Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
الطبيعية والعوامل الكونية ترشح له وتهيئ وتمهد حتى بلغ الدرجة التي كان عليها ساعة ظهر ذلك البطل العظيم وبرز من مكمنه إلى ميدان العمل ولم يك بعد قبل بلغ تمام اختماره ونضجه. فلما برز ذلك البطل بجلال شخصيته الكبرى وروح بطولته العظمى أرسل شعاعاً من نوره المقدس على تلك القوى البطيئة المتلكئة فإذا هي احتدمت وتوقدت - وسلط على تلك العناصر المصطدمة المتنافرة شعبة من روح ذلك النظام والوحدة الذي يملأ كيانه فإذا هي قد تآلفت وانتظمت وعادت قوة هائلة عظيمة جديرة أن تنفض عن أعطافها غبار الكسل والتبلد وتقوم في الحق قومتها وتثور في وجه البغي والعدوان والعتو والطغيان. فلا غرو إن قلنا أن سعد زغلول هو - على هذا الاعتبار - صاحب هذه الحركة ومؤسس هذه النهضة بما أنه هو القادح لهيبها من زناد الحوادث والمستثير ثروة تبرها من مناجم المقادير والمرسل جنينها من بطون الليالي ولولاه ما قامت النهضة حين قامت، وهب أن لديك أكواماً مكدسة من الحطب فهل تراها تشتعل من تلقاء ذاتها؟ كلا ولو بقيت مليون عام. فأما إذا أرسل الله عليها شرارة من ملكوته في صورة بطل عظيم كسعد فغنها لا محالة مشتعلة فمتأججة حتى يستطير لهبها ويستفيض سناها ويسمو إلى عنان السماء شعاعها ويطبق على الأرجاء نورها. فالرجل العظيم شهاب يسقط من السماء. والناس في انتظاره كالحطب في انتظار الشعلة فما هو إلا أن يسقط عليهم من السماء حتى يلتهبوا ويضطرموا.
إن العظيم شهاب يستضاء به ... وصارم من سيوف الله مسلول
وكذلك الصدق والإخلاص والإيمان هو أكبر قوة في العالم وهو مبعث الحياة ومنبع الرفعة وما زال للأمة رقي في درج الفضل وتعاريج إلى ذرى المجد ما دام مذهبها اليقين ومبدؤها الإيمان.
الرجل العظيم ضروري لنهضة الأمة من الضعة إلى المجد ولخروجها من الظلمات إلى النور ومن العبودية إلى الحرية. فالأمة لا تستطيع أن تفعل ذلك إلا بمعونة البطل الذي يسد مسده كما أسلفنا أية واسطة أخرى من محاسن الصدف والظروف أو المزايا الجغرافية والمناخية والجوية، نضرب لك مثلاً على ذلك جزيرتي (ساردينيا) و (كورسيكا) بالبحر الأبيض المتوسط - فقد آثرتهما الطبيعة بأحسن المواقع الجغرافية وأغزر منابع الثروة المعدنية والزراعية وقد لبثتا برغم ذلك مجهولتين مهملتين على مدى الحقب مسافة ثلاثين
стр. 3362
قرناً من تاريخ أوروبا. هاتان الجزيرتان لهما عادات ولا قوانين، ولهجات شتى ولا لغة، وروايات حروب وغارات ولا تاريخ، واحتياجات وثروة ولا تجارة، وأخشاب وموانئ ولا أساطيل، وأساطير ولا شعر. وثارات وأوتار ولا قضاء، وجمال مناظر ولا تصوير، وأغاريد بلابل ولا موسيقى. هاتان الجزيرتان تقعان في بؤرة مدنيات الشعوب الأوروبية بأكرم بقعة وأحقها دون غيرها بأحسن الرقي المادي والعقلي والتجاري والسياسي، وهما بالرغم من ذلك قد نامتا أطول نومة فوق معزف التاريخ الموسيقي الرنان، فإلى ماذا ينسب ذلك السبات التاريخي؟ يقول العلماء سببه عدم الاستقلال والرسوف في قيد العبودية إذ ما برحتا تابعتين لبعض الدول الأوروبية. أنا لا أعارض في ذلك ولا أناقش. ولكني أقول لماذا بقينا في الرق والعبودية؟ لماذا لم تنالا الاستقلال وتظفرا بالحرية. وأجيب على الفور، ذلك لأنه لم يظهر بهما ذلك البطل العظيم الهائل الشخصية المملوء نجدة وهمة وإيماناً وإخلاصاً - القادر على إشعال قلوب مواطنيه بلهيب الوطنية والغيرة والحمية والطموح إلى الاستقلال والتعطش إلى الحرية. ما أظن أهالي (ساردينيا) و (كورسيكا) قد خلقوا من طينة أخبث وأردأ مما خلق منه سائر الشعوب الأوروبية، أو أنهم الأم عنصراً من تلك الشعوب أو أخس جوهراً - ولكن أجود كومة من الحطب لا يمكن أن تشتعل - كما قلت - من تلقاء ذاتها. بل لابد أن تسلط عليها ثقاباً أو شعلة، ولا مشاحة في أن الطبيعة قد ضنت على هاتين الجزيرتين طول هذه الحق المديدة بالشعل الوطنية اللازمة لها الأساسية لنهضتها وقيامها.
إن البطل يكون له من قوة التفكير ونفاذ البصيرة ما يسبر به أغوار الأحوال الاجتماعية والسياسية في وطنه حتى يمس موضع الحاجة ويلمس مكان الألم ويدرك من الشؤون والمسائل ما قد اختمر ونضج وأصبحت تتمخض عنه أحشاء العصر فيرى أن هذا وحده - لا سواه - هو لباب الحق بالنسبة لجيله وهو أمس حاجات أمته وشعبه، فليس غير البطل الذي يبعثه الله لشعبه يستطيع أن ينفذ ببصره إلى هذه الحقيقة الكامنة المخبوءة الآخذة في دور النشوء والتكون في ضمير الغيب وفي طي المستقبل العاجل - ليس غير البطل يستطيع أن يتبين هذه الخطوة الضرورية التي تهم بها الأمة ويتحفز لها الشعب ويشمر. هذه في نظر البطل هي مسألة المسائل وحقيقة الحقائق، هذه هي همه الوحيد وغايته
стр. 3363
وغرضه وبغيته، وفي سبيلها يبذل أقصى جهده ومن أجلها يطلق دنياه ويهجر شهواته وينسى نفسه وينكر ذاته. فواجب على الجماهير إذن أن يعرفوا في بطل النهضة أمام العصر وقائد الجيل النافذ البصيرة الصادق النبوة، وإن قوله الصدق واعتقاده الحق ومنهاجه الرشد وسيرته الصلاح وسراطه الهدى. وسخف من بعض الأفراد وحماقة وغباء وعماية أن يحملوا بطل النهضة على اتباع آراء الغير ممن يخالفونه ويعارضونه وما كان البطل قط ليتنزل إلى ذلك، وما كان له ومعه عقله وحزمه أن يحيد عن الحق إلى الباطل وعن الهداية إلى الضلال، وما كان للشمس أن تشرق من المغرب ولا للسيل أن يتدفق من أسفل إلى أعلى ولا للقمر أن يعطل طوافه حول الأرض ولا للعذب الفرات أن يملح ولا للملح الأجاج أن يعذب ولا للذهب أن يحور رساساً ولا للسكر أن يصير ملحاً وقد قلنا أن بطل النهضة هو في كيانه وجوهره وفي حركته وسيره كبعض نواميس الكون وقوانين الطبيعة لا يغير نهجه ولا ينكب عن سراطه إلا بعد أن يفسد الكون ويتبدد نظام العالم وتنشق السموات والأرض وتخر الجبال هدا. فالبطل نبي العصر يأمر فيطاع ويسير فيتبع وخليق بالشعب أن يؤمه إذ كان يبصر فيه علم وطنيته ورمز حريته وإذ كان في صورته وشخصه تتمثل تلك النزعة الجديدة التي نبعت في نفوس الشعب عامة وتتجسد تلك الروح الناشئة التي نجمت في ضمائر الأمة كافة - فهم إذا انجذبوا إليه فإلى أرواحهم ينجذبون، وإذا لبوا نداءه فنداء أرواحهم يلبون، ووحي قلوبهم يجيبون وإذا آمنوا به فبحقيقة النفس البشرية وبسر الروح الإنسانية يؤمنون، وإذا عرفوه فالحق والله يعرفون.
هذه النزعة الجديدة - هذه الروح الناشئة - روح العصر تتقمص البطل فتستولي عليه وتستحوذ على لبه وشعوره وكيانه فيظل وليس فيه إلا هي فكأنه مطية لها شاءت أن تمتطيها إلى غايتها المقصودة، وكأنه سفينة لها اتخذتها مركباً تمخر بها عباب الحوادث جريئة على الأنواء والعواصف جلدة على الأهوال والمصائب صبوراً على اصطدام العناصر وثورة الزوابع - تندفع بها في بحر ثائر من الخلاف والشقاق والعناد والخصام. والنزاع والصدام. تعاني البلاء وتقاسي المحنة والشقاء. حتى تصل إلى ساحل الأمن والسلام والفوز والظفر.
بسم الله مجراها ومرساها - هذه سفينة الأمل تسير بنا في موج كالجبال قد حفتها عواصف
стр. 3364
الخلاف وزوابع الفتنة وكمنت لها تحت جبين المياه الطلق الوضاح صخور الغدر والخيانة ورمال المكر والدهاء وداهمتها شياطين الكفر والجحود تساورها من بين يديها ومن خلفها ولكن لا بأس عليها ولا ضير والله وليها وحارسها والمبدأ دقلها والإخلاص شراعها ولهيب الوطنية الصادقة مرجلها وقوة الإيمان والغيرة والعزم والحمية ريحها وأربعة عشر مليوناً من الأيدي الجادة الكادة مجاذيفها وشعب مخلص النية صادق العزم ركبانها - ستسير بقوة الحق إلى ساحل الحرية والفوز والنجاة وهنالك تطمئن نواها. وتستقر عصاها. (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوا آمنين.)
عقدنا النية على أن نخصص في البيان صفحات عدة لنشر صور مختلفة لبلدان وأقطار واختراعات وملوك وعظماء ونوابغ وما إلى ذلك لمناسبات تبدو لنا وليس من الضروري أن يكون هناك كلام أو مقال يتعلق بالصورة لأن الصور كأنها عمل قائم بنفسه. وهنا نشرح الأسباب التي حدت بنا على نشر بعض صور هذا العدد.
السير طالب النقيب باشا
جاء في الأنباء البرقية أن السيد طالب النقيب عظيم العراق والذي كان رئيس حكومة هاتيك البلاد، وقف في وجه الانكليز وهددهم بإهاجة العراقيين عليهم أن هم لم ينزلوا على ما يريدون، فكان ذلك سبباً في إبعاد السيد طالب عن البلاد. ولسنا ندري هل أطلق سراحه أم لا يزال في منفاه. .
أما السيد طالب النقيب فهو من رجالات الشرق العظام وأكبر زعماء العراق ومن سلالة بيت النبوة، وعريق في المجد والسؤدد، وقد أقام في مصر نحواً من ثلاث سنين أيام الحرب العالمية الكبرى.
وكان من حسن حظنا أن تعرفنا بالسيد وخالطناه وأنسنا به وأنس بنا ومال إلى عشرتنا ميلاً صادقاً ينم عن طيب عنصره ونبل إحساسه وسمة أخلاقه. فأصبنا منه رجلاً عظيماً كبير الروح كبير القلب عظيم الإباء والشمم وكان عضواً في مجلس المبعوثان ويحسن عدة لغات من التركية الفارسية والفرنسية والألمانية والانكليزية، وهو جريء مقدام صريح قوي والحق لا يخشى في سبيله شيء ولعلنا نعود إلى الكلام عليه بأوفى من هذا في فرصة
стр. 3365
أخرى.
محمود بك نصير
جميل جداً أن يكون أعيان البلاد من المتعلمين المهذبين المستنيرين، وأجمل من ذلك أن يظفر الإنسان من بينهم برجل عالم فاضل واسع الاطلاع لا يلهيه ماله وبنوه ونعيم هذي الدنيا عن النظر في شؤون قومه ومشاركة مفكريها في تلمس النافع لها الناهض بها إلى مستوى الكمال مثل صديقنا محمود بك نصير أحد أعيان المنصورة وعضو المجلس البلدي فيها والذي عرفناه أخيراً بعد أن عرفنا آثاره الطيبة قديماً والذي أصبنا منه مؤخراً فاضلاً واسع مدى الاطلاع له مشاركة في كثير من العلوم، عاملاً مخلصاً غيوراً على دينه ووطنه وقد أهدى إلينا مقالات له تناول فيها وصف تلك البلدان والأقطان التي تقطنها الشعوب التركية التترية المسلمة ووصف أهلها وزعمائها في هذا العصر وسننشر هذه المقالات في الأعداد القادمة تحت باب العالم الإسلامي الذي سنعنى بها العناية كلها.
إبراهيم بك الزهيري
نشرت الجرائد أخيراً أن إبراهيم بك الزهيري أحد أعيان الدقهلية أوقف١٥٠ فداناً للإنفاق منها على مستشفى ومدرسة. وإبراهيم بك الزهيري الذي نعرفه حق المعرفة من أعياننا الذين تفخر بهم مصر فقد عرفنا منه رجلاً ذكياً ألمعياً مهذباً مستنيراً صادقاً مخلصاً أريحياً يجمع إلى ذلك الجد والنشاط كأنه الحركة الدائمة، هذا إلى استقامته التي لم نر لها نظيراً بين نظائره أكثر الله من أمثاله النافعين من أعيان البلاد.
стр. 3366
الصورة المشؤومة
للروائي الروسي الأشهر نيقولايف جوجول
(الفصل الأول)
ما ازدحم المتفرجون قط على شيء ازدحامهم أمام دكان الصور الصغير بشارع (تشو كينيو دفور) بمدينة (بتروغراد) إذ الواقع أن هذه الدكانة الصغيرة كانت تتضمن أعجب خليط منوع من نوادر الصور المختلفة، وكان معظم هذه الصور من الرسومات الزيتية مطلية بصقال قاتم تحفها إطارات ملوثة قذرة عتيقة وكان من بينها المناظر الشتوية بأشجارها المثلجة البيضاء، والأصائل الذهبية والمغارب الشفقية القرمزية كأنها الحرائق المشتعلة. وصورة تاجر هولندي نفاج منتفخ هو أشبه بالديك الرومي منه بالآدمي. وعدة من صور الضباط والجنرالات يعرفون بسيماهم وأنوفهم المقوسة وقلانسهم المثلثة.
قليل جداً من يتقدم لاشتراء هذه الصور ولكن ما أكثر النظارة والمتفرجين. فمن خادم بطيء متلبد يتثاءب أمام تلك الصور وقد بردت في يده صحون الطعام قد جاء بها من المطبخ يحملها إلى مكتب سيده الذي قضى الله أن لا يأكلها إلا مثلجة. ومن بين المتفرجين أيضاً الجندي الملتف في عباءته وبائع الأمتعة القديمة يعرض للمبيع مديتين ودلالة تحمل عيبة أنسجة، وكان كل يظهر سروره بتلك الصور وإعجابه حسب أسلوبه الخاص، فالجندي يلمسها بيده وبائع القديم يتأملها بجد واهتمام والغلمان الخدام وصبيان المصانع يتضاحكون ويتعابثون وكبار الخدام يجعلونها ملهاة ومضيعة لأوقاتهم بالتثاؤب أمامها. والدلالات يقفن حيالها بالغريزة ليلتقطن ما يدور بين الجماعة من الأحاديث ويتسقطن الأخبار والأسرار - وتلك غريزة فطرية.
في فاتحة عهد قصتنا هذه كان الفتى المصور شاركتوف قد وقف بدافع نفساني قهري أمام تلك الدكانة أثناء مروره. وكانت عباءته القديمة وثيابه البسيطة الحقيرة تدل على شدة عكوفه على الفن وانهماكه فيه وتفانيه في إتقانه وصرفه البتة عن التفكير في شأن نفسه والعناية بأمرها من ملبس ومطعم ومنعم. وقف هذا الشاب المصور هنيهة أمام الدكانة الصغيرة وأمتع نفسه بضحكة خفية على تلك الفظائع المتنكرة في هيئة صور.
أطرق الفتى ملياً يفكر في تلك الصور ويسائل نفسه من عسى يشتري أمثال هذه الحثالة
стр. 3367
والنفاية. إن أرباب هذه القاذورات لم يبلغوا درجة غلام قد أخذ بشدو من الفن وألم بطرف من الصناعة. ما هذه والله إلا مظاهر جهل وضعف وغباوة تغتصب لنفسها في متاحف الفن ومعارض الصناعة مكاناً مدلساً مكذوباً وأحق بها وأولى أن تدرج في جملة مصنوعات الورش وحاصلات الآلات والمكينات.
وكذلك لبث واقفاً حيال الصور الرديئة برهة تحولت أفكاره أثناءها إلى أمور أخرى.
وفي خلال ذلك كان صاحب الدكان قائماً إلى جانبه يستحثه بكل أساليب الإغراء على اشتراء صورة، يذكر له الأسعار دون أن يكون قد عرف ما أعجب الفتى وما لم يعجبه. وكان الرجل أشيب ضاوياً ضئيل الجرم، فمما قال للفتى (ها يا سيدي إني أقنع بعشرة دراهم في هؤلاء الفلاحين وهذا المنظر القروي الجميل، لله هذا الرسم ما أبدع وما أروع! انظر إلى بهجته وبهائه. وإلى بريقه ولألأته. ورونقه ومائه. إنه ليثير الإعجاب ويفتن الألباب.
يستطير الألباب كالقبس المش ... عل لا تستقر فيه العيون
لقد جاءنا الساعة من الورشة ولا يزال طلاؤه رطباً ولما يجف دهانه. وهاك منظراً شتوياً بديعاً - فلا يفتك هذا المنظر البديع ولا تحرم طريف محاسنه. هذا بخمسة عشر درهماً. وهذه قليلة وأبيك في الإطار وحده! ما أبدع هذا المنظر الشتوي!) وهنا أمسك التاجر الصورة وهزها هزة كأنما يحاول أن يجلو ما ضمنته من طرائف وعجائب. وفضائل ومناقب. (تفضل يا سيدي بإصدار أمرك في حزم هذه الصور وإرسالها إلى دارك. أين تسكن يا سيدي. يا غلام هات لفافة من الخيط.)
فقال الفتى المصور - وقد ثاب إلى نفسه بعد شرود عقله وعزوب ذهنه (على رسلك يا هذا على رسلك) لقد أبصر صاحب الدكان قد هم فعلاً أن يحزم بعض الصور فرأى أن يرده عن قصده. على أنه كان يخامره شيء من الخجل لعدم اشترائه شيئاً ما من الرجل بعد طول وقوفه على دكانته. فالتفت إلى الشيخ وقال له: (انظر ههنا. سأبحث في هذه الصور المبعثرة لعلي أجد بينها شيئاً) ثم انحنى فوق كومة مكدسة من الصور على أديم الأرض وقد علاها الغبار ونال منها البلى، وكان من بينها طائفة من صور أشخاص من ذوي البيوتات العتيقة ربما تكون ذرياتهم قد فنيت من الدنيا وبادت وكانت تلك الصور بحالة
стр. 3368
سيئة من القدم والبلى والرثاثة فكانت من سقط المتاع ونفاية السلع. ولكن الشاب المصور مضى في بحثه قائلاً في نفسه لعلي عاثر على شيء من النفائس المهملة والطرائف المنبوذة، وكان قد سمع حكايات جمة عن أناس أصابوا أنفس بدائع الفن وأثمن تحف الصناعة بين الحثالات والنفايات الملقاة بزوايا الإهمال في أمثال تلك الحوانيت العتيقة.
فلما رأى صاحب الحانوت منه ذلك تركه في بحثه وعاود موقفه بباب الدكان ينادي المارة بأمثال قوله (هلم إلي أيها الأخوان فهنا أحس الصور. تعالوا أيها الإخوان ادخلوا. هذه صور جديدة قد وردت الساعة من أربابها.) بهذا الكلام وأمثاله جعل الرجل يصيح بملء فيه وبلا أدنى فائدة أو ثمرة وبعد أن كل من الصياح ومل أقبل على جار له أمامه دلال فأخذ يحادثه طويلاً. ثم تذكر أخيراً ذلك الفتى الذي قد تركه داخل حانوته يبحث ويفتش فانتقل إليه وأقبل عليه فقال (أي صاحبي، هل وقع اختيارك على شيء؟) ولكنه وجد الفتى المصور واقفاً لا حراك به أمام صورة في إطار كبير فاخر لكنه قديم بال قد أكل عليه الدهر وشرب.
هذه الصورة كانت تمثل شيخاً هرماً نحيف الوجه أسمر اللون بارز الوجنتين والظاهر أن الصورة كانت قد أخذت في لحظة اضطراب تشنجي وكان هذا الشخص يلبس ثوباً شرقياً فضفاضاً. وبالرغم من قذارة الصورة انطماس بعض أجزائها أدرك الفتى شارتكوف في ثناياها وتضاعيفها شواهد من براعة رسام قدير ومصور صناع لما تمكن من تنظيفها وتنقية الوجه من الأقذار والأفذاء. وكانت الصورة غير تامة ولكن براعة الفن فيها كانت رائعة مدهشة وأدهش ما في الصورة العينان، إذ كان يخيل إلى الناظر كأن جميع ما ضمنته ريشة المصور من قوة وإبداع قد سلط على العينين لا غير. فكانتا تطلان من الصورة ذاهبتين بالتوازن الفني فيها لفرط حياتهما وتوقدهما. ولما ذهب بالصورة إلى باب الدكان حيث الضوء أشد وأوفر ازداد إشراق العينين حدة وثقوباً فأثرتا في جمهور المتفرجين الساذج البسيط شبه تأثيرهما بالشاب المصور الفني العليم بأسرار الصناعة فصاحت امرأة كانت واقفة وراءه (إنه ليحملق. إنه ليحملق) وأجفلت نافرة فأحس شارتكوف إحساساً أليماً لم يفهم له معنى ولا علة ووضع الصورة على الأرض.
قال التاجر (أتريد الصورة؟)
стр. 3369
فأجاب المصور (كم ثمنها؟)
قال التاجر (علام التساوم والتقاول في شيء زهيد تافه كهذا. أعطني سبعين قرشاً.)
قال المصور (كلا)
قال التاجر (إذاً فكم تدفع؟)
قال المصور وقد هم بالانصراف (عشرين قرشاً)
قال التاجر (ما أبخس هذا الثمن. إن الإطار وحده ليساوي أكثر من ذلك. شاور عقلك وجئني غداً. تمهل يا سيدي. ارجع. التفت إلي. زدني عشرة قروش. بل خذها! هات العشرين قرشاً. الواقع أنك أول زبون اليوم، وهذا والله استفتاحي. ولولا ذلك لما طلبت نفساً عنها بهذا الثمن البخس)
على هذه الصورة الفجائية غير المنتظرة أصبح شارتكوف رب تلك الصورة العتيقة فقال في نفسه (فيما اشترائي هذه الصورة وأي خير لي فيها. ولكن لات حين مناص ولابد من الرضوخ للقدر.) ثم أخرج من جيبه قطعة ذات عشرين فأعطاها التاجر وتأبط الصورة ومضى بها إلى بيته. وفي أثناء مسيره تذكر أن قطعة النقود التي أسلمها إلى التاجر كانت آخر ما يملك فأطرق حزيناً واجماً. وكان ضوء الغروب الأرجواني لا يزال يتريث في الأفق ويتلوم. والمنازل المتجهة شطر المغرب ما برحت تتألق ذراها بنضار الشفق الأحمر يتوهج على شرفاتها ويتموج. وكان ضوء القمر الأزرق الرطيب يزداد أثناء ذلك لمعة وبريقاً وكان يتساقط على الأرض إذ ذاك طوائف وأفواج من ظلال رقيقة نصف شفافة وبدأ المصور ينظر إلى السماء المتوهجة بنور شفاف وقال (لله ما ألطف وما أشف وما أرق وما أدق (يريد منظر السماء) وما أعظم هذه البلية (يريد الصورة التي اشتراها)). ثم ثبت الصورة تحت إبطه وكانت لا تزال تزل عن موضعها وتفلت، وأسرع إلى داره.
دخل غرفته ومنها إلى متحفه ومصنعه (أي محل تصويره وصوره) وكانت ملأى بآثار الفن وأدواته ومواده ومصنوعاته فنضا عنه عباءته ووضع الصورة بين لوحتين صغيرتين وألقى بنفسه على مقعد ضيق، وبعد أن مد رجليه وتمطى نادى خادمه أن يأتيه بالنور.
فدخل غلام صغير في رداء أزرق اسمه نيكيتا وكان يؤدي عنده وظيفة خادم ومحضر ألوان (يطحن الألوان ليصيرها مسحوقة) ونموذجاً (أي يجلس أمام سيده المصور ليأخذ عنه
стр. 3370
صور شتى طبقاً لمختلف الأوضاع والهيئات والأشكال التي يتخذها لهذا الغرض) - هذا الصبي كان يقضي كل أوقاته في الشوارع أثناء غياب سيده.
قال نيكيتا لسيده (ليس عندنا شمع)
قال المصور (عجباً عجباً! لا شمع مطلقاً؟)
قال (ولا كان عندنا ليلة أمس ولا أول من أمس)
فتذكر الرسام حقيقة ذلك وأطرق واجماً.
قال نيكيتا (لقد جاء هنا رجل)
قال المصور (نعم لقد جاء يطلب ديناً)
قال نيكيتا (لم يكن وحده)
قال المصور (من كان يصحبه؟)
قال الخادم (أحسبه أحد ضباط البوليس أو نحو ذلك)
قال المصور (ولكن لماذا ضابط بوليس؟)
قال الغلام (لا أدري ماذا ولكنه يقول أنك لم تدفع أجرة المنزل)
قال المصور (وماذا يتوقع من ذلك؟)
قال الصبي (لا أدري ماذا يحدث بعد هذا ولكن الرجل قال إذا كان لن يدفع الأجرة فليبرح الدار. وقد قالا أنهما عائدان غداً)
قال شارتكوف من غير اكتراث (إذاً فليجيئوا) ثم نكس هامته واستولى عليه الهم والكآبة).
كان الفتى شارتكوف مصوراً مطبوعاً قد وهبه الله سر العبقرية وكانت مصنوعاته تدل على أنه سيكون له شأن عظيم في عالم التصوير وأن ريشته ستجود يوماً ما بالعجائب والغرائب إذ كان في مصنوعاته شواهد على دقة الملاحظة والتفكير والميل الشديد إلى زيادة الاقتراب من الطبيعة في كل ما يصنع وكان في الغالب إذا تناول الريشة نسي الدنيا بما فيها حتى نفسه، وأكب على عمله من الصباح إلى المساء إذ ينتزع نفسه منها بكرهه وبرغمه كأنما ينتزعها من حلم لذيذ وكان كثيراً ما يسؤه ويؤلمه أن يرى أدعياء الفن من الجهلة الضعاف يفلحون في غش الجمهور وخديعته فيروجون من بضاعتهم كاسداً ومن عملهم زوراً مزيفاً وينالون الشهرة والمجد وتامتا بلا أدنى فضل وميزة ولا قدرة. على ـن
стр. 3371
مثل هذه الخواطر لم تكن لتعرض له أثناء اشتغاله بعمله إذ يكون في غيبوبة عن العالم بأسره حتى يذهل عن طعامه وشرابه ولكن إذا كربه العسر وبرج به البؤس فاعوزه من الدريهمات حتى ما يشتري الصبغ والأوان وألح عليه صاحب البيت يطالبه بالأجرة عشرين مرة في اليوم - حينئذ كانت ذكرى محظوظي الرسامين تعاود قلبه الملوع المكلوم. وتنتاب خياله المجوع المنهوم وحينئذ كانت تعرض له عوارض اليأس وتخطر على باله خواطر النكوص والنكول فيحدث نفسه بالقعود عب اقتحام ذلك المسلك الوعر المؤدي إلى أوج العلاء الفني وذروة الكمال الصناعي ثم بالإسفاف والتسفل إلى مداق المسالك ومخابث الطرئق مجاراة للفريق الأعظم من مزاولي مهنة التصوير - أولئك الأدعياء الأغبياء الذين لا هم لهم إلا كسب المال بتبضيع الفن إلى الصناعة. في تلك اللحظة كان الفتى شارتكوف في مثل هذه الحالة النفسانية المخيفة.
قال في نفسه (يقولون صبراً صبراً. ما أسهل هذه الكلمة على لسان قائلها! ولكن أليس للصبر نهاية. ماذا يفعل البائس المسكين إذا عيل صبره ووهي جلده. صبراً صبراً سامحهم الله، أينبلني الصبر مهما طال اجرة الدار وثمن اللحم والخضار ودين الزيات والعطار. ثم لا أرى حولي من يهبني أو يقرضني، وإذا حاولت ان ابيع هذه الصور نتيجة كدي وثمرة قريحتي فمن ذا الذي يحفل بها أو يفهم أسرارها وهي منافية لذوق الجيل السقيم السخيف وما أراني أعطي في جميعها أكثر من عشرين قرشاً على أني ما أحسب ان في القوم من يفكر قط في اشترائها ومن ذا الذي يشتري مصنوعات شخص خامل الذكر مغمور مجهول ومن ذا الذي يحفل بالقطع المدرسية العتيقة والرسوم الأثرية والموضوعات الفنية الجافة غير المألوفة. من ذا الذي يهمه أن يشتري صورة تمثل غرفتي القذرة الحقيرة البائسة أو صورة خادمي الملعون نيكيتا أو صورة (امرأة عارية) وإن كانت في الحقيقة أجود صنعاً من كل ما يخرجه أدعياء الصناعة الغشاشون من ذوي الشهرة والفعة في هذا العصر الكاذب الجاهل، لماذا أسوم نفسي كل هذا الكد والنصب وأجشمها المصاعب والمشاق احتفاظاً بقواعد الفن وتأييداً لأركانه فأذوق في سبيل ذلك الجوع والعطش وأعاني البلاء والكرب على حين يمكنني أن أنال المال والصيط والرغد والرفاهية من أرقب طريق وبأيسر مجهود كسائر أرباب الحرفة من ذوي التساهل والاستخفاف)
стр. 3372
ما كاد الفتى يصل إلى هذه النقطة من نجواه حتى أحس رعدة فجائية أرعشت أوصاله فانتقع لونه وسبب ذلك أنه أبصر أمامه وجهاً مشنجاً ملتوياً يحدق إليه بعينين مخيفتين، وكما أنما قد كتب على الشفتين أمر تهديدي ينذر الناظرين بالصمت والسكوت فانذعر الفتى وهم أن يصيح بغلامه نيكيتا استغاثة به. ولكنه ما لبث أن هدأ روعه وضحك حينما تبين أن هذا الشبح المخوف لم يكن إلا تلك الصورة التي اشتراها اليوم وقد نسي ما كان من أمرها. لقد سقط عليها ضياء القمر المستفيض في الغرفة فأعارها شبه حياة وروح غريبة.
هنا قام الفتى إلى الصورة فشرع يبحثها بحثاً دقيقاً فتناول إسفنجة فبلها ثم أمرها فوق الصورة مراراً عدة حتى أزال عنها جميع ما كان قد تراكم فوقها من طبقات الغبار والقذى ثم علقها على الحائط أمامه واخذ إعجابه يزداد من دقة الصناعة وإتقانها. وكان الوجه قد استفاض بفضل المسح والتنظيف حياة جديدة وبرقت له العينان حتى أرعدت فرائسه وأحفزت أحشائه فارتد نافراً وصاح (إنها والله لتنظر إلي بعينين آدميتين) وهنا تذكر بغتة حكاية كان قد سمعها قديماً من أستاذه عن صورة مشهورة من ريشة المصور الأعظم (ليوناردو دافنشي) بذل فيها ذلك العبقري الأجل جهده ونفث عليها آيات سحرية أعواماً عدة وراى بعد كل ذلك أنها لم تكمل وإن جعل أساتذة الفن من بعده يعدونها أكبر ثمرات إبداعه. وأكمل ما في تلك الصورة عيناها اللتان راعتا وأدهشتا جميع معاصريه وخلفهم. وذلك أن أدق وأخفى العروق فيهما استطاع العبقري العظيم أن يبرزه على اللوحة.
بيد أن الصورة التي اشتراها شارتكوف كان شأنها أعجب من صورة ذلك العبقري وأغرب. وذلك أن الأمر لم يكن مسألة صناعة أو فن بل لقد فات حدود الفن وخرج من دائرة الصناعة بما أفسد نظام الفن في الصورة. لقد كان يخيل إلى كل من رآها أن تينك العينين قد قصتا بمقص من وجه إنسان حي ثم دستا في الصورة. فالناظر إليهما لا يجد تلك اللذة العظيمة التي تستحوذ على المشاعر لدى رؤية ملحة فنية مهما بلغ من هول موضوعها ورعبه ومن عظم مخافته وروعته - بل كان الألم المحض هو ما يعتري الناظر إلى هاتين العينين إذ كان إنما ينظر إلى حقيقة لا خيال وإلى الحياة المؤلمة الرهيبة لا إلى توليدة من تواليد الوهم والصناعة. والحياة في ذاتها (في مشاهدها الرهيبة كمثل هاتين العينين) لا تؤثر إلا إرعاباً وإزعاجاً. ولكن تمثيلها بوسائل الفنون المختلفة - كالشعر
стр. 3373
والتصوير والموسيقى والتشخيص المرسحي - هو الذي يولد من الألم لذة ومن الرعب إمتاعاً.
لذلك نقول أن الألم المحض والذعر البحت كان إحساس الفتى شارتكوف تلك الصورة العجيبة. ودنا ثانياً من الصورة ليتأمل تينك العينين المدهشتين فرأى مع الفزع الشديد أنهما تحلقان إليه. ما هذا والله رسم رسام ولا تصوير عن الطبيعة ولا تقليد للحياة بل الحياة بعينها - الحياة العجيبة التي قد تشرق في وجه ميت نشر من لحده. فأحس الفتى بنوع من الرعب أعجزه عن الجلوس وحده في الغرفة. فتحول عن الصورة وانتبذ ناحية منها وجعل يروض نفسه على عدم النظر إليها ولكن عينه استمرت من تلقاء ذاتها وعلى الرغم منه تنظر من طرف خفي إلى الصورة. وأخيراً ألصقه الرعب بموضعه وقيده عن السير في أنحاء الغرفة. وأحس كأن شخصاً ما سيطلع عليه من ورائه فجعل يتلفت حواليه وخلفه فزعاً مذعوراً. لم يكن شارتكوف جباناً ولا رعديداً ولكنه كان حساس الأعصاب والمخيلة ولم يستطع في تلك الليلة أن يفسر لنفسه ما اعتراه من الرعب والفزع ولا أن يتبين علته ومصدرها ثم إنه ذهب إلى ركن من الغرفة فجلس فيه ولكن خيل إليه بعد ذلك أن شخصاً ما كان يطل عليه من فوق كتفه وينظر في وجهه وكان نيكيتا خادمه نائماً في الغرفة المجاورة يغط في نومه، فلم يكن في تشخيره العالي ما يطرد مخاوف سيده أو يطمئن قلبه. وأخيراً نهض الفتى من مجلسه فسار منكس الرأس مغضي الطرف نحو سريره فدخل الكلة واستلقى على الفراش وأبصر من فروج الكلة فضاء الغرفة مستنيراً بضياء القمر والصورة معلقة على الحائط. فرأى العينين لا تزالان مصوبتين نحوه بنظرة أجد وأمضى وأرعب وكأنهما قد أصرتا على إدامة النظر نحوه وأبتا أن ترنوا إلا إليه. فلما كربه ذلك وغصه وضيق خناقه قام من فراشه وتناول ملاءة ثم تقدم إلى الصورة فغطاها من رأسها إلى قدمها.
ولما فعل هذا عاد إلى سريره فاستلقى على الفراش وقد سرى عنه نوعاً ما ونفس من كربه فأخذ يفكر في عيشة أهل الفن والصناعة البائسة المنكودة وفيما يقاسون من العوز والفاقة وفي منهج حياتهم الوعر الصخري الشائك المملوء بالآفات والمكاره وإنه لفي ذلك إذ حانت منه التفاتة من خلال الستارة نحو الصورة فرأى ضوء القمر قد ضاعف بياض الملاءة
стр. 3374
الملقاة عليها. وخيل إليه أن العينين المخيفتين تتوقدان وقد شفت عنهما الملاءة فثبت نظره في تلك البقعة فزعاً مذعوراً كأنما يحاول أن يقنع نفسه أن هذا وهم كذب ولكنه ما لبث أن رأى الملاءة قد زالت والصورة قد سفرت وأنها تحدق إليه تحديقاً كما لو كانت تريد أن تنفذ ألحاظها إلى صميم قلبه. عند ذلك مشى قلبه في صدره وارتعدت فرائصه وأخذ يتأمل هذا المنظر قلقاً جزوعاً. وإذ الشيخ الهرم قد تحرك ثم اعتمد بذراعيه على قائمتي الإطار (إطار الصورة) فأنهض نفسه بيدي ومد قدميه ووثب من الصورة وترك الإطار خالياً فارغاً. وسمع الفتى وقع قدمين في الغرفة وصدى خطوات تدنو منه وتقترب فاشتد خفقان قلبه وجعل يتوقع من لحظة إلى أخرى - وقد انقطعت من الرعب أنفاسه - أن الشيخ الهرم سيطل عليه بعينيه الشنعاوين من خلف ستارة فراشه. ويا للبلاء - لقد حدث ذلك فعلاً وأطل عليه الشيخ الهرم من خلف الستارة بعينيه الشنعاوين.
فحاول شارتكوف أن يصرخ ولكن خانته حنجرته ولم يجد صوته. ثم حاول أن يتحرك فأبت ذلك مفاصله. فلبث فاغراً فاه مبهورة أنفاسه ينظر إلى الشيخ الطويل المزمل في ثوب شرقي سابغ فضفاض ينتظر ما عسى أن يكون منه بعد ذلك. فقعد الرجل على أرض الغرفة وأخرج شيئاً من طيات ثوبه الفضفاض - فإذا هو كيس - وشرع الشيخ الهرم يحله ثم أمسكه من طرفه ورجه فتساقطت منه أكداس مكدسة من النقود دوى لها صلصل على أرض الغرفة وكان كل كدس منها ملفوفاً في قرطاس أزرق مكتوباً عليه ١٠٠٠ ليرة ثم إن الشيخ المسن أخرج يده المعروقة الصفراء من كمه الواسع وشرع يفض القراطيس الملفوفة وهنالك أشرق الذهب الإبريز وتلألأ. وبالرغم من شدة ما كان يعرو الفتى المصور من الرعب والفزع توجه بكل قلبه إلى ذلك المنظر الفتان وحصر جميع مشاعره ومداركه في منظر الذهب الوهاج منحدراً من تلك الأصابع المهزولة رناناً على بلاط الغرفة مردوداً بأنامل الشيخ إلى قراطيسه. وأبصر الفتى أحد هذه القراطيس الملفوفة قد تدحرجت حتى وقف عند قائمة سريره بقرب وسادته. فانقض عليها كالعقاب فأنشب فيها مخالبه وأخذ ينظر خائفاً حذراً نحو الشيخ الهرم لينظر هل فطن إليه.
ولكن الشيخ كان عن ذلك مشغولاً. فجعل يجمع قراطيسه فيعيدها إلى كيسه ثم خرج من الكلة دون أن ينظر إلى الفتى فوثب قلب المصور طرباً لما سمع وقع خطوات الشيخ
стр. 3375
متراجعاً في الغرفة فشد قبضته على قرطاس الذهب وأوصاله ترتعد ارتعاداً ثم سمع خطوات الشيخ تدنو منه ثانياً. فقال في نفسه لعله قد فطن إلى القرطاس المفقود. ويا للبلاء لقد أطل الشيخ برأسه ثانياً من وراء الستارة على الفتى فشد يده على قرطاس الذهب بكل ما فيه من قوة مستيئساً مستميتاً ثم حاول أن ينهض من مضجعه ثم صرخ صرخة شديدة - واستيقظ.
لقد ألفى جسده يتفضج عرقاً وقلبه يضرب ضرباناً وصدره مكتظاً وأنفاسه مبهورة وكأنه يعاني سكرة الموت (أكان ذلك حلماً؟) كذا ساءل نفسه وأمسك رأسه بيديه ثم بدا له أن حقيقة ذلك الشيخ الفظيعة لم تك من قبيل الأحلام والرؤى. وفي أثناء استيقاظه أبصر الشيخ يخطو داخل الإطار (إطار الصورة) وأبصر كذلك ذيل ثوبه الشرقي يخفق ويرفرف وأحس أن يده (يد نفسه) كانت تقبض آنفاً على شيء ثقيل. ثم أدرك فجأة أنه ليس راقداً في فراشه بل واقفاً أمام الصورة فحار في ذلك وجعل يسائل نفسه كيف انتقل من فراشه وماذا أوقفه أمام الصورة فلم يدر البتة كيف كان ذلك وأعجب من ذلك أنه وجد الصورة مكشوفة قد زال عنها غطاؤها. فوقف مبهوتاً مسلوب الحركة ينظر إليها وإذا العينان الحيتان الآدميتان تحدقان إليه لا تتحولان عنه البتة، فتفضج جبينه عراقاً بارداً وهم أن يتحرك ولكنه أحس قدميه قد ساختا في الأرض فرسختا. وقام بذهنه أن ذلك ليس بحلم. ثم أبصر وجه الشيخ يتحرك وأنه يمط شفتيه نحوه كأنه يهم أن يلتهمه. فارتد إلى الوراء مجفلاً وصاح صيحة منكرة - واستيقظ.
أكان ذلك حلماً! لقد جعل الفتى يعبث بيده ويتلمس، وقلبه من شدة الخفقان يكاد يثب من بين أضلاعه. الحقيقة أنه كان راقداً في الفراش بنفس الموضع الذي أغفت فيه عينيه. وكانت الستارة مسدلة أمامه ونور القمر مستفيضاً في الغرفة. وكانت الصورة بادية من فروج الستارة مغطاة بالملاءة على نحو ما كان غطاها. وهكذا اتضح له أن هذا كان حلماً أيضاً. غير أنه بالرغو من ذلك ما زالت يده المقبوضة تحس كأنها كانت تنطوي على شيء. وكان خفقان قلبه شديداً عنيفاً. بل مرعباً مخيفاً. وكان على أحشائه عبئاً فادحاً لا يطاق. فصوب بصره نحو الفرجة التي في الستارة وأخذ يحدق في الملاءة الملقاة فوق الصورة. ويا الله! ويا للعجب! ماذا يبصر أنه ليبصر الملاءة ترتفع وتنحسر كأن يدين ترفعانها من ورائها
стр. 3376
تحاولان طرحها فصاح مذعوراً (يا الله! ما هذا!) وصلب فوق صدره - ثم استيقظ.
فهل كان ذلك أيضاً حلماً؟ هنا وثب الفتى من فراشه وقد كاد يجن جنونه ولبث حائراً لا يدري ما أصابه، أوطأة كابوس أم نوبة حمى أو طيف من الجن حقيقة؟ وهنا حاول الفتى أن يسكن جهد الطاقة ثائرة ذهنه ويكفكف بعض الشيء تدفع الدم المنهمر في عروقه الضارب بأقصى شدة في كل نابضة من جوارحه. فعمد إلى النافذة ففتحها فهبت عليه نسمات السحر البليلة فأبردت عظامه وأطفأت ضرامه وأنعشته ورفهت عنه. وكان ضوء القمر منبثاً على سطوح المنازل وجدرانها بالرغم مما كان يتطارد في ساحة السماء من قطع الغمام. وكان السكون سائداً. ومن آن لآن كان يقرع المسامع صرير عجلة سائرة. فأطل الفتى من النافذة ملياً. وكانت تباشير الصباح قد أخذت تبدو على الأفق وأخيراً هومت رأسه للنعاس فأغلق النافذة وعاد إلى سريره فتهالك على الفراش نضواً طليحاً وما لبث أن غط في نومه غطيطاً. .
استيقظ متأخراً وهو يشعر بأليم ما يحسه وقد أوشك أن يختنق بغاز الاستصباح وكان في رأسه دوار شديد.
كانت الغرفة قليلة الضياء وقد فشت في الهواء رطوبة خبيثة نفذت من فروج النوافذ فأحس الفتى بكآبة انقباش وجلس على مقعده الرث الممزق لا يدري ماذا يصنع. وأخيراً تذكر كل ما تراءى له في الحلم. ولما أخذ يتذكر ذلك تمثل الحلم لعين خياله وبدا في صورة الحقيقة المؤكدة حتى بدأ يشك في كونه حلماً وجعل يسائل نفسه لا يحتمل أن يكون الذي رآه هو طائف جن لا ريب في صحته ولا مراء. وهنا قام إلى الصورة فأماط عنها الغطاء وتأمل الصورة الشنعاء في ضوء النهار. لقد وجد العينين في غاية الروعة والاندهاش لفرط توقدهما الخارق للعادة ولكنه لم يجد فيهما شيئاً مزعجاً مرعباً بوجه خاص وإن كان لم يبرح بذهنه أثر إحساس أليم مما قاساه بالأمس. وكان بعد ذلك كله لا يستطيع إقناع نفسه أنه كان حلماً محضاً. بل جعل يشعر في أعماق ضميره أن هذه الرؤية كانت تنطوي على شعبة هائلة من الحقيقة وكأنما كان يلمح في لحظ الشيخ وفي مخايل وجهه آية ناطقة بأنه قد طرقه وصحبه ليلة الأمس. كما أن يده لا تزال تشعر بذلك الثقل الذي حوته كما لو أن شخصاً ما قد انتزعه من قبضتها منذ لحظة وخيل إليه أنه لو كان ضاعف قبضته على
стр. 3377
قرطاس الذهب لما أفلت من يده ولبقي بها حتى بعد انتباهه من هجعته.
قال في نفسه وهو يزفر زفرة المجهود (لا حول ولا قوة إلا بالله، أما لو كان لي بعض هذا المال!)
وهنا تمثلت القراطيس لعين خياله منقوشاً عليها تلك الجملة الخلابة (١٠٠٠ ليرة) تنصب من كيسه الضخم الممتلئ. ثم انفتحت القراطيس وبرق الذهب ثم احتجب عن عين خياله ثانياً ولبث جامد الحركة ملجم الفم شاخص البصر يحدق في الفراغ كأنما قد عجز عن انتزاع نفسه من ذلك الحجر الساحر - مثله في ذلك كمثل الطفل الجالس أمام طبق من الحلوى يرنو إليه صب القلب سائل اللعاب وسواه يلتهمه مفزعاً.
وأخيراً دق الباب فثاب الفتى إلى رشده ثم دخل رب الدار بصحبة ضابط البوليس.
صاح رب الدار للضابط يخاطبه (انظر يا سيدي بنفسك. هذا الرجل لا يدفع أجرة مسكنه. لا يدفع الأجرة)
قال شارتكوف: (كيف أدفعها ولا مال عندي؟ أمهلني رويداً أوفك حقك. . .)
قال رب البيت حنقاً مغضباً وهز سلسلة مفاتيحه بشدة (لقد عيل صبري. لا أستطيع بعد ذلك صبراً، اسمع يا فتى، هذا ليس بملجأ ولا بمستشفى. ادفع أجرتك وإلا فارحل)
قال ضابط البوليس (أجل. ما دمت قد استأجرت هذا المكان فلابد لك من دفع أجرته) وصحب هذا القول بهز رأسه وإمرار يده على أزرار بذلته الرسمية)
قال الفتى (من أين أدفع. وأي شيء عندي أدفع. هذا هو المشكل. إني لا أملك الساعة درهماً واحداً)
قال الضابط (ادفع من ثمرة أعمالك. دع المسيو إيفان إيفانوفيتش يقبض حقه صوراً من صنع يدك - هذا إن قبل)
قال صاحب المنزل: (أنا لا أقبل ذلك يا سيدي - كلا لا أقبض صوراً. وأي صور هذه. لقد كان يصح أن آخذ صوراً لو كان لها قيمة. ولكن هذه حثالات لا قيمة لها. انظر هناك تجد صورة القرد الخبيث - خادمه نيكيتا. هل خطر قط ببال إنسان أن مصوراً يبلغ من حماقته وجنونه أن يصور مثل هذا العفريت بثيابه الممزقة ووجه الملوث، لهفي على هراوة أهوي بها على أم رأسه فأفلق دماغه. تباً لهذا الصبي، لقد خلع أبواب البيت وحطم زجاجه)
стр. 3378
في خلال ذلك كان الفتى المصور يصغي إلى هذه الشتائم على مضض. وكان الضابط يتأمل الصور المعلقة على الجدران فضرب يده على إحداها - صورة امرأة عارية - هذا حسن! ولكن ما هذا الشواد الكثيف تحت الأنف؟ هل كانت السيدة تتنشق؟)
قال شارتكوف بغلظة وجفاء (ليس هذا نشوقاً ولكنه ظل من ضروريات الفن)
قال الضابط (كان الأولى أن تضعه في موضع آخر غير هذا. إنه ليس بجميل تحت الأنف) ثم إنه التفت إلى صورة الشيخ الهرم فقال (صورة من هذه؟ إنها والله لمزعجة. أحقاً كان هذا الإنسان فظيعاً إلى هذا الحد؟ عجباً له! إنه لينظر إلى فعلاً، ما هذه البلية؟ عمن أخذت هذه الصورة)
أجاب الفتى (هذه الصورة ـ) ولكنه لم يكمل الجملة، ذلك أنه سمع انصداع والظاهر أن الضابط كان قد ضغط بيديه الثقيلتين على إطار الصورة ضغطاً شديداً فتصدع فانفلق من جانبه وسقط منه لوح صغير وهوى معه إلى الأرض قرطاس أزرق كان لوقعه صليل على أرض الغرفة ولمح شارتكوف على القرطاس هذه الجملة مكتوبة (١٠٠٠ ليرة) فانقض كمن أصابته جنة على القرطاس فاختطفه وشد عليه قبضته شدة الغرق على عود من الخشب ورسبت يده لثقل ما حملت.
سمع الضابط صليل نقود ولكنه لم ير شيئاً لفرط سرعة شارتكوف إلى التقاطها فقال (أولم أسمع صوت نقود ههنا؟)
فأجاب شارتكوف (مالك وللأصوات التي تسمع في غرفتي، أي شيء لك في ذلك؟)
قال الضابط (هذا من شأني لأني أريد أن تدفع لهذا الرجل أجرة داره. هذا من شأني لأني أراك ذا مال ثم تأبى أن تؤدي إلى الرجل حقه)
قال شارتكوف (سأؤديه إليه اليوم)
قال الضابط (ولم لم تدفع ما عليك من قبل فتريح صاحب الملك والحكومة؟)
قال الفتى (لأني لم أك أود أن ألمس هذا المبلغ، سأوفيه حقة هذا المساء ثم أترك الدار غداً. فما كان لمثلي أن يعامل مثل هذا الإنسان)
قال الضابط متلفتاً إلى صاحب الملك (اسمع يا مسيو إيفان إيفانوفيتش، سيدفع لك الأجرة، فإذا لم تبلغ رضاك من كل وجهة فالجأ إلي - ثم اعذرني بعد ذلك يا حضرة المصور عن
стр. 3379
كل ما أصنعه معك.)
قال هذا وتناول قبعته فلبسها وخرج إلى الردهة يتبعه صاحب الدار مطرقاً يتفكر.
ولما تأكد شارتكوف أنهما قد برحا المنزل سري عنه وتنفس مستريحاً ولقد قال في نفسه (الحمد لله لقد ذهبا، لا أراني الله وجهيهما!) ثم نادى نيكيتا فأرسله في حاجة إقصاء له عن الدار ليخلو له الجو في تلك الساعة. وأغلق الباب وراءه وعاد إلى غرفته فتناول القرطاس الملفوف بكف راجفة وإجشاء واجفة وعقل شارد ولب عازب وبدأ ينشر مطويه.
ولما فتحه ألفى به مقداراً عظيماً من قطع ذهبية براقة وهاجة تتألق كأنها ألاهيب نيران مؤججة وهنا طار عقلة وضاع رشده من فرط الحبور والجذل وجلس إلى الكثيب الذهبي وساءل نفسه أليس هذا أيضاً حلماً.
لقد كان في القرطاس ألف ليرة ذهباً وهاجاً مثلما شاهد في الرؤيا، وجعل يقلبها في يديه وينظر إليها ملياً. وهنا ثار من أعماق مخيلته كل ما كان قد سمعه من حكايات الكنوز المدفونة والخزانات ذات الأدراج السرية التي كان يتركها الآباء المتبصرون إلى أحفادهم المبذرين لاعتقادهم ما سوف يكون من إسرافهم وتضييعهم. فجعل يناجي نفسه بمثل هذه الأقوال (ما أظن لا أن أحد الأجداد قد ادخر هبة لبعض أحفاده في إطار إحدى الصور العائلية) وكذلك ازدحم في ذهنه أعجب التصورات وأغرب التخيلات فخطر في باله أن هذه الصورة المدهشة يحتمل أن يكون لها علاقة سرية بحظه ومصيره. وأن وجودها مرتبط بوجوده وأن عثوره عليها وإحرازه إياها يحتمل أن يكون مما جرت به الأقدار وسجل في لوح الفضاء.
وهنا تناول الإطار ليمتحنه دهشاً متعجباً. فألفى في أحد جانبيه تجويفة قد أخفيت عن الإبصار أدق إخفاء وألطفه بواسطة لوح صغير، فلو لم يتصدع هذا اللوح من ضغط تلك اليد الثقيلة - يد الضابط السابق الذكر - لجاز أن تبقى النقود الذهبية مخبوءة بذلك المكمن الخفي آخر الأبد، ثم امتحن الصورة أيضاً فعاوده العجب والدهشة من إتقانها ومن دقة صنع العينين. وكان قد زال عنهما - بعد حادثة القرطاس - ما كان لهما من موقع الرهبة والرعب في قلبه. ولكنه مع ذلك كلما نظر إليهما أحس في نفسه شيئاً من الضيق والغم.
ثم قال في نفسه يخاطب الصورة (سواء أكنت جدي أم جد سواي لأصوننك بأنفس الزجاج
стр. 3380
ولأحوطنك بأغلى إطار ذهبي) ثم وضع يده على الصرة الذهبية وكاد قلبه يطير خفقاناً من شدة الفرح.
ثم قال وهو ينظر إلى المال (ماذا أصنع بهذا؟ هذا المال يهبني الغنى ويضمن لي الاستقلال مدة عشرين سنة على الأقل. الآن يمكنني أن أحبس نفسي في غرفتي فأستمر في عملي. فعندي ما أشتري به الألوان والأدوات والطعام واللباس والمسكن فأكون في مأمن من شر كل مزعج ومكدر ومنغص. فإذا سلكت هذه الطريقة، طريقة الانقطاع إلى الفن لبلوغ أقصى ما أستطيع من البراعة والنبوغ فيه منكباً عن سبيل الإتجار به والارتزاق منه وما في ذلك من دواعي الاستخفاف بأصوله وقواعده مما لا يؤدي إلا إلى الجهل بأسراره والتخلف فيه عن النابغين النابهين والإسفاف إلى مساقط الأغبياء الضعفاء - إذا سلكت طريقة الجد والاجتهاد والإجادة والإتقان والإخلاص والتفاني والتضحية فلن يمضي علي خمسة أعوام حتى أبلغ في الصناعة مكاناً محموداً ومقاماً محسوداً.
стр. 3381
بطل مصر العظيم
سعد زغلول
وكذلك لبثنا أجيالاً كأكوام الحطب المكدسة الجامدة الهادمة الميتة ننتظر تلك الشعلة المستعرة بلهيب العبقرية المقدسة، نرتقب نزولها من السماء لتوقظ غفلتنا وتنبه رقدتنا - وها هي قد نزلت أخيراً وقد اشتعل بشواظها الجانب الأعظم من أكداس الحطب الهامدة - فما بال فئة تتذمر وتتسخط؟ وما لها تتعتب وتتغضب؟ وتنتقد وتتعقب؟ وما هذا العمى او التعامي؟ وما هذه الحماقة أو التحامق؟ وما هذا الجحود والنكران وما هذه الصدور الحرجة والأعطان الضيقة؟ وما لقومي يريدون أن ينظروا إلى البطولة نظرتهم إلى الشخصيات اليومية العادية ويستعملون في قياسها وسبر أغوارها تلك المقاييس والميابير الت ييختبرون بها الذهنيات المألوفة الشائعة والنفسيات المعروفة المنتشرة. وكان حقاً عليهم أن يعرفوا أن البطولة لا تقاس مقاييسها العادية بل لا تقاس البتة لأنها أعظم من ذلك وأهول بل لأنها لا تحد ولا تحصر. وما زال البطل العظيم إذا ظهر في شعب أو أمة كان موضع الدهشة والحيرة، فيهابه أقوم ويذعر منه آخرون ويبغضه جماعة ويراه البعض شراً وآفة والبعض آية وعيد وتهديد ويراه الجميع لغزاً وأحجية وقد قال هيجل في هذا المعنى. (الرجل العيم يجثم الدنيا مشقة القيام بشرحه وتفسيره لأنه لغز من أصعب الألغاز) وبعد هذا كله وبعد حكمة هيجيل البالغة يأيى حماقة المتعاقلين المتحذلقين إلا أنت يحملوا شخصية البطل العظيم إلى معملهم العلمي فيضعونها على المشرحة ثم يشرحوها كما تشرح الجثث وبعد ذلك يحللون موادها تحليلاً كيماوياً ويزنون عناصرها وزناً كيماوياً ويقدمون غليك بعد ذلك حساباً كيماوياً عن نتيجة تجربتهم والجرام والملليجرام. مرحى مرحى؟ ما هكذا يا سادة تقاس العظمة ولا هكذا توزن العبقرية ولا قال أحد ما أن أعاظم الأبطال يقاسون بالمسطرة والبرجل ويوزنون بالمثقال والدرهم - البطولة شيء عظيم هائل، لا يستطيع امرؤ أن يتلقاه إلا بالهيبة والاحترام والخشوعه والإجلال، والبطولة سر رهيب كالحياة ذاتها ترغم كل إنسان على مخافتها والخضوع لها، ولا يجرؤ على انتقادها إلا المعتوه والأبله والمغرور والسفيه والأحمق، ومن أصر على تخنتطها وانتقادها فلن يجد مكاناً أصلح لذلك من مستشفى المجاذيب. وما نقوله لناقد الحياة نقوله أيضاً لناقد البطولة.
стр. 3382
قل للذي يأخذ على الرجل العظيم عناده واستبداده وخشونته وغلظته وقسوته ما بالك لا تذم في نظام الكائنات البركان والإعصار والصاعقة والزلزال والعاصفة والطوفان - فكما أن هذه من عناصر المون اللمتتمة له وهي لازمة له لزوم أضدادها مما تراه أنت من حسنات ومنافع - وكلاهما سواء في الفضل لتساويهما في اللزوم - فكذلك مل تراه أنت رذائل في البطل وآفات هو لازم لكيانه وقوامه لزوم فضائله وحسناته إذ من النقيضين معاً وليس من واحد دون الثاني تتكون البطولة. وماذا أدل على صدق هذا القول مما لا يزال يشهد به التاريخ من اتخاذ الطبيعة وسائل القسوة والغلظة لبلوغ ما تريده من غايات الصلاح والخير وأوضح مثال على ذلك الثورة الفرنسية التي بالرغم من أنها كانت سلسلة فظائع وشنائع فقد كانت هبة الأمم الوسنى من رقاد كاد يخنقها أثناء كابوس الظلم والاستعباد وصيحة الشعوب ثارت من هجعة شبيهة بالموت فبدأت تشعر بأن هذه الحياة الدنيا ليست بأكذوبة ولا أبطولة، وأن عالم الله ليس بمكينة تساس بالمكر والدهاء.
قال كارليل (إنا لنرحب بالثورة الفرنسية ترحاب الغريق بالصخرة العبوس - فهي على عبوسها ووحشتها وإفقارها معاذ من الهلاك وعصمة من التلف. وهل كانت الثورة الفرنسية إلا وحياً حقاً من الله ورسالة صادقة وإن راعت القلوب وأزعجت الخواطر - أجل - بالثورة الفرنسية انتهى التصنع والزور والغش والخداع والباطل الأجوف الفارغ - انتهى شر كبير وفساد عظيم. فالثورة الفرنسية ثمرة حرة من ثمار هذا العالم وهي حق وإن كان حقاً متلفعاً في شواظ جهنم، - بيد أنها على كل حال حق لا باطل - وهي رسالة الله إلى الأرض صدع بها صوت من الرعد القاصف أو دوت بها نفخة اسرافيل في الصور.
انظر بعد ذلك غلى ما قاله نابليون بونابرت ممثل الديمقراطية وزعيم الشعب وبطل الحرية (إنما أدركت غايتي وبلغت مرادي بقوة النفوذ) ثم انظر إلى نظريته في النفوذ. ماذا قال في ذلك (لا أعرف لا قوتين لتحريك الرجال: الرغبة والرهبة. أما الحب فهذا سفه وحماقة وبله وجنون. وأما الصداقة فهذا اسم بلا مسمى. هذا وإني شخصياً لا أحب إنساناً بل لا أحب أخوتي. ولعلي أميل قليلاً إلى يوسف أخي بحكم العادة ولأنه ليس مني وقد أحب (ديروك) ولكن لماذا؟ لأني معجب بصرامة حده. ومرارة جده: وفي اعتقادي انه ما ذرف قط من عينه دمعة. هذا وإني واثق أنه ليس في الدنيا من يحبني أو يخلص لي - فما دامت أي
стр. 3383
دولة والسلطان فليس أكثر ممن يدعون مودتي تزلفاً وملقاً. فإن ركدت ريحي انفضوا من حولي. ألا فلتدعن الرأفة والرقة واللين للنساء أما الرجال فلا بد لهم من الصلابة والقسوة والصرامة إذا تعرضوا للحرب أو السياسة.
فكيف بعد هذا كله يعينون على بطل النهضة المصرية صلابة خلقه وصرامة طبعه؟ ومتى كانت الملاينة والمحاسنة والملاطفة والمجاملة والتسامح والتساهل والاعتدال من شيمة أبطال الجهاد ومحرري الشعوب من ربقة الاستعباد وفرسان ميادين السياسة المغامسين حومة الطعان الجلاد.
البطل لا يسأل عما يفعل فإن أساس بطولته وقوامها وسرها هو ذلك الاعتزاز بالنفس والاستبداد بالرأي الذي به يدوس على كافة الاعتبارات والتقاليد اندفاعاً وراء غرضه وبغيته - مبتذلاً في سبيل ذلك الأمن والراحة والسلامة، لا ترده عقبة ولا يثنيه مانع - ولكنه يسير إلى غايته على عزفات موسيقى روحه الجياشة الصداحة ولو ثارت حوله الزوابع وطارت العواصف وزمجرت القواصف وأوشك الكون أن يتحطم ويتهدم. ولذلك قد يكون في البطولة أحياناً ما ينافي اللياقة ويخالف الآداب ويعارض الحكمة والفلسفة ولكن البطولة لا تعبأ بالياقو ولا تحفل بالآداب ولا تأبه للفلسفة. لأنها قبل كل شيء متكبرة مختالة تياهة جبارة. وعلى الغم من كل هذا فالواجب علينا جميعاً إكبارها وإجلالها وذلك لأنها محفوفة من جلال العظمة والروعة بما يجب أن يغض من أبصارنا وينكس من رؤوسنا أمامها، وما زال في كل عمل من أعمال البطل ما يملأ صدورنا هيبة ويقعدنا عن تعقبه واقتفاء أثره وانتقاده وبحثه. ففعلة البطل هي فعلة الله يأتيها على يد البطل وما كان لبشر ما مهما ظن نفسه عظيماً أن ينالها بذم أو انتقاص أو نقد - وليس في صنع الإله لعبيده مغمز أو مطعن. والبطل متى اندفع بقوة الله وبإلهامه ووحيه إلى إيتان فعلته لم يبال بصحة ولا حياة ولا أخطار ولا بذم ولا تأنيب ولا بعداوة ولا ببغضاء ولا بوعيد ولا تهديد ولا تراه موقناً أن إرادته أعلى واجل وأشرف وأفضل من جميع من يتبرى ومن سوف ينبري له من أهل المعارضة والمناوأة.
البطولة هي انقياد وإذعان لدافع باطني في ضمير فرد من الأفراد فليس إذن يتأتى أنم تظهر حكمة هذا الدافع وصوابه لسائر الناس مثلما تظهر لهذا الفرد إذ كان كل امرئ أنفذ
стр. 3384
بصراً وأبعد نظراً في منهاجه المختص به دون غيره. فإذا سخط أقوام على البطل فإنما هو سخط مؤقت لا يلبث أن يزول متى انجابت سحب الشك والريبة عن أعمال البطل فتجلت حقائقها مشرقة بلجاء. ناصعة بيضاء. وحينئذ يعلم الناس أن فعلة البطل كانت مجردة من الأغراض والأهواء بريئة من كل أثر للشهوة والأنانية بل هادمة للشهوة والأنانية مملوءة بالإيثار والتضحية. ولكن في ذلك لذتها وهو سبيل نجاحها.
الاعتزاز بالنفس والاستبداد بالرأي عنصر البطولة وجوهرها. والاعتماد على النفس هو شيمة النفس الثائرة على الأكاذيب والأباطيل. المتمردة على الظلم والطغيان وشيمتها القدرة على احتمال كل ما في طاقة الظلم والطغيان أن يرسله عليها من ضروب عذابه ومصابه. وشيمتها أيضاً ترفعها عن الاهتمام بالصغائر والحقائر واحتقارها احتقار الناس إياها. وشيمتها المثابرة والثبات والجرأة والإقدام وصبر لا ينفذ وجلد لا يهن وشيمتها الاستهزاء بغرور الحياة وحقارة الدنيا وما زالت تجد في اهتمام الناس بصيانة الصحة والمال وشدة المحافظة على الأرواح وعلى مصادر الللذات والأفراح أوسع مجال للضحك والتهكم والسخرية.
ولكن حساد البطل من ذوي الحقد والضغينة ينكرون هذه الحقيقة الظاهرة إذ يعزون كل أعمال البطل إلى حاجة في النفس وهوى في الفؤاد وباعث شخصي ربما كان دنساً خبيثاً. ومن ثم يحكمون على البطل باللؤم والفجور والخسة. أمثال هؤلاء السخفاء الأغبياء ممن أكل الحقد قلوبهم ونحب الحسد أفئدتهم لا يرون في أبطال العالم الذين هم بناة المجد والعلاء ومشيدو المدينة والحضارة وأعلام التاريخ المؤلفة منهم سلسلته الذهبية إلا أشراراً فجاراً بغاة طغاة لا فضل لهم ولا خير فيهم وإنهم لم يخدموا سوى أغراضهم الذاتية وأهوائهم الشخصية ولم يبلغوا ما بلغوا إلا بالكذب والغدر وبالظلم والجريمة. والواقع أن هؤلاء الأفاكين لم يسلم من ألسنتهم بطل ما حتى ولا أساطين العالم وقادته وأعلامه - فلقد قالوا عن الاسكندر الأكبر أنه مصاب بجنون الغزو والفتح لأنه دوخ بلاد اليونان وفتح آسيا - وزعموا أن الولوع بالشهرة كان باعثه الوحيد بدليل أن أعماله أدت إلى الشهرة ومثل هذا قاله أولئك السخفاء في يوليوس قيصر وهانيبال والسفاح وتيمورلنك وصلاح الدين وشارل مان ونابليون فأثبتوا بحججهم الواهية السخيفة أن أثمة العالم أشرار فجار مجرمون
стр. 3385
فينتج ضمناً من هذا أنهم هم (أعني أولئك السخفاء) أفضل وأشرف من أثمة العالم وقادته لبراءتهم من تلك الجرائم ولنقاوة قلوبهم من تلك الأهواء اللئيمة والشهوات الأثيمة - والدليل على ذلك أنهم لم يغزوا آسيا كالاسكندر ولم يسقطوا روما كهانيبال ولم بدوخوا أوروبا كنابليون. ولكنهم يعيشون ويتركون غيرهم يعيش وينعمون بالحياة ويتركون غيرهم ينعم. ومن حماقة أولئك السخفاء أنهم إذا حاولوا انتقاد البطل كانت عنايتهم بتأمل الجانب العبقري وخلال البطولة أقل من عنايتهم بتأمل الخصال الشخصية التافهة العادية التي يشارك البطل فيها جميع خلق الله بل حيواناته. وما دام البطل لابد له من أن يأكل ويشرب وينام ويعبس ويبتسم ويضحك ويبكي ويواصل ويقاطع ويحب ويكره وتتعاقب على مزاجه الأهواء والعواطف والنزعات المختلفة التي منها تتكون الطبيعة البشرية وبدونها يكون المخلوق إما ملكاً أو شيطاناً - أقول ما دام البطل شأنه في هذا شأن سائر الخلائق فيجد الناقد السخيف في صفحة عرضه ألف مأخذ ومطعن ومن ثم قيل أن المرء لا يكون البتة بطلاً في عين خادمه لأن الخادم لا يكاد يبصر مولاه إلا في الحالات الاعتيادية التي يشبه فيها سائر الناس ويشبه فيها الخادم ذاته ولكن لا عار على السيد في ذلك فما سببه أن السيد ليس ببطل بل الخادم ليس إلا خادماً. وما دام رجال التاريخ يتولى نقدهم أولئك الخدام الانتقاديون فسيخرجون من سوق النقد بأخسر الصفقات وتشييل كفتهم في الميزان أو يبوؤون بالخزي والعار ويهبطون إلى أدنى من مستوى أولئك النقاد أنفسهم. فلا ينسى القارئ أن ثرسيثس الوارد ذكره في إلياذة هوميروس كان مولعاً بسب الملوك وشتم الأمراء - لم يكن مقصوراً على ذلك العهد الخرافي القديم بل موجوداً في كل عصر لم يخلو منه جيل من الأجيال ولكنه - مع الأسف الشديد - لا يلقى في كل جيل ما لقيه أيام هوميروس من عقوبة الضرب بالعصا والسياط على أن آفة حسده وحقده هي الشوكة الدامية التي كتب عليه أن يحملها في جلده. والجمرة الحامية التي قيض له أن يدفنها في كبده. وحسبه بعد ذلك غيظاً وكمداً أن آراءه السديدة وانتقاداته الوجيهة ستذهب بعد كل مجهوداته العظيمة هباء منثوراً.
стр. 3386
العلاقة بين الفرد والمجموع
وأثرها في النهضات الاجتماعية
(التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة المجموع - إلى أي حد يجب أن يرتبط الفرد بالمجموع - النظرية الصحيحة - استقلال الفرد الألماني - الفرد شعب وحده - الانكليزي في زمن الحرب - الأثرة غريزة والةاجب فضيلة - الفرق بين أمة بأفرادها وأمة بتعدادها)
يظهر أن مسألة التوفيق بين مصلحة الفرد وسعادة المجموع والعلاقات التي بينهما أصبحت من المسائل الدقيقة التي قلما يعثر الإنسان فيها على الوجع الصحيح ويظهر أن الرأي القائل بان الفرد يجب أن يكون للمجموع رأي فائل كنظيره القائل بأن على الفرد أن يعمل ولا شك في أن النتيجة سعادة المجموع، فالحقيقة أن استقلال عن المجموع أو المجموع عن الفرد يؤدي إلى تصادم كثير بينهما. إن اندماج الفرد اندماجاً كلياً في كتلة المجموع خطر عظيم كما ان استقلال الفرد إلى حد كبير خطر أيضاً عظيم. ينبغي أن يكون هناك قصد واعتدال. فإن الامة التي يندمج أفرادها في المجموع تصبح أمة مجموع لا وجود للأفراد فيها ولا أمارة عليها إلا تعدادها. وتصبح شخصية الفرد على حدة ضعيفة لا تثبت ولا تقاوم. والمجموع ليس مستعداً في كل لحظة أن يلبي استصراخ الفرد إزاء كل مأزق أو مشكلة يجب أن يكون الفرد قوياً في ذاته إلى الحد الذي يجود فيه على قوة المجموع كما أن المجموع يجب أن يكون قوياً في ذاته إلى الحد الذي لا يطفئ معه شخصية الفرد. ولعل أبلغ ما عرفنا من ذلك اجتهاد الألمان في أن يكون كل فرد في ذاته شعباً وحده فيهيئون له من تربيته وتعليمه وسائل تمده يقول في مستقبل أيامه (أنا الأمة). وكثيرون يعتقدون خطأ هذه النظرية ويظنونها منافية لارتباط الفرد بالمجموع، على أن التأمل القليل يثبت فساد هذا الظن. إن الأمة التي يعتبر أفرادها كل منهم نفسه أمة قائمة بذاتها لا شك في أنها الأمة السعيدة القوية، لأن كل فرد فيها يعد نفسه لحياة عاملة مجدة ويؤدي جميع واجباته الاجتماعية وهو يعتقد أنه الوحيد المكلف بأدائها والمتمتع بنتائجها. فلو أنه لم يبق غيره لظل كيان الأمة قائماً. هذا مع الاحتفاظ بأمة الفرد غيره أعني مع الاحتفاظ بالأمة كلها المكمونة من أمم أولئك الأفراد. وأخيراً تلتقي في مثل هذا الفرد الصفات العامة للمجموع
стр. 3387
من قوة وغنى وعزة نفس وشجاعة قلب وحب للبلاد وغيرة على الوطن.
ويظهر أثر ذلك المبدأ جلياً في أوقات الأزمات الحرجة التي يحتاج فيها المجموع إلى قرار سريع حاسم. فبينما ترى الأمة التي لا تمثل إلا مجموعاُ أشبه شيء بقطعان الغنم دهشة ذاهلة مترددة في أمرها يتربص كل فرد فيها عمل أخيه ويلقي عليه تبعة التقصير والتأخير، إذا بالأمة الاخرى قد اشتمل كل منهم درعه ولأمته ينادي (بيدي لا بيد عمرو). لقد خرج كل فرد انكليزي من بيته في الحرب الكبرى يبحث عن عمل له. فغني يدفع الاموال وقوي يجر المدفع وعامل يشتغل في المصنع وامرأة تخدم في المستشفى. وحق كل منهم أن يقول: لقد كسبت الحرب بساعدي!؟
من هذا كله يمكننا أن ندرك السر العظيم في متانة البناء الذي يقام على هذه القاعدة قاعدة استقلال الأفراد إلى الحد الذي لا يعبثون فيه بالحقوق العامة أو الصلات المدنية التي تربطها بالمجتمع نفسه ويقتضيها تمتعهم ببقائه.
إن الفرد الوطني الغيور إنسان على كل حال لا يمكنه أن يتنازل بالمرة عن استقلاله الشخصي أو يفطن دائماً إلى سبيل الحق والواجب. وعلى ذلك فإذا ما اعتقد أنه وحده الأمة فكأنه اعتبر مرافق الأمة ومصالحها مقومات لمرافقه الشخصية ومصالحه. ولا عجب بعد ذلك إذا رأينا نجاحه وثباته وإخلاصه لاننا إذا قلنا أنه ذو غيرة على وطنه وشديد الحب والإعجاب بأمته فإنما نعني في الحقيقة من طرف آخر أنه شديد الحب والإعجاب بنفسه غيور على شخصه وما يتعلق بشخصه من المصالح والأعمال. وإن سعيه فس سبيل ترقية نفسه ونجاح أعماله ليكون أثبت وأقوى إذا ما اعتبر أنه يؤديه إلى نفسه بصفته أمة وحده لا بصفته يهدي إلى المجتمع مصلحة أو يضحي له بمنفعة. إن فكرة الإهداء إلى المجتمع فكرة خطرة تسوق إلى الاضمحلال، وإن العزاء الذي تسمعه من أفراد كثيرين بأنه يعمل هذا لنفع المجتمع دون نفعه لعزاء مخيف يجب أن لا يشكر عليه صاحبه، لأنه يكون عمل الكليل البليد الذي يلمح الفشل في طيات الافق البعيد. والذي لا يبالي أن يبادر إلى ترك العمل واثقاً أن حبوطه فيه لا يسوق عليه اللوم ما دامت كانت وجهته وجهة النفع العام.
ليكن كل فرد في امته شعباً بمفرده ولا أريد بهذا أن يحارب وحدات الشعوب الأخرى من بقية الأفراد. بل إن الشخص الذي يحارب بقية الأفراد في مثا هذه الامة أو يعبث
стр. 3388
بأواصرها المدنية يكون فشله وهلاكه محققاً سريعاً لأن كل فرد من الآخرين سوف يتاقدم دون انتظار نجدة من المجموع ليقوم بالواجب الذي يعتقد أنه موكل به من بقية الأمة بصفته شعباً بمفرده يدفع عن نفسه عوادي الزمن. وعلى النقيض من ذلك ترى حالاً غريبة في الأمة التي وصفناها بأنها أمة بتعدادها. فالذين قد يعملون فيها على تفيل مصالحهم على مصالح المجموع ليسوا قليلين. والغالب أن الذين قد يعملون بهؤلاء ليسوا كثيرين وإذ كانوا لا يعدون أنفسهم أمة مستقلة داخل أمة المجموع فإنهم سوف يحجمون عن أداء ذلك الواجب. وإذا بدرت منهم همة وحمية فلا يتجاوز ذلك أن يستصرخوا المجموع وينادوا فيه وينبهوه إلى وجود تلك الجراثيم منتظرين حتى يصحو المجموع كله ويتحد على مقاومتها ودرئها. وتلك طريقة إن نجحت أحياناً فإنها تحتاج إلى زمن طويل. والغالب أنها تموت في الطريق كما تموت أصوات السفينة الغرقى وهي تستنجد بالشاطئ.
(٢)
(استقلال الأمة نتيجة كلية لاستقلال الفرد - مثال للأمة المستقلة المستعبدة - خلاق الفرد محور استقلال المجموع - استقلال المجتمع وسط طسابي - الاتحادج لاتحاد مصيره للزوال)
وعلى القاعدة السابقة ينبغي أن يشاد أيضاً الاستقلال القومي. ليكن كل فرد مستقلاً أولاً وعند ذلك يتكون المجموع المستقل. أما إذا كان المجموع مستقلاً وليست عند الأفراد روح الاستقلال ولانزعته فلا شك في أن مثل هذا الاستقلال لا يعتمد عليه كثيراً.
إن الفرد الانكليزي مثلاً يفخر بأنه مستقل أولاً بصفة كونه فرداً. ويشعر أن استقلال المجتمع نتيجة كلية لاستقلاله الجزئي. ويعلم أيضاً ان ذلك الجزء من الاستقلال الذي يقوم به إذا قصر فيه أو أهمله وةاتبعه في ذلك غيره فسوف يعدم في الحال استقلال المجموع.
وهذا غير الفكرةالتي لا يعتقد فيها الأفراد أن استقلالهم عنصر حيوي من عناصر استقلال المجموع. بل هم يعتبرون استقلال المجموع أمراً لا دخل له في استقلالهم الشخصي، وأن الواحد منهم غير مؤثر بشكل حاسم في أمر الاستقلال غاب عنهم أنه ربما وجد المجموع المستقل بينما الأفراد غير مستقلين. فصعف الخلاق والاتكال والاعتماد على الغير وخوفه والخضوع له. كل هذه قد تفقد الأفراد استقلالهم على حين يظهر للناظر أن المجموع مستقل
стр. 3389
- والخطر الأكبر أن نكتفي باستقلال المجموع مستخفين بمسألة استقلال الأفراد - بل بالله أية أمة تستطيع أن تتصورها مستقلة إذا كنت ترى كل فرد من أفرادها يرتعد أمام الأجنبي، وغذا كانت نفوس أهلها على وجه عام نفوساً ذليلة وأخلاقاً ضعيفة وهي في الواقع فانية في غيرها من الأمم أو مسوقة وراء أمة متعلقة بأذيالها. ليست المسألة مسألة التخوم والحدود ووجود الجيوش. بل غن هذا الايتعباد الخفي الظاهر في الأفراد المختفي في المجموع لأشد نكاية وأعظم وبالاً. إذ أن كل فرد يحمل على عاتقه نير العبودية ولا يستنطيع أن يشكو لأنه يعلم ويرى أن المجموع مستقل.
لا أعد الأمة التي تفني شخصيتها أو قوميتها في أمة أخرى أو في أمم متعددة أمة ذات استقلال وإن كانت من الوجهة الفعلية غير محكومة أو خاضعة لغيرها وهذه النظرية بسيطة وتظهر واضحة جلية في الأمة التي تنال استقلالها السياسي بتوفيق الظروف أو الحظوظ فإنك بينما تراها مستقلة سياسياً إذ تراها تظل سنوات عديدة خاضعة في الواقع لغيرها متأثرة بحكم أجنبي عنها. إلى أن يتعلم كل فرد من أفرادها معنى الاستقلال ويشربه روحه. عند ذلك ينقلب الاستقلال السياسي إلى استقلال حق صحيح لأنه ناشئ عن استقلال كل فرد. نحن لا نطلب الاستقلال السياسي فقط. ولكن نطلب الاستقلال الأخلاقي. نطلب التحرير من القيود والأثقال التي تحملها أعناقنا لا أرضنا. إن اليوم الذي تتحرر فيه النفوس هو اليوم الذي تتحرر فيه الأرض. وإن يوم شعور كل فرد بأنه مستقل وأخذه نفسه بهذا المبدأ لهو اليوم الذي تتحقق فيه حريتنا لأن الأمة التي يرفض كل فرد من أفرادها أي نوع من أنواع العبودية والخضوع لا تلبث أن تتحرر وتستقل.
إن مبدأ استقلال كل فرد استقلالاً ذاتياً يؤدي إلى شيء آخر. إذا كان كل فرد مستقلاً فإنه يرى من التمتع بذلك والاستفادة ما يحمله على صون ذلك الاستقلال. وإن تجمع هذه الوحدات على صون استقلالها هو صون لاستقلال المجتمع الذي هو عائد عليهم ومتمم لاسشتقلالهم على النقيض من الآخرين الذين إذا سألتهم لماذا تريدون استقلال المجموع؟ أجابوك لأنه مفيد للمجموعوأخذوا بيسطون ويشرحون ما تتمتع به الأمة المستقلة! ولكن هل يتمتع في الوقت نفسه الأفراد؟
ولنوضح ما تقدم نقول بعبارة أخرى أن الفرد المستقل يدافع عن استقلاله لأنه يعود إليه
стр. 3390
عن طريق المجموع لأنه يتمتع به بعد أن يكون قد حفظ استقلال المجموع. أي أن هناك ثلاث خطوات تبتدئ وتنتهي بنفسه ويتوسط بينها المجموعز على النقيض من الآخرين الذين يدافعون عن استقلال المجتمع ليتمتعوا بذلك الاستقلال أفراداً. أرى أن هناك خطوتين إحداهما المجموع. وهذا خطأ، ففي الحالة الأولى لا يتخذون من المجموع غرضاً ولا غاية. وفي الحالة الثانية يتخذونه كل الغرض والغاية. إن الذي يبدأ بالفاع عن استقلال المجموعليجني وهو فرد ثمرة ذلك الاستقلاليعكس القضية ويدبر عن الغاية لانه قد تمر السنون الطوال قبل أنيءشعر بذهاب استقلال المجموع الذي يكون قد مضى عليه دهر وهو ينحدر نحو الهاوية. فإذ أفاق كل فرد أخيراً وجد من الثيود المثقلة لكاهل المجموع ما يحمله على التراخي واليأس، وليس أصعب ولا أشق من أن تجمع الأفراد للمدافعة عن المجموع إذ قد لا يشعرون بالحطر في وقت واحد وإذا شعروا فمنهم الغبي والبليد.
أما إذا كانت المسألة مسألة الفرد المستقل فإنه إذا أشعر بأقل حركة للتعدي عليه أو إذا راى سلكاً شائكاً ينصب أمامه فسيقدم في الحال دون تريث لرفع ذلك الحائل من طريقه معتمداً على نفسه واستقلاله الشخصي، معتقداً أن رفع ذلك الحائل فرض واجب عليه إذا أراد أن يحفظ استقلاله. فهلا تلمح في طي هذا العمل الوسط الحسابي لاستقلال المجموع؟ إن كل فرد يرفع قطعة من السلك الذي يوضع أمام بيته هو في الحقيقة يهد حلقة من حلقات الاستعباد التي تريد أن تحدق بالمدينة. ولكنه يفعل ذلك من غير انتظار المجموع ومن غير أن يتسرب إليه أنه يفعلى ذلك كواجب للمجموع عليه بل واجب على نفسه لنفسه. إن القيد الذي يعتقد أنه رفعه عن نفسه قد رفعه في الواقع عن جاره أيضاً. وإلا فلو ترك السلك يحدق بالجميع لكان ضرره هو وجاره على السواء.
هذه هي خلاصة الفكرة التي أرى فيها المجموع يختفي إزاء فكرة الفرد إلى الحد الذي لا يجور فيه على قوة المجموع. لأنك مهما صفيت الخلق الإنسانهي ومهما رقيته وهذبته فلن تستطيع أن تنزع منه حب نفسه وتفضيلها وأثرته. كما أن الاتحاد مهما طال عليه الزمن في ظل التعليم والرقي مصيره إلى الانهيار والتدابر إذا كان قائماً على فكرة الاتحاد فقط. إنك لا يمكنك أن تحفظ أمة متحدة على مر الزمن بفكرة أن هذا الاتحاد يحفظ المجموع وينفع كيان الأمة. إن صروف الدهر تغير كل شيء. ولكن إذا اعتقد كل إنسان أن لاتحاد
стр. 3391
مطلوب منه لا ليحفظ به قومه وعشيرته وصحبه ولكن ليحفظه هو نفسه قبل كل شيء، فلا شك ان شعوره ذلك يجعله أكثر رعياً له وإبقاء عليه.
(٣)
(الاتحاد المأزوم والاتحاد المركز - الثورة الفرنسية - هياجها وخمودها - اتحاد المجموع غير طبيعي ولا دائم - شبه استثناء لذلك - شواهد من الحركة المصريو - انتهاء الحركة ليس معناه انتهاء العمل - تطور العالم في مدة الحرب - نهضة أبناء الفراعنة جديرة بتاريخهم ومدنيتهم)
كثيراً مكا تصادف المجموع حوادث وظروف تضمهى إلى بعضه وتوحده توحيداً تبهرك قوته وثباته، ولكنه إذا اجتاز هذه الأزمة التي قام من أجلها أو تنحت من طرقه بأي شكل من الأشكال، فمن الصعب أن يستمر على هذا الاتحاد الوطيد والاتجاه إلىجهة واحدة، ولا يلبث أن ينحل إلى مجتمع هادئ عامل، ولا أريد بهذا أنه يكون مجتمعاً متفرقاً متدابراً، ولكنه يعود إلى حالته الطبيعية وتتغلب عليه فطرة الأفراد الإنسانية التي هبة واحدة لنصرة المجموع فإذا انقضت مهمتها فلا يجوز عقلاً أن تطلب منها أن تظل دائماً على حالتها من التيقظ والانضمام والوحدة، لأن ذلك يستدعي مجهودات خاصة تقوم بها حركة استثنائية متجهة بالجميع وجهة واحدة، وهي شغلهم الشاغل طول ليلهم ونهارهم وهي عماد تفكيرهم وأحاديثهم، ثم لا تلبث أن تخمد هذه الجذوة، ولا سيما إذا كان اتقاد هذا المجموع ناتجاً عن مصادمة طارئة أو أزمة مفاجئة أو حادثة مثيرة أو غير ذلك مما لم يسبقه التفكير والروية والبحث ولم يهمد له بالتدبر والتامل ومبادلة الآراء وتوطيد المبدأ وتأسيس الخطط وغير ذلك.
وكثيراُ ما شاهدنا أن قومة المجموع قومة واحدة إذا اتنهت فمن النادر أن تستفزه إلى مثلها ظروف أخرى - ولو كانت أشد وأفظع من التي قام لاجلها أول مرة. وهذه الثورة الفرنسية الكبرى مثلاً قامت نتيجة لهياج النفوس من سوء الحكومة والإدارة - قامت دفعة واحدة وهي تظن أنها ستقلب أنظمة العالم وتنال السعادة التي ترجوها. ثم سكنت فما كان منها؟ أعقبها حكم من أحكام الإرهاب والفأئع والمنكرات وحكومة لم تكن الحكومات السابقة بجانبها شيئاً في الاستبداد والظلم والقوة والغشوم. ومع ذلك لم يستطع هذا الشعب المتشبع
стр. 3392
بروح الثورة المنطلق من كل القيود النظامية أن يجتمع مرة أخرى وبثل عرش الإرهاب والظلم الجديد لولا أن تادركه رجل عظيم.
نضرب هذا المثل لنقول أن للمجموع قومة واحدة يهدم بها السد الذي يقوم في وجهه ثم ينثني إلى المعامل والمزارع، ويندر أن يعود إلى المصادمة والكفاح إلا في حالة واحدة سنشرحها بعد ذلك. وذلك لأن إنضمام المجموع واندفاعه نحو أمر ما هو بمثابة هياج فكري وثوران نفسي شامل، ولا يمكن أن تطلب من المجتمع أن يظل على حالة من التهيج وثورة الأعصاب وغليان الدم وحمية القلب والفكر واتجاه الروح والنفس لأن هذه الفترات في حياة الأمم هي بمثابة السهر في حياة الفرد ولن تستطيع أن تطلب من الأمة أن تظل ساهرة أرقة متهيجة الأعصاب إلى حد غير محدود. إن النفوس تتوق دائما آبداً إلى السلام والراحة والهدوء. وإن فترة ذلك الصحو أو السهر لا تستمر طويلا بل لا بد من العود إلى الحالة الطبيعية.
قلنا أن ثورة المجموع هيهات أن تتلوها ثورة أخرى مهما حاق بالمجموع بعد ذلك من ظروف أشد واستثنينا حالة واحدة، وحتى في هذه الحالة لا تشتعل الثورة كما كانت ولكن تنحل إلى ثورة سلمية وقد تكون غير عامة ولا شاملة لكل الطبقات وإنما يقوم بها أفراد عديدون من ذوي التأثير والنفوذ فلا يلبثون أن ينالوا ما تريده الأمة. هذه الحالة الواحدة تكون عندما يسبق الانقلاب الذي تحدثه الأمة المتمدينة زمن طويل من التفكير والتمهيد وإنعام النظر، حتى إذا ما قامت الحركة كانت منظمة متينة ثابتة وصارت الأمة إلى بغيتها أو الإصلاح الذي تنشده سيراً ثابتاً قد يكون بطيئاً ولكنه لا يقف ولا يرتد. تتقدم كالجبل الراسخ متكاتفة متعاونة متفاهمة مشتركة في العواطف والآمال غير مندفعة اندفاعاً أعمى أو مستسلمة لكل قائد. فمثل هذه الحركة القائمة على ذلك الأساس المتين لا تنعدم قوت المجموع منها إذا هدأ أمرها، بل إنه لمن السهل العثور على ذلك المجموع وإيجاد تلك القوة في أي وقت تقع حوادث أو تجد ظروف.
نخرج من هذا إلى شيئ آخر، ونلقي نظرة إلى أنفسنا. انتهت الثورة القومية وكان لا بدلها أن تنتهي. وقد شاهدنا جميعاً مع الفوز الذي أصبناه مناحي كثيرة من الضعف الأخلاقي في حياتنا الاجتماعية. وأمثلة عديدة على انحطاط النفوس وسوء الطباع.
стр. 3393
لم يكن الانحطاط الأخلاقي الذي لاحظناهجديداً في حياتنا المصرية، ولكن ننتهز فرصة هذا الانتباه الشامل لكل الطبقات وفرصةهذا الصحو الذي عم جميع النفوس لنفهم الناس أن الحركة انتهت، وأن ليس المقصود هو الحركة ثم نعود فننام. إن ماعملناه ليس إلا تمهيداً بسيطاً للغرض الذي نسعى إليه. إن الغرض الأكبر ما يزال أمامنا. ولنفهم الشعب وطبقات العامة التي ظنت أنها انتهت من مهمتها وانصرفت إلى حالتها الطبيعية إنها لم تقم بعد بشيئ وإن المهمة الكبرى لم تأت بعد وإن على عاتقها واجباً هو أعظم من كل ما قامت به. نريد أن ننزع من الأفكار أن هذه الحركة كانت لنا غاية: كلا: لم تكن الحركة لنا غاية وإنما كانت وسيلة بسيطة. كانت أداة من أدوات العمل نحو الغاية الكبرى.
لا ننكر أن الأمة المصرية كانت متأخرة كل التأخر (ولو من باب المقارنة فقط) في جميع فروع العمل والمدنية. وكان التقدم الذي طرأ على أمم العالم وشعوبه في هذه الخمس سنوات والانقلاب الذي أحدثته الحرب في أفكار الجماعات عظيماً جداً. لقد استيقظتالأفكار وانتبهة الأذهان وابتدأت تتجه وجهات جديدة وتفكر أفكار جديدة ونحن غافلون. لقد تطورة العلوم وتغيرت نظريات الشعوب وأنتجت هذه الحرب حرباً فكرية هائلة كانت تدور رحاها ونحن غافلون وقد عم ذلك العالم كله وابتدأ كل من الفكر والعمل الإنساني يسير في طريق جديدة ونحن هنا في معزل عن كل أمر. حتى هبت هذه الحركة.
لا شك في أن هذه الحركة أعظم ما عرف في تاريخ مصر. وإنها فاتحة عهد جديد وأننا قطعنا شوطاً بعيداًَ واستيقظنا من جمودنا الذي خيم عيلنا هذه السنوات ووثبنا وثبة أدركنا بها كثيراً مما فاتنا. نعم استيقظت الأمة بعد أن كان من المستحيل لأمة حية أن تظل نائمة وضجة العالم وصلت إلى الأفلاك ولكن وثبنا نحو المستقبل وثبة جديرة بمجد ماضينا وتاريخنا وقطعنا شوطاً بعيداً نحو العالم المتقدم أمامنا وكذلك كانت هذه الحركة ضرورية لإثارة هذه اليقظة وكان الاستيقاظ الهادئ الرفيق فشلاً تاماً يغري بالنوم مرة أخرى، نعم كان من الضروري القيام بهذه الحركة لنثب هذه الوثبة وندرك بعض ما فاتنا.
(٤)
стр. 3394
بالثورات - حاجتنا إلى التفكير - حاجة العامة المنارة >>.
لننظر نظرة إلى الكلام الذي مضى. لفد هب المجموع دفعة واحدة إلى غاية واحدة. هب على أثر نوم طويل فلم يكن بين أفرادخ سابقة ارتباط وتفاهم واتحاد ولم يكن هناك أساس من التفكير والبحث والنظر ولكننا انطلقنا جميعاً متكاتفين إلى غاية واحدة قمنا لها وأدركناها. وانتهت الحركة. وهنا الخطر الأكبر في أن نعود إلى الحالة التي كنا فيها بعودة الأحوال الطبيعية إلى مجاريها. لأنه لم يكن ثمة رابطة من التفكير أو مبدأ نجتمع حوله أو منارة نهتدي بها. هذه وإن لم نعد إلى ما كنا فيه فإننا نعود مجموعاً مفككاً يصعب ربطه وتوجيهه كما حصل ذلك أي إنه يصعب أن تجمع الأمة على السير في طريق واحد وتوحيدها وربطها كما تم لنا ذلك. لأن هذه اول تجربة لنا ولأنها كانت على إثر نوم عميق. نعم كانت الدفعة عظيمة لان الجمهور كان عظيماً ولكن الذي نخشى منه أن جذور هنا الجمود لم تصتأصل وإنها ربما تلتف شيئاً فشيئاً حولنا ثانية فتعود النفوس إلى الانحلال والتراخي.
لقد كنا كالجبار الذي نام نومة طويلة فلما افاق قام إلى الحائط فضربه بيديه فتهدمت فهو بعد ذلك بين حالين أما أن يعود إلى النوم لتسكين تلك الأعصاب التي تنبهة فجأة وقامت بذلك العمل الهائل. وأما أن يأخذ في تمرين ساقيه وذراعيه ورياضتها حتى يعود إلى سابق قوته ونشاطه. ونحن إذا اعتقدنا ان عملنا انتهى وأن بلغنا غايتنا وان الأمة استيقظت وأصبحت في خير حال فأننا لا بد سائرون إلى النوم والتخدير وأما إذا لم نعتقد أن هذه الحركة انتهت وإنها لم تكن إلا بثابة مقدمة لليقظة وإنه يتحتم علينا بعد ذلك أن نأخذ انفسنا بالرياضة والمران وأن ننظر إلى عيوبنا الاجتماعية لنصلحها وأن نعالج ما ظهر لنا من المساوئ الأخلاقية والنفسية وأن نتظافر ونجتمع ونعين لنا مبدأ نجري عليه ووجهة نسلكها وغاية يسعى كل إنسان منا اليها. نعم يتحتم علينا أن نتدارك أنفسنا ونجتمع لنتباحث ونفكر في أمرنا ولا نفرح باتحاد المجموع الذي أمامنا فإنه وقتي أن لم يأخذ كل إنسان نفسه بمبدأ يجري عليه وإن لم توحد العواطف والأفكار والأعمال. إن اتحاد المجموع غير دائم ولا ثابت ما لم يبن على أساس من تفكير الأفراد وإيمانهم.
وإذا نظرت إلى حقيقة حالنا وجدتنا نطلب كلنا طلباً واحداً، ولكن ذلك نتيجة تلك الحركة،
стр. 3395
وهذا الشعب الكبير يردد ألفاظاً ويتبع أفراداً. بل إن المتعلمين منا والزعماء لا يعملون عملاً ولا يفكرون تفكيراً. لا يكفي أن نقتنع بطلب وأن نجمع عليه وأن نبيت ليلنا ونهارنا نفكر فيه ونتحدث به. يجب أن نعمل جميعاً لتحقيقه. كل من الناحية التي يخدم بها نفسه ووطنه.
انتهت الثورة القومية فيجب أن تعقبها ثورة فكرية لتظل الروح واحدة والنفوس مرتبطة والحمية موجودة. لقد نلنا بالأولى انتباه الأمة واتحادها فيجب أن نقوم بالثانية لإصلاح عيوبنا الإجتماعية والأخلاقية. ولا أقول أن نبدأ بإصلاح المجتمع. كلا. ابدأ بإصلاح نفسك. انظر إلى العيوب التي تشملك واعمل على إبادتها. اتبع لك مبدأ لا تحيد عنه. فإنك إن فعلت ذلك فسوف تتطهر الأمة من عيوبها الإجتماعية وليست عيوب الأمة إلا عيوبك أنت. لا تناد بكثرة الإقتراحات والمشروعات. ابتدأ بإصلاح نفسك يتم كل مشروع وكل إصلاح. إعمل وحدك ولا تنتظرغيرك وبث هذه الفكرة لكل إنسان وأنشرها في كل مكان.
إن الأمة تريد أن ترتقي ورقي الأمة هو السبيل الحق المحتم لبلوغ كل شيئ والأمة لا ترتقي بالثورات لأن الثورات ليست أعمال كل ساعة ولأنها إنما تحدث في ساعات الإنتقال فقط. تحدث عندما تنتقل الأمة من طور إلى طور. وإنما رقي الأمة يكون بالتفكير. وقد قلنا أن أمتنا محتاجة الآن عقب حركتها إلى ثورة فكرية ولم نقل إلى مجرد تفكير. لأن الحقيقة المحزنة أن الأمة المصرية طالما فكرت كثيراً. وهناك شيئ آخر وهو أنه لا ينفعنا الآن في بركان هذه الحوادث والحركات غير الثورات الفكرية. نريد أن ننتهز الفرصة ونحدث انقلاباً في الأفكار نستطيع بعده أن نفكر التفكير الهادئ المطمئن دون أن نخشى التقهقر والفشل. نريد أن نحدث تطوراً في الأفكار نقيمه على أساسات وطيدة من الإخلاص والإيمان وو عرفان الواجب والتمسك بالمبدأ إلى النهاية وعند ذلك يجري التيار الفكري في مجراه الطبيعي. نريد أن نهز الأفكار هزة قوية تتجه على أثرها إلى غرض واحد كما توجهت بحركتها الإجتماعية إلى غرض واحد. نريد أن يكون بين أفكارنا وعواطفنا ذلك الاتحاد والتحمس اللذان رأيناهما في حركتنا. نريد أن تكون ثورة في الرأس والأذهان لا تصيبها طلقات البنادق ولا يضيرها وجود الجنود في الأقسام. هي
стр. 3396
حركة دائبة كالفوران الذي في قاع البحر. حركة عملية سلمية لا تنالها أقسى الأحكام العرفية.
نريد أن تتجه الأمة جميعها إلى وجهة واحدة واصلاح كل عيب يبدو لها ولا ضير عليها في أن يكون اصلاحه بطيئاً وتدريجياً ولكن الضير كل الضير أن ننتبه إليه ولا نشرع في اصلاحه. ولكن لابد للوصول إلى ذلك من تجمع الأمة كلمتها وتوحد مطالبها إلى الغاية التي يضعها كل فرد نصب عينيه. لأن الشعب يحتاج دائماً إلى منارة. فلنجتمع ولنبين للشعب هذه المنارة ولنقل له هذه هي فتوجه إليها ولا يمكن أن ننال ذلك بالتفكير العادي المألوف لأنه مرت بنا أوقات كثيرة وظروف عديدة التجأنا فيها إلى مثل هذا التفكير فلم نلبث إلا قليلاً إنما نريد التفكير الذي ينتج العمل.
فإذا ما تهيأت النفوس وأعدت جميع الأذهان وتشبعت كل العقول بمبادئ هذه الثورة الفكرية وكان الإيمان واحداً وعميقاً ومخلصاً في نفس كل فرد. في هذه الحالة يكون الإنتقال إلى أي مطلب من مطالب الحياة سهلاً ميسوراً ويكون بلا صدام واحتكاك كبير. نعم إذا نبت الإيمان التفكيري في نفوس الشعب فإنه يكون من السهل الإنتقال إلى أي تطور اجتماعي دون أي تضحية أو مقابلة قوة. بل لا يمكن لأعظم القوى في مثل هذه الحالة أن تعارض هذا التيار الفكري العام الذي يكتسح كل ما في طريقه.
إذن فالواجب علينا أن نحدد أعمالنا وأن نضع لنا غاية نسعى إليها وأن نربط جميع أفراد الأمة برباط من صلة تفكيرية تؤم بنا جميعاً إلى غاية واحدة وأن يقوم كل فرد منا بأعماله على مقتضى هذا المنهاج من التفكير المتبادل.
стр. 3397
أفكار بليدة
لمفكر بليد في أوقات بليدة
للكاتب الفكاهي البديع جروم. ك. جروم
ضيق الصدر
لا بأس على امرئ من الكآبة والأسى بل ربما وجد الأنسان شفاء غلته وبرئ علته في الاسترسال في الحزن والاستسلام إلى الشجى، وقد ما قال الشاعر:
وان شفائي عبرة مهراقة
وقال الآخر:
لعل انسجام الدمع يعقب فرجة
وطالما لذني وطاب لي أن أهجر عمداً مجالس الطرب ومحافل الأُنس وأنتبذ المكان المنعزل القصى لأخلو إلى أحزاني وأشجاني أستجيها من مكامن الخيال أو استثيرها من مدافن الذكرى طرباً إلى ذلك مرتاحاً.
فأما ضيق الصدر - ذلك الذي يعتري الإنسان فجاة بلا سبب ظاهرة ولا علة مفهومة - فذلك هو الداء العياء والبلاء الأعظم. بيد إنه الداء يسلم منه أحد ولا يفلت منه إنسان. وأعجب ما فيه أنك لا تعلم أصله ولا فصله ولا سببه ولا مصدره، فأنت خليق أن تصاب به عقب استيلائك على ميراث هائل أو عقب فقدانك (علبة سجائرك) في القهوة أو نسيانك (شمسيتك) في القطار وتأثير هذا الداء (أعني ضيق الصدر) فيك شديد فتاك أشبه شئ بمجموعة تأثيرات أوجاع الضرس والمغص والصداع - إذ تصير قلقاً مهتاجاً فظاً مع الأجانب خطراً على الصحب والأقارب شرساً شكساً صخوباً غضوباً - بلاء على نفسك وعلى كل من حولك.
وأنت ما دمت واقعاً تحت تأثيره فلا قبل لك بمحاولة أي عمل أو تفكير في أي شيئ، وإن أحسست أثناء ذلك بضرورة القيام بعمل ما لا تدري ما هو ولكن تشعر بضرورته وإذ كنت بناءً على هذا لا تستطيع أن تظل ساكناً ساكتاً فإنك لا تلبث أن تلبس قلنسوتك وتأخذ عصاك فتبرح المزل للفسحة. ولكنك لا تكاد تسير بضع خطوات حتى تندم على ما كان من خروجك وتعود إلى غرفتك. وهناك تحاول تفريج همك بالقراءة فتنظر في (شاكسبير)
стр. 3398
فإذا هو غث تافه فاتر. ثم تنتقل إلى (دكنز) فإذا هو سخيف بارد. ثم إلى (ثكرى) فإذا جاف عقيم ثم إلى (كارليل) فأذا أعقم الجميع وأجفهم وأسخفهم وهنا ترمي عرض الحائط بالكتاب وتنبذ المؤلف بأشنع الألقاب. وبعد ذلك تحول تيار غضبك على القطة فتطاردها في أنحاء الغرفة حتى تخرجها وتغلق الباب خلفها. وهنا تفكر في أن تكتب (جواباتك، فتأخذ القلم والقرطاس ولكنك بعد كتابتك لفظة (عزيزتي ها قد تناولت القلم لأبثك ما عندي) ترى أنه ليس عندك شيئ فيرتج عليك ولا يفتح الله عليك بكلمة وبعد استمرارك على هذه الحالة السيئة ربع ساعة أو أكثر تلقي القرطاس في الدرج وتقذف القلم على المكتب وتنهض من مكانك عازماً على المضي لزيارة أصدقائك الأسة الفلانية وفبما أنت تلبس حذاءك يخطر ببالك أن الأسرة الذكورة قوم أغبياء سخفاء وإنهم لا يصنعون طعاماً البتة وإنهم يكلفونك حمل وليدهم وإرقاص طفلهم فتسب القوم سباً وتلعنهم لعناً وتنقض ما كنت اعتزمته من الذهاب إليهم.
وهنا يكون قد استفحل بك الداء وبلغت الروح التراقي فتدفن وجهك في يديك وتتمنى لو جاءك الأجل فصعدت إلى جوار ربك. وحينئذ يثور في خاطرك ذكر الموت فتصور لنفسك منظر مماتك وأنت على سرير المنية تعاني سكرة الموت وتجود بأنفاسك الأخيرة والأهل والأقارب والإخوان حولك وقوف على رأسك تسيل مهجهم عبرات وتذهب نفوسهم حسرات. وأنت تبارك فيهم وعليهم ولا سيما الفتيان والفتيات والصبيان والصبيات. وتعلل نفسك عن مصابك بأنهم سيعرفون قيمتك بعد ذهابك. إذ يتبين لهن خطورة نكبتهم وجسامة خسارتهم. وهنا يحلو لك أن تقارن بين ما تتوهم أن يكون من شدة احترامهم لك بعد موتك وشدة احتقارهم لك أثناء حياتك.
هذه الخواطر وأمثالها تهوّن عليك وتنفس عنك ولكن لمدة قصيرة جداً. إذ لا تلبث أن تتهم نفسك بالحمق والسفه وبالبلاهة والعته إذ يخطر ببالك أو يخيل إليك أن أي إنسان كائناً من كان يحفل بك أو يكترث لك أو يهتم لأيما يعرض لك ويجري عليك من خيرٍ أو شرٍّ أو ربح أو خسارة. ومن ذا الذي يا مغرور ويت أحمق ويا أبله ويا غبي يعنى بك مثقال ذرة أو يبالي ما يصيبك سواء قصم ظهرك أو حشّ وسطك أو قطع رأسك واخمدت أنفاسك أو بعج بطنك أو حلق ذقنك أو رفع لك تمثال أو مشنقة أو أقيم عرسك أو شيعت
стр. 3399
جنازتك الحقيقة أن الناس ما عرفوا قط قدرك ولا حاولوا أن يعرفوا ذلك ولا همّهم وهنا تستعرض ماضي حياتك فيتبين لك بلا أدنى ريبة أنك مازلت منذ خرجت إلى هذا العالم الملعون مهضوماً مظلوماً مغتصب الحقوق مبلياً بالإساءة والعقوق.
وما هي إلا برهة تقضيها في مثل هذه الهواجس الأليمة حتى تثور شياطين الغضب في دماغك فتقوم قيامتك على أهل السماء والأرض ولا سيما على نفسك فتهم أن تقذف نفسك من النافذة ولكن النافذة مغلقة. وأخيراً تحين ساعة النوم وتلك هي التي تنجيك من خطر الانتحار. قتنضو ثيابك وتبعثرها في جميع أنحاء الغرفة وتطفئ المصباح وتثب إلى الفراش كالهارب من طوفان أو بركان. وهنالك تقضي ساعتين أو نحوهما بالتقلب والتململ منوعاً هذه الحركة الدائمة بقذفك الغطاء برجليك ثم قيامك على الفور لإعادته مكانه. وأخيراً تغشاك هجمة مؤرقة مضطربة منغصة بالأحلام الكريهة.
هذا ما يصيبنا نحن معشر العزاب. أما المتزوجون فغير هذا حالهم وخلاف هذا شأنهم ودأبهم - انظر هؤلاء يسطون على زوجاتهم ويتسخطون على طعامهم ويصولون على أولادهم وهذا كله يحدث في البيت هرجاً ومرجاً وصخباً ولجباً وفي ذلك وحده تخفيف ما بهم وتنفيس كربهم. ولا بدع فإن المشاحنات هي الدواء الوحيد لداء (ضيق الصدر) وهي المسلاة والملهاة والمتعة الوحيدة التي يستطيع صاحب هذا الداء أن يجد فيها مستراحه ومستلذه.
بيد إن ضيق الصدر هذا قلما ينتابه إلا مساء، إذ في أثناء ضوء الشمس والعالم يتدفق تياره جياشاً بالحياة شدّ ما يصعب علينا أن نقف لنسترسل في زفراتنا وعبراتنا وفي شكوانا ونجوانا. ولا عجب فإن جلجلة مكينة الحياة العملية جديرة أن تغمر همسات شياطين الهموم المسوسة في آذاننا. فنحن في أثناء النهار نكون عرضة لأن نغضب ونثور ولكن لا يكون (لضيق الصدر) على نحو ما وصفنا آنفاً - سبيل علينا - كما أننا نكون أيضاً بمنجاة من لوعة الحزن والآسى ورقة الشجن والشجى. ومن ثم ترانا إذا غاظنا شيئ أثناء النهار رفعنا أصواتنا بالسب وأيدينا بالضرب. فإذا أصابتنا السيئة ليلاً في الساعة العاشرة مثلاً عالجناها بقراءة الشعر المحزن والمأساة أو بالجلوس في الضلام والأمل في حقارة الدنيا وبؤس العيش وغرور الحياة.
стр. 3400
هنا ننتقل إلى موضوع الاسترسال في الأسى والخلوة إلى الذكريات الحزينة فنقول أن هذا الإحساس الذي بنا أن نسميه رقة القلب من الحزن أو ذوبان النفس من الشجى أو على سبيل الإختصار (حنين الشجى) لا يكون مصحوباً بالكرب والألم الحقيقي الإيجابي فإن الكرب الواقع والألم الحاصل فعلاً يكون عادة أشد عذاباً من أن يترك مجالاً لمثل هذه العاطفة اللينة الرقيقة أعني (حنين الشجى) ومصداق ذلك أنك إذا عرضت على عينك صورة حادث آليم أمكنك أن تجيل بصرك في أنحاء الصورة طويلاً وتتأمل أوصافها مالياً وتبكي عليها بزفرة الحنين وآنة الذكرة ودمعة العاطفة الرقيقة الذائبة وهذا ما لا تستطيع أن تصنعه إذا علاض على عينك الحادث الآليم بالذات إذ تنفر منه أشد النفور وتهرب منه هرباً والواقع إن الألم الفعلي وحنين العاطفة لا تجمعهما قط جامعة، وكربة الحزن الحقيقي لا يمكن أن يصحبها لذة الاسترستل في أحزان الذاكرة الخيالية وليس من شأننا أن نلعب بالنيران ولا بالصارم والسنان. ولا أن نعتنق الذئاب والسباع والآفاعي طوعاً وإختياراً. فإذا رأيت الرجل يلذه أن يسترسل في الذكرة الأليمة ويصونها في وعاء ذاكرته ويتعهدها بالري والسقيا كي لا تزال غضة ندية خضراء فأيقن أنه قد زالت عنها خاصة الألم وقد أصبحت غير جارحة له ولا قادحة ولا فادحة ولا لائعة ولا لاذعة ولا فاجعة ولا موجعة. ومهما تكن قد آلمته ومضته في أول أمرها فلقد عادت اليوم وهي له مصدر لذة وفي ذكراها غبطة ومتعة. وكأي من سيدة كريمة ما أن تزال على مدى الأيام تذرف الدموع على مخلفات ثياب طفلها المفقودتخزن ما بقي من آثارها العزيزة في وعاء مضمخ بالمسك والعبير وتتنفس الصعداء إذ تذكر تلك الأعضاء الغضة اللطيفة التي كانت تزين تلك الثياب - وكأي من غادة حسناء تخبأ كل ليلة في ثنايا وسادتها خصلة جعدة كانت حين ما تتهدل على جبين أبلج قد لثمته شفاه الأموج لما لحدت له أيدي العواصف في سواء اليم قبراً، فمثل هذه السيدة ومثل هذه الغادة كلتاهما خليقة حين تقرأ ما ذكرت آنفاً من لذة الأحزان ومتعة الأشجان أن تتهمني بالقسوة والجفاء وبالفظاظة وغلظة الشعور وبالكذب والبهتان ولكني أعتقد مع ذلك أن أمثال هؤلاء إذا سألن أنفسهن هل يجدن غصة ومضضاً في تماديهن في حزنهن وادمانهن ذكرى مصابهن فلن يرين بداً من الإجابة على هذا السؤال بلفظة (كلا) ولا بدع فإن للدموع عند بعض الناس حلاوة
следующие страницы →