Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
اتخاذها وهي في كثير من الأحيان تنتهي إلى النجاح. وتفعل مفعولها.
وهناك وسائل أخرى أحسن من هذه. فواحدة منها أن ترد الهجمة بإظهار معرفة واسعة بموضوع مطلق يخالف الموضوع الذي يحاجك فيه مكلمك أو أن تذكر كتابا أو كتابين عارض صاحبه أو صاحباهما الفكرة التي يشرحها المخاطب وأظهر فسادها وضعفها وسخفها، وتخترع من أسماء الكتب التي لم توجد في العالم ما شئت. ولكن هذه الوسيلة تحتاج إلى المهارة وإلى وجه (تلم) وصدغ صفيق. فإذا تيسر لك كل ذلك فأنت ولا ريب الناجح الموفق.
على أن هناك طريقة أخرى لإخفاء الجهل بلباقة وهي أن تتقهقر أما مخاطبك ببلاهة مدعيا أنك جاهل بكل الأشياء العادية الصرفة وزاعما أنك إنما كنت تعرف ما كان يقال أمامك. ولكنك أغفلت إظهار المعرفة استسخافا واستهزاءا بتفاهة ما قيل ولهذه الطريقة أسلوب هو عندي أبدع ما أتخذ من الطرق في الذود عن فضيحة الجهل وهي أن تظهر جهلا تاما بينا ساطعا بكل ما يذكر أمامك وتظل على إقفال فمك والاعتصام بالسكوت، والنظر في ثبات وهدوء وتحتال بكل الحيل على أن تظهر أن لديك مادة لا تنفذ من العلم الذي هو أرفع مما تسمع وأسمى مما يقال أمامك.
وآخر وسيلة لإخفاء الجهل هي أن تحطم الأطباق التي فوق المائدة والصحاف التي فوق الخوان وتكسر الكرسي الذي كنت جالسا عليه وتشب النار في المنزل وتطلق النار على نفسك. أو أن لم تستطع فما عليك إلا أن تأخذ الفضيحة من جنبك وأنت تنظر.
ولكن هذه طريقة الجبناء فقط ووسيلة الرعاديد والخوافين. وأما الرجل الشهم الشجاع الجريء فيخرج إلى الردهة ويعود وهو رافع هراوته ويصيح بالرجل الذي عرضه للفضيحة (أنت قصدت متعمدا أن تظهر جهلي أمام هؤلاء الجمع ولهذا سأضربك بهذه العصا حتى تشبع أمام هؤلاء جميعا).
فإما أن تنفذ قولك فتنجح أو تأكلها أنت حتى تشبع وهذا كل ما أقوله عن الجهل وفضائحه.
стр. 3502
المقتطف مجلة مصرية للمصريين
للمقتطف مكانة محترمة عند فريق كبير من قرائه ولأقواله قيمة خاصة لما يبدو عليها من دلائل الميل إلى التحقيق العلمي، لذلك كان عجيبا لدينا أن يصدر حكما قاطعا يتناول فيه أشرف وجوه الوطنية المصرية وبالتجريح ويردفه بأحكام أخرى تناقض ما اقتنع به المصريون بل وما اعترف به خصومهم الإنجليز، وهو يدلل على ذلك كله بعبارات سفسطية متفككة لم تسلم من التناقض ومنطق كمنطق العامة الذين لم يرق بهم التفكير إلى الوصول بين المقدمات والنتائج وتحقيق من وجوهها المتعددة.
ورد في مقتطف شهر أغسطس في باب المسائل سؤالان بل ثلاثة ذات صبغة سياسية وجهها سائلها إلى أصحاب المجلة. ولا نخطأ إذا قلنا إن هذه الأسئلة الثلاثة هي عماد ما تقوم عليه القضية المصرية وإن من جار في الحكم على واحد منها فقد طعن المصريين في أشرف جانب من جوانب وطنيتهم وكفاءتهم وكرامتهم.
كان سؤال السائل الأول (ما رأي المقتطف في السياسة الإنجليزية في مصر في الأربعين سنة الماضية هل أضرتها أم نفعتها) وكان السؤال الثاني (لمن ينسب فشل التعليم في هذا القطر وإتباع نظام الدراسة الحالي العقيم) والسؤال الثالث (إذا استقلت مصر استقلالا تاما أيمكنها أن تجاري اليابان في ارتقائها). ولقد كنا نود أن لا يخرج المقتطف عن دائرة علمياته اللا مرنة ليتورط في الإجابة عن هذه الأسئلة وأن يدع ذلك للمقطم الذي حذق سياسة الجانبين في هذه الأيام!!
وما قصدنا الآن أن نتولى الإجابة على هذه الأسئلة التي تشمل تاريخ مصر المحزن في الأربعين سنة الماضية. ولكن نريد أن نبين كيف شرح المقتطف كل هذا التاريخ في خمسين سطرا! وكيف قرر أحكاما تضعها بكلام العلماء المحققين بإضاعة ثقة كان يحاول أن يكسبها في نفوس قرائه! وسنعرض الآن نماذج من إجابته على هذه الأسئلة دون أن نحاول التعليق عليها كثيرا وإن كنا سنخص ببعض العناية مسألة فشل التعليم في مصر.
ـ ١ـ
أما السؤال الأول الخاص بما جنته مصر من نفع أو ضر من السياسة الإنجليزية في الأربعين سنة الماضية فيظهر أن أصحاب المقتطف عند إجابتهم عليه لم يفطنوا إلى تعبير
стр. 3503
السائل بكلمتي (السياسة الإنجليزية). وهو قول لا يقد منه الإصلاحات أو المشروعات ولكن عموميات السياسة في الإدارة والتشريع والتنفيذ. وفرق كبير بين أن نقول مثلا ماذا كانت سياسة التعليم في مصر وبين أن نقول ماذا كانت حالة التعليم وإن كان بعض الأمر عي ذلك يحمل بعضه. فسياسة التعليم في مصر في عهد الاحتلال شرحها اللورد كرومر بعبارة وجيزة شهيرة وهي أن المدارس مصانع لتخرج الكتبة للدواوين! كذلك كانت سياسة التعليم في مصر ترمي إلى القضاء على لغة البلاد وتجنب كل منحى في التعليم يسمو بالنفوس أو يربي الملكات أو ينعش روح الوطنية أو يعود حرية الفكر واستقلال الرأي. أما حالة التعليم في مصر فمن أسوأ الحالات، فمن مدارس محدودة العلوم والفنون إلى قلة عدد المعلمين الذين أخرجتهم إلينا السياسة الإنجليزية في أربعين سنة إلى مناهج سيئة الوضع والاختيار لا تحقق أماني المصريين في التعليم بل كانت سببا في إرباك العقول الناشئين وشل استعدادهم وعدم تهيئتهم للنجاح في الحياة العملية مما دعا مستر كاربنتر رئيس المفتيشين في وزارة المعارف إلى كتابة تقريره الشهير الذي هو وصمة المعارف عندنا والذي وصف فيه ما آلت إليه حالة التلاميذ السيئة من جراء مساوئ نظام التعليم.
نعيد الكرة بعد هذا الشرح الذي شرحناه ونسائل أحاب المقتطف ما الذي جنته مصر من السياسة الإنجليزية على حريتنا رويدا رويدا وساب حقوقنا واحد بعد واحد؟ هل عملت السياسة الإنجليزية على تربية الشعب المصري تربية سياسية استقلالية وأعدته إعدادا أخلاقيا وعلميا فاق به حالته من قبل؟ ألم يكن لنا مجلس نيابي تام السلطة فألغته سنة ١٨٨٣؟ ألم تسلخ السودان عنا وتجعله شركة الذئب والحمل بيننا وبينهم؟ ألم تتدخل في شؤوننا حتى سقطت وزارة فخري باشا بعد تشكيلها بأربعة وعشرين ساعة لأن اللورد كرومر لم يرضى عنها؟ ألم يقل اللورد جرانفل في برقيته الشهيرة أن على الوزراء المصريين أن يسمعوا كلمة المعتمد البريطاني أو يتركوا مناصبهم؟ ألم يستأثر الموظفون الإنجليز ومستشاروا الوزارات بكل السلطة في أعمال الإدارة والتشريع والتنفيذ حتى قال اللورد كرومر إن أصغر موظف إنجليزي له حق الطاعة على أكبر موظف مصري؟ وأخيرا ألم تحاول السياسة الإنجليزية أن تخمد روح الحرية وتطارد الحركة الوطنية بجميع الوسائل القهرية والاستثنائية من أمثال قانون المطبوعات وقوانين الصحافة والتجمهر و
стр. 3504
الاتفاقات الحنائية؟
قد كان يغتفر لمثل المقتطف لو اقتصر في إجابته على السؤال بقوله مثلا أن الإنجليز نظموا المالية وأصلحوا فروع الإدارة وقاموا ببعض المشروعات المهمة ولو أن هذا يخالف منطق السؤال كما بينا، ولكنه أندفع مع أمياله وركب الشطط في إجابته على السؤال بقوله إن مصر المستقلة ما كانت لتستطيع أن تبلغ إلى ما بلغت إليه من التقدم الذي هو نعمة الاحتلال!! وكان أقصى ما وصلت إليه همته في التشييد بهذه النعمة مقابلته بين مصر وسوريا قبل عهد الاحتلال مباشرة أعني في إبان التخبط والارتباك الأخيرين. فمن نماذج براهينه قوله (لقد انتشرت المدارس. . وتعددت الجرائد. . وأصبحت حروف المطبعة الأميرية غير سقيمة!. . . وكان المقتطف يطبع على ورق من سورية!. . أيها المصريون. . . احدوا الله. . . فإن مصر لم تتقدم على سورية إلا لأن الإنجليز احتلوا مصر ولم يحتلوا سورية!!. . .) ولعله نسي أن يذك ردم الخليج!. . . وتوسيع ميداني المنشية وباب الحديد. وجنينة الأسماك!!
إننا لا نجد غير كلمة واحدة نقولها للقوم وهي إننا فقدنا الاستقلال!! فإذا كان المقطميون لم يشعروا بما يشعر به قلب الوطنية المصرية إزاء هذا الحق المقدس، وقد غلبتهم المظاهر المادية من انتشار المدارس وكثرة المطابع والمتاجر فإن نذكرهم بالتاريخ الذي يدعون أنه خدامه، نذكرهم بعهد محمد علي وما وصلت إليه مصر في زمنه من الرقي العظيم الذي ما كان شيء يحول دون تقدمه المطرد لولا احتلال الإنجليز الذين ما كادوا يدخلون بلادنا حتى باعوا السفن ومحتويات مصانعها وأقفلوا معامل المدافع والأسلحة والضربخانة ومصانع الورق والمغازل والمناول!. وأغلقوا المدارس وألغوا المجانية منها! قال رزنر في كتابه مصر في عهد الاحتلال (في سنة ١٨٨٣ ألغي ٢٢ مدرسة تجهيزية من مدارس الحكومة وثلاث مدارس فنية ومدرسة المعلمين ومدرسة المساحة لأسباب اقتصادية).
على أن المقابلة إن صحت بين بلدين فلا تصح بين مصر وسورية لاختلاف ما بينهما من الأحول المدنية، فقد كانت سورية ولاية تركية طالما قيل لنا أنها كانت تتأخر في كل يوم درجات بسبب مساوئ الحكم التركي بينما كانت مصر دولة مستقلة تضارع الدول
стр. 3505
الأوروبية ولا يربطها بتركيا سوى السيادة الاسمية، وقد أغدق عليها محمد على مدينة ضلت نامية زاهرة إلى عهد إسماعيل.
ـ ٢ـ
كان السؤال السائل الثاني لمن ينسب فشل التعليم في مصر؟ وكان في استطاعة المقتكف أن يقضي شهوة نفسه بقوله مثلا إن فشل التعليم في مصر راجع إلى الأهالي الذين لم يعتمدوا على أنفسهم في إنشاء المدارس الحرة والتبرع للجمعيات القائمة بالتعليم وإيفاد البعثات إلى أوروبا وغير ذلك. ولكنه عمد إلى جواب ينكره الواقع وينكره المصريون والإنجليز بل وينكره المقطم نفسه في كثير من وسائله التي كتبها عن التعليم وعن قلة عدد المتعلمين الذين يعتمدون على أنفسهم في الأعمال الحرة. وأقربها إلى ذاكرتنا ما كتبه على نظام الكلية الأمريكية في قسمها غير الحكومي.
يقول المقتطف إن التعليم لم يفشل في مصر! ونقول له أن نسبة المتعلمين كانت في عهد إسماعيل ٢٣ في المائة من عدد السكان على حين أنها كانت ٣ في المائة في الرسيا و ١٠ في المائة في تركيا و ٣٣ في المائة في إيطاليا. وكان عدد التلاميذ ١٤٠٩٨٧ وعدد المدارس ٤٨١٧ وكان في القاهرة وحدها ما يزيد عن ٢٩٥ مدرسة بلغ عدد تلاميذها ١٠٠٠٠ عدا طلبة الأزهر والمعاهد الأجنبية والمعاهد التابعة للأوقاف والمدارس الحربية (راجع صحيفة ٢٢٥ من كتاب تاريخ مصر لوزارة المعارف تأليف سليم حسن وعمر الإسكندري). أما الآن فنسبة الطلبة إلى عدد السكان تبلغ ٤، ٥ في المائة ونسبة من يعرفون القراءة والكتابة ١٢ في المائة حسب الإحصاءات الرسمية. أما ع الطلبة الموجودين في المدارس فيبلغ ٦٠٠٠٠٠. ولكي ننصف الأهالي في أعمالها والحكومة في أعمالها فإنا نقول أن الكتاتيب التي أنشأتها الأمة إلى سنة ١٩١٥ بلغت ٧٤٥٤ أما الحكومة فتدير ١٤٢ كتابا! أما المدارس الابتدائية الحرة التي أنشأتها الأمة فتبلغ ٩٤٣ مدرسة يتعلم فيها ١٠٨٦٤١ تلميذاً، في حين أن للحكومة ٢٢ مدرسة عدد تلاميذها ٦٨٣٧ تلميذاً أي إن نسبة عدد من تعلمه الحكومة في مدارسها الابتدائية إلى عدد جميع التلاميذ كنسبة ١٧ في الألف وللأهالي ٥٠٨ في الألف. أما في التعليم الثانوي فالحكومة لا تعلم سوى ٦ في الألف والأهالي ١٢ في الألف وباقي الألف في درجات التعليم الأخرى (راجع في كل
стр. 3506
ذلك كتاب التعليم العام لأمين باشا سامي).
يقول المقتطف أن التعليم لم يفشل في مصر!! ويقول اللورد ملنر في تقريره (أن من أسباب الاستياء العام عدم النجاح في سياسة التعليم كما هو ظاهر جليا فأدى ذلك إلى تخرج عدد دائم الازدياد ولا حاجة إليه من طلاب الوظائف الحاملين شهادات الامتحان والخالين من تأثير التهذيب الحقيقي) ويقول أيضاً (ولكن يظهر هنا أيضاً أن الحال بقيت بلا سعي يذكر في تنقيح نظام وضع في ظروف استثنائية وبالا التفات إلى كون الأحوال المتغيرة تقتضي إتباع طرق جديدة. فالتعليم والتهذيب الذي أقبل عليه الناس إقبالا حقيقيا وجعلوا يلحون في طلبه لا يزال قاصرا جدا والسواد لأعظم من الأهالي أميا وليس ذلك فقط بل ولا يزال بلا تربية اجتماعية أو أدبية أيضا). ويقول السرفالنتين تشيرول مكاتب التيمس في مقالاته التي نشرها عن مص (إنها ذات نظام مرقع في التعليم سيء في وضعه وفي تنفيذه) ويقول المستر جون روبرتسون العضو بمجلس النواب الإنجليز (لقد مكثنا في مصر مدة ربع قرن فوصلنا بالمصريين إلى هذا الانحطاط في التعليم. . وكذلك كانت وصايتنا السياسية مقترنة في مصر بسياسة تأخير التعليم). ولكن المقتطف يقول إن التعليم لم يفشل في مصر والمقتطف أصدق!!.
أما قول المقتطف إن التعليم لم يفشل في مصر لأن كل الذين يشار إليهم بالبنان درسوا على هذا النظام فهو كمن يقول إن حامض الفنيك غير مميت لأن طالبا تجرعه فلم يمت! وغاب عنه أن النجاح في مزاولة أعمال الحياة تابع لنضوج العقل واكتماله وتقوية الذهن بالتجارب والمشاهدات وإنماء الملكات التي لا تلبث أن تتغلب على مساوئ التعليم المدرسي كما تتغلب البنية الصحيحة السليمة على ما ينتاب الجسم من الأمراض والمكروبات أو تضعف عملها كثيرا. فالفضل لنجاح هؤلاء الذين يشار إليهم بالبنان ليس مرجعه إلى أساس الدراسة الحالي كما يقول المقتطف ولكن إلى جهادهم الشخصي في حث مواهبهم والانتفاع بما مارسوه واطلعوا عليه من التخلص من بذور سيئة بذرها أساس الدراسة الحالي.
وأخيرا يقول المقتطف إننا لا نرى ما ننتقده غير عدم انقطاع أحد للبحث العلمي! فهنيئاً لمصر التي لا يرى المقتطف في نظام تعليمها ما ينتقده سوى عدم انقطاع أحد للبحث
стр. 3507
العلمي!! ولكن ألا يرى المقتطف أن نقده هذا اعتراف بسيئة من سيئات التعليم وإشهار بجانب من جوانب إخفاقه؟! أليس التعليم الصحيح هو الذي يخرج رجالا يميلون إلى البحث والاطلاع وتضحية مص٢الحهم لمنفعة أمتهم؟! ونسوق إليه في هذا المعنى كلمة لناظر مدرسة الحقوق سنة ١٩٠٧ مسيو لامبير إذ يقول (منت عضوا في لجنة امتحان طلبة شهادة الدراسة الثانوية في القسم الأدبي فتحققت إذ ذاك أن درجة التعليم الثانوي في مصر لا تكاد تعادل درجة التعليم الابتدائي الفرنسي في الوقت الحاضر. فقد محوا طبقا لخطة موضوعة من برنامج التعليم الثانوي تلك الأنظمة التي من شأنها أن تكون قوة الحكم والتعقل وتنبه في ذهن الطالب حب الاطلاع والبحث وجعلوا محل ذلك في المكان الأول ما يحتاج إلى إجهاد الحافظة).
ـ٣ـ
أما السؤال الثالث الخاص بإمكان مصر مجاراة اليابان في ارتقائها إذا استقلت استقلالا تاما، فقد أجاب عليه المقتطف إجابة غريبة قائلا إن ذلك لا يمكن لتفاوت عدد السكان بين البلدين تفاوتا هائلا ولكثرة المصالح الأجنبية هنا عن هناك وأخيرا لأن التعليم في اليابان عمومي إجباري وهذا غير مستطاع في مصر لأسباب كنا نود لو ذكرها لنستطيع التعليق عليها. ولكنا نعود فنذكره مرة أخرى بأن التقدم العظيم الذي أدركته مصر في عهد محمد علي في زمن وجيز كان وسكانها لا يزيدون عن المليونين وليس الغرض أن نقول أن مصر ستصبح بعد استقلالها مساوية لليابان في ارتقائها ولكن الغرض المقصود هو هل تستطيع مصر أن ترتقي بنسبة عدد سكانها ومواردها ارتقاء يتناسب مع ما بلغته اليابان في الخمسين سنة الأخيرة يوم بدأت تنقل الحضارة الأوربية إليها؟
ط. ر
стр. 3508
الصالون الفرنسي والصالون الإنجليزي
للكاتب النقادة الفرنسي الشهير (تين)
أرى في فرنسا في أحد صالونات رجال الظرف والذكاء، أو في مكتبة أحد الفنيين، عشرين رجلا في بهجة وانشراح. وشعارهم طلب المسرة ومن أخلاقهم حب السرور. وإنك لتستطيع أن تحدثهم عم شرور العالم بشرط أن يكون ذلك بطريقة مسلية لذيذة! فإذا ساورك الغضب صعوقا وإذا أردت أن تلقي عليهم درسا تثاءبوا! اضحك - هذه هي القاعدة هنا، ولكن لا تضحك بقسوة وجفوة ظاهرة ولكن بلذة وسرور وروح خفيفة؟ وإن هذا الخلق الفكه النشيط ينبغي أن يظل في حركة، وإن اكتشاف نكتة أو ملحة جديدة لهو من أعظم الحوادث السعيدة! فإذ١اأردت مرضاتهم عليك بتقليدهم وإذا أردت مسرتهم فكن أنت مسرورا طربا.
أما القاعدة الثانية فهي أن تكون متأدبا. وأنك تجلس مع رجال ظرفاء رقيقين مزهوين، ولا ينبغي أن تهينهم بل ينبغي أن تتملقهم. وإياك أ، تجرح عواطفهم بمحاولتك إقناعهم بطريق القوة أو الجدل الجاف، وإظهار الفصاحة والحدة. امنحهم شرف الظن بأنهم يفهمون قولك من أول كلمة وأن ابتسامة معنوية تقوم لديهم مقام قضية منطقية صحيحة، وأن لمحة سريعة من طرف خفي أبلغ من نقد طويل ممل. وأخيرا تذكر (والحديث بيني وبينك) إنه مضى عليهم ألف سنة وهم يحكمون حكما طيبا في السياسة والدين، وبعبارة أخرى يحكمون حكما زاد عن الحد. وإن الرجل الذي تضيق نفسه بأمر لا يود أن يستزيد منه. ولكنهم في أحيان كثيرة بمحض الرغبة في النقد يتعرضون لهذين الموضوعين، وتدفعهم الحماسة والانفعال والاستياء إلى التشنيع بالمجتمع عن طريق الحكومة والتشهير بالأخلاق عن طريق الدين! وإني لا أستطيع أن أوصيك في هذا المجال بإرضائهم. ولكني ألاحظ أمرا بسيطا، وهو أنه إذا أردت مسرته فلا ضرر من مزحة مشاغبة قاسية أو سخرية عارضة!!.
والآن أعبر البحر عشرين ميلا واجد نفسي في صالة كبيرة نظيفة غير مزخرفة مملوءة بالمقاعد الكثيرة ومصابيح الغاز، بناد للمحاضرات أو منزل للعظات! هنا خمسمائة رجل بوجوه واجمة جامدة، وأن أول نظرة تلقيها عليهم لتكفى في معرفة أنهم لم يأتوا إلى هذا
стр. 3509
المكان للسرور والتسلية! ففي هذه المملكة حالة جمود وجد سلبت الإحساسات معانيها الشريفة السريعة، وأذهان أقل سرعة وتنبها فقدت الحرارة والسرور. إذا مزحنا أو سخرنا أمامهم فعلينا أن نذكر أنا نخاطب أناسا يقظين مفكرين قادرين على الاحتفاظ بتأثرات عميقة مدة طويلة وغير قادرين على انفعالات متقلبة فجائية. هذه الوجوه الجامدة المزوية ستظل بلا حراك، فهم يقاومون كل ابتسامة خفيفة لم تكتمل، فإذا ضحكوا كانت ضحكاتهم تشنجات جافية كجمودهم. وإذا حدثت فلا تمر بالموضوع مرورا بلطف ولين بل أضربها في مقاتلها، واعلم أنه ينبغي لك أن تثير في نفوسهم أقصى عوامل الحماسة، وإن الصدمات العنيفة ضرورية لتحيك هذه الأعصاب الجامدة! كذلك لا تنس أنك تخاطب عقولا عملية محبة للمفيد النافع، وأنهم لم يأتوا إلى هذا المكان إلا ليستفيدوا وإن علينا إزاءهم دينا من الحقائق والمعلومات الثابتة، وإن أصالة عقولهم الضيقة قليلا لا تقبل أقوالا خبط عشواء بلا تحقيق أو أراء مشكوك فيها وأنهم يتطلبون تفنيدات وردودا مدعومة وأبحاثا مستوفاة، وأنهم إنما دفعوا نفوذهم ليسمعوا في هذا المكان نصيحة يتبعونها ليسمعوا في هذا المكان نصيحة يتبعونها أو نقدا مؤيدا بالحجة. فحالتهم النفسية تتطلب انفعالات شديدة، وعقولهم العملية تتطلب حقائق دقيقة. فلكي نرضى نفوسهم لا ينبغي أن نكتفي بخدش الرذيلة ولكن بتعذيبها، ولكي نرضي عقولهم لا نكتفي بالتشهير المبني على الهزل والدعابة ولكن على الإثبات والبرهان بقيت كلمة واحدة أخيرة: هناك، في وسط هذه الجماعة، انظر إلى ذلك الكتاب المذهب الفخم الموضوع بإجلال فوق وسادة حريرية، إنه الإنجيل. ويلتف حوله خمسون رجلا من رجال الأخلاق الذين كانوا منذ هنيهة في أحد المسارح يرمون أحد الممثلين بالتفاح لأنه متهم باتخاذه زوجة أحد الأهالي عشيقة له فإذا خطر لإنسان ما أن يمد يده إلى صفحة من صفحات الكتاب المقدس أو أن يتعرض لأصغر التقاليد الأخلاقية عندهم فإن خمسين يدا ستأخذ بخناقه وتقذفه إلى خارج القاعة!!
стр. 3510
قصيدة غزلية
للشاعر الألماني هنريخ هايني
انتشرت ظلال الغروب كأيبة حزينة، والتطمت الأمواج بعنف، وأنا جالس فوق الصخرة أتأمل إلى رقص الماء الأبيض. فاهتاجني الحنين وشعرت بشوق عميق إليك، أنت أيتها الصورة العزيزة، التي تتبعني دائما، وتناديني دائما وأبدا في هزيم الريح، وهدير البحر، وتنهدات قلبي!
أمسكت عودا رفيعا وكتبت فوق الرمال (أجنيس! أحبك!). ولكن الموج القاسي انحدر نحو الشاطئ. ومحا ذلك الاعتراف الجميل وطمس معالمه! أيها الغصن الواهي وأيتها الرمال السافية وأيتها الأمواج الطامسة الماحية، إني لا أثق بكن بعد! السماء تظلم وقلبي يخفق ويدي القوية تقتلع أعظم شجرات الصنوبر من غابات النرويج وتغمسها في فوهة بركان أطنر الجاحم المشتعل، وبذلك القلم الناري الهائل أخط على قبة السماء المظلمة (أجنيس! أحبك!). وكذلك تشرق حروفي النارية الخالدة في كل مساء في قبة السماء، تطالعها كل الأجيال القادمة، وتقرأ في جذل وحبور تلك الكلمات المرحة (أجنيس! أحبك!).
стр. 3511
رواية تاجر البندقية
تأليف وليم شاكسبير
الفصل لأول
المنظر الثالث
البندقية مكان عمومي
يدخل باسانيوو شيلوك
شيلوك: ثلاثة آلاف دوكة - إيه
باسانيو: أجل يا سيدي لمدة ثلاثة أشهر.
شيلوك: لمدة ثلاثة أشهر - إيه.
باسانيو: وسيقوم بضماني فيها انتونيو - كما أنبأتك.
شيلوك: سيقوم بضمانتك انتونيو - إيه.
باسانيو: فهل لك في إنجادي. وإسعافي وإسعادي. بإسداء هذه النعمة وإهداء هاتيك المكرمة؟ خبرني أأنت مجيب سؤالي وقاض حاجتي؟
شيلوك: ثلاثة آلاف دوكة لمدة ثلاثة أشهر والضامن انتونيو.
باسانيو: جوابك على هذا.
شيلوك: وانتونيو رجل ثقة.
باسانيو: أسمعت عنه قط خلاف ذلك.
شيلوك: لا، لا لا. إنما بقولي ثقة المركز المالي أعني هل عنده كفاء ما قد ضمنه، على أني أعلم أن ثروته مزعومة. وأمواله موهومة. فإحدى سفائنه تؤم طرابلس وأخرى تقصد جزر الهند وقد علمت من الغرفة التجارية أن له ثالثة بالمكسيك ورابعة تنتحي إنكلترا وكم له غير ذلك من بضائع قد بعثرها في أنحاء البحار. واستودعها صدر الجائش الزخار. واستحملها ذرى موجة وتيار. ولكن هل ترى السفائن إلا الواحا وهل النوتية إلا أجساما وأرواحا وإن هنالك لجرذانا برية وجرذانا بحرية ولصوصا بحرية ولصوصا برية - أعني قراصنة. ويجيء من بعد هذا أخطار الأمواه والرياح والصخور. على أن أرى الرجل مع هذا كله كفؤا لضمانة هذا القرض. ثلاثة آلاف دوكة، لا مانع عندي من قبول
стр. 3512
ضمانته.
باسانيو - ثق إنه لا مانع البتة.
شيلوك - سأتوثق من ذلك. ولكي أستوثق منه سأتدبر الأمر مليا.
أيمكنني مفاوضة انتونيو؟
باسانيو - أفلا تفضلت علينا بتناول الغداء معنا.
شيلوك: ويحي! أشم لحم الخنزير وآكل من الحيوان الذي جعل نبيكم النصراني مسكنا للشيطان أحله فيه، لا بأس على أن أساومكم وأبايعكم وأحادثكم وأسايركم وهلم جرا. ولكني لن أواكلكم لا أشاربكم ولا أشهد الصلاة معكم ما أنباء الغرفة التجارية؟ من القادم؟
يدخل انتونيو
باسانيو - هذا هو السنيور انتونيو
شيلوك - (على انفراد) ما أشبه بحياة الخراج ذلة وانكسار إني لأمقته لأنه نصرانيا. ويزيدني مقتالة وحردا عليه أنه من بله وحماقة يقرض المال بلا فائدة فبهبط بذلك قيمة الأرباح في فينسيا. فلو أبدى لي القدر من مقاتله فأمكنني فيه الفرصة إذن لشقيت منه عليلا قديما. وأطفأت بالقصاص منه جمرة حقد أوقدت على كبدي حميما. تباله لشدة ما يمقت شعبنا المقدس: وكم تراه في أحشد مجامع التجار وأحفل نواديهم يهزأ بي ويسخر من مساوماتي ومن حلال مكسبي الذي يسميه ربا. فلعنة الله على أمتي وناسي إن غفرت له وعفوت عن.
باسانيو - شيلوك أأنت منصت لي؟
شيلوك - إني أقدر ما لدى الآن من النقد واحسب أني لا أستطيع توا تقديم جملة الثلاثة الآلاف دوكة. ولكن لا بأس علينا من ذلك. فهذا (توبال) أحد أغنياء الطائفة يمدني بالمال. خبرني كم شهرا تريد القرض؟ (مخاطبا انتونيو) أسعد الله أوقاتك أيها السنيور إنك أخر من أجرينا ذكره على شفاهنا.
انتونيو - شيلوك؟ إني وإن كنت لا أرابي أخذا ولا إعطاء لأخالفن مذهبي، قضاء حاجات لصاحبي قد نضجت وأدركت. (إلى باسانيو) ألم يعرف مقدار ما تبتغي؟.
شيلوك - بلى بلى ثلاثة آلاف دوكة.
стр. 3513
انتونيو - ولمدة ثلاثة أشهر.
شيلوك - لقد نسيت هذا ثلاث أشهر كذلك خبرتني. هلم بنا لتحرير العقد ولكن خبرني عن أمر. ألم تقل أنك لا ترابي في معاملاتك لا أخذا ولا إعطاء.
انتونيو - بلى. لا أصنع ذلك البتة.
شيلوك - لما رعى يعقوب أغنام عمه لابان - وكان يعقوب هذا بفضل مساعي أمه الوارث الثالث من بعد أبينا المقدس إبراهيم - أجل كان الوارث الثالث ـ.
انتونيو - وماذا كان من أمره هل كان يستحل الربا؟.
شيلوك - لا لا. لم يستحل الربا. ليس ما كان يأخذه ربا بالضبط. انظر ماذا كان يعقوب يصنع حينما تعاقد مع عمه لابان. لقد تواطأ على أن يكون أجر إبراهيم كل ما كان من أولاد هذه الأغنام منقطا أرقط. وقد كان هذا سبيلا إلى النجح فبورك له وأفلح. وما أربح إلا خيرا وبركة إذا ناله الناس من حله لا من طريق السرقة.
انتونيو - أن الذي بذل بذل فيه يعقوب جهده وكده كان من المخاطرات المعلقة على المقادير مما لاحيلة له فيه ولا هو في وسعه ومقدوره ولكن لله التدبير والتيسير. ولكنفيم ضربك هذا المثل وما غرضك من إيراده ههنا؟ وهل أجريت ذهبك وفضتك مجرى النعاج والخراف؟
شيلوك - لا أدري. غير أني استثمرها بأسرع مما تستثمر هذه الأنعم. ولكنالق بالك إلى أيها السنيور.
انتونيو - أصغ يا باسانيو. لهذا الشيطان كيف يتمثل آيات الكتاب المقدس تأييدا لحجته. ولعمرك إن الشهادة المقدسة صادرة عن الروح الخبيثة لا من وميض الابتسام يتألق في صفحة الوغد الفاجر. وهو كالتفاحة ظاهرها حسن. وباطنها عفن. فسحقا للخداع ما أجمل مرآه. وأسوأ منطواه.
شيلوك - ثلاثة آلاف دوكة. إنه لمبلغ جسيم. ثلاثة أشهر من إثنى عشر. ثم مسألة الأرباح.
انتونيو - أي شيلوك. أتحسبنا ضمن غرمائك المدينين لك؟
شيلوك - أيها السنيور انتونيو. كم من مرة بالغرفة أوسعتني شتما من جراء أموالي واستثمارها فاحتملتها منك على مضض وصبرت على أذاها وكان احتمال الأذى شعار
стр. 3514
أمتنا جمعاء. إنك لتنبذني بالألقاب تسميني كافرا وكلبا سفاحا سفاكا للدماء وتبصق على عباءتي وهي زي الملة الإسرائلية وكل ذلك من أجل تصرفي في مالي وملك يدي. والآن أصبحت بحاجة إلى معونتي ومددي. فأنت تجيئني فتقول (شيلوك. أنا بحاجة إلى المال) تقول هذا أنت الذي كنت تبصق على لحيتي وتركلني برجلك كما تركل الكلب الشارد على عتبة دارك. الآن أصبح المال حاجتك. والذهب بغيتك. فماذا ينبغي أن أقول لك الساعة؟ أما ينبغي أن أجيبك بقولي (أيكون للكلب مال؟ أيستطيع الكلب أن يقرض ثلاثة آلاف دوكة؟ أم أجثو لك خاضعا. وأركع خاشعا. وبلهجة العبد الرقيق وهمسة الأسير الذليل أقول لك بصوت غضيض ونفس قطيع).
(سيدي الكريم. لقد بصقت علي يوم الأربعاء وركلتني يوم كذا. ودعوتني كلبا مرة أخرى ومن أجل هذه الحفاوات أقرضك هذا القدر من المال).
انتونيو - وما أجدرني أن أعيد عليك الكرة الآن فأبصق عليك ثانية وأرفسك بقدمي أيضا، إلا فاعلمن إن كنت مقرضي هذا المال إنك لن تقرضه إلى صديق ومتى كان من شيمة الصديق أن يأخذ من صديقه ثمرة ونتيجة على المعدن الذي هو في ذاته عقيم غير منتج ولكن أقرضنيه على أني عدوك الذي إن أخلف معك ميعاده كنت حريا أن تنفذ عليه الجزاء بجراءة.
شيلوك - رويدك. وسكن ثائرة غضبك فتالله ما أبغي سوى مصافاتك ونيل ودادك وإني لصافح عما لوثت به صحيفتي من المطاعن وقاض كل حاجاتك ثم لا آخذ منك فلسا واحدا على ما أقرضك: أفلا يرضيك هذا وما أخاله إلا دليلا على المودة والمبرة.
باسانيو - ما أبر ذلك لو تم.
شيلوك - لأصنعن هذه المبرة.
اذهب معي إلى كاتب عقود فوقع لديه على صك القرض. ولنحرر به - على سبيل المزاح والفكاهة - صيغة العقد الآتية وهي أنك إذا عجزت أن تدفع لي في يوم كذا بمكان كذا مبلغ كذا المنصوص عنه في العقد كان جزاؤك أن أقتطع من صميم لحمك رطلا أنتقيه من أي موضع في جسدك.
انتونيو - قد رضيت ذلك. فأنا أوقع على مثل هذا العقد وأشهد أن اليهودي على جانب
стр. 3515
عظيم من البر والمروءة.
باسانيو - لن توقع على مثل هذا العقد من أجلي. فلخير لي من ذلك أن أصبر على عوزي وضائقتي.
انتونيو - عجبا لك! ماذا تخشى أيها الرجل! ما احسب الأمر واصلا بي إلى أن أخسر هذا القدر من لحمي في ظرف شهرين أي قبل حلول ميعاد العقد بشهر أنتظر أن يرد على تسعة أمثال هذا القرض.
شيلوك - يالأبناء إبراهيم من هؤلاء النصارى الذين قد أصبحوا لشدة قسوتهم يتهمون الغير بسوء النية! فبالله عليك خبرني إذا خلف السيد ميعاده ماذا يجدي على تقاضي هذه الغرامة! وإن رطلا من لحم آدمي لأقل طيبا وارخص قيمة من رطل من لحم الضأن أو العجول أو الماعز. إني أبذل له صداقتي ابتغاء مرضاته فإن قبلها فذلك ما نبتغي وإلا فسلام عليكما. وعساه مقلعا عن إساءتي جزاء ما عرضت عليه الآن من صداقتي.
انتونيو - أجل يا شيلوك سأوقع لك على هذا العقد.
شيلوك - لاقني إذن لدى كاتب العقود واشرح له أمر هذا العقد الفكاهي وسأذهب لاستحضار المبلغ توا وأتفقد داري التي تركتها في عهدة حارس غير مأمون وفاجر مبذر. وسأوافيك بعد قليل.
انتونيو - اذهب أيها اليهودي الكريم.
يخرج شيلوك
كأني باليهودي يهم أن يتنصر: ألا تراه قد رقى ولان؟
باسانيو - لا أرتضي الشوط الهينة تصدر عن ضمير غادر فاجر.
انتونيو - هلم بنا فلا ضير علينا في ذلك الشأن. فسترد سفائني لشهر قبل حلول الأوان.
(يخرجان)
الفصل الثاني
النظر الأول
بلدة بلمون. غرفة في قصر بورشيا
صدح أبواق. يدخل أمير مراكش وحاشيته.
стр. 3516
ثم بورشيا ونيريسا وغيرها من أتباع بورشيا.
أمير مراكش: لا تصدنك عني سمرتي فما هي إلا الحلة الدكناء. خلعتها عليّ الشمس المشرقة التي في جوارها نشئت وفي كنفها ربيت. إلا فأحضري من ترينه أنصع الفتيان بياضاً من أهل الشمال حيث لا تكاد الشمس تصهر حبات البرد ودعي كلاً منا يطعن نفسه في حبك ليبين لك أينا أفتى دماً وأشد احمراراً. فلتعلمن أيها السيدة أن طلعتي هذه كم أفزعت من فارس باسل. وأقسم بحياتي أن هذه الطلعة قد أعجبت - مع ذلك - الخرد الغيد من عذارى بلادنا. وتالله ما كنت لأستبدل بلوني هذا خلافه إلا إذا جعلت ذلك سبيلا إلى استمالتك يا مليكتي الحسناء.
بورشيا - أنا في أمر الاختيار لا أتابع دليل ناظر الفتاة المميز المتبصر. ولا أطاوع نصيح فكرها المتأمل المتدبر. ولكن ما تقيد به مستقبلي من أغلال تلك القرعة قد حرمني حرية الاختيار فلو أن أبي لم يدبر لي من أمر هذه القرعة ما قد شل إرادتي. وغل مشيئتي. وقضى أن لا أهب نفسي زوجة إلا لمن ينالني بتلك الطريقة التي أنبأتك - إذن لكان نصيبك من مودتي أيها الأمير الجليل كنصيب كل من سبقك من خطابي. وأملك في حيازتي كآمال جميع من تقدمك من طلابي.
أمير مراكش - إني لأشكرك حتى على هذا. فسيري بي إلى الجون لأجرب حظي عناك وأقسم بهذا الصارم الذي ذبح شاه العجم وأميراً فارسياً وهزم الملك سليمان في ثلاث مواقع لأبهن بلهيب ألحاظي المتقدة أقسى العيون نظرات. وألفحها جمرات. ولقهرن ببسالتي أشد القلوب إقداماً. وأذكاها ضراماً. ولأختطفن جراء الدب الراضعة من أحضان أمهاتها بل لأسخرن من الليث حين يزأر قرماً إلى الفريسة - لأفعلن كل هذا تزلفاً إليك والتماساً لودادك. ولكن ما أسوأ الظروف؟ فوالله لو تلاعب هرقل (أقوى الأقوياء) وخادمه ليكاس بفصوص النرد لينظرا حسب حكمهما أيهما خير من صاحبه لربما انحاز الظفر إلى جانب أضعف الاثنين. وصدر السهم الفائز عن يد أوهن الرجلين كذلك غلب السيد يس خادمه. وكذلك يحتمل أن يكون مآلي إذا أسلم الحظ الأعمى مقادتي فأخطئ ما قد يصيبه من هو دوني فأموت كمداً.
بورشيا - لابد أن تتبصر في أمرك وتتروى فإنك في هذا الشأن بالخيار فإما أن تدع هذه
стр. 3517
البتة أو تحلف لي قبل الاقتراع أنك إذا أخطأت المرمى لن تفاتح بعدها امرأة في شأن الزواج آخر الأبد، وها قد نصحتك فلنتصح.
أمير مراكش - سأفعل. هلم بي أنظر حظي.
بورشيا - امض بنا قبل ذلك إلى المعبد. أما القرعة فستكون بعد الغداء.
أمير مراكش - فليسعد الطالع. ولينعش الجد. فعلى حظي اليوم مدار شأني ومآل أمري فإما أن أغدو أسعد العالمين. أو أشقى الناس أجمعين.
صدح أبواق. يخرجون.
стр. 3518
الفتنة في الهند
غاندي والثورة السلبية
يطالع القراء في الجريدة اليومية أخبار القلاقل التي حدثت في إقليم ملابار الذي تقطنه قبائل الوبلاه. ولعل قليلا من القراء من يعرف شيئاً عن حقيقة هذه القلائل وعن أعمال الزعيم غاندي الذي ينسبون إليه كل حركة في الهند، وقد رأينا أن نفصل ذلك مبتدئين بوصف قبائل الموبلاه نقلا عن نبذة كتبها في جريدة التيمس السر ريس العضو في مجلس النواب:
(الموبلاه قوم مسلمون من نسل تجار العرب الذين نزحوا إلى ساحل ملابار وتزوجوا من الهندوس وأشربوا عاداتهم، ويبلغ عددهم مليوناً ونصف مليون يشتغل أكثرهم بالزراعة ولهم رئيس ديني يقيم في بلدة تيرو انجادى، وهم سنيون شديدو التعصب، يحرمون شرب الخمر تحريماً قاطعاً، وقد أثاروا منذ سنة ١٨٥٨ نحو ٣٨ اضطراباً، وكان أغلبها بسبب الأمور الزراعية).
أما الفتنة الأخيرة فقد تضاربت الأنباء البرقية في نقل أسبابها عند أول حدوثها، فقالوا أنها بسبب محاكمة زعماء الهنود، ثم نسبوها إلى حركة المقاطعة والتحدي التي يقوم بها غاندي وأنصاره، ثم قالوا إنها ضد الحكم الإجليزي ومطالبة بالحرية، وأخيراً استقر بهم الأمر عند نسبتها إلى هياج خواطر الهنود من جراء القلق على مصير الخلافة ونيت بريطانيا نحو تركيا ومساعدتها لليونان في حرب الأناضول، وقالوا إن الثائرين حملوا الأعلام الخضر!! وعندها إن السياسة الإنجليزية استحسنت الوقوف عند هذا السبب الأخير وجعله هو الباعث الوحيد على قلاقل الهنود، مفضلة أن تكون الفتنة موصوفة بأنها حركة دينية للعطف على تركيا أكثر منها حركة سياسية موجهة إلى الحكم الإنجليزي. والمطالبة بالحقوق القومية. وأمامنا مثل من تاريخنا القريب أيم كان الإنجليز يحاولون عبثاً أن يغيروا من صبغة حركتنا الوطنية سنة ١٩١٩ فقالوا إنها هياج ديني من العامة الذين أقلقهم انكسار تركيا ومصير الخلافة. . .
ثم زعموا أنها حركة مدبرة من جمعية الإتحاد الترقي وأن للألمان والبلشفيين أصبعا فيها. . . . ثم قالوا بل هي حركة ضد الحماية الإنجليزية ومطالبة بالحكم الذاتي!. . . .
стр. 3519
ولكن الإنكليز لم يفلحوا في تشويه الغرض الحقيقي من حركتنا في المطالبة بالاستقلال كما أفلحوا الآن في حمل الناس على الاعتقاد بأن حركة الموبلاه حركة دينية فحسب!.
والآن ننتهي إلى وصف الزعيم غاندي وشرح مذهبه ليتبين مبلغ تأثير هذا الزعيم ومذهبه في حدوث الفتنة الحالية. لا حاجة بنا إلى القول أن غاندي أكبر الزعماء الآن في الهند وأن شخصيته العظيمة تجبر كل من أقترب منه على الاعتراف بها. وكفى تأيداً لمكانة هذا الزعيم ما ورد في البرقيات من دعوته محمد علي لزيارة ملابار الموبلاه، وقد قابله حاكم الهند العام وطلب منه أن ينصح زعماء الثورة بالهدوء وإلا عرضوا أنفسهم للمحكمة. وبلغ غاندي مكانته هذه في الهند بقوة خلقه ومتانة عقيدته وإيمانه بأن القوة الروحية تقهر القوة المادية إذا اشتبكتا معا. وقد سجن مراراً واحتمل شظف العيش وضنكه دون أن يفل ذلك من عزيمته. وهو يقول إن احتمال الألم والصبر على المكاره وقهر النفس هي التي ستنقذ الهند من الحكم الأجنبي وهو ينادي بأن المقاومة السلبية قوة لا تغلب وإنها صائرة بالإنجليز إلى الخروج من الهند. ونتج من هذه الدعوة إلى المقومة السلبية حركة مقاطعة لكل ما هو إنكليزي، حتى لقد اجتمعت الآلاف من الهنود في مدينة بومباي تحت زعامة غاندي وأخذوا يحرقون أكواما هائلة من الثياب المصنوعة في إنجلترا إعلانا عن عزمهم على مقاطعة المنسوجات الإنجليزية التي تبلغ ما تستورده الهند منها سنويا نحو ٤٠٠ مليون جنيه كما تقول التيمس كذلك أخرج الهنود أولادهم من مدارس الحكومة وأدخلوهم مدارس أهلية أنشأها أنصار غاندي لنشر العلم الخالي من مساوئ المدنية الغربية. ويعرف أنصار غاندي في الهند بتقشفهم وقلنسوتهم المخصوصة وثيابهم الخشنة المصنوعة في مغازل بلادهم أو بواسطة الأنوال اليدوية. ولا ريب أن فكرة المقاطعة هذه لكل ما هو إنجليزي أنبتت في نفس الهندي شيئا من الإزدراء بالإنجليز والاستخفاف بهم، حتى قال الحاكم العام في تقريره (إن الهنود أصبحوا يحتقرون السلطة الشرعية). وقد كتب أحد الصحفيين الهنود نبذة عن غاندي ومذهبه في صحيفته التي تصدر في بوماي قال فيها:
(يوجد في هذا العصر ثلاثة رجال قد أضافوا رواء جديدا لعبقريتنا، وأروا العالم مقياسا من البنية التي يمكن أن تصل إليها الرجولة الهندية. هؤلاء ثلاثة هم تاجور في الأدب، وبوز في العلوم، وغاندي في الأعمال العامة. يقول بيرك (إن مبادئ السياسة هي مبادئ
стр. 3520
الأخلاق بشكل أكبر) وهذا عينه مبدأ غاندي إذ يقول (إن السياسة ليس لعبة، إن هي إلا نشر الفضائل المنزلية ووسيلة لتجديد الروح). ويرى غاندي أنكل شيء ترخص تضحيته لنصرة الحق وإن الانحياز إلى الخطأ إثم وشر. وليس في الهند داع يمثل القوة الروحية أكبر من غاندي. وقد هز غاندي بلاد الهند هزة عنيفة وأيقظها من سبات الغفلة والتخدير التي كانت فيه. ولكن ألا يخشى أن يكون غاندي قد أخطأ الطريق؟ وإن جهودنا هذه تصرف عبثا وتضيع سدى؟ ولكن لا فإن حركة التقدم هي روح للجهاد ولست بيائس لأني أعتقد أن روح غاندي الكبيرة أعظم من مذهبه، وإن شخصيته أكبر من عقيدته، قد يكون مذهبه الجديد جافا، فاترا، خائبا، وقد تكون فلسفته غامضة غير مؤسسة، وقد تكون سياسته خطيرة، ولكن أخلاقه صريحة وأقواله متوافقة مع أعماله).
وقد كتبت مجلة النيشن فصلا في هذا الموضوع نلخص منه مايلي: (إن بعد الهند عنا وعن مدينتنا لم يمنع من ظهور رجل عظيم كغاندي، فهو في الهند بمثابة تولستوي في الروسيا، شخصية يتجسم فيها الإلهام الروحاني الخاص بأبناء جنسه. ولعل هناك شبها في الظاهر بين الاساليب التي يتخذها غاندي للحصول على السوارج (الاستقلال) وبين ما كان بفعله الشن فين قديما، فهو يعلن مقاطعة الإنجليز وعدم معاملة جميع عمال الحكومة وعلى الأخص يمتنع هو وأنصاره عن الانتخاب. . . . وهناك وجه لآخر مزعج في الحركة الهندية وهو انضمام رابندراناث تاجور إليها بعد أن رد رتبة الفروسية التي منحتها له حكومة إنجلتلرا احتجاجا منه على فظائعنا في البنجاب. وتاجور هو الشاعر الهندي العظيم الذي كشف للغرب عن أفكار الشرق وصور إبداع تصوير روحانية الهنود وآلامهم وأمالهم في التحرير وتوجههم بقلوبهم إلى اللنهاية! ولا يرى تاجور رأى غاندي في سياسة المقاطعة وعدم التعاون بل هو يريد أن يستعين الشرق بالعلم الغربي والمدنية الغربية لإدراك اللانهاية باقوة الروحانية دون أن يغمر نفسه في الماديات التي تفقده بصيرة الإلهام الشرقية).
стр. 3521
متفرقات
في عالم السينما
الألوان الطبيعية
ما من شعب راق إلا ويقدر السينما حق قدره ويعرف أنه من أهم العوامل في تقدم المدنية وانتشارها. فترى مموليهم يكونون له الشركات الهائلة وينفقون في سبيله الأموال الطائلة. ونلاحظ أن مفكريهم ومخترعيهم لا يألون جهدا في ترقيته وادخال التحسينات عليه ما وجدوا إلى ذلك سبيلا حتى بلغوا به درجة عظمو من الإتقان والإحكام.
وأكبر دليل على أنهم لا يزالون يعملون على إبلاغه حد الكمال إن أمكنهم بعد طول البحث ودقة التجارب أن يخترعوا آلة مصورة تنقل المناظر والأشخاص بألوانها الطبيعية بلا مسخ ولا تشويه وعما قليل يتم هذا الاختراع العجيب وتنشر أشرطته (الفلم) في أرجاء المعمورة.
لقد دلت الصورة التي أخذت بواسطة الآلة الجديدة على أن هذه الطريقة كفيلة بإخراج الروايات التمثيلية في منتهى الإتقان. وقد أخذت كثيرات من هذه الصور باستخدام الضوء الكهربائي فكان ذلك خطوة واسع في سبيل التقدم المنشود إذ لم يكن بالمستطاع إلى وقتنا هذا أن تؤخذ صورة ملونة مرضية بغير الضوء الطبيعي. .
فإذا تم لأولئك المخترعين ما يطلبون. وبلغوا ما يرمون إليه وظهرت الأشخاص والأشياء بألوانها الطبيعية فسيحدث ذلك ولا شك انقلابا كليا في عالم السينما.
الطب والسينما
ومن ناحية أخرى. تمكن ألماني من اختراع جهاز سينما توغرافي خاص. وصرح أثناء عرضه له بأنه ذو فائدة كبرى للجراحين وطلاب الطب. وهو جهاز كروي الشكل يعلق في سقف المكان ويدار من الأسفل فيصور دقائق العمليات كبير كانت أم صغيرة. وأخذت بواسطة (أفلام) بتر وقطع الزائدة الدودية وفتح الخراريج وخياطة الجلد، وغير ذلك. ولقد صادفت هذه الفكرة من القبول إلى حد أن الحكومة الألمانية تفكر الآن في عمل دار سينما توغرافية في برلين وإدخال هذه الطريقة في مدرسة شارلو تنبرج العليا.
стр. 3522
الألمان والطيران
ما كاد يصرح للألمان بحرية الانتقال والعمل حتى شرعوا على الفور ويظهرون للعالم همتهم المعروفة وكفاءتهم المعهودة. وضمن مشروعات الهامة التي يقومون بها الآن، إنشاء طريق هوائي ما بين برلين ولندن مارا بهامبرج. وبهذه الطريقة يتسنى لأصحاب الأعمال أن يغادروا برلين في الساعة السابعة وربع صباحا، فيصلوا لندن في مساء اليوم ذاته.
أطول الأعمار
أثبتت لنا الأيام أن كثيرا من الناس يبلغون القرن والقرن. والنصف قرن. ولا يزال بين ظهر أنينا ذلك الشيخ الذي يقطن (ببركة الفيل) ويبيع الفجل فقد نيف على المائة والعشرين.
وقد توفي منذ عهد قريب وطني بلغ المائة والثلاثين. وكان تاجرا. وقد تعهد شؤون متجره في نجاح مستمر وتقدم مطرد إلى ما قبل وفاته بعامين أو ثلاث على الأكثر. وقد كان حاضر الذهن كامل الإدراك إلى آخر سنة من حياته. وكنت إذا ذكرت له الثورة العرابية مثلا يلقبها (بحادثة البارحة) لقرب عهدها بالنسبة لما مر به من الحوادث.
وقد يكون أمر هذين الرجلين أقل عجبا من أمر رجل إنجليزي اسمه توماس بار ولد عام ١٤٨٣ وكان يشتغل بالفلاحة وزراعة الأرض. وزاول هذه المهنة إلى أن نيف على المائة والثلاثين.
ولما كان عمره ١٢٠ سنة تزوج للمرة الثانية. وأنتج ذرية وهو في سنه هذه وكان يقوم بأعباء عائلته خير قيام. فلما بلغ ١٥٢ عاما أدخله إيرل أرندل بلاط شارل الأول ليرى الملك ذلك الرجل العجيب. ولكن الهواء المحدد ونمط العيشة الذي لم يألفه أثر على صحته فقضى نحبه.
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته، ومن تخطأ يعمر فيهرم
المستشفى الطائر
اخترعت منذ أيام قلائل فرنسا طائفة من هذه المستشفيات المحلقة في الفضاء لاستخدامها في المستعمرات. وقد جارت فرنسا الحكومة الإنجليزية فتقبلت وزارة الطيران في لندن
стр. 3523
طيارة جديدة هي أشبه شيء بمستشفى يحلق في الجواء. وهي من نوع (البيبلان) طراز فيكرز فيمي تسير بمحركين اثنين وتجري بقوة أربعمائة وخمسين حصانا وتستطيع أن تحمل قبطانها ومهندسها وطبيبا وثمانية جرحى وممرضا ويبلغ عرضها ما بين الأجنحة عشرين مترا ونصف متر وطولها ثلاثة عشر من الأمتار. وقد حوت الطيارة جميع مستلزمات الراحة للجرحى. وفي داخل الطيارة حجرة لا تكاد تفترق في شيء عن الحجرات المعدة للجراحة في أكبر مستشفيات الأرض، وجرحى ينامون فوق أسرة مرتبة على نسق السيارات ولما كانت هذه الطيارات ستستخدم في المستعمرات لحمل الجرحى إلى جهات بعيدة فقد عنوا العناية الكبرى بأمر تهوية الطائرة وحجز الهواء الصالح لها. وقد أعدوا فيها من الآلات الجراحية ومستلزمات التطبيب ومطالبه. ما سهل على الطبيب أمر العناية بجرحاه. وقد وضعوا على سطح الطيارة خزانا للمياه ليكون محتجزا لحوض المغسل لأجل مطالب النظافة والاستحمام ولم يغفلوا وضع عدة للتلغراف اللاسلكي وهذه الطيارات تطير بسرعة ١٧٥ مترا في الساعة.
شيء عن الحيوانات
قرون االوعل
لا تزل قرون الوعل من غوامض أسرار الطبيعة. فكل تلك الكتلة العظيمة الهائلة التي هي في كثير من الأحوال أثقل وزنا من هيكل الإنسان العظمي، تبلغ كما نمائها في مدى شهرين أو ثلاثة أشهر ثم لا تلبث أن تنكسر في فصل الربيع حيث يكثر تناطح الوعول لتنافسهم في السعي وراء الإناث منها.
وإن أنت رأيت في فصل الربيع وعلا بالغا، فإنك لا تجد قرنيه الكبيرين المتشعبين. بل تلقى مكانهما جزأين بارزين قد غطاهما الشعر. وبعد أسابيع قلائل ينبت له قرنان قصيران يكونان في بادئ أمرهما مكسوين بشعر ناعم وما هو إلا شهران أو ما يقرب من ذلك حتى يعلو رأس الوعل تاجه الضخم. ولا يزال على رأسه طوال الصيف وأوائل الخريف ثم ينكسر كما أسلفنا.
فنماء هذه الكتلة العظمية الجسيمة بهذه السرعة المدهشة لا يزال من ألغاز الطبيعة وأسرارها.
стр. 3524
لا يمكنك أن تخدع نملة
قد أوتيت الحشرات وبعض الحيوانات أعضاء خاصة يلقبها الناس بالحساسات وإنها لحاسة سادسة غريبة تعوزنا نحن معشر البشر - فلا هي بالسمع ولا بالبصر ولا بالشم ولو أنها تقرب بعض الشيء من حاسة اللمس. فبهذه الحاسة يمكن للنملة أن تميز بين أصدقائها وأعدائها فإذا أنت صبغت مثلا أو دهنتها بمادة فغيرت رائحتها فعبثا تحاول أن تخدع نملة أخرى من إدراك حقيقة بنت جنسها.
معلومات صغيرة
يبلغ وزن أحجار الهرم الأكبر ٧٠٠٠، ٠٠٠ طن وهي تكفي لبناء مدينة بها ٢٢٠٠٠ منزل معتاد.
أذا أردت أن تمحو أثر العرق من الملابس، فضع عليه قليلا من عصير الليمون والملح قبل أن تغمرها بالماء والصابون.
لا تغسل الأوعية الزجاجية من أثر اللبن، بالماء الساخن مباشرة بل استعمل الماء البارد أولا. لأن الحرارة تسبب عشاوة يصعب إزالتها.
في اليابان تباع الملابس بالوزن لا بالقطع كما هو المعتاد.
يصب في بحر البلطيق نحو مائتي نهر.
لأهل فارس اسم خاص لكل يوم من أيام الشهر.
стр. 3525
البلشفيك وتربية الأطفال
يهتم البلشفيك بتربية أطفالهم كل الاهتمام ويتخذون لذلك أرقى الأنماط وأقوم المناهج. يرمون بذلك إلى أن يخرجوا جيلا من الرجال في المستقبل يكون خير ما أخرج للناس. فللأطفال عندهم المدارس الخاصة، والحدائق الخاصة، والمسارح الخاصة، يتعهدهم فيها أساتذة ذوو دربة ومران، ومربون أفذاذ محنكون.
ومما يذر لهم بهذا الصدد، ويدل بوضوح وجلاء على أنهم قوم دقيقوا الملاحظة، ومعشر يعنون بصغائر الأمور قبل عظائمه، أنهم حرموا بتاتا طبع الكتب الخرافية التي تكثر فيها قصص (أمنا الغولة) وأتباعها جان ومردة وعفاريت، علما منهم بأن قراءة مثل هذه الأساطير تفسد عقول النشئ وتضعف نفوسهم، ويكون لها عليهم في قادم الأيام تأثير - كبيراً كان أم صغيراً.
وقد استعاضوا عن هذه الكتب السقيمة العقيمة التي نرى المئات منها بكل لغة، وفي كل دولة، لأخرى تجمع بين بساطة الموضوعات التي تقبلها عقول الصغار وبين المبادئ السامية. وبذلك يغرسون في عقول الأطفال منذ نعومة أظفارهم، بذور الشهامة والإقدام وحب الإخاء والمساواة.
هكذا يصنع البلشفيك في تربية صغارهم ذكوراً كانوا أم إناثا. وهذا ولا شك من أدق الاحتياطات وأعظمها تأثيراً.
فأين هؤلاء من - رضي الله عنا - وأولادنا يكون الواحد منهم (اسم الله عليه طويل طويل) ولا يجسر أن يصعد السلم بالليل أو يدخل غرفة مظلمة خوفا من (المزيرة وشمهورش وأبو رجل مسلوخة) وما إلى ذلك من صنوف الأوهام وضروب الخزعبلات. والأم الغبية الجاهلة المأفونة تساعد ابنها على ذلك فتذهب (تنوسه) ولا تزال (تسمي عليه وتحفظه بالأنبياء والأولياء الصلاح) حتى يذهب عنه الرعب.
أين هذا من شاباتنا اللاتي ينشأن وقد تشبعت أفكارهن (بالزار) وما فيه من (مما، وسفينة، والولاج، وأولاد الحبش. . . . رضاكم علينا يا أسيادي) فإذا تزوج امرؤ بأحدهن لا يلبث أن يلقى شريكة حياته (مريوحة وراكبها ستون عفريت) ولا تهتم بأمر بناتها وأولادها عشر معشار ما تهتم بشأن (الكوديه وأبو السعود ونصبة الكرسي والجدي الأسود اللي من غير إشارة. . .)
стр. 3526
ألا فانظروا يا قوم ماذا تصنع الأمم اليقظة الحريصة التي تريد أن تنهض وتسود. واعملوا على شاكلتهم فكل من سار على الدرب وصل.
محمود طاهر
стр. 3527
فكاهات وملح
أشعار المجانين
حدث أديب قال كان رجل من أهل الأدب قد ذهب عقله من جراء الحب فقلت له يا أبا فلان ما حالك وأين النعمة قال تغير قلبي بالحب فتغيرت النعمة وأنشأ يقول:
أرى التجمل شيأ لست أحسنه ... وكيف أخفي الهوى والدمع يعلنه
أم كيف صبر محب قلبه دنف ... الشوق ينحله والهجر يحزنه
وإنه حين لا وصل يساعفه ... يهوى السلو ولكن ليس يمكنه
وكيف ينسى الهوى من أنت فتنته ... وفتنة اللحظ من عينيك تفتنه
فقلت أحسنت والله فقال قف قليلا فوالله لأطرحن في أذنيك أدبا أثقل من الرصاص وأخف على الفؤاد من ريش النعام فوقفت وأنشد.
للحب نار على قلبي مضرجة ... لم تبلغ النار منها عشر معشار
الماء ينبع منها في محاجرنا ... ياللرجال لماء فاض من نار
ثم أنشد.
أعاد الصدود فأحيا العليل ... وأبدى الجفاء فصبرا جميلا
وأحسب نفسي على ما أرى ... ستلقى من الهجر غما طويلا
وأحسب قلبي على ما بدا ... سيذهب مني قليلا قليلا
وحدث أبو تمام قال كنت في غرفة لي على شاطئ دجلة في وقت الخريف فإذا بغلام كنت أعرفه بجمال قد تجرد من ثيابه وألقى نفسه في دجلة يسبح فيه وقد احمر جلده من برد الماء وإذا مانى الموسوس يرمقه ببصره فلما خرج من الماء قال:
خمش الماء جلده الرطب حتى ... خلته لابسا غلالة خمر
قلت له لعنك الله يا ماني أبعد الجهاد والغزو تحسن غلاما قد بات مؤاجرا في الحانات فقال لي ليس مثلك يخاطب يا أحمق وإنما يخاطب هذا - وأشار إلى السماء - وقال:
يكفيك تقليب القلوب وإنني ... لفي ترح مما ألاقي فما ذنبي
خلقت وجوها كالمصابيح فتنة ... وقلت اهجروها عز ذلك من خطب
فأما أبحت الصب ما قد خلقته ... وأما زجرت القلب عن لوعة الحب
стр. 3528
فليت شعري هل قال العقلاء أبدع من هذا؟
خطب وكيع بن أبي الأسود وهو والي خرسان فقال في خطبته إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أشهر فقالوا له بل في ستة أيام فقال والله لقد قلتها وأنا استقلها. . . . وخطب على بن زياد الأيادي فقال في خطبته لا أقول لكم إلا ما قال العبد الصالح لقومه ما أراكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد فقالوا له إن هذا ليس من قول العبد الصالح إنما هو من قول فرعون فقال من قاله فقد أحسن. وارتفع رجلان إلى أبي ضمضم فقال أحدهم أبقاك الله إن هذا قتل ابني قال هل لابنك أم قال نعم قال ادفعها إليه حتى يولدها لك ولدا مثل ولدك ويربيه حتى يبلغ مثل ولدك ويبرأ به إليك.
فكاهات غربية
التلميذ - أفندي! إذا قلنا (إن السياسة) فما تكون علامتها؟
المدرس - السياسة علامتها النصب يا ولدي!
صديق أظن يا أخي أن الناس الذين تذهب إليهم يكرهونك.
محصل العواميد - بالعكس! فكل واحد أذهب إليه يرجوني أن آتيه مرة أخرى!!
السيد - هل أنت بواب طيب.
البواب - نعم يا سيدي، فأنا أصلي الأوقات الخمسة في الجامع دائما.
مدرس الكيمياء - (لتلميذ أنيق لاه عن الدرس بلابسه) الآن اذكر لي اسم ثلاثة فيها مادة النشا.
التلميذ - الياقة وكمى القميص.
الأفندي - أريد خادمة لها دراية تامة بالطبخ والغسيل والكي وتدبير شؤون المنزل، وتكون بنت حلال وعمرها أقل من ثلاثين سنة.
المخدم - مع الأسف يا سيدي - يمكنك أن توصي عليها (الخاطبة)
القاضي - يا رجل: امرأتك تشكو من أنك تستمر أسبوعا كاملا لا تكلمها فيه مرة!
الزوج - لأني يا سعادة القاضي الحديث.
الفتى - أنا رأيت من ضحكتك هذه أنه ليس لك قلب بالمرة.
الفتاة - يا سلام! وهل أنا فتحت فمي لهذه الدرجة!!
стр. 3529
غباوة الخدامين
(أتحفنا صديقي حضرة صاحب العزة الفاضل النبيل محمود صادق بك بهذه الملح الواقعية المستطرفة فآثر بنا أن نتحف بها قراء البيان)
أذكر هنا وقائع وقعت لي من الخدامين وأنا واحد من ملايين المخدومين وقد توخيت في أكثرها التعبير العامي تقريبا للافهام العامة وسآتي في الأعداد القادمة بما أتذكره من هذا النوع
أعطيت خادما قرشا لشراء فول مدمس صباحا وأنا ساكن في خط الحنفي فذهب بالقرش بالقرش والطاسة إلى المخدم بشارع محمد علي على يسأله هل يشتري الفول بزيت أم بسمن. . . .
دخلت في الناموسية لأنام فوجدت فيها ناموسا فدعوت الخدام لاحضار المنة فوقف ينش من خارج الناموسية وهي مسدولة.
أمرت خادما بإحضار معلقة فذهب معه زميله ليحضرها معه.
كان في يد خادم خمس بيضات فوقعت منه واحدة فانكسرت فأشرت برميها في الجردل فأخذ يكسر باقي البيض ويرمي في الجردل.
سألت خداما أحضره مخدم: أنت خدمت عند مين فقال عند واحد فقلت وكم شهر مكثت عنده قال ثلاثة أشهر فقلت اسمه إيه فقال أنا عارف؟ اسأل المخدم.
سألت خداما هل في منزله ولما قمت من النوم قبيل الظهر وجدته قد حضر فقلت لزميله انزل اسأل البواب عن الساعة التي جاء فيها هذا الخادم فنزل وسأل البواب ورجع فقال (كان في السيدة).
عندي طربوشان فقلت للخدام نظف الطربوش وهاته فقال أنظف الاثنين أم أترك أحدهما بترابه.
قلت لخدام يلزم أن يكون كل شيء مغسولا بالصابون قبل وضعه على السفرة فغسل العيش بالصابون.
قلت لخدام املأ إبريق الطشت فملأ الإبريق والطشت أيضا.
كنت منتظرا صاحبا لي بالمنزل لأمر مهم فقلت للخدام إذا حضر فلان أخبرني فبعد ساعة
стр. 3530
جاءني وقال فلان حضر ووزعته فغضبت فقال أنت قلت فأخبرني ولم تقل دعه يدخل.
سألت الخدام ألم يحضر أحد أمس وأنا غائب فقال حضر فلان أفندي وترك هذا الكرت فقلت ولماذا لم تخبرني إلى الآن فقال لأنك ما سألتنيش.
جلست إلى السفرة للغداء فلم أجد الخبز فقلت للخدام هل نسيت أن الطبيخ يؤكل بالعيش فقال موش لما تأمر.
قلت لخدام وكان أخطأ في العمل (متعملش حاجة من نفسك تاني مرة) فترك القلل فارغة وأواني السفرة بغير غسيل.
شكوت خداما سرق فدافع عن نفسه بأنه لم يسرق غير الفوطة فحكموا عليه واستغنوا عن شهادتي.
جاءني خدام جديد فسألته هل صنعتك سفرجي فقال لا أنا صنعتي كاتب ومرمطون.
قلت للخدام هات الساعة فسألني الصغيرة أم الكبيرة (يريد ساعة الحائط) طلبت من الخدام الدواة والقلم وأحضر الدواة وقلم الرصاص.
عربجي جديد مدعي الأدب لما جلس غلى كرسيه في العربة التفت وقال لي (ما تؤاخذنيش كوني معطيك ظهري).
стр. 3531
رأس العائلة
للروائي الكبير أنطون تشيخوف
جرت العادة بأن ستيبان ستيبانتش زيخلين إذا خسر كثيرا في لعب الورق أو سكر سكرة طافحة وابتدأ ينتابه سوء الهضم - أن يصحوا من نومه وهو في أشد حالات الضيق والغم. فتراه منقلب السحنة ضيق الصدر منفوش الشعر وعلى وجهه الأكلح أمارة السخط كأنما أبرمه شيء أو أغضبه أمر فيرتدي ثيابه متمهلا ويجرع (ماء فيشي) متأدا ثم يبدأ يجول في غرف البيت.
ـ (أريد أن أرف من الحيوان الذي دخل هنا ولم يغلق الباب!) يقول ذلك وهو يبرطل غضبا ويحبك ثوبه على نفسه ويبصق بصاقا عاليا (خذوا هذه الورقة الملقاة! لماذا ترمي هنا؟ عندنا أكثر من عشرين خادمة والبيت أقذر من حانة. من هذا الذي يدق الجرس؟ أي شيطان هو؟).
ـ فتجيبه زوجته قائلة (هذه أنفيسة القابلة التي أتت بابننا فيديا إلى الدنيا).
ـ دائما داخلة خارجة. . . هؤلاء الشباحين المتملقين!.
ـ لا أحد يستطيع أن يفهمك ياستيبان ستيبانتش. أنك أنت الذي طلبت حضورها والآن تغضب وتصخب.
ـ أنا لست غاضبا بل أنا أتكلم. وأنت يا عزيزتي ألا يمكنك أن تجدي عملا تعملينه بدل أن تجلسي هكذا ويداك في حجرك تتربصين مشاكسة وشجارا. لعمري إن النساء فهمهن فوق عقلي! فوق عقلي! كيف يستطعن أن يقضين أياما طوالا لا يعملون شيأ؟ إن الرجل يشتغل كالثور. . . كالحيوان. . . بينما زوجته وشريكة حياته تجلس كالعروس الحلوة، لا تعمل عملا سوى أن ترقب فرصة للمشاكسة مع زوجها من باب التسلية! لقد آن أن تتركي هذه الأعمال الصبيانية المدرسية يا عزيزتي. إنك لست تلميذة الآن بل ولا سيدة غضة الشباب، أنت زوجة وأم؟ تولينني ظهرك؟ آه! إن سماع الحقائق المرة لا يساغ!.
ـ من الغريب أنك لا تتكلم عن هذه الحقائق المرة إلا عندما تشعر بألم في كبدك.
ـ حسنا إنك تثيرين شجارا.
ـ هل سهرت الليلة البارحة؟ أم لعبة الورق؟
стр. 3532
ـ وماذا علي إذا فعلت؟ هل هذا من شأن أحد غيري؟ أيجب علي أن أقدم حسابا عن أعمالي لأحد؟ إن ما أخسره هي أموالي أنا على ما أظن إن ما أصرفه وما يصرف في هذا البيت جميعه إنما هو مالي أنا - أنا. أسامع ما أقول؟ مالي أنا) وهكذا على هذه النغمة. ولكن ستيبان ستبانيتش لا يتجلى عدله وفضله ووقاره وحلمه إلا في وقت الغداء. ويبتدئ الفصل عادة بالحساء. فيتناول زيخلين أول جرعة منها ثم يقطب وجهه فجأة ويضع الملعقة مدمدما: تبا لهذا! لم يبق إلا أن آكل في المطعم!.
ـ فتبادر زوجته بسؤال جازعةماذا هل هناك شيء؟ أليست المرقة طيبة؟
يجب أن يكون للإنسان ذوق خنزير يستطيع أن يأكل مثل هذه الحثالة أنها ممتلئة ملحا، ورائحتها مثل رائحة الخرقالقذرة. . . رائحة حشرات لا بصل. . . أن هذا الشيء محزن ومهيج يا أنفيسا أفانوفنا مخاطبا بذلك القابلةكل يوم أدفع مبالغ طائلة. . . . وأحرم نفسي كل شيء. . . وهذا ما يقدمونه طعاما لغدائي لعلهم يريدون مني أن أترك الوظيفة وأطبخ الطعام!.
ـ فتجيبه القابلة خجلة مترددةإن الحساء لذيذة جدا اليوم.
فيرد عليها زيخلين ناظرة إليها بطرف عينه نظرة غضبأتظنين ذلك؟ كل إنسان وذوقه طبعا. والظاهر أنني وإياك مختلفان جدا في أذوقنا فأنت مثلا راضية عن أخلاق هذا الصبي. ويشير إشارة منفعلة إلى ولده فيديا. إنك مسرورة به. أما أنا. . . فشديدة الاستياء منه؟.
فيديا هذا صبي عمره سبع سنوات بوجه أصفر سقيم ناحل. فما يطرق سمعه هذا حتى يكف عن الأكل ويرخي بصره إلى الأرض ووجه يزداد اصفرارا.
ـ نعكم إنك مسرورة به أمات أنا فصاحت عليه. ولا أعرف أينا المخطئ أو المصيب، ولكني أستطيع أن أقول بصفتي أبا له أني أعرف ولدي أكثر منك. انظري إليه كيف يجلس. أهذه جلسة الولد المتربي تربية حسنة! اجلس معتدلا فيرفع فيديا ذقنه ويميل برقبته حاسبا أنه قد اعتدل في هيئته. وتزدحم الدموع في عينه.
تناول غداؤك! امسك ملعقتك جيدا انظر إلي. سأريك كيف تأكل أيها الولد الملعون؟ إياك أن تجهش؟ انظر إلي جيدا.
стр. 3533
ويجتهد فيديا أن ينظر إليه ولكن وجهه يرتعد وعيناه مغرورقتان بالدموع.
آه. . . أنت تبكي؟ أمع خبثك هذا تبكي اذهب وقف في ركن الغرفة يا حيوان؟
فتتدخل زوجت قائلةولكن. . . دعه يتمم أولا غداؤه
لا غداء له؟ مثل هذا الشرير لا يستحق طعاما!
فيترك فيديا كرسيه ويذهب إلى ركن الغرفة وهوز ينتحب ويرتعد.
ـ ويستمر أبوه قائلاأتظن أنك تنجو من يدي بمثل هذا؟ وإذا كان لا أحد يهتم بتربيتك، حسنا فسوف أبدأ أنا. . . وسوف لا أدعك تبكي مرة أخرى على المائدة! أيها المجنون! يجب عليك أن تؤدي واجباتك؟ أتفهم ما أقول؟ قم بواجبك؟ إن أباك يشتغل فعليك أن تشتغل أيض١ا؟ لا أحد يأكل خبز الكسل والبطالة؟ كن رجلا؟ رجلا.
ـ فتكلمه زوجته بالفرنسية قائلةأستحلفك بالله أن تدعه الآن. كف قليلا عن شجارك الدائم معنا ولو أمام الغرباء. . . إن القابلة كلها آذان إليك وسوف يعرف أهل القرية بشأنها.
ـ فيرد زيخلين بالروسية قائلاأنا لست خائفا من الغرباء. أن إن إنفيسا أفانوفنا ترى أني أتكلم الحق. ماذا، هل تريدون مني أم أكون مسرورا بهذا الصبي؟ أتدرون كم يكلفني؟ أتدري أيه الولد الشقي كم أنفق عليك؟ أم هل تحسب أني أصك النقود عندي أو أتقاضها بلا مقابل! كفى عويلا؟ اخرس! ألا تسمع ما أقول؟ أتريد أن أجلدك بالسوط أيها الولد الشرير؟ نا ـ أنا. .
ويعول فيديا عويلا عاليا ويبتدئ في النشيج.
وهنا ترمي زوجته المنشفة وتقوم عن المائدة قائلة (غن هذا شيء لا يطاق لا تدعنا نتناول غداؤنا أبدا بسلام! عن الأكل يقف في زوري.) وتضع منديلها على عينيها وتغادر الغرفة.
ـ فيفتر زيخلين عن ابتسامة مغتصبة (إنها غضبت الآن. . . من أقل شيء. . . دائما هكذا يا إنفيسا أفانوفنا. لا أحد يروقه سماع الحق في هذه الأيام وكل هذا ذنبي على ما يظهر.).
ويعقب ذلك سكوت بضع دقائق. وينظر زيخلين حوله فيجد أن الطعام باق لم يمسه أحد، حتى الحساء على حاله. فيتنهد تنهدا عميقا فيحدق في وجه القابلة المتورد الحائر.
ـ (لماذ١الا تأكلين يا إنفيسا؟ أغاضبة أنت أيضا؟. . . لقد فهمت. . . أنتم لا تحبون قول
стр. 3534
الحق. ولكن صفحا، فهذه طبيعتي، لا أستطيع أن أكون مرائيا، غني أقذف دائما بالحقيقة الجافة) ويتنهد (ولكني أرى أن وجودي بينكم يضايقكم. لا أحد ياكل أو يتكلم ما دمت هنا، حسنا، كان يجب أن تخبروني بذلك وأنا أترككم. . . سأترككم الآن.).
وينهض عن كرسيه ويمشي نحو الباب بتؤدة، وعندما يمر يفيديا وهو واقف يبكي يقول له (لقد عفوت عنك بعد كل الذي فعلته) ويرفع رأسع بعظمة ويقول (سوف لا أتدخل في امر تربيتك مرة أخرى. لقد نفضت يدي منك! إني اعتذر بصفتي أبا يريد من قلبه مصلحتك الحقيقية على ما سببته لك ولهم من الكدر. وأخبركم في الوقت نفسه أني أخلي نفسي من كل مسؤولية نحو مستقبلك. . . .).
ويعول فيديا بصوت أعلى من قبل. فيغادره زيخلين سائرا بجلال إلى غرفة نومه فإذا صحا من نومه بعد الغداء بدا يحس تأنيب ضمير، ويخجل من مقابلة زوجته وولده وإنفيسا، ويشتد كدره وغمه كل ما تذكر ما حدث في وقت الغداء، ولكنه يستكبر أن يعترف بخطاه، وليست عند الرجولة الكافية ليكون صريحا، فيستمر على عبوسته وصخبه.
فإذا صحا في اليوم التالي عاوده سروره وابتهاجه وأخذ يصفر بفمه وهو يغسل وجهه، ثم يذهب إلى غرفة المائدة للفطور فيجد هناك ابنه فيديا الذي يقف جازعا يائسا ناظرا إلى وجه ابيه.
فيحيه زيخلين بانشراح ويجلس إلى المائدة قائلا (كيف أنت أيها الرجل الصغير، ما عندك من الحكايات لتقصها علينا؟ تعال أيها الولد السمين أقبل أباك قبلة).
فيمشي فيديا بوجه هادئ ممتقع حتى يصل إلى أبيه فيلمس خده بشفتين مرتعشتين، ثم يقفل راجعا ويجلس في كرسيه دون أن ينبس بكلمة.
стр. 3535
العدد ٦٢ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩٢١
стр. 3536
حضارة العرب في الأندلس
الرسالة الثالثة
مقامي في قرطبة
عظمة الإسلام
ملوك العالم تزدلف إلى الناصر - وفود ملوك الروم إلى قرطبة
بلغ ملك أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر لعهدنا هذا ما لا يبلغه ملك مليك في الأرض، من اتساع الرقعة ومنعة الجانب واستبحار العمران وتعدد الجند وضخامة الأساطير وتكاثر الذخيرة والسلاح وانبثاق نور العلم والعرفان في بلاده وما إلى ذلك مما طال به ملوك الأرض واستبد دونهم بالمجد والسؤدد وحدا سائر الدول على أن تملقه وتهاديه وتزدلف إليه وتتوسل بالهدايا والتحف وعظم الذخائر والطرف، وتفد غليه بنفسها تارة وتوفد إليه رسلها طورا، تخطب مودته، وتسترفد رضاه ومحبته. وأول وتد وفد بعد وصولنا إلى قرطبة بأيام قلائل رسل قسطنطين بن ليون ملك الروم ثم رسل الألمان والصقالبة والإفرنج وصاحب روما والكثير غيرهم ت وقد كان يوم وفود هؤلاء الرسل والاحتفاء بهم يوما مشهودا يجمل بنا أن نؤتي لك على وصفه:
لما جاء الخبر بقرب قدوم هؤلاء الرسل أمر أمير المؤمنين بأن يتلقوا أعظم تلقي وأفخمه، وأحسن قبول وأكرمه، وأخرج إلى لقائهم ببجاية يحيى بن محمد بن ليث وغيره لخدمة أسباب الطريق، فلما صاروا بأقرب المحلات من قرطبة خرج إلى لقائهم القواد في العدد والعدة والتعبية فتلقوهم قائدا بعد قائد، وكمل اختصاصهم بعد ذلك بأن أخرج إليهم الفتيين الكبيرين الخصيين ياسرا وتماما إبلاغا في الاحتفال بهم فلقياهم بعد القواد فاستبان لهم بخروج الفتيين إليهم بسط الناصر وأكرمه لأن الفتيان من عظماء الدولة لأنهم أصحاب الخلوة مع الناصر وحرمه، وبيدهم القصر السلطاني. وأنزلوا بمنية ولي العهد الحكم المنسوبة إلى نصير بعدوة قرطبة في الربض، ومنعوا من لقاء الخاصة والعامة جملة ومن ملابسة الناس طرة ورتب لحجابتهم رجال تخيروا من الموالي ووجه الحشم فصيروا على باب القصر هذه المنية ستة عشر رجلا لأربع دول لكل دولة أربعة نهم ورحل الناصر لدين الله من صر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول وفود الروم عليه فقعد لهم في بهو
стр. 3537
المجلس الزاهر قعودا حسنا نبيلا وقعد عن يمينه ولي العهد من بنيه الحكم ثم عبد الله ثم عبد العزيز ثم الأصبغ ثم مروان وقعد عن يساره المنذر ثم عبد الجبار ثم سليمان وتخلف عبد الملك لأنه كان عليلا لم يطق الحضور وحضر الوزراء على مراتبهم يمينا وشمالا ووقف الحجاب من أهل الخدمة من أبناء الوزراء والموالي والوكلاء وغيرهمن وقد بسط صحن الدار أجمع بعتاق البسط وكرائم الدارنك وظللت أبواب الدار وحناياها بظلل الديباج ورفيع الستور، فوصل رسل ملوك الروم حائرين مما رأوه من بهجة الملك وفخامة السلطان ودفعوا كتاب ملكهم صاحب قسطنطينية العظمة قسطنطين بن ليون وهو في رق مصبوغ لونا سماويا مكتوبا بالذهب بالخط الإغريقي وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة أيضاً مكتوبة بفضة بخط إغريقي أيضاً فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها وعلى الكتاب طابع ذهب وزنه أربعة مثاقيل على الوجه الواحد منه صورة المسيح صلوات الله عليه وعلى الآخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده وكان الكتاب بداخل درج فضة منقوش عليه غطاء ذهب فيه صورة قسطنطسن الملك معمولة من الزجاج الملون البديع وكان الدرج داخل جعبة ملبسة بالديباج. وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه (قسطنطين ورمانيين المؤمنان بالمسيح الملكان العظيمان ملكا الروم) وفي سطر آخر (العظيم الاستحقاق الفخر الشريف النسب عبد الرحمن الخليفة الحاكم على العرب بالأندلس أطال الله بقاؤه) ولما احتفل الناصر لدين الله هذا الاحتفال أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه لتذكر جلالة مقعده وعظيم سلطانه وتصف ما تهيأ من توطيد الخلافة في دولته وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه وولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء ويقدمه أمام نشيد الشعراء فأمر الحكم صنيعه الفقيه محمد بن عبد البر الكسيباني بالتأهب لذلك وإعداد خطة بليغة يقوم بها بين يدي الخليفة وكان يدعي من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره وحضر المجلس السلطاني فلما قام يحاول التكلم بما رأى هاله وبهره هول المقام وأبهة الخلافة فلم يهتد إلى لفظة بل غشي عليه وسقط على الأرض فقيل لأبي علي البغدادي قم فارقع هذا الوهي فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه ﷺ ثم انقطع القول بالقالي فوقف ساكتا مفكرا في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه.
стр. 3538
فلما رأى ذلك منذر بن سعيد - وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء - قام من ذاته بدرجة من مرقاته فوصل افتتاح أبي علي لأ ول خطبته بكلام عجيب، ونادى من الإحسان في ذلك المقام كل مجيب، يسحه سحا كأنما كان يحفظه قبل ذلك بمدة وبدا من المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي فقال أما بعد حمد الله والثناء عليه والتعداد لآلائه والشكر لنعمائه والصلاة والسلام على محمد صفيه وخاتم أنبياءه فإن لكل حادثة مقام ولكل مقام مقال وليس بعد الحق إلا الظلال وإني قد قمت في مقام كريم بين يدي ملك عظيم فاصغوا إلى معشر الملأ بأسماعكم وألقنوا أعني بأفئدتكم، إن من الحق أن يقال للمحق صدقت وللمبطل كذبت وإن الجليل تعالى في سماءه وتقدس بصفاته وأسماءه أمر كليمه موسى صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء وأن يذكر قومه بأيام الله جل وعز عندهم، وفيه وفي رسول الله ﷺ أسوة حسنة وإني أذكركم بأيام الله عندكم وتلا فيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمت شعثكم وأمنت سربكم ورفعت قوتكم بعد أن كنتم قليلا فكثركم ومستضعفين فقواكم ومستذلين فنصركم ولاه الله رعايتكم وأسند إليه إمامتكم أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق وأحاطت بكم شعل النفاق حتى صرتم في مثل حدقة البعير من ضيق الحال ونكد العيش والتغيير فاستبدلتم بخلافته من الشدة بالرخا وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد كنف العافية بعد استيطان البلاء، أنشدكم بالله مع معاشر الملأ ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها والسبل مخوفة فأمنها والأموال منتهبة فأحرزها وحصنها ألم تكن البلاد خرابا فعمرها وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ونصرها. فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته وتلا فيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بأمامته حتى أذهب الله عنكم غيضكم وشفى صدوركم وصرتم يدا على عدوكم بعد أن كان بأسكم بينكم فأنشدكم الله ألم تكن خلافته قفل الفتنة بعد انطلاقها من عقالها ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها ولم يكن ذلك إلى القواد والأجناد حتى باشره بالقوة والمهجة والأولاد واعتزل النسوان وهجر الأوطان ورفض الدعة وهي محبوبة وترك الركون إلى الراحة وهي مطلوبة بطوية صحيحة وعزيمة صريحة وبصيرة ثابتة نافذة ثاقبة وريح هابة غالبة ونصرة من الله واقعة واجبة وسلطان قاهر وجد ظاهر وسيف منصور تحت عدل مشهور متحملا للنصب مستقلا لما ناه في جانب الله من التعب حتى لانت الأحوال بعد شدتها وانكسرت شوكة الفتنة عند حدتها
стр. 3539
ولم يبق لها غارب إلا جبه ولا نجع لأهلها قرن إلا جده وأصبحتم بنعمة الله إخوانا وبلم أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائه أعوانا حتى تواترت لديكم الفتوحات وفتح الله عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات وصارت وفود الروم وافدة عليه ووعليكم وآمال الأقصين والأدنيين مستخدمة إليه وإليكم يأتون من كل فج عميق وبلد سحيق لأخذ حبل بينه وبينكم جملة وتفصيلا ليقضي الله أمرا كان مفعولا ولن يخلف الله وعده ولهذا الأمر ما بعده وتلك أسباب ظاهرة بادية تدل على أمور باطنة خافية دليلها قائم وجفنها غير نائم وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم الآية وليس في تصديق ما وعد الله ارتياب ولكل نبأ مستقر ولكل أجل كتاب فاحمدوا الله أيها الناس على آلائه واسألوه المزيد من نعمائه فقد أصبحتم بعد خلافة أمير المؤمنين أيده الله بالعصمة والسداد والهمة والهمه خالص التوفيق إلى سبيل الرشاد أحسن الناس حالا وأنعمهم بالا وأعزهم قرارا وأمنعهم دارا وأكثفهم جمعا وأجملهم صنعا لا تهاجون ولا تذادون وأنتم بحمد الله على أعداكم ظاهرون فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم والتزام الطاعة لخليفتكم وابن عم نبيكم ﷺ فإن من نزع يدا من الطاعة وسعى في تفريق الجماعة ومرق من الدين فقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين وقد علمتم أن في التعلق بعصمتها والتمسك بعروتها حظ الأموال وحقن الدماء وصلاح الخاصة والدهماء وأن بقوام الطاعة تقام الحدود وتوفى العهود وبها وصلت الأرحام ووضحت الأحكام وبها سد الله الخلل وأمن السبل ووطأ الأكناف ورفع الاختلاف وبها طاب لكم القرار واطمأنت بكم الدار.
فاعتصموا بما أمركم الله الاعتصام به فإنه ﵎ يقول أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم الآية وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين وصنوف الملحدين الساعين في شق عصاكم وتفريق ملاكم الآخذين في مخاذلة دينكم وهتك حريمكم وتوهين دعوة نبيكم صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين أقول قولي هذا وأختم بالحمد لله رب العالمين مستغفرا لله الغفور الرحيم فهو خير الغافرين. .
فبهت الروم وغلي على قلوبهم وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقام المنذر وثبات جنانه وكان الناصر أشدهم تعجبا منه وأقبل على ابنه الحكم ولم يكن يثبت معرفته فسأله عنه قال
стр. 3540
له هو منذر بن سعيد البلوطي فقال والله لقد أحسن ما شاء فلئن كان حبر خطبته هذه وأعدها مخافة أن يدور ما دار فيتلافى الوهي فإنه لبديع من قدرته واحتياطه ولئن كان أتى بها على البديهة بوقته فإنه لا عجب وأغرب ولئن لأخرني الله بعد لأرفع من ذكره فضع يدك يا حكم عليه واستخلصه وذكرني بشأنه فما للصنيعة مذهب عنه ثم ولاه الصلاة والخطابة في المسجد الجامع بالزهراء ثم ولاه بعد ذلك قضاء الجماعة بقرطبة واقره على الصلاة بالزهراء.
следующие страницы →