← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

حضارة العرب في الأندلس الرسالة الثالثة مقامي في قرطبة عظمة الإسلام ملوك العالم تزدلف إلى الناصر - وفود ملوك الروم إلى قرطبة بلغ ملك أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر لعهدنا هذا ما لا يبلغه ملك مليك في الأرض، من اتساع الرقعة ومنعة الجانب واستبحار العمران وتعدد الجند وضخامة الأساطير وتكاثر الذخيرة والسلاح وانبثاق نور العلم والعرفان في بلاده وما إلى ذلك مما طال به ملوك الأرض واستبد دونهم بالمجد والسؤدد وحدا سائر الدول على أن تملقه وتهاديه وتزدلف إليه وتتوسل بالهدايا والتحف وعظم الذخائر والطرف، وتفد غليه بنفسها تارة وتوفد إليه رسلها طورا، تخطب مودته، وتسترفد رضاه ومحبته. وأول وتد وفد بعد وصولنا إلى قرطبة بأيام قلائل رسل قسطنطين بن ليون ملك الروم ثم رسل الألمان والصقالبة والإفرنج وصاحب روما والكثير غيرهم ت وقد كان يوم وفود هؤلاء الرسل والاحتفاء بهم يوما مشهودا يجمل بنا أن نؤتي لك على وصفه: لما جاء الخبر بقرب قدوم هؤلاء الرسل أمر أمير المؤمنين بأن يتلقوا أعظم تلقي وأفخمه، وأحسن قبول وأكرمه، وأخرج إلى لقائهم ببجاية يحيى بن محمد بن ليث وغيره لخدمة أسباب الطريق، فلما صاروا بأقرب المحلات من قرطبة خرج إلى لقائهم القواد في العدد والعدة والتعبية فتلقوهم قائدا بعد قائد، وكمل اختصاصهم بعد ذلك بأن أخرج إليهم الفتيين الكبيرين الخصيين ياسرا وتماما إبلاغا في الاحتفال بهم فلقياهم بعد القواد فاستبان لهم بخروج الفتيين إليهم بسط الناصر وأكرمه لأن الفتيان من عظماء الدولة لأنهم أصحاب الخلوة مع الناصر وحرمه، وبيدهم القصر السلطاني. وأنزلوا بمنية ولي العهد الحكم المنسوبة إلى نصير بعدوة قرطبة في الربض، ومنعوا من لقاء الخاصة والعامة جملة ومن ملابسة الناس طرة ورتب لحجابتهم رجال تخيروا من الموالي ووجه الحشم فصيروا على باب القصر هذه المنية ستة عشر رجلا لأربع دول لكل دولة أربعة نهم ورحل الناصر لدين الله من صر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول وفود الروم عليه فقعد لهم في بهو

стр. 3537

المجلس الزاهر قعودا حسنا نبيلا وقعد عن يمينه ولي العهد من بنيه الحكم ثم عبد الله ثم عبد العزيز ثم الأصبغ ثم مروان وقعد عن يساره المنذر ثم عبد الجبار ثم سليمان وتخلف عبد الملك لأنه كان عليلا لم يطق الحضور وحضر الوزراء على مراتبهم يمينا وشمالا ووقف الحجاب من أهل الخدمة من أبناء الوزراء والموالي والوكلاء وغيرهمن وقد بسط صحن الدار أجمع بعتاق البسط وكرائم الدارنك وظللت أبواب الدار وحناياها بظلل الديباج ورفيع الستور، فوصل رسل ملوك الروم حائرين مما رأوه من بهجة الملك وفخامة السلطان ودفعوا كتاب ملكهم صاحب قسطنطينية العظمة قسطنطين بن ليون وهو في رق مصبوغ لونا سماويا مكتوبا بالذهب بالخط الإغريقي وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة أيضاً مكتوبة بفضة بخط إغريقي أيضاً فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها وعلى الكتاب طابع ذهب وزنه أربعة مثاقيل على الوجه الواحد منه صورة المسيح صلوات الله عليه وعلى الآخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده وكان الكتاب بداخل درج فضة منقوش عليه غطاء ذهب فيه صورة قسطنطسن الملك معمولة من الزجاج الملون البديع وكان الدرج داخل جعبة ملبسة بالديباج. وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه (قسطنطين ورمانيين المؤمنان بالمسيح الملكان العظيمان ملكا الروم) وفي سطر آخر (العظيم الاستحقاق الفخر الشريف النسب عبد الرحمن الخليفة الحاكم على العرب بالأندلس أطال الله بقاؤه) ولما احتفل الناصر لدين الله هذا الاحتفال أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه لتذكر جلالة مقعده وعظيم سلطانه وتصف ما تهيأ من توطيد الخلافة في دولته وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه وولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء ويقدمه أمام نشيد الشعراء فأمر الحكم صنيعه الفقيه محمد بن عبد البر الكسيباني بالتأهب لذلك وإعداد خطة بليغة يقوم بها بين يدي الخليفة وكان يدعي من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره وحضر المجلس السلطاني فلما قام يحاول التكلم بما رأى هاله وبهره هول المقام وأبهة الخلافة فلم يهتد إلى لفظة بل غشي عليه وسقط على الأرض فقيل لأبي علي البغدادي قم فارقع هذا الوهي فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه ﷺ ثم انقطع القول بالقالي فوقف ساكتا مفكرا في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه.

стр. 3538

فلما رأى ذلك منذر بن سعيد - وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء - قام من ذاته بدرجة من مرقاته فوصل افتتاح أبي علي لأ ول خطبته بكلام عجيب، ونادى من الإحسان في ذلك المقام كل مجيب، يسحه سحا كأنما كان يحفظه قبل ذلك بمدة وبدا من المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي فقال أما بعد حمد الله والثناء عليه والتعداد لآلائه والشكر لنعمائه والصلاة والسلام على محمد صفيه وخاتم أنبياءه فإن لكل حادثة مقام ولكل مقام مقال وليس بعد الحق إلا الظلال وإني قد قمت في مقام كريم بين يدي ملك عظيم فاصغوا إلى معشر الملأ بأسماعكم وألقنوا أعني بأفئدتكم، إن من الحق أن يقال للمحق صدقت وللمبطل كذبت وإن الجليل تعالى في سماءه وتقدس بصفاته وأسماءه أمر كليمه موسى صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء وأن يذكر قومه بأيام الله جل وعز عندهم، وفيه وفي رسول الله ﷺ أسوة حسنة وإني أذكركم بأيام الله عندكم وتلا فيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمت شعثكم وأمنت سربكم ورفعت قوتكم بعد أن كنتم قليلا فكثركم ومستضعفين فقواكم ومستذلين فنصركم ولاه الله رعايتكم وأسند إليه إمامتكم أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق وأحاطت بكم شعل النفاق حتى صرتم في مثل حدقة البعير من ضيق الحال ونكد العيش والتغيير فاستبدلتم بخلافته من الشدة بالرخا وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد كنف العافية بعد استيطان البلاء، أنشدكم بالله مع معاشر الملأ ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها والسبل مخوفة فأمنها والأموال منتهبة فأحرزها وحصنها ألم تكن البلاد خرابا فعمرها وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ونصرها. فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته وتلا فيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بأمامته حتى أذهب الله عنكم غيضكم وشفى صدوركم وصرتم يدا على عدوكم بعد أن كان بأسكم بينكم فأنشدكم الله ألم تكن خلافته قفل الفتنة بعد انطلاقها من عقالها ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها ولم يكن ذلك إلى القواد والأجناد حتى باشره بالقوة والمهجة والأولاد واعتزل النسوان وهجر الأوطان ورفض الدعة وهي محبوبة وترك الركون إلى الراحة وهي مطلوبة بطوية صحيحة وعزيمة صريحة وبصيرة ثابتة نافذة ثاقبة وريح هابة غالبة ونصرة من الله واقعة واجبة وسلطان قاهر وجد ظاهر وسيف منصور تحت عدل مشهور متحملا للنصب مستقلا لما ناه في جانب الله من التعب حتى لانت الأحوال بعد شدتها وانكسرت شوكة الفتنة عند حدتها

стр. 3539

ولم يبق لها غارب إلا جبه ولا نجع لأهلها قرن إلا جده وأصبحتم بنعمة الله إخوانا وبلم أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائه أعوانا حتى تواترت لديكم الفتوحات وفتح الله عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات وصارت وفود الروم وافدة عليه ووعليكم وآمال الأقصين والأدنيين مستخدمة إليه وإليكم يأتون من كل فج عميق وبلد سحيق لأخذ حبل بينه وبينكم جملة وتفصيلا ليقضي الله أمرا كان مفعولا ولن يخلف الله وعده ولهذا الأمر ما بعده وتلك أسباب ظاهرة بادية تدل على أمور باطنة خافية دليلها قائم وجفنها غير نائم وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم الآية وليس في تصديق ما وعد الله ارتياب ولكل نبأ مستقر ولكل أجل كتاب فاحمدوا الله أيها الناس على آلائه واسألوه المزيد من نعمائه فقد أصبحتم بعد خلافة أمير المؤمنين أيده الله بالعصمة والسداد والهمة والهمه خالص التوفيق إلى سبيل الرشاد أحسن الناس حالا وأنعمهم بالا وأعزهم قرارا وأمنعهم دارا وأكثفهم جمعا وأجملهم صنعا لا تهاجون ولا تذادون وأنتم بحمد الله على أعداكم ظاهرون فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم والتزام الطاعة لخليفتكم وابن عم نبيكم ﷺ فإن من نزع يدا من الطاعة وسعى في تفريق الجماعة ومرق من الدين فقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين وقد علمتم أن في التعلق بعصمتها والتمسك بعروتها حظ الأموال وحقن الدماء وصلاح الخاصة والدهماء وأن بقوام الطاعة تقام الحدود وتوفى العهود وبها وصلت الأرحام ووضحت الأحكام وبها سد الله الخلل وأمن السبل ووطأ الأكناف ورفع الاختلاف وبها طاب لكم القرار واطمأنت بكم الدار. فاعتصموا بما أمركم الله الاعتصام به فإنه ﵎ يقول أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم الآية وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين وصنوف الملحدين الساعين في شق عصاكم وتفريق ملاكم الآخذين في مخاذلة دينكم وهتك حريمكم وتوهين دعوة نبيكم صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين أقول قولي هذا وأختم بالحمد لله رب العالمين مستغفرا لله الغفور الرحيم فهو خير الغافرين. . فبهت الروم وغلي على قلوبهم وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقام المنذر وثبات جنانه وكان الناصر أشدهم تعجبا منه وأقبل على ابنه الحكم ولم يكن يثبت معرفته فسأله عنه قال

стр. 3540

له هو منذر بن سعيد البلوطي فقال والله لقد أحسن ما شاء فلئن كان حبر خطبته هذه وأعدها مخافة أن يدور ما دار فيتلافى الوهي فإنه لبديع من قدرته واحتياطه ولئن كان أتى بها على البديهة بوقته فإنه لا عجب وأغرب ولئن لأخرني الله بعد لأرفع من ذكره فضع يدك يا حكم عليه واستخلصه وذكرني بشأنه فما للصنيعة مذهب عنه ثم ولاه الصلاة والخطابة في المسجد الجامع بالزهراء ثم ولاه بعد ذلك قضاء الجماعة بقرطبة واقره على الصلاة بالزهراء.

стр. 3541

روح الإسلام لأكبر نصير للإسلام اليوم سيد أمير علي الهندي مركز المرأة في الإسلام وبعد فإنه على تقدم الفكر وارتقائه وتقلبات هذا العالم المستمرة وتطورات أحواله المتعاقبة تنمحي ضرورة الحاجة إلى تعدد الزوجات وتبطل هذه العادة من تلقاء نفسها أو تبطلها القوانين والشرائع. ومن ثم نرى أنه في البلاد الإسلامية التي قد أخذت تنمحي فيها تلك الأسباب التي كانت قد استلزمت تعدد الزوجات في بادئ الأمر - قد أصبحت هذه العادة تتعد شرا ونكرا ونظاما منافيا لتعاليم الرسول، بينما في البلاد التي أحوال المجتمع فيها خلاف ذلك والتي ينعدم فيها من وسائل معاونة المرأة نفسها بنفسها ما هو متوفر في البلاد الأعظم رقيا والأرقى تمدينا نرى أن مذهب تعدد الزوجات هو مما لابد منه ولا مناص عنه. ولما كانت حرية التفسير تترك مجالا واسعا لاختلافات أرباب الفتاوى فسيكون من الصعب جدا إبطال المذهب التعددي إبطالا تاما. ونحن لا ننكر ما لهذا الاعتراض من قوة الحجة وصرامة البرهان مما هو جدير بالتفات من كل من المسلمين يبغي خلاص التعاليم الإسلامية مما لحقها من الانتقاص والعيب ويريد التماشي مع روح العصر والمدنية الحديثة، على أنه لا يفوتنا أن مرونة القوانين والشرائع هي أنصع دليل على نفعها وفائدتها وهذه المرونة هي أعظم مزايا الشريعة الإسلامية، فهذه الشريعة ملائمة على السواء لمطالب أرقى الشعوب وأشدها تهذبا ولاحتياجات أوضعها وأحطها مدنيا. الشريعة الإسلامية لا تتجاهل مطالب ألإنسانية المتطورة المتدرجة كما أنها لا تتجاهل أيضاً أن في الدنيا شعوبا قد يصبح بينهم مذهب توحيد المرأة آفة وشرا. بيد أن محاولة إلغاء (تعدد الزوجات) ليس من الصعوبة كما يتوهم ولا خفاء من أن شر ما نكب به الشعوب الإسلامية من الآفات والمصائب إنما أتاه من المذهب التقليدي (الوقوف عند المذاهب الربعة) الذي حرم الاستقلال بالرأي الفردي (الاجتهاد). وليس ببعيد ذلك اليوم الذي فيه يرجع إلى نص القرآن ذاته للفصل فيما إذا كان الواجب على المسلم أن يأخذ بصريح آيات الكتاب الحكيم حقيق معانيها أو بتأويلات الأئمة الذين توسلوا باسم النبي إلى إرضاء أهوائهم الذاتية أو

стр. 3542

إلى تأييد أوامر الملوك والسلاطين الذين كان أولئك الأئمة بعض خدمهم وصنائعهم. ولقد كابدت أوروبا عين هذه الصعوبات والمشاق واقتحمت عين هاتيك العقبات والحوائل فكان أولى بها من قذف الإسلام بهذه المطاعن والمثالب أن ترقب بعين العطف والرفق وتلحظ بناظر التمهل والتأني ما تبذله الشعوب الإسلامية الناهضة المتحفزة من المجهودات الجسيمة في سبيل التخلص من رق المذهب التقليدي ومتى تم للإسلام هذا فهب وانتعش ونفض عنه غبار الأفكار العتيقة وصدع قيود العقائد القديمة أصبح من السهل على مشرعي كل أمة إسلامية أن تلغي بأمر حكومتها مذهب تعد الزوجات في بلادها. ولكن هذا الحد من الكمال لا يمكن أن ينتج إلا عن رقي عام في اكتناه حقائق الحياة وأمهات المسائل وتفهم أسرار معاني الكتاب المقدس. ولا أراني مبالغا إذا قلت أن مذهب تعدد الزوجات آخذ في الاضمحلال أو سيضمحل سريعا تحت أشعة ضياء التأويل الحديث الذي أصبحت تأول به آيات الكتاب المنزل. وكذلك يتبين لنا أن ملائمة الشريعة الإسلامية لكل دور من أدوار التمدين وكل طزر من أطوار الرقي تشهد بما أوتي صاحبها (محمد) من السداد والحكمة فنحن نرى أنه في الشعوب الإسلامية غير البالغة درجة مذكورة من التمدين أن القيود والحدود التي وضعها الرسول على مذهب تعدد الزوجات قد حالت دون مصير هذا المذهب آفة وشرا على تلك الشعوب. فإن المذهب المذكور هو بلا شك خير وأفضل من تلك العوائد والتقاليد والأساليب الإباحية الدالة على التجرد التام من كل مسؤولية أدبية والتملص الكامل من كل قيد أخلاقي. وقد شوهد أنه بتقدم العلوم والمعارف يزداد الشعور بسوء موقع الآفات الناجمة عن مذهب تعدد الزوجات وتزداد تلك الآفات وضوحا وتقترب الأذان من إدراك معنى التحريم لذلك المذهب ويدنو على متناول الأفهام ماهية الغرض من إلغاءه ونحن لا يسعنا قط القول بأم مسلمي الهند قد استفادوا كثيرا بالاختلاط بأمم البراهمة الذين قد حلل بينهم مذهب السفاح. فإن هؤلاء الطوائف من الهنود قد تراخت عندهم بسبب ذلك المبادئ الأخلاقية وتلوثت بينهم نقاوة العقيدة في وجوب طهارة ال روحانية البشرية ورفعة الشرف الإنساني. وقد أصبح الفسق والفجور مألوفا لديهم كألفته لدى جيرانهم من الوثنيين. على أن لدينا من الشواهد ما يحملنا على الظن بأن نور الله الذي أضاء بلاد العرب في القرن السابع سوف

стр. 3543

يهبط على قلوب تلك الطوائف الإسلامية الضالة فيخرجهم من دياجير ما يغشاهم اليوم من تلك الجهالة والعماية. ولا مراء في أن كراهة تعدد الزوجات قد أصبحت اليوم عقيدة راسخة اجتماعية إن لم تكن أخلاقية. وفي البلاد اليوم من الظروف القهرية مع ما بها من تلك الكراهية للمذهب التعددي الآنف الذكر ما يتجه إلى اقتلاع هذا المذهب من أمم الهند الإسلامية فقد أصبح من الشائع بين جميع هذه الأمم أن يدون في عقد الزواج فقرة تنص على أن الزوج يتعهد بالتنازل عن كل حقه المفروض في التزوج من أي امرأة أخرى طوال استمرار الزيجة الأولى. ونحن نرى أن ٩٥ في المائة من مسلمي الهند الآن كلهم على مذهب (توحيد الزوجة) إما عن عقيدة أو ضرورة. أما بين الطبقات المهذبة العليمة بتاريخ أسلافها القادرة على المقارنة بين هذا التاريخ وتاريخ غيرها من الأمم فإن المذهب التعددي مكروه غير مستصوب. وكذلك في بلاد الفرس نرى أن نسبة قليلة جداً من السكان - ٢ في المائة - هم الذين يتمتعون بلذة المذهب التعددي المشكوك في صحتها، والذي يرجوه العقلاء من صميم أفئدتهم أنه لن يمضي إلا قليل من الوقت حتى نبصر أئمة الدين قد اجتمعوا فقرروا نهائيا قرارا ساري المفعول نافذ الحكم أن المذهب التعددي هو كالرق مكروه في نظر الشريعة الإسلامية. والآن إلى مسألة زيجات النبي التي قد جعلوها ذو الجهل بالحقائق المقررة أو ذو الإنكار لها ميلا مع الهوى وقلة نزاهة حجة بتوجيه المطاعن ضد محمد. فقد احتج معترضون من النصارى بأن محمد بكثرة زيجاته قد خص نفسه بما لم تبحه الشريعوة من الملاذ فاظهر بذلك من وهن العزيمة وقلة الحزم ما ينافي واجبات الرسل وسير الأنبياء ولكن من تأمل الأمر ببصية الواسع الإطلاع على الحقائق التاريخية وإنصاف الحكم العادل حكم قطعا أن محمد لما تحمل عبء مساندة السيدة المسنة (السيدة خديجة) بتزوجه إياه حسب النواميس القديمة المتبعة وكان إذ ذاك فقيرا معوزا كان إنما يكلف نفسه تضحية ذاتية لا يستهان بها، ولا مراء في أن من حلل نوايا محمد ومراميه في ذلك الصدد تحليلا تاما في الوجهة الإنسانية المحضة المجردة من الأغراض الشخصية تبين الكذب الصراح وسوء النية فيما يوجه إلى (بطل العرب) من التهم في ذلك الشأن. نقول أن محمدا في الخامسة والعشرين من عمره في زهرة شبابه تزوج خديجة وكانت تتقدم عنه في السن بمراحل وقد لبث معها

стр. 3544

خمسة وعشرين عاما كان سلوكه معها خلالها مضرب المثل في الصدق والإخلاص والأمانة وفي الرخاء والصفاء والسعادة وما برحت خديجة أثناء ما انهال عليه مطاعن الوثنيين وإساءاتهم ومن مظالمهم واضطهاداتهم عونه الوحيد وعضده وساعده لم تزايله طرفة عين ولم تأل مواساة له ومؤازرة ولما توفيت خديجة كان محمد في الواحدة والخمسين من عمره بل على الرغم منهم يسلمون أن محمدا لبث طول هذه المدة مبرءا من كل سوءة طاهر الذيل من كل مدنسة نقيي الجبيب من كل لوثة ناصع الصحيفة مأمون الغيب وفي حياة خديجة لم يتزوج امرأة قط غيرها بالرغم من أن عادات البلاد وتقاليدها يومذاك كانت تخوله هذا الحق لو أراد. وبعد وفاة خديجة ببضعة أشهر يوم عاد محمد من الطائف مضطهدا لا عون له ولا نصير تزوج سعدى أرملة رجل من الأعراب كان قد اعتنق الإسلام ثم اضطر للفرار إلى الحبشة هربا من أذى المشركين ثم مات هذا الشريد في ديار الغربة وخلف سعدى أرملة لا عائلة لها ولا ناصر فلم يجد محمد حسب عادات البلاد وتقاليدها سبيلا إلى حماية الأرملة أو صيانتها وإنقاذها غير التزوج بها ولا مراء في أن مبادئ المروءة والشرف والإنسانية وبواعث الرحمة والعطف والرأفة كانت تقضي على الرسول بذلك وكيف لا وإنما في سبيل محمد ومن أجله وتذرعا إلى نصرة دينه وتأييده بدل زوجها روحه وقد لازمته زوجته سعدى في منفاه واغترابه وأيام محنته ومصابه ثم عادت إلى مكة مضيمة منكوبة مهيضة الجناح دامية الجراح وحيدة مستوحشة فريدة فرأى محمد على الرغم من فرط فاقته إذ ذاك وشدة عوزه واحتياجه حتى إلى القوت الضروري أنه لا سبيل لإنقاذ المسكينة إلى التزوج بها. لها بقية

стр. 3545

التربية العقلية ملخصة من مبحث ضاف للكاتب الشهير أرنولد بنت إذا صح أن للإعلانات أي نفع في الأمة الأمريكية بالغة شأوا بعيدا من القوة البدنية لا نظن العالم قد شهده منذ عهد الإسبارطيين. فإنك لا تفتح صحيفة أو مجلة أمريكية إلا وجدت فيها عددا لا يحصى من الإعلانات المصورة عن (أخصائيين للتربية البدنية) مستعدين أن يجعلوا جميع أعضاء الجسم تشتغل بالدقة التي تشتغل بها سيارة قوتها عشرون حصانا ولا يصيبها ضرر أو عطل! وقد رأيت كتابا لأحد هؤلاء الأخصائيين يشرح فيه كيف للإنسان أن يتمتع بصحة وافية إذا اختص نفسه بربع ساعة في كل يوم يقضيها في لعب تمرينات معينة. والإعلانات التي أشرنا إليها تزيد كل يوم عددا وحجما وتكلف مالا وفيرا ولا ريب إذن في أن أصحابها يجنون منها ربحا وعملا. ولا ريب أيضاً أن عددا كبيرا من الناس يقلقه ما يراه في جسمه من ضعف ويوشك أن يأخذ في أسباب تقويته وتربيته. وهذه الظاهرة عينها موجودة عندنا نحن الإنجليز ولكن بشكل أبسط. وهي في كل يوم تتقدم وتتقدم معها عضلاتنا. فإنك لا تفاجأ إنجليزيا في غرفة نومه صباحا إلا وجدته مستلقيا على ظهره أو واقفا على رأسه ولاعبا (بالكلبز) كل ذلك في سبيل تمرين عضلاته وتقوية جسمه. وبعد أليس غريبا أنه لم يدر في خلدي قط أن أخصص ربع ساعة في كل يوم لتمرين القوى العقلية وتقويتها؟ إن العقل العادي أحسن استعداد للتربية من الجسم العادي فما بالنا نأخذ في تمرين عضلاتنا وتقوية أذرعتنا ونتباهى بها. وما خطر لنا قط أن للعقل أيضاً عضلاته وأجهزته الكثيرة وأن هذه الأعضاء الذهنية أقل كفاءة مما يجب أن تكون فبعضها ضعيف هزيل وبعضها بحاجة إلى التغذية وبعضها غير منتظم الشكل الخ. . . إن رجلا من ذوي الأعمال المريحة إذا قضى يوم عطلة في مشي طويل رجع إلى بيته منهوك القوى غير قادر أن يتناول طعاما، ويصحو في اليوم التالي وهو يعزم عزما خالصا أنه لن يهمل رياضة جسمه إلى مثل هذا الحد ثم يأخذ في احد التمرينات الرياضية. ولكن

стр. 3546

اطلي من مثل هذا الرجل بعد أن ينهك نفسه في مطالعة الصحف والمجلات والروايات أن يمرن عقله في تسلق موضوع علمي أو فلسفي أو فني. . إنه سينبذ هذا العمل بعد قليل ولا يهتم بأن يشكو بأن عقله ليس في حالة مرضية وأنه يلزمه أن يعنى بتقويته وتمرينه، بل إنه سوف يرضى بالحالة التي هو فيها دون أن يشعر بشيء من الخجل أو الحزن المحض!. أقول (الحزن المحض) لأن الحقيقة أن الإنسان يشعر بشيء من السف على رؤيته قواه العقلية على غير ما يحب من النشاط والعلم. وكثيرون يأسفون على جهلهم النظريات المهمة. . والسنون تمر. . وهم لا يشتغلون كل أربعة وعشرون ساعة سوى ست أو سبع ساعات. . ولا يحتاجون إلى أكثر من دافع أو مجهود أو نظام لينقذوا الذهن من خموده وركوده وينتفعوا بتمرين عضلاته ويزودوه بمفاخر المعرفة التي تزدهيه. إننا نقضي أيامنا لا نعمل عملا ولا نفكر تفكيرا ولا عذر لدينا من ضيق وقت أو قلة اختبار. لماذا لا يتقدم إلينا أخصائي لتقوية العقل ويشرح لنا كيف ننتفع بعقولنا في الأعمال المهيأة لها! إذا كان هناك نظام لتربية الجسم فإن هناك نظاما يمكن استنباطه لتربية العقل. وبذلك نحقق بعض مطامعنا في الانتفاع في أوقات الفراغ بتلك الآلة العظيمة التي نتركها تصدا في رؤوسنا إننا لا تعوزنا الرغبة لنيل المعرفة وتقوية الذهن ولكن تنقصنا أولا قوة الإرادة - ولا اقصد قوة الإرادة للبدء في العمل ولكن للاستمرار فيه - وثانيا ينقصنا علاج الحالة السيئة التي صارت إليها أجهزة العقل بسبب إهمالنا. وعلى ذلك يكون العلاج منقسما إلى قسمين: تنمية قوة الإرادة وإصلاح حالة الجهاز العقلي. ويجب أن يسير هذان العلاجان جنبا إلى جنب. العلاج إن من السهل أن يعزم الإنسان أمرا في ساعة من ساعات حماسته واهتياجه ولكن تنجيز ما اعتزم صباحا إثر صباح ويوما بعد يوم وطول الشهور والأعوام هو العقبة الكؤود. ولا أظن احد من قارئي يخالفني في هذا. وكثير من الناس يتجاهلون هذه الحقيقة ويتساءلون: ماذا نعمل؟ وبما نشتغل؟ ويظنون أنهم قد أصابوا حل المشكلة إذا هم انحازوا إلى جانب طريقة من طرق تقوية الذاكرة أو تربية الذهن. وفاتهم أن الطريق ليست مهمة وإنما

стр. 3547

الطريقة الحسنة تتوقف على قوة العزم. ولنضرب لذلك مثلا سهلا بسيطا بامرأة، أو رجل في الثلاثين من عمره يعيش عيشة مرضية ويشتغل شغلا مناسبا، كم من مرة قد جال في خاطره أن عقله يعوزه شيء من النشاط والعلم فوثب عن كرسيه قائلا في نفسه أن سيعنى اليوم بتمرين عقله تفضل بالرجوع ثانية إلى كرسيك! طالما مرت بك أوقات كهذه اعتزمت فيها أعمالا مجيدة ثم فشلت! فأي المعدات اتخذت لتأمن الفشل هذه المرة؟ لا أظن إرادتك اليوم أقوى منها قديما فاعلم أنه لا جرح ألم لعزم النفس من الرجوع بالفشل وقد تحسب أن هذا الجرح قد اندمل والتئم ولكنه سوف يثور عليك في اللحظة الحرجة وينزف نزيفاً مميتاً. ليس لي شرف معرفتك ولكني أعرفك لأني أعرف نفسي. لقد كان فشلك القديم راجعا إلى أحد أسباب ثلاثة. أولها أنك كلفت نفسك عملا كثيرا من بدء الأمر ورسمت برنامجا رائعا! ولكنك لم تتبع ما تتبعه في الرياضية البدنية من الاستعدادات الأولية فلا تتخذ في هذه المرة برنامجا ويكفيك أن تسير خببا، قل لنفسك مثلا (سوف أقرأ كتاب التربية لسبنسر في مدة شهر وسوف أكتب على غلافه الملاحظات المهمة) قد تقول إن هذا عمل سهل بسيط. حسنا اعمله. . فإذا أتممته فإنك على أية حال سترضى على نفسك إذ تراك اعتزمت أمرا وحققته ولا بأس بعد ذلك أن تضع لنفسك نظاما آخر تتبعه ثلاثة أشهر وبذلك تكون قد وفقت إلى عمل برنامج وإن كان أفضل من هذا كله اجتنابك ذلك الجرح الخطر وهو الفشل. أما السبب الثاني لفشلك القديم فهو تلك الابتسامة الساخرة التي يلقاك بها أصدقاؤك إذ تخبرهم بما تعمله. فأوصيك ألا تذيع في كل مكان أنباء انتصاراتك فإذا كسبت معركة أو اثنتين فلوح بعلمك وسوف ترى أن هذه الابتسامة المشفقة الساخرة تموت قبل أنت تولد. والسبب الثالث هو أنك لم تنظم أوقاتك تنظيما جديدا. يجب أن تخصص جزءا من يومك لهذا العمل الجديد، لكن لا تنقص ساعات نومك أو تحشر أوقات عملك هذا بين وقتين ضيقين، كلا، أعط نفسك الوقت الكافي. وإذا نويت أن تفكر أو تقرأ نصف ساعة كل يوم فاجعلها في حساب وقتك ساعة، وليس هذا الاحتياط بكثير على المبتدئ. ألا يمكنك أن تقتطع من أوقات رياضتك ولهوك هذا الزمن القصير؟.

стр. 3548

لقد صعقت أخيراً برؤيتي في أحد الضواحي انتشار الألعاب الرياضية والتمرينات البدنية واهتمام الناس بتقوية عضلاتهم وأجسامهم فقلت في نفسيأيها العقل المسكين المتهافت؟ إن لألعاب الكرة والتجذيف في القوارب والجولف والتنس فصولا مخصوصة وأنت محروم من مثلها. والآن وقد شرحنا الكيفية التي بها يبدأ الإنسان تمرين قواه العقلية والأسباب التي دعت إلى فشله قديما فإننا ننتقل إلى التمرينات التي يصح أن يأخذ في القيام بها. إن كثيرين يستخفون بالاشتراك في جمعية لتقوية الذاكرة لماذا لا يفعلون ذلك هزوا رؤوسهم وقالوا إن الذاكرة ليست كل شيء! كذلك يتردد كثيرون في حفظ شيء بظهر الغيب والحقيقة أن حفظ النثر أو النظم غيبا لمن أفضل التمرينات العقلية. إن معالجة الذهن ستة أشهر باستظهار عشرين سطرا كل أسبوع لينفي ركوده. وإن أهم ميزة للاستظهار هي القدرة على توجيه الذهن. ولا شك في أن القدرة على توجيه الذهن إلى العمل الذي تشتغل فيه هو أعظم مقدمات تربية النفس. وهناك تمرين عقلي آخر وهو أن تطالع صحيفة من أي كتاب ثم تأخذ في كتابة ما تذكره منها بكلمات من عندك أو بكلمات المؤلف نفسها. إن أمثال هذه التمرينات التي لا تشغلك أكثر من ربع ساعة في كل يوم لتأتي بالنتائج الباهرة. وعلى ذكر هذا ننتقل إلى ذلك التمرين العقلي العظيم وهو الكتابة. ولا يهمني بلاغة ما تكتب ما دمت تدأب على تركيب الجمل. إن هناك أربعين طريقة لتكتب كتابات خصوصية. فإنك تستطيع أن تتخذ لك مذكرات يومية أو إن شئت عملا أسهل فاتخذ لك دفترا بمثابة جريدة تدون فيه الحوادث المهمة. أو اكتب ملاحظاتك في الكتب التي تقرؤها الخ. . . ويأتي عقب الكتابة التفكير (وقد يبدو هذا الترتيب غريبا ولكني أصر عليه). إن تربية الذهن وتقويته تكتسبان بتمرينه الدائم على التأمل وإنعام الروية وبعبارة أخرى توجيهه عشر دقائق مثلا في كل يوم إلى التفكير في موضوع من الموضوعات العالية التي يستطيعها. نعم سيفشل الإنسان عدة مرات ولكن لا يجب أن يكترث بذل بل يثابر ويواظب في الطريق التي هو فيها. وقد طلب مني كثير من القراء أن أعين لهم الكتب التي يقرؤونها: فكأنهم يطلبون مني أن

стр. 3549

أعين لكل واحد منهم ما يوافق مزاجه ويلائم روحه! ولكني لم أكتب مقالي هذا لأعين الطريق التي تؤدي إلى التربية العقلية ولكني كتبتها لأبين كيفية السير في تلك الطريق. وعساك أن تقول بأني أشغل نفسي بالبحث عن أحسن الطرق للمشي ولكني أرفض أن أعين الجهة التي تذهب إليها. وهذا حق. فإني لا أستطيع أن أعرف الجهة التي يريد غيري الذهاب إليها: ط. ر

стр. 3550

حديقة أبيقور لكاتب الروائي الفرنسي الكبير أناتول فرنس مقتطفات من هذه الحديقة في الصومعة وجدت صديقيجان في الدير القديم الذي اتخذ من بوالي رسومه وعوافي أطلاله منزلا في العشر السنوات الأخيرة وقد تلقاني بالبشر الهادئ - بشر رجل ناسك - آثار الآمال البشرية ومخاوفها وساقني إلى حديقته الغير المنسقة حيث تعود أن يشعل غليونه ويدخن في كل صباح بين أشجار البرقوق المغشاة بالطحلب وجلسنا هناك على نقعد أمام مائدة واهنة مرتجفة لا تكاد تتماسك تحت حائط نتهدم قد علته الأزهار من ناضر ومصوح ننتظر طعام الإفطار وكان ضوء السماء الممطرة يرتعش من خلال أوراق أشجار الحور التي كانت يسمع لها همس ووسوسة من جانب الطريق وكانت سحب لؤلؤية تنجاب فوق رؤوسنا وكانت توحي إلى نفوسنا الحزن الناعم الرقيق ولكن الحزن الذي لا يبل من دائه. مرت به الذكر على حالاته الماضية فسألني عن صحتي وأحوالي ثم بدأ يقول في صوت خفيض وجبين متغضنإني وأن كنت عادة لا أقرأ فإن جهلي ليس موقى من المعرفة فقد علمت وأنا في وحدتي هذه ونسكي الذي كنت تسخر به في أيامك السوالف م الصفحة الثانية من إحدى الجرائد السيارة بظهور نبي عاقل بليغ التعبير حسن الأداة إلى حد أنه يعلم أن العلم وإجهاد الذهن هما المنبع الثر الذي تتدفق منه كل الأحزان والآلام والأوجاع التي يلاقيها الإنسان. وهذا الرائي. إذا كنت لا أزال أذكر الصواب - ذهب إلى أنه من أجل أن نجعل الحياة بريئة ومحبوبة فكل ما نحتاج إليه هو أن نطرح التفكير وننبذ كل تحصيل العلوم وأمن السعادة الوحيدة في الدنيا لا توجد إلا في الرأفة والرحمة الغير السببية المتبادلة وأن الأوامر والنواهي العاقلة والحكم البوالغ التي عيبها الوحيد ونقصها الفذ هو أن مبدعها قد عبر عنها وكان ضعيفا إلى حد أن يضعها في أساليب بديعة ويصبها في قوالب محكمة بدون أن يراعي أن صدم الفن بالفن ودفع العقل بالعقل معناهما أننا نقضي على أنفسنا ونذهب ضحية لأجل أن يكسب العقل مفخرة أية مفخرة ولينال الفن محمدة أية محمدة وأنك يا صديقي الهرم لترى أني لم أقع في هذا التناقض الذي يبعث على الرحمة وإني قد

стр. 3551

نفضت نفسي كلية من الفكر والكتابة من بدأ اليوم الذي عرفت فيه أن الفكر شر وأن الكتابة لعنة وقد وصلت إلى هذه النتيجة وقوى من نفسي هذا العزم كما تعرف في عام ١٨٨٢بعد طبع كتيب في الفلسفة كلفني الكثير من الآلام ونقدته الفلاسفة لأنه كان مكتوبا بأسلوب أخاذ ونمط من الإنشاء بديع وفي هذا الكتاب حاولت إثبات أن الكون مغلق السر غير مفهوم وقد كنت مغضبا عندما ذكر لي أني لم أفهمه كحقيقة منزوعة من برود الخيال مجردة من أثواب الأوهام وقد هممت للدفاع عن كتابي لذلك ولكن عند قراءته عجزت أن أتسقط معناه الحقيقي وجدت نفسي غامضا ملتبسا مثل أعظم فلاسفة ما وراء الطبيعة وأن الدنيا قد أساءت إلي وغبنتني لأنه ضنت علي بشيء من الإعجاب الذي تتسخى به عليهم وقد منعني ذلك من التفكير فيما وراء الحس فانصرفت إلى علوم الملاحظة ودرست علم التشريح ومبادئه راسية القواعد راسخة فقد مضى عليها الآن ثلاثون عاما وهي تتركب من تقييد ضفدعة بدقة بالدبابيس على قطعة من الفلين ثم شقها لملاحظة الشرايين والقلب ولكني أدركت بعد مدة قصيرة أننا بهذه الطريقة نحتاج إلى وقت أطول من الحياة التي تهبها لنا الدنيا لكي نصل إلى سر الأحياء العميق الخافي وحقيقتها البعيدة المتوارية وشعرت بغرور العلم الصافي الذي لا يضم بين أطرافه ومنفرجاته سوى جزء لا نهائي الدقة من المظاهر ويشارفه منه عدد محصور من الروابط والصلات ولا تكفي في خلق مذهب متين راسخ وفكرت دقائق في أن أقذف نفسي في مناطق الحرف وميادين الصناعة لكن رقة قلبي منعتني منذلك وليس هناك محاولة مهما اختلفت ضروبها يمكننا أن نقول عنها أنها سيأتي من وراءها من الخير أكثر ما يأتي من الشر وإن (كريستوف كولمبس) الذي كان يحيا حياة القديسين وكان يتشبه بالقديس (فرانسيس) كان بلا مدافع لا يفكر باستكشاف طريق جزائر الهند لو أنه كان يعلم أن استكشافه هذا سيريق الدماء ويكشف عن مذابح أمم عدة برمتها من ذوي الجنود الجمر وهم بلا مرية قوم مستوحشون مقبحوا السريرة فيهم شراسة وشر ولكن كل ذلك بمانعهم من أن يحسوا الألم لو كان يعلم أيضاً أنه سيجلب إلى الدنيا القديمة من ذهب الدنيا الجديدة من الأمراض والأسقام والجرائم ما كان من قبل مجهولا وكنت أظهر الامتعاض وأبدي الاستنكار عندما كان نفر من الأمناء المخلصين أن امضي إلى ممارسة الأسلحة النارية والمفرقعات التي كسبوا من وراءها

стр. 3552

ثروات طائلة ومبالغ جسيمة أثلت مكانتهم وأعلت مراكزهم وقد صارت شكوكي حقائق من أن الحضارة كما يدعونها ليست إلا بربرية علمية فنحوت بفكري منحى آخر وحاولت ا، أصير مستوحشا ولم تعترضني صعوبات ولم تقم في وجهي حوائل في إخراج الفكرة وإبرازها من خبز الفكر إلى مجالات العمل في هذا الإقليم الصغير النائي الواقع على مسافة ثلاثين فرسخا من باريس والذي يقل سكانه تدريجيا وأنت رأيت في طرق القرية منازل خاوية قد لعبت بها أيدي العفاء وأكثر أولاد المزارعين ينزحون إلى المدن تاركين قرية قد صارت أملاكها موزعة بدقة إلى حد أنهم لا يستطيعون أن يجدوا بها وسيلة إلى عمل يحصلون به على قوتهم. ويظهر أنه قد آن اليوم الذي يشتري فيه مفكر ماهر كل هذه النواحي وينشأ فيها الأملاك الواسعة والضياع الفسيحة وسنرى المزارع الصغير يختفي في الريف كما يختفي الآن التاجر الصغير في المدن الكبيرة شيئا فشيئا ولقد دفعت ستة آلاف فرنك واشتريت بقايا ذلك الدير القديم بسلمه الحجري الأنيق والبرج المحدق به وتلك الحديقة التي تركتها نهبا لعبث الزمان وهناك أذهب أوقاتي في مراقبة السحب السائرة في السماء أو في ملاحظة الحشائش وسيقان الجزر المستطيلة وهذا عندي أجمل من تشريح الضفدعة أو من اختراع نوع جديد من النسافات. وعند ما يكون الليل جميلا ساجيا وأكون مستيقظا أحدق زواراً ولا أفكر في شيء ولست أكد النفس ولا أورى زناد الفكر لأستميلك إلى عزلتي وأجذبك نحوها. إني لسعيد فرح لأني سأقدم لك عجة البيض ونبيذا وتبغا ولكني أقول لك ورائدي الصراحة إن الأجمل ي والأوثق بنفسي هو لو أني أعطيت كلبي وأرنبي وحمامي قوتها اليومي الذي يجدد نشاطها ويرد عليها قوتها وهي لا تحوله إلى منافع رديئة مفسدة لكتابة رواية تشوش الذهن أو كتاب تشريح يسمم الوجود. في هذه اللحظة أحضرت لنا بيضا وقنينا من النبيذ الأحمر الزاهي فتاة مليحة المنظر على خديها تورد ولها عينان زرقاوتان مشرقتان ثم سألت صديقي جان هل هو يكره الفنون والآداب من كل قلبه كما يكره العلوم.

стр. 3553

فأكد لي. لا. إن هناك عنصرا من عناصر الطفولة في الفنون إن هذا العنصر يجرد العداء الشد \ يد من سلاحه وإن النحاتين والمصورين هم ملوثو الصور الجميلة وهم صانعوا العرائس والألاعيب وليس أكثر من ذلك وأي ضرر عظيم في ذلك؟ بل ينبغي لنا أن نقر ونعترف بالفضل والألمعية للشعراء ولو لم يكن ذلك إلا لأنهم يستعملون الألفاظ بعد أن يجردوها من المعنى الجدي الرصين والمغزى الوقور الهام وسنبقى شاكرين لهم إذا كانوا لا يبتغون هذا المطرب بجد وحماسي وإذا هو لم يتركهم يتسكعون في مذاهب الأنانية الوضيعة الممقوتة وإذا هو لم يخلفهم سريعي الغضب خفاف الرأس فتلتهب في صدورهم نيران الحسد وتغلي فيه كراجل الأحفاد خليقين بمستشفى المجاذيب وتعاطي العقاقير الصالحة للعقل وعجيب أنهم يترقبون أن يحصدوا الشهرة وبعد الصيت من وراء هذه الزينة الكاذبة والزخرف الباطل وهذا دليل وضعي على خبلهم وجنونهم وإنه من بين كل أنواع الخط العقلي وأصناف الهوس الفكري الذي يلحق بالرجل المريض المأفون العقل فإن طلب الشهرة وحب الإعلان عن النفس هما أبعث أسباب الهوس والحنون والحماقة والغباء لهزاهز الضحك وأشدها إثارة وتحريكا لبسمات السخرية والاستخفاف كما أنه مستجم أكثر الشرور ومستنقع أكثر البلايا وأنا لا أستطيع إلا أن أرثي لحالهم وأتوجع ويقض مضجعي ما حل بهم وإن العمال هنا يغنون على المحراث الأغاني القديمة التي شدت بها آبائهم والرعاة وهم جالسون على جوانب التلال يحفرون بأطراف سكاكينهم صورا صغيرة من جذور خشب البقس وربات المنازل يصنعون من العجين أرغفة في شكل حمائم وقماري وهذه فنون بريئة لا عيب فيها ولا تتخللها سموم الكبرياء ولا ميكروبات الصرف وهي سهلة هينة وملائمة للضعف البشري وعل نقيضها فنون المدن فإنها تستدعي مجهودا وكل مجهود ينتهي بالألم. ولكن الذي يلم إخواننا البشر ويحزنهم ويشوههم ويقبحهم هو العلم الذي يوجد لهم علاقات وروابط بأشياء لا تتناسب مع قوتهم وهو يفسد كل شرائط الاتصال الحقيقي للإنسان بالطبيعة وهو يستفزهم إلى الفهم بينما من الجلي الظاهر الغني عن البرهان أن الحيوان خلق ليشعر لا ليفهم والعلم ينمي الذهن - ذلك العضو العديم الفائدة - على نفقة الأعضاء الأخرى التي يشترك فيها مع الحيوانات وهو يقصينا عن التمتع بلذاذات الحياة ويمنعنا من

стр. 3554

إرخاء أعنة النوازع والشهوات التي نعاني من أجلها شوقا غريزيا وهو يزيد في شقاوتنا ويشعل الخابي من جمرات همومنا بالخيالات المخيفة والصور الرهيبة التي يعرضها علينا وليس لها من وجود إلا في تركيبه وجهازه وهو يؤيد ضعفنا ويزيدنا يقينا به وإيمانا بمقارنتنا إلى الأجرام السماوية وبإظهار قصر حياتنا إلى جانب قدم الدنيا ويظهر عجزنا لأنه يفسح لنا مجالا للتظني فيما لا نستطيع أن نبصر ولا أن نلمس ويكشف عن جهلنا لأنه يبين لنا روعة المجهول ويجلي لنا حقارتنا وتفاهة قدرنا بتكرار الأشياء التي توقظ تلفتنا تستدعي تطلعنا دون أن يجبنا عليها. وأنا لا أقر الكلام على نتائجه الفكرية فإننا عندما نتخطى إلى التطبيق العملي نرى أن مخترعاتنا ليست إلا وسائل للتعذيب طريفة تدل على المهارة والتبصر وأن ماكيناتنا لتحكم بالموت على أفراد الإنسانية التعسة الأسيفة. زر أي مدينة صناعية أو انزل إلى أي منجم من المناجم وانظر إن كانت المظاهر التي تراها تختلف كثيرا عن النار الموقدة التي يتصورها أشد رجال الدين تعصبا وتحمسا وإننا لنبدأ نشك عند إمعان النظر وإجالة الفكر في أن ضرر مجلوبات الصناعة للذي يصنعها أقل من الضرر العائد على صاحبها ونبدأ نفكر في الترف وهل هو أفدح أمراض الحياة عاقبة وأشملها ضررا، ولقد عرفت أقواما من كل طبقات المجتمع ولم أقابل في حياتي أحدا وصل من التعاسة إلى ما وصلت إليه سيدة من ذوات المنزلة في باريس وهي امرأة حسناء كانت تنفق على ملابسه خمسين ألف فرنك في العام وإن هذه حالة تفضي بصاحبها إلى إنهاك الأعصاب ومرضها العزيز الشفاء. ثم صبت لنا القهوة الفتاة القروية الحسنة المظهر ذات العيون الصافية وعليها ظواهر السذاجة القانعة. فأشار إليها صديقي جان بعنق غليونه وكان ملأه في الوقت نفسه وقالانظر إلى تلك الصبية وأنها تعيش على الخبز ولحم الخنزير المملح وكانت البارحة تحمل حزمة من القش على المذراه وغنك لتبصر الآن قطعا منها على شعرها وهي سعيدة وبريئة في كل ما تفعل لأن العلم والحضارة قد خلقا الخطيئة كما خلقا المرض وإني لأقاربها سعادة وأشابهها في خلو البال لأني أفكر في شيء ولا أقوم بعمل شيء وإني لا أزرع حديقتي بل أتركها تنمو

стр. 3555

جامحة مطلقة من أن أعمل عملا أجهل عاقبته وبإتباعي لهذه الطريقة وسلوك هذا المسلك تراني مقتنعا بسكون العقل التام وصفاته الخالصة. فقلت لهلو كنت في موضعك لما أمكنني أن أشعر بنفسي السلام والأمن والهدوء الذي تشعر به وإنك لا تستطيع ولن تستطيع ولا يمكن أن يكون قد تهيأ لك أن تسحق في نفسك كل المعرفة والفكر والعمل وتخمدها لتطعم الراحة النقية الخالصة. ولا تنس أنه مهما فعلنا فإن الحياة هي العمل وأن نعيش هو أن نعمل وإن نتائج المخترعات العلمية والاستكشافات تخيفك لأنها لاتحد ولا تحصر ولكن اعلم أن أبسط الأفكار وأشد الأعمال الفطرية تتضمن أيضاً نتائج لا ينالها الحصر ولا يحويها العد وإنك لتكون قد أفرطت في مدح العقل وأكثرت من التنويه به وبالصناعة إذا ظننت أنهما هما المتحكمان في مصير الإنسانية وإن كثيرا من أشياء هذا العالم تصنعها القوات الجاهلة الغير الشاعرة بنفسها وهل في وسعنا أن نتنبأ بتأثر اكبر حصى أزيحت من جانب التل! أنها قد تؤثر في مصير الإنسانية تأثيرا ظاهرا فعالا أكثر مما يؤثره طبع كتاب علمي قيم واختراع مثل اختراع الكهرباء. وإن ظهور الاسكندر ونابليون على ملعب الأيام لا يمكن أن يرد إلى أسباب فكرية مقصودة وليس هو من النوع العلمي ولكن على رغم كل ذلك فإن مصير ملايين البشرية تأثر بظهورهما واشتبك فيه وهل تظن أننا ندري قيمة المعنى الحقيقي لما نعمل وأن في كتاب ألف ليلة حكاية لا يمكنني أن أمسك عن تفسيرها تفسيرا فلسفيا وأقصد بذلك حكاية التاجر العربي الذي جلس وهو عائد من الحج إلى مكة على حافة عين جارية ليأكل بعض الثمر وكان يروي بنواة في الهواء فكان أن واحدة من هذا التمر قد قتلت مخلوقا غير ظاهر - أحد أولاد الجان - ولم يكن ذلك التاجر التعس يحلم أنه سيحدث ذلك من وراء رمي النواة ولما أخبر بهذه الجريمة التي اجترمها أبلس حتى لم يكد يجيب من الخوف والذعر ولم يكن قد أعمل الفكر من قبل في العواقب المحتملة لأي عمل نعمله فهل نستطيع أن نعلم إذا رفعنا ساعدنا أننا سوف لا نصفع جنيا في الهواء كما حدث للتاجر؟ وإني في مكانك لا أستطيع أن أشعر بالراحة والطمأنينة ومن علمك إن إقامتك الهادئة في هذه الصومعة التي زاد فيها نمو اللبلاب وغيره من النباتات الصخرية ليست عملا صادق التأثير نافذ المفعول في

стр. 3556

الإنسانية وإنه أعمق في الأهمية وأبعد غورا من كل مخترعات العلماء وتواليفهم وأنه ينتج تأثيرات هائلة مخيفة وحوادث رائعة رهيبة في الأيام المقبلة؟؟ هذا غير محتمل ولا مرجح. ولكنه غير مستحيل وإنك تعيش عيشة غريبة وتتكلم كلمات غريبة يمكن أن تجمع وتطبع وهذا كاف في ظروف خاصة في أن يكون منك بكرهك صاحب ديانة جديدة وملايين الناس قد تعتنقها وقد يضرهم ذلك وينزل بهم إلى مهابط التعس ويرمي بهم مرامي الشقاء وقد يقتلون آلاف البشر وهم لا ينون يرددون اسمك مشفوعا بالشكر والدعاء. ينبغي للإنسان أن يموت إذن ليصير بريئا ليحوز الهدوء التام. أعد النظر فيما تقول فإن الموت عمل لا يمكن أن نحصر ما يأتي وراءه من المحتملات والمتمكنات. علي أدهم

стр. 3557

مجاعة وقحط في الأزواج بلغت قلة الرجال في أوروبا الوسطى حدا جعل النساء يتلمسون الزواج تلمسا ويتطلبونه بكل وسيلة. والحق ان الأزمة الرجالية مستحكمة فإن كل عشرة من النساء لا يكاد يقابلها رجل واحد. والصحافة حافلة بإعلانات الزواج ليس من النساء فقط بل من أمهاتهن وآبائهن وأخواتهن فلا أقل من خمسة أنهر في كل جريدة تخصص في هذا الشأن. وإليك صورة إعلان من هذه الإعلانات العجيبة نشر في جريدة نمساوية: تطلب ابنتي زوجا وهي، ذكية، مستنيرة، جميلة، بم تتجاوز السادسة والعشرين من العمر، من عائلة عريقة في النسب وديعة. رقيقة الإحساس تملك مليونا من الكرونات النمساوية تود أن تتزوج من رجل من أصل شريف يكون قد فكر في الزواج وأع له العدة ويجب على من يتقدمون لذلك أن يكونوا ناسا ذوي حيثية ومكانة الإمضاء

стр. 3558

كتاب الصور تأليف واشنطون إيرفنج وهو الكتاب المقرر على طلبة الشهادة الثانوية في هذا العام السياحة لا جرم أن الوافد على أوروبا من الأمريكان مصيب في سياحته الطويلة أفضل ممهد لوفدته. وأحسن مهيأ لقدمته. وذلك أن فترة انقطاعه عن المناظر والأشغال الدنيوية خليقة أن تترك صحيفة ذهنه على أتم استعداد للتأثر بما سوف تتلقاه من الصور والعاني الجديدة. فإن بطائح المياه المنفسجة الفاصلة بين شطري الكرة الأرضية هي كصحيفة غفل بيضاء في كتاب الحياة فليس قمة انتقال تدريجي كالذي يكون في أوروبا سببا لاندماج مملكة في أخرى من حيث أهليهما ومعالمهما. فمتى اختفى عن بصرك البر الذي تفارق لا ترى إلا فراغا حتى ترسي على الساحل المقابل ثم تزج دفعة واحدة في غمرة ضوضاء عالم جديد وتغمس في حومة طرائفه وغرائبه. والسياحة البرية تتصل فيها المناظر وتطرد فيها سلسلة نظام الأشخاص والحوادث المؤلفة من حلقاتها قصة الحياة والتي هي جديرة أن تضعف ما ينشأ في النفس من أثر الغيبة والفرقة ولا مشاحة في أننا لا نزال أثناء السياحة البرية نجرسلسلة تتزايد حلقاتها بعد كل مرحلة نقطعها من سفرنا ولكن هذه السلسة متصلة غير منقطعة نستطيع أن نتتبع ما خلفناه منها وراءنا حلقة حلقة ولا نزال نشعر أن آخر هذه الحلقات يربطنا بالوطن أما السياحة البحرية النائية فهذه تصرم الأسباب وتجذم الروابط للتو واللحظة وتشعرنا بأننا قد نبذنا من مرسى الحياة المستقرة وقذفنا من مرفأ العيشة المطمأنة على غارب غباب عالم ظنين متهم تحفه الشكوك والريب. فهي تحول بيننا وبين الأوطان بهوة حقيقية غير وهمية عرضة للعواطف والظنون والمخاوف يظل معها البعاد أمراً محسا ملموسا والأوبة غير مضمونة. تلك كانت حالتي شخصياً. فلما غاب عن بصري أخر معالم بلادي مضمحل الزرقة أقصى كأنه السحابة المنجابة خيل إلي كأنما قد أقفلت جزء من كتاب الدنيا وشؤونها وأنفسح لي مجال التأمل والاعتبار قبل افتتاح جزء آخر. هذه الديار المتقلصة من ناظري - تلك التي تضم في حضنيها وتجمع بين دفتيها كل كل ما هو محبب إلي في الدنيا - ماذا يحتمل أن

стр. 3559

يصيبها من صروف المحن. وتقلبات الزمن. وماذا يحتمل أن يصيبني أنا من تبدل وتحول قبل أن تسعدوني المقادير بالإياب! ومن ذا الذي يستطيع حين يهم بالرحيل أن يعلم أيطوح به تيار القدر التعسف. أم متى تكون أوبته إلى وطنه. وهل يتاح له ثانيا أن يشهد معالم طفولته. ومآلف شبيبته. أم هل يباح الورد ثانية ... ويلذ برد الماء مرتشف قات أنك لا ترى في البحر إلا فراغا وإني لجدير أن أصحح من هذه الفكرة بقولي بل إن البحر لصحيفة مملوءة بالمعاني الباعثة على التفكير والتأمل ولكن هذه المعاني ليست سوى عجائب البحر والهواء مما هو أجدر أن يصرف الذهن عن شؤون الدنيا ويجرده من شوائب الحياة المدنية ولكم سرني أن أشرف من فوق سياج السفينة في اليوم الساجي منغض الرأس للنعاس أو أعتلي ذؤابة الدقل أقضي الساعات تأملا فيس ساحة صدر اليم الهادئ المشتمل في غلالة المصيف أربو إلى ركام السحب المطرزة بحواشي النور المذهب تشرأب إن تبرز من حجاب الأفق فأخالها مآلف جان ثم أعمرها بخلائق من صنيع خيالي - وأراقب مجرى الأمواج تقلب أجرامها اللجينية كما لو كانت تود أن تضمحل فتموت على تلك السواحل الهنية السعيدة. لقد كنت أشعر بمزيج من الأمن والخوف والرهبة والطمأنينة لئن كنت أشرف من ذلك المربأ الشاهق على عجائب مخلوقات اليم تلعب ألعابها الخشنة الخرقاء - فمن أسراب درفيل تتنزى حول مقدم السفينة وحوت يرفع جرمه الجسيم فوق الماء في بطأ وتثاقل. وكلب بحر جارح فراس يمرق من خلال اللجة الزرقاء كالطيف السانح. والبرق اللامح. وعند ذاك يستثير خيالي كل ما سمعت أو قرأت من عالم الدأماء الذي أعتليه ـعن ذوات الزعانف الجائبة ووديانه السحيقة الأعماق مما لا يدرك مداه. ولا يبلغ أقصاه. وعن الخلائق المنكرة الهائلة غير ذات الصور والأشكال - الكامنة بين أساس الأرض وقواعدها وعن تلك الخيالات الخارقة مما تفيض به أقاصيص النوتية وصياد البحر. وأحيانا يبدو لك من أقصى مسافة شراع سفينة تنساب على حافة اليم فيكون مبعثا لخطرات بالك. وسنحات خيالك ويا عجبا لهذه السفينة المنسابة. إنها لعمرك عالم ضئيل ودنيا دقيقة تسرع لتنضم إلى السواد الأعظم في هذا الوجود! هذه آية بارعة من آيات إبداع

стр. 3560

البشر قد تغلبت بوجه ما على الرياح والأمواج وضمت طرفي العالم. وقامت بين أنحاء الأرض واسطة تبادل للخيرات. وتقايض للبركات تصب في حجر الشمال الممحل الجديد. جملة مناعم الجنوب. وتبث نور العرفان وثمار التربية والتهذيب. فهي بذلك قد ألفت الشمل بين المتفرق المنتشر من أجزاء النوع البشري مما كان يحسب أن الطبيعة قد أقامت بين بعضه والبعض حائلا صعب المرام وسدا منيعا متعذر الاقتحام. ولقد بصرنا ذات يوم بشبح مبهم الشكل يطفو على مسافة منا. وكل شيء يبدو على ظهر الماء يظل لانفراده وسط ساحة المياه الفيحاء المتماثلة الأرجاء المتشاكلة الأنحاء خليقا أن يلفت النظر. ويجذب البصر. ولما استبن ذلك الشبح ألفيناه دقل سفينة لم نشك في أنها قد غرقت فأهلكت إذا أبصرنا بقايا مناديل كان بعض النوتية قد شدوا بها أنفسهم إلى ذلك العمود حتى لا يحتاجهم الموج ولم يكن ثمة من آثار الفينة ما يستدل بها على اسمها والظاهر أن حطامها كانت الأمواج ما برحت تتقاذفه منذ شهور عدة فهو يذهب على سطح العباب كل مذهب ويضرب في كل مضرب: وكان قد اعتقله ونشبت به قطع متكاثفة من المحار وخففت على جانبيه أوراق بسيطة مسترسلة من عشب الماء. فقلت في نفسي (ترى أين النوتية؟ لقد انقضى كفاحهم العنيف منذ بعيد وقد رسبوا بين زماجر العواصف فعظامهم اليوم بأعماق اليم يضمحل ثاويها. ويبيض باليها. وقد طواهم النسيان (كما صنع بهم العباب) بين غضونه وأثنائه، وغيبهم الصمت والسكون في ضمير أحشائه، فليس من أحد يستطيع أن يدل على آثارهم أو يحدث عن أخبارهم. وهذا المركب الغريق كم من زفرات لدى الرحيل شيعته. وكم من نظرات ودعته. وكم من دعوات بالغنم والسلامة تصاعدت لركبه التعساء من حول مواقد هجروها في ديارهم فأضحت من بعدهم موحشة نابية. وعادت روضة النعيم بهاذاوية. وتعطلت فيها مجالس اللهو وكانت بهم صدورها حالية. وكم من زوجة وحبيبة عكفت على صفحات جريدة لتظفر بين سطورها بشارد نبأ عن تلك السفينة الجوابة للبحار: الوثابة على القحم والأخطار! وكيف استحال القلق إلى ظلمة الخوف واستحال الخوف إلى السواد واليأس. فوا أسفا أن لا يرجع البتة من تلك السفينة تذكار واحد يكون عما مضى عزاء تستريح إليه النفس ويهفوا إليه الضمير بل كل ما عساه أن يعرف هو أنها أبحرت من المرفأ ثم نقطع خبرها أبد الآبدين؟).

стр. 3561

وقد حرك منظر الحطام بعض القوم - كما هو المعتاد - إلى سرد الكثير من فاجع الروايات وقد جرى ذلك لأخص ساعة الغروب إذ طفق الجو بعد صحوه يكفهر ويربد. وينذر ويهدد. ويؤذن ببعض هاتيك الزوابع المباغتة التي ربما أغارت على صفاء سكينة السياحات الصيفية. فجعل كل منا وقد أخذنا مجالسنا من الطارمة حول شعاع مصباحها الكليل الذي كان لا يزيد ظلمة المكان إلا وحشة ورهبة - يلقي بما عن له من القول عن حوادث الغرق والهلاك. فكان أدهش ما سمعت من هذه الأحاديث موجزة ألقاها القبطان قال: بينما أنا ذات مرة في مركب رائع ضخم أسيح بين سواحل (نيوفوندلاند) أتيح بعض تلك الضبابات الكثيفة مما يكثر في تلك الأنحاء فقصرت مدى ألحاظنا ومنعتنا رؤية ما تباعد من الأشخاص حتى في ضوء النهار. أما بالليل فقد أفرطت كثافة الغيم بما أبهم علينا صور المرئيات وأخفى أشباحها حتى على مدى ضعف طول المركب. فأشعلت أضواء في ذؤابة الدقل. وأقمت الأرصاد يرقبون ما عسى أن يسوقه القدر من قوارب السمك المعتادة الرسو على السواحل وكانت الريح إذ ذاك تهب نسما نفاحا والمركب يهفو بنا سريعا. فإنا لكذلك إذ صاح الرقيب بغتة (هاكم قارب!) وما كاد يفوه بها حتى هبطنا على القارب وكان زورقا صغيرا وكان زورقا قد ولانا عرضه وكان النوتية كله رقودا وقد فاتهم أن يرفعوا مصباحا فاصطدمنا بالقارب. ثم كان من قوة الصدمة وضخامة مركبنا وثقل أبداننا ما حط ذلك القارب تحت الأمواج وغمره بالأمواه ثم اجتزنا من فوقه ومضينا في طريقنا. وبينما القارب المتحطم يرسب من تحتنا حانت مني التفاتة فلمحت اثنين أو ثلاثة من ركابها البؤساء عارية أنصاف أجسادهم خارجين من الطارمة. لقد هبوا اللحظة من فرشهم لتبتلعهم ذئاب الموج العاوية. وسباعه الضارية ولقد والله سمعت صرخت غرقهم يخالطها عزيف الريح العاتية. وما لبث الإعصار الذي حمل إلينا تلك الصرخة أن أطاحنا وراء مسمع كل صوت من أصوات تلك المأساة الفاجعة. على أني مهما أعش فلست بناس تلك الصرخة! ولم يك إلا بعد برهة أن استطعنا تعديل سير مركبنا لما كان قد تغلب عليه من سطوة اليم. ثم عدنا مسترشدين برائد الحدس والتخمين إلى حيث كان القارب قد أرسى فسرنا بضع ساعات في ضباب كثيف وأطلقنا طلقات أشارية

стр. 3562

لعلنا نسمع هتاف من عساهم يكونون قد أفلتوا من مخالب المنون ولكن الصمت كان شاملا، ولم تر أبصارهم ولم تسمع أذاننا من أثر منهم ولا خبر. ولا أنكر أن هذه الأقاصيص أودت بلذيذ تصوراتي مدة من الزمن. واشتدت العاصفة على امتداد الليل وضربت الزوبعة غوارب الموج بأصوات الرياح فبددت وئامه. وشوشت نظامه. وكان يسمع بتكسر الموج وتدفع الأذى صوت مخوف موحش. وتجاوبت من اللجج الأعماق. وتراءت الأنواء بالآفاق. وخيل إلينا في الأحايين أن سود السحائب فوقنا كانت تتصدع بصوارم البارقات الخفاقة على رؤوس الموج المزبدة الراغية فتضيء لحظة ثم تترك الظلمة التالية أرهب وأخوف وتداعت زماجر الرعود فوق قفار المياه الموحشة فأجابتها الأصداء من غيران الجبال بما أطال صوت زئيرها ومد في شأو هديرها. ولما نظرت إلى سفينتنا تترنح وتتعثر بين هذه الحومات المتفجرة وكهوف الماء الضجاجة المزمجرة، خيل إلي أن تماسكها وسط هذه الزعارع وتوازنها بين هذه الزلازل كان حقا أحد المعجزات الخارقة. وكانت ربما انغمست رواجعهاو اندفن مقدمها تحت أطباق الموج وأحيانا كانت تشرمن فوقها اللجة فتهم أن تتلمسها لولا حركة حاذقة من الدفة تقيها الهجمة الهائلة والصدمة الغائلة. ومازال ذلك المنظر المخوف يتشبه لي ويتراءى حتى بعد ما عدت إلى حجرتي وقد جعل حفيف الريح خلال الجبال يرن في آذاني كعويل المآتم. وما كان أشنع صريع الأدقال وأنين الحواجز وضجيجها إذ المركب يكدح في عباب اليم المتقلب وكان يخيل إلي والموج على جنبات المركب يتمطر وهديره في آذنه يضج ويزأر كأنما الموت ذاته يدور ثائرا حنقا حول ذلك السجن العائم يتلمس فريسته فلو إن مسمار ند عن مغرزه أو انفجر ما بين لوحين من ألواحها الملتئمة لا نفتح بذلك الباب لوافد المنية فأخلى ما بينه وما بين الضجة. ولكن لما طلع علينا الغد بالصحو الجميل ولانت سورة البحر وخيمت عليه السكينة وهبت الريح رخاء مؤاتية بدد هذا الصفاء ما كان قد استحوذ على نفسي من تلك الخواطر الحزينة. ولا غرو فإن المرء لا يسعه إلا أن يلين رقة ويصبو طربا إلى محاسن الصحو الجميل و

стр. 3563

النسيم العليل على صدر اليم. ومتى تبرجت السفينة في جل أبرادها وحللها وانتفخ كل شراع ومر يزهى مرحا فوق طرائق الموج المسرد وحبائل الماء الطرد بدت لك وأيم الله أكمل ما تكون أبهة وجلالا وروعة وجمالا وكأن قد أدالها من الخضم الزاخر وأثرها عليه بالعزة والسلطان. لو سمح لي المجال ها هنا لأفعمت كتابا هائلا بوصف ما يعتاد المرء في الرحلة البحرية من سوانح الخيال فإن هذه السوانح لتطرد عندي إطرادا غير منقطع ولكنه قد آن لنا أن نعمد إلى الساحل. وفي ذات صباح وضاء وضاح الجبين نودي من قمة الدقل (البر) ليس يتأتى لغير مجرب مكابد أن يدرك لذة ما ينثال على قلب الأمريكان من معسول الخواطر العذبة وشهي الإحساسات لدى أول رؤيته سواحل أوروبا. فإن مايقترن بهذا الاسم من السوانح والمعاني لجدير أن يملأ كتابا كاملا. هذه هي الأرض الموعودة قد غصت بكل ما كان سمعه السائح الجوال في طفولته وتأمله أثناء دراسته. وما زال ذهني منذ تلك اللحظة لحين وصولنا مثارا للخواطر الجياشة والعواطف المهتاجة. فكان في مشهد المدرعات الحائمة على الساحل كأنها الحرس من المردة وفي رؤوس إيرلندة الممتدة في الخليج وجبال ولز الشامخة فوق مجرى الغمام - مجال المتبصر. ومسرح المتفكر. ولما أصعدنا في (مرسى) استطلعت أنحاء السواحل بالمرقب فقر بعيني منظر الأكواخ الأنيقة الحسنة محلاة الأكتاف ببديع البساتين وخضر الرياض وأبصرت إطلالة دير دارسة مندثرة قد نسجت عليها يد البلى حللا قشيبة من الأعشاب ورأيت مستدق ذؤابه البرج من كنيسة قروية مشرفة من جبهة تل مجاور وهذه كلها من معالم انكلترا الخاصة وآياتها المميزة. كانت حركة المد والجزر إذ ذاك ومهب الريح مؤاتية مساعفة فتسير للسفينة أن تبلغ رصيف المرفأ للتو والساعة. وكان غاصا بالنظارة من اللاهين وبغير هؤلاء من الأحباب الواجدين المتلهفين شوقا إلى لقاء الخلان والأقارب وقد استطعت أن أميز من

стр. 3564

بين هذه الجموع المحتشدة التاجر المعهود إليه أمر السفينة - عرفته بما كان يبدو عليه من القلق وما ارتسم على جبينه من سيما التقدير والمحاسبة وكان واضعا يديه في جبينه يصفر كالمفكر المتروي رائحا غائدا وسط مجال ضيق كان قد أفسحته له المزدحمون احتراما وإعظاما لأهميته المؤقتة. وكان الهتاف والتحيات تتبادل بين الساحل والمركب كلما تعارفت الأصدقاء. وقد بصرت بامرأة فتية بذة الهيئة لكنها مستملحة الملامح والشمائل وكانت مقبلة بوجهها من بين الجموع وقد جالت ببصرها سريعة اللمحات في أنحاء المركب تلتمس من بين ركابها وجها مؤملا محبوبا وكأنما خاب ظنها فاستولى عليها الإشفاق والقلق. وما لبثت أن سمعت صوتا خافتا يناديها باسمها. وقد انبعث هذا الصوت من نوتي مسكين كان قد مرض أثناء الرحلة حتى رحمه كل من في السفينة وكان قرناؤه لما أقبل الصحو فرشوا له وسادة في مكان ظليل من السفينة ثم ألح عليه المرض في أخريات الرحلة حتى ألجأه إلى حجرته وقد قال لعواده أن أقصى مناه أن يبصر زوجته قبل مماته. فحمله أخوانه إلى ظهر المركب لما أصعدنا في النهر فاتكأ على الشراع وقد بدا من هزال وجهه وفرط صفرته وشحوبه ما ليس يستغرب معه إن أخطأته ألحاظ الشغف والولوع من زوجته المشتاقة. ولكنها ما سمعت صوته حتى انثنت ألحاظها نحو وجهه فقرأت على صحيفته لأول وهلة كتابا مستفيضا من الحزن والأسى فضمت يديها وأرسلت صيحة ضعيفة ووقفت تعصر كفيها المضمومتين في وجد صامت. وعم بعد ذلك الهرج والمرج - فتقابل الصاحب وتصافح الأحباب. وتآسى التجار وأرباب الأشغال. ووقفت بينهم فريداً ساكتا لا أجد من ألقاه ولا من يلقاني ويهتف لي ويرحب. ثم نزلت بديار آبائي وأجدادي ولكني وجدتني فيها غريبا. .

стр. 3565

رواية تاجر البندقية تأليف وليم شاكسبير الفصل الثاني المنظر الثاني شارع بفينسيا يدخل لانسيلوت لانسيلوت - حقا إن ضميري لينهاني أن أهرب من هذا اليهودي مولاى ولكن الشيطان يوسوس لي حثا وتحريضا قائلا ليأي جوبو. أي لانسيلوت جوبو. أيها الطيب الكريم لانسيلوت جوبو امتط رجليك وتحفر وفر فرارا ثم يعاودني ضميري بقولهكلا. بل اتئدوترو يا لانسيلوت الصادق الأمين. تبصر وتدبر يا لانسيلوت الأمين الصادق. لا تهرب احتقر الهرب أشد احتقار ثم يراجعني الشيطان الباسل الشجاع فحثني على الرحيل قائلااذهب لا أبالك! حرك عزيمتك وأيقظ همتك واهرب فينثني إلي الضمير مستثيرا بالحض والإغراء عزيمة قلبي مسديا إلي أحكم النصيحة بقولهأي لانسيلوت يا صاحبي الأمين أما أنت سليل رجل ماجد - بل سليل امرأة ماجدة فلا تبرح مكانك ويقول الشيطانابرح مكانك ويعيد الضمير قولتهلا تبرح مكنك فأجيب قائلا أيها الضمير حبذا نصيحتك وأيها الشيطان ما أحسن نصيحتك فإتباعا لضميري يجب علي البقاء مع مولاي اليهودي وهو - حماك الله - صنف من الشياطين. وفي فراري من اليهودي طاعة للشيطان - وقالك الله - إبليس نفسه. ولا مشاحة في أن اليهودي هو إبليس مجسد. وفي اعتقادي وضميري أن ضميري ليقسو علي غلظة وفظاظة إذ ينصح لي بالبقاء مع اليهودي. ولذلك أرى الشيطان أكرم نصحا وأبر إرشادة. فيا أيها الشيطان لأهربن عملا بنصيحتك. فاعلمن أن قدمي رهن إشارتك. نعم سأهرب (يدخل الشيخ جوبو والد لانسيلوت) جوبو - سيدي الشاب. أين بالله منزل السيد اليهودي؟ لانسيلوت (جانبا) يا الله! هذا أبي الذي ولدني ونماني! وأراه للذي به من العمى وما فوق العمى لا يعرفني. سأرهقه تحييرا وتضليلا.

стр. 3566

جوبو - سيدي الشاب أين بالله منزل السيد اليهودي؟ لانسيلوت - عرج يمينا لدى أول منعطف ثم عن يسارك عند تالي منعطف. وعند ثاني منعطف مباشرة لا تعرج لا يمينا ولا يسارا ولكن عرج منحدرا غير مباشر نحو منزل اليهودي. جوبو - وحق أولياء الله القديسين إنها السبيل أشق من أن يهتدى إليها. أتعرف يا فتى هل ذلك الغلام المدعو لانسيلوت القاطن في دار اليهودي لا يزال يقطن هناك؟ لانسيلوت - أتعني السيد الصغير لا نسيلوت (جانبا) الق إلي بالك الآن. لأثيرن اللحظة زوبعة - أتسألني عن السيد الصغير لانسيلوت. جوبو - ليس بسيد وإنما ابن رجل صعلوك فأبوه - وإن كان هذا القول صادر مني - رجل على فرط صعلكته أمين وفي كفاف من العيش. لانسيلوت - دعنا من ذلك وليكن أبوه كما يشاء إنما نتكلم عن السيد الصغير لانسيلوت. جوبو - لانسيلوت فقط وليس كما تقولالسيد لانسيلوت. لانسيلوت - ولكني أرجوك لهذا السبب يا أيها الشيخ - ولهذا السبب أرجوك وأتوسل إليك - فقل لي أتسألني عن السيد الصغير لانسيلوت؟ جوبو - عن لانسيلوت إذا مننت وتفضلت يا سيدي. لانسيلوت - إذن فالسيد لانسيلوت. لا تذكر السيد لانسيلوت يا والدي لأن الفتى بحكم الأقدار والأقضية وما لا تزال تلوكه أفواه المتشاعرين من أمثال قولهم (الأخوات الثلاثة: ملائكة القدر - قد قضى نحبه أو كما تقول أنت باللغة البسيطة قد مات). جوبو - لا قدر الله. لقد كان الغلام عماد هرمي ودعامة شيخوختي. لانسيلوت - (على حدة). أفي هيئتي ما يشبه القضيب أو العمود أو العصا أو الدعامة؟ أتعرفني يا والدي؟ جوبو - واأسفاه. أنا لا أعرفك أيها الشاب ولكن ألا تخبرني عن بني - أراح الله قلبك - أميت هو أم حي؟ لانسيلوت - ألا تعرفني يا والدي. جوبو - واأسفاه يا سيدي. إني لأوشك أن أكون أعمى. كلا لا أعرفك.

стр. 3567

لانسيلوت - بل لو بقي لك بصرك لأوشكت أن لا تعرفني أيضا. فرحم الله امء عرف ولده وفلذة كبده. مهلا يا والدي سأنبئك الأنباء عن نجلك. باركني (يركع موليا الرجل ظهره) لابد أن يبرح الخفاء ولا يلبث المحجوب طويلا حتى يظهر. وقد يطول احتجاب الولد عن أبيه ولكن لا بد أن تظهر الحقيقة في النهاية. جوبو - انهض بالله يا سيدي أنا على يقين من أنك لست ابني لانسيلوت. لانسيلوت - بالله عليك ألا ما تركت هذا الحمق والعبث - ثم باركتني. فأنا غلامك سالفا ونجلك حاضرا ووليدك مستقبلا. جوبو - ما أحسب أنك ولدي. لانسيلوت - لا أدري كيف أفهم ذلك ولكني لانسيلوت غلام اليهودي وأعلم يقينا أن زوجتك مارغريت أمي. جوبو - اسمها حقا مارغريت. أقسم لو كنت لانسيلوت لكنت إذن دمي ولحمي. لله مزيد الحمد والثناء! ما أعظم لحيتك! لذقنك والله أكثف شعرا من ذيل حصاني دوبين. لانسيلوت - (ينهض) يظهر إذن أن ذيل دوبين ينمو إلى الوراء. أنا واثق أن ذيله كان أغزر شعرا من وجهي حين آخر عهدي به. جوبوـ يا الله! شد ما تغيرت! كيف حالك مع سيدك؟ لقد جئته بهدية على أية حال من الوفاق أنتما؟ لانسيلوت - بخير. يخير. ولكني إذ كنت قد أقلقت راحتي ابتغاء الفرار فلن أخلد إلى راحتي قد جريت شأوا. إلاأن مولاي يهودي عريق في اليهودية. تقدم إليه هدي! بل قدم إليه حبلا ليشنق نفسه. لقد هلكت جوعا في خدمته حتى لتستطيع أن تعد أضلاعي. لقد سرني قدومك يا أبتاه. هبني هديتك أقدمها إلى سيد يدعى باسانيو لا يزال يمنح الخلع الجديدة النادرة. فإذا لم أوفق إلى الالتحاق بنفره وخدامه فلأذهبن في فضاء الله إلى آخر الدنيا. يا لحسن الحظ لقد جاء الرجل. هلم إليه يا أبت. لفئن أقمت في خدمة اليهودي بعد الآن لحظة لأكونن يهوديا مثله. (يدخل باسانيو مع ليوناردو) وأتباع آخرون

стр. 3568

باسانيو - لك أن تفعل ذلك. وإنما يكون ذلك ممن السرعة بحيث تستطيع أن تهيأ العشاء الساعة الخامسة على الأكثر. ثم ابعث بهذه الرسالة وجهز الأكسية. وسل جراشيانو أن يوافيني في منزلي. (يخرج أحد الخدم) لانسيلوت - إليه يا أبي. جوبوـ بارك الله فيك يا مولاي! باسانيوـ شكرا لك. ألك إلي من حاجة أقضيها؟ جوبوـ هاك ابني يا موي صبي مسكين - لانسيلوت - لست بصبي مسكين يا مولاي ولكني غلامي اليهودي الغني. وأود يا سيدي كما سيخبرك أبي ـ جوبوـ إنه له يا مولاي لشغف شديدا بالخول في خدمة - لانسيلوت - قصارى الأمر هو أني في خدمة اليهودي وأني راغب كما سينبئك أبي - جوبو - إنه أصلح الله مولاي ليس على تمام وفاق مع سيده - لانسيلوت - قصارى الأمر ولباب الحقيقة هو أنه لما كان اليهودي قد ضامني واهتضمني فلقد حملني بعمله هذا كما سينبئك أبي الذي يدفعه إلى إنبائك بذلك كونه شيخا هرما كما أود - جوبوـ ومعي ها هنا صحن حمام أحب أن أهديه إلى جنابك وبغيتي لديك هي لانسيلوت - خلاصة القول أن هذه البغية لا شأن لي بها كما ستعلم من هذا الشيخ الهرم الأمين. وهو وإن صرحت بذلك وبالرغم من كونه شيخا هرما - رجل مسكين والدي هذا - باسانيوـ يتكلم واحدا منكما عن كليكما: ماذا تريدان؟ لانسيلوت - أن اكون خادما لك يا مولاي. جوبو - هذه آفة الأمر يا سيدي. باسانيو - إني أعرفك جيدا. لقد أدركت حاجتك. فلقد كلمني سيدي شيلوك في شأنك اليوم فاستصوب لك أن تلحق في خدمتي - إن صح أن يعود استصوابا انصرافك عن خدمة

стр. 3569

يهودي غني إلى خدمة فقير مثلي. لانسيلوت - أرى المثل القديم قد صح انقسامه قسمة عادلة بين سيدي شيلوك وبينك يل مولاي. فقد استأثرت من دونه برضوان الله وذهب هو بالثراء. باسانيو - لقد أعربت وأفصحت. اذهب بغلامك يا والدي. استأذن سيدك القديم ثم استدل على منزلي. (يخاطب أتباعه). أعطوه كسوة بهى وشيا وأبهج طرازا من أكيسة زملائه. وأنجزوا هذا الأمر عاجلا. لانسيلوت - هلم يا أبي. أنا لا أستطيع أن أحصل على خدمة لي بنفسي لما يعتري لساني من الحصر والحبسة عند محاولة الطلب (ينظر في كفه على سبيل التكهن والعرافة) لو كان في إقليم إيطاليا برمته رجل يستطيع أن يمد - ساعة حلفه اليمين - راح أيمن أسرة من راحتي إذن فقتلني الله. هذا خط الحياة وهذا يدل على بضع من الزوجات؟ إن خمس عشرة امرأة لمقدار حقير جدا لا يكاد يذكر. وإن إحدى عشرة أرملة وتسع أبكار لنصيب الخسيس لرجل واحد وأرى أيضاً أني سأنجو من الغرق ثلاثا. وأن حياتي سيهددها الخطر من حرف ريشة من ريش الفراش. وهذا الخط يدل على انفراج أزمات بسيطة. لو كان الحظ أنثى لم تكن إلا امرأة سمحة كريمة في هذه المرة سأستقيل من خدمة اليهودي في أسرع من لمح البصر. (ينصرفان لانسيلوت وجوبو) باسانيو - أرجوك يا ليوناردو أن تباشر هذا الأمر بحكمة وأناة. فمتى تم شراء هذه الأشياء وضعها في المركب عد إلي مسرعا لأني سآدب الليلة صفوة إخواني للعشاء. امض الآن قدما. ليوناردو - سأعير هذا الأمر جل عنايتي ومجهودي. يدخل جراشيانو جراشيانو - أين مولاك؟ ليوناردو - إنه يسعى هنالك يا سيدي. (يخرج) جراشيانو - أيها السنيور باسانيو! باسانيو - جراشيانو! جراشيانو - لي إليك حاجة.

стр. 3570

باسانيو - لقد نلتها. جراشيانو - لا ترفض طلبي. إني أريد أن أرافقك إلى بلدة بلمون. باسانيو - فلترافقني إذن. ولكن اسمع مني يا جراشيانو. إنك رجل نزق سليط جهير الصوت. وهي صفات تلاءم طبيعتك وتوافق مذهبك وطريقتك ولا تعد في نظرنا نحن معشر إخوانك وخلانك عيوبا ولا نقائص. ولكن من لا يعرفونك قد يرون فيها ما ينافي الوقار والحشمة. فناشدتك الله ألا ما لطفت من حدة روحك الوثابة المتوقدة بمزاج من الحشمة والتؤدة لئلا يكون من نزقاتك ونزواتك ما يعرضني لسوء الظن في المكان الذي أنا قاصده فتخيب آمالي. جراشيانو - اصغ أيها السنيور باسانيو. إذا أنا لم أستشعر الوقار وأنطق عن رؤية وتبصر وعن حذر وتحرز ولا أغلط القول إلا في الأحايين القليلة - وفوق ذلك إذن أنا لم استرعيني بقلنسوتي لدن يتلى دعاء المادة ولم أقل آمين متنهدا وإذا أنا لم أراع آداب المجاملة والحفاوة كمن قد مرن على الرزانة وريض على الحشمة كيما يرضي ولي أمره - فلن تثق بي بعدها. باسانيو - سنرى كيف يكون سلوكك. جراشيانو - ولكني سأشرب الليلة فلا تحكمن علي بما سيكون منا الليلة. باسانيو - كلا فلو فعلت لظلمتك. بل إني أسألك أن تلبس أجهر حلل المراح هذه الليلة لأن لدينا إخوانا يريدون أن يمرحوا ولكن سلام عليك الآن. فلدي ما يشغلني من العمل. جراشيانو - وأنا ذاهب أيضاً إلى لورنزو وسائر الزمرة. ولكنا آتوك ساعة العشاء. المنظر الثالث فينيسيا - غرفة في بيت شيلوك تدخل ياسيكا ولانسلوت ياسيكا - يسوءني أن تبرح دار أبي على هذه الصورة. إلا أن دارنا هذه هي الجحيم وأنت فيها شيطان مروح تخفف من بلاءها وتهون من شقاءها. ولكن اذهب صحبتك السلامة. هذه دوكة لك خذها. واعلم يا لانسلوت إنك ملاق في دار مولاك الجديد على مائدة العشاء فتى يدعى لورنزو أحد أضيافه اليلة أعطه هذه الرسالة ولكن في خفية وتستر والآن واعا.

стр. 3571

فلست أحب أن يراني أبي في حديث معك. لانسلوت - وداعا! أن الدموع لتحبس لساني وتعوق بياني. يا أجمل كافرة وأملح يهودية. إذا أنت لم تمني بنصراني ينصب لك أشراك الإغراء وشباك الإغواء حتى تقعي في فخه وتنشبي في حبالته فما أنا بالصائب الظن الصادق الفراسة. ولكن وداعا إن هذه القطرات السفيهة لتفل من حد عزيمتي. وداعا. ياسيكا - وداعا أيها الطيب الكريم لانسلوت. (ينصرف لانسلوت) واأسفا! ما أفظع خطيئتي وأشنع زلتي إذ أخجل أن أكون ابنة أبي. على أني أكن ابنته تناسلا فلست ابنته شيما وخلقا، إي لورنزو لئن أنجزت لي وعدك لحسمت هذا النزاع باعتناقي المسيحية ثم أكون لك زوجة حبيبة. (نصرف) المنظر الرابع (يدخل جراشيانو ولورنزو وسالارينو وسالانيو) لورنزو - سوف ننسل من دار باسانيو ساعة العشاء فنلبس ثياب التنكر في منزلي ثم نعود ميعا في ظرف ساعة. جراشيانو - إنا لم نأخذ للأمر تمام عدته. سالارينو - ولم نتفق بعد مع حملة المشاعل. سالانيو - ما أقبح هذا الأمر إذ لم تراع فيه أبدع أساليب التنسيق والتنظيم فأولى لنا أن ندعه. لورنزو - الساعة الآن الرابعة. فأمامنا ساعتان للتجهيز والتهيئة. (يدخل لانسلوت حاملا رسالة) أي صاحبي لانسلوت. ما نبأك؟ لانسلوت - إذا تكرمت بفضل هذه الرسالة فلعلك واجدا فيها فائدة. لورنزو - إني أعرف اليد التي رقمتها وسطرتها. حقا إنها ليد مليحة أنصع بياضا من الطرس الذي جالت فوقه.

стр. 3572

جراشيانو - أنباء غرامية بلا شك. لانسلوت - اسمح لي بالانصراف يا سيدي. لورنزو - أين تريد أن تذهب؟ لانسلوت - إلى اليهودي سيدي القديم لأسأله أن يذهب لتناول العشاء مع النصراني سيدي الجديد. لورنزو - ق. خذ هذا (يناوله نقودا) خبر الحسناء ياسيكا أني لن أخذلها ولن أخفر لها عهدا ولا انقض وعدا. ولكن حدثها بذلك في خفية. اذهب (يخرج لانسلوت) أيها السادة أتتأهبون لهذا المقصف الليلة؟ لقد هيأت لنفسي حاملا للمشعل. سالارينو - أجل سأنبري في اتخاذ الأهبة من اللحظة. سالانيو - وسأحذو حذوه. لورنزو - قابلاني وجراشيانو في منزل جراشيانو بعد ساعة. سالارينو - سنفعل. (ينصرف سالارينو وسالانيو) جراشيانوـ ألم تك هذه الرسالة من الحسناء ياسيكا؟ لورنزو - لا مندوحة لي عن الإفضاء إليك بجملة الأمر لقد أوضحت لي الطريق إلى اختطافها من بيت أبيها وبينت لي ما قد تزودت به من خزائن أبيها من ذهب وجواهر وأنها قد أعدت حلة مكن حلل الغلامان لتخرج فيها متنكرة. فإذا قدر لليهودي أن يفضي بأية حال إلى رحمة الله فلن يكون ذلك إللا من أجل فتاته الحسناء. وما أحسب أن الشقاء يجرؤ أن يعترض سبيل الفتاة إلا محتجا بأنها سليلة يهودي كافر. هلم بنا واقرأ هذا أثناء سيرك تعرف منه أن ياسيكا الحسناء ستكون الليلة حامل مشعلي. (ينصرفان)

стр. 3573

بطل مصر العظيم سعد زغلول لمناسبة أوبة معاليه من رحلته النبيلة المباركة طالع السعد يقدم الآمال ... فاستبينوه كوكبا يتلالا دار في دورة مع الفلك الأع ... لى وصالت به الحظوظ وصالا ورمى للمنة وهن بطاء ... فانتاحهن فابتدرن عجالا رجل تحسب العناصر فيه ... عنصراً عنصراً وحالا فحالا فيه معنى تراه حيث ترى البح ... ر وتلقاه حيث تلقى الجبال رجل في صحيفة الحق منه ... وجهة مصر للزمان سؤالا رجل في فم الحقيقة منه ... وضعت مصر مقولا جوالا رجل في يديه يستمسك التاري ... خ يبغى على يديه انتقالا رجل غير أن معناه أمر ... نازل من سما الإله تعالى قد رأته النجوم يهبط مصراً ... ورأت مصر تنهض استقبالا فتنادت وراعها البطل الأر ... وع يعتز هيبة وجلالا إن بين الرجالا قوماً نجوماً ... ليتبين النجوم منهم رجالا أي قلب ترى بجنبك يا سع ... د به الله روع الأبطالا فيه نور الهدى وفي كل قلب ... منه حب والنور يقلى ظلالا لا أراه يمل بل هو عزم ... جد حتى أمل منك الملالا إن قلب الحكيم روح مع الرو ... إذا أمست الحياة قتالا والعظيم امرؤ يفصل تفصي ... لا ويحويه قلبه إجمالا أنت يا سعد حجة النيل إن قي ... ل ضعاف أو قيل قوم كسالا ثرت في الحق لا تخاف ولا الح ... ق وأقبلت تحطم الأغلالا واستطرت استطارت البرق لماحاً ... لم يزل في سمائه يتوالى شعل من فؤادك الحر صارت ... حجج في أكفنا ونصالا قيل مصر وجوها وبنوها ... كل هذه السهول. . سهل منالا

стр. 3574

لا تغرنكم طبيعة فيما ... جعلت من سلاحه الاعتدالا يربض الليث وادعا وهو اللي ... ث ويضنى الدؤوب هدى النمالا وترى الأرض تقشعر دبيبا ... ويرينا دبيبها الزلزالا والقوى في الوجود أقوى إذا ما ... نوعت ا، تعددت أشكالا قدرة الله لم تهب مصر بركا ... ناً وأعطت من مثل سعد رجالا ما على مصر في الزمان محال ... إن آثاره كذبن المحال هرماها تجاورا واستقاما ... ليقولا للمستحيلات (لا لا) أول الدهر دهر مصر وما زا ... ل وزالت وهكذا لن يزالا كم أتوها ليهدموا فبنوها ... كالذي شذب النبات فطالا لن يدير الأقدار يوماً يميناً ... من إدارته في يديها شمالا يا بني مصر إنما هي مصر ... فصيالا حول العرين ضيالا إن خوف الأهوال أكبر هول ... عند من كان يطلب الأهوالا كل شعب صاغ الشباب مفاتي ... ح رمى عن بلاده الأقفالا سألونا عن آية فنريهم ... إننا نستحق الاستقلالا آية لا يطاق فيها جدال ... إننا لا نطيق فيه جدالا

стр. 3575

الثورة الهندية - ١ - تمهيد لعل ما يستثير الدهشة أن المستر أرثر جريفث مؤسس الشين فين اتخذ في أول الأمر من برنامج المقاطعة الذي ابتكره غاندي مثالا يحتذى، ذلك لأن القوم عندنا قريب عهدهم بالنظر في التمرد الهندي على أن الواقع أن هذه الحركة بعيدة الأمد فقد انعقد في سنة ١٩٠٦ مؤتمر هندي عام قرر الموافقة على برنامج المقاطعة الذي كان أقره مؤتمر تقدمه. وبودنا أن يفطن القارئ إلى أن فكرة المقاطعة سلبية إيجابية معا فهي سلبية من ناحية علاقة الهند بإنجلترا وإيجابية من ناحية المصلحة الهندية البحتة ومعنى ذلك أن المقاطعة ليست سياسية فحسب بل هي محاولة جدية قصد إعادة تشييد أمة وببارة أوضح هي سياسة بناء في صميمها ولبها أكثر مما هي سياسة انفصال. يقول أرثر جريفث: أن أساس سياسة الشين فين هي اعتماد الوطن على نفسه. وليس هناك قانون أو سلسلة من القوانين في مقدورها تكوين أمة من شعب لا يثق بنفسه. ويقول غاندي: إن حركتنا قوامها الاعتماد على النفس، ولا بد لنا من أن نكشف كل يوم عن مواطن الضعف من أنفسنا لنصلح منها الفاسد السقيم، هذا إلى أن احتمال الأمة العذاب هو مقياس يعرف به درجة تقدمها في سبيل الحرية: إني أقول مع الكاردينال فيومن: لست أحاول استطلاع حالات مجهولة لم نوجد بعد فيها إن الخطوة التي خطوتها في جعل الاستقلال دينا كافيا لنيله إن من الفرائض على كل رجل يؤمن بالله ويخشاه أن يقوم بواجبه. نحن لا ننتظر نتيجة عاجلة، فمن آمن بالله ووبأنه يريد الخير لعباده أيقن بحسن العاقبة وتلك هي فكرة جيتا في العمل لذات العمل تاركا الأمر لله يدبر المستقبل وهو على كل شيء قدير يتبع المؤمن الحق ولو لاقى في سبيله الموت، ويفضل الاستشهاد على العيش في ظل الشيطان ويشيح بوجهه عن الحكومة ويطوي عنها كشحه فهي من أعمال الشيطان. ومن أوجب الواجبات الانفصال عنها وعدم التعويل عليها.
следующие страницы →