس في طاقة يوليوس قيصر مكبلاً بالأغلال والسلاسل أن يتملص منها فينقلها إلى السجان؟
إن البطل ينفث روحه في كل من حوله وكل ما هو واقع في متناوله من الحوادث والأحوال هو كالمطر الغزير يحيي موات الأرض وكالعين النرة تترك الصحراء بستاناً. وإن روحه المتدفقة الفياضة تنفسح حتى تشمل أوطانه من أقصاها إلى أقصاها وتحدق بها إحداق السوار بالمعصم فتصبح هذه الأوطان له كأساس تقوم عليه شخصيته الهائلة وكميدان تجول فيه فيالق عزيمته وكتائب نفوذه وهمته.
هذا البطل إذا صادف ظهوره أوقات التطورات الاجتماعية والانقلابات السياسية كان له الأثر الأقوى في تعجيلها والإسراع بها إلى النضج والتكون فظهوره في هذا الوقت الحرج هو كتوافر الدفء المنعش والجو الموافق الملائم واصطلاح هذا وذاك على إنضاج الغرس وإزكائه وإيصاله إلى أقصى غاية الإنتاج والإثمار - فهذا الجو الملائم هو الواسطة الوحيدة لتحقيق هذا الغرض، ولن يقوم مقامه ولن يؤدي وظيفته كل ما يخترع الزارعون من وسائل الإنتاج الصناعية.
لقد جاء بطل النهضة الحالية - سعد زغلول - في عهد تطور وانقلاب ما زالت الأسباب
стр. 3361
الطبيعية والعوامل الكونية ترشح له وتهيئ وتمهد حتى بلغ الدرجة التي كان عليها ساعة ظهر ذلك البطل العظيم وبرز من مكمنه إلى ميدان العمل ولم يك بعد قبل بلغ تمام اختماره ونضجه. فلما برز ذلك البطل بجلال شخصيته الكبرى وروح بطولته العظمى أرسل شعاعاً من نوره المقدس على تلك القوى البطيئة المتلكئة فإذا هي احتدمت وتوقدت - وسلط على تلك العناصر المصطدمة المتنافرة شعبة من روح ذلك النظام والوحدة الذي يملأ كيانه فإذا هي قد تآلفت وانتظمت وعادت قوة هائلة عظيمة جديرة أن تنفض عن أعطافها غبار الكسل والتبلد وتقوم في الحق قومتها وتثور في وجه البغي والعدوان والعتو والطغيان. فلا غرو إن قلنا أن سعد زغلول هو - على هذا الاعتبار - صاحب هذه الحركة ومؤسس هذه النهضة بما أنه هو القادح لهيبها من زناد الحوادث والمستثير ثروة تبرها من مناجم المقادير والمرسل جنينها من بطون الليالي ولولاه ما قامت النهضة حين قامت، وهب أن لديك أكواماً مكدسة من الحطب فهل تراها تشتعل من تلقاء ذاتها؟ كلا ولو بقيت مليون عام. فأما إذا أرسل الله عليها شرارة من ملكوته في صورة بطل عظيم كسعد فغنها لا محالة مشتعلة فمتأججة حتى يستطير لهبها ويستفيض سناها ويسمو إلى عنان السماء شعاعها ويطبق على الأرجاء نورها. فالرجل العظيم شهاب يسقط من السماء. والناس في انتظاره كالحطب في انتظار الشعلة فما هو إلا أن يسقط عليهم من السماء حتى يلتهبوا ويضطرموا.
إن العظيم شهاب يستضاء به ... وصارم من سيوف الله مسلول
وكذلك الصدق والإخلاص والإيمان هو أكبر قوة في العالم وهو مبعث الحياة ومنبع الرفعة وما زال للأمة رقي في درج الفضل وتعاريج إلى ذرى المجد ما دام مذهبها اليقين ومبدؤها الإيمان.
الرجل العظيم ضروري لنهضة الأمة من الضعة إلى المجد ولخروجها من الظلمات إلى النور ومن العبودية إلى الحرية. فالأمة لا تستطيع أن تفعل ذلك إلا بمعونة البطل الذي يسد مسده كما أسلفنا أية واسطة أخرى من محاسن الصدف والظروف أو المزايا الجغرافية والمناخية والجوية، نضرب لك مثلاً على ذلك جزيرتي (ساردينيا) و (كورسيكا) بالبحر الأبيض المتوسط - فقد آثرتهما الطبيعة بأحسن المواقع الجغرافية وأغزر منابع الثروة المعدنية والزراعية وقد لبثتا برغم ذلك مجهولتين مهملتين على مدى الحقب مسافة ثلاثين
стр. 3362
قرناً من تاريخ أوروبا. هاتان الجزيرتان لهما عادات ولا قوانين، ولهجات شتى ولا لغة، وروايات حروب وغارات ولا تاريخ، واحتياجات وثروة ولا تجارة، وأخشاب وموانئ ولا أساطيل، وأساطير ولا شعر. وثارات وأوتار ولا قضاء، وجمال مناظر ولا تصوير، وأغاريد بلابل ولا موسيقى. هاتان الجزيرتان تقعان في بؤرة مدنيات الشعوب الأوروبية بأكرم بقعة وأحقها دون غيرها بأحسن الرقي المادي والعقلي والتجاري والسياسي، وهما بالرغم من ذلك قد نامتا أطول نومة فوق معزف التاريخ الموسيقي الرنان، فإلى ماذا ينسب ذلك السبات التاريخي؟ يقول العلماء سببه عدم الاستقلال والرسوف في قيد العبودية إذ ما برحتا تابعتين لبعض الدول الأوروبية. أنا لا أعارض في ذلك ولا أناقش. ولكني أقول لماذا بقينا في الرق والعبودية؟ لماذا لم تنالا الاستقلال وتظفرا بالحرية. وأجيب على الفور، ذلك لأنه لم يظهر بهما ذلك البطل العظيم الهائل الشخصية المملوء نجدة وهمة وإيماناً وإخلاصاً - القادر على إشعال قلوب مواطنيه بلهيب الوطنية والغيرة والحمية والطموح إلى الاستقلال والتعطش إلى الحرية. ما أظن أهالي (ساردينيا) و (كورسيكا) قد خلقوا من طينة أخبث وأردأ مما خلق منه سائر الشعوب الأوروبية، أو أنهم الأم عنصراً من تلك الشعوب أو أخس جوهراً - ولكن أجود كومة من الحطب لا يمكن أن تشتعل - كما قلت - من تلقاء ذاتها. بل لابد أن تسلط عليها ثقاباً أو شعلة، ولا مشاحة في أن الطبيعة قد ضنت على هاتين الجزيرتين طول هذه الحق المديدة بالشعل الوطنية اللازمة لها الأساسية لنهضتها وقيامها.
إن البطل يكون له من قوة التفكير ونفاذ البصيرة ما يسبر به أغوار الأحوال الاجتماعية والسياسية في وطنه حتى يمس موضع الحاجة ويلمس مكان الألم ويدرك من الشؤون والمسائل ما قد اختمر ونضج وأصبحت تتمخض عنه أحشاء العصر فيرى أن هذا وحده - لا سواه - هو لباب الحق بالنسبة لجيله وهو أمس حاجات أمته وشعبه، فليس غير البطل الذي يبعثه الله لشعبه يستطيع أن ينفذ ببصره إلى هذه الحقيقة الكامنة المخبوءة الآخذة في دور النشوء والتكون في ضمير الغيب وفي طي المستقبل العاجل - ليس غير البطل يستطيع أن يتبين هذه الخطوة الضرورية التي تهم بها الأمة ويتحفز لها الشعب ويشمر. هذه في نظر البطل هي مسألة المسائل وحقيقة الحقائق، هذه هي همه الوحيد وغايته
стр. 3363
وغرضه وبغيته، وفي سبيلها يبذل أقصى جهده ومن أجلها يطلق دنياه ويهجر شهواته وينسى نفسه وينكر ذاته. فواجب على الجماهير إذن أن يعرفوا في بطل النهضة أمام العصر وقائد الجيل النافذ البصيرة الصادق النبوة، وإن قوله الصدق واعتقاده الحق ومنهاجه الرشد وسيرته الصلاح وسراطه الهدى. وسخف من بعض الأفراد وحماقة وغباء وعماية أن يحملوا بطل النهضة على اتباع آراء الغير ممن يخالفونه ويعارضونه وما كان البطل قط ليتنزل إلى ذلك، وما كان له ومعه عقله وحزمه أن يحيد عن الحق إلى الباطل وعن الهداية إلى الضلال، وما كان للشمس أن تشرق من المغرب ولا للسيل أن يتدفق من أسفل إلى أعلى ولا للقمر أن يعطل طوافه حول الأرض ولا للعذب الفرات أن يملح ولا للملح الأجاج أن يعذب ولا للذهب أن يحور رساساً ولا للسكر أن يصير ملحاً وقد قلنا أن بطل النهضة هو في كيانه وجوهره وفي حركته وسيره كبعض نواميس الكون وقوانين الطبيعة لا يغير نهجه ولا ينكب عن سراطه إلا بعد أن يفسد الكون ويتبدد نظام العالم وتنشق السموات والأرض وتخر الجبال هدا. فالبطل نبي العصر يأمر فيطاع ويسير فيتبع وخليق بالشعب أن يؤمه إذ كان يبصر فيه علم وطنيته ورمز حريته وإذ كان في صورته وشخصه تتمثل تلك النزعة الجديدة التي نبعت في نفوس الشعب عامة وتتجسد تلك الروح الناشئة التي نجمت في ضمائر الأمة كافة - فهم إذا انجذبوا إليه فإلى أرواحهم ينجذبون، وإذا لبوا نداءه فنداء أرواحهم يلبون، ووحي قلوبهم يجيبون وإذا آمنوا به فبحقيقة النفس البشرية وبسر الروح الإنسانية يؤمنون، وإذا عرفوه فالحق والله يعرفون.
هذه النزعة الجديدة - هذه الروح الناشئة - روح العصر تتقمص البطل فتستولي عليه وتستحوذ على لبه وشعوره وكيانه فيظل وليس فيه إلا هي فكأنه مطية لها شاءت أن تمتطيها إلى غايتها المقصودة، وكأنه سفينة لها اتخذتها مركباً تمخر بها عباب الحوادث جريئة على الأنواء والعواصف جلدة على الأهوال والمصائب صبوراً على اصطدام العناصر وثورة الزوابع - تندفع بها في بحر ثائر من الخلاف والشقاق والعناد والخصام. والنزاع والصدام. تعاني البلاء وتقاسي المحنة والشقاء. حتى تصل إلى ساحل الأمن والسلام والفوز والظفر.
بسم الله مجراها ومرساها - هذه سفينة الأمل تسير بنا في موج كالجبال قد حفتها عواصف
стр. 3364
الخلاف وزوابع الفتنة وكمنت لها تحت جبين المياه الطلق الوضاح صخور الغدر والخيانة ورمال المكر والدهاء وداهمتها شياطين الكفر والجحود تساورها من بين يديها ومن خلفها ولكن لا بأس عليها ولا ضير والله وليها وحارسها والمبدأ دقلها والإخلاص شراعها ولهيب الوطنية الصادقة مرجلها وقوة الإيمان والغيرة والعزم والحمية ريحها وأربعة عشر مليوناً من الأيدي الجادة الكادة مجاذيفها وشعب مخلص النية صادق العزم ركبانها - ستسير بقوة الحق إلى ساحل الحرية والفوز والنجاة وهنالك تطمئن نواها. وتستقر عصاها. (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوا آمنين.)
عقدنا النية على أن نخصص في البيان صفحات عدة لنشر صور مختلفة لبلدان وأقطار واختراعات وملوك وعظماء ونوابغ وما إلى ذلك لمناسبات تبدو لنا وليس من الضروري أن يكون هناك كلام أو مقال يتعلق بالصورة لأن الصور كأنها عمل قائم بنفسه. وهنا نشرح الأسباب التي حدت بنا على نشر بعض صور هذا العدد.
السير طالب النقيب باشا
جاء في الأنباء البرقية أن السيد طالب النقيب عظيم العراق والذي كان رئيس حكومة هاتيك البلاد، وقف في وجه الانكليز وهددهم بإهاجة العراقيين عليهم أن هم لم ينزلوا على ما يريدون، فكان ذلك سبباً في إبعاد السيد طالب عن البلاد. ولسنا ندري هل أطلق سراحه أم لا يزال في منفاه. .
أما السيد طالب النقيب فهو من رجالات الشرق العظام وأكبر زعماء العراق ومن سلالة بيت النبوة، وعريق في المجد والسؤدد، وقد أقام في مصر نحواً من ثلاث سنين أيام الحرب العالمية الكبرى.
وكان من حسن حظنا أن تعرفنا بالسيد وخالطناه وأنسنا به وأنس بنا ومال إلى عشرتنا ميلاً صادقاً ينم عن طيب عنصره ونبل إحساسه وسمة أخلاقه. فأصبنا منه رجلاً عظيماً كبير الروح كبير القلب عظيم الإباء والشمم وكان عضواً في مجلس المبعوثان ويحسن عدة لغات من التركية الفارسية والفرنسية والألمانية والانكليزية، وهو جريء مقدام صريح قوي والحق لا يخشى في سبيله شيء ولعلنا نعود إلى الكلام عليه بأوفى من هذا في فرصة
стр. 3365
أخرى.
محمود بك نصير
جميل جداً أن يكون أعيان البلاد من المتعلمين المهذبين المستنيرين، وأجمل من ذلك أن يظفر الإنسان من بينهم برجل عالم فاضل واسع الاطلاع لا يلهيه ماله وبنوه ونعيم هذي الدنيا عن النظر في شؤون قومه ومشاركة مفكريها في تلمس النافع لها الناهض بها إلى مستوى الكمال مثل صديقنا محمود بك نصير أحد أعيان المنصورة وعضو المجلس البلدي فيها والذي عرفناه أخيراً بعد أن عرفنا آثاره الطيبة قديماً والذي أصبنا منه مؤخراً فاضلاً واسع مدى الاطلاع له مشاركة في كثير من العلوم، عاملاً مخلصاً غيوراً على دينه ووطنه وقد أهدى إلينا مقالات له تناول فيها وصف تلك البلدان والأقطان التي تقطنها الشعوب التركية التترية المسلمة ووصف أهلها وزعمائها في هذا العصر وسننشر هذه المقالات في الأعداد القادمة تحت باب العالم الإسلامي الذي سنعنى بها العناية كلها.
إبراهيم بك الزهيري
نشرت الجرائد أخيراً أن إبراهيم بك الزهيري أحد أعيان الدقهلية أوقف١٥٠ فداناً للإنفاق منها على مستشفى ومدرسة. وإبراهيم بك الزهيري الذي نعرفه حق المعرفة من أعياننا الذين تفخر بهم مصر فقد عرفنا منه رجلاً ذكياً ألمعياً مهذباً مستنيراً صادقاً مخلصاً أريحياً يجمع إلى ذلك الجد والنشاط كأنه الحركة الدائمة، هذا إلى استقامته التي لم نر لها نظيراً بين نظائره أكثر الله من أمثاله النافعين من أعيان البلاد.
следующие страницы →