← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

الصحف وسمعت بك في المحافل لم أك أحسب أنك قد بلغت في الفن هذه الغاية ولن أدعك والله حتى تصورني أيضا). والظاهر أن الشيخة العجوز مالت إلى أن ترسم أيضاً في هيئة (سايكي) أوشبه ذلك). فقال المصور في نفسه (ماذا أصنع معهما؟ إذا كانتا تأبيان إلا تأويل الصورة على هذا المعنى وقد أصرتا على ذلك إصرارا فلأجعلن الأمر كما تساءان) ثم قال بصوت مسموع (تفضلي بالجلوس يا سيدتي الصغيرة كيما أصلح من الرسم ههنا وههنا). قالت السيدة (ويحي! إني أخشى أن تصنع الآن كما صنعت من قبل. حذار من تحسيناتك وتهذيباتك!). ولكن المصور أدرك أن السيدة تشير إلى مسألة الصفرة فطمأن قلبها من هذه الناحية وأكد لها أن كل ما يريده هومضاعفة ما في العينين من بريق ولألاء ومن فتنة وحلاوة، والحقيقة أن الفتى كان خجلاً مما قد أضطر إليه من الاعتراف بأن صورة (سايكي) هي صورة الفتاة فأراد أن يقرب الشبه بينها وبين الفتة قدر الإمكان لئلا يتهمه أحد بالتملق المجرد من الخجل المملوء بالوقاحة وقلة الحياء. فأعمل ريشته في اللوحة وبعد برهة بدأت ملامح الفتاة المصغرة تزداد وضوحاً في الصورة. وصاحت الأم وقد دب الرعب إلى فؤادها وخشيت أن يشتد الشبه جداً (حسبك وكفى!) فأمسك المصور مضطراً. وأخذت الأم الصورة. وأجزلت له الجزاء فأوسعته جنيهات وابتسامات وضحكات ومصافحات وتقريضات وتملقات وهلم جرا. أحدثت الصورة ضجة في المدينة. وجعلت السيدة تعرضها على معارفها وجاراتها وزوارها فكان الجميع يفتنون بها ويعجبون بقدرة المصور الذي مع احتفاظه بالشبه ضاعف جمال الأصل. وهذه الملاحظة الأخيرة كانت مدفوعة بباعث من الحسد. وتكاثرت عقب ذلك الأشغال على شارتكوف وتراكمت وازدحمت. وكأن أهل المدينة كلهم قد أحبوا أن يرسمهم هذا المصور النابغة فكان لا يغبه الزائرون ولا يبرحون يقرعون بابه. وبما عد هذا نافعا من بعض الوجوه إذ كان يمنحه فرصة الإطلاع على عدد جم من وجوه شتى. ولكنهم كانوا جميعا - ويا للأسف - أناسا صعاب المراس إذ لم يعدوأن كانوا إما

стр. 3432

رجلا مشغولا مستعجلا أوسيدا أرسطوقراطيا من أهل اللهووالترف والبطالة وهذا أكثر الناس شغلا وأشدهم عجلا وأقلهم لذلك صبرا. فكان الجميع بلسان واحد يطلبون أن تكون الصورة جيدة سريعة الإنجاز فرأي شارتكوف أنه من المستحيل عليه إنجاز أعماله وأنه لا بد من الاعتياض عن الإجادة والإتقان والإبداع والإحسان بالخفة والعجلة وذلك بأخذ الملامح الإجمالية وقلة بذل العناية وإضاعة المجهودات في التفاصيل الجزئية والدقائق الفنية. أضف إلى ذلك ما ضايقه وأعياه من كثرت مطالب الزبائن ومختلف شروطهم فأما السيدات فكنا يحتمن عليه أن يتجلى الذكاء والفضيلة في صورهن. وأن تمحى كل الحروف والزوايا فتجعل مواضعها مستديرة، وأن تسوى الغضون وتملس الخشونات بل تزال البتة، وخلاصة القول أن تجعل وجوههن من فرط الجمال والحسن بحيث يبهت لها كل راء عجبا. ويستهام بها كل ناظر حبا. وكن إذا جلسن أمامه للتصوير تكلفن من النظرات وتصنعن من الهيئات وكسون وجوههن من غرائب المعاني وأعاجيب الآيات ما ملأه دهشة وعجبا. فواحدة تتكلف إظهار الحزن والكآبة وأخرى تتصنع إبداء الإطراق والتفكير وثالثة تحاول تصغير فمها مهما كلفها ذلك فهي تبالغ في ضمه وجمعه حتى يبدوأخيرا في حجم رأس الدبوس. وهن بالرغم من ذلك يكلفنه الاحتفاظ بالشبه والتزام سنن الطبيعية. ولم يكن الرجال أحسن خطة من النساء ولا أفضل سيرة. إذ كان أحدهم يطلب أن يعار وجهه جلال القياصرة. وشمم الجبابرة. وآخر يريد أن تعار عينيه نظرة الفلاسفة أولحظة الأساقفة. واقترح عليه مرة ضابط من فرقة الحرس الملوكي أن يجعل عينيه في الصورة أريكة لإله الحرب (المريخ) أوعرينة لأسد الوغى (أخيل) وجاء مرة قاض بالمحاكم فسأله أن يرقم آية العدل على جبينه وأن يضع يده في الصورة فوق كتاب مكتوب على غلافه بالقلم العريض (العدل أساس الملك). هذه الطلبات العاجلة والاشتراطات الصعبة كانت في أول الأمر تربك المصور وتلقيه في أضيق ورطة وحيرة ولكنه بعد شيء من الدربة والمران عرف كيف يعالجها ويحتال لها حتى صار لا يحفل بها ولا يعبأ. فإذا التقى برجل من عشاق الشهرة الحربية لم يكن أسهل عليه من أن يشعل في عينيه بركانا. ويصبغ شفتيه دما أرجوانا. وإذا عبر بامرئ من

стр. 3433

عشاق العبقرية الشعرية. لم يتردد في أن يكسوأعطافه شمائل بيرونية وإذا صادف من السيدات من يطمحن إلى مشابهة نموذجات الحسن (اسبازيا) و (كورين) و (أندين) أجابهن إلى ذلك على الفور فلقى في الصورة من خزانة خياله مقدارا وافرا من الملاحات مم لا بأس فيه ولا ضير منه ويغتفر من أجله ما قد يقترفه من إفساد الشبه. وكذلك أصبح شارتكوف مصور (الطبقات العليا) منغمسا في حومة النعيم والترف. يحضر الولائم والمآدب ويتأنق في اللباس وينادي علنا بأن المصور لا تنبغي له حياة العزلة والخلوة بل يجب عليه أن يخالط الطبقة الأرسطوقراطية احتفاظا بكرامة حرفته فليس له أن يحط من شأن الصناعة بالحط من شأن نفسه كأن يظهر أمام الناس في الهيئة البذة والثياب الرثة أويكون خشن الجانب وعر الناحية فضا غليظ الطبع. هذا ولقد حف منزله بمظاهر الأبهة والفخامة فاتخذ الغلمان والحجاب واتخذ تلاميذ من أبناء علية القوم وجعل يغير ثيابه ويبدل زيه عشر مرات في اليوم ويكوي ضفائره ويلوي غدائره ويجمل شخصه بكل صنوف الحلي والزينة ليعجب النساء ويبهرهن. وخلاصة القول أنه قد أصبح من المستحيل على كل إنسان أن يتبين فيه ذلك المصور المتواضع الخشوع الذي كان يعمل ويكد خاملا مغمورا في حجرته الحقيرة بشارع (أوستروف). والآن أصبح ينتقد الفن وأهله ويصدر أحكامه عليهم فكان يصرح أن الأساتذة الأقدمين كانت حظوظهم أكثر من أقداركم. وأنهم نالوا من الشهرة فوق قيمتهم وأخطارهم. وأن رفائيل نفسه لم يجد التلوين في جميع صوره. وأن تصاويره لم تنل شهرتها العظيمة إلا من طريق النقل والرواية وأن ميخائيل أنجلوكان نفاجا فخورا إذ كان خلوا من الرقة والحلاوة. وأن من أراد البهجة والرونق ودقة الشكل والتلوين فليطلبها في تصاوير العصريين أهل الجبل الحاضر. وفي هذا أشارة وتلميح بالبداهة إلى نفسه. وكان يقول أيضاً في موضوع السرعة - التي أصبح هومن طليعة المبرزين فيها - ما أكثر عجبي من المصور الذي يكد نفسه ويجهدها ويحملها في التصوير عنتا ونصبا وينفق الجم الكثير من مجهوده وزمنه. مثل هذا وربك لا يكون إلا دعيا ضعيفا. عاجزا متخلفة سخيفا. وما هومن الفن في شيء ولا أراه قد أوتي أدنى شيء من العبقرية. وأين هوـ لادردره من العبقرية. تلك والله حليفة السرعة قرينة الجرأة والعجلة. العبقرية تتدفق تدفقا وتندفع اندفاعا. هاك صورة من صنعي

стр. 3434

أكملتها في يومين وهذا لوجه أتممته في بضع ساعات وهذا في ساعة أونحوها. وليس الفن في مذهبي إضافة نقطة إلى نقطة وجمع خط إلى خط. ليس هذا بفن المصورين ولكنها (مهنة المبيضين والنقاشين) على هذا النحوكان يخطب في زواره ووافدوا داره. وكان هؤلاء يعجبون بسرعة يده وجرأتها ويصيحون (يا للحذق ويا للبراعة؟ هكذا هكذا النبوغ هكذا فلتكن العبقرية! انظروا كيف يتحدث؟ انظروا كيف من فمه تفيض الحكمة وكيف في عينه يتألق بريق الذكاء والألمعية. حقا إنا لنبصر في وجهه معنى غريبا خارقا). لقد سر المصور أن يسمع عن نفسه أمثال هذا الكلم. وكان إذا نشرت الجرائد عنه تقريظا أبدى فرحة الصغار. بالطبل والمزمار. وإن كان هونفسه الذي اشترى ذلك التقريظ بالدرهم والدينار. وكان يقص من أوراق تلك الجرائد القطعة المسطرة بتقاريظه فيحملها في جيبه أينما حل وارتحل فيحتال لعرضها على أبصار خلاته وأخدانه كما لوكان ذلك قد جاء صدفة واتفاقا. وازدادت شهرة شارتكوف وتكاثرت عليه الطلبات والأعمال فاشتد ملله من تشابهها وتمثله وكان قد كاد يحفظ أشكالها عن ظهر قلبه. فكان يرسم الآن زبائنه بلا أدنى جهد ولا مشقة فيضع على اللوحة الخطوط والتعاريج الأولية ويلقي بها إلى تلاميذه ليكملوها. وكان ما يعرض عليه الآن من وجوه موظفي الحكومة والضباط ورجال السياسة ليس فيها مجالا فسيحا لريشته فنالها الوهن والعجز وكلال الحد وفقدت الحذق والمهارة والبراعة وأصبحت عاجزة عن تصوير الأشكال الرائعة وإبراز العواطف الشديدة والشهوات العنيفة وكذلك فقد لذة تصوير المناظر التمثيلية وعلاقاتها الفنية الرائعة. ولم يبق أمامه سوى الملابس الرسمية والأزياء العسكرية التي تنطفئ إزاءها جذوة الفن في صدر المصور وتبريد حرارته ويفر الخيال منها فرارا. وكذلك انعدمت منها كل مزية فنية من صوره حتى مزاياه الخاصة الشخصية وإن بقي لتلك الصور رواجها وشهرتها لدى أهل المدينة جميعا اللهم ما عدا ذوي الخبرة والدراية فهؤلاء كانوا إذا عرضت عليهم أحدث مصنوعات شارتكوف هزوا أكتافهم تسخطا واشمئزازا أما من كان قد عرف المصور في عهد صباه فهذا كان يحار في أمره ويعجب أين ذهبت تلك العبقرية التي كانت تبدوشواهدها وتظهر مخايلها في عنفوان شبابه وأول

стр. 3435

أمره وكيف يتفق أن يطفأ لهيب العبقرية في الرجل عندما يبلغ أشده وتستتم فحولته. ولكن شارتكوف السادر في غوايته، الممعن في ضلالته الثمل من خمرة زهوه وخيلائه المخال في بردة كبره وغلوائه كان في غفلة عن الحق الأبلج الصراح أصم عن كل عايب وقداح فبلغ في غروره سن الكهولة والحكمة والنهي والوقار وأصبح شديد الكدنة حاظي البضع شحيما لحيما، وكان لا يزال يقرأ في الجرائد نابغتنا العظيم أندريه شارتكوف فخر بلادنا وبديع زماننا أندريه شارتكوف وأصبح يعرض عليه المناصب العالية في جامعات الحكومة وتندل عليه الدعوات لرئاسة الامتحانات واللجان وأخذ في هذا الدور ينادي بعكس آرائه الأولى في قدماء المصورين فبدل أن كان يمتقص منهم جعل الآن يزكيهم ويقرظهم لا عن تمام اقتناع وعقيدة بل ليحط بذلك من أقدار الناشئين من مصوري العصر ويغض من أبصارهم ويكسر من شوكاتهم امتقاصا منهم وازدراء بهم. وأخيرا دنت حياته من السن التي يضمحل فيها كل بواعث الهمة والمضاء والحدة والتي فيها يضعف سلطان الحسن على الفؤاد فلا تشمل فتنه حميا الشباب ضراما ولا يؤجج سحره فتوة الصبا صبوة وغراما. والتي تصبح فيه بقايا الشهوات الخامدة لا تتأثر بشيء ولا تتحرك لشيء سوى موسيقى الذهب الرنان ورخيم جرسه الفتان. ولما كانت الشهرة لا يمكن أن تكون مصدر لذة وسرور الذي نغتصبها اغتصابا ويستلبها استلابا بلا حق ولا جدارة لذلك اتجهت عواطف الرجل وأمياله إلى المال فأصبح الذهب بغيته وشهوته وأمنيته ومقصوده ومعبوده ومصدر آماله وآلامه وأفراحه وأتراحه فتكاثرت بدرات النقود وصرر البنكنوت في خزائنه، وأصبح كجميع من يبتليهم الله بتلك النعمة الفظيعة مجردا من كل إحساس وعاطفة إلا حب الذهب ولكن في هذه النقطة من تاريخه وسيرته حدث حادث كدر صفاء عيشته وقلب نظام حياته. في ذات يوم وجد شارتكوف على مائدة رقعة من (المجمع التصويري) يسأله فيها المجمع باعتباره عضوا فاضلا من أعضائه أن يحضر ليبدي رأيه بشأن صورة أرسلها من إيطالية مصور روسي يقطن تلك البلاد إتقانا للفن واستيفاء لقواعده وأصوله. وهذا المصور قد كان أحد زملاء شارتكوف في عهد الحداثة والصبا ومازال مولعا بالفن منذ نعومة أظفاره وقد انقطع إليه طول عمره ووهب في سبيله النفس والنفيس واحتمل من أجله هجرة الأوطان.

стр. 3436

وفرقة الأهل والإخوان وأسرع إلى مدينة روما - تلك التي يثب فؤاد عاشق الفن طربا لدى ذكر اسمها.

стр. 3437

العدد ٦٠ - بتاريخ: ١٥ - ٨ - ١٩٢١

стр. 3438

الحكومة كهادمة للأخلاق من مبحث للكاتب الألماني الدكتور ماكس نوردوا لخصه للبيان الكاتب علي أدهم مئات المرات جعلت الضجة التي يقيمها الألمان حول الألقاب والرتب مقصدا للهزأ والزراية. وإن ما صب عليا من السخرية في منثور القول ومنظومه ليملأ مكتبة بحذافيرها. والأمر مع ذلك لم يفرغ منه ولم تجف عيون البحث فيه بل أنه من بعض الوجوه لم يلمس ولم يتعرض له. من ذلك أنه لم يعلق مقدار كاف من الخطورة على ذلك الخطر الداهم الذي يتربص للترقي من جراء التغالي في قيمة الرتب والمناصب والنظر إليها كأمثلة عليا هي مرقى همة الفرد ومسمى آماله في حياته العامة والخاصة. اذهب إلى أي مجتمع في ألمانية وأدر الطرف فيما حولك تبصر مفتشين ومساعديهم ووكلاء ومستشارين من كل الطبقات والأوساط من الموظف الصغير المتواضع لله لا يزهوولا يتكبر. إلى الرئيس الكبير الموفور الجلال والهيبة. وعبثا تحاول أن تعثر بين هؤلاء برجل بريء من التصنع يرضى أن يقنع باسمه حتى إذا ذهبت حاملا مصباح دياجونيز على آخر طرز من المصابيح الكهربائية. فإذا قدم إليك رجل وذكر لك أن هذا مستشار كذا فإنك قمين أن تعرف من ذلك كل ما تريد معرفته عنه. ولست في حاجة إلى كد الذهن لتعرف شخصيته وإنك في غنى عن توسم وجهه وملاحظة اسمه لأن هذه كلها أشياء ثانوية تافهة وإنما مركز الأهمية هووظيفة الاستشارية فهذه هي التي تملي عليك التعريف التام للشخص ويمكنك أن تقف من لقبه على نفسيته وما تعلمه وما يحبه وما يجتويه وكيف وأين يقضي أيامه ولياليه وكيف يفكر في مختلف الموضوعات من مسألة التجارة الحرة إلى مسألة خلود النفس. وفي أحوال كثيرة يمكنك أن تعرف المرتب الذي يتقاضاه وإنه ليستولي عليك شعور فخم جليل من الثقة والتثبت في حضرة شخص ملقب كهذا إذ لا يوجد أستار تحجب عنك سره ولا غيمة من الشكوك تظل رأيك فيه فحقيقته سافرة للنظر لا تترك لك براحا للبحث والتظني. وإني لأعجب بعد ذلك من أنه لماذا يترك لهؤلاء السادة حملت الألقاب أسماء إن الاسم في تلك الحالة لا يزال يشعر النفس بشخصية رواءه بينما إن أكبر انتصار فاز به هؤلاء السادة

стр. 3439

الأمجاد هوفقدان الشخصية وفناؤها وإنما الرتبة والمركز واللقب في نظرهم هوالصميم الخالص والصريح والمهذب. والرجل والشخصية هما الملحق والحاجة الزائدة. ألا يحسن بتر الاسم كله والاكتفاء بالدلالة على كل حامل لقب بنمرة الصفحة والسطر في سجلات الحكومة أوفي قائمة الجيش التي تندرج فيها وإذا كان غير لائق ولا مناسب فدعنا نمنح كل حامل لقب اسما سهل الحفظ ويكون هذا السم وقفا على كل من يشغل منصبا خاصا ويقترن هذا الاسم في آن واحد باللقب وبذلك يصير الشخص مغموساً كل الانغماس في لجة اللقب والرتبة ولقد كان النبلاء في فرنسا في القرن الثامن عشر يعرفون كيف يعيشون كان عندهم اسم لكل خادم يطلق على كل شاب ينخرط في سلك خدمتهم فمثلا الخادم الخصوصي كان يسمى جينس (الشبوبية) وسائق المركبة كان يدعى (فيكتور) وكان كل خادم يتسلم اسمه والكسوة الخصوصية من سابقه ويسلمه لمن يجيء بعده. فكان السادة لا يتكلفون إتعاب الذاكرة في قاعة الخدم. ولقد كنا نستهين بذلك ونهمله لوأن هذا السرور الخالي من الحكمة الذي تستشعره هذه الفئة في ألقابها ومراكزها والتي تعطي كساويها شأنا أكبر من شأن شخصياتها كان مقصورا عليها ولكن هذا الشعور نفسه سائد في كل أطراف الأمة متحكم حتى في الأشخاص ألبعيدي الاتصال بالحاكم الألماني حتى في عاداته الخصوصية يجتهد في اكتساب بعض التقرب والزلفى من الحاكم ويسعى وراء نيل الأوسمة التي تدل على أنه من ذلك الفريق المنتخب ولا يثق بوجود نفسه إلا إذ تفضلت الحكومة فجادت عليه بلقب وبدون ذلك المميز لا يستطيع أن يشعر بنفسه كرجل كامل فكل عمل يزاوله هوفي اعتباره أس للقب والمصير الطبيعي لصدره هوأن يتقلد وساما وهكذا هؤلاء الذين ولدوا أحرارا مستقلين عوضا عن الاعتماد عن النفس والاعتداد بالشخصية يتنازلون عن استقلالهم ويضربون بحريتهم عرض الحائط ليشتروا باستقلالهم الكثير ثمنا من الرتب والنياشين؟. لما انتشر نظام الإقطاعيات كان على الرجال الأحرار أن يضعوا ممتلكاتهم تحت تصرف الأشراف وأن يستردوها منهم ثانية في شكل التزام كهبة وسخاء والآن يعيد ذلك نفسه بدون قسر ولا إرغام ولقد كانت شعوب الأزمنة السابقة الأبية لا تفعله إلا بعد مقاومة عنيفة. وتيمي تلك المرقاة - التي درجاتها أدوار الحياة الحكومية - في روسيا (بانتشين) وعلى كل

стр. 3440

روسي أن يقف على درجة من درجاتها إذا أراد أن يكون له شأن في الدنيا والتشين على أي حال لم يبقى نظاما خاصا بروسيا فقد تخطاها إلى غيرها. فقد نصبت تلك المرقاة في ألمانيا ورأى العالم إذ ذاك منظرا عجبا - رأى أرقى أمم الحضارة وأقوى شعب على سطح الغبراء يمضي حياته كضفدع الأشجار في تسلق جدي رزين لدرجة تلك المرقاة وأصبح نموالفرد لا من الداخل للخارج كما يحدث في الجسم العضوي الممتلئ بالحياة ولكن بإضافة خارجية كما في الأحجار الجامدة العديمة الحركة والحكومة هي التي تزيد بعض القراريط الجديدة للطول الطبيعي للفرد وهي لا تزيد هذا الطول من ناحية رفع المستوى الأخلاقي وإنما تزيده من ناحية اللقب بتمديده ومطه وكلما فقدت الشخصية صفة اكتسب اللقب نعتاً وكلما ازداد الطبع انتكاسا والفطرة تلويثا أخذت الأوسمة تزداد في الصدر تألقاً ولمعاناً. وويل لمن يحاول أن يستجر نفسه ويفر بها من تلك العبودية التي يقاد إليها بالرغبة فإن هذا يعتبر كالذئب بين الكلاب أولا اعتبار له على الإطلاق ويحكى في الخرافات عن عش عصفور من يحمله يصبح خافيا على الأنظار وتأثير اللقب يناقض تأثير هذا العش فإن الشخص لا يصير مرموقا بالأبصار إلا إذا حمل لقبا وما دام لا يحمله فهومهمل وخيال لا يحس به في المجتمع وفي حال كهذه ترى الرجل الذي لخضوعه لقانون النموالداخلي قد نما إلى فردية بارزة ينبغي أن تقدر وتوزن بمعيار خاص بها ولا تفهم أصوليتها ويدرك سر جمالها إلا وهي طليقة من تلك الزيادات الخارجية المصطنعة التي من شأنها طمس معالمها وتشويه منظرها - رجل كذلك يختفي وراء كومة تلك الألاعيب الكركوزية حملة الكساوي والرتب والنياشين والتي تشغل المناصب الكبرى في دور الحكومة. جاء في بعض النوادر أن طفلا قال أنه لم يعلم إن كان الأطفال الذين رآهم يستحمون صبية أوبناتاً لأن ملابسهم لم تكن عليهم وأرى أن المجتمعات تنظر بنظرة ذلك الطفل وتفكر تفكيره فهي لا تعرف الرجل إلا إذا ظهر لها في كسوته التامة مع الألقاب والرتب وهذه الفكرة ترغم كل إنسان له رغبة في أن يرتفع شأنه بين مواطنيه على أن يهجر طريقه الطبيعي للنموويلتحق بتلك الجماعة التي تزحف إلى الأمام بخطوات بليدة متوانية في ذلك الدرب الذي مهدته لها الحكومة وأحاطته بالحرس من شماله ويمينه وهذا يدخل في رأس الفرد أن حياته الأصلية التي منحتها له الطبيعة لا تعد شيء وإنه لكي ينال وجوده الحقيقي

стр. 3441

ينبغي له أن يولد مرة ثانية على يد الحكومة. أي تقهقر معيب محزن إلى مرحلة من مراحل التقدم قد جاوزتها البشرية من أزمان تصرمت وآماد بعيدة؟ أي تناقض لكل الأفكار الأساسية وكل القوات المؤثرة العاملة في أزماننا الحديثة؟. كلما كان المجموع العضوي أكثر حضارة وتمدينا كان أكثر أصولية وأعم اختلافا وتنوعا وأخذ الشعب بنصيب محدود من الفرد وكل المجتمعات خاضعة لهذا القانون وفي العصور القديمة والعصور الوسطى كان المجتمع ملتئما التئاما كليا راسخا وكان ينظر إلى الفرد كوحدة من ذلك الكل فلم يكن إذ ذاك مجال للفرد تمتد فيه شخصيته ليكون أصوليا بل كان لزاما عليه أن يصب نفسه في قوالب ذلك المجتمع ويصوغها على أوضاعه ومن لم تكن تضمه الجماعة إلى هيئتها كان يعد ضالا شاردا لا يتفيأ ظلال القانون وحمايته وهذه المرتبة من مراتب التقدم البشري تشبه الجذر الكثير السيقان قد نبتت فيه الأفراد المختلفة معا فهم ينمون نموا ناقصا في دائرة محدودة ولكن في الأيام الحديثة جاوزنا ذلك فليس ثمة من تكوين مرجاني وكل فرد منا له وجود قائم بنفسه وإن كان هناك أعمال متوقفة على التساند والتعاضد. ورابطة المسئولية التي تنظمنا كلنا في عقد واحد تترك لنا فسحة رحيبة من الاستقلال وهذه الفردية هي نتاج الأزمنة الحديثة وهي التي تضحي الآن برغبة من أخل إحياء ذلك الطراز القديم من الهيئة الاجتماعية التي يعد الفرد فيها خلية لا قيمة لها ولا تأثير. إن المعنى الفكري لكلمة حكومة يشملنا جميعا ولكن المعنى العملي لها يشمل الفريق الذي بيده مقاليد الحكم أوفئة قليلة مخصوصة أوفرد واحد فإذا أكبرنا اعتبار الحكومة وأحللناها فوق كل شيء فإن هذا معناه الرغبة في إرضاء فريق خاص أوفئة قليلة أوشخص واحد وطريق ذلك أن يهمل الإنسان أعمق دخائله وأصفى سرائره وأن يعدل ميوله ورغباته وينشأ من ذلك أن فريق المتهذبين يصبح أشبه بالنظام الجزويتي الذي قدم أعضاؤه العقل ذبيحة للتضحية وتنازلوا عن التفكير بأدمغتهم فإذا سئل أحدهم رأيه في مبحث ما فإنه لا يدري ما يقوله فورا بل لا معدل له عن العودة إلى استماع آراء غيره وكثيرون يتركون حقهم ويضعون كل أفكارهم وأعمالهم تحت وصاية استبدادية لا يلبثون أن يفقدوا الشعور

стр. 3442

بضغطها. وقد يعترض عليّ بأن الأمور لا تنتظم إلا بهذه الطريقة وأني ذهبت في موضع آخر إلى أن الجماهير عاجزة عن التفكير المبتكر المستقل وإن هذا إنما يأتي من الأقلية الشاذة وينتقل بطريق الإيحاء الطبيعي من الأقلية الصغيرة إلى الأكثرية الكبرى ولكنه يوجد فرق ضخم بين الأفراد أوالفئة التي تلج أفكارها إلى رؤوس الجماهير من طريق الإيحاء الطبيعي وبين ترسيخ الحكومة للأفكار في أذهان الشعب بكل إجبار وقسر إذ في الحالة الأولى لا ينجم أي إخلال بالقوة العضوية ولا يقع تحت تأثير العقل الأسمى إلا فريق من الناس لا يستطيعون إلى التفكير سبيلا ولا يملكون أداته بينما في الحالة الثانية تهن قوة العقول الكبيرة الجديرة بالابتكار وتشل قوتها. وللحكومة مصلحة في إدامة تلك الحالة ولذا فهي تبطل وتخمد كل معارضة من الرأي العام وتضع مملكة كبيرة واسعة تحت أقدام وزير وزملائه يصرف عنان الأمور كيف يشاء وتدخل على الشعب إن كل معارضة لساسة الحكومة تنافي أخلاق الشرف والنزاهة. وليس في تلك الحال مفسدة للأخلاق فحسب بل هي ضارة بالمستقبل ولقد قرأت فيما قرأت عن ميشيل انجيلوأنه بعد أن أمضى اثنين وعشرين شهرا في نقش سقف كنيسة سيستين اعتادت عيناه النظر إلى فوق حتى صار عاجزا عن النظر باستقامة أمامه أوإلى الشمال أوإلى اليمين كما يعمل الإنسان بلا مشقة بل كان يمسك بالكتابة التي يريد قرأتها ويرفعها فوق عينيه وهذا ما يصيب أولئك الذين ألفوا الحول إلى رؤوس الحكومات فهم يفقدون حرية النظر واستقلال الفكر ولا يستطيعون النظر بسهولة إلى الأخطار التي تحتشد عليهم من النواحي الجانبية والأطراف وهم لا يكترثون لبلادهم وليس غرضهم نفعها وإنما جل غرضهم ومطاف أملهم هوأن يتنازل أحد من بيدهم القوة من شاهق عليائه إلى مصافحتهم باليد أوأن يظفروا منه بابتسامة. ولقد يقولون فيما يهرفون به عن صلاح تلك الأحوال إنها مليئة بحصر قوة الشعب وضم منتشره وجمع متناثر قوته عند مواجهة الشدائد ولكن هذا مغالطة لأن قوة الهيئة المتجمعة تتوقف على قوة منة الأفراد ونشاطها وهي منفصلة فإذا كانت مدخولة واهية فإن أي مقدار من النظام والتوجيه لغرض واحد لا يخلق لها قوة وإنك لتستطيع أن تدرب ألف شاة وتلقنها

стр. 3443

النظام ولكن مهما حاولت فلن يصبح في وسعها الثبات أمام أسد واحد ولا في مقدورها أن توحي إليه بالخوف. وفي الأوقات التي يستتب فيها السلم لا يشعر الناس بخطر تلك الحالة ولا يعلمون بالهاوية التي ينساقون إليها وقد يكون من حسن الحظ أن يتاح لهم حاكم متين العقل مستنيره يجري وراء أمثلة عليا ويقوم بأعمال جسام وفي تلك الحال تسير الأمور في نظام ويفوز ذوالأمل والطموح المشرئب ويظهر للناس أن حصر السلطة في يد ذلك الحاكم مثمر عائد باليمن والإسعاد ولكن العبقريين لا يخلدون وليس كل عصر يتمخض عنهم وأعظم الأمم وأكملها لا يمكن أن تثق وتطمئن إلى أنه سيكون في كل حين على رأس حكومتهم أحد نوادر الفلك وغرائب الطبيعة وماذا يكون من الأمر إذا أزري بهم الحظ وأصبح مصيرهم مرتهنا بيد جماعة من أشباه العامة أو ذوي العقول الضيقة والأحلام الطائشة أوالأنانيين عباد المصالح الذاتية والمآرب المدخولة والمتسلفين المتدلين إلى هوة الفجور والرذيلة؟ سيبقى الشعب آخذا بزمام عاداته القديمة مرتسما لأمر الحكومة تاركا لها حق التفكير والرأي متخشعا لهيئة آرائها واثقا بها كأنها منزل الوحي ناظرا إلى فريق الحكام كأنهم شموس طلعت من مشرق الرئاسة وبدور منيرة التاحت في آفاق الوظائف فهيهات أن ترقى إليهم العيوب والنقائص وتقابل الحكومة ذلك بتقريب كل من شغفه حبها وملأ جأشه إجلالها فبات يصفق لها في كل عمل ويسبح بحمدها في كل وقت وهي تلجم فم كل من يستطيل عليها بالمعارضة ويقتحم على سدتها بالنقد وهكذا بين أعمال حكومة راضية عن نفسها فرحة بقوتها وبين طاعة عمياء متغابية من ناحية المكتهفين بركنها تطرق ليلا بدون ارتفاع أي صوت بالتحذير والإنذار أفدح النكبات وأسوأ الخطوب ويظهر إذ ذاك بوضوح الشر المستطير والبلاء المستفحل الناجم من الإفراط والمغالاة في عبادة الحكام ويكون الناس قد نسوا طريق التفكير في المصلحة العامة والتفتيش في أفهامهم وخوالجهم عن النافع لهم ولكثرة تفكيرهم في الحكومة يخلطون بينها وبين الوطن والأمة ويؤثرون العمل تحت إشراف الغير في تنظر المكافأة على أكبار النفس والقناعة بالإخلاص لها وترد منهم تلك الداهية الطارقة على قوم غير متأهبين ولا مسلحين وسيحل بالشعب البوار ما لم يكن في أعماقه عوامل صحيحة نقية لم تلحقها أرجاس الرتب والنياشين وهذه القوة هي سنلد

стр. 3444

الشعب في أشد ساعات الخطر وهي التي تصلح أخطاء حكومة حمقاء سخيفة وتعفي على ذنوب الفريق المنتخب المصفق لها. . .

стр. 3445

مساوئ العقاب في مصر (إن السجن لم ينشأ لعذاب المجرمين ولكن لإصلاح حالهم) كليمانس الحادي عشر تعرف العلم الحديث أسباب الإجرام وبحث العوامل التي تدعوإليه، وهي على الإجمال عاملان. فطري يرجع إلى مزاج المجرم وأعصابه وخلقه وتأثير الوراثة فيه وتكوين عقليته المختلة أوالصحيحة، وعامل آخر اجتماعي كالعامل الطبيعي في طقس البلاد وجوها وفي تأثير البيئة على الأخلاق وفي الحالة الاقتصادية والاجتماعية للبلد. ولا يزيد في مقالتنا هذه أن تبحث في كل هذه العوامل ونطبقها على مصر، فإن ذلك لم يكن من غرضنا عند كتابة المقال، ولكن اطراد الجرائم في السنوات الأخيرة دعانا إلى البحث عن العلة الحقيقية التي أوجبت ذلك وإرجاعها إلى مصادرها في مساوئ العقوبات الحالية وفساد أنظمة السجون مما لا يلائم الغرض المقصود من توقيع العقاب على المجرمين. وبعبارة أخرى نريد أن نعرف ونحن في القرن العشرين إلى أي حد بلغت بيننا تلك الكلمة الخالدة التي نطق بها البابا كليمانس الحادي عشر منذ ثلاثة قرون واتخذها عنوانا لمقالتنا. نريد أن نبحث في الأغراض التي يرمي إليها المجتمع من وضع العقاب ومعرفة خير الوسائل التي تلائم هذه الأغراض وترد الجرم إلى الإصلاح والهداية. ليس الغرض ان نقبض على الجناة ونعاقبهم، إنما نرومه لهو أعلى وأسمى من ذلك! إننا لا نريد أن تمتلئ السجون بالمجرمين وأن تقوم الحاجة إلى بناء سجن بعد سجن كما حدث في المنصورة أخيراً، ولكن نروم علاج الحالة الحاضرة وتلمس الدواء لهذا الداء الوبيل. مضى الزمن الذي كان المجتمع يثأر فيه من المجرمين لا لشيء سوى جرائمهم، ومضى الزمن الذي كانوا ينظرون فيه إلى المجرم كأنه جرثومة يجب أن تستأصل ووباء فتاك يجب أن يضرب حواليه الحصار، وأصبح ينظر إلى المجرم كأنه طفل صغير جدير بالشفقة والعناية. لقد عرف العلم الحديث أن أهل للرعاية والشفقة وأنه ليس إلا آلة تسيرها عوامل مختلفة نحوالإجرام. إن ظروفه هي التي تدفعه إلى ارتكاب الجرائم، إنها أعصابه ووراثته والمجتمع الذي نشأ فيه وليس تفكيره وإرادته. ومن قرأ رواية الجريمة والعقاب

стр. 3446

لكبير روائي الروس (دستوفسكي) أمكنه أن يرى شواهد ذلك. يقول الأستاذ بروكنر (إن ذلك الاندفاع الميكانيكي نحوالجريمة ليس إلا كالذي يقترب من آلة متحركة فيشتبك طرف ثيابه بعجلاتها فتجذبه إليها وتطحنه بين أسنانها). فلنباعد ما استطعنا بينه وبين تلك الآلة المشئومة! عرف العلم الحديث كل هذا وعرف أن المجرم مريض ينبغي أن يطبب بالعقاقير والأدوية وأن يعطف عليه كما يعطف على المرضى والمصابين، وأن يدخل المستشفيات بدل السجون، وأن تخدمه (أخوات الرحمة) بدل أن يقرعه صوت السجان ويساق سوق البهائم إلى العمل في الجبال والمناجم والسكك الحديدية ولكن للتشريع خشونة غلبت فضيلة العلم وأصبحت الشجون دوراً موبوءة تعدى السليم وتزيد الخبيث شراً، وتخرج إلينا في كل عام عدداً من المعتوهين واليائسين والمرضى. لم يجدوا في السجن رحمة فيئسوا ولم يلق إصلاحا فضلوا. إن نظرية السجون أصبحت ثابتة الخطأ في القرن العشرين ظاهرة العجز عن أن تداوي داء الإجرام في النفوس. إن العلم الحديث عرف أن شفاء المجرم ليس في سجنه في غرفة ضيقة وتكبيله بالسلاسل والقيود ولكن في تحريره من قيود نفسه المريضة وإطلاقه من سجن أعصابه المنهوكة. إننا نريد أن نطهر النفوس ونكبح من النزعات ولن نصل إلى ذلك مهما شددنا في قانون العقوبات واستنبطنا في السجن من أنواع العذاب. وقد أخطأ أحد قضاة الإنجليز إذ يقول (أن معتادي الإجرام يجب معاقبتهم بالسجن الطويل أوالأشغال الشاقة حرصاً على مصلحة الجمهور وليس من قبيل التشفي والانتقام وإن ذلك ضروري والعدل يقضي به). وهل هناك شيء أكثر تشفيا وانتقاما من القضاء على شخص بعزلة مؤبدة؟ وهل من مصلحة الجمهور أن يفقد أفراده على هذا الشكل؟ وهل هذا هوتطبيق العدل الذي وصل إليه العلم بتقريره أن اعتياد الإجرام ليس غريزة طبيعية في نفس المجرم ولكن نزعة مكتسبة كان للمجتمع يد في تكوينها لديه؟ وأخيرا أليس اعتياد الإجرام هوإخفاق المجتمع في إصلاح المجرم أول مرة؟ ألا أن فكرة الزجر بتشديد العقاب والصرامة في معاملة المسجونين ليس لها من أثر في منع الناس من ارتكاب الجرائم. وأن الذين يقولون إن القانون مانع من الإجرام وإن رؤية السجون شامخة أمام أعيننا تنتظر عن ارتكاب

стр. 3447

الجرائم - إن الذين يقولون مثل هذا القول يخطئون الحكم وينظرون إلى الجانب الأضعف في الإنسان. القوانين موجودة من عهد الرومان وأنواع العقوبات تكثر وتتعدد في القوانين الحديثة وكلها على شدتها وصرامتها لم تستأصل شرة الإجرام بل لم تعمل على تحقيقها وإقلالها وها نحن أولاء نرى الجرائم في كل عام في ازدياد وكأنها والمدينة صنوان كلتهما في اطراد. أن فكرة الردع العام لا تمنع الإجرام بقدر ما تحفظ الناس من تكرر وقوعه، وبين الأمرين بعيد. ما كان القانون في دور من أدواره طبيبا يداوي علة الإجرام ولكنه كان دائما جلاداً يوقع الجزاء! إن الناس لا يحملون في جيوبهم كتاب العقوبات لينظروا بين السرقة بالإكراه والسرقة العادية فيختاروا أهونها عقابا. بل ما كان الناس ليتأثروا بأمثلة المجرمين ليس إلا عملية بسيطة يراد منها إضعاف عددهم في الخارج! وكذلك تدور عجلة الإجرام في مجراها كما تدور عجلة التناسل البشري، ففريق داخل جدران السجن وفريق آخر خارجه! نروم إصلاح المجرم بعقابه فنحكم على القاتل بالإعدام! نفقد شخصين بدل شخص واحد! أما الذين يقوون أن ذلك رادع لغيره من ارتكاب الجرائم فلا أستطيع أن أفهم الفرق بين الردع بالتهديد به. إن الردع العام لا يقوم به عقاب شديد بقدر ما يقوم به تشريع عادل، وإن الذين يمتنعون عن ارتكاب الجرائم لا يمتنعون لأنهم رأوا توقيع العقاب على غيرهم ولكن لأن القانون يهددهم بتوقيعه عليهم. إن جميع العقوبات في مصر لا ترمي إلا إلى غرض واحد وهوالانتفاع من ذلك القطيع البشري الذي يدخل السجن (دور الإصلاح) في كل عام. فهملا يفرقون في السجن بين الضعفاء والأقوياء ولا بين المرضى والأصحاء ولا بين الكهول والشبان ولكنهم يرومون أن يشتغل الجميع أشغالا مختلفة تعود فائدتها على السجن وأربابه دون أجر ولا غذاء صالح: المجرمون هم الذين يغسلون غرف السجن ونوافذه وأبوابه، وهم الذين يصنعون طعامهم وثيابهم، وهم الذين يرصفون الطرق ويقطعون الصخور من الجبال. فإن لم يجدوا لهم عملا أمروهم بنقل تراب من مكان إلى آخر أوإدارة طاحونة فارغة أوملئ حوض ثم تفريغه! وكذلك يشتغل هؤلاء الرجال المنكودوا الحظ عشر ساعات في كل يوم كما تشتغل الدواب، ثم يعودون إلى غرفهم في آخر النهار فينامون على (برش) صغيرة فوق البلاط

стр. 3448

الصقيع! ولا أستطيع أن أفهم العلاقة بين العقاب وبين إهداء الأمة في كل عام عددا من أبنائها مسلولين ومرضى من جراء هذه المعيشة في السجون. أليس غريبا أن نروم إصلاح المجرم فنعامل السجين السياسي كما نعامل المجرم العادي، ولا نفرق بين أرباب السوابق في الإجرام أوبين حديثي العهد به، ونجمع في سجن واحد بين شرار المجرمين وبين من ساقتهم إلى الجريمة ظروف طارئة أونزوة عارضة أوأعصاب مختلة. إن الذين يشكون من ازدياد الجرائم وتمادي المجرمين لا يجب عليهم أن يطلبوا إصلاح ذلك في قانون العقوبات ولكن في النظام السيئ لتنفيذ تلك العقوبات. وما دام في السجن سوط (وزنزانة) وقيود وسلاسل فلن يصلوا إلى قلب المجرم فينتزعوا منه حمئة الإجرام، ولن تتهذب روحه ولوقضى في السجن ألف عام! سيقول قوم لقد غإلى في القول وأين هوذلك النظام المنشود الذي سيجعل المجرمين ملائكة أخيار؟! وأقول لهم إنه نظام بسيط، إنه لن يجعل المجرمين ملائكة أخيار ولكنه سيمنع هذه التجربة التي نراها كل يوم بأعيننا في الشوارع. أطفال صغار يساقون إلى دور الشرطة لأنهم متسولون أولأنهم متشردون، فإذا كبروا وكبرت معهم جرائمهم نسي القانون والناس من المجرم الحقيقي، وقالوا كما يقول ذلك القاضي الإنجليزي الذي أشرنا إليه (إن معتادي الإجرام يجب معاقبتهم بالسجن أوالأشغال الشاقة) إن أولئك المعتادي الإجرام ليسوا إلا أولئك الأربعة الصبية الذين عثر بهم قسم محرم بك في الإسكندرية ومكثوا أياما والحكومة في حيرة من أمرهم لا تجد عائلا يؤويهم ولا كريم يعولهم ولا قاضيا يأمر بمعاقبتهم بالسجن الطويل أوالأشغال الشاقة!. إذا صح أن المجرم مريض قابل للشفاء وأن ليس هناك مجرم بالطبع لا ينجح معه العلاج، وإذا صح أن الإنسانية تتألم لهؤلاء البؤساء وتبغي أن تطبق عليهم حكمة كليمانس الحادي عشر، فما معنى أن نرى السجون شامخة أمامنا وهي دور عذاب، ونرى الحبس الانفرادي باقيا وهواقرب طريق إلى الجنون، ونرى طعام أهل السجن تعافه حتى الوحوش. لا نظام غير (الإصلاحيات) يمحوعن الإنسانية عار هذه الوصمة في القرن العشرين. ينبغي أن تستبدل السجون والحبوس بإصلاحيات زراعية أوصناعية يدخلها الزجال والأحداث والنساء على السواء. ينبغي أن يكون الغرض من معاقبة المجرم ليس الانتفاع

стр. 3449

بمدته في السجن ولكن إصلاحه وتهذيبه وتعليمه حرفة أومهنة ما يحترفها بعد خروجه. وليس في مصر ما يمكن أن يقال أنه يشبه بهذا النظام سوى إصلاحية الأحداث في الجيزة. أما إصلاحية الرجال في الدلتا فلا تختلف في شيء عن سجون الأشغال الشاقة. بقي علينا أن ننظر الآن في الأثر غير المباشر الذي ينتجه سوء النظام الحالي للعقاب، دع الحالة التي يخرج عليها السجين بعد سجنه فهي أدعى إلى الإشفاق مما كان فيه. وانظر إلى الجريمة التي يرتكبها العقاب بحرمان أطفال صغار من عائلهم أوترك زوجة ضعيفة بلا ولي ولا ناصر. فيتخبط الجميع في الفاقة والبؤس والشقاء وينحدرون إلى الجريمة. وكذلك تدور عجلة الإجرام في مجراها كما تدور عجلة التناسل البشري. ففريق داخل جدران السجون وفريق آخر لاحقه. وقد سمعنا أخيرا أن القاضي الإنكليزي هوريدج أدخل عقوبة جديدة إلى بلاده وهي عقوبة الجلد بالسياط - سيقول قوم عقوبة من عقوبات القرون الوسطى. ولكنا نسائلهم أين هي العقوبة التي لا ترجع بالمدينة مئات السنين إلى الوراء؟ أليست عقوبة الضرب للأحداث أردع وأفضل من أن يدخلوا السجن فتسوء أخلاقهم؟ وأخيرا نقول كلمة صغيرة عن العقوبات المالية. لم لا يفتح باب الغرامة على مصراعيه لمعاقبة المجرمين الذين حسنت نياتهم أوبعدت نفوسهم عن معاودة الشر والأذى. إن الحرمان من بعض المال كثر أوقل عقاب رادع كاف ووقاية في الوقت نفسه تحفظ للمجتمع أفراده منه ارتكبوا فعلتهم عن خطأ أوبجهالة وليست نفوسهم متأثرة بعامل من عوامل الإجرام. هذه هي عقوبة التغريم التي لووضعت بجانب كل عقاب لأعنت الناس عن أن تقول (الرحمة فوق القانون)

стр. 3450

خرج الحجاج يوماً متصيداً بالمدينة فوقف على إعرابي يرعى إبلا له فقال له يا إعرابي كيف رأيت سيرة أميركم الحجاج، فقال له الإعرابي غشوم ظلوم وأغشم فبينما هوكذلك إذا أحاطت به الخيل فأومأ الحجاج إلى الإعرابي فأخذ وحمل فلما صار معه قال من هذا: قالوا له الحجاج. فحرك دابته حتى صار بالقرب منه. ثم ناداه يا حجاج قال: ما تشاء يا إعرابي. قال السر الذي بيني وبينك أحب أن يكون مكتوما. ونظر إعرابي إلى رجل سمين فقال أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك:

стр. 3451

اكتساب الاحترام في القهوات والفنادق مقال فكيه بديع لكاتب نقادة هزلي كبير من بين الملذات الإنسانية التي نتطلع إليها نحن جميعا ونعمل على اجتنائها، هذا الاحترام الذي نراه في عيون الناس ونشهده مكيلا لنا مغدقا علينا. والناس واهمون في قولهم أن الاحترام مزية مقصودة على السروات والمثرين، وحق من حقوق الأغنياء، غير منازعين فيه أومعارضين وإني لأعرف رجلا مسكيناً فقيراً اضطر إلى تزوير صك (شيك) وتعريض نفسه إلى عذاب السجن وغيابة المحابس، كل ذلك لكي يظهر لصاحب الفندق الذي نزل به أنه غني وأنه يستحق الاحترام. ولقد كان هذا المسكين مخطئاً خطأ كثيرين منا نحن الفقراء. لأن الأغنياء كذلك مشتركون معنا أيضاً في هذا الشأن، وليس في العالم ثروة مهما كانت طائلة تستطيع أن تكتسب احترام الغلمان والجرسونات وأصحاب البارات وخدم الفنادق ومساحي الأحذية، وإنما قد نشهد من هؤلاء العامة احتراماً كاذبا لا أثر له في الحقيقة. ولكن هناك وسائل يستطيع الإنسان أن (يبلف) بها غلمان القهاوي ويكسب احترامهم وإجلالهم شأنه، وهي لا تحتاج إلى نفقة كثيرة، ولا تتطلب مالا طائلا. فالطريقة الأولى منها هي أنك إذا بلغت القهوة أوالفندق فسر توا إلى القاعة الكبرى أوالردهة الواسعة وانطلق في الحال في الكلام عن مسابقات الخيل، وأندية البليارد، ومجامع الألعاب الراقية. وحذار أن تتكلم بتواضع أوهيبة كما يفعل الكثيرون ولكن ليكن كلامك بصوت جهوري متطاول قوي كأنك من النقاة فيما تحدث الناس حولك، وعليك أن تقوكلمتك وتصر عليها كأنما أصدرت بها قانونا لا حول عنه ولا مرد. واخرج عن طورك واغضب وقم حانقا من مكانك وعد إليه، إذا عرضك أحدهم فيما قلت أوتصدى لك من أراد مناقشتك في رأيك. ورب معترض يقول لك إذا كنت تجهل هذه الفنون فلن تفلح حيلتك في كسب الاحترام من الغلمان والخدم في الحان الذي أنت فيه ولكن هذا الاعتراض قائم على السخف والبلاهة والخطأ، إذ هل تتصور أن الناس الجلوس حولك قد أصابوا منها أكثر من علمك. وإذا صح

стр. 3452

أنهم كذلك فهل تظن أنهم عارفون بجهلك بها. بل يجب ألا يبرح من بالك أنهم قرؤوا أقل منك، وعرفوا أقل من معرفتك، وإن الجرأة في هذا السبيل كفيلة بأن توجد لك حجرة في أكبر فنادق العالم، ومكانا متعاليا في أفخم قهوة في المدينة. وإني لأذكر ذات يوم أن دخل رجل علينا ونحن جلوس في أحد الفنادق الكبرى، رجل أكبر ظني أنه من الصحفيين، وقد تبينت ذلك لأول وهلة، رجل لا يدري كيف يسوق الجاموسة، أويقود البقرة من حبلها بله الخيل والجياد الصافنات، رجل من الاشتراكيين لم يخرج إلى أرباض المدينة يوما إلا على (البسكليت) ولكنه إذا كان دوننا في كثير فقد كان أعظم منا وأكبر وأجل في شيء واحد وهوحذقه فن اكتساب الاحترام في القهوات والفنادق، لأنه جلس في مقعده وما كاد يشرب شرابه حتى انطلق يحدثنا عن قصة قنص له يوم طارد ثعلبا ماكراً خبيثاً. وهي حادثة لم تحصل مطلقا ولم تكتب له في اللوح المحفوظ البتة، وكنا خمسة عشر رجلا في الحجرة ولم يكن فينا رجل من الغنى بحيث يقدر على قنص كهذا. ولذلك ما عتم حديثه أن نفذ فيهم نفوذ السهم إلى الهدف، وأخذ بجماع قلوبهم على ما في قصته من أكاذيب ومفارقات تدل على جهله بفنون الصيد. ولكن القوم هم أجهل منه به لم يدركوا من هذا شيئا، بل عدوه إلها وحاولوا أن يوقفوا تيار حديثه ولكنه أبى إلا الإفاضة في أكاذيب ألعن من الأولى، فلم ينصرف إلا والناس محترموه وخدم الفندق ينظرون إليه نظرة الإعظام والإكبار. ولك أن تغير المنظر وتبدل الفن بفن آخر إذا اختلجت بفؤادك خالجة شك في صلاحية ما ادعيت من الفنون ولكن اجتنب الخوض في فن صيد السمك، فإن ذلك في خطر لا يفيدك فتيلا إدعاؤه، لأن كل إنسان يعرف صيد الأسماك حتى الفقراء المساكين، ثم هناك خطر آخر وهوأنك لم تلم بأسماء أنواع الأسماك التي تسبح في البحار. فقد تدعي أنك اصطدت (قرموطا) عظيما من نهر (التايمز) مع أنه لا يوجد في نهر التايمز قرموطا واحد. والطريقة الثانية في اكتساب الاحترام من غلمان الفنادق إذا كنت رجلا صموتاً قليل الكلام بطبعك وسجيتك، هي أن تعمد قبل الذهاب إلى النوم في حجرتك إلى كتابة عدة رسائل وغلف (مظاريف) تسمها بعنوانات طائفة من الوزراء وأعضاء الأسرة المالكة وأمراء الأمة وكبار الجواهرجية وعظماء السروات وأرباب الأموال وتضع كل تلك الغلف فوق المائدة

стр. 3453

في حجرتك، ولا تظن أنك واجد عناء في هذه المهمة، فحسبك أن تكتب ظروف الخطابات. وأما عما تضعه في داخلها فلا أسهل عليك من جمع الإعلانات التي تجدها ملقاة على الموائد في القهاوي والحانات ووضع كل إعلان منها في غلاف من تلك الغلف التي عنونتها بأسماء الطبقات العالية، فإذا أصبح الصباح جمعت الظروف كلها وطلبت الخادم فسألته عن مكان مكتب البريد ولكن لا حاجة بك إلى إرسالها حقيقة إلى البريد ورميها في صندوقه لأن غرضك قد تحقق. وقد وقف الخادم يرقب هذه العنوانات وهوفي أشد الذهول استعظاما لشأنك. ولا تخشى من هذه الناحية على قائمة الحساب ولا تخف ارتفاع الأثمان. بعد أن تم لك ما أردت من الهيبة والاحترام. وهناك طريقة ثالثة وهي الالتجاء إلى التليفون والانتفاع بهذا المخترع الحديث. أطلب من (الكومبانية) أية نمرة تجدها في قائمة المشتركين تدل على اسم عظيم، وتخير أكبر رأس في البلد فاطلبه في التليفون دون خشية شيء، فإن القانون لا يمنع ذلك ولا يحظره فإذا أعطيت النمرة واتصل الطريق بالقصر الذي أردت أن الوسيلة لتحقيق غايتك من (بلف) الخدم الوقوف حولك، وصاحب الحان الجالس على منصته يرتقب الطالع والداخل، والمتكلم والصامت، إذن فاسأل مخاطبك في الجهة الأخرى هل القصر هوخاصة الأمير الفلاني. بعد أن تكون قد تخيرت اسما أجمد من الاسم الذي طلبته، ولا شك في أن الخادم سيجيب سلبا. ولكن مقامك في القهوة أوالفندق أصبح بذلك محفوظا معظما مبجلا. الرابعة في مجموعة الطرق هي أنك إذا نزلت بفندق للمكث أياما معدودة، فمر الخدم دائما قبل ذهابك إلى مضجعك بأن يوقظوك في بكرة الصبح التالي، ولا تستيقظ إذ ذاك إلا في الضحى العالية ولعلك تسألني عن السبب الذي جعل لهذه كل هذا التأثير الذي نشاهده فأنا أعترف لك بجهلي ذلك السبب ولكن أظن أن السبب هوالجمع بين النشاط الذي تظهره بالتفكير في اليقظة أومحاولتها. وبين الترف الذي تبديه بالتأخير في الخروج من السرير. والنشاط والترف هما الصفتان اللتان تظفر من الأصاغر والعامة والسوقة بأشد الإعجاب إذا شهدوهما في الطبقة الحاكمة التي تدعي أنك من أهلها. ثم لا تنسى التأثير الذي يحدث في نفوس الخدم من طلبك الشيء ثم الرجوع إلى محوه وإلغائه. والطريق الخامسة هي أن تكون قوياً عظيما في نفسك. خلقت للرئاسة والزعامة والقيادة.

стр. 3454

وأن تكون من موجدي هذه الدنيا وبناة حضارتها، وأن تكون ذا إرادة صارمة عنيفة عانية، وأن تنير في نفوس الذين حولك بفضل قوتك وقوة شخصيتك إحساسا يكرهم على الطاعة. ويريدهم على الامتثال ولكن لا أعرف الوسيلة لتحقيق ذلك، فإن علمه عند الله وهووجى خصه الخالق بالقليلين.

стр. 3455

أنواع الجمال والزينة لدى النساء في مختلف الشعوب من عادة النساء في اليابان أن يطلين أسنانهن بطبقة من الذهب. بينما تراهن في جزر الهند الشرقية يصبغن بالحمرة. وفي بلاد (جوزورات) لا تعد الثغور جميلة إلا بإطفاء لألأتها بشبه المداد. وإخفاء لآلئها في مثل ثوب الحداد. وفي جرينلندة يصبغ النساء وجوههن بزرقة وصفرة. والمرأة المسكوفية مهما بلغ من زهاء لونها وبهاء رونقها لا تعد نفسها لا تعد نفسها جميلة إلا إذا كاثفت على وجهها طبقات الدهان. والصينيات لا تسترح قلوبهن حتى تصير أقدامهن من فرط الصغر والدقة في حجم ظلف العنزة. ولكي يتم لهن هذا تراهن يقضين عصر الطفولة والحداثة في أنكى تباريح العذاب والألم. وقد ما كان أهل فارس يرون الأنف الأفتى من أمارات الإمارة والرياسة والوسائل الحرية أن يطلب بها الملك والإمامة فكان إذا تنازع التاج أميران من بيت المملكة حكم لصاحب الأنف الأفتى على قرنه ونظيره. والأمهات في بعض البلدان يشدخن آناف أطفالهن تحسينا للخلقة. وفي بلاد أخرى يكبسن رؤوسهم بين لوحين من الخشب لتصير مربعة بدل الاستدارة والفرس العصريون يمقتون الشعر الأحمر أشد المقت وعلى ضد من ذلك الأتراك فأنهم مولعون بحمرة الشعر إلى الغاية القصوى ومن عادة (الهوتنتوت) (صنف من الزنوج) إن العاشق إذا أراد أن يتحف معشوقته بالحلة القشيبة لم يهدها خزاً ولا ديباجا ولا عطرا ولا زهرا ولكن كرشا وأمعاء من المسمط حارة يتصاعد بخارها لتختال المليحة السوداء منها في أعجب حلة وأطرب حلية. وفي الصين تشتهى العيون الصغيرة المدورة. ولا تزال الصبيات هنالك ينتفن الحواجب لكي تدق وتستطيل. ونساء الأتراك يغمسن فرشة ذهبية في صيبغة مستحضرة من مادة سوداء فيمررنها على حواجبهن فتكون أثناء النهار واضحة جلية ولكنها تصير بالليل مشرقة وضاءة وهن أيضاً يخضبن الأظافر بصبغة وردية. ومن شرائط الجمال في الزنجية أن تكون صغيرة العينين غليظة الشفتين فطساء الأنف حالكة السواد. ولما عرضت على الإمبراطور مونوموتابا (أحد ملوك الزنج) غادة أوربية من نساء العالمين واقترح عليه أن

стр. 3456

يتخذها بدلا من محظيته السوداء رفض وأبى. ونحن لا نرى ضرورة تزيين الأنف بحلية ولكن نساء (بيرو) يرين غير ذلك فهن يعلقن في أرنبة الأنف حلقة صغيرة ثقيلة تكون ثخانتها على قدر لقب الزوج وحسب رتبته ومقامه. وعادة خرم الأنف شائعة في كثير من الشعوب والقبائل. أما ما يعلق في ثقب الأنف من الحلي فضروب شتى، كالبلور الأخضر والذهب وكرائم الحجارة. وربما علق فيه عدد كثير من الحلقات الذهبية. ولعل هذا يقوم عقبة في سبيل التنخم والتمخط والواقع أن نساء الهنود الحمر (بأمريكا) لا يعملون البتة هذه العملية النافعة المفيدة، أما قناع الرأس النسائي فهذا قد يبالغ فيه لدى بعض الشعوب إلى درجة خارقة. فالحسناء الصينية تحمل على رأسها تمثال طائر مصوغ من النحاس أوالذهب حسب مقام صاحبته. وأجنحة هذا الطائر المنشورة تنسدل فوق مقدم القناع وتستر الصدغين. أما ذيل الطائر فسابغ ضاف منتشر الخصل منتفش الريش. وأما منقار الطائر فذلك يغطي قصبة الأنف من الحسناء. هذا وجيد الطائر منوط إلى جسده بلولب لكي يكون أسرع اهتزازا وأكثر خفقانا واضطرابا لدى أدنى حركة.

стр. 3457

بؤس العلماء قلما ترى الحظ يتنزل لأن يكون أليف العلم وحليف العبقرية. وإن خلاف العلماء والأدباء ليجدون ألف مسلك وسبيل إلى بحبوحة الحظ، وليس لنوابغ الأدب إلا سبيل واحد وهذا يؤدي إلى الشقاء والبؤس. ولوأننا أنشأنا ملجأ للعبقرية مثلما نصنع للضعاف والعجزة لكان أحق ما يكتب على بابه (ملجأ ذوي الداء العضال الذي لا شفاء منه ولا دواء له - داء الأدب والعلم) ولا عار على النبوغ أن تنشأ له ملاجئ ولا سبة. فإنه إذا عجزت الشهرة والصيت عن إنقاذ العبقري من القحط كان من واجب البر والإحسان أن يفعل ذلك. ثم لا تعد هذه الصدقة يدا في عنق البائس العبقري ولا دينا على كاهل ولكنها فريضة لازمة نؤديها في شخصه إلى العبقرية ذاتها. وإن لمن شر البلية أن نبصر حتى في هذه العصور المستنيرة أناسا قد نبذت أشخاصهم في زوايا الإهمال والنسيان بينما ذكرهم قد ملأ الآفاق. ثم هلكوا بعد ذلك جوعا بينما مصنفاتهم تدر على باعة الكتب بواسع الأرزاق. وأحاديث أبطال الأدب الحديث في هذا الصدد جمة بقدر ما هي محزنة. لقد باع العلامة زيلاندر مذكراته الثمينة عن (كاسيوس) بأكله. ومن مأثور قوله (لقد كنت أؤلف وأنا في الثامنة عشرة ابتغاء المجد وها أنا ذا أكتب في الخامسة والثلاثين ابتغاء القوت). وقد روي عن (سرفانتيس) نابغة إسبانيا وعبقريها المخلد أنه افتقر حتى لم يجد قوت يومه. وروي عن (كاموينز) نابغة البرتغال الأعظم وباقعة دهره المفرد العلم أنه أعوزه القوت فهلك حرمانا في بعض مستشفيات (ليشبونة) وقد شهد مصرعه الرهيب رجل قسيس فسجل هذه الذكرى الأليمة على هامش نسخة من ديوان ذلك النابغة الشاعر محفوظة للآن في مكتبة لندن وها هي: من أكبر دواعي الأسف أن ينال مثل هذا العبقري الأجل هذا الجزاء الأسوأ. لقد رأيته يجود بروحه في بعض مستشفيات ليشبونة وليس يملك ذراعين من كفن يستر جثته. ألا فليتعظ بهذا كل مغرور غافل يقطع دهره وينفق عمره ويفني بصره ويهدم بناء جسده. ويذيب شحمة كبده. بالكد والنصب في الدرس والبحث والمذاكرة) وماذا فعل البرتغاليون بشاعرهم بعد أن قتلوه جوعا وأعدموه بؤسا! وهبوه لقب (عظيم) ومنحوه نعت (عبقري).

стр. 3458

نكر أيضاً الشاعر (فونديل) شاكسبير هولندة فهذا بعد أن ألف طائفة من أبدع الروايات عاش في أسوء حال من الفقر حتى بلغ أقصى العمر وأقصى الضر معا ونال غاية الهرم وغاية العدم في قرن، ولما مات في التسعين من عمره حمل نعشه أربعة عشر شاعر لهم فاقته وأملاقه. ولبس لهم فحولته وأفلافه. والشاعر الأعظم (تاسو) الروماني ألح عليه العسر والعوز حتى اضطره إلى اقتراض (ريال) يعيش به أسبوعا. وقد أومأ إلى ذلك في أبيات رقيقة له يخاطب بها هرته حيث يستغيث بها (يستعينها على الظلام ويستعيرها شعاعا من ضوء ناظرتيها. ووميضا من برق لاحظتيها. ليجوب من الحلك صفيق جلبابه. ويمزق سدول الليل عن سطور كتابه. ولا بدع فقد صفر من الشمع جرابه. وأقفر من الزيت شهابه.) والكاردينال (بنتيفوجليو) الطائر الصيت فخر إيطاليا وحلية تاج الأدب رزخ في شيخوخته تحت أفدح أعباء الأعسار. حسير لبانات طليح هموم وأكدار نضوأسفار. في حزون من الجدب وأوعار. وكان قد باع داره لقضاء دينه فلما مات لم يترك من تراث سوى شهرته وصيته. والنابغة قوجيلاس أسلس كتاب الفرنس بيانا وأرقهم انسجاما قضى ثلاثين حجة من عمره في ترجمة المؤلف الجليل (كوينتاس كيورتياس) ثم مات لا يملك سوى مسودات سفره القيم، ولما أحس دنوالأجل باع جثته للمشرحة لقضاء دينه بعد وفاته. وقد كان الملك لويز الرابع عشر يشرف الشاعرين (راسين) و (بوالو) بمقابلة خاصة مرة في كل شهر. ففي ذات مرة سأل الملك قائلا (ماذا من الأنباء في عالم الأدب؟) فأجاب راسين أنه رأى اليوم منظرا محزنا وذلك أن الشاعر كورنيل يلفظ آخر أنفاسه وليس في بيته حسوة مرق يبرد بها عظامه البالية) فأطرق الملك مليا وفكر طويلا ثم بعث إلى الشاعر المحتضر بمبلغ من المال. والنابغة العظيم (برشاس) الذي عاش في عهد جيمس الاول ملك الإنكليز قضى عمره في السياحات والأسفار. ودراسة الكتب والأسفار - كل ذلك ليؤلف كتابه المعنون (علاقات العالم) فلما أبرزه للناس كان جزاءه على ذلك أن زج في أعماق السجون بناء على طلب طابع كتابه الذي دعى عليه دينا فادحا من جراء طبع الكتاب مع أن هذا الكتاب هوذلك

стр. 3459

الذي كان الملك جيمس يعكف على صفحاته مستغرق اللب في ثنايا سطوره فكان من بين الكتب والمصنفات وسلوته ومرتع نظره. ومسرح خاطره. وفي عهد شارل الثاني ملك الإنكليز رفع العالم التحرير (المركيز أوف ورستر) التماسا إلى البرلمان يطلب فيه المعونة على طبع مخترعاته بقضاء ما قد احتمله من الديون في سبيل مباحثه وتجاربه وتحقيقاته. فلم يصادف هذا الطلب من البرلمان اهتماما ولا التفاتا فضاع معظم هذه الاختراعات المفيدة ومن بينها (التلغراف والآلة البخارية) - (هذان اكتشفا مرة أخرى بعد ذلك واستطاع المكتشفان أن ينشرا اختراعيهما على الملأ). والشاعر سبنسر معاصر شكسبير ونظيره قضى أيامه في الضيق والبؤس. ولما عطفت عليه الملكة اليصابات وأرادت أن تهبه مائة دينار حال دون ذلك اللورد بيرلي وكان يعتقد أن أحقر كاتب في ديوانه أعلى قدرا وأغلى قيمة من الشاعر سبنسر وأحق منه بتلك المنحة.

стр. 3460

ولى يوسف بن عمر صاحب العراق أعرابيا على عمل له فأصاب عليه خيانة فعزله فلما قدم عليه قال له يا عدوالله أكلت مال الله قال الإعرابي فمال من آكل إذا لم آكل مال الله - لقد راودت إبليس أن يعطيني فلسا واحدا فما فعل فضحك منه وخلى سبيله.

стр. 3461

رواية تاجر البندقية فينسيا تأليف وليم شاكسبير (المنظر الثاني) بلدة بلمون: غرفة في قصر بورشيا تدخل بورشيا ووصيفتها نيريسا بورشيا - يمين الله نيريسا أن شخصي النحيل الضئيل. قد سئم هذا العالم الجسيم الجليل. نيريسا - هذا يكون يا سيدتي الحسناء لوكانت أحزانك وأتراحك من الكثرة بقدر مسراتك وأفراحك. على أنه من اكتظ شبعا وامتلأ بطنه أصابه من الجهد والعذاب ما يصيب الطاوي سغبا، الهالك جوعا. والسرف في الترف أوخم عاقبة من القحط في الشظف. وخير الامور الوسط. وما زال الإفراط مجلبة للهرم والمشيب قبل الأوان. كما أن الكفاف والقصد كفيل بفسحة الأعمار في صحة الأبدان. بورشيا - كلام صحيح. في منطق فصيح. نيريسا - حبذا لو يتبع إذ خبر الكلام متبوعه. بورشيا - لو سهل العمل على الناس سهولة العلم مما يحسن عمله لأصبحت الديور كنائس وأكواخ الفقر قصورا للعظماء. وما أفضل القسيس الذي يفعل ما يقول ولأهون على والله أن أعلم عشرين نفسا من أكون بعض أولئك العشرين المتبعين نصحي. ونحن ربما وجدنا العقل يسن القوانين لقرع الأنفس وقمع الشهوات ولكن المزاج الحار والطبع الملتهب سرعان ما يخرق سياج القوانين الصادرة عن الروية الهادئة ة الأناة الباردة. والشباب هوذلك الأرنب السريع يزوغ من شرك الحكمة العرجاء ويفلت من أحبولة النصح الضالع الحسر. ولكن هذا التفلسف لا يمهد لي السبيل إلى اختيار زوج لي. فيا ويلي كيف أذكر لفظة (اختيار) وما إلى الاختيار من سبيل. فأنا لا أملك اختيار من أحب ولا رفض من أكره كذلك قضى الله أن تخضع إرادة ابنة في الأحياء لا إرادة أب في الأموات أليس من البلية يا نيريسا أن أغلب على أمري فلا أطيق اختيارا ولا رفضا. نيريسا - لقد كان أبوك مدة حياته براً تقيا، وما زال الأبرار إذا جاء أجلهم ينزل عليهم الوحي الصادق ولذلك أعتقد أن القرعة التي ابتدعها أبوك في تلك الصناديق الثلاثة: الذهبي والفضي والرصاصي. وقضى بأن من اختار الصندوق الذي عناه هووقصده فإنما

стр. 3462

يختارك أنت - هذه القرعة لا يصيبها إلا من يحبك ويكون أهلا لحبك. ولكن خبريني عن درجة ميلك إلى أولئك الأمراء الذين أتوك يخبطونك. بورشيا - سميهم لي أصفهم لك واحدا إثر واحد واجعلي وصفي مقياسا لميلي. نيريسا: نبدأ بالأمير النابوليتاني. بورشيا: هذا حصان لا شك لأنه لا يصنع شيئا سوى التحدث عن حصانه وترينه يعد ضمن مفاخره ومناقبه قدرته على حذوحوافره بنفسه. نيريسا: ويجيء من بعد هذا الكونت الألماني أمير (البلاتينات). بورشيا: - هذا ليس عنده سوى تقطيب جبينه وتعبيس وجهه كمن يحاول أن يقول (إذا كنت لا تريدينني فدعيني منك واطلبي غبري فأنا لا أحفل ولا أبالي وستعلمين إذا أبينيني ورفضتني أيانا أخسر صفقة وأخيب سهما) وترينه يسمع الملح والفكاهات ولا يبتسم. وأخشى أن يصير في شيخوخته (الفيلسوف الباكي) إذ كان في حداثته وصباه شديد العبوس مفرط الوقار والرزانة فلأن أزوج من رأس ميت في فمه عظم أهون علي وأحب إلي من تزويجي أحد هذين، كفاني الله شرهما). نيريسا - وما قولك في اللورد الفرنسي المسيولي بون؟ بورشيا - لقد خلقه الله فاحسبيه إنسانا: أنا أعلم والله أن الهزأ والسخرية خطيئة. ولكني مضطرة إليها في وصف ذلك الفرنسي. إنه أشد ثرثرة من النابوليتاني عن حصانه وأشد عبوسا أحيانا من الكونت الألماني. فهوكل إنسان ولا إنسان: فإذا غرد طير انبرى يرقص، وإنه والله ليطاعن ظله ويجالد خياله. فإن تزوجته فقد تزوجت عشرين بعلا. فإدا احتقرني بعد الزواج فما له عندي سوى الصفح عنه وذلك لأنه إذا أحبني جن بحبي فأعياني جزاؤه. نيريسا - وما قولك في (فالكونبردج) البارون الصغير الإنكليزي؟ بورشيا - لا أقول فيه شيئا لأنه لا يفهمني ولا أفهمه. فهولا يعر اللاتينية ولا الفرنسية ولا الإيطالية. وإنك لا تكذبين إذا أقسمت في دار القضاء أن مبلغ معلوماتي في الإنكليزية لا تساوي فلسا. بيد أن الفتى آية في الجمال. ولكن من ذا الذي يستطيع أن يحادث تمثال أخرس. ثم ما أغرب ثيابه فما أظن إلا أنه اشترى رداءه من إيطالي وسراويله من فرنسا وقلنسوته من ألماني وسلوكه من كل بقعة.

стр. 3463

نيريسا - وما رأيك في جاره اللورد الأسكوتلندي؟ بورشيا - رجل كريم الجوار. لقد أقرضه البارون الإنكليزي لكمة على أذنه فلم يسرع إلى رد قرضه بل أقسم أن يفعل ذلك متى استطاع. ولقد ضمنه الفرنسي فيما أعلم وختم على ضمانته. نيريسا - وما رأيك في الألماني الصغير ابن أخي الدوق أوف ساكسونيا. بورشيا - مرذول جدا في الغداة وهوصاح. وأرذل خلق الله في العشى وهوسكران. وهوفي أحسن حالاته يكون دون الإنسان وفي شر حالاته يكون فوق البهيم فإذا وقع من الأمر أسوأه فأصاب سهمه الهدف فلأبذلن جهدي في الخلاص من هذا الرجل. نيريسا - أرأيت إذا تعرض إلى الاختيار فساقه الحظ إلى اختيار الصندوق الصادق أفكنت ممتنعة من تنفيذ إرادة أبيك برفضك الفتى. بورشيا - إذن فاتقاء للتي هي أسوء أرجوك أن تضعي على الصندوق الكاذب قدحا كبيرا من خمر الرين. فإنه إذا اتفق أن كان الشيطان داخل جوف الرجل إذ ذاك مع وجود هذا الباعث المحرض خارجه فلا بد أن يختاره، فأنا أحتمل كل شيء يا نيريسا إلا التزوج من إسفنج. نيريسا - لا تخاف يا سيدتي الوقوع في حوزة أي واحد من هؤلاء فلقد أعلموني مقاصدهم وهوعودتهم إلى أوطانهم وانصرافهم عن خطبتك إلا إذا وجدوا إليك سبيلا خلاف ما نهجه أبوك من طريقة الصناديق الثلاثة بورشيا - لوعمرت عمر (سيبيلا) لانقطعت عن الأزواج طول حياتي حتى أموت عذراء بتولا مثل (ديانا) اللهم إلا إذا أحرزت بالطريقة التي سنها أبي. ولقد يسرني والله ما أبدى أولئك الخطاب من الحزم والحكمة في انصرافهم عني فعسى الله يرزقهم سلامة الأوبة إلى ديارهم. نيريسا - ألا تذكرين يا سيدتي فتى فينسيا شجاعا أديبا صاحب سيف ويراع جاءنا ههنا في عهد أبيك صحبة المركيز مونفيرات. بورشيا - نعم نعم. هذا باسانيوـ أظن أنه كان يدعى هكذا. نيريسا - حقا يا سيدتي. إن عيني البلهاء ما رأت قط في جميع من وقعت عليه نظرتها

стр. 3464

الحمقاء. إنسانا هوأحق بغانية حسناء من باسانيوهذا. بورشيا - إني أذكره جيدا وأذكر أنه أهل لثنائك وإطرائك. يدخل خادم ما خطبك وماذا لديك من الأنباء؟ الخادم - إن الأربعة الأجانب يلتمسون لقائك ليستأذنوا في الانصراف. وها قد أتى رسول من ضيف خامس أعني أن أمير مراكش يقول أن مولاه قادم الليلة. بورشيا - لوكان هذا الخامس يستحق من فرط حفاوتي وترحيبي مثل ما استحق الأربعة الآخرون من وشك توديعي وتشييعي إذن لفرحت بقدومه وفي مذهبي إنه لوكان له شيمة قديس تحت سحنة إبليس لكان أولى لي به أن يكون معرفي (اعترف على يديه) من أن يكون زوجي. هلمي بنا يا نيريسا. امض أمامنا يا هذا. لا نكاد نغلق الباب وراء خاطب مردود. حتى يقرعه علينا خاطب جديد. (تنصرفان)

стр. 3465

البطولة ثمرة المحنة إن الهموم والأشجان إذا وقعت على القلب الرقيق وكانت على فرط شدتها محتملة مطاقة بعثت من أعماق الضمير أفكاراً نبيلة وعواطف شريفة ما كانت قط منبعثة لولم تستثرها من مكامن النفس تلك الأشجان والهموم. والواقع أن المحن والكوارث هي بواعث الخير في نفوسنا. وكما أن البلاء إذا ألح على المسجون في ظلمات سجنه أوجدت فيه القدرة على إبداع المصنوعات الدقيقة والتحف العجيبة بالآلة الكليلة والأداة العاجزة واليد الخرقاء ومكنته من إتيان معجزات الفعال ومشاق الأعمال واقتحام مصاعب الأخطار والأهوال كاختراق الجدران وفل السلاسل والقضبان. بكف مغلولة. وآلة مفلولة. فكذلك ترى المصيبة إذا تسلطت على نفس الحر فتحت في لبه أبواب الحيلة وأحيت فضيلة الصبر والجلد وأرهفت حد الذكاء والفطنة في ضمير ما كانت تجيش فيه هذه الواهب لولا ضغط البلاء ووطأة المصيبة. والناس إذا رأوا ظهور هذه المحامد والفضائل من إنسان لم تعهد فيه من قبل ذلك ظنوا أن صدمة الفاجعة وسورة الحزن قد غيرت طباعه وبدلت صفاته كما تبدل نار الكيمياء من طبيعة الأجسام. ولكن الحقيقة هي أن أحاث الدهر حسنة كانت أم سيئة لا تغير الخصال ولا تبدل الخلال وإنما تثيرها من مكامنها. وتنبشها من مدافنها. في أعماق الروح وخبايا الضمير. وتفسح لها المجال وتخلي لها السبيل. وكما أن ضمير الإنسان يشتمل على ألف فكرة مجهولة لديه لم يعرف مواطنها من نفسه ولم يهتد إلى موضعها من لبه. فإذا ما تناول القلم للتحرير تفجرت هذه الأفكار الخفية والخواطر المستترة على أسلة قلمه وتبجست من لسان يراعه فتحدرت على جوانب طرسه سيلا يدفق. ولجأ يفهق. فكذلك قلب المرء هوسر مضمر وصندوق مقفل لا يعرف صاحبه كنهه ولا مكنوناته حتى تبرزه الحوادث وتفض أغلاله الشدائد والكوارث ومن ذا الذي لم ينتبه يوما من منامه فيجد نفسه مندفعا فجأة بعامل خير أوسر في خطة انتقام أوغرام أوغير ذلك - على أن هذه النهضات والثبات وإن تكن فجائية في الظاهر فهي في الحقيقة غير فجائية بل هي ثمرات غرس قد بذرت بذوره في قرارة النفس منذ حين وبقيت ثمت كامنة مستترة راسية مستقرة غير مشعور بها ولا مفطون لها فلما توافرت له الأسباب وتهيأت الدواعي وحانت فرصة الظهور برزت وظهرت سنة الطبيعة التي لا تبدل ولا تحول.

стр. 3466

وإعجابا للإنسان لا يعرف فضله من نقصه ولا كيسه من حمقه ولا حذقه من خرقه ولا قوته من ضعفه إلا بعد أن تكشف له أحداث الدهر عن سر ذلك. ولئن وجدت بعض الناس يطرق خجلا وخزيا إذ يذكر بعض سالفات معايبه وسيئاته فاعلم أن سجل مستقبله ربما كان منطويا على مناقب وفضائل سوف يبيض لها فخارا ويترنح لها عطفه زهوا وتيها.

стр. 3467

الناس عباد ما عشقوا المرء إذا هام قلبه بشيء لم يزده العذل إلا هياما ولا اللوم والتفنيد إلا صبابة وغراما. فإذا أحب امرأة أعرض عن مقالة الغير فيها وأبى إلا إصغاء لوحي ضميره وإملاء فكره. ومالي ولاستماع ما يقوله صاحبي عن معشوقتي فليس هوالهائم الولهان إنما الهائم الولهان قلبي. أنا الذي أقدر قيمة ما هويت وأحببت وأنا الذي أحدد ثمنه ومهره. ولقد يكون عديم القيمة في نظرك وهومع ذلك يرجح عندي بالعالم أجمع. فلوكنت أملك تاج الأكاسرة والقياصرة وخزائن قارون وحازت يدي ما حوت من اللؤلؤ صهاريج عمان ومن الماس والياقوت مناجم الهند وسيلان لجدت بها جميعا لأظفر بنظرة من معشوقتي. فإذا قلت أني غر أحمق فماذا تقول في الملك الذي يدفع نصف ولاية من ولايات ملكه ثمنا لبلورة صغيرة في حجم بيضة اليمامة يسميها الناس (ماسة) وماذا تقول في السري الشريف إذ يتجشم الأهوال العظام ويستهدف للموت الزؤام. ويضحي شطر حياته وجل راحته من أجل إحرازه شريطا أزرق يسميه الناس (وساما) وماذا تقول للتاجر الهولندي الذي زعموا أنه دفع عشرة آلاف من الجنيهات في زهرة من أزهار الزنبق. هؤلاء لا شك أسفه أحلاما. وأخيب سهاما. كل له غرض يسعى لإدراكه فراغب في العلم وطالب للشهرة ومولع بالتزيين والتجمل والتأنق افتتانا للناس يحسن بزته وجمال حليته وطامح إلى التفوق في بعض الفنون والصناعات واكتساب خالد الذكر لإخراجه للملأ أثرا خالدا من بدائع الشعر أوالتصوير أوغير ذلك ولا أكثر ولا أقل من هؤلاء عاشق الجنس اللطيف الذي قد جعل همه من الحياة الحصول على امرأة قد هويها فانحصرت في شخصها أمانيه ومآربه. فيا أيهذا المعيري بإضاعة أوقاتي ومجهوداتي في سبيل امرأة تفخر عليَّ بأنك من أساطين السياسة وأهل البلاط وذوي الحظوة والقربة عند أولي الأمر وذوي الحل والعقد. ألست أحمق مني وأغبى وأفسد رأيا وأسخف ذهنا. ألا تزال مثلي معني الجسم والقلب متيم الروح واللب استهام وراء أمنية لا تفضل أمنيتي وابتغاء بغية ليست أرجح قيمة من بغيتي لقب أجوف طنان كالطبلة يخال شيئاً وما هوبشيء. فتجاوز لي عن حماقتي أتجاوز لك عن حماقتك. قل لي بربك كم تعاني من غضاضة التملق وكم تقاسي من مرارة التزلف والتقرب. وكم من ليلة هرقت فيها كأس الكرى. ورضاب اللمى. وهجرت فيها ريق

стр. 3468

العنقود. وبريق مصقول منضود. وكل هذا تفرغا لتحرير مقال سياسي تحوك لحمته من الكذب والتلفيق وتنسج رقعته من المداهنة والتمليق ثم تغشيه زبرجدا من التمويه والتزويق. وكم من ساعة تقفها على قدميك العليلة الواهنة انتظار ولي نعمتك وبأي خشوع وتذلل وخنوع تركع تحت قدميه إذ ترفع إليه كتابا أورسالة - هذا على شدة إنفتك وإبائك. وعزتك وكبريائك. وإنك أعز جانبا وأحمى أنفا من أن تركع لأحد كائن من كان حتى ولوللمولى جل شأنه. حقا يا سيدي لئن كانت بغيت ومنيتي (أعني المرأة) هي خدعة وألعوبة لا تستحق الكد والعناء فليست بأفضل منها ولا أنفس بغيتك ومنيتك - اللقب الفارغ الأجوف. بيد أني على كل حال أعلم أن بغيتي لا تقل عن بغيتك زورا وغرورا فكلتاهما أبطولة وأضلولة. فلا تعب على غوايتي ما دمت أتغاضى عن غوايتك. وأولى بنا وأليق أن يضحك كلانا من نفسه ومن صاحبه ثم من غرور نفسه وغرور صاحبه سواء بسواء.

стр. 3469

حضارة العرب في الأندلس (الرسالة الثانية) من المرية إلى قرطبة تابع ومن شعر الغزال الهين اللين الذي يرتفع له حجاب السمع، ويوطأ له مهاد الطبع كما يقولون قوله. قالت أحبك قلت كاذبة ... غر بذا من ليس ينتقد هذا كلام لست أقبله ... الشيخ ليس يحبه أحد سيان قولك ذا وقولك أن ... الريح نعقدها فتنعقد أوأن تقولي النار باردة ... أوأن تقولي الماء يتقد وقوله: لا ومن أعمل المطايا إليه ... كلُّ من يرتجى إليه نصيبا وما أرى ها هنا من الناس إلا ... ثعلبا يطلب الدجاجة وذيبا أوشبيها بالقط ألقى بعين ... يه إلى فارة يريد الوثوبا وحدثنا أبوبكر بن القوطية قال كان عباس بن ناصح الثقفي قاضي الجزيرة الخضراء يفد على قرطبة ويأخذ عنه أدباؤها فمرت بهم يوما قصيدته التي أولها. لعمرك ما البلوى بعار ولا العدم ... إذا المرء لم يعدم تقي الله والكرم حتى مر بهم قوله: تجاف عن الدنيا فما لمعجز ... ولا عاجز إلا الذي خط بالقلم وكان الغزال إذ ذاك في الحلقة وكان حدثا نظاما متأدبا متوقد القريحة فقال: أيها الشيخ وما الذي يصنع مفعل مع فاعل فقال كيف تقول فقال كنت أقول فليس لعاجز ولا حازم فقال له عباس والله يا بني لقد طلبها عمك فما وجدها. (تمت هذه الرسالة الثانية) الرسالة الثالثة مقامي في قرطبة

стр. 3470

(كتبت هذه الرسالة في قرطبة سنة ست وأربعين وثلاثمائة من هجرة المصطفى ﷺ بدار كتب سيدي الحكم بن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين حفظه الله وأعز به العلم والدين) (وسأستوعب لك في هذه الرسالة جميع ما رأيت وشاهدت وسمعت وأخذته عيني ولقفته أذني مدى الأيام التي قضيتها ي حضرة بلاد الأندلس منذ قدومي إليها سنة خمس وأربعين وثلاثمائة إلى اليوم الذي وضعت فيه هذه الرسالة من سنة ست وأربعين وثلاثمائة الموافقة سنة سبع وخمسين وتسعمائة من ميلاد السيد المسيح صلوات الله عليه) قدومي إلى قرطبة كان وصولنا إلى قرطبة في ذلك الموكب الفخم النبيل الذي قام بنا من المرية وفيه أبوعلي القالي البغدادي وأبوعبد الله الصقلي الفيلسوف وأمير البحر الأكبر عبد الرحمن بن رماحس الذي أمره - كان - سيدي الحكم بأن يتلقانا في المرية ويجيء معنا إلى قرطبة في جماعة من أعيان الأندلس وأدبائها وقوادها - عصر يوم الخميس السادس والعشرين من رمضان فكانت الليلة ليلة القدر، ومن ثم حثثنا السير، ودخلنا قرطبة من بابها القبلي مما يلي ضفة نهر الوادي الكبير، وقصدنا تواً إلى أحد قصور الإمارة، وهوالقصر الذي أمر سيدي ولي العهد بإعداده لنا، فنزلنا به وألقينا عصا التسيار وما كدنا نضع أمتعتنا حتى شخصنا إلى الجامع الأعظم - جامع قرطبة. ليلة القدر في جامع قرطبة قصدنا إلى الجامع الأعظم منشرحي الصدر، لحضور ليلة القدر. والجامع قدس الله بقعته ومكانه، وثبت أساسه وأركانه، قد كسي ببردة الإزدهاء، وحل في معرض البهاء، كأن شرفاته فلول من سنان، أوأشر من أسنان، وكأنما ضربت على سمائه كلل، أوخلعت على أرجائه حلل، وكأن الشمس خلفت فيه ضيائها، ونسجت على أقطاره أفياءها، فترى نهارا قد أحدق به ليل، كما أحدق بربوة سيل، ليل دامس، ونهار شامس، وللذبال تألق كنضنضة الحيات، أوإشارة السبابات في التحيات، قد أترعت من السليط كؤوسها، ووصلت بمحاجم الحديد رؤوسها، ونيطت بسلاسل كالجذوع القائمة، أوكالثعابين العائمة، عصبت بها أتفاح من الصفر، كاللقاح الصفر، بولغ في صقلها وجلائها، حتى بهرت بحسنها ولألائها، كأنها جليت باللهب وأشربت ماء الذهب، إذ سمتها طولا رأيت منها سبائك عسجد، أوقلائد
следующие страницы →