← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

وإعجابا للإنسان لا يعرف فضله من نقصه ولا كيسه من حمقه ولا حذقه من خرقه ولا قوته من ضعفه إلا بعد أن تكشف له أحداث الدهر عن سر ذلك. ولئن وجدت بعض الناس يطرق خجلا وخزيا إذ يذكر بعض سالفات معايبه وسيئاته فاعلم أن سجل مستقبله ربما كان منطويا على مناقب وفضائل سوف يبيض لها فخارا ويترنح لها عطفه زهوا وتيها.

стр. 3467

الناس عباد ما عشقوا المرء إذا هام قلبه بشيء لم يزده العذل إلا هياما ولا اللوم والتفنيد إلا صبابة وغراما. فإذا أحب امرأة أعرض عن مقالة الغير فيها وأبى إلا إصغاء لوحي ضميره وإملاء فكره. ومالي ولاستماع ما يقوله صاحبي عن معشوقتي فليس هوالهائم الولهان إنما الهائم الولهان قلبي. أنا الذي أقدر قيمة ما هويت وأحببت وأنا الذي أحدد ثمنه ومهره. ولقد يكون عديم القيمة في نظرك وهومع ذلك يرجح عندي بالعالم أجمع. فلوكنت أملك تاج الأكاسرة والقياصرة وخزائن قارون وحازت يدي ما حوت من اللؤلؤ صهاريج عمان ومن الماس والياقوت مناجم الهند وسيلان لجدت بها جميعا لأظفر بنظرة من معشوقتي. فإذا قلت أني غر أحمق فماذا تقول في الملك الذي يدفع نصف ولاية من ولايات ملكه ثمنا لبلورة صغيرة في حجم بيضة اليمامة يسميها الناس (ماسة) وماذا تقول في السري الشريف إذ يتجشم الأهوال العظام ويستهدف للموت الزؤام. ويضحي شطر حياته وجل راحته من أجل إحرازه شريطا أزرق يسميه الناس (وساما) وماذا تقول للتاجر الهولندي الذي زعموا أنه دفع عشرة آلاف من الجنيهات في زهرة من أزهار الزنبق. هؤلاء لا شك أسفه أحلاما. وأخيب سهاما. كل له غرض يسعى لإدراكه فراغب في العلم وطالب للشهرة ومولع بالتزيين والتجمل والتأنق افتتانا للناس يحسن بزته وجمال حليته وطامح إلى التفوق في بعض الفنون والصناعات واكتساب خالد الذكر لإخراجه للملأ أثرا خالدا من بدائع الشعر أوالتصوير أوغير ذلك ولا أكثر ولا أقل من هؤلاء عاشق الجنس اللطيف الذي قد جعل همه من الحياة الحصول على امرأة قد هويها فانحصرت في شخصها أمانيه ومآربه. فيا أيهذا المعيري بإضاعة أوقاتي ومجهوداتي في سبيل امرأة تفخر عليَّ بأنك من أساطين السياسة وأهل البلاط وذوي الحظوة والقربة عند أولي الأمر وذوي الحل والعقد. ألست أحمق مني وأغبى وأفسد رأيا وأسخف ذهنا. ألا تزال مثلي معني الجسم والقلب متيم الروح واللب استهام وراء أمنية لا تفضل أمنيتي وابتغاء بغية ليست أرجح قيمة من بغيتي لقب أجوف طنان كالطبلة يخال شيئاً وما هوبشيء. فتجاوز لي عن حماقتي أتجاوز لك عن حماقتك. قل لي بربك كم تعاني من غضاضة التملق وكم تقاسي من مرارة التزلف والتقرب. وكم من ليلة هرقت فيها كأس الكرى. ورضاب اللمى. وهجرت فيها ريق

стр. 3468

العنقود. وبريق مصقول منضود. وكل هذا تفرغا لتحرير مقال سياسي تحوك لحمته من الكذب والتلفيق وتنسج رقعته من المداهنة والتمليق ثم تغشيه زبرجدا من التمويه والتزويق. وكم من ساعة تقفها على قدميك العليلة الواهنة انتظار ولي نعمتك وبأي خشوع وتذلل وخنوع تركع تحت قدميه إذ ترفع إليه كتابا أورسالة - هذا على شدة إنفتك وإبائك. وعزتك وكبريائك. وإنك أعز جانبا وأحمى أنفا من أن تركع لأحد كائن من كان حتى ولوللمولى جل شأنه. حقا يا سيدي لئن كانت بغيت ومنيتي (أعني المرأة) هي خدعة وألعوبة لا تستحق الكد والعناء فليست بأفضل منها ولا أنفس بغيتك ومنيتك - اللقب الفارغ الأجوف. بيد أني على كل حال أعلم أن بغيتي لا تقل عن بغيتك زورا وغرورا فكلتاهما أبطولة وأضلولة. فلا تعب على غوايتي ما دمت أتغاضى عن غوايتك. وأولى بنا وأليق أن يضحك كلانا من نفسه ومن صاحبه ثم من غرور نفسه وغرور صاحبه سواء بسواء.

стр. 3469

حضارة العرب في الأندلس (الرسالة الثانية) من المرية إلى قرطبة تابع ومن شعر الغزال الهين اللين الذي يرتفع له حجاب السمع، ويوطأ له مهاد الطبع كما يقولون قوله. قالت أحبك قلت كاذبة ... غر بذا من ليس ينتقد هذا كلام لست أقبله ... الشيخ ليس يحبه أحد سيان قولك ذا وقولك أن ... الريح نعقدها فتنعقد أوأن تقولي النار باردة ... أوأن تقولي الماء يتقد وقوله: لا ومن أعمل المطايا إليه ... كلُّ من يرتجى إليه نصيبا وما أرى ها هنا من الناس إلا ... ثعلبا يطلب الدجاجة وذيبا أوشبيها بالقط ألقى بعين ... يه إلى فارة يريد الوثوبا وحدثنا أبوبكر بن القوطية قال كان عباس بن ناصح الثقفي قاضي الجزيرة الخضراء يفد على قرطبة ويأخذ عنه أدباؤها فمرت بهم يوما قصيدته التي أولها. لعمرك ما البلوى بعار ولا العدم ... إذا المرء لم يعدم تقي الله والكرم حتى مر بهم قوله: تجاف عن الدنيا فما لمعجز ... ولا عاجز إلا الذي خط بالقلم وكان الغزال إذ ذاك في الحلقة وكان حدثا نظاما متأدبا متوقد القريحة فقال: أيها الشيخ وما الذي يصنع مفعل مع فاعل فقال كيف تقول فقال كنت أقول فليس لعاجز ولا حازم فقال له عباس والله يا بني لقد طلبها عمك فما وجدها. (تمت هذه الرسالة الثانية) الرسالة الثالثة مقامي في قرطبة

стр. 3470

(كتبت هذه الرسالة في قرطبة سنة ست وأربعين وثلاثمائة من هجرة المصطفى ﷺ بدار كتب سيدي الحكم بن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين حفظه الله وأعز به العلم والدين) (وسأستوعب لك في هذه الرسالة جميع ما رأيت وشاهدت وسمعت وأخذته عيني ولقفته أذني مدى الأيام التي قضيتها ي حضرة بلاد الأندلس منذ قدومي إليها سنة خمس وأربعين وثلاثمائة إلى اليوم الذي وضعت فيه هذه الرسالة من سنة ست وأربعين وثلاثمائة الموافقة سنة سبع وخمسين وتسعمائة من ميلاد السيد المسيح صلوات الله عليه) قدومي إلى قرطبة كان وصولنا إلى قرطبة في ذلك الموكب الفخم النبيل الذي قام بنا من المرية وفيه أبوعلي القالي البغدادي وأبوعبد الله الصقلي الفيلسوف وأمير البحر الأكبر عبد الرحمن بن رماحس الذي أمره - كان - سيدي الحكم بأن يتلقانا في المرية ويجيء معنا إلى قرطبة في جماعة من أعيان الأندلس وأدبائها وقوادها - عصر يوم الخميس السادس والعشرين من رمضان فكانت الليلة ليلة القدر، ومن ثم حثثنا السير، ودخلنا قرطبة من بابها القبلي مما يلي ضفة نهر الوادي الكبير، وقصدنا تواً إلى أحد قصور الإمارة، وهوالقصر الذي أمر سيدي ولي العهد بإعداده لنا، فنزلنا به وألقينا عصا التسيار وما كدنا نضع أمتعتنا حتى شخصنا إلى الجامع الأعظم - جامع قرطبة. ليلة القدر في جامع قرطبة قصدنا إلى الجامع الأعظم منشرحي الصدر، لحضور ليلة القدر. والجامع قدس الله بقعته ومكانه، وثبت أساسه وأركانه، قد كسي ببردة الإزدهاء، وحل في معرض البهاء، كأن شرفاته فلول من سنان، أوأشر من أسنان، وكأنما ضربت على سمائه كلل، أوخلعت على أرجائه حلل، وكأن الشمس خلفت فيه ضيائها، ونسجت على أقطاره أفياءها، فترى نهارا قد أحدق به ليل، كما أحدق بربوة سيل، ليل دامس، ونهار شامس، وللذبال تألق كنضنضة الحيات، أوإشارة السبابات في التحيات، قد أترعت من السليط كؤوسها، ووصلت بمحاجم الحديد رؤوسها، ونيطت بسلاسل كالجذوع القائمة، أوكالثعابين العائمة، عصبت بها أتفاح من الصفر، كاللقاح الصفر، بولغ في صقلها وجلائها، حتى بهرت بحسنها ولألائها، كأنها جليت باللهب وأشربت ماء الذهب، إذ سمتها طولا رأيت منها سبائك عسجد، أوقلائد

стр. 3471

زبرجد، وإن أتيتها عرضا رأيت منها أفلاكا ولكنها غير دائرة، ونجوما ولكنها ليست بسائرة، تتعلق تعلق القرط من الذفرى، وتبسط شعاعها بسط الأديم حين يفرى. والشمع قد رفعت على المنار رفع البنود، وعرضت عليها عرض الجنود، ليجتلي طلاقة روائها القريب والبعيد، ويستوي في هدايا ضيائها الشقي والسعيد، وقد قوبل منها مبيض بمحمر، وعورض مخضر بمصفر، تضحك ببكائها وتبكي بضحكها: وتهلك بحياتها وتحيا بهلكها، والطيب تفغم أفواحه، وتتنسم أرواحه، وقتام الألنجوج والند، يسترجع من روح الحياة ما ند، وكلما تصاعد وهومحاصر، أطال من العمر ما كان تقاصر، في صفوف مجامر، ككعوب مقامر، وظهور القباب مؤللة، وبطونها مهللة، كأنها تيجان، رصع فيها ياقوت ومرجان قد قوس محرابها أحكم تقويس، ووشم بمثل ريش الطواويس، حتى كأنه بالمجرة مقرطق، وبقوس قزح ممنطق، وكأن اللازورد حول وشومه، وبين رسومه، نتف من قوادم الحمام، أوكسف من ظلال الغمام، والناس أخياف في دواعيهم، وأوزاعهم في أغراضهم ومراميهم، بين ركع وسجد، وأيقاظ وهجد، ومزدحم على الرقاب يتخطاها، ومقتحم على الظهور يتمطاها، كأنهم برد خلال قطر، أوحروف في عرض سطر، حتى إذا قرعت أسمائهم روعة التسليم، تبادلوا بالتكليم، وتجاذبوا بالأثواب، وتساقوا بالأكواب، وكأنهم حضور طال عليهم غياب. أوسفر أتيح لهم إياب. وصفيك مع إخوان صدق، تنسكب العلوم بينهم انسكاب الودق، في مكان كور العصفور، استغفر الله أوككناس اليعفور، كأن إقليدس قد قسم بيننا مساحته بالموازين، وارتبطنا فيه ارتباط البيادق بالفرازين، حتى صار عقدنا لا يحل، وحدنا لا يفل، بحيث تسمع سور التنزيل كيف تتلى وتتطلع سور التفصيل كيف تجلى، والقومة حوالينا يجهدون في دفع الضرر ويعمدون إلى قرع العمد بالدرر، فإذا سمع بها الصبيان قد طبقت الخافقين وسرت نحوهم سرى القي، توهموا أنها إلى أعظامهم واصلة، وفي أتحافهم حاصلة، ففروا بين الأساطين، كما تفر من النجوم الشياطين كأنما ضربهم أبوجهم بعصاه، أوحصيهم عين بن صاف بحصاه، فأكرم بها من مساع تسوق إلى جنة الخلد. وتهون في السعي إليها الطوارف والتلد، تعظيما لشعائر لله، وتنبيها لكل ساه ولاه، حكمة تشهد لله تعإلى بالربوبية، وطاعة تذل بها كل نفس أبية، فلم أرى أدام الله سبحانه عزك منظرا منها أبهى، ولا مخبر أشهى. . .

стр. 3472

اللورد نورثكليف لوسئل أي قارئ هل تعرف شخصا يدعى الفرد هارمسورث لأجاب بالنفي القاطع، ولكن ما أشد دهشته إذ يعلم أن هارمسورث هذا الذي جهله هواللورد تورثكليف الذي يعرفهحق المعرفة أكبر صحفي في العالم وصاحب التيمس وأكثر من نصف الجرائد والمجلات الإنجليزية التي تتداولها الأيدي. وبالإجمال هونابليون الصحافة وأكثر رجل له نفوذ في العالم. ولعل القراء أشوق ما يكون إلى التساءل كيف تم له هذا وأي رجل هو؟ ولقد أجاب على هذين السؤالين كاتب قدير وصحفي كبير هومستر جاردنر مدير جريدة (الديلي نيوز) الذي اشتهر بوصف مشهوري الرجال والكتابة عنهم ولا شك أن أقواله ستعطى نصيبا أكبر من الثقة والاعتبار بصفته صحفيا يكتب عن زميل له ولا سيما وأنه يروي عن نفسه أنه ربما كان الصحفي الوحيد الذي لم يعرف اللورد تورثكليف ولم يقع تحت نفوذه ولم يكتب له قط بل ولا رآه إلا في رواق مجلس اللوردات. فليس هناك من التعصب أوالمحاباة ما يحمله على التغالي في القول. وسيرى الراء من وصف المستر جاردنر أن الصحافة الإنجليزية الراقية لا تقترف كثيرا في أساليبها وأغراضها عن صحافتنا المصرية! قال: أن اللورد تورثكليف هومثال (رجل الشوارع) فليست له نفسية محجبة بالأسرار نود الكشف عنها ولا عقلية عميقة المدى نرغب في الوصول إليها. بل هورجل عادي بسيط واضح، لا يفهم شيئا غير النجاح المادي ولا مقياس لديه يقيس به الحياة غير هذا. لقد كان نابليون يسأل عن النجاح لنفسه فقط ولكنه يعجب به لدى الآخرين. وهذا هوالشيء الوحيد الذي يفهمه والذي يقدر به الأشخاص. وإنك لتنال التفاهة في اللحظة التي تنجح فيها. ذهب مرة إلى جلاسجوليحضر اجتماعا عقده مستر تشامبرلين ليدافع فيه عن خطة الحكومة إزاء الضرائب، فما كاد يرى عظمة الإجتماع وحماسة الجماهير البالغة حتى أيقن أن النجاح هنا وأنه سيبقى وحيدا مع الفشل. فعمد إلى تغير خطته في ليلة واحدة. وقد كانت جرائده من قبل تنعي على هذه الضرائب وتكتب قي ذمها والسخر بها. لقد حدث شيء لا يتوقعه فوثب من فوق السور في الحاللأنه يعتقد كما يعتقد المستر بيجلو (أن العناية الإلهية الرحيمة قد خلقتنا على هذا الشكل الأجوف لنستطيع أن نبتلع مبادئنا). والمبدأ الوحيد الذي يحتفظ به ولا يبتلعه هوالوقوف بجانب الفريق الغالب دائما.

стр. 3473

واعتياده هذا على سرعة تقرير الأمور دون مراعاة لمبدأ أواحتفاظ برأي هوسر نجاحه، فليس له مبدأ أخلاقي أوفكري يقف عقبة في سبيله ولا علة تتغلب عليه، ولا نظرية يخضع لها، ولا رأي في الحياة يذود عنه. ولا هم له إلا أن يسأل ببساطة (أي شيء أربح؟) ثم يقذف بنفسه في تلك الجهة. كان اللورد تورثكليف يزيد شعلة الحرب التهابا في جنوب إفريقيا، ولم يفعل ذلك عن شعور حقيقي بالكراهة للبوير. لأنه كما أظن ليس من الذين يحملون في صدورهم ضغناء أوعداوة، لأن العداوة تفيد التعلق بمبدأ في الحياة وتدل على خلق ثابت صحيح. ولوأن البوير فازوا في الحرب لخشيت أن يكتب لهم جواب تهنئة! ولكن الرأي العام كان إذ ذاك تغلي مراجله حماسة وكرها. ز كانت خطته الصحفية أن يقدم إلى الجمهور الطعام الذي يرغب فيه. فإذا كان يرغب في الحرب فإن واجبه يقضي عليه بتصويره الأعداء في أبشع الصور وأشنعها. وإذا كان يتوق إلى التحمس أمده به. فإن كانت حماسة الجماهير تتطلب سحق فرنسا فإنه يصبح أشد المناوئين لها ويكتب في سنة ١٨٩٩ قائلا (إذا كان الفرنسيون لا يقلعون عن أهانتهم فإن مستعمراتهم تؤخذ منهم وتعطى لألمانيا وإيطاليا. إن الفرنسيين قد أقنعوا جون بول (الإنكليز) لأنهم أعدائه الألداء. لقد ترددت إنجلترا كثيرا في الاختيار بين فرنسا وإنجلترا. إننا نحترم دائما الأخلاق الألمانية ولكن بدأنا نشعر باحتقار فرنسا، لا شيء يقوم مقام اتفاق ودي بين إنجلترا وبين أقرب جاراتها إليها) فإذا تغير تيار الرأي العام وابتدأ يسيء الظن بنوايا ألمانيا كان هوأول من يلقي الحطب في النار قائلا سنة ١٩٠٣ (نعم نحن نكره الألمانيين ونكرههم من أعماق قلوبنا. إن أعمالهم قد بغضتهم إلى أوروبا كلها. إني لا أسمح لأي إنسان أن يخط اليوم حرفا في جريدتي يمس به فرنسا كما أني لا أحب أن يكتب أحد سطراً واحداً يرضي به ألمانيا) فهويحذف من قاموسه تلك الكلمة الخرقاء (الثبات على الخطة). ويغاير يومه أمسه غير خائف من النقد والتقريع. إنه يعلم أن الجماهير تنسى كل شيء ولا يطلب إلا التأثير الحاضر والغذاء اليومي. فهولا يعتبر نفسه في الحقيقة إلا مورداً لبضاعة عامة. فإذا تغير ذوق الجمهور كان أسرع الناس إلى التغيير معه. والحقيقة أن اللورد نورثكليف معدود من ذوي العقول الوضيعة الضئيلة. فليست آراءه ذات قيمة كبيرة وهولذلك لا يحجم عن

стр. 3474

استبدالها بآراء غيره بشرط أن تكون هذه آراء الأغلبية. ففي سنة ١٩٠٤ كان يؤيد حزب التقدم إذ كان النصر في جانبه ولما تحقق سقوطه في سنة ١٩٠٧ أخذ يملأ جرائده بالمطاعن والحكايات الخيالية في سوء أعماله. وليس كل هذا لأنه اختلف معهم - لأن الاختلاف على شيء يدل على التمسك بمبدأ أوعقيدة - ولكنه يتبع الجماهير. هذه الفكرة التجارية المحضة عن الصحافة هي فكرة اللورد نورثكليف التي أهداها لعصره. لقد كانت الصحافة مهنة فأصبحت تجارة. لقد كان لها غرض أخلاقي فأصبحت بين يديه ولا غرض أخلاقي لها أكثر من الغرض الذي ترمي إليه صناعة الصابون، لقد كانوا يقولون قديما عن الجرائد أنها مرشدة الرأي العام. أول واجباتها أن تنقل الأخبار دون تحيز شخصي أوعمومي. وثانيها أن تدافع عن خطة سياسية تعتقد أنها في مصلحة الأمة والدولة. تحترم الحقائق وتعتقد أن هناك قانونا أخلاقيا جامعا تخضع له الأشياء. ولكن اللورد نورثكليف غير كل هذا. لقد بدأ عهده بالصحافة وهوخال من المبادئ والعقائد. كانت الصحافة قديما تخاطب عقول الرأي العام المسؤول فأصبح هويخاطب أهواء غير المسؤولين. كانت الجرائد تمد الناس بالأخبار فأصبح هويمدها بالحماسيات والمشوقات، كانت الجرائد قديما تكتب ما تمليه الآراء المعقولة فأصبح هويكتب ما تمليه العواطف المنفعلة. لقد قلت أن اللورد نورثكليف هورجل الشوارع وأعني بذلك أن عقله لا يرقى عما يتطلبه تيار الجماهير. فترى في كل أعماله طابع العقل العادي بدرجة غير عادية، ومظهر الخلومن الأفكار والجري وراء كل تافه والإعجاب بكل ضجة جوفاء والنفور من كل شيء قوي نافع سليم في الحياة.

стр. 3475

أحدث مدهشات التلغراف اللاسلكي من ذا الذي لا يدهش حينما يسمع أنه أصبح من الممكن استعمال التلغراف اللاسلكي في الطباعة؟! ومن ذا الذي لا يأخذ منه العجب كلما مأخذ وقت ما يصل إليه أنه غدا لجهاز (مركوني) قدرة على تكوين السحب وإنزال المطر؟! وأنه صار من الميسور أن تؤخذ به الصور الفوتوغرافية، وتنقل به الأصوات بل وترسل بواسطة أنغام فرقة موسيقية برمتها من مكان إلى أخر، مهما عظم بعده وترامت مسافته؟!. حقا إن ذلك لمن أعجب العجب، وقد يخيل لكثير أن هذه أخبار تسرد لمجرد التفكه والتسلية. وإنها أشياء لا يقبلها العقل ولا تقرها الحقيقة. . ولكن الفنيين يؤمنون بها ولا يرون فيها مستحيلا، علما منهم بأنه لا حد لما يحدثه وسيحدثه التلغراف اللاسلكي من المدهشات والعجائب. أما استخدام التلغراف اللاسلكي في الطباعة فيعزى فضله إلى (المستر ف. ج كريد) الذي اخترع آلة يمكن بواسطتها أن يكتب المرء - بكيفية خاصة طبعا الرسالة التي يود إبراقها. فتلقى عند محطة الاستلام مطبوعة بحروف المعتادة. ذلك إلى السرعة الفائقة في الكتابة فقد استطاعوا الآن أن يتراسلوا بسرعة. أعجوبة تكون الأمطار هذه حقيقة، هي أعجوبة من أعاجيب الاختراع ومدهشة من مدهشات الاستنباط والابتكار. . . . كانت فكرة تكون الأمطار الشغل الشاغل لخبير من الخبراء بأسرار اللاسلكية في أستراليا اسمه (المستر بالسيلي) وبعد درس طويل وبحث دقيق وتجارب عديدة أعلن أخيرا أنه تمكن من إنزال المطر في وقت كانت في السماء صافية تمام الصفاء. . . وقد أجرى المستر بالسيلي هذا تجربة استعمل فيها أجهزته الخاصة. وما هي إلا ست ساعات تمضي على ابتداء العمل حتى ترى السحاب أخذ يتكون شيئا فشيئا ثم يتساقط بعد ذلك مطراً. أما التصوير اللاسلكي. فأول من استنبطه عالم من كيار العلماء الالمان يدعى (بيلين) ولما كانت الألعاب الأولمبية، ذهب فشاهدها ثم أرسل صورها بجهاز له من مدينة إنثورب إلى باريس. والصور الفوتوغرافية ترسل كذلك بواسطة التلغراف المعتاد. وللمستر (بيلين) جهاز لذلك

стр. 3476

الغرض أيضا. وسيستعمل للقريب العاجل في المسائل القضائية. فإذا فر منه مثلا أحد المتهمين أوالمحكوم عليهم أمكن إرسال (بصمة) إصبعه إلى جميع الأنحاء التي يظن أنمه لجأ إليها. وبذلك يسهل القبض عليه. إرشاد السفن في الضباب وكذلك أصبح التلغراف اللاسلكي يستخدم في إرشاد البواخر في عرض البحار، وإن (المحطة الكبرى) الموجودة الآن في (برج إيفل تلعب الآن دورا هاما في ذلك اصدد. فهي ترسل إشارات خاصة يتسنى للربان بواسطتها أن يضبط (الكرونومتر) الذي أمامه إلى درجة عظيمة من الدقة وضبط (الكرونومتر) هومن الأهمية في تسيير البواخر إلى حد أنه إذا فسد يقع الربان في حيرة وارتباك. وإذا تكاثف الضباب، وضلت في ظلامه سفينة من السفن أمكنها أيضاً أن تعرف مكانها بالتحقيق وذلك بمواصلات لاسلكية بينها وبين محطات أنشئت خاصة لتعين اتجاهات السفن ويوجد الآن منها كثير على شواطئ انجلتره وغيرها من الممالك. ومن ناحية نقل الأصوات وإبراق الأنغام فحسبنا أن نعرف أن الحفلات اللاسلكية أضحت من الأشياء مألوفة في كثير من الممالك الراقية!! حقا كل هذا عجيب غريب وإن الإنسان ليسأل نفسه (وماذا بعد ذلك؟) ولكن المستقبل وحده الكفيل بالإجابة.

стр. 3477

العدد ٦١ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩٢١

стр. 3478

قانون الحب حب الوطن هذا بحث جديد نقتطفه من كتاب ممتع شعري النزعة رائع الأسلوب. هوكتاب (قانون الحب) وضعه كاتب من مشهوري كتاب فرنسا المعاصرين. وهومسيوجافير، قصر الجزء الخامس منه على (حب الوطن) وأفاض في هذا الموضوع وتناول الوطنية من جميع نواحيها. فخرج كتابه سفرا جديدا في موضوع لم يسبق لكاتب أن جمع شتاته بين جلدتي كتاب. الوطن - هوتلك الشخصية الإنسانية السامية الثابتة المستكملة التي أرسلتها القوة الإلهية لتكون رادعا للنزعة الأنانية مطهرة لمساويها. ذهابة بدناآتها. إن الفرد منا مدين بكل شيء للبان أمه. والإنسان الاجتماعي مدين بكل ما ملك لسلطان وطنه. وليس البون الذي يفصل بين الهمجي وبين المتحضر إلا دليلا بيناً على فضل أمنا الأولى - وطننا المقدس - على كل فرد منا. فكل ما لدينا من الخيرات المادية والاجتماعية والخلقية والذهنية إنما استمددناه من سلسلة مستطيلة من حقب الحياة الاجتماعية، من تلك الأجيال التي كدت وناضلت وتألمت وانتصرت، لتخلف لنا أثرا أهليا وتنفي عن سلالتها والأجيال المنحدرة بعدها ذلك التخبط الذي عانته هي وأحست آلامه. بل إن حريتنا ليست إلا نسيجا من آلام الملايين من المخلوقات التي ناضلت لتحبونا به قويا متينا كاملا. بل إن الدعة التي ننعم اليوم بها لم تقم إلا على أكداس من أولئك الشهداء الذين سالت دمائهم في سبيل الظفر بها لأجلنا. وإن فنوننا وعلومنا وخيرنا ليست إلا ثمار تلك المتاعب ونتاج تلك المجهودات التي بذلها أولئك الأسلاف العاملون الذين يضطجعون اليوم في مساكن الآخرة. أولئك الذين ارتضوا الموت معذبين متألمين في سبيل إسعادنا بثمرات أعمالهم. فأي رجل من الحمق والبلاهة بحيث يجرؤ أن يقول أنه غير مدين بفضل ما لوطنه. إن أمنا الأولى تتخلى عن العناية بنا منذ اليوم الذي يوحي فيه إلينا شعورنا بالحياة أننا قد صرنا أقوياء، وأن أسرتنا لتكف عن عوننا منذ اليوم الذي نبح فيه قادرين على أن نخلق نحن أسرة مثلها. وننشئ عشيرة على غرارها: ولكن ليس في العالم كله رجل متحضر يستطيع في أي مرحلة من مراحل العمر أن يجد غناء عن وطنه.

стр. 3479

إن روح الوطن لتنفذ في جميع هذه العناصر التي تحوطنا والتي نعيش عليها فالأرض التي تطؤها نعالنا ليست إلا دقيق عظام الموتى. والهواء الذي ننشقه يحمل إلى شواطئ أرواحنا عبق فيض الوطن. بل إن شمس وطننا وسرحاته وأوديته وجباله وأنهاره وسهوله ليست إلا دروسا ومعاهد وابتسامات ومباهج لا نجدها في أفق غير أفقنا وأرض سوى أرضنا. إن تلك المناظر التي نجلوبها أعيننا واللغة التي تصب في أسماعنا والمشاعر التي نستسر في نفوسنا. كل أولئك هو (الوطن) الذي بذل نفسه لنا ويوحي إلينا أننا لا نستطيع بذرة واحدة من ذرات أرواحنا أن نستكفي عن حنانه ونستغني عن عاطفته وعناقاته الجميلة الناعمة. ليس في العالم شعب لم يرجف ولم يثب إحساسه على ذكر كلمة (الوطن) ولم.

стр. 3480

بطل مصر العظيم سعد زغلول إنما ألهم الناس أن يعينوا هذا البطل نائبا عنهم لأن الله سبحانه وتعإلى كان قبل ذلك قد اجتباه واختاره وعينه ناصرا ومؤيدا لحقيقة من الحقائق الكبرى وتاجرا مروجا لها عن تمام اعتقاد لها في أعماق نفسه بحيث يتجلى لأشد معارضيه وألد خصومه إنهم إنما يطاولون الطود الشامخ الباذخ ويساجلون التيار الدافق الزاخر وأنهم وإياه. كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل أجل يتجلى لأهل المراء والمعاندة أن أمامهم صخرة تتفتت عليها بددا وترفض دونها هباء هجمات القحة وحملات الاعتداء من أحزاب المروق والفسوق، فلا جرم أن تصبح هذه الصخرة الصلدة محل ثقتنا واعتمادنا، وأن يكون بذروة هذا الجبل الأشم اللائم بذؤابته أشعة كوكب الحرية مناط أمانينا وآمالنا، وأن تكون ثقتنا به بعد ذلك عمياء فلا يسأل عما يفعل إذا كانت روحه خلاصة أرواحنا ونفسه صورة مؤلفة من مجموع نفوسنا، وكان هوذاته الوطن الذي يمثله وهوعنوان آرائنا ومبادئنا ونزعاتنا وعواطفنا يمثلها في صفحته الناصعة النقية أبين تمثيل وأصدقه وأبرأه من شوائب الأغراض والغايات وغبار التهم والشكوك والشبهات. فلا يعد عجيبا أن يجعله الشعب مقياس شعوره والمرآة التي يستبين في صفحتها صورة المثل الأعلى من الهمة والواجب فيتخذها القدوة يصلح من نفسه احتذاء لمثالها وطبعا على غرارها ليشبهها ويحكيها. وهنيئا لهذا الشعب الذي اختار من ذلك البطل رجلا جزلا شديدا. صلبا جليدا. وليس كبعض الناس خيالا أجوف وشبحا فارغا تنفذ فيه اليد ولا تراه العين. إن من أبين الأدلة على بطولة سعد استغناءه بنفسه واستقلاله بذاته. وتلك شيمة الرجولة وآية البطولة. إن سعدا لهوالكنز الثمين والذخر العتيد والغنى الواسع والثراء العريض حتى لقد يستحيل على الذهن أن يتصوره بحالة ضعف أووهن أوعجز أوخور أواستكانة أواستخذاء أوذلة أومسكنة أواحتياج إلى معونة ناصر أومساعدة عضد مؤازر أوافتقار إلى أنس أنيس. أومسامرة جليس. ومحال أن يتمثل للوهم وكأنه وحيد أومستوحش أوفقير أومعسر أوشقي بائس. أوقانط يائس. أوحزين مغموم. أومطرق مهموم. بل إن الذهن

стр. 3481

البشري لا يستطيع أن يتخيله فخما ضخما جليلا جبارا متكبرا عزيز الجانب حمي الأنف متحفزا طماحا مستعليا على الأقران غلابا للخصوم مفراحا ممراحا جذلان مستبشرا طروبا. طلق الجبين تخاله كوكبا مشبوبا ثم تراه فوق ذلك كله راسي الأساس راسخ القواعد موطد الأركان ثابت الدعائم لا تزعزعه الكوارب الكوارث، ولا تزلزل منه مفظعات الخطوط والحوادث. وأي قوة في الأرض تستطيع أن تهز من ذلك الرجل العظيم وقد تشبع بأقدس فكرة وجاش قلبه بأكبر أمنية، بل أي غطرسة من جبابرة الأرض تستطيع أن تكف من غربه أوتفل من حده بعد ما تمطر منه في حلبة الجهاد أعتق جواد سباح. وحلق منه في سماء النهضة الشماء أجرأ نسر طماح. وماذا تبتغي فئة المعارضة والمعاندة وطائفة الهزيمة والخذلان والذل والعار - ماذا تبتغي الفئة الضالة الآثمة من رفع أصواتهم بسخف القول وهذيانه. أيحسبون أن صرير الجنادب سيبلغ مسامع من قد استحوذت على مشاعره نشوة ملائكية من رحيق الحرية المقدس، لقد ارتفع البطل العظيم فوق منال تلك الأصوات الخبيثة منذ تناول الكأس الإلهية المصنوعة من ندى أجنحة الملائكة فانتهج في مراقي العلياء ذلك المنهج الذي سلكه من قبله محرروالشعوب ومخلصوالأمم وبات ينتعل الفرقدين ويطأ بأخمصيه المجرة والسهى. لا غروأن يصبح سعد بعدما أفعم صدره بفكرة الاستقلال الملتهبة ولعبت برأسه سورة الكأس المقدسة ورنحت نشوتها أعطافه قد اقتحم كل عقبة واستسهل كل صعوبة في سبيل الحرية. فمضى يعسف النجاء كما زل ... ل من المنجنيق مردى رجام أوكما انقض كوكب أوكما ط ... ارت من البرق شقة في غمام واضعا نصب عينيه الغرض الأشرف الأسمى يدوس بنعليه كلما يعترضه في سبيله المجيد من كيد أودسيسة أوتخويف أوتهديد بل لا يبالي نفيا ولا حرمانا ولا تجريدا ولا سجنا ولا جوعا ولا ظمأ ولا عريا ولا جميع آلات التعذيب والتمثيل مما هوشر مساوئ عهود الإرهاب والعصور المظلمة - كل ذلك جدير أن يتلقاه سعد ساكن الجأش منشرح الصدر باسم الثغر لأن روحه العالية الكبيرة تأبى إلا أن تستخف بهذه العقوبات إزاء غرضها

стр. 3482

الشريف الأنبل فتنعدم في نظرها هذه الآفات كما تنهزم جحافل الظلماء أمام أسنة الأشعة المشرقة بل ما أجدر روحه العظيمة أن تستلذ آلام تلك الفظائع في سبيل الواجب المقدس ومازال أبطال الحرية من أقدم الأزمان إذا نزل أحدهم من بطن أمه أخذ أخصر طريق إلى موقف مناوأة الظلمة الجبابرة الطغاة ثم أخذ أقصر طريق من هذا الموقف إلى المشنقة أوالمقصلة أوسيف الجلاد ثم تراه يتهافت على الموت كأنه ألذ متعة النفس وأشهى أمنية الروح، ولا بدع أن يفرح الأبطال بالموت إذا وجدوا الحياة شرا من الموت. أبوأن يذوقوا العيش والذم واقع ... عليه فماتوا ميتة لم تذم دعاها الردى بعد الردى فتتابع ... تتابع منبت الفريد المنظم ومن كانت هذه درجته من البطولة كان حريا أن لا يقشعر جلده الرقيق من أفظع آلات التعذيب وأن لا تروعه النار المحرقة، واللجة المغرقة. والعقدة المزهقة ولا السيف المشهور. والكفن المنشور. واللحد المحفور. وقد روي عن القس المتورع (أنتوني بارسونر) من أفراد الملة البيوريتانية الإنكليزية أنه لما قدمه جبابرة الكاثوليك للنيران فدنا منه لهيبا تناول قشا من بين يديه فوضعه على رأسه ليكون أسرع لسريان النار ثم قال (هذه قلنسوة الله). وكذلك ترى إن أس البطولة هوالثبات على المبدأ وما رأينا ولا سمعنا بمن بذ سعدا في هذه الفضيلة. لقد رأينا من كان حوله يتلونون كل ساعة لونا ويتشكلون كل برهة شكلا تأثرا بالأهواء والمطامع وحرصا على إرضاء بعض الأفراد أومتابعة الجماهير. والحرص على إرضاء الأفراد ومتابعة الجماهير مناف للبطولة بل هوعكس البطولة ونقيضها إذ هوالخور والضعف المبين بينما البطولة هي القوة العظمى. هذا ومتابعتك الغيرة دليل على فرط حاجتك إلى تأييدهم إياك ومساندتهم لك عطفهم عليك. واحتياجك إلى مثل هذا من الغير دليل على ضعفك وعجزك عن القيام على قاعدتك وأساسك. والرجل العظيم متى اقتنع بصحة رأيه وصلاح فكرته نفذها بلا أدنى اهتمام بآراء الغير بل نفذها على اعتبار أنه هووحده الحي العائش على ظهر المعمور وإن كل من حوله من أناس ليسوا سوى أحلام وأوهام. فإن شئت أن تكون رجلا وتكتب في سجل البطولة فنفذ فكرتك وامض عزمتك والزم مذهبك واثبت على مبدئك وإذا حمل ذلك الناس على الضجيج من حولك استنكارا لك

стр. 3483

واغتياظا منك فزدهم غيظا وكربا باستمرارك على خطتك وتماديك في منهاجك. وهنأ نفسك أعظم التهنئة على أنك أتيت شيئا عجابا وأمرا مستغربا مخالفا للمتبع والمألوف خارقا للعادة لأنك قد ارتفعت بهذا عن مستوى جيلك السخيف البليد المغفل الأعمى المرين على بصره المطبوع على قلبه الراسف في أغلال المذاهب السخيفة الغبية. وقيود المبادئ القديمة الرجعية. ولقد روي أن فتى جاء مرة شيخه يستنصحه في أمر قد هم به ولكنه يخشى عاقبته فقال له الشيخ نصيحتي إليك يا بني أن تفعل أبدا كل ما تخشاه وتخاف عاقبته. وكذلك يتضح أن البطل لا يتزعزع ولا يتزحزح ولا يستمال ولا يستدرج ولا يرشى ولا يباع ولا يشترى. أجل إن الروح العظيمة لا تبيع استقلالها وعظمتها وشرفها فهي لا يهمها طعام هنيء. ولا شراب شهي. ولا لباس بهي. ولا مهاد وطي. ولا وثار طري. إذ كان سر العظمة ولبابها هوفي الافتنلع بأن الفضيلة حسبها والمجد غايتها. ما سرها اللؤم والغضارة في العي ... ش بديلا بالمجد والقشف وقد ما عرف عن العظمة أن الفقر حليتها والزهد تاجها. وأنها ما سرتها قط المكاسب والمغانم. ولا ساءتها الخسائر والمغارم. ولست بمفراح إذ الدهر سرني ... ولا جزع من صرفه المتقلب كلا بلوت فلا النعماء تبصرني ... ولا تخشعت من لأوائه جزعا ونحن لا نزال نرى البطولة تستحي أن تباشر اللذات الجثمانية والشهوات المادية حتى لتود لوتجردت من حواسها وتخلصت من بدنها. فهي من باب أولى حرية أن تحتقر مظاهر التنعم والترف. والبذخ والسرف. وهل رأيت أوسمعت قط ببطل يعنى بقيافته وهندامه، أوبحليته ووسامه. أويعلق أدنى أهمية على ألوان خوانه. أوألوان ردائه وطيلسانه. أويكاد يختنق غما إذا أتاه طباخه بالمسلوقة بدل القلية. أويهم أن ينتحر هما إذا حرم علاوة أودرجة في الميزانية. أويجعل همه من الدنيا محظية أو (أبعدية)، أو (بسكويتا)، أو (بنكنوتا) أوشهادة رئيس كذوب. أوابتسامة مومس خلوب. كلا ما كان ذلك قط من شيمة الأبطال ولا من شيمة سعد وحاشى لسعد وهو البطل العظيم أن يسف لأمثال هذه الحقائر مثلما يسف إليها أقوام تحككوا فيه كذبا وبهتانا، وانضموا إليه زورا وعدوانا فحسبوا وهم الأصفار النوكى. والأحراض الهلكي. إنهم بفضل ما انعكس عليهم من سنا نوره الوضاء

стр. 3484

سيخدعون الناس عن حقائقهم فيوهمونهم أنهم المشرقون الييرون - وأنهم للمضلمون المعتمون. أجل إنا لا ننسى ما قد تسفل إليه أولئك الأصفار من حقائر الأغراض يوم كانوا مع سعد اثقالا على عنقه وأعباء على عاتقه وأغلالا وآفات ومصائب وهم يوهمون الناس أنهم أنصاره وأعوانه. وإخوانه وخلانه. ولكن البطل سعدا لا يحفل بأولئك الأصفار فإنهم كالأصفار عن شمال كميته الإيجابية لا قيمة لهم معه ولا يحدثون في مقداره الهائل العديم الحد زيادة ولا نقصانا وإن كنت شخصيا أميل إلى الاعتقاد بأنه بعد انفصالهم عنه قد صار أعظم وأكبر. وأصبحت كميته أوفر وأكثر. ومن كان يحسب أن خبائث أولئك الغادرين وسخائف غيرهم من الخونة المارقين وعواء سواهم من الحمقى المأفونين تثير غضبة سعد أوتكدر صفاءه فلينفينا هذا الوهم من خاطره وليعلمن أن بطولة سعد تأبى عليه أن يقابل هذه الحماقات والسخافات وهذه النذالة والسفالة إلا بمنتهى الاستخفاف والهزء والضحك. وقد ما كان الضحك والميل إلى المزاح والمعابثة من أروع سجايا البطولة. ومازالت صحف التاريخ تعرض عليك الأبطال في ساعة الروع وأزمة الهول والبلاء أشرح ما يكونون صدرا. وأرخى بالا وأبسم ثغرا. والأدلة التاريخية على ذلك أكثر من أن تحصى. نورد لك من بينها موقف سقراط ساعة إعدامه وأمازيح سير توماس مور وهوعلى المشنقة. وقول حلحلة الفزاري وسعيد بن أبان الفزاري. فإن عهد الملك بن مروان لما أحضرهما ليقيد منهما قال لحلحلة (صبرا) فقال حلحلة أي والله. أصبر من ذي ضاغط عركرك ... ألقى بواني صدره للمبرك ثم التفت للجلاد (وكان صاحب الثار) فقال له أحد الضرب فإني والله ضربت أباك ضرب أسلحته فعددت النجوم في سلحته. ثم نظر عبد الملك إلى سعيد بن أبان فقال له (صبرا سعيد) فقال إي والله. اصبر من عود بجنبيه الجلب ... قد أثر البطان فيه والحقب ونذكر أيضاً من هذا القبيل قول وكيع بن أبي الأسود فإنه لما يأس منه خرج الطبيب من عنده فقال لابنه محمد إنه لا يصلى الظهر فقال له أبوه ما قال المعلوج فقال وعد أنك تبرأ فقال وكيع أسألك بحقي عليك إلا ما خبرتني بالحقيقة. فقال ذكر أنك لا تصلى الظهر قال

стр. 3485

ويلي على ابن الخبيثة والله لوكانت في شدقي للكتها إلى العصر. ومن هذا الباب أيضاً ما جاء في مأساة (السياحة البحرية) للشاعرين الجليلين الإنكليزيين (بومون) و (فلتشر) على لسان (جوليتا) والقبطان البطل وزمرته الشجعان. جوليتا: ويحكم أيهم المتمردون. أما علمتم أن في استطاعتنا إعدامكم؟ القبطان: بلى. وأنت أما علمت أن في استطاعتنا أن ننعدم ونهزأ بك ونحتقرك. هذه - وأبيك - أجوبة محكمة. صادرة عن أفئدة مضرمة. وكلمات مأثورة نقطة فائضة من أرواح كبيرة. قد أصبحت لفرط عظمتها تستهين بالعروش والتيجان. والسطوة والسلطان. وتلهو بالمحن العظام. والكرب الجسام. وتلعب والخطب مشمر من ثيابه. وتضحك والموت كاشر عن نابه. وقد ما كان الضحك زهرة الفطرة السليمة. واللعب ثمرة الشيمة القويمة. ولا بدع فأجسم حوادث الدهر وكوارث الزمن أحقر في عين البطل وأضأل من تثير خاطره وتكدر صفو باله. فالحق عنده والواجب أن تكون الحياة كلها عيدا وعرسا وأن تصدر منه أعماله الكبار. وكأنها النغم الرخيم منبعثا عن الأوتار. أو كأغاريد البلابل والقمارى. حتى ولو كانت هذه الأعمال هي تقويض دولة الأشرار. وثل عروش الجبروت والفجار. وتطهير أديم الأرض مما قد لوثه من خبائث الطغاة. وإنقاذ العالم مما قد جثم على متنفسه وشد خناقه من جرائم الظلمة والعتاة. ونحن ما زلنا نرى العظيم في كل زمان أومكان ينبذ النواميس المتبعة والتقاليد المألوفة ظهريا منتهج سبيل غريزته. ممثلا دوره المجهول عليه بفطرته. أصم عن العازلين معرضا عن المعارضين جاعلا تحت قدمه ودبر أذنه صيحة الساخطين. وصرخة الناقمين. فلو استطعت أن تجمع في مخيلتك أبطال العالم وعظماء الدهر منذ بدأ الخليقة فتستشف ثمت حقائقهم وأكناههم إذن لبدوا لعين بصيرتك كأنهم صبية يلعبون وغلمة يمرحون ويعبثون. وإن بدوا لأعين الجماهير متلفعين أردية الجد والتوقير. متسربلين حلل الأبهة والنفوذ والتدبير. قد تصادف في كل مليون إنسان واحدا تستبيك منه شيم أحلى من المدام. وأشجى من الأنغام. وأشهى من المنى والأحلام. وتستصبيك منه شمائل. أرق من الأصباء والشمائل: في أريحية كما اهتز الجسم. ولوذعية مثلما ائتج الضرام فإذا بحثت عن سر هذا التفوق والنبوغ ألفيته الشذوذ عن مألوف العادات. ومحترم السخافات. وما يعظمه الجمهور من

стр. 3486

مشروع الأضاليل. ومقدس الأكاذيب والأباطيل. وكذلك شيمة البطل العظيم سعد وهذه شمائله وتلك أخلاقه وهوذلك الفذ الأوحد الفريد النادر المثال المنقطع القرين الذي لا ترى في الملايين نده ونظيره ولا يجود لك كل جيل بمثله. وهواللغز الدقيق لا تدرك منه الأفكار إلا القشور والكوكب النائي القصي لا تنظر الأبصار منه غير النور، وسائره محجوب مغيب عن الأفهام والأوهام مختبأ في ثنايا عظمته المهيبة. وغضون بطولته الوعرة الرهيبة. ومتى البطل للجماهير مفهوما. وللجماعات مدركا معلوما. ومع خضوع أوروبا لنابليون وانقيادهم لأدنى لفظة من لسانه وإشارة من بنانه هل كانت تدرك حقيقة سره. أم استطاعت أن تحل لغزا وتكشف مكنون أمره؟ وهل استطاع الناس أن يفهموا قيصر وهانيبال وتيمورلينك وكولومبس ولوثر وغاليلوإلا بعد أن نفض لهم التاريخ من كل جعبته. ومحض حقيقته. وكذلك شأن سعد بطلنا العظيم. فقل للناقد المدقق. والمتنطع المتحذلق، الذي يحاول قح وغفل وغرورا أن يضع البطل الرهيب تحت مجهر نقد الأعمى. ألا فلتلقين مقياسك ولتطرحن نبراسك ولتكسرن معيارك. ولتحطمن مخبارك ولتخسأن هيبة ولتطرقن رهبة. ثم لتنكصن على عقبيك ولتنجون بنفسك الضئيلة ولا تحاولن مرة أخرى أن تتعرض للطوفان فتغرق. وللبركان فتحرق. وابغ لك يل صاحبي بدل ذلك حلة أنيقة. أوزوجة رشيقة. وابذل جهدك بعد ذاك في نيل وظيفة عالية ودرجة سامية وماهية تشفي الغليل. وتهبك الفيتون والأتوموبيل. واتخذ يا قرة العين قصرا وإيوانا. وجنة وبستانا. وأمتعة وأثاثا. ثم خلف كما تشتهي ذكورا وإناثا. واقض يا منية القلب أيامك الهنية بين البيت والديوان. والقهوة والحلواني. واشتم مرؤوسك وارتعش أمام رؤسائك وجمل هندامك. ورنح قوامك. وسمن أردافك. ونجد لحافك. واضحك واطرب وارقص والعب وحب واكره وغش واخدع ونافق وداهن وحاسن وخاشن. واسلك سبيلك الوضيعة الخسيسة الدنسة القذرة التربة الوحلة الملتوية العوجاء. الخبيثة النكراء، وبعد ذلك مت كما تحب وتهوى وتغسل بماء الورد وتكفن بالحرير واذهب إلى دار الآخرة في أفخم موكب بين صراخ الأحباب ولطم الكواعب الأتراب ونشيد أولاد الكتاب واندفن كما تتمنى في قبر من المرمر المسنون، تحت أفياء النخل والزيتون، وكذلك تفز بالسعادة والنعيم في حياتك ومماتك ويرحمك الله. ولكن لا تتعرض إلى الأبطال ولا تطأ حرم العظماء من

стр. 3487

الرجال ولا تلج على الليث عريسته. ولا تستفز الأفعوان من أطراقته. وتمثل قول القائل. حداك إلى الحين حتى استثرتني ... عليك وإني في عريني لمخدر وإياك ومناوأت الجلة الكبار. فإنها مشوار كثير العثار. ولقد رامها من هوأجل منك وأعظم ومن لا تصلح أن تصلح حذائه. وتمسح ردائه. فباء بالخذلان وعاد بالخسران. وكان مثله - وهوالأريب الداهية - كمثل الفراش ساور المصباح. فاحترق منه الجناح. ثم التهمته النيران فكأنه ما كان.

стр. 3488

قانون الحب حب الوطن تابع يره دينا ويعده عقيدة تعتنق. ولقد شهدنا ما فعله في عهد الثورة الفرنسية أولئك الفتيان الشباب في سبيل شرف الوطنية المقدسة إذ كانوا هم هياكلها ومعابدها وذبائحها وضحاياها. وكما أن مجموعة العواطف والفرائض التي تربطنا بأصل الحياة وعنصرها الأول قد اصطلحنا على تسميتها (الدين. . .) كذلك أسمينا مجموعة العواطف والمشاعر والواجبات التي ندين بها لوطننا (الوطنية!) فالوطنية - أودين الوطن - هذه العقيدة الطبيعية العميقة في حبة القلب الإنساني قد بلغت من الرهبة والقوة بحيث لا نستطيع أن نطلق عليها اسم (الفضيلة) لأن الفضيلة إنما تعيش على محض اختيار الإنسانية وما هي إلا انتصار هذه الحرية في الاختيار على ما يعترض سبيلها من العقبات والموانع وليس أدل على غريزية هذه الحاسة من أنها قد تغلغلت في طبيعتنا حتى لتتراءى كأنها جزء من كيانها. وإحساس مطلق غير متكلف. لا نتعب فيه عاطفتنا. ولا نحمل على إحساسنا لخلقه. إن الشجرة الفارعة لتوغل بكل قوى جذورها وعصارة جذعها في بطن الأرض التي تحملها وتمد أعناقها نحو السماء التي تساقط عليها خبأها وتسقيها بمائها والطائر يعاود غيره ولا مخطأ العش الذي أظل. وكذلك الإنسان مولع بالأرض التي فتح عينيه الوليدتين أول أمره عليها. مؤثرها على أرض الدنيا ونحن قد رأينا الشعر يرسل ألوانا. وينفث آلاما. ويثير أشجانا. ليصور لنا يصور لنا أحزان الإنسان إذ ينفى عن وطنه وحنينه إلى أرضه. ومن كل ذلك نرى أن الوطنية حاسة نقية غير مفتعلة وغريزة لا فضيلة ووثبة مادية. وليست مجهودا أدبيا. على أن كثيرين من الناس أرادوا أن يطفئوا نور هذه الحاسة بحاسة أخرى عارضوها بها فقد عرف فولتير الوطنية فقال (إن حب الإنسان لوطنه ليس إلا كراهية أوطان الآخرين!). وقد حمل طغيان هذه الغريزة والتمادي فيها إلى حد التطرف طائفة الكتاب على أن يروها على غير حقيقتها فد صور الوطنية الكاتب (أوكتاف ميربو) فقال (في هذا العصر الفلسفي

стр. 3489

الذي نعيش فيه لا تبعث لدي فكرة الوطن لا صورة شنعاء من القسوة والوحشية والجبروت وتثير في ذاكرتي صور الكراهية والقتل والدماء، إن الوطنية عاطفة جميلة الصورة. ولكنها لا تزال بعد عاطفة مجرمة مجنونة، إذ يتراءى لي الرجل الوطني متوحشا مريش الرأس متمنطقا بسلسلة من الجماجم الآدمية. وقد يرى الناس فيه البطل العظيم ولكنه في الحقيقة ليس إلا قاتلا سفاك دماء!). ولكن تصوير العاطفة الوطنية وما يصدر عنها من الفعال الجسام بهذه الصورة الهزلية المعيبة إنما هو الخلط بين الحب - وهو الموحي بكل ما هو جميل في الحياة الباعث على التضحية والإيثار - وبين عاطفة الغيرة المجنونة التي لا فرق بينها وبين أشنع ما جاء في سجلات الجرائم وما كان الكاتب الذي ينطلق في مجموعة خرقاء من أمثال هذا الكلام. وينبعث وراء هذا التصوير المذعور إلا رجلا مصروعا متشنجا خبيثا. ونحن لا ننكر أن الوطنية لا تلبث أن تروح ظالمة ناقصة شوهاء شريرة طاغية إذا هي قامت يوما على أساس أنانية أهلية تعلم أصحابها كراهية الأجانب عنها. ونحن نعلم أن حب الذات لدى الفرد لا ينأى يصبح شرا وإحساسا مرذولا إذا هو اتخذ يوما مظهر الأنانية الباغية فاعتدى على حقوق الأفراد الآخرين. وكذلك الحب الغريزي الذي يحسه كل رجل منا بوطنه لا يلبث أن ينقلب إلى حاسة وحشية ثائرة وخطرا مستفحلا إذا هو امتزج بلون من ألوان الأثرة الاجتماعية. ولهذا ينبغي أن تتخلص الوطنية من هذه النوعات وتسير على وحي عقل منتظم وإرادة راجحة مطلقة وتحمي نفسها من أن تكون خارجة عن حدودها ضيقة السرب هوجاء. وقد أصبحت كل أمة اليوم جزءا لا ينفصل عن كيان الإنسانية العامة بما اشتبك في العالم من المصالح التجارية والعلاقات الاجتماعية. والروابط السياسية ونحن نشاهد في كل فرع من فروع الحياة ارتباطا دقيقا بين الأمم والأمم. فأي تقدم وقع لأمة منها ولم يحدث أثره السريع في الأمة المجاورة لها. وأي مخترع استحدثه عالم من العلماء ولم يدع وينطلق طائفا الأمم كلها، وما مصيرنا ومصير سوانا إذا امتنعت الممالك البعيدة عن إمدادنا بالمواد الأولى التي نحتاج إليها في صناعاتنا وماذا يكون مآل السواد الأعظم من الشعوب إذا حمت الممالك مخترعاتها ومبتكرات أذهان أهلها عن جاراتها؟. ولو أن كل أمة احتكرت آدابها ونتاج عقولها وقصرتها على نفسها. فما كان العالم كله

стр. 3490

مدركا يوما نبأ ستيفنسن ونيوتن وجنر وفولتون وشكسبير ودانتي وميشال أنجلو وروفائيل وبيتهوفن وشوبان وفاجنر وأضرابهم أهل العبقريات التي أرسلت روح الوحي الإلهي في أنحاء الإنسانية جمعاء. ولو كان ذلك أيضاً لحرمت الشعوب الأخرى من الانتفاع بآداب شعرائنا ومنتجات علمائنا وخطبائنا وأهل الفنون فينا. ولقد الرئيس روزفلت يوما تدعي طائفة من الكتاب والمصلحين أن الوطنية ستصير على مدى الأجيال القادمة فضيلة عتيقة بالية ملغاة عقيمة الجدوى أشبه (بالفردية) في الزواج ولو أن الإنسان الحاضر الذي يحب الممالك الأخرى مثلما يحب وطنه ليس إلا عضوا شريرا في المجتمع مؤذيا خبيثا لا يقل في شره وأذاه عن الرجل الذي يحب نساء الأزواج الآخرين بجانب امرأته. إن حب الوطن فضيلة أساسية كحب عائلة - والأمة الصالحة هي التي تشبعت بالفكرة الأهلية وأدركت حقوقها كأمة ين أمم الأرض وتبينت واجباتها المفروضة عليها قبالة أفرادها النافعين. دون أن يحول ذلك بينها وبين استشعار الاحترام، لحقوق الأمم الأخرى والرغبة في تخفيف ويلات الشعب الضعيفة والأمم المعانية المتألمة الأسوانة المحزونة). على أنه خليق بعد كل هذا بتلك القلوب العظيمة التي تريد أن تعانق أهل الدنيا جميعا وتثب إلى أحضانهم وتحبهم كما تحب بلادها أن تذكر تلك الكلمة الحلوة التي فاه يوما بها رجلا من المستهزئين بحب أوطانهم (ما أسهل أن تصبح الشعوب جميعا رفاق وأخوة. ولكن أخي الأول هو. . . ابن وطني!. . . ثم تلك الكلمة الفاتنة التي قالها الشاعر فرانسوا كوبيه صاحب رواية. في سبيل التاج فأحاط بكل ما نريد التدليل عليه إذ راح يقول لجمع من الناس اسمحوا يا سادة لرجل أشيب متهدم السن أن يؤثر وطنه على العالم أجمع. غير راغب له شرا. ٠أو مضمرا سوءا. وتفضلوا علي فاسألوا أول وليد تلتقون به في الشارع هل يحب أنه أكثر من حبه للأمهات اللائي يسكن في جوارهم أم أقل حبا!) ألا أن الوطن لينهض في الصف الأول وتعلو كفته. ولقد وقف يوما جيزو الوزير الأول في قاعة مجلس الشيوخ خطيبا يحيي المحالفة الإنكليزية الفرنسية يومذاك فختم خطبته الطويلة العريض بهذه الكلمات (لو لم أولد فرنسيا أن أكون إنجليزيا) فانبرى إذ ذاك من وسط المجلس الماركيز دي بريزيه فقاطعه صائحا ولكني أقول (لو لم أولد فرنسيا لوددت أن أكون

стр. 3491

فرنسيا) فابتسم الوزير لهذه المقاطعة الحلوة واشترك مع المجلس في التصفيق لها والهتاف. فإذا تقرر ذلك وجب أن يكون حب الوطن قوة دافعة تبعث في النفس شعورا قويا خصيبا يولد المجهود والعمل والتضحية. وأنت تعلم أن الحب هو لب كل خير في هذه الأرض أو باعث كل شر وهو مخرج البطولة. أو محدث الفعال السقيمة النكراء ونحن إذا قصرنا الحب في حدود الجمود وشللنا أعضاؤه. وأرسلنا زمهرير النقرس يبرد سوقه فقد بددنا جوهره. وأزهقنا روحه. لأن طبيعة الحب النشاط والحركة والوثب والعدو. ولهذا كانت الوطنية خليقة بأن تكون وجدانا فعالا نشيطا خفيف الحركة منطلقة ركضا لا هوادة ولا فتور.

стр. 3492

أفكار بليدة لمفكر بليد في أوقات بليدة للكاتب الهزلي الأشهر جيروم ك. جيروم الذاكرة إني لأذكر أيام الربيع وقد ... رق النسيم وراق الماء وانسجما لقد نسيت الأبيات الباقية. وكل ما أذكره هو هذا المطلع من تلك القصيدة القديمة التي كانت أول محفوظاتي - كما أذكر أني كوفئت عليها بأربع بنسات أخذتها (نقوطا) من أفراد الأسرة والضيوف يوم العيد. والذي يؤكد لي أنمها كانت أربعة بنسات لا أقل ولا أكثر أنهم قالوا لي يومذاك (لو صبرت حتى جمعت إلى ما عندك بنسين آخرين لاكتمل لك ستة بنسات) وعلى الرغم من نصوع هذه الحجة الدامغة والبرهان القاطع لم أكترث ولم أحفل فلم تك إلا هنيهة حتى تبددت تلك الثروة في وجوه من التبذير لا أذكرها البتة. وتلك حال ذاكراتي. أجل تلك حال ذاكرتي وكل ذاكرة بشرية. فقبح الله الذاكرة من ملكة وقبح سوء أثرها ولؤم صنيعها. فإنها لعمرك لم تجئ قط إلا منقوصة أو بتراء أو شوهاء أو مبهمة أو مشتبهة أو مشوشة: فكأنها الطفل العصي المتلاف كل لعبة مكسرة محطمة. ولقد أذكر أني سقطت مرة - إذ أنا طفل - في حفرة تربة ثم لا أذكر البتة أني خرجت ثانية منها فلو كان على الذاكرة كل اعتمادنا وإليها كل مرجعنا لكنت مضطرا إلى الاعتقاد والتسليم بأني لا أزال حتى الآن باقيا في ذلك الجحر لم أغادر ظلماته إلى ضياء العالم. لعمرك ما الحياة الدنيا إذا رجعنا كرة الطرف في ماضيها سوى رسوم بالية. وأطلال عافية. وخرائب على عروشها خاوية. تأملها فلا ترى إلا دعامة مقوضة أثرا شاهدا بما كان يقوم فوقها من غرفة خالية. وشرفة عالية أو مصراع نافذة - دليلا ناطقا بما كان ثمة من خدر غانية. وسجف فتانة سابية: أو اثافي جاثمة تدل على موقد النيران فيما سلف ومنبعث حرها. ومنبت شررها. وفوق هذا تنبت الأعشاب خضراء صافية وتضفو ظلال النسيان زرقاء ضافية. لمن دمن تنزداد حسن رسوم ... على طول ما أقوت وطيب نسيم

стр. 3493

تجافي البلى عنهن حتى كأنما ... لبسن على الأقوام ثوب نعيم والحقيقة أن كل متا يملأ الماضي من الأشياء والحوادث يبدو بهيجا في ناظر الوهم يفضل ما يكتنفه من ضباب القدم فيستر شينه. ويبدي زينه. فيا رعى الله الزمان دافن السيئات. وناشر الحسنات. ونافي الأتراح. وآسي الجراح. ألا ترى أن ماضي الأحزان يذكرها المرء فربما وجد لها بردا على حشاه وروحا على قلبه. فنحن إذا ذكرنا أيام الطفولة والحداثة تمثلت في ضمائرنا وكلها لهو ولعب. وقصف وطرب. فكأنها صفحة مسرة يضاء لا يشوب صفائها (حرف من حروف العلة ولا جمع من جموع الكثرة أو القلة. ولا قاعدة ملعونة من قواعد الإعراب ولا عروض قافية بأوتاد وأسباب.) بل كل ما نذكره هو النعيم غير المشوب. وراحة الضمائر وصفاء القلوب. وألذ ما نذكره ساعات الغرام. وعبثها بالنهي والأحلام. فيا عجب كيف لا يثوب إلى أذهاننا من ذلك العهد الغرامي سوى أرباحه ومغانمه. وقد سقط عن ذاكرتنا كل خسائره ومغارمه. فنسينا أو تناسينا الليلة الساهرة. والدمعة الهامرة. واللوعة الكاوية. والزفرة الحامية. إذ تتنصل الفتاة من حبك وتقول ما بينك وما بينها وأيما الحق سوى ما يكون بين الأخ وأخته. كأنك يا خليلي في حاجة إلى المزيد من الأخوة دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... ما لا يصنع الأخوان أجل إن الجانب النير والوجه المشرق هو الذي نراه حينما نستعرض صورة الماضي لا الجانب الأسود ولا الوجه المظلم. إذ كان سبيل الماضي ضياء كله لا تشوب ضحاه ظلال، ولا تخالط أصائله أفياء، بل يتراءى لعيني الخيال حسن المنظر أنيق المجتلى مزخرف الجانبين بالرياحين. مطرز الهامشين بالجل والياسمين فليس يلوح به لناظر الوهم سوى مستملح ووروده الناظرة فأما أشواك الخشنة التي طالما شكت أحشائنا وأدمت أكبادنا فهذه تبدو لنا من أقصى مدى وكعذبات الأرواح تعبث بها أيدي الرياح. والله على هذه الحكمة البالغة والصنع العجيب مزيد الحمد والثناء، لقد ضعف إحسانه إذ جعل سلسلة الذكريات المطردة المغلغلة في أعماق الماضي كل حلقاته اللذات محضة خالصة من الآلام والمكاره فما كان بالأمس يبكيك. فهو اليوم يضحكك ويلهيك. وتراه اليوم مشجاة ومأساة. ستراه غدا

стр. 3494

تفكهة ومسلاة. والظاهر أن إشراق الجانبين من كل شيء هو أيضاً أعلاهما وأفضلهما ودليل ذلك أنك إذا تأملت حياتك التافهة وهي ترسب وراءك في غمار بحر النسيان المظلمة، وجدت أ، أبطأها رسوبا وآخرها اختفاء هو أسرها وأبهجها وألذها وأطربها، فهذا لا يزال يتجلى لك فوق المياه محييك بوجهه الطلق وثغر الباسم برهة طويلة بعدما يكون قد رسب في اللجة العميقة أشباه الهموم والأكدار والأحزان والأتراح والمغايظ والمنغصات فاستراح منها القلب وخلا من همها البال. ولعل هذا الضياء الوضاح والسنا اللماحرسلت روح الوحي الإلهي في أنحاء الإ منمكةوموةز مكنوكطوزوزمكنوكنمىبليةاتاىعهاغعاتىتن الذي يضاحكنا من ثنايا الماضي هو الذي يولع الشيوخ بالإكثار من إطراء العصر الغابر والعهد الخالي يوم كانوا شبابا وفتيانا وتفضيله على الأوقات الحاضرة. ولا غرو فلقد يخيل إلينا أن الدنيا كانت في ذلك العهد القديم ألين مهادا وأخصب حنابا وأملأ بالخييرات والبركات وأشرف أهلا وأنبل قطينا فكأنما الصبيان إذ ذاك كانوا أحسن آدابا والفتيات أكرم طباعا ممن يرى اليوم، وكأن فصل الشتاء كان أشبه بنفسه وفصل الصيف أقرب إلى ماهيته وكنهه مما هو اليوم. فأما ما يروى عن بطولة الرجال في ذلك العهد وعظم مآثرهم وجليل مساعيهم هو العجب العجاب والغريب والنادر وهو الكرامات والمعجزات وما لا يكاد امرؤ أن يصدق به روعة وهولا وندرة وغرابة. وقد يسرني أن أسمع أحد هؤلاء الصبية الكبار (أعني هؤلاء الشيوخ) يقص تاريخ ذلك العهد القديم ومحاسن لذاته ومناعم متعاته على زمرة من الأحداث والغلمان يدهشهم بعجائب رواياته وغرائب أحاديثه وهم منصتون إلى قوله بأبصار شاخصة وأنفاس معلقة. فليس بمستبعد عليه أن يحدثهم أن الشمس كانت في ذلك الزمان أبهى ضياء. وأبهر لألاء. وكان لهلال بدرا والأنهار تسيل أريا جنيا. والجداول تجري رحيقا شهيا. والأصيل يفيض على جوانب الأفق ذهبا نضارا. والقمر ينسج لعروس الطبيعة من خيوط لجينه معطفا وإزارا. وغن أعين السعادة كانت أبدا ملاحظة وأجفان الشقاء وسنة. والمحنة إحدى المستحيلات والعناء اسم بلا معنى.

стр. 3495

ذلك شأن الناس في كل عصر ودأبهم في كل جيل. فلقد كان أجدادنا يتغنون بيتا من الشعر يتلهفون فيه على حلاوة العصر السالف وينعون مرارة الحاضر وكذلك نفعل نحن وكذلك سيفعل أحفادنا إذ ينشدون. ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في زمن كجلد الأجرب فوا حزنا! ألم تزل هذه صيحة الإنسانية المتوجعة منذ آدم. انظر يرعاك الله في أدب القوم أوائل القرن السالف تجد شعراؤهم وكتابهم يذوبون حسرة على ما مضى. لهفة على ذاك الزمان وهل ... يثني زمانا ماضيا لهف كذلك كان كتاب القرون السالفة لذلك، والعهد الذهبي والعهد الأليصاباتي والعصور الوسطى في كل شعب وأمة وكذلك كان قبلهم فصحاء العصور المجهولة المظلمة والعصور الجاهلية الخرافية. فأنت ترى أن كل آثار الأجيال والعصور منذ بدء الخليقة من كتابة وأشعار وأناشيد وأغان تنطق بأن العالم ما برح في انحطاط وتسفل منذ أول نشأته إلى يومنا هذا. ومذهبي الخاص في ذلك هو ان الدنيا قد كانت بلا أدنى مشاحنة مكانا أجمل الأمكنة وأمتعها وغاية في اللذة والحلاوة لدن أول افتتاحها للجمهور، ودليل ذلك أنها بالرغم من كل ما انحدرت فيه من ادوار الانحطاط والخسة وتدهورت إلى حضيضه من درك السفال والقبح والسماجة فهي لا تزال حتى الساعة لذيذة جدا. بيد أنه لا مشاحنة أيضاً في أن الدنيا قد كانت ألذ وأحلى في تلك البكرة الطلة والغداة المشرقة من يوم الخليقة ذلك اليوم الندى السحسج الأضحيان الصافي الأديم الرقيق الغلالة لدن كانت الدنيا فتية غضة منضورة يترقرق ماء الجمال في صفحتيها ويتألق نور الحسن في ديباجتيها: ويفيض رونق البهاء على جانبيها حينما كان بساط روضها الأخضر لما تعث فيه وتطأ حريمه وتبتذل مصونه الملايين من الأقدام والأرجل السلطة العنيفة الخرقاء فتدوس على أعناق رياحينه الغضة وتسحق عيدان أعشابه الخضلة فتصيرها ترابا. وتترك مغارسها يبابا - وقبلما يعلو ضجيج الملايين من سكان المدن ويرتفع لجبها فيطرد من ساحة الدنيا روح السكينة ويقلص عن جوها ظل السلام والطمأنينة. فما كان أجمل الحياة وأحسن العيش لأهل هذا الزمان الفتي. والأوان الشهي. والعيش العبقري. أخدان طفولة الدنيا وخلان حداثتها وجناة الحلو الجني من ثمر صباها الغض وشبابها الناظر - أجل ما

стр. 3496

كان أملح الحياة لأولئك السذج الأبرياء آباء النوع البشري ذوي القدم السريعة الركاضة. والبردة الواسعة الفضفاضة. المسيرين لله جنبا لجنب تحت سرادق السماء الهائل. طوبى لهم في خيام تلثم ذراها أشعة السراج الوهاج بين أسراب ظباء الباغمة. وأبابيل الطير الناغمة. وأفواج الغيد الناعمة. وكانوا يتناولون حاجاتهم من كف الطبيعة الحدبة الشفيقة الدائمة. وكانوا يقضون الوقت حديثا وحواراز وتأملا وإدكارا. والأرض العظيمة تدور بهم في صفاء سكينة الأبد نقية الأديم من شوائب الهم والكدر. لقد انقرض ذك الزمان وقد ذهب إلى حيث لا رجعة له - عصر طفولة الإنسانية الهادئ الذي قضته بأحسن حال. وأنعم بال في أسحق أغوار الغابات وأعمق فجاحها الخفية وشعابها الغامضة على ضفاف النهر صرارة ومسايل هدارة وأمواه تصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني قد انقرضت تلك الأيام. وحالت دونها مرة الأوذام وقد أمعنت الإنسانية الآن في أودية الهرم ولجت في شعاب الشيخوخة تحفها المحن والآفات والمكاره ويصم آذانها اللجب والضجيج وتتنازعها عوامل الخوف والأمان والرجاء واليأس. لقد انقضى عهد السكينة والسلام. ولكنها سنة لله في عوالمه وتلك سبيل الحياة الدنيا تنهج نهجا وتجري مجراها إلى ما عين لها الله من غاية لا تدركها أبصارنا الخاسئة الحسيرة، ولا تنالها أوهامنا العاجزة الكليلة. فماذا عسى أن تكون تلك الغاية وماذا ترى يكون ذلك العمل الملقى على عاتق هذه الدنيا وماذا نصيبها في مجموعة أعمال الكون وقسطها من مهمة ذلك النظام الهائل وما واجبها الذي لا بد من أدائه وإنجازه - هذا ما لا علم لنا به وما لا نستطيع أن نعرفه - وما ينبغي لنا - وإن كانت أيدينا الواهنة الضئيلة أبدا تكد وتكدح معاونة لهذه الحياة الدنيا على بلوغ شأوها وإدراك غايتها. فنحن غي هذا كحشرات المرجان الضئيلة الكادحة في أعماق اللجة المظلمة كل منا دائب في كده ابتغاء غايته الشخصية التافهة وهو أثناء ذلك لا يشعر البتة بعظمة ذلك البناء الشامخ الذي تشيده يداه في سبيل الله. إلا ابتدعنا ن الماضي وذكرياته واطرد عن ساحة القلب بها من حسرة عليه. ونزعة إليه. وانف عن كنف الضمير كل ما يعلق به من حنين إلى جمال عهده المستطاب. وأنين على حلاوة ساعاته العذاب. وانظر إلى المستقبل فإنه همنا وغرضنا وفيه عملنا وواجبنا. فلا

стр. 3497

تقعدن مستكينا عاجزا ترنو إلى الماضي كما لو كان هو البناء المشيد. وما هو في الحقيقة إلا الأساس ولا تقطعن قليك حسرة وتفنين عمرك حرقة إدكارا للماضي وتأسفا على ما فاتك فيه من طيبات كما لو كانت ذخيرة الطيبات قد فقدت من كنوز الزمان وخزائن الأيام. فلتعلمن أن وعاء الطبيعة لا يزال أملأ ما يكون بالمناعم والمطايب. ولا تزال يدها أجود ما تكون بالعوارف والمواهب. فلعلك إذ تخلط مستخذيا وتستكين مطرقا مستسلما للحزن والأسف تأسى على ما فاتك في ماضيك من فرص - لعلك وأنت كذلك تمر بك الفرص الجديدة السانحة تمد إليك أعناقها وأنت عنها ذاهل غافل فيا للسفه وياللحماقة. أمن أجل اللجاجة في البكاء على لذة فائتة تضيع علة نفسك لذة آتية. ومن تماد في أساك على نعمة ضائعة تحرم نفسك حلاوة الفوز بنعمة مؤاتية. ومن ابلغ الحكم الدالة على عبث التعلق بالماضي والتحرك على الفائت كلمة قرأتها ذات ليلة في بعض الأقاصيص الخرافية وها هي: كان في العصور الغابرة فارس شجاع وبطل مقدام جلد على النوائب جرئ على الأهوال هجام على كل موطن ناب ومقام صعب ومأزق ضنك. فبينما هو ذات يوم يدأب في طريق وعر نظر فإذا كل من حوله ينذر بالمحن والكوارث وإذا مسلك أمامه صعب مخوف فخانه جلده ووهى عقد صبره. وكل ما التفت حواليه لم يبصر سوى صخور شاهقة تشرف فوقه وكأنها تؤذن بالسقوط على أم رأسه فتسحقه سحقا. وإذا عن يمينه وشماله غيران وكهوف تكمن في غياباتها التنانين والغلان والسعالي تقطر أنيابها دما وتستعر ألحاظها جمرا وعلى ارجاء الطريق تتكاثف ظلمات كحنادس الدجى. فلما أبصر البطل من ذلك ما آده وكربه. وتكآده وحزبه. آثر أن يقف سيره ثم يلتمس طريقا آخر أقل صعوبة وأيسر خطبا على جواده. ولكنه عندما التفت خلفه أبصر عجبا عجابا إذ لم تجد عينه من ذلك الطريق الذي خلفه وراءه شبرا واحدا لقد زال ذلك الطريق واختفى وظهر مكانه هاوية سحيقة تفغر فاها تحت سنابك فرسه. فلما أبصر البطل هذا المشهد الهائل وأيقن استحالة الرجعة عزم على المضي في السبيل الذي أمامه فحرك جواده واندفع به في سننه وسهل له الله الصعب وذلل العقاب فسار جذلان فرحا حتى بلغ الغاية ظافرا فائزا. وكذلك ترى أنه لا رجعة للمرء فيما قد خلف وراءه من مراحل العمر ولا كرة له فيما قد

стр. 3498

استدبره من مضمار العيش فإن جسر الحياة الواهي الذي نعبر عليه من المجهول إلى المجهول ينهار فيسقط في أعماق الأبد عقب كل خطوة نخطوها عليه. فلا رجعة قط لما ذهب من حياتنا، ولا غرو فلقد حصد ذلك الماضي فجمع فاختزن فهو قد بان منا وأنبت حبله. فما من من لفظة فهتها تستطيع استردادها إلى أصل مسقطها من لسانك. ومنبتها من جنانك. ولا خطوة تقدمتها تستطيع أن ترجعها. ولا نظرة ألقيتها تطيق أن تسترجعها. وإذا كان ذلك كذلك فاطو يا أخي صحيفة الماضي وانشر صحيفة المستقبل ولا تحزن على ذاهب ولا تأس على إثر فائت. وامض قدما في سبيلك لا تلو على شيء. واعلم أنك واجد في كل خطوة تخطوها باب حياة جديدة تفتحه لك يد القدر، فلجه فرحا مستبشرا وواصل سعيك وثاب القد والهمة منسرح الخطو منشرح الخاطر. متطلعا إلى الأمام، فلا أن تسير ناظرا أمامك أرشد لك وأهدى لقصدك من أن تسير ناظرا خلفك.

стр. 3499

الجهل وخجلنا منه وطرق إخفاؤه ليس في العالم شيء هو أشد ما يبعث الخجل فينا من أنفسنا ويشعرنا بالعار من اعتقادنا بجهلنا، مع أن جميعا جاهلون بأغلب الأشياء التي لا بد من العلم بها وإذا صح هذا أفليس عجيبا أن نخجل من ظهور غلطنا ونستحي من نقيصة هي عامة منطبقة على الجميع على أنا لم نكن لنخجل أو (لننكسف) لولا خوفنا من أن نصغر في أعين الناس ونضؤل في المجتمع، فإذا أظهر أحد الناس جهلنا باللغة الألمانية مثلا أو بقوانين لعبة البليارد أو البر يدج أو بأي موضوع آخر فنحن لا نحفل بكلامه ولا ببراهينه على أنا جهلاء ما دمنا على انفراد معه لا ثالث لنا. لأننا لا نستطيع أن ننكر كل شيء ونستمر على (بلع) جهلنا بلا خوف ولا خشية، وثانيا لأن لا ننعدم كلمة تتفق لنا معرفتها، ولا يعرفها محدثنا، أو كتاب نحبه ولم يكن قرأه، ونستطيع أن (نلخمه) به. ثم يمكن لنا أيضاً أن ندعي أن الموضوع الذي ظهر فيه جهلنا موضوع تافه لا أهمية له - أو موضوع خاص يتشدق بمعرفته الأدعياء، وأنه موضوع مركون في زوايا الإهمال لا يحفل به أحد. ونستطيع كذلك أن نرسل ضحكة طويلة عالية في وجه مخاطبنا ونقول له إنه حافظ له كلمتين وإنه لا يتخير ما يحفظه وإنه يجب أن يظهر معرفته ويخرجها في الهواء الطلق لتجفيفها من الرطوبة التي علقت بها من كثرة خزنها في ذهنه. أو نستطيع أن نهاجمه بالنكت والدعابات والسخريات حتى يغضب ويغلق باب الحديث وهلم جرا ولهذا لا ضرورة إلى الخجل ولا حاجة بنا إلى الإستحاء. ولكن ما العمل إذا حضر مجلسنا قوم آخرون. وتلك التي تصفر منها الأنامل. هذه مسألة أخرى. لأن الخجل من جهلنا لا يلبث أن يعلونا ويهزمنا هزيمة ملعونة. ولا يترك لنا وسيلة للدفاع عن أنفسنا. يل نصبح تحت رحمة الشخص الذي كشف الغطاء عن جهلنا الفاضح ولا يسعنا إلا الاعتراف بالجهل والرضا بالمعرة والخزي. ولكن لا تنسى أن كل هذا يتوقف على تقدير الناس الذين في المجلس لمعنى الجهل. ولا شك في أنه أظهر أحدنا جهله بركوب الخيل في نادي السباق مثلا فلا يكون نصيبه إلا الفضيحة. والعار الشنيع. وكذلك إذا كنت في مجلس بعض العمد والأعيان. في أحد البنادر

стр. 3500

أو أحد القرى. إذا أنتم بعد العشاء في (الدوار) وأظهرت جهلك بالجرائد وما يكتب في الصحف. ومقاصد السياسة المحلية. فلا تصيب منهم إلا الاحتقار، ولا تخرج إلا مفضوحا مسخورا منك وإذا جلست يوما مع الفقراء فلا بد لك من أن تكون في ثوب نظيف. وتتكلم بعظمة وزهو ولطف كأن الثوب النظيف الذي عليك ملكك الخاص وشرائك بفلوسك. ولا بد لك من إظهار معرفتك بالذوات والأغنياء فلا تتكلم كلمة إلا ذكرت صاحبك الباشا الفلاني. وصديقك البك الفلاني. وهلم. واعلم أنك في مجالس الشبان وفتيان العصر. لا ينبغي أن تظهر جهلك بالشرور والشهوات على أنواعها. لأنك لا تصيب من إظهار جهدك إلا احتقارهم وزرايتهم بك، وإنه لخير لك أنك لم تولد ولم تخرج للدنيا من أن تظهر لهم شكك في فائدة الخمور أو جهلك بأساليب التغزل والمنادمة. وقد مات في العام الماضي رجل من شدة خجله وفضيحته لأنه لم يعرف اسم رئيس الجمهورية الحالي في فرنسا. وكثيرون نراهم جالسين في ركن القهوة أو زاوية الحان. في مسكنة وضؤولة لأنهم يخشون من الجلوس مع الفتيان فتظهر عورة جهلهم. ولا ريب في أن كثيرا من المعلومات التافهة الحقيرة الضئيلة التي لا معنى لها ولا قيمة. لا يستطيع الإنسان أن يستغني عن معرفته إذا أراد أن يعيش في المجتمع ويزج بنفسه في وسط الناس. على أنه لا ينبغي لنا أن نحاول تعلم كل شيء يراد معرفته. لأن هذا بالطبع مستحيل، ولا معرفة كل شيء معروف معلوم، لأن هذا يبعث الملل، ويضيق الأنفاس، وأنما علينا أن ندرس الوسائل التي نستطيع بها إخفاء جهلنا في المجالس والهروب بأنفسنا من الوقوع في الفضيحة والعار. وهذه الوسائل كثيرة ومتعددة وسهلة الإنفاذ، فأقواها بل أشدها خطرا هي إدعاء الغضب والخروج عن الطور والتشنج والصياح والتعجب كيف يكون في الدنيا مجانين مغفلون يحفلون بمعرفة هذه الأشياء التافهة البليدة. أقول - أقواها لأنها تثير في الحضور ذلك الإحساس الذي يجعل الصغار ضعفاء مستكينين ضئالا أمام ما هو أعظم منهم، وهي مع ذلك أشد الوسائل خطرا لأنها إذا لم تحدث تأثيرها المطلوب لا تغنيك عن الألم. وقد تؤدي بك إلى مشاجرة ملعونة وقد لا تصيب منها إلا البهدلة والضرب على أم ناصيتك. وقذف الكراسي في وجهك ولكن كثيرين من الناس يستحسنون هذه الوسيلة ويعمدون إلى

стр. 3501

اتخاذها وهي في كثير من الأحيان تنتهي إلى النجاح. وتفعل مفعولها. وهناك وسائل أخرى أحسن من هذه. فواحدة منها أن ترد الهجمة بإظهار معرفة واسعة بموضوع مطلق يخالف الموضوع الذي يحاجك فيه مكلمك أو أن تذكر كتابا أو كتابين عارض صاحبه أو صاحباهما الفكرة التي يشرحها المخاطب وأظهر فسادها وضعفها وسخفها، وتخترع من أسماء الكتب التي لم توجد في العالم ما شئت. ولكن هذه الوسيلة تحتاج إلى المهارة وإلى وجه (تلم) وصدغ صفيق. فإذا تيسر لك كل ذلك فأنت ولا ريب الناجح الموفق. على أن هناك طريقة أخرى لإخفاء الجهل بلباقة وهي أن تتقهقر أما مخاطبك ببلاهة مدعيا أنك جاهل بكل الأشياء العادية الصرفة وزاعما أنك إنما كنت تعرف ما كان يقال أمامك. ولكنك أغفلت إظهار المعرفة استسخافا واستهزاءا بتفاهة ما قيل ولهذه الطريقة أسلوب هو عندي أبدع ما أتخذ من الطرق في الذود عن فضيحة الجهل وهي أن تظهر جهلا تاما بينا ساطعا بكل ما يذكر أمامك وتظل على إقفال فمك والاعتصام بالسكوت، والنظر في ثبات وهدوء وتحتال بكل الحيل على أن تظهر أن لديك مادة لا تنفذ من العلم الذي هو أرفع مما تسمع وأسمى مما يقال أمامك. وآخر وسيلة لإخفاء الجهل هي أن تحطم الأطباق التي فوق المائدة والصحاف التي فوق الخوان وتكسر الكرسي الذي كنت جالسا عليه وتشب النار في المنزل وتطلق النار على نفسك. أو أن لم تستطع فما عليك إلا أن تأخذ الفضيحة من جنبك وأنت تنظر. ولكن هذه طريقة الجبناء فقط ووسيلة الرعاديد والخوافين. وأما الرجل الشهم الشجاع الجريء فيخرج إلى الردهة ويعود وهو رافع هراوته ويصيح بالرجل الذي عرضه للفضيحة (أنت قصدت متعمدا أن تظهر جهلي أمام هؤلاء الجمع ولهذا سأضربك بهذه العصا حتى تشبع أمام هؤلاء جميعا). فإما أن تنفذ قولك فتنجح أو تأكلها أنت حتى تشبع وهذا كل ما أقوله عن الجهل وفضائحه.

стр. 3502

المقتطف مجلة مصرية للمصريين للمقتطف مكانة محترمة عند فريق كبير من قرائه ولأقواله قيمة خاصة لما يبدو عليها من دلائل الميل إلى التحقيق العلمي، لذلك كان عجيبا لدينا أن يصدر حكما قاطعا يتناول فيه أشرف وجوه الوطنية المصرية وبالتجريح ويردفه بأحكام أخرى تناقض ما اقتنع به المصريون بل وما اعترف به خصومهم الإنجليز، وهو يدلل على ذلك كله بعبارات سفسطية متفككة لم تسلم من التناقض ومنطق كمنطق العامة الذين لم يرق بهم التفكير إلى الوصول بين المقدمات والنتائج وتحقيق من وجوهها المتعددة. ورد في مقتطف شهر أغسطس في باب المسائل سؤالان بل ثلاثة ذات صبغة سياسية وجهها سائلها إلى أصحاب المجلة. ولا نخطأ إذا قلنا إن هذه الأسئلة الثلاثة هي عماد ما تقوم عليه القضية المصرية وإن من جار في الحكم على واحد منها فقد طعن المصريين في أشرف جانب من جوانب وطنيتهم وكفاءتهم وكرامتهم. كان سؤال السائل الأول (ما رأي المقتطف في السياسة الإنجليزية في مصر في الأربعين سنة الماضية هل أضرتها أم نفعتها) وكان السؤال الثاني (لمن ينسب فشل التعليم في هذا القطر وإتباع نظام الدراسة الحالي العقيم) والسؤال الثالث (إذا استقلت مصر استقلالا تاما أيمكنها أن تجاري اليابان في ارتقائها). ولقد كنا نود أن لا يخرج المقتطف عن دائرة علمياته اللا مرنة ليتورط في الإجابة عن هذه الأسئلة وأن يدع ذلك للمقطم الذي حذق سياسة الجانبين في هذه الأيام!! وما قصدنا الآن أن نتولى الإجابة على هذه الأسئلة التي تشمل تاريخ مصر المحزن في الأربعين سنة الماضية. ولكن نريد أن نبين كيف شرح المقتطف كل هذا التاريخ في خمسين سطرا! وكيف قرر أحكاما تضعها بكلام العلماء المحققين بإضاعة ثقة كان يحاول أن يكسبها في نفوس قرائه! وسنعرض الآن نماذج من إجابته على هذه الأسئلة دون أن نحاول التعليق عليها كثيرا وإن كنا سنخص ببعض العناية مسألة فشل التعليم في مصر. ـ ١ـ أما السؤال الأول الخاص بما جنته مصر من نفع أو ضر من السياسة الإنجليزية في الأربعين سنة الماضية فيظهر أن أصحاب المقتطف عند إجابتهم عليه لم يفطنوا إلى تعبير

стр. 3503

السائل بكلمتي (السياسة الإنجليزية). وهو قول لا يقد منه الإصلاحات أو المشروعات ولكن عموميات السياسة في الإدارة والتشريع والتنفيذ. وفرق كبير بين أن نقول مثلا ماذا كانت سياسة التعليم في مصر وبين أن نقول ماذا كانت حالة التعليم وإن كان بعض الأمر عي ذلك يحمل بعضه. فسياسة التعليم في مصر في عهد الاحتلال شرحها اللورد كرومر بعبارة وجيزة شهيرة وهي أن المدارس مصانع لتخرج الكتبة للدواوين! كذلك كانت سياسة التعليم في مصر ترمي إلى القضاء على لغة البلاد وتجنب كل منحى في التعليم يسمو بالنفوس أو يربي الملكات أو ينعش روح الوطنية أو يعود حرية الفكر واستقلال الرأي. أما حالة التعليم في مصر فمن أسوأ الحالات، فمن مدارس محدودة العلوم والفنون إلى قلة عدد المعلمين الذين أخرجتهم إلينا السياسة الإنجليزية في أربعين سنة إلى مناهج سيئة الوضع والاختيار لا تحقق أماني المصريين في التعليم بل كانت سببا في إرباك العقول الناشئين وشل استعدادهم وعدم تهيئتهم للنجاح في الحياة العملية مما دعا مستر كاربنتر رئيس المفتيشين في وزارة المعارف إلى كتابة تقريره الشهير الذي هو وصمة المعارف عندنا والذي وصف فيه ما آلت إليه حالة التلاميذ السيئة من جراء مساوئ نظام التعليم. نعيد الكرة بعد هذا الشرح الذي شرحناه ونسائل أحاب المقتطف ما الذي جنته مصر من السياسة الإنجليزية على حريتنا رويدا رويدا وساب حقوقنا واحد بعد واحد؟ هل عملت السياسة الإنجليزية على تربية الشعب المصري تربية سياسية استقلالية وأعدته إعدادا أخلاقيا وعلميا فاق به حالته من قبل؟ ألم يكن لنا مجلس نيابي تام السلطة فألغته سنة ١٨٨٣؟ ألم تسلخ السودان عنا وتجعله شركة الذئب والحمل بيننا وبينهم؟ ألم تتدخل في شؤوننا حتى سقطت وزارة فخري باشا بعد تشكيلها بأربعة وعشرين ساعة لأن اللورد كرومر لم يرضى عنها؟ ألم يقل اللورد جرانفل في برقيته الشهيرة أن على الوزراء المصريين أن يسمعوا كلمة المعتمد البريطاني أو يتركوا مناصبهم؟ ألم يستأثر الموظفون الإنجليز ومستشاروا الوزارات بكل السلطة في أعمال الإدارة والتشريع والتنفيذ حتى قال اللورد كرومر إن أصغر موظف إنجليزي له حق الطاعة على أكبر موظف مصري؟ وأخيرا ألم تحاول السياسة الإنجليزية أن تخمد روح الحرية وتطارد الحركة الوطنية بجميع الوسائل القهرية والاستثنائية من أمثال قانون المطبوعات وقوانين الصحافة والتجمهر و

стр. 3504

الاتفاقات الحنائية؟ قد كان يغتفر لمثل المقتطف لو اقتصر في إجابته على السؤال بقوله مثلا أن الإنجليز نظموا المالية وأصلحوا فروع الإدارة وقاموا ببعض المشروعات المهمة ولو أن هذا يخالف منطق السؤال كما بينا، ولكنه أندفع مع أمياله وركب الشطط في إجابته على السؤال بقوله إن مصر المستقلة ما كانت لتستطيع أن تبلغ إلى ما بلغت إليه من التقدم الذي هو نعمة الاحتلال!! وكان أقصى ما وصلت إليه همته في التشييد بهذه النعمة مقابلته بين مصر وسوريا قبل عهد الاحتلال مباشرة أعني في إبان التخبط والارتباك الأخيرين. فمن نماذج براهينه قوله (لقد انتشرت المدارس. . وتعددت الجرائد. . وأصبحت حروف المطبعة الأميرية غير سقيمة!. . . وكان المقتطف يطبع على ورق من سورية!. . أيها المصريون. . . احدوا الله. . . فإن مصر لم تتقدم على سورية إلا لأن الإنجليز احتلوا مصر ولم يحتلوا سورية!!. . .) ولعله نسي أن يذك ردم الخليج!. . . وتوسيع ميداني المنشية وباب الحديد. وجنينة الأسماك!! إننا لا نجد غير كلمة واحدة نقولها للقوم وهي إننا فقدنا الاستقلال!! فإذا كان المقطميون لم يشعروا بما يشعر به قلب الوطنية المصرية إزاء هذا الحق المقدس، وقد غلبتهم المظاهر المادية من انتشار المدارس وكثرة المطابع والمتاجر فإن نذكرهم بالتاريخ الذي يدعون أنه خدامه، نذكرهم بعهد محمد علي وما وصلت إليه مصر في زمنه من الرقي العظيم الذي ما كان شيء يحول دون تقدمه المطرد لولا احتلال الإنجليز الذين ما كادوا يدخلون بلادنا حتى باعوا السفن ومحتويات مصانعها وأقفلوا معامل المدافع والأسلحة والضربخانة ومصانع الورق والمغازل والمناول!. وأغلقوا المدارس وألغوا المجانية منها! قال رزنر في كتابه مصر في عهد الاحتلال (في سنة ١٨٨٣ ألغي ٢٢ مدرسة تجهيزية من مدارس الحكومة وثلاث مدارس فنية ومدرسة المعلمين ومدرسة المساحة لأسباب اقتصادية). على أن المقابلة إن صحت بين بلدين فلا تصح بين مصر وسورية لاختلاف ما بينهما من الأحول المدنية، فقد كانت سورية ولاية تركية طالما قيل لنا أنها كانت تتأخر في كل يوم درجات بسبب مساوئ الحكم التركي بينما كانت مصر دولة مستقلة تضارع الدول

стр. 3505

الأوروبية ولا يربطها بتركيا سوى السيادة الاسمية، وقد أغدق عليها محمد على مدينة ضلت نامية زاهرة إلى عهد إسماعيل. ـ ٢ـ كان السؤال السائل الثاني لمن ينسب فشل التعليم في مصر؟ وكان في استطاعة المقتكف أن يقضي شهوة نفسه بقوله مثلا إن فشل التعليم في مصر راجع إلى الأهالي الذين لم يعتمدوا على أنفسهم في إنشاء المدارس الحرة والتبرع للجمعيات القائمة بالتعليم وإيفاد البعثات إلى أوروبا وغير ذلك. ولكنه عمد إلى جواب ينكره الواقع وينكره المصريون والإنجليز بل وينكره المقطم نفسه في كثير من وسائله التي كتبها عن التعليم وعن قلة عدد المتعلمين الذين يعتمدون على أنفسهم في الأعمال الحرة. وأقربها إلى ذاكرتنا ما كتبه على نظام الكلية الأمريكية في قسمها غير الحكومي. يقول المقتطف إن التعليم لم يفشل في مصر! ونقول له أن نسبة المتعلمين كانت في عهد إسماعيل ٢٣ في المائة من عدد السكان على حين أنها كانت ٣ في المائة في الرسيا و ١٠ في المائة في تركيا و ٣٣ في المائة في إيطاليا. وكان عدد التلاميذ ١٤٠٩٨٧ وعدد المدارس ٤٨١٧ وكان في القاهرة وحدها ما يزيد عن ٢٩٥ مدرسة بلغ عدد تلاميذها ١٠٠٠٠ عدا طلبة الأزهر والمعاهد الأجنبية والمعاهد التابعة للأوقاف والمدارس الحربية (راجع صحيفة ٢٢٥ من كتاب تاريخ مصر لوزارة المعارف تأليف سليم حسن وعمر الإسكندري). أما الآن فنسبة الطلبة إلى عدد السكان تبلغ ٤، ٥ في المائة ونسبة من يعرفون القراءة والكتابة ١٢ في المائة حسب الإحصاءات الرسمية. أما ع الطلبة الموجودين في المدارس فيبلغ ٦٠٠٠٠٠. ولكي ننصف الأهالي في أعمالها والحكومة في أعمالها فإنا نقول أن الكتاتيب التي أنشأتها الأمة إلى سنة ١٩١٥ بلغت ٧٤٥٤ أما الحكومة فتدير ١٤٢ كتابا! أما المدارس الابتدائية الحرة التي أنشأتها الأمة فتبلغ ٩٤٣ مدرسة يتعلم فيها ١٠٨٦٤١ تلميذاً، في حين أن للحكومة ٢٢ مدرسة عدد تلاميذها ٦٨٣٧ تلميذاً أي إن نسبة عدد من تعلمه الحكومة في مدارسها الابتدائية إلى عدد جميع التلاميذ كنسبة ١٧ في الألف وللأهالي ٥٠٨ في الألف. أما في التعليم الثانوي فالحكومة لا تعلم سوى ٦ في الألف والأهالي ١٢ في الألف وباقي الألف في درجات التعليم الأخرى (راجع في كل
следующие страницы →