Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
حركة دائبة كالفوران الذي في قاع البحر. حركة عملية سلمية لا تنالها أقسى الأحكام العرفية.
نريد أن تتجه الأمة جميعها إلى وجهة واحدة واصلاح كل عيب يبدو لها ولا ضير عليها في أن يكون اصلاحه بطيئاً وتدريجياً ولكن الضير كل الضير أن ننتبه إليه ولا نشرع في اصلاحه. ولكن لابد للوصول إلى ذلك من تجمع الأمة كلمتها وتوحد مطالبها إلى الغاية التي يضعها كل فرد نصب عينيه. لأن الشعب يحتاج دائماً إلى منارة. فلنجتمع ولنبين للشعب هذه المنارة ولنقل له هذه هي فتوجه إليها ولا يمكن أن ننال ذلك بالتفكير العادي المألوف لأنه مرت بنا أوقات كثيرة وظروف عديدة التجأنا فيها إلى مثل هذا التفكير فلم نلبث إلا قليلاً إنما نريد التفكير الذي ينتج العمل.
فإذا ما تهيأت النفوس وأعدت جميع الأذهان وتشبعت كل العقول بمبادئ هذه الثورة الفكرية وكان الإيمان واحداً وعميقاً ومخلصاً في نفس كل فرد. في هذه الحالة يكون الإنتقال إلى أي مطلب من مطالب الحياة سهلاً ميسوراً ويكون بلا صدام واحتكاك كبير. نعم إذا نبت الإيمان التفكيري في نفوس الشعب فإنه يكون من السهل الإنتقال إلى أي تطور اجتماعي دون أي تضحية أو مقابلة قوة. بل لا يمكن لأعظم القوى في مثل هذه الحالة أن تعارض هذا التيار الفكري العام الذي يكتسح كل ما في طريقه.
إذن فالواجب علينا أن نحدد أعمالنا وأن نضع لنا غاية نسعى إليها وأن نربط جميع أفراد الأمة برباط من صلة تفكيرية تؤم بنا جميعاً إلى غاية واحدة وأن يقوم كل فرد منا بأعماله على مقتضى هذا المنهاج من التفكير المتبادل.
стр. 3397
أفكار بليدة
لمفكر بليد في أوقات بليدة
للكاتب الفكاهي البديع جروم. ك. جروم
ضيق الصدر
لا بأس على امرئ من الكآبة والأسى بل ربما وجد الأنسان شفاء غلته وبرئ علته في الاسترسال في الحزن والاستسلام إلى الشجى، وقد ما قال الشاعر:
وان شفائي عبرة مهراقة
وقال الآخر:
لعل انسجام الدمع يعقب فرجة
وطالما لذني وطاب لي أن أهجر عمداً مجالس الطرب ومحافل الأُنس وأنتبذ المكان المنعزل القصى لأخلو إلى أحزاني وأشجاني أستجيها من مكامن الخيال أو استثيرها من مدافن الذكرى طرباً إلى ذلك مرتاحاً.
فأما ضيق الصدر - ذلك الذي يعتري الإنسان فجاة بلا سبب ظاهرة ولا علة مفهومة - فذلك هو الداء العياء والبلاء الأعظم. بيد إنه الداء يسلم منه أحد ولا يفلت منه إنسان. وأعجب ما فيه أنك لا تعلم أصله ولا فصله ولا سببه ولا مصدره، فأنت خليق أن تصاب به عقب استيلائك على ميراث هائل أو عقب فقدانك (علبة سجائرك) في القهوة أو نسيانك (شمسيتك) في القطار وتأثير هذا الداء (أعني ضيق الصدر) فيك شديد فتاك أشبه شئ بمجموعة تأثيرات أوجاع الضرس والمغص والصداع - إذ تصير قلقاً مهتاجاً فظاً مع الأجانب خطراً على الصحب والأقارب شرساً شكساً صخوباً غضوباً - بلاء على نفسك وعلى كل من حولك.
وأنت ما دمت واقعاً تحت تأثيره فلا قبل لك بمحاولة أي عمل أو تفكير في أي شيئ، وإن أحسست أثناء ذلك بضرورة القيام بعمل ما لا تدري ما هو ولكن تشعر بضرورته وإذ كنت بناءً على هذا لا تستطيع أن تظل ساكناً ساكتاً فإنك لا تلبث أن تلبس قلنسوتك وتأخذ عصاك فتبرح المزل للفسحة. ولكنك لا تكاد تسير بضع خطوات حتى تندم على ما كان من خروجك وتعود إلى غرفتك. وهناك تحاول تفريج همك بالقراءة فتنظر في (شاكسبير)
стр. 3398
فإذا هو غث تافه فاتر. ثم تنتقل إلى (دكنز) فإذا هو سخيف بارد. ثم إلى (ثكرى) فإذا جاف عقيم ثم إلى (كارليل) فأذا أعقم الجميع وأجفهم وأسخفهم وهنا ترمي عرض الحائط بالكتاب وتنبذ المؤلف بأشنع الألقاب. وبعد ذلك تحول تيار غضبك على القطة فتطاردها في أنحاء الغرفة حتى تخرجها وتغلق الباب خلفها. وهنا تفكر في أن تكتب (جواباتك، فتأخذ القلم والقرطاس ولكنك بعد كتابتك لفظة (عزيزتي ها قد تناولت القلم لأبثك ما عندي) ترى أنه ليس عندك شيئ فيرتج عليك ولا يفتح الله عليك بكلمة وبعد استمرارك على هذه الحالة السيئة ربع ساعة أو أكثر تلقي القرطاس في الدرج وتقذف القلم على المكتب وتنهض من مكانك عازماً على المضي لزيارة أصدقائك الأسة الفلانية وفبما أنت تلبس حذاءك يخطر ببالك أن الأسرة الذكورة قوم أغبياء سخفاء وإنهم لا يصنعون طعاماً البتة وإنهم يكلفونك حمل وليدهم وإرقاص طفلهم فتسب القوم سباً وتلعنهم لعناً وتنقض ما كنت اعتزمته من الذهاب إليهم.
وهنا يكون قد استفحل بك الداء وبلغت الروح التراقي فتدفن وجهك في يديك وتتمنى لو جاءك الأجل فصعدت إلى جوار ربك. وحينئذ يثور في خاطرك ذكر الموت فتصور لنفسك منظر مماتك وأنت على سرير المنية تعاني سكرة الموت وتجود بأنفاسك الأخيرة والأهل والأقارب والإخوان حولك وقوف على رأسك تسيل مهجهم عبرات وتذهب نفوسهم حسرات. وأنت تبارك فيهم وعليهم ولا سيما الفتيان والفتيات والصبيان والصبيات. وتعلل نفسك عن مصابك بأنهم سيعرفون قيمتك بعد ذهابك. إذ يتبين لهن خطورة نكبتهم وجسامة خسارتهم. وهنا يحلو لك أن تقارن بين ما تتوهم أن يكون من شدة احترامهم لك بعد موتك وشدة احتقارهم لك أثناء حياتك.
هذه الخواطر وأمثالها تهوّن عليك وتنفس عنك ولكن لمدة قصيرة جداً. إذ لا تلبث أن تتهم نفسك بالحمق والسفه وبالبلاهة والعته إذ يخطر ببالك أو يخيل إليك أن أي إنسان كائناً من كان يحفل بك أو يكترث لك أو يهتم لأيما يعرض لك ويجري عليك من خيرٍ أو شرٍّ أو ربح أو خسارة. ومن ذا الذي يا مغرور ويت أحمق ويا أبله ويا غبي يعنى بك مثقال ذرة أو يبالي ما يصيبك سواء قصم ظهرك أو حشّ وسطك أو قطع رأسك واخمدت أنفاسك أو بعج بطنك أو حلق ذقنك أو رفع لك تمثال أو مشنقة أو أقيم عرسك أو شيعت
стр. 3399
جنازتك الحقيقة أن الناس ما عرفوا قط قدرك ولا حاولوا أن يعرفوا ذلك ولا همّهم وهنا تستعرض ماضي حياتك فيتبين لك بلا أدنى ريبة أنك مازلت منذ خرجت إلى هذا العالم الملعون مهضوماً مظلوماً مغتصب الحقوق مبلياً بالإساءة والعقوق.
وما هي إلا برهة تقضيها في مثل هذه الهواجس الأليمة حتى تثور شياطين الغضب في دماغك فتقوم قيامتك على أهل السماء والأرض ولا سيما على نفسك فتهم أن تقذف نفسك من النافذة ولكن النافذة مغلقة. وأخيراً تحين ساعة النوم وتلك هي التي تنجيك من خطر الانتحار. قتنضو ثيابك وتبعثرها في جميع أنحاء الغرفة وتطفئ المصباح وتثب إلى الفراش كالهارب من طوفان أو بركان. وهنالك تقضي ساعتين أو نحوهما بالتقلب والتململ منوعاً هذه الحركة الدائمة بقذفك الغطاء برجليك ثم قيامك على الفور لإعادته مكانه. وأخيراً تغشاك هجمة مؤرقة مضطربة منغصة بالأحلام الكريهة.
هذا ما يصيبنا نحن معشر العزاب. أما المتزوجون فغير هذا حالهم وخلاف هذا شأنهم ودأبهم - انظر هؤلاء يسطون على زوجاتهم ويتسخطون على طعامهم ويصولون على أولادهم وهذا كله يحدث في البيت هرجاً ومرجاً وصخباً ولجباً وفي ذلك وحده تخفيف ما بهم وتنفيس كربهم. ولا بدع فإن المشاحنات هي الدواء الوحيد لداء (ضيق الصدر) وهي المسلاة والملهاة والمتعة الوحيدة التي يستطيع صاحب هذا الداء أن يجد فيها مستراحه ومستلذه.
بيد إن ضيق الصدر هذا قلما ينتابه إلا مساء، إذ في أثناء ضوء الشمس والعالم يتدفق تياره جياشاً بالحياة شدّ ما يصعب علينا أن نقف لنسترسل في زفراتنا وعبراتنا وفي شكوانا ونجوانا. ولا عجب فإن جلجلة مكينة الحياة العملية جديرة أن تغمر همسات شياطين الهموم المسوسة في آذاننا. فنحن في أثناء النهار نكون عرضة لأن نغضب ونثور ولكن لا يكون (لضيق الصدر) على نحو ما وصفنا آنفاً - سبيل علينا - كما أننا نكون أيضاً بمنجاة من لوعة الحزن والآسى ورقة الشجن والشجى. ومن ثم ترانا إذا غاظنا شيئ أثناء النهار رفعنا أصواتنا بالسب وأيدينا بالضرب. فإذا أصابتنا السيئة ليلاً في الساعة العاشرة مثلاً عالجناها بقراءة الشعر المحزن والمأساة أو بالجلوس في الضلام والأمل في حقارة الدنيا وبؤس العيش وغرور الحياة.
стр. 3400
هنا ننتقل إلى موضوع الاسترسال في الأسى والخلوة إلى الذكريات الحزينة فنقول أن هذا الإحساس الذي بنا أن نسميه رقة القلب من الحزن أو ذوبان النفس من الشجى أو على سبيل الإختصار (حنين الشجى) لا يكون مصحوباً بالكرب والألم الحقيقي الإيجابي فإن الكرب الواقع والألم الحاصل فعلاً يكون عادة أشد عذاباً من أن يترك مجالاً لمثل هذه العاطفة اللينة الرقيقة أعني (حنين الشجى) ومصداق ذلك أنك إذا عرضت على عينك صورة حادث آليم أمكنك أن تجيل بصرك في أنحاء الصورة طويلاً وتتأمل أوصافها مالياً وتبكي عليها بزفرة الحنين وآنة الذكرة ودمعة العاطفة الرقيقة الذائبة وهذا ما لا تستطيع أن تصنعه إذا علاض على عينك الحادث الآليم بالذات إذ تنفر منه أشد النفور وتهرب منه هرباً والواقع إن الألم الفعلي وحنين العاطفة لا تجمعهما قط جامعة، وكربة الحزن الحقيقي لا يمكن أن يصحبها لذة الاسترستل في أحزان الذاكرة الخيالية وليس من شأننا أن نلعب بالنيران ولا بالصارم والسنان. ولا أن نعتنق الذئاب والسباع والآفاعي طوعاً وإختياراً. فإذا رأيت الرجل يلذه أن يسترسل في الذكرة الأليمة ويصونها في وعاء ذاكرته ويتعهدها بالري والسقيا كي لا تزال غضة ندية خضراء فأيقن أنه قد زالت عنها خاصة الألم وقد أصبحت غير جارحة له ولا قادحة ولا فادحة ولا لائعة ولا لاذعة ولا فاجعة ولا موجعة. ومهما تكن قد آلمته ومضته في أول أمرها فلقد عادت اليوم وهي له مصدر لذة وفي ذكراها غبطة ومتعة. وكأي من سيدة كريمة ما أن تزال على مدى الأيام تذرف الدموع على مخلفات ثياب طفلها المفقودتخزن ما بقي من آثارها العزيزة في وعاء مضمخ بالمسك والعبير وتتنفس الصعداء إذ تذكر تلك الأعضاء الغضة اللطيفة التي كانت تزين تلك الثياب - وكأي من غادة حسناء تخبأ كل ليلة في ثنايا وسادتها خصلة جعدة كانت حين ما تتهدل على جبين أبلج قد لثمته شفاه الأموج لما لحدت له أيدي العواصف في سواء اليم قبراً، فمثل هذه السيدة ومثل هذه الغادة كلتاهما خليقة حين تقرأ ما ذكرت آنفاً من لذة الأحزان ومتعة الأشجان أن تتهمني بالقسوة والجفاء وبالفظاظة وغلظة الشعور وبالكذب والبهتان ولكني أعتقد مع ذلك أن أمثال هؤلاء إذا سألن أنفسهن هل يجدن غصة ومضضاً في تماديهن في حزنهن وادمانهن ذكرى مصابهن فلن يرين بداً من الإجابة على هذا السؤال بلفظة (كلا) ولا بدع فإن للدموع عند بعض الناس حلاوة
стр. 3401
الضحك وقد قيل في الأمثال أن الإنكليزي الأصلي إذا باشر لذته باشرها بهيئة الحزن وأن المرأة الإنكليزية تزداد في ذلك غلواً فهي تستمد لذتها من الحزن ذاته.
أنا لا أتهكم ولا أسخر. وما كنت لأسخر قط من أي شيئ يرقق القلوب في هذه الدنيا الجافية القاسية. ونحن معشر الرجال مع ما بنا من قسوة فؤاد وغلظة أكباد ما كان لنا أن نريد النساء على أن يكن مثلنا قسوة وشدة، كلا أيها النساء فلتكن أبداً رقيقات لينات ولتكن ندى الحياة وطلها المرطب ويبسها المطفئ حرارتها ولتكن عسل الحياة المحلي خبزها اليابس الخشن. هذا وإن البكاء للنساء يشبه الضحك للرجال وعاطفة الحزن فيهن كعاطفة الهزل فينا! ومن يدرينا أنا أحسن منهن مذهباً في ذلك وأفضل سبيلاً. ومن ذا يقول أن الضحك ويحدثه من إمالة الأعناق وشق الأشداق وتعويج الأبدان وإغماض الأجفان - ادل على السرور النقب والفرح المهذب من رقة الأسى وما من رأس مطرق وجيد منكس وبصر شاخص وطرف ساه وجفن مغرورق ينظر من فجأة الزمن القاتمة الأعماق غلى شبح الماضي المتضائل.
وإذا رأيت المرء يسايره الاحزن جنباً لجنب ويصافحه يداً بيد فاعلمن أن الحزن قد عاد سهلاً خفيفاً هيناً ليناً حتى أصبح يطاق ويحتمل بل أصبح تستلذ صحبته وتستحلى خلطته وأصبحت الملوحة قد زالت عن دموعه فآضت عذبة والشوكة قد نزعت من زهرته فلا ضير على المستروح أن يدنيها من أنفه ووجنة الحزن الأسيلة الصقيلة قد سلت منها الابرة الجارحة حتى أمكننا أن نلصقها بوجناتنا ونلمس شفتها بشفاهنا. ونحن إذا استطعنا أن ننظر بعين الذكرى إلى الفاجعة الأليمة التي رزخنا مرة تحت فادح عبئها وأغمي علينا لشدة جهدها وبلائها - إذا استطعنا أن نعيد إليها كرة الطرف بناظر الذكرى ثم لم تثر في قلوبنا ثتئرة اللوعة والحرقة واليأس والقنوط فاعمن أن يد الزمان الآسية وكفه المداوية قد لا شك مست مكان الطعنة الحمراء فضمدت جرحها ودملت قرحها.
هذا الحزن اللذيذ والشجن العذب أكثر ما يكون انبعاثه في النفس ساعة الغروب التي وصفها الشاعر ورد ذورث بقوله:
هاتيك ساعة رقة وصبابة ... وتخشع لله واستعبار
ووصفتها الروائية (جورج اليوت) بقولها (شجى الأصائل الصيفية) وما أصدق
стр. 3402
الوصفين. وما أعجب كل ما فاض من هذين القلمين وأين الذي لم يشعر بفتنة هذه الأصائل الحزينة المتوانية. وسحر تلك المغارب المكتئبة المتباطية. حينئذ يظل الكون في قبضة الآسى وفي أسر الشجى، ولا غرور فألهة الآسى تتبوأ في دولة الغروب عرشها وعروس الشجى تتخذ من قصر الشفق خدرها وهناك تلقانا وتستقبلنا. ولدى بابها الشفقي تأخذ بأيدينا وتسايرنا خلال عوالمها الخيالية. فأما شخصها وشبحها فلا نراه ولكن يخيل إلينا أنّا نسمع تصفيق أجنحتها بل إن طيفها ليغشانا حتى في أرجاء المدينة الجياشة باللجب والضوضاء إذ نحس روحنا حزينة ترفرف في كل طرقاتها الجافة المستطيلة ونبصر النهر المظلم الأمواج ينساب كخيال الروح الشريدة كأنما يحمل سراً خفياً تحت أمواجه الكثيفة وفي خلوات الريف الساكنة حينما تتساقط ظلال المساء على الأشجار والأعشاب فتضائل من أشخاصها وتغض من أشباحها وتسمع أجنحة الخفاش وصوت القنبرة حينئذ يزداد سحر المنظر الحزين رسوباً في قلوبنا ونفاذاً إلى ضمائرنا إذ يخيل إلينا أنّا قائمون حول فراش ميت وإنّا نسمع في حفيف الدوح حشرجة النهار المحتضر حينئذ ترى الحزن العميق مخيماً والسلام الشامل مستفيضاً وفي صفاء هذا الهدوء تتضائل هموم العيش وأكدار الحياة اليومية وتضمحل إذ يبدو لنا أن هناك أشياء أخرى جديرة بالسعي والجهاد خلاف الخبز واللحم بل خلاف العناق واللثم - وأعني بهذه الأشياء أسرار محاسن الطبيعة وما تستثيره من أسرار محاسن الروح. في هذه الساعة الرائعة الجميلة ينثال علينا من الخواطر ما نسمع وحيه ولا نكاد ننطق به فترانا ونحن قائمون في سكينة المساء تحت قبة الفلك المضمحلة الضياء. نشعر أننا أجل وأعظم من عيشتنا الحقيرة وحياتنا التافهة الضئيلة وإذا تراءت لك الدنيا حينذاك حولها سجوف العشى المرسلة وسدول السدفة مسبلة. علمت أنها ليست بذلك المصنع القذر الذي تعهد ولكنها الهيكل الفخم الجليل يؤدي فيه الإنسان مناسك عبادته وتلمس يداه أحياناً في زواياه المعتمة يد الإله الأعظم جل شأنه.
إذا ما كساك الله سربال صحة ... ولم يخل من قوت يحل ويعذب
فلا تعبطن المترفين فإنهم ... على حسب ما يكسوهم الدهر يسلب
أبت نفسي الهلال لزرء نفسي ... كفى شجواً لنفسي زرء نفسي
стр. 3403
أتهلع وحشةٌ لفراق ألف ... وقد وطنتها لحلول رمس
стр. 3404
كتاب الصور
للكاتب الأمريكي الأشهر واشنجتون ارفنج
(وهو مجموعة مقالات وروايات أدبية وأخلاقية ممتعة)
حديث المؤلف عن نفسه
ما زلت مولعاً بمشاهدة المناظر الجديدة، وملاحظة الطباع والأخلاق الغريبة ولما كنت طفلاً صغيراً بدأت سياحتي ورحلاتي الاستكشافية في أنحاء بلدتي ومسقط رأسي، إذ كنت أهيم على وجهي في أنحائها فأضل الطريق وأتيه في جهات منها مجهولة لي غير معروفة ولا مألوفة، وكان في عملي هذا ىأفجع المصاب والذعر لوالدي وأجزل الربح والفائدة لمنادي البلدة، ولم شببت وترعرعت أفسحت لنفسي مجال النظر والتأمل فجعلت أقضي العشيات والأصائل من أيام العطلة بالتجوال في ضواحي الريف المجاورة حتى درست جميع الأماكن المشهورة في عالمي التاريخ والخرافة، فلم تخف عليّ بقعة جرت فيها حادثة قتل أو سرقة أو ظهر بها عفريت وكذلك زرت جميع القرى المجاورة وضاعفت ذخيرة معلوماتي بملاحظة عاداتها وتقاليدها ومحادثة حكمائها وعظمائها. بل لقد طوحت بي يد السفر في بعض أيام الصيف الطوال إلى قمة أقصى تل حتى إذا تسنمت تلك الذروة أبعدت مرمى البصر أسرح الطرف في بقاع مجهولة وأناجي النفس حائراً دهشاً (ما أعظم هذا العالم الذي أسكنه!).
هذه النزعة الطوافية والشهوة التجوالية نمت معي وازدادت على كر السنين فأصبحت أشد ما أكون ولوعاً وشغفاً بكتب الرحلات وأسفار الاسفار ألتهم محتوياتها التهاماً وقد أهملت دروس المدرسة كل الاهمال. وكم كنت أدور وأطوف حول رصيف الميناء في أوقات الصحو والصفاء أرنو - ساجي الطرف شاخص البصر - إلى السفن الراحلة الميممة أقاصي البلدان. وكم كان لي إلتفاتة لهفى مولهة في أثر المراكب الذاهبة أصوب إلى شرعها المتضائلة المضمحلة الحاظ الواجد المشتاق وأقذف بنفسي على أجنحة الوهم والخيال إلى أقصى أطراف المعمورة!.
ولقد كان بعد ذلك في ادماني القراءة والتفكير ما كبح من جماح هذه الشهوة ووقفها عند حد معقول ولكنه جعلها مع ذلك أشد مضاء وتصميماً فزرت عدة من نواحي بلادي. ولو
стр. 3405
أني ممن وقفت رغبتهم عند مجرد التلذذ بالمناظر الطبيعية الحسناء لكان لي فيما حوته بلادي من تلك المناظر مندوحة عن التطلع إلى أية بلاد أخرى، ولا غرور فإن الطبيعة لم تكن في بلد ما أسخى يداً ببديع المناظر وروائع المشاهد منها في أوطاني العزيزة. وناهيك ببحيراتها العظيمة كأنها مجارٍ من ذوب اللجين وجبالها الرافلة في وشي ألوانها الزاهية الشفافة ووديانها المفعمة نعمةً وخصباً وشلالاتها القاصفة في خلوات قيفارها. وسهولها المترامية الأطراف مواجةً بدوائب أغراسها الغامرة المتكاثفة وأنهارها العريضة العميقة منحدرةً في صمتها العميق إلى المحيط، وآجامها الوعرة المسلك غير المذللة ولا المطروقة مختالةً من نباتها الوحف الأثيث في مثل الوشى اليمانى. والديباج الخسرواني. رافلة في أقشب حلة وطيلسان. مزدانة بأجمل الحلي والتيجان. وسمائها الوهاجة بصقال السحب الصيفية ورونقها المعجب الفتان. وبنور الشمس المتبلج الأضحيان، ولا يزال الأمريكي غنياً بناظر بلاده عما سواها لا حاجة به إلى أن يلتمس في غير أوطانه جمال الطبيعة وجلالها:
ولكن ميزة آوروبا هي في اشتمالها على كنوز القصص والشعر والرواية فهنالك بدائع التصور ومحاسن آداب الطبقات العالية المهذبة وعجيب خصائص العادات القديمة والمحلية. فأوطاني ملأى بما يبشر بالمستقبل الحسن وآوروبا ملأى بذخائر العصور الخالية وودائع الدهور الغابرة فأطلالها البالية ورسومها العثية تحكي قصة الأزمان الماضية وكل حجر دائر إنما هو سجل أخبار. وصحيفة آثار. وشاهد عبرة وتذكار، ودليل موعظة وإنذار. ولذا تاقت نفسي إلى غشيان مشهد المآثر الجليلة والمساعي النبيلة. والمناقب الغراء والآلاء البيضاء والمفاخر المشهورة. والمكارم المشكورة. والمحامد المأثورة. وحن قلبي إلى أن أقفو آثار شبح الماضي واتتبع أصداء صوت القدم. لفد أحببت أن أجوس خلال القصور الخربة والرسوم التبة. واعتبر بسقوط الأبراج النشيدة. والقلاع الحصينة الموصدة. فاتجرد بذلك برهة عن الأحوال العادية الحالية وانطلق مخلوع العذار جامخ العنان في أودية الغابر الخيالية وشعاب الماضي المبهمة.
وكنت فوق ذلك مشغوفاً بأن أبصر أعاظم رجال الدنيا. لا أنكر أن لدينا عظمائنا بالقارة الأمريكية ولا بلدة إلا قد أوتيت نصيبها من العظماء. ولقد خالطهم حيناً ما فبهرتني
стр. 3406
أنوارهم وكسفتني شموسهم وأحرقتني لفحات شهبهم. إذ ليس أمحق للرجل الصغير من ظل العظمة الذي يسقط عليه من شخصية الرجل العظيم فيكاد يمحوه محواً، ولكني على الرغم من ذلك شغفت بأن أرى عظماء آوروبا إذ كنت قرأت في بعض مؤلافات الفلاسفة أن جميع الحيوانات ينحط نوعها وتفسد طبائعها في أمريكا وفي جملتها الإنسان، ينتج من ذلك أن العظيم الآوروبي يكون أسمى من العظيم الأمريكي بمقدار سمو جبل ألبى على ربوة من ربى هدسون ومصداق ذلك ما نراه من العظمة والأبهة النسبية لكثير من السياح الإنكليز بيننا بعد انحطاط مكانتهم وصغر أقدارهم في بلادهم الأصلية. لذلك قلت في نفسي لأزورن هذه القارة الآوربية معرض العجائب والغرائب فأُبصر ذلك الجنس القوي العظيمالذي أنا أحد ذريته الضعيفة المنحطة.
وكان من حسن حظي أو منم سوء حظي أن قضيت وطرى وحاجتي من ذلك التجوال والطواف. فلقد طوفت في آفاق شتى وشاهدت كثيراً من مناظر الحياة المتنقلة وصورها التحركة، ولا أقول أني درست هذه المناظر دراسة فيلسوف ولكن مثلي وإياها كمثل عاشق المناظر الغريبة إذ يتلوم على معارض الصور المختلفة بحوانيت المصورين ينتقل من واحد إلى آخر فتارة تستهويه صورة غادة حسناء وتارة مقابح صورة شوهاء، وآناً محاسن منظر طبيعي، وكما من عادة السياح اليوم أن يحملوا ريشة التصوير أثناء رحلاتهم فيعودون إلى أوطانهم مملوءة حقائبهم بالصور والرسومات فلقد عزمت أن أصنع بضع صور اتحف بها صحبى وخلاني، بيد أني اذا أملت ما قد أعددت لهذا الغرض من الخطرات والمذكرات ساءني وأحزنني أن تكون أميالي وأهوائي العابثة قد صرفتني عما يعمد إليه السائح الرشيد من شريف المقاصد والأغراض حينما يريد أن يؤلف كتاباً. وإني لأخشى أن يبوء كتابي من الخيبة والخسران بمثل ما يبوء به تصوير المصور الذي يسيح في القارة الأوربية فلا تحدوه أمياله الشاذة وأهواؤه الشاردة إلا إلى تصوير الأركان الخفية والزوايا المستترة والأماكن الغامضة، فمصوره يجيئ بناء على ذلك غاصاً بالأكواخ والمناظر الخلوية والدمن والأطلال المجهولة الخفية ولكنه خلو من صورة كنيسة القديس بطرس أو تياترو الكولوسيوم أو شلال (ترنى) أو خليج نابلي ولا يرى به واحدة من نهر ثلجي أو بركان.
стр. 3407
ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل
مقالة السوء إلى أهله ... أسرع من منحدر سائل
لم أجد كثرة الأخلاء إلا ... تعب النفس في قضاء الحقوق
فاصرف الناس عن كثير من الن ... اس فما كل من ترى صديق
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
стр. 3408
رواية تاجر البندقية فينسيا
تأليف وليم شاكسبير
أشخاص الرواية
دوق البندقية
برنس مراكش: من خطاب بورشيا
برنس آرجون: من خطاب بورشيا
أنتونيو: تاجر من تجار البندقية
باسانيو: صديقه وأحد خطاب (بورشيا)
سالانيو: من أصدقاء أنتونيو وباسانيو
سالارينو: من أصدقاء أنتونيو وباسانيو
جراشيانو: من أصدقاء أنتونيو وباسانيو
ساليريو: من أصدقاء أنتونيو وباسانيو
لورنزو: عاشق (ياسيكا) بورشيا: وارثة غنية
شيلوك: يهودي غني نيريسا: وصيفتها
تيوبال: يهودي صديق شيلوك ياسيكا: إبنة شيلوك
لانسيلو جوبو: مضحك وخادم شيلوك
جوبو الكبير: والد لانسيلو
ليوناردو: خادم باسانيو
بالساذار: خادم لبورشيا
ستيفانو: خادم لبورشيا
وجهاء البندقية: قضاة المحكمة، سجان، خدام بورشيا، خدام وأتباع
الفصل الأول
المنظر الأول - فينسيا. شارع
(يدخل أنتونيو وسالارينو وسالانيو)
انتونيو - حقاً يا خليليّ لا أدري ما هذا الكمد الذي يمضني ويكربني. ولا أعرف له من
стр. 3409
سبب ولا علة. ولا أدري كيف صادفته وكيف لقيته، وإني عثرت به وأصبته. كما لا أدري مما تألف وتكون، ولا من أي شىء نشأ وتولد.
ولقد شرد الحزن من لبي وأضاع من صوابي حتى أصبحت لا أكاد أتعرف نفسي وأتبين حقيقة حالي وأمري إلا بالتعب الشديد والجهد الجهيد.
سالارينو - إن ذهنك على لج البحر يطفو به الموج ويرسب. ويموج به العياب ويتقلب. هناك سفنك الضخمة ذات الشراع الفخمة تختال على الماء كالسراة والاعيان. ونتيه كذوى اليسار من التجار على غوارب الطوفان. وتبدو لروعة جمالها ولبهة جلالها وكأنها أعلاق آليم ونفائسة. وأعراس البحر وعرائسه، فهى تعلوه المراكب الصغيرة وتشرف على السفن الحقيرة التى تنحني لها تجلة وتركع لها إكبارا بينما سفائنك الجسام تمر بها مر السحاب طيارة بأجنحتها المنسوجة.
سالانيو - لامراء يا سيدي - والله لو كنت خاطرت في التحلر بمثل ثروتك لهف قلبي على أجنحة آمالي في اثر أموالي تلهفا وحنينا، ولطارت عواطف نفسي ترفرف على صدر المحيط حول سفائني المشحونة - اذن لما برحت اقتلع الاعشاب انصبها بمخترق الرياح لأعرف من أين مهبها - وانظر في المصورات الجغرافية استقري مواقع الثغور والمواني والمراسي. ولكل شيئ خشيت من ناحيته العطب على بضاعتي كان بلا شك جديرا ان يثير حزني ويبعث لوعتي وشجني.
سالارينو - أنا والله لو أصبحت بمثل حالك لرحت حليف القلق والرعب أليف الخوف والذعر خليقا أن أفزع وأرتاع لكل ما يشبه ثورة البحار وزخرة التيار. فتنفسي في حسائي لتبريد سخونته حري أن يصيبني برغدة النافض كلما ذكرت عظم ما تحدثه الأعاصير في البحر من الشر والبلاء. وكلما رأيت الساعة الرملية تجري بمقدار. ذكرت الرواسب الرملية في لج البحار. وخيل إلي أن سفينتي المثرية قد نشبت في الرمال وقد طامنت دقلها وطأطأت من أشرافه حتى انخفض عن جانبيها وهوى ليلثم مصرعه. وكلما ذهبت إلى الكنيسة فرأيت بنائها الفخم المشيد ذكرت الصخور الوعرة الخطرة وأوجست خيفة أن تحطم سفينتي الهشة الملامس، الغضة المكاسر، الضعيفة الأسر الواهية القوة، إن هي مستها وأشفقت والله على بضاعتي الثمينة من التوابل أن تذروها كف النكباء. على بساط
стр. 3410
الماء. وعلى حرائري النفيسة أن توشح بها أيدي العواصف. اعطاف الأمواج القواصف. فبينا انا الغني الموسور إذا بي الفقير المعسر وبيننا تراني رب القناطير. ثم لا يعرضلي الحزن والأسى؟ فلا تعدون الحقيقة ولا تخطئن وجه الصواب، وذرني من المزاعم الباطلة فأنا أعلم يقينا أنه لا علة لاكتئاب انتونيو سوى تفكيره في أمر تجارته.
انتونيو: كلا يا خليلي. فأني والمحمد لله ليست بضائعي وقفا على سفينة واحدة ولا مقصورة على مكان واحد وليس مدار ثروتي على تجرة هذاالعام ولا قوام مالي ونظام حالي رهنا بصفقة هذا الموسم. ولذلك لا يأتني الحزن من ناحية تجارتي البتة
سالارينو - فلعلك إذن عاشق
انتونيو ـويحك!
سالارينو ـو لا عاشق؟ فلنقل إذن أنت حزين لأنك لست فرحا. وقد كان من السهل عليك أيضاً لو أنك طفقت تضحك وتثب وتقول أنك فرح لأنك لست حزينا. أما والاله جانوس ذي الهامتين لقد أبدعت الطبيعة في تصوير هذا العالم وأغربت فجاءت بخلق عجيب مدهش، فمن أناس لا يزالون يضيقون أعينهم ضحكا تنظر إليك أحداقهم من خلال أجفانهم المزرورة ولا ينفكون يضحكون حتى لرؤية زمار حماقة وسخفا، كما يضحك الببغاء من كل شئ وأي شيئ. ومن أناس في طباعهم مرارة وفي أخلاقهم حموضة وحرافة لا يبدون النواجذ ابتساما لسماع الملحة النادرة والفكاهة الغريبة ولو أقسمنستور شيخ الوقار والجد أنها مضحكة.
سالانيو - ها هو ذا باسانيو قريبك الا مجد وهاك جراشيانو ولورنزو. فسلام عليك، سندعك الآن إلى من هو أمتع منا أنسا وأعذب حديثا وألذ مجلسا سالارينو - لقد كان بودي أن أبقى معك حتى أدخل عليك السرور والفرح لو لم يسبقني إلى ذلك من هم أعز وأكرم.
أنتونيو - انك لتنزل من نفسي بأخص مكانة وأكرم منزلة ولكن الذي أراه أن دواعي عملك تدعوك إلى الانصراف وقد رأيت الفرصة سنحت فلم تشأ أن تضيعها.
يدخل باساني وولورنزو وجراشيانو.
سالارينو - أسعد الله صباحكم يا سادتي.
стр. 3411
باسانيو - أيها السيدان متى نضحك وننعم بحسن المؤانسة والمجالسة. خبراني متى. لقد أصبحتما لبعد العهد بكما كأنكما غريبان. أفلا بد من هذا؟
سالارينو - سنجعل أوقات فراغنا تحت تصرفك.
ينصرف سالارينو وسالانيو.
لورنزو - سيدي باسانيو أما ولقد لقيت انتونيو فسندعك الآن. ولكن لا تنسى موعد لقائنا وقت الغداء
باسانيو - سأوافيكما هنالك.
جراشيانو - مالي أراك سيئ الحال. كاسف البال. انك لتعظم من أمر الدنيا حقيرا. وتجسم من شأنها صغيرا. إلا أن من بذل في طلب الدنيا الشيء الكثير من راحته وطمأنينته قلقا واهتماما كان جديرا أن يفقد طيب العيش فيبوء بالخيبة والخسران. لشد ما تغيرت يا سيدي.
انتونيو - لا أرى في الدنيا أكثر من قيمتها. وخلاف كنهها وماهيتها. يا جراشيانو - لا أرى سوى ملعب يمثل عليه كل فرد دورا ودوري هنالك جدي خطير.
جراشيانو - دعني ألعب دور الهزل والمجون - أنفق عمرك في اللهو، واقض باللعب أيامك وأركض أفراس الصبا في ميادين الباطل حتى تبلغ مدى الهرم على سوابق المزاح وحتى تشيب شواتك وتقوس قناتك وتتخذ كدنتك وتتجمد أسرتك في الضحك والطرب. ولخير لي أن تستعر حميا الشراب في هامتي من أن تخمد الزفرات القتالة جمرة الحياة في مهجتي. ومالي أرى الرجل الذي يغلى في جوفه ماء الشباب يقرر رزينا ثقيلا ويطرق واجما لا حراك به كأنه تمثال جده صيغ من جبس. أوكأنه صنم قدّ من صخرة جلس. ينام إذا استيقظ ويضني نفسه كمداً حتى تأخذه الصفراء من فرط شجنه. أي انتونيو - أنى أحبك وان حبي هو الذي يتكلم فاعلم إن هنالك صنفا من الناس يكسون وجوههم نقابا من الجد والوقار ثابتا لا يتحول كالطحلب الذي يعلو صدر الماء الآسن فأولئك يلزمون الصمت والرزانة تصنعا ورياء ليخدعوا الناس عن حقيقة أمرهم ويوهموهم أنهم على جانب عظيم من العقل والحجا والدهاء والأناة والحلم والوقار كمن يحاول أن يقول للناس (ها أنا ذا كم البصير الحكيم علام الغيوب. المطلع على سرائر القلوب. فإذا نطقت فالألسنة كلها مفحمة.
стр. 3412
وإذا خطبت فالأفواه من هيبة وإعظام ملجمة. أجل يا انتونيو إني أعرف من الناس من اشتهروا العقل والحكمة لغير سبب سوى التزامهم الصمت في المجالس. وفي اعتقادي أنهم لو تكلموا لأصموا الآذان بسخافة أقوالهم حتى يضطر سامعوهم إلى رميهم بالسفه والحماقة. وسأحادثك في هذا الشأن مرة أخرى. ولكن حذار أن تتلمس هذه الشهرة الباطلة - شهرة الحكمة والحجى - بتلك الوسيلة الكاذبة - وسيلة الصمت والإطراق فإنها شر واسطة إلى شر غاية وأخس شرك ينصب لأخس صيد هلم بنا يا لورنزو وسلام عليكم إلى حين. وسأكمل نصيحتي بعد الغداء.
لورنزو - فلندعك إذن إلى ما بعد الغداء. لأكونن أحد هؤلاء العقلاء البكم، ولا غرو فإن جراشيانو لا يدعني أنطق البتة.
جراشيانو - لازمني عامين منذ اليوم فإنك تصبح لطول صمتك لا تكاد تعرف صوت لسانك.
أنتونيو - سلام عليك. سأروض نفسي مذ الآن على الإفاضة في الكلام.
جراشيانو - شكرا لك فالصمت لا يحمد إلا في لسان ثور قديد.
(ينصرف جراشيانو ولورنزو)
أنتونيو - ناشدتك الله هل تجدن لهذا الكلام معنى؟
باسانيو - إن جراشيانو أكثر أهل فينيسيا لغوا وهراء وهذرا فكلامه كحبتين من القمح مخبوءتين في مكيالين من نخالة تبحث عنهما طوال اليوم حتى تصيبهما فإذا أصبتهما وجدتهما لا تستحقان بحثك وتنقيبك.
أنتونيو - دعنا من هذا ونبئني من تلك السيدة التي عزمت أن ترحل إليها سرا في أمر وعدتني شرحه وبيانه.
باسانيو - لا يخفى عليك يا أنتونيو أني طالما أسرفت في النفقة تحيفا من ثروتي لأكتسي من أبهة الترف ومظاهر النعمة ما تقعد بي رقة حالي عن التمادي فيه والاستمرار عليه، وما أنا اليوم بآسف أن تلجئني الضرورة إلى أن أحذف من عيشة التبذير التي أعيشها كل هذه الفضول والحواشي. إنما همي الوحيد هو التماس أشرف وسيلة للتخلص مما ورطني فيه السرف والتبذير من ديوني الفادحة. وإنك يا أنتونيو ما زلت أجود الناس علي بالحب
стр. 3413
والوداد. وبالطارف من المال والثلاد. وكفى بحبك إياي باعثا لي على أن أسر إليك كل ما قد دبرته من الحيل والوسائل ابتغاء الخلاص مما قد ركبني من الدين.
أنتونيو - ناشدتك الله يا صديقي باسانيو إلا ما خبرتني بتلك الحيل والوسائل ولعمري لئن كانت تنزل من الشرف والنزاهة بمثل منزلتك التي لا تزال تحلها لأجعان خزائني وشخصي وآخر ما أملك وأدخر وقفا على أدنى حاجتك وأيسر بغيتك.
باسانيو - لقد كنت أيام التلمذة إذا أخطأ مني سهم أتبعته بنظيره قوة ونفاذا في وجه السهم الأول مبالغا في تسديده لأصيب به ما أخطأ الأول. وكذلك كنت بأخطار السهمين أرمي الهدفين وأصمي الغرضين وأحرز الصيد ين. ولقد ضربت لك هذا المثل من بين حوادث طفولتي لأن ما يتبعه من المقال هومحض حماقة طفولية وسخافة صبيانية. فأنا مدين لك بالجم الكثير وإني لشدة خرقي وفرط جهالتي وسفهي قد أضعت كل ما أقرضتنيه. ولكن إذا قضت مشيئتك الآن أن تصوب سهما ثانيا حيث كنت صوبت الأول فأنا الضمين لك بحسن حيطتي وعنايتي أن أصيبك الغرضين وأنيلك الوطرين أو أرد لك قرضك الأخير موفورا صحيحا وأبقى شاكرا لك صنيعك الأول.
أنتونيو - ما بالك وأنت تعرف فرط حبي وإخلاصي تتحايل كل هذا التحايل وتسلك كل هذه المسالك الملتوية المتعرجة في سبيل طلبك إلى ما تريده مني فأنت بارتيابك في سرعة إسعافي إياك وظني أني استطيع أن أدخر عنك أقصى طاقتي ومجهودي تلحق بي من الظلم والإساءة أضعاف ما كنت تنالني به لو أنك بددت كل ثروتي، فمرني ماذا أفعل يكن ذلك علي حتما مقضيا. نبئني بما عندك.
باسانيو - إن في بلدة (بلمون) سيدة غنية ذات ميراث عظيم وهي جميلة وفوق الجميلة لما ازدانت به من حلية الأدب والعقل. وتاج الكمال والفضل. وربما خالستني ألحاظها برسائل حب صامتة. وكتب أشواق خافتة. واسمها (بورشيا) ولا أراها تقل درجة عن بورشيا ابنة (كاتو) وزوجة (بروتاس) وما أمرها بخاف على أهل المشرق والمغرب، فالخطاب من مشاهير العظماء يأتونها من مهاب الرياح الأربع وغدائرها الذهبية تتهدل على سالفتيها (كالجزة الذهبية) مما صير بلدها (بلمون) في منزلة (كولكوس) الأثرية، وأغرى بالتزلف إليها والتماس ودها الأبطال المغاوير أمثال (أيسون) في غابر الأساطير، فلوكان لي من
стр. 3414
المال يا صديقي أنتونيو ما يمكنني من مناظرتهم ومنافستهم لوثقت بالنجاح والظفر - هكذا يحدثني قلبي وينبئني ضميري.
أنتونيو - أنت تعرف أن أموالي كلها في البحار فلا أملك اليوم من النقد ولا من المتاع ما يمكنني من اقتراض المال. فامض لتوك وساعتك فانظر ماذا تستطيع أن تصل إليه بفضل ما لي من ثقة في مدينة فينسيا فلا تستنفذن أقصى هذه الثقة في اقتراض ما أزودك به إلى بلمون لزيارة الحسناء بورشيا. فاذهب الآن فابحث عن مظنة المال ومكانه فلن أتردد البتة في إحرازه لك سواء بواسطة مركزي ومكانتي أم بفضل حرمتي وكرامتي. ينصرفان -
لا يستخفن الفتى بعدوه ... أبدا وإن كان العدو ضئيلا
إن القذى يؤذي العيون قليله ... ولرب ما جرح البعوض الفيلا
إذا ازدرى ساقط كريم ... فلا يطولن ضيق صدره
فأكثر الناس منذ كانوا ... ما قدروا الله حق قدره
стр. 3415
اللورد كرزون
للمستر جاردنر مدير (الديلي نيوز) كلمات في وصف رجالات الانكليز وتصويرهم تصويرا دقيقا بريئا من أبدع ما وصف الواصفون ونحن هنا ننتقل لقرائنا ما كتبه على اللورد كرزون وزير خارجية انكلترا - قال الكاتب.
كان يمكن أن يكون اللورد كرزون من عظماء الرجال لو أنه استطاع أن ينسى أحيانا قليلة اللورد كرزون! أن الصحة لا تشعر بنفسها. ولا يلتفت الإنسان إلى جسمه إلا إذا أحس بالمرض. وكذلك الذهن القوي السليم ينسى نفسه. ولكن اللورد كرزون لم يتذوق قط هذه الصحة. بل هو يعيش في بيت من مرايا. وأين ما تلفت أو تنقل وجد أمامه خياله الوضاح البراق. أفما كانت أكسفورد إلا مشرقا لطلعة سحرية واحدة. وما كان البرلمان إلا مسرحا للمثل واحد لا يجارى. وما كانت الهند إلا ملعبا لأرستقراطي باذخ المقام عظيم الأبهة جليل الخطر.
يقول المستر تشسترتون في إحدى حكمه الظريفة أنه يجب على الإنسان أن يكون قادرا على الضحك من نفسه والسخرية بها والتسلي بسخافاته. ولا ريب أن هذا معيار بديع لقوة الذهن. فلا ينبغي أن يرى الإنسان نفسه بطلا ولكن رجلا عاديا ذا فضائل غريبة تحمل على الإعجاب وحماقات أغرب تحمل على الضحك والاستهزاء. ولكن اللورد كرزون لم يضحك من نفسه قط ولكنه دائم الإعجاب بها. ومن هذه الناحية الجافة من الرجل الخالية من النقد والسخرية بالعيوب صدرت جميع الغلطات التي تخللت حياته.
وكذلك كانت قيصريته المزهوة هذه سببا في جميع غلطاته وهو حاكم الهند فهي السبب في تلك المجازفة في سهول التبت بلا داع ولا نتيجة سوى حب الظهور والإعلان عن النفس وإسالة الدماء البريئة المسالمة وإرهاق الفلاح الهندي المسكين بالضرائب الجديدة. وهي السبب في تقسيم البنغال على النحو الذي حدث والذي أشعل في الهند ناراً لن تخبو. لقد كانت سياسة التحدي غلتي اتبعها هناك هي موقد الحركة الوطنية. فاللورد كرزون هو خالق (الهند الجديدة)
وما يؤثر عن غلطاته الشنيعة في الهند أنه ذهب يوماً ليلقي خطاباً على طلبة جامعة كنكتا. أي على خلاصة الشبيبة الهندية المتعلمة الراقية. فلم يمنعه ذلك من أن يقول أن الصدق فضيلة الأمم الغربية وأما الشرقيون فكذابون متملقون! وارتجت الهند لهذه الإهانة. وكادت
стр. 3416
تسوء العاقبة أولا أن هنديا قوى الذاكرة اقتطف قطعة من كتاب للورد كرزون عنوانه (مسائل الشرق الأقصى) ونشرها بجانب الخطبة المهينة. وهذه هي القطعة التي يحدث فيها اللورد عن نفسه.
(قبل أن أتشرف بالمثول بين يدي جلالة ملك كوريا أوصيت بأتن لا أذكر له عمري الحقيقي وهو ثلاثة وثلاثون فقط لأن ذلك يؤدي إلى عدم احترامي عنده. فلماذا ذهبت وسألني أول ما سألني أول ما سأل كعادة الشرقيين كم عمرك؟ أجبته بلا تردد: أربعون. فدهش وأجابني: ولكن يظهر عليك أنك أصغر من ذلك: فأجبته: لأنه قد مضى على شهر وأنا أتمتع بالسياحة في هواء مملكتكم البديعة!!
وما كادت الهند تقرأ هذا حتى اهتزت ضحكاً وكادت تنسى الإهانة في سبيل الفكاهة!
стр. 3417
دي فاليرا والمفاوضات الإرلندية
تدور الآن بين المستر لويد جورج ورئيس الجمهورية الايرلندية مستر دي فاليرا أكبر مفاوضات في تاريخ الإمبراطورية البريطانية بعد أن وقع كلا الفريقين عقد الهدنة فسافر الضباط الانجليز بالإجازة من أرلندا وكف جيش الجمهورية وأعوان الشن فين عن مهاجمة الوحدات الانجليزية وقد اشتغلت الجرائد الانجليزية بل وجرائد العالم اجمع بالكتابة في هذه المفاوضات وما ينتظر منها وقد رأينا أن ننشر صورة الزعيم الإرلندي بعد أن سبق أن نشرنا في أعداد البيان الماضية كلمات كثيرة عن الحركة الإرلندية وحزب الشن فين
ونحن وإن كنا لا نجاري معظم الجرائد الإنجليزية في تفاؤلها بنتيجة المفاوضات إلا أنه لا يسعنا إلا الإعجاب بحسن سياسة الإنجليز الذين قدموا الآن أيديهم لمصافحة (سفاكي الدماء) الذين طالما صرح رئيس الوزراء ومعه الشعب البريطاني أنه لن يضع يده في أيديهم.
ومما قالته مجلة النيشن أخيراً أنه ما دام الجنرال سمطس قد وضع يده في المحراث فهولن يتركه إلا إذا تعذر الاتفاق تعذراً تاماً من جانب الإرلنديين أو ظهر سوء النية من جانب الإنجليز. والمعروف الآن أن المستر لويد جورج أصبح يعتقد بضرورة السلم بل أنه لشديد الحماسة في الوصول إليه. أما مسيو دي فاليرا فيصفونه بالدقة وحسن التصرف. ومما يمتاز به من الصفات النادرة في أخلاق الزعماء. الشجاعة والأمانة، ويقول المطلعون على المفاوضات أنه يديرها بحنكة وتعقب ويشعر بثقل المسؤولية في الفشل.
يقول النظام الذهب لئيم، لأن الشيء ينجذب إلى شكله، والذهب عند اللثام أكثر منه عند الكرام. ومن كلامهم: المسيء لا يظن بالناس الأسوأ لأنه يراهم بعين طبعه: ز في هذا المعنى يقول المتنبي
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم
ومن كلامهم: من دلائل العجز كثرة الإحالة على المقادير ومنه: استصلاح العدو أحزم من استهلاكه لأن استهلاكه ربما هيج أعظم من العداوة التي تستريح منها. ومنه: من طباع الملوك إنكارهم القبيح من غيرهم واحتماله إياه من أنفسهم. ومنه: لا تثق بمودة الملوك فإنهم يوحشونك من أنفسهم آنس ما كنت منهم. ومنه: انحطاط ألف من العلية أحمد عاقبة من ارتفاع واحد من السفلة. ومنه: من عمل ما يجب لقي ما يكره. . .
стр. 3418
أمير كتسنه في ضيافة لندن
يقيم الآن في إحدى فنادق لندن أمير إفريقي مسلم من نيجيريا ومعه زوجتاه وأولاده وخدمه، ويقال أنه سيمر بمصر قريبا قاصدا إلى مكة المكرمة. وقد كان لزيارة هذا الأمير وقع غريب في لندن لمحافظته على عادات بلاده واحتجاب زوجتيه في غرف الفندق وسذاجة وصفه وحاشيته وللأشياء التي يرونها. وقد تقاطر ألوف لمشاهدة هذا الأمير وحاشيته وكتبت عنه الجرائد الإنجليزية كثيرا فرأينا أن تقتطف شيئاً من أقوالها ولاسيما لما يتوقع من زيارته لنا ولصلته الإفريقية بنا. (مما يؤثران الأمير وحاشيته يرون لندن شديدة البرد (في يوليه) حتى اضطر بعضهم أن يشتري معاطف صوف. وقد راقهم مناخ منشستر، ولاحظ الأمير أن النهار هناك طويل بهيج. ومما أدهشه شرطة الشوارع في منشستر قال (إن إيقاف حركة شارع بأجمعه بإشارة من يدي شرطي أمر مدهش خارق، ولا شك أن شرطيكم له أربعة عيون) وقد شملهم الخوف جميعا عندما زاروا مخازن كروسلى للسيارات وتكلم أحد أولاد الأمير مع أبيه من غرفة أخرى بواسطة جهاز مخصوص. ولم يفهم بعض رجال الحاشية كيف أن السيارات تمر ببعضها وهي مسرعة في السير دون أن تصطدم!
ولم تشترك زوجتا الأمير معه في نزهاته وزياراته بل احتجبتا في غرف الفندق ولم يكن يراهما أحد سوى الأمير. وقد احتالت محررة في الديلي إكسبريس حتى تمكنت من مقابلتهما فقالت: دخلت فوجدت زوجتي الأمير منكمشتين في ركن بعيد في غرفة واسعة وقد وقفت أمامهما خادمة سمينة ضخمة الجسم قوية العضلات تكاد تحجبهما بجسمها عن الأنظار. وقد ظهر القلق والارتباك على زوجتي الأمير من هذه الزيارة الطارئة غير المألوفة لها. فأخذتا تنكمشان وتقتربان من بعضهما والخادمة ترمقني بعينين سوداوين براقتين. وكانت الأميرة معينة - أصغر الزوجين وأحبهما إلى الأمير - جالسة على أرض الغرفة متشحة بعباءة زرقاء كثيفة وعلى رأسها عمامة مختلفة الألوان. وعند اقترابي منها التصقت أكثر من قبل بزوجة الأمير الثانية ملكة، وكانت تلبس مثل ثيابها وجالسة على مقعد بشكل يدل تماما على أنها لم تتعود الجلوس عليه من قبل!
ولما عرفتهما بنفسي وسب بزيارتي هزت الخادمة أقراطها وحليها وأوسعت لي الطريق إلى رؤية وديعتيها. وكانت معينة في الثانية والعشرين من عمرها ذات وجه أسمر مستدير وعينين سوداوين كبيرتين وهي من أجمل بنات القبيلة. أما ملكة فكانت تبلغ السادسة
стр. 3419
والعشرين وفي عينيها الساجيتين الناعستين أحلام. وقد لفتتها قبعتي الحمراء وحقيبتي. ولكنهما على ما قالا يفضلان عمامتيهما ويعدان أزياءنا غريبة غبر متسقة. وهما يقضيان نهارهما منكمشتين في ركن الغرفة ولا عمل لهما سوى الحديث عن القبيلة. ويصليان الأوقات الخمسة. ولما سألتهما عما إذا كانا يعملان عملا آخر أجابتني معينة أنهما يجدان غاية السرور في تأمل وجهيهما في المرآة ووضع الخطوط والكحل. وقد حدثتني ملكة عن الفرق العظيم بين أثاث الفندق الفخم وبين أكواخهما. وكيف أنها فزعت مرة من ضوضاء الحركة في الشارع إذ نظرت خلال الشباك. وكان دهشهما عظيما عند حضورهما التمثيل في إحدى المقصورات!
стр. 3420
شيء عن الوهابيين
كتبت جريدة الإجبشيان ميل ما يأتي: ذكر المستر تشرشل أخيرا في مجلس العموم أنهم يدفعون إعانة قدرها ٦٠٠٠٠ جنيه إلى قبيلة عربية قوية هي قبيلة الوهابيين وذلك خوفا من أن تهاجم الأمير فيصل أوغيره من العرب المحالفين.
وكتبت أيضاً تقول: إن بعض العارفين بالوهابين لا يرى أن مبلغ ٦٠٠٠٠ جنيه كثير في سبيل اكتساب صداقة مثل هؤلاء القوم المشهرين بالعنف والصرامة ومما يروى عن تأديب هؤلاء الوهابيين لزوجاتهم أنهم يضعونهن في غرائر يحكمون ربطها يضربونهن ضربا مبرحا أليما أليما، ويتزوج كل وهابي ثلاث نسوة ويحق له أن يقتل كل من تخطو منهن خطوة واحدة خارج عتبة الدار. ويعد الوهابيون جريمة لبس الثياب الغالية أو الأحجار الكريمة أو المعادن النفيسة. لأنهم يعدون هذا إسرافا وخروجا عن التقى. أما عقاب من يدخن سيجارة واحدة فالقتل. وإذا خرج أحد الوهابيين من قريته وصادف أو رأى في طريقه غرباء وجب عليه عند رجوعه أن يغتسل ويغير ثيابه قبل أن قريته أو بيته. والوهابيون قوم متصفون بالرجولة والصرامة بقدر ما هم عليه من الشجاعة وحب القتال.
стр. 3421
اعتصاب غلمان القهاوى في اليوجوسلاف
من ظريف الحوادث التي وقعنا على أنباءها في الصحف والمجلات. نبأ ذلك الإعتصاب الذي حدث في مدينة زغرب من مدائن ولاية (اليوجوسلافيا) التي استقلت بعد هذه الحرب وهو اعتصاب (الجرسونات) وغلمان الحانات عن العمل. رافضين الرجوع إلى أماكنهم في القهوات ومشارب الحانات إلا إذا أجابهم أصحابها إلى مطالبهم. وذلك أن الجرسونات في تلك المحال لا تتقاضى أجوراً البتة. بل ترتكن على ما تتناوله من الزبائن والمترددين عليها من (البخشيش) كما هي العادة في كثير من مدائن الغرب كباريس وغيرها. وقد ظلوا مصرين على مطالبهم. لا يزحزحهم عنها شيء. حتى نالوا بغيتهم. واتفق أصحاب الحانات على إعطائهم أجوراً طيبة. وقدروا للغلام أو الخادم الواحد أربعة آلاف كرونة (في الشهر) وذلك مقابل إلغاء النفحات أو (أعطية الجمهور) ويرتقب أصحاب الحانات أن يسدوا هذه النفقات ويستعيضوها مما يزيدوه على أثمان المشروبات والمرطبات التي ينعم بها الزبائن. والفضل في انتصار الجرسونات على سادات القهوات يرجع إلى حيلة خبيثة احتالها أصدقاء الجرسونات وأشياعهم من الاشتراكيين، إذ يجتمعون فرقا عظيمة، ويحتشدون حشدا كبيرا ويؤمون القهوات فيشغلون أكثر مقاعد المكان ويشعلن لفائفهم ويضحكون ويمزحون وينادونا على صاحب المحل، فيطلبون أقداحا من الماء القراح فقط وهؤلاء الجموع تتألف من الفتيان والأحداث الذين يقبلون على كل عمل فرح يتخلله الطيش والمزاح وقد وجدوا في هذه الطريقة نوعاً من اللهو، ومزجة من الأمازيج التي تروقهم ولكن فيهم رؤساء لا يريدون بها لهوا. ولا يقصدون مزاحا. وإنما يريدون أن يحاربوا بهذه الوسيلة أصحاب المحال الجشعين أهل الأطماع الدنيئة. ومنهم كثيرون يقفون فوق المقاعد ويخطبون في فضل الاشتراكية ورذيلة الامتلاك وجشع أصحاب رؤوس الأموال. والجمهور لا يفزع من هذه الحوادث بل يرى فيها لهوا له لا بأس عليه منه. ولكن تصور غضب أصحاب الحانات وسخطهم وآلامهم من هذه الآفة التي أفسدت عليهم أرباحهم. وقد انتهى الأمر بهم إلى أن سلموا للجرسونات. فعاد الجرسونات إلى أعمالهم راضين فرحين بالنصر والفوز. .
стр. 3422
الصور المشؤومة
للروائي الروسي نيقولايف جوجول
كذلك ناجى نفسه في خلوته وعقله رائده وسديد رأيه حاديه وقائده.
ولكن صاح من أعماق نفسه صوتا آخر أشد وأعلى - هو صوت الشباب الملتهب، ولا عجب إذا قلنا أن نار شبابه المحتدم وسنه الصغير التي لم تتجاوز اثنتين وعشرين أوحيتا إليه وحيا آخر مخالفا لما أوحى به عقله وحكمته، وسلكتا طريقة مغايرة من البرهان والحجة. أجل فقد أصبح الآن يملك مفتاح ألف باب من اللذة كانت قبل ساعة مغلقة كلها في وجهه. لقد أصبح بمتناول كفه ألف ملحة وتحفة وألف مطربة ومنعمة وألف ملهاة ومسلاة، كان قبل الآن يتطلع إليها لهفا وتتساقط عليها نفسه حسرة وكمدا ويحن إليها شوقا. ويذوب تمنيا وتوقا. لقد أوتي قوة هائلة وسلطانا عظيما. وكلما تذكر هذا خفق قلبه طربا! أي لذة ومتاع في لبس حلة قشيبة من آخر طراز! أي لذة ومتاع في إشباع نهمته من أطيب المطاعم وري غلته من أرطب المشارب بعد طول الجوع والعطش أي لذة ومتاع في استئجار منزل أنيق وفي الذهاب إلى المسارح والمراقص والمغاني وسائر المطارب والملاهي. أي لذة في غشيان دكان الحلواني والفكهاني والكنفاني والزلباني وهلم جرا - وهنا اختطف الفتى قرطاسه الذهبي ووثب إلى الشارع.
وكان أول ما ذهب إلى الخياط فاكتسى جديدا من رأسه إلى قدمه وشرع يتأمل نفسه كما يفعل الطفل ثم مشى مختالا في برذيه نظارا في عطفيه. وبعد ذلك ذهب إلى العطار فاشترى طيبا ومسكا وغالية. ثم مضى إلى الدلال فاستأجر منزلا بديعا مونقا مزدانا بالمرايا والنوافذ البلورية والأسقف المنقوشة بأعجب النقش والغرف المفروشة بأحسن الفرش - دون مساومة بالأجرة ولا مشادة ولا منازعة. ثم اشترى للتو واللحظة (نظارة أوبرا) بأغلى ثمن واشترى مائة (بمباغ) من كل شكل ولون ثم مضى إلى المزين فرجل له شعره ثم كواه ولواه. ثم استأجر مركبة فركبها وأمر السائق أن يجري به في شوارع المدينة بلا قصد ولا غاية كما يشاء ويهوى قائلا له لما سأله (أين يصد سيدي؟) (على كيفك) وبعد ذلك دخل دكان (فطاطر) فأكل هائلا. ثم دخل مطعما فرنسيا كان يسمع عنه أيام فقره روايات أشبه بالخرافات اليونانية القديمة وإشاعات غامضة مبهمة كالتي تروى عن بلاط إمبراطور
стр. 3423
الصين. فهناك تناول غداءه متبوئا أشرف منزلة في مكان ناثرا نظرات العظمة والكبرياء على كل من حوله ملتفتا إلى المرآة من حين لآخر يصلح فيها من هيئته وينضد من طرته وسوالفه. وهنالك شرب زجاجة من (الشمبانيا) - تلك التي يسمع عنها بالرواية فقط ولما خالطت رأسه الخندريس خرج من المكان ثملا يترنح مملوءا جذلا ومرحا. فسار في أنحاء المدينة مختالا يتبختر يصوب (نظارته) إلى كل من صادفه. وفي أثناء مسيره لقي أستاذه القديم فتعامى عنه زوايا وجهه وراغ منه فرارا حتى لقد حار الأستاذ في ذلك وبهت دهشة وجمد في مكانه برهة طويلة وقد ارتسمت على وجهه أمارة التعجب وعلامة الاستفهام.
وفي تلك الليلة ذاتها نقل إلى مسكنه الجديد كلما لديه من الأثاث ة الأمتعة والآلات والأدوات والصور والنقوش والألواح والريش والألوان. فصفى أحاسن ما عنده من الصور في مواضع ظاهرة بارزة ونبذ الأردأ الأخس في زوايا المكان ومخابئه وشرع يجول في أنحاء غرفه المؤنقة الجميلة جيئة وذهابا وإقبالا وإدبارا. دائم التأمل في المرايا. لقد ثارت في نفسه شهوة الظهور والإشهار وتوقدت فيه غلة إلى الصيت والذكر والفخار وطنت في أذنه صيحات تقول هذا شارتكوف! ألم تبصروا شارتكوف؟ هل يوجد في العالم من لم يسمع بصيت شارتكوف؟ ما أبرع شارتكوف! ما أسرع شارتكوف ما أروع شارتكوف أي مصور يبلغ عشر معشار شارتكوف) لقد جعل - وهذه الصيحات المفرحة تدوي في أذنيه - يجول أنحاء غرفه الجديدة بأقصى حالة من ذهول الفرح.
وفي اليوم التالي أخذ خمس ليرات ومضى إلى دار جريدة سيارة فقابل صاحبها وسأله الإعلان عنه فاحتفى به الصحفي أشد احتفاء وخاطبه (سيدي الأستاذ الأجل الأعظم!) واستفهم عن اسمه ومولده ومسكنه. وفي غد ذلك اليوم ظهر الإعلان الآتي عن المصور شارتكوف تحت إعلان عن (أجود صنف من زيوت لوكا والشمع الإسكندراني (والعسل النحل) وهذا نص الإعلان.
стр. 3424
العبقري العظيم شارتكوف
(نزف إلى عشاق الفن من علية القوم وصفوة المهذبين وأحسن البشر وذلك هوظهور نابغة عظيم في فن التصوير كلنا يعرف أن بيننا وجوها حسانا فتانة ولكن لي بيننا من المصورين من هوكفيل بفضل عبقريته ونبوغه أن يخلد جمال هذه الوجوه على ألواح التصوير ليمتع بها أحفادنا وذريتنا على مدى الأزمان كما نتمتع بها نحن الآن. ولقد شاء الله أن يجبر هذا الفقر ويسد هذه الحاجة فأرسل إلينا مصورا نابغة قد اكتملت فيه مزايا المصور البارع وصفاته فلتفرح اليوم كل غانية مليحة ولينعم بالها ولينشرح صدرها ولتأمن على محاسنها من الزوال وعلى ملاحاتها من الفناء ولتعلم أنه يوجد اليوم من هوقادر على نقلها إلى اللوحة بحذافيرها وجملتها غير مشوهة ولا مبتورة ولا منقوصة ولا مسلوبا منها أدنى ذرة من حسن وحلاوتها - بل ستبدوعلى اللوحة رافلة في أبهج حلل ملاحتها وبهجتها فتانة الشكل مأنوسة الظرف معشوقة الدل خلابة الأنس رشيقة القد وثابة كاليعسوب بين أزاهر الربيع.
وكذلك رب الأسرة يستطيع بفضل هذا النابغة أن يرى نفسه محفوفا بأسرته وأولاده. فيا أيها الناس على اختلاف درجاتكم وطبقاتكم وحرفكم ومهنكم اهرعوا جميعا كيفما وأينما كنتم إلى أمير الصناعة وسلطان الفن! اهرعوا إلى (متحفه البديع بشارع. . . عطفة. . . نمرة. .) تجدوا هنالك من ثمرة ريشته ما يزري بنفائس الفحلين (تيتان) و (فانديك) ولا يقل عن بدائع الساحرين (روفائيل) و (ليونارد) و (أفنسي) فوالله لقد أصبحنا لا ندري أي محاسن الأستاذ شارتكوف أحق بإعجابنا وأولى! دقة الصنع والمطابقة للأصل أوبهاء الرونق ووضاءة الطلاوة والمائية وإشراق الديباج أوبهجة الصبغة وحسن التلوين. رعاك الله أيها النابغة وحرسك وحماك. لقد ربحت صفقتك وفاز سهمك وقد هبت ريحك وثقب نجمك. فليعش شارتكوف!)
ولما قرأ المصور ذلك المقال في الجريدة امتلأ طربا وانتفخ زهوا وعجبا وبرقت أسرته. وأشرقت صفحته. لقد ذكره على صفحات الجرائد السيارة وهذا أمر جديد عليه. لقد تلا تلك الأسطر مرارا وتكرارا وأمتع ما في الأمر مقارنته بفحول الصناعة: (تيتان وفانديك وليونارد ودافنسي وروفائيل) فلقد هز ذلك من عطفه وزاد من تيهه وصلفه فانبرى يجوب أرجاء الغرفة جذلان مرحا فآنا يجلس على كرسي وآن يثب من مقعده فيدور كالنشوان في
стр. 3425
أكناف المكان وآنا ينطرح على أريكة وآنا على وسادة - وأثناء هذا كله يدبر في نفسه كيف يستقبل الزوار ويعامل الزبائن ذكورا وإناثا. ثم عمد إلى لوح التصوير وتناول الريشة فجر بها جرة سريعة على اللوح ليمرن يده على الخفة والرشاقة.
في غد ذلك اليوم دق عليه الباب. فأسرع إلى فتحه. ودخلت سيدة تصحبها فتاة في الثامنة عشر من العمر وهي ابنتها يتبعهما خادم في زي خدام الأمراء وقالت السيدة (أنت المصور شارتكوف؟)
فانحنى الفتى إجابة
قالت السيدة (لقد كتب عنك شيء كثير في الجرائد اليومية ويزعمون أن صورك هي الغاية القصوى في الصناعة وبأسمى درجة الكمال) ثم رفعت نظارتها إلى عينيها وأسرعت كرة الطرف في جدران المكان ولم يكن عليها البتة فقالت (ولكن أين الصور؟)
قال المصور بلهجة المرتبك المتحير (الصور آتية في الطريق لأني انتقلت بالأمس إلى هذا المكان. ولم أتمكن بعد من نقل جميع أمتعتي)
فصوبت السيدة نحونظارتها لما لم تجد شيئا سواه تحدق إليه وقالت (أظنك كنت في إيطاليا مهد الفن وكعبة الصناعة؟)
قال المصور (كلا لم أذهب إلى هنالك ولكني عازم على الذهاب يوما ما. هاك كرسيا يا سيدتي فتفضلي بالجلوس لأني أخالك متعبة)
قالت السيدة (شكرا لك! لست بمتعبة فلقد جلست طويلا بالمركبة ها هوتصويرك! لقد أبصرته أخيرا
وهنا أسرعت السيدة إلى الحائط المقابل وصوبت نظارتها إلى صوره ورسومه ومناظره ونقوشه وكانت كلها قائمة على أرض الغرفة مسندة إلى الجدار (يا الله ما أعجب وما أغرب وما أفتن وما أخلب! هلمي إلى هنا يا ليزا. تعالي يا ليزا. انظري هذا رسم غرف على طريقة المصور القديم الخالد الذكر (تينيرز). انظري يا ليزا. انظري؟ ألا ترين كيف أجاد المصور تمثيل الرثاثة والبلى والقدم وهيئة التشوش والاضطراب والتناثر والتبعثر - وكيف أتقن تصوير الغبار. انظري إلى الغبار يا ليزة. ما هذه الإجادة والإحسان! ثم انظري ها هنا - هذه صورة امرأة تغسل وجهها ما أحلى وجهها وانظري هنا أيضا. هذه صورة
стр. 3426
غلام صغير خادم في كساء أزرق. وهكذا أنت لا تقتصر على تصوير الأشخاص الذين يطلبون إليك تصويرهم بل تتناول كل شيء وتذهب في مناحي الصناعة كل مذهب حسب ما يوحي به خاطرك ويلهمك شيطانك - هذه والله هي العبقرية الصادقة)
قال الفتى ما هذه وحقك إلا حثالة من سقط المتاع لا قيمة لها ولا خير فيها وإنما جل ما فيها إنها تمرينات وتجارب)
قالت السيدة خبرني عن رأيك في مصوري هذا العصر. أليس الحق أنه لا يوجد بينهم أمثال الفحول الأقدمين والنوابغ الغابرين أمثال تيتان وليونارد ودافنسي)
أجل أنت لا ترى في أعمال العصريين ما امتاز به القدماء من قوة اللون ومن ذلك - ذلك الشيء المسمى - قبح الله هذه اللغة الروسية الجافة اليابسة الفقيرة لغة الهمج المتوحشين أنا لا أستطيع أن أعبر عن خواطري بهذه اللغة البربرية) الحقيقة إن السيدة كان أكثر كلامها بالفرنسية شأن غيرها من أفراد الطبقة الارستقراطية وكانت من عشاق التصوير المولعين بالفن قد طافت بنظاراتها جميع أنحاء إيطاليا وزارت جميع ما بها من متاحف الصور - واستأنفت الحديث فقالت ولكن خبرني عن المسيونول المصور العصري الشهير ما رأيك فيه وما حكمك عليه؟ لله دره! ما أدق صناعته وما أعظم براعته! أظن أن وجوه صوره أملأ بالمعاني حتى من وجوه المصور الكبير (تيتان) ألا تعرف المسيونول؟)
قال شارتكوف ومن هونول؟)
قالت السيدة (المسيونول لله هوأي نابغة عظيم! لقد صور ابنتي هذه إذ كان سنها اثنى عشر عاما. لا بد لك من أن تزورنا في دارنا وأنت يا ليزا إذا شرفنا الأستاذ فلا تنسي أن تطلعيه على محفظة صورك. وبعد فلتعرف يا سيدي أن مجيئنا هنا الآن هومن أجل أن تشرع في أخذ صورتها للتوواللحظة)
قال الفتى (وإني لعلى تمام الاستعداد) ثم أقام منصة كان قد هيأ بها لوحة من قبل ذلك استعدادا لمثل هذه الطوارئ وتناول صحن الألوان وأثبت بصره في وجه الفتاة الجميلة. ولوكان شارتكوف ثاقب النظر صادق الفراسة عليما بحركات النفس البشرية ونزعات الروح الآدمية لقرأ في صفحة ذلك الوجه أمارات افتتان وشغف طفولي بالمراقص والملاهي وأمارات ملل وسآمة من الاشتغال المضجر الكريه بعدة فنون قد فرضتها عليها
стр. 3427
أمها ابتغاء تهذيبها وترقية مداركها ولكن شارتكوف لم ير أدنى شيء من هذا كله. بل كل ما رآه هوذلك الوجه الحلوالجميل الذي هوأجذب الأشياء لريشته. وهنا عرته الفرح وهزت الطرب لسنوح هذه الفرصة المعينة على إظهار ما قد كمن من أسرار الحذق والمهارة في ريشته التي لم يتح لها حتى الساعة من الوجوه إلا كل خشن غليظ مقبوح السحنة فرأى بعين خياله ما توه ما سوف تحويه الصورة التي يهم برسمها من محاسن الإتقان والإبداع.
وقالت السيدة (إني أريدها أن ترسم في ثوب ساذج بسيط وبين الظلال الخضر مثل الرياض والخمائل وعلى مسافة منها قطيع من الأنعام حتى لا يرى أنها ممن يغشين حفلات المراقص والمآدب. فإني أعلم يقينا أن مراقصنا ومآدبنا تقتل الملكات الذهنية وتميت كل أثر باق من أثار الإحساس الرقيق والشعور الحي فوا حزنا وولهفا على ما باد واندثر من عيشة التبسط وحياة السذاجة!) يا للأسف لقد كان وجه السيدة ووجه ابنتها ينمان عن إدمانهما غشيان المراقص والمآدب إلى حد أنهما أصبحتا تشبهان تمثالين من الشمع.
شرع شارتكوف في العم فأجلس الفتاة الجلسة المطابقة لأصول الفن ثم تدبر مليا حتى أوضح لنفسه الفكرة الأساسية وحددها وأخذ يهز فرشته ويحركها في الهواء يجدد بذلك النقط الجوهرية في ذهنه. وبعد ذلك ابتدأ فأتم رسم الهيكل في ساعة. ولم اطمئن إلى ذلك وسر به شرع في التصوير. وحين إذ افتتن بالعمل افتتانا وسحر به سحرا حتى نسي كل شيء - نسي وجود السيدتين ذاتهما - إلى حد أنه صار يبدومنه تلك الخصائص الصناعية التي لا يحب رجال الفن أن يطلع عليها الناس كتلك الحركات الجثمانية وتلك الأصوات الغريبة وتلك الهمهمة والغمغمة والطنين والصفير الذي يأتيه الفنيون حالة أنهما كهم في العمل بكلياتهم وجزئياتهم. بل لقد نسي مركزه إلى حد أنه أمسك رأس الفتاة الارستقراطية فرفعها بيديه وكانت قد نكست من التعب:
قالت السيدة (حسبنا اليوم هذا) قال المصور ناسيا نفسه (كلا. بل نستمر برهة أخرى) قالت السيدة مخرجة من جيبها ساعة ذهبية صغيرة (كلا لقد آن أن تقف. ليزا! الساعة الثالثة! لقد تأخرنا كثيرا)
قال شارتكوف بسذاجة وسلامة نية وبلهجة الطفل المتضرع المتذلل: دقيقة دقيقة - فقط لحظة لحظة أخرى)
стр. 3428
ولكن السيدة لم تكن ميالة هذه المرة إلى الإذعان لرغباته الفنية. على أنها وعدته إطالة المكث المرة التالية.
قال الفتى في نفسه (هذا شيء يغيظني جدا لقد بدأ العمل أن يستقيم وينتظم وبدأت أن أشعر بحلاوته ولذته) وهنا أحس بكمد وحرقة وتذكر أنه لما كان يعيش عيشته الفقيرة بمحله القديم لم يكن ثمة من يقطع عليه سلة عمله ولذته أو يقفه من شغله. ألم يكن صبيه نيكيتا يجلس كالصنم لا يتحرك ولوبقي ألف عام لقد كان يسمح لك أن تستمر في تصويره كما تشاء وتهوى بل لقد كان يغط في نومه على الهيئة التي تجلسه عليها. وهكذا طرح الفتى الفرشة وصحن الألوان على مقعد وهوساخط متبرم. ووقف أمام الصورة حنقاً مغتاظاً.
ولكن استمرار السيدة واقفة في الغرفة أيقظته من غفلته فاعتذر لها عن شرود ذهنه ثم شيعا إلى الباب وعند انصرافها وابنتها دعته إلى تناول الغداء في دارها الأسبوع التالي، فانقلب إلى غرفته فرحا مستبشراً. لقد فتنته السيدة الارسطوقراطية وابنتها إذ كان لم يزل حتى تلك الساعة يخال أمثالها من أهل هذه الطبقات أبعد منالا من الكواكب وإن الله لم يخلقهن إلا لامتطاء فاخر المركبات يشرفن منها على الصعاليك أمثاله إشرافه الكبر والخيلاء. والآن قد شاهد بعينيه إحدى العجائب بل المعجزات إذ تدلت إليه من ذلك الفلك الأعلى بعض تلك الكواكب وهبطت عليه من ذلك الملكوت الأسمى بعض تلك الملائكة فسلمتا عليه وكلمتاه وها هويرسم صورة إحداهما وقد دعتاه للغداء في قصرها الفاخر الارسطقراطي. لقد تملكه نوعا غريب من السرور وراح من فرط الطرب نشوان يترنح ولقد وكأن نفسه بأكلة شهية فوق العادة في ذلك اليوم وبجلسة في دار التمثيل ونزهة في مركبة لا داعي لها مطلقا.
وفي اليم التالي عادت السيدة الارسطوقراطية بابنتها فأجلسهما ثم نشر اللوحة بمهارة وشرع يرسم. وكان صحوالهواء وإشراق الجومما أعانه وساعده على إتقان عمله. فرأى في جلسته المليحة من عديد المحاسن ما لوأثبته في اللوحة لأكسب الصورة أنفس قيمة. ورأى أنه إذا نقل إلى اللوحة بغاية الدقة كلما عرضته الطبيعة على عينيه الآن من مظاهر الحسن والملاحة إذن لأخرج للناس ملحة بديعة وحسنة رائعة وآية ومعجزة عند ذلك وثب قلبه طربا إذ رأى أنه قد شرع يبرز على اللوحة من كامل المحاسن ما قد خفي على الأبصار
стр. 3429
ودق عن الأنظار. استحوذ العمل على جميع مشاعره ومداركه وجعل يبصر صورة الفتاة تتكون على اللوحة ويرى محاسن وجهها البديع وبشرتها الصافية الشفافة تنموتحت ريشته. ولم يفته أدنى لمحة أوظل مما اشتملت عليه صورة الفتاة حتى ولوصفرة خفيفة كانت تشوب بياضها ولا زرقة شفافة تحت الجفنين ولما هم أن يثبت على اللوحة خالا أسود كان على جبين الفتاة صاحت الأم قائلة (مهلا مهلا! لماذا ترسم هذا؟ لا حاجة بنا والله إلى ذلك. ثم خبرني عن هذه الصفرة ما أغراك بإظهارها في الصورة؟ وما هذه الزرقة تحت الجفن؟ وأي ثمرة فيها وما الفائدة منها؟
وهنا شرع المصور يبين للسيدة أن هذا تقتضيه أصول الصناعة وأن ما تستهجنه الآن من هذه الهنات الصفراء والزرقاء ستحمده فيما بعد عند كمال الرسم إذ تراه ضروريا لإظهار محاسن الصورة وأبراز ما تطوى عليه من معني الرقة والحلاوة ولكن السيدة عارضته وناقضته وكذبت أقواله. وقالت بئس والله ما حاولت أن تكدر به صفاء الصورة من هناتك الصفراء والزرقاء لقد شوهت حسنها وأذهبت رونقها. إن غرك ما رأيت اليوم على محيا ابنتي من آثار السهر والتعب فحسبت هذه الصفرة خلقة وما علمت أنه طارئ لا يلبث أن يزول فتنجاب سحابته عن أبهى لون وأصفى بشرة، ثم أمرته أن يسرع إلى محوما أثبتت يداه من تلك الجريمة.
فبدأ والحزن ملء قلبه أن يمحوذلك فسرت السيدة بذلك واستمر شارتكوف في التصوير على الطريقة المتبعة العادية الخالية من روعة الإبداع والإتقان والتخيل والافتتان المجردة من كل أثر للحذق واللوزعية والبراعة والعبقرية. فسرت السيدة بذلك. بنقطة طول ما استغرقت من الزمن. فقالت له لقد بلغها سريع اليد وأنه ربما أكمل الصورة في جلستين فكيف أنفق فيها كل هذا الوقت. ولم ينتهي منها بعد فوجم الفتى حائرا لا يدري كيف يجيبها على هذا الاعتراض ثم نهضت السيدتان وهمتا بالانصراف وألقى المصور فرشته جانبا وشيعهما إلى الباب ولبث بعد ذهابهما كئيبا مغتما ينظر إلى الصورة بمقلة ملؤها الأسف برهة طويلة.
نقول أدمن المصور كرة الطرف إلى تلك الصورة ثم تمثل لعين خياله ما كان أثبته أولا في الصورة ثم محاه من تلك الملامح الجميلة والمخايل الأنيقة والشمائل الرقيقة والمعاني
стр. 3430
الدقيقة وتلك الألوان اللطيفة والظلال الخفيفة. ولما أن شغلت ذهنه واستغرقت لبه هذه الخيالات نحى الصورة جانبا وأحضر مكانها صورة ثرية تمثل الآلهة سايكي وكان قد رسمها من قبل رسما تحضيريا أوليا. وكانت صورة وجه مليح حسن التلوين ذي ملامح منتظمة دقيقة ولكنها باردة لم تستضيء بنور الحياة. فشرع الفتى يكسو ذلك الوجه بهجة الحياة ويبعث في صفحتيه شعاع رونقها بإعارته إياه ما كان يموج في ذهنه من أشباح تلك البدائع والمحاسن والروائع والمحاسن والملاحات التي كانت أخذتها عينه من وجه الفتاة الارسطوقراطية وجمعتها ألحاظه من حديقة جمالها الناضر. وخميلة حسنها الزاهر. فلم يبقى من تلك الملامح والمخايل والمعاني والشمايل والألوان والظلال إلا ما أخذ يظهر في تلك الصورة الجديدة (صورة سايكي الأثرية) في أبهى منظر وأجمل مظهر.
كذلك دبت الروح في (سايكي) فبدأت تحيى. وأخذت أفكار المصور تتقمص صورة ظاهرة. وانتقل وجه الفتاة الأرسطوقراطية إلى (سايكي) وبقي في الصورة مع ذلك الآلهة مما جعل للصورة معنى فذا وفتنة خاصة. وانهمك شارتكوف في عمله ولبث أياما عدة مستغرق الجهد في إتقانه فلما عادت السيدتان إليه فاجأتاه عاكفاً عليه منهمكا فيه فلم يتمكن من إزاحة الصورة وإخفائها. ولما أبصرتا الصورة هللتا وكبرتا وصاحتا دهشة وعجبا. وصفقتا بأيديهن إعجابا وطربا.
وقالت الأم (ليزة انظري! ما أقرب الشبه! يا للروعة ويا للجلال! لقد والله أحسنت إذ أبزتها في حالة يونانية! هذا والله غاية الإحسان والإبداع!) فحار المصور في أمره ولم يدر كيف يصحح خطأ السيدتين ويزيل غرورهما فقال وهومطرق الرأس خجلا (هذه يا سيدتي ليست صورة ابنتك بل صورة (سايكي) فقالت السيدة وقد فتنتها الصورة ابنتي قي هيئة (سايكي) حسن بديع والله آية في الإجادة والإتقان!)
ثم تهلل وجهها وأشرق وجه الفتاة أيضاً وأشرق
واسترسلت الأم قائلة (لا تنكري يا ليزة أن هيئة (سايكي) أحب الهيئات إليك أن ترسمي فيها وحلية (سايكي) أحب الحليات إليك أن تظهر صورتك يها ما أصوب هذا الرأي وما أصح هذه الفكرة! ثم ما أبدع الرسم وما أروعه! ولكإنه والله من ريشة (كوريجيو) ذاته. وما شأنه عندي أنه ليس من صنعة (تيتان) أو (فانديك) فأنا وإن كنت قرأت عنك في
стр. 3431
الصحف وسمعت بك في المحافل لم أك أحسب أنك قد بلغت في الفن هذه الغاية ولن أدعك والله حتى تصورني أيضا).
والظاهر أن الشيخة العجوز مالت إلى أن ترسم أيضاً في هيئة (سايكي) أوشبه ذلك).
فقال المصور في نفسه (ماذا أصنع معهما؟ إذا كانتا تأبيان إلا تأويل الصورة على هذا المعنى وقد أصرتا على ذلك إصرارا فلأجعلن الأمر كما تساءان) ثم قال بصوت مسموع (تفضلي بالجلوس يا سيدتي الصغيرة كيما أصلح من الرسم ههنا وههنا).
قالت السيدة (ويحي! إني أخشى أن تصنع الآن كما صنعت من قبل. حذار من تحسيناتك وتهذيباتك!).
ولكن المصور أدرك أن السيدة تشير إلى مسألة الصفرة فطمأن قلبها من هذه الناحية وأكد لها أن كل ما يريده هومضاعفة ما في العينين من بريق ولألاء ومن فتنة وحلاوة، والحقيقة أن الفتى كان خجلاً مما قد أضطر إليه من الاعتراف بأن صورة (سايكي) هي صورة الفتاة فأراد أن يقرب الشبه بينها وبين الفتة قدر الإمكان لئلا يتهمه أحد بالتملق المجرد من الخجل المملوء بالوقاحة وقلة الحياء.
فأعمل ريشته في اللوحة وبعد برهة بدأت ملامح الفتاة المصغرة تزداد وضوحاً في الصورة.
وصاحت الأم وقد دب الرعب إلى فؤادها وخشيت أن يشتد الشبه جداً (حسبك وكفى!) فأمسك المصور مضطراً. وأخذت الأم الصورة. وأجزلت له الجزاء فأوسعته جنيهات وابتسامات وضحكات ومصافحات وتقريضات وتملقات وهلم جرا.
أحدثت الصورة ضجة في المدينة. وجعلت السيدة تعرضها على معارفها وجاراتها وزوارها فكان الجميع يفتنون بها ويعجبون بقدرة المصور الذي مع احتفاظه بالشبه ضاعف جمال الأصل. وهذه الملاحظة الأخيرة كانت مدفوعة بباعث من الحسد.
وتكاثرت عقب ذلك الأشغال على شارتكوف وتراكمت وازدحمت. وكأن أهل المدينة كلهم قد أحبوا أن يرسمهم هذا المصور النابغة فكان لا يغبه الزائرون ولا يبرحون يقرعون بابه. وبما عد هذا نافعا من بعض الوجوه إذ كان يمنحه فرصة الإطلاع على عدد جم من وجوه شتى. ولكنهم كانوا جميعا - ويا للأسف - أناسا صعاب المراس إذ لم يعدوأن كانوا إما
стр. 3432
رجلا مشغولا مستعجلا أوسيدا أرسطوقراطيا من أهل اللهووالترف والبطالة وهذا أكثر الناس شغلا وأشدهم عجلا وأقلهم لذلك صبرا. فكان الجميع بلسان واحد يطلبون أن تكون الصورة جيدة سريعة الإنجاز فرأي شارتكوف أنه من المستحيل عليه إنجاز أعماله وأنه لا بد من الاعتياض عن الإجادة والإتقان والإبداع والإحسان بالخفة والعجلة وذلك بأخذ الملامح الإجمالية وقلة بذل العناية وإضاعة المجهودات في التفاصيل الجزئية والدقائق الفنية.
أضف إلى ذلك ما ضايقه وأعياه من كثرت مطالب الزبائن ومختلف شروطهم فأما السيدات فكنا يحتمن عليه أن يتجلى الذكاء والفضيلة في صورهن. وأن تمحى كل الحروف والزوايا فتجعل مواضعها مستديرة، وأن تسوى الغضون وتملس الخشونات بل تزال البتة، وخلاصة القول أن تجعل وجوههن من فرط الجمال والحسن بحيث يبهت لها كل راء عجبا. ويستهام بها كل ناظر حبا. وكن إذا جلسن أمامه للتصوير تكلفن من النظرات وتصنعن من الهيئات وكسون وجوههن من غرائب المعاني وأعاجيب الآيات ما ملأه دهشة وعجبا. فواحدة تتكلف إظهار الحزن والكآبة وأخرى تتصنع إبداء الإطراق والتفكير وثالثة تحاول تصغير فمها مهما كلفها ذلك فهي تبالغ في ضمه وجمعه حتى يبدوأخيرا في حجم رأس الدبوس. وهن بالرغم من ذلك يكلفنه الاحتفاظ بالشبه والتزام سنن الطبيعية. ولم يكن الرجال أحسن خطة من النساء ولا أفضل سيرة. إذ كان أحدهم يطلب أن يعار وجهه جلال القياصرة. وشمم الجبابرة. وآخر يريد أن تعار عينيه نظرة الفلاسفة أولحظة الأساقفة. واقترح عليه مرة ضابط من فرقة الحرس الملوكي أن يجعل عينيه في الصورة أريكة لإله الحرب (المريخ) أوعرينة لأسد الوغى (أخيل) وجاء مرة قاض بالمحاكم فسأله أن يرقم آية العدل على جبينه وأن يضع يده في الصورة فوق كتاب مكتوب على غلافه بالقلم العريض (العدل أساس الملك).
هذه الطلبات العاجلة والاشتراطات الصعبة كانت في أول الأمر تربك المصور وتلقيه في أضيق ورطة وحيرة ولكنه بعد شيء من الدربة والمران عرف كيف يعالجها ويحتال لها حتى صار لا يحفل بها ولا يعبأ. فإذا التقى برجل من عشاق الشهرة الحربية لم يكن أسهل عليه من أن يشعل في عينيه بركانا. ويصبغ شفتيه دما أرجوانا. وإذا عبر بامرئ من
стр. 3433
عشاق العبقرية الشعرية. لم يتردد في أن يكسوأعطافه شمائل بيرونية وإذا صادف من السيدات من يطمحن إلى مشابهة نموذجات الحسن (اسبازيا) و (كورين) و (أندين) أجابهن إلى ذلك على الفور فلقى في الصورة من خزانة خياله مقدارا وافرا من الملاحات مم لا بأس فيه ولا ضير منه ويغتفر من أجله ما قد يقترفه من إفساد الشبه.
وكذلك أصبح شارتكوف مصور (الطبقات العليا) منغمسا في حومة النعيم والترف. يحضر الولائم والمآدب ويتأنق في اللباس وينادي علنا بأن المصور لا تنبغي له حياة العزلة والخلوة بل يجب عليه أن يخالط الطبقة الأرسطوقراطية احتفاظا بكرامة حرفته فليس له أن يحط من شأن الصناعة بالحط من شأن نفسه كأن يظهر أمام الناس في الهيئة البذة والثياب الرثة أويكون خشن الجانب وعر الناحية فضا غليظ الطبع.
هذا ولقد حف منزله بمظاهر الأبهة والفخامة فاتخذ الغلمان والحجاب واتخذ تلاميذ من أبناء علية القوم وجعل يغير ثيابه ويبدل زيه عشر مرات في اليوم ويكوي ضفائره ويلوي غدائره ويجمل شخصه بكل صنوف الحلي والزينة ليعجب النساء ويبهرهن. وخلاصة القول أنه قد أصبح من المستحيل على كل إنسان أن يتبين فيه ذلك المصور المتواضع الخشوع الذي كان يعمل ويكد خاملا مغمورا في حجرته الحقيرة بشارع (أوستروف).
والآن أصبح ينتقد الفن وأهله ويصدر أحكامه عليهم فكان يصرح أن الأساتذة الأقدمين كانت حظوظهم أكثر من أقداركم. وأنهم نالوا من الشهرة فوق قيمتهم وأخطارهم. وأن رفائيل نفسه لم يجد التلوين في جميع صوره. وأن تصاويره لم تنل شهرتها العظيمة إلا من طريق النقل والرواية وأن ميخائيل أنجلوكان نفاجا فخورا إذ كان خلوا من الرقة والحلاوة. وأن من أراد البهجة والرونق ودقة الشكل والتلوين فليطلبها في تصاوير العصريين أهل الجبل الحاضر. وفي هذا أشارة وتلميح بالبداهة إلى نفسه. وكان يقول أيضاً في موضوع السرعة - التي أصبح هومن طليعة المبرزين فيها - ما أكثر عجبي من المصور الذي يكد نفسه ويجهدها ويحملها في التصوير عنتا ونصبا وينفق الجم الكثير من مجهوده وزمنه.
مثل هذا وربك لا يكون إلا دعيا ضعيفا. عاجزا متخلفة سخيفا. وما هومن الفن في شيء ولا أراه قد أوتي أدنى شيء من العبقرية. وأين هوـ لادردره من العبقرية. تلك والله حليفة السرعة قرينة الجرأة والعجلة. العبقرية تتدفق تدفقا وتندفع اندفاعا. هاك صورة من صنعي
стр. 3434
أكملتها في يومين وهذا لوجه أتممته في بضع ساعات وهذا في ساعة أونحوها. وليس الفن في مذهبي إضافة نقطة إلى نقطة وجمع خط إلى خط. ليس هذا بفن المصورين ولكنها (مهنة المبيضين والنقاشين) على هذا النحوكان يخطب في زواره ووافدوا داره. وكان هؤلاء يعجبون بسرعة يده وجرأتها ويصيحون (يا للحذق ويا للبراعة؟ هكذا هكذا النبوغ هكذا فلتكن العبقرية! انظروا كيف يتحدث؟ انظروا كيف من فمه تفيض الحكمة وكيف في عينه يتألق بريق الذكاء والألمعية. حقا إنا لنبصر في وجهه معنى غريبا خارقا).
لقد سر المصور أن يسمع عن نفسه أمثال هذا الكلم. وكان إذا نشرت الجرائد عنه تقريظا أبدى فرحة الصغار. بالطبل والمزمار. وإن كان هونفسه الذي اشترى ذلك التقريظ بالدرهم والدينار. وكان يقص من أوراق تلك الجرائد القطعة المسطرة بتقاريظه فيحملها في جيبه أينما حل وارتحل فيحتال لعرضها على أبصار خلاته وأخدانه كما لوكان ذلك قد جاء صدفة واتفاقا.
وازدادت شهرة شارتكوف وتكاثرت عليه الطلبات والأعمال فاشتد ملله من تشابهها وتمثله وكان قد كاد يحفظ أشكالها عن ظهر قلبه. فكان يرسم الآن زبائنه بلا أدنى جهد ولا مشقة فيضع على اللوحة الخطوط والتعاريج الأولية ويلقي بها إلى تلاميذه ليكملوها. وكان ما يعرض عليه الآن من وجوه موظفي الحكومة والضباط ورجال السياسة ليس فيها مجالا فسيحا لريشته فنالها الوهن والعجز وكلال الحد وفقدت الحذق والمهارة والبراعة وأصبحت عاجزة عن تصوير الأشكال الرائعة وإبراز العواطف الشديدة والشهوات العنيفة وكذلك فقد لذة تصوير المناظر التمثيلية وعلاقاتها الفنية الرائعة. ولم يبق أمامه سوى الملابس الرسمية والأزياء العسكرية التي تنطفئ إزاءها جذوة الفن في صدر المصور وتبريد حرارته ويفر الخيال منها فرارا. وكذلك انعدمت منها كل مزية فنية من صوره حتى مزاياه الخاصة الشخصية وإن بقي لتلك الصور رواجها وشهرتها لدى أهل المدينة جميعا اللهم ما عدا ذوي الخبرة والدراية فهؤلاء كانوا إذا عرضت عليهم أحدث مصنوعات شارتكوف هزوا أكتافهم تسخطا واشمئزازا أما من كان قد عرف المصور في عهد صباه فهذا كان يحار في أمره ويعجب
أين ذهبت تلك العبقرية التي كانت تبدوشواهدها وتظهر مخايلها في عنفوان شبابه وأول
стр. 3435
أمره وكيف يتفق أن يطفأ لهيب العبقرية في الرجل عندما يبلغ أشده وتستتم فحولته.
ولكن شارتكوف السادر في غوايته، الممعن في ضلالته الثمل من خمرة زهوه وخيلائه المخال في بردة كبره وغلوائه كان في غفلة عن الحق الأبلج الصراح أصم عن كل عايب وقداح فبلغ في غروره سن الكهولة والحكمة والنهي والوقار وأصبح شديد الكدنة حاظي البضع شحيما لحيما، وكان لا يزال يقرأ في الجرائد نابغتنا العظيم أندريه شارتكوف فخر بلادنا وبديع زماننا أندريه شارتكوف وأصبح يعرض عليه المناصب العالية في جامعات الحكومة وتندل عليه الدعوات لرئاسة الامتحانات واللجان وأخذ في هذا الدور ينادي بعكس آرائه الأولى في قدماء المصورين فبدل أن كان يمتقص منهم جعل الآن يزكيهم ويقرظهم لا عن تمام اقتناع وعقيدة بل ليحط بذلك من أقدار الناشئين من مصوري العصر ويغض من أبصارهم ويكسر من شوكاتهم امتقاصا منهم وازدراء بهم.
وأخيرا دنت حياته من السن التي يضمحل فيها كل بواعث الهمة والمضاء والحدة والتي فيها يضعف سلطان الحسن على الفؤاد فلا تشمل فتنه حميا الشباب ضراما ولا يؤجج سحره فتوة الصبا صبوة وغراما. والتي تصبح فيه بقايا الشهوات الخامدة لا تتأثر بشيء ولا تتحرك لشيء سوى موسيقى الذهب الرنان ورخيم جرسه الفتان. ولما كانت الشهرة لا يمكن أن تكون مصدر لذة وسرور الذي نغتصبها اغتصابا ويستلبها استلابا بلا حق ولا جدارة لذلك اتجهت عواطف الرجل وأمياله إلى المال فأصبح الذهب بغيته وشهوته وأمنيته ومقصوده ومعبوده ومصدر آماله وآلامه وأفراحه وأتراحه فتكاثرت بدرات النقود وصرر البنكنوت في خزائنه، وأصبح كجميع من يبتليهم الله بتلك النعمة الفظيعة مجردا من كل إحساس وعاطفة إلا حب الذهب ولكن في هذه النقطة من تاريخه وسيرته حدث حادث كدر صفاء عيشته وقلب نظام حياته.
في ذات يوم وجد شارتكوف على مائدة رقعة من (المجمع التصويري) يسأله فيها المجمع باعتباره عضوا فاضلا من أعضائه أن يحضر ليبدي رأيه بشأن صورة أرسلها من إيطالية مصور روسي يقطن تلك البلاد إتقانا للفن واستيفاء لقواعده وأصوله. وهذا المصور قد كان أحد زملاء شارتكوف في عهد الحداثة والصبا ومازال مولعا بالفن منذ نعومة أظفاره وقد انقطع إليه طول عمره ووهب في سبيله النفس والنفيس واحتمل من أجله هجرة الأوطان.
следующие страницы →