Полный текст (3 596 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وقال المتنبي وقد خرج إلى غير المقصد الذي قصدوه فأغرب وصار كأنه المبتدع لهذا المعنى:
وذي لجب لاذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم
تمر عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم
فأما كون الناس ليسوا كلهم أدباء فلا ينبغي أن نكلفهم فهم مالا يعرفون فصحيح ولكن الذنب في ذلك ليس للكاتب الذي يصور ما يتمثل له من الخواطر على الأسلوب العربي الصحيح بل للذين لا يعلمون النشء علوم اللسان ويقفونهم على أخبار العرب ويروونهم أشعارها وأمثالها وللذين لو شاؤا لمهروا فيها وملكوا عنانها وتوسطوا باحتها. (متلو)
стр. 387
العدد ٧ - بتاريخ: ١٦ - ٤ - ١٩١٢
стр. 388
الرأي العامي في العربية الفصحى
هذا مذهب من الكلام في اللغة كثيراً ما يشتبه فيه اليقين حتى لا يُنفذ إلى تمحيصه، ويلتوي الظن حتى لا يطاق على تخليصه، وأنت فكيف مددت عينك في هذا الجيل فلست آمناً أن تقع من نشئه الذين يطمحون إلى مشيخة الكتب. . . على كل ضيق المجم، ضئيل الهم، ألفّ اللسان، ملتف البيان، وهو مع ذلك يُسمّع بالفصاحة والفصحاء، ويستطيل في البلاغة والبلغاء، ويبسط في هذا الرهان. من جلده علي هزاله، ويفسح في هذا الميدان. من خطوه علي كلاله، ومهما أخطأك فيما يَعمى عليك من حقيقة أمره، ويكاتم مهب ريحك من دخانه وجمره، فلا يخطئك أن تستبين منه رأياً كأنه في رأسه نزوة ألم، وعقلاً مدنفاً لو هو مات لما قطرت له دمعة من قلم.
ومن آفة الجهل أنه على استواء واحد في نظر أهله على ما يتحرون بزعمهم من النصفة والمعدلة فلو تدسس أحدهم إلي كل مكروه وأصعد في كل بلاء لكان بعض ذلك كبعضه سواء في بادي الرأي وعند تقليب النظر لا بدرك فرق ما بين درجاته، ولا فصل ما بين صفاته، حتى إذا ضرب كل سبب في غايته، واتصل كل مبدئ بنهايته، ووقعت الواقعة بركن أمة كان قائماً وتعثرت المصيبة بشعب كان متقدماً، عرف ذلك الجاهل من مقدار الرزيئة مقدار جهله وعلم حينئذ أنه كان يملك من الكف عن هذا البلاء مثل الذي ملك من التسبب له وأسَفَّ من ذلك ولكن بعد أن يكون السهم قد مرق والأمر قد مضى وبعد أن لا يكون قد أفاد من الجناية إلا معرفته كيف جناها فكأن المصيبة على هولها إنما حلت لتفهمه أنه جاهل وما أعزها كلمة لا تفهم إلا من مصيبة.
وليس ينفك الجاهل بالشيء إذا رأى فيه رأياً من خصال: فأما واحدة فاقتضابه الرأي لا يغبه للخبرة ولا يبلوه بالتثبيت ولا يكاد يرى فيه مذهباً لتقليب النظر فما هو إلا أن ينزو في رأسه نزوة أو نزوتين حتى يكون قد وزنه ورازه وعرف مقداره صواباً من خطأ وخطأ من صواب فيصدره على أنه مما أنبطه الزمن من قليب قلبه وافتكَّهُ من عقال عقله وعلى أنه الحق لا مراء فيه وعسى أن لا نجد في باب المراء مثلاً أدل منه على الرأي القائل كيف يهلك أو يفيل.
وأما الثانية فتزين ذلك الرأي له على فسولته وضؤلته حتى يدفع عنه كل الدفع ويحوطه بكل حجة ملجلجة وحتى يرى أن الكد في ذلك هو يثبته وأن الثبات على الكد هو يحققه فلا
стр. 389
يزال يخور بمقدار ما يشتد في أمره ثم لا يصيب من وجه الأمر إلا ما يضل في مجاهله فيكون قد تأتي من سبيل الثقة إلى الغرور ومن سبيل الغرور إلى الباطل وكبر ذلك مقتاً وساء سبيلا.
وأما الأخرى من تلك الخصال فأن الرأي متى تماسك بما يجم حوله ويلتقي إليه ويستمر عليه من الخواطر فأنه سيكون منه عقد (اعتقاد) يخرج عن أن يكون رأياً موضوعاً، إلى أن يصير وحياً مرفوعاً، ويكبر عن أن يكون مضطرباً في العقل بين الحجج والبراهين، فينحدر إلى القلب عند مستقر العاطفة والدين، ثم لا يكون من هذا إلا ما تراه في كل جاهل من الرأي يصدره شرعاً معصوماً لا يزيغ عنه الزائغ إلا بخذلان من الله. . . فأن هو لم يتبع عليه ولم يتشيع له فيه أحد كان هذا الجاهل نبي نفسه لا يبالي ما ترك الناس مما اتبع ولا ما اتبعوا مما ترك.
وتلك خصال في نسق واحد وعلى نظم مطرد لا هوادة بين أولها وآخرها فهي وإن تعددت إلا أنها كما يتعدد الموج تنتصب منه أشباه الجبال ثم لا يستند منها الغريق إلا إلى الماء الذي يغرق فيه وهذا تفسير القول إن الجهل على استواء واحد في نظر أهله.
لا جرم كان العنت كل العنت والبلاء كل البلاء أن تفهم من لم يستجمع أداة الفهم لما تلقى إليه وأن تناظر صاحب الرأي وليس له مما قبلك ألا أنه يرى وألا أنك تدفع فإن الحجة في مثل هذا وإن وضحت واستبانت بيد أنها لا تصيب من غرض يستهدف لها وإنما تستعرض ما يستعرض السهم من الهواء يمر فيه منطلقاً لا يلتوي فمهما نلت من ذلك لا تنال سبباً إلى الإقناع وليس لك بعد إلا أن تطيب نفساً عن نتيجة أنت فرغت من مقدماتها، وترتد عن غاية كنت في ظل قصباتها، لأن الحجج لا تنتهي إلى الحق إلا إذا كانت متكافئة فهي تختلف متدابرة ولكنها متى تواجهت وأخذت كل حجة برقبة الأخرى فاختصمت ثم ارتفعت إلى العقل قضى بينها وكشف القناع عن وجه الإقناع. أما الحجة الواهية التي لا يسد منها علم ولا تنهض في جانب اطلاع فهذه تظل مدبرة وإنما قوتها في إدبارها ولياذها بكل منطلق فأنت تجد في كل الناس إلا في صاحبها مقنعاً ومعدلاً وما أن تزال معه في إدبار ثم لا تزال مقبلاً منه على مدبر عنك حتى تنكص عنه غالباً كمغلوب، وتنقلب طالباً كمطلوب. وأنا لا أدري ولا جرم ما الذي زيَّنَ لفلان من الناس أن يكون صاحب رأي في
стр. 390
العربية وآدابها وأن يتمحل لرأيه ويشتد للنضال عنه ولا يعدو بالخصومة فيه من لا يقاره عليه أذلك حين بذلت له اللغة مقادتها أم حين حجمت عنه وحين استطاع له علمه أم حين طوع له وهمه، وما فلان هذا والعربية وآدابها والمراء في كل ذلك وهو بعد في حاجة من هذا العلم إلى استئناف الطفولة كرة أخرى. . . أئن التوي عليه أمر اللغة منذ دراسه فيها طلبة يسمونهم من فلم يفيدوه من المعرفة حتى ولا معرفة كيف يعلم نفسه. . . رمى هذه اللغة بالنقص وجعل الكمال لله ثم له فأراد أن يحيلها عن وضع انحرف به حَوَل عينه ويخرجها من حيز لم ينله ضيق ذرعه فذهب في طنطنته الضئيلة كل مذهب وافترش لسانه البكئ كل مفترش وهل اللغة إلا علم بعد أن انتقضت فينا الفطرة واختبلت الألسنة وهل يناظر في كل علم إلا أهله. ولم لا ينصب هذا وأمثاله لمن يقدم على أداة من الآلات البخارية فيقول له لو كانت هذه القطعة مكان تلك ولو كان هذا التركيب القبيح أجمل مما هو ولو أخرت أو قدمت ولو زدت أو أقللت ولو نقضت أو أقمت ولو فعلت وفعلت! وليت شعري ما يكون أمره وأمر صاحبه ذاك وكيف يراه ويرى فيه من لسن كله وعلم كله جهل؟ ألم يأن أن يعلم هؤلاء أن من الرأي غررا وأن راكب الخطر من ذلك إنما يركب رأسه وأن في الصمت زاوية مظلمة باردة تسمى قبر المخزيات ولو عرف الجاهل معنى المخزية. . .!
إن العجز مطواع وأن ما يعي أهل الحزم يهم به العاجز ويراه سهلاً لأن ذلك هو الذي يحقق معنى عجزه وما زال من يعجز عن الكتابة هو الذي يريد أن يصلح لغتها وأساليبها ومن يعجز عن الشعر هو الذي يضطلع بتخفيف أوزانه وتجفيف بحوره وهلم إلي أن تستوعب الباب كله فقد قالوا أننا نخاطب الدهماء والأجلاف ومن يُسف إلى منازلهم بكلام أهل نجد وألفاظ أهل السَّراة ونتوهم من سبل الحاضرة بوادي قيس وتميم وأسد وبالجملة فنحن نضرب في حدود الفوضى التي لا مخرج منها ولا وجه فيها وفي ذلك مضرة على الأمة وفساد كبير.
قالوا هذا وما يجري مجراه ولم يستحوا أن يصدعوا به وهم يرون إلى جانبهم من المستشرقين أعاجم قد فصحوا وأقبلوا على آدبنا وتاريخنا فوسعوها بما اتسع لهم من العلم وأحاطوا بها على ما أطاقوا بل كادوا يكونون أحق بها وأهلها ولقد كانوا في غنى عن كل
стр. 391
ذلك بلغاتهم وآدابهم وما أفاء الله عليهم ومكن لهم فيه. ثم لم يشفقوا أن يبتلوا تاريخهم بالعقوق وهو الثكل الذي لا عزاء معه فأرادونا على أن نخلع بأنفسنا عن هذا التاريخ لا نعطيه طاعة، ولا نبايع له منا عن جماعة، ثم نكون كزنوج إفريقيا إذا غابت عنهم الشمس غاب عنهم التاريخ وإذا طلعت عليهم استأنفوا تاريخاً جديداً. أليسوا ينقمون منا أننا نشد أيدينا على لغة ليست لنا فلم لا ينقمون أننا نصرف وجوهنا إلى قبلة ليست في أرضنا؟ ثم يقولون أنهم يهجنون التصرف في اللغة وإرسال الألفاظ والأساليب على وجوهها العربية ويريدون أن يزيلوا التدبير في هذه الصناعة عن هذا الوجه لأنهم لا يحسنونه.
ولا ينفذون فيه إذا تعاطوه ويريدون فوق ذلك أن يطرحوا عنا كدَّ الصناعة لتكون من عجائبنا صناعة بلا كد.
ولعمري كيف يؤاتيهم هذا الأمر أو يستوسق لهم إلا إذا قلبوا أوضاع الكلام وزايلوا بين أوصاله وذهبوا فيه مذهب الترقيع في الخلق بالجديد وفي الجديد بالخلق.
لقد أهملنا اللغة ثم أهملناها حتى صارت معنا إلى حال من الجفوة جعلتها كالواغلة علينا والغريبة عنا وجعلتنا من نقص فهمنا فيها بحيث نضطر إلى التماس شيء غيرها نفهمه فصار إصلاح اللغة كأنه دُربة لإفسادنا وإفسادها فيما نتوهم دُربة لإصلاحنا وإنما هما خطتان لا تفضي كلتاهما إلى شر من أختها مبدأ أو منقلباً وأن أقبح ما ترى في شيئين أن يكون أحسن الرأي تركهما جميعاً.
زعموا أنهم يريدون أن تسهل الألفاظ وتنكشف المعاني وتكون الكتابة في استوائها وجمالها كصفحة السماء فهل البلاغة العربية إلا تلك وهل هذا أمر غير عربي؟ بلى وهل يعرفون أصلحهم الله أن الطفل يرى كل ما يدور في مسمعه من ألفاظ والديه كأنه إنما يتفق لهما اغتصاباً واعتسافاً واستكراهاً إذ لا يفهم من كل ذلك شيئاً إلا بمقدار ما يعتاد وعلى حسب ما تبلغ حاجته.
فلم لا يكون الرأي أن ينزل الآباء إلى لغات أطفالهم ويقتصر هذا المنطق الإنساني على المترادف والمتوارد من أسماء الألعاب الصبيانية وما يلتحق بها؟
ثم ما هو حكم العامي - وهو في كل أمة الطفل العلمي - بجانب أهل العلوم أتراه يلقف عنهم إلا بميزان تلك الغريزة الفطرية في الطفل الصغير مع أبويه فلم لا تمحي العلوم
стр. 392
وألفاظها ومصطلحاتها وأساليب التعبير عنها ونحو ذلك مما تتراخى به شقة الفهم إذا تعاطاه ذلك العاميّ أو حاوله ويكون سداد العلماء فيما تطيقه العامة وسداد العامة فيما يطيقه الأطفال. . .؟ وأنت إذا تخطيت أمر الطفل اللغوي والطفل العلمي وأسندت في حدّ هذه الطفولة لم تر إلا طراز أصحابنا وهم أطفال الأقلام فهل يكبر عليهم أن يكبروا ويشتدوا وأن يساوقوا الفطرة في مجراها فيأخذوا الشيء بأسبابه، ويأتوا الأمر من بابه ويدعوا الأمر حتى يكونوا من أربابه؟ يصدرون رأيهم على جهل فإذا كشفت لهم معناه وبصرتهم بمصايره ووقفت بهم على حدوده وأريتهم وجوههم في مرآة النصيحة أنكروا ما جئت به وحسبوك تفتري الكذب وأصروا واستكبروا استكباراً لأن رأس علمهم أن يظنوا لا أن يحققوا ما يظنون فالرأي هو الرأي في ذاته لا ما يتعلق به ولا ما يتأدَّى إليه.
اللغة مظهر من مظاهر التاريخ والتاريخ صفة الأمة والأمة تكاد تكون صفة لغتها لأنها حاجتها الطبيعية التي لا تنفك عنها ولا قوام لها بغيرها فكيفما قلبت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها واشتمالها جلدَة أمة أخرى فلو بقي للمصريين شيء متميز من نسب الفراعنة لبقيت لهم جملة مستعملة من اللغة الهروغليفية ولو انتزت بهم أمة أخرى غير الأمة العربية لهجروا العربية لا محالة وكذلك يتوجه هذا القياس طرداً وعكساً كما ترى وأن في العربية سراً خالداً ذا الكتاب المبين (القرآن) الذي يجب أن يؤدى على وجه العربي الصريح ويحكم منطقاً وإعراباً بحيث يكون الإخلال بمخرج الحرف الواحد منه كالزيغ بالكلمة عن وجهها وبالجملة عن مؤداها وبحيث يستوي فيه اللحن الخفي واللحن الظاهر. ثم هذا المعنى الإسلامي (الدين) المبني على الغلبة والمعقود على أنقاض الأمم والقيم على الفطرة الإنسانية حيث توزعت وأين استقرت فالأمر أكبر من أن تؤثر فيه سورة حمق أو تأخذ منه كلمة جهل وأعضل من أن يزيله قلم كاتب ولو تناهت به سن الدهر حتى يلقى من الأمة أربعة عشر جيلاً كالتي مرت منذ التاريخ الإسلامي إلى اليوم.
والقرآن الكريم ليس كتاباً يجمع بين دفتيه ما يجمعه كتاب أو كتب فحسب إذ لو كان هذا أكبر أمره لتحللت عقده وإن كانت وثيقه عليه الزمان أو بالأحرى لنفّس من أمره شيء كثير من الأمم ولاستبان فيه مساغ للتحريف والتبديل من غال أو مبطل ولكانت عربيته
стр. 393
الصريحة الخالصة عذراً للعوام والمستعجمين في إحالته إلى أوضاعهم إذا ثابت لهم قدرة على ذلك ولو فعلوه لما كان بدعاً من الرأي ولا مستنكراً في قياس أصحابنا. . . لأنهم لم يعدوا منفعة طلبوها من سبيلها، وخطة انتهجوها بدليلها.
وليس يقول بهذا إلا ظنين قد انطوي صدره على غل واجتمع قلبه على دخلة مكروهة وإلا جاهل من طراز أولئك لا يستطيل نظره بتجربة ولا ينفذ بعلم وإنما هو آخذ بذنب الرأي لا يوجهه ولكن يتوجه معه ولا يقبل به ولكن يدبر به الرأي.
إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية فلا يزال أهله مستعربين به متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكماً حتى يتأذن الله بانقراض الخلق وطي هذا البسيط. ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس وردهم إليها وأوجبها عليهم لما أطرد التاريخ الإسلامي ولا تراخت به الأيام إلى ما شاء الله ولما تماسكت أجزاء هذه الأمة ولا استقلت بها الوحدة الإسلامية ثم لتلاحمت أسباب كثيرة بالمسلمين ونضب ما بينهم فلم يبق إلا أن تستلحقهم الشعوب وتستلحمهم الأمم على وجه من الجنسية الطبيعية - لا السياسية - فلا تتبين من آثارهم بعد ذلك إلا ما يثبت من طريق الماء إذا انساب الجدول في المحيط.
إنما الله علينا بلاء فتياننا لأنهم ينشؤن في أرضنا نشأة المستعبد الرقيق وأنّ غنما لهم أن نحرص على ما بقي من جنسيتنا العربية وأن نشعب لحفظ الصلة وتوثيق تلك العقدة بيننا وبين أسلافنا ونمد من ذلك سبباً إلى حاضرنا ثم إلى مستقبلنا فلا يكون في تاريخنا اقتضاب ولا بتر ولكيلا نكون على ديننا ولغتنا ما كان أولئك إلا وشاب والزعانف من الترك والديلم إلى غيرهما من أصناف تلك الحمراء التي اجتاحت العرب منذ الدولة العباسية ورتعت في أمور الناس وجعلت بأسهم بينهم لعلة المباينة في الجنسية اللغوية حتى لم يكن في ثمانمائة سنة من استبدادهم ما يعدل ثمانين سنة كانت منذ أول العهد بالإسلام ولكن أني لفتياننا ذلك وهم لا يأخذون من لغتهم ولا يصيبون من آدابها إلا كما يأخذ الإسفنج من الماء ينتفخ بقليل منه ثم لا يلبث أن يمجه أو يجف فيه.
على أنك لو اعترضت كل من يهجن العربية ويزرى على سبكها لرأيته أجهل الناس بتركيبها وحكمة اشتقاقها ووجوه تصريفها ثم لرأيت له غرَّةً في تاريخ قومها فهو إن عرف منه شيئاً فقد تجرد من ثمرة المعرفة كأنه يحفظ طلاسم لا يتخبط فيها حتى يتخبطه
стр. 394
الشيطان من المس ثم ترى الآفة الكبرى أنه مُستدرج من حيث لا يعلم فهو يكافئ محبة لغة أجنبية أحكمها بعداوة لغته التي جهلها ويجزي منفعة تاريخ علمه بمضرة التاريخ الذي لم يعلمه والناس أعداء ما يجهلون.
نعم بقي لأصحابنا مذهب آخر ينتحلونه ويستدفعون به الظنة وهو من أحسن رأيهم الذي يعانون عليه لو فهموه على الوجه الذي يفهم منه ولو أبدو لنا صفحته دون قفاه. . . وذلك أنهم يقولون أننا نريد أن نلائم بين حاجة الأمة من الكلام وبين الكلام الذي تبلغ به هذه الحاجة ونريد الإصلاح ما استطعنا فنلبس تاريخنا وعاداتنا ديباجاً من الكلام بطراز وغير طراز (نظماً ونثراً) ولا نترك أمتنا على سوم (في المزاد) بين العربية والعامية واللغات الأجنبية. ونحن نقول أن هذا أمر ليس له مَترك ولا عنه محيص ولكن أين ما ينزعون إليه مما ينزعون به وهم إنما خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً وإنما يؤتون من حسبان العربية الفصحى لغة أثرية لاتحاد الزمن ولا تشايع روح التاريخ فيرون أنها لا بد أن تكون قد انقرضت مع أهلها فلا تبقى إلا لقوم في حكم أولئك المنقرضين ثم يفضون من هذا الوهم إلى تلك المخرقة التي أشرنا إليها في صدر الكلام لأنهم لم يمارسوا هذه اللغة وإنما علموها عن عُرض وهذا ولا جرم ضرب من الجهل العلمي - ولوهم فقهوا سر العربية ووقفوا على طرق تركيبها وجاذبوا من أزمتها وصرفوا من أعنتها واكتنهوا محاسنها الفطرية التي خرجت بها من ثلاثمائة تركيب إلى ثمانين ألف مادة كما فصلنا القول فيه لعرفوا كيف يتسببون للإصلاح اللغوي الذي ينشدونه وكيف يكشفون لفظ الإصلاح عن معنى غير فاسد كما ذهبوا إليه وتقلدوا البلية من حيث يدفعونها لا من حيث تدفعهم ولكنهم كما ترى يصفون لنا الفوضى وهم صفاتها، ويطبون للأمة وهم آفاتها، ويبادرون حسم الأمور بما يتفاقم به صدعها، ويضعون أوزار النوائب بما يثور به نقعها، وما عليهم إذا تبينوا أن يصيبوا قوماً بجهالة، أو يردوهم عن الهدى إلى ضلالة، فاللهم بصرنا بأقدارنا، ولا تذلنا بصغارنا، ولا تخذلنا في الأمل وأنت الرحيم، دون غاية أتحت لنا وقتها، ولا تجعلنا في العمل كأهل الجحيم، كلما دخلت أمة لعنت أختها.
مصطفى صادق الرافعي
стр. 395
باب العلم الاجتماعي
الأكاذيب المقررة - التربية الطبيعية - الواجب
الأكاذيب المقررة
تأليف ماكس نوردو
٢
الطلاق
رأينا في الكلام المتقدم كيف أن نوردو يتهم النظام الاقتصادي الحاضر بما تطرق إلى الزواج في هذه الأيام من فساد أخرجه عما وضع لأجله، وقد زاد عليه في القسم الأخير من هذا الفصل علة أخرى، هي تأثير الآداب المسيحية على الزواج بين الدئنين بها.
وقد عجب لخجل الناس ومواربتهم فيما يتعلق بالتناسل، وسأل. علام يخجلهم النوم والأكل، حتى إذا جاءوا إلى التناسل وصلات الجنسين غلب عليهم الحياء وجعلوا التلميح في موضوع التصريح؟؟ وما بالهم يحسبون غريزة التناسل عورة تستروانها لفرض طبيعي دونه كثير من فروض الطبيعة البشرية التي نجهر بها ولا نري فيها ما ينافي الاحتشام أو يخل بالحياء؟؟
قال. وما كان هذا دأب الناس فيما غبر من الأجيال، فقد كان قدماء الهنود والإغريق يقدسون أعضاء التناسل ويكبرون القوى التي لولاها لانقرض البشر، وفنى النوع واندثر، وقد أقاموا لها المعابد ورفعوا لأجلها النصب وما كان يخطر لهم أنهم يجيئون أمراً يخزي صاحبه كما قد يخطر لنا الآن.
ولكن المسيحية ظهرت في عهد فشا فيه الفساد، فأدركت أواخر أيام الإمبراطورية الرومانية وقد عم الفسوق وسرى الفجور بين الناس على اختلافهم فذهبت إلى أبعد مدى في استهجان هذه المنكرات، وكان الزواج فيما تناوله تشديدها وحجرها، وجري ذلك مجرى العادة حتى رأينا الكنيسة تسلك زوجين في مصاف القديسين لأنهما عاشا لا يمس أحدهما الآخر طول حياتهما.
ولقد أباحت المسيحية الزواج. ولكن لا لينتمي كل من الزوجين إلى رفيقه. بل ليتمم كلاهما
стр. 396
أمراً من مباحات الدين. لو تركاه لكان ذلك خيراً فلا بدع أن يكون للحب شأن في هذا القران.
فتسمع الكاهن أمام الهيكل يسأل العروس أراضية هي بذلك الرجل زوجاً لها وهل تقره مولى وسيداً؟؟ ثم لا تسمعه يسألها أتحبه أم تبغضه لأنه لا يرى الحب فرضاً من فروض كتابه.
فإذا هويت الزوجة المسكينة بعد ذلك رجلاً تم بينها وبينه فعل الانتخاب الجنسي. فأولى أن لا يصلح ذلك مبرراً لتسريحها من زوجها وإيصالها بمن أحبته ومتى زوجها الحب فيكون له أن يطلقها أو يزوجها من رجل آخر؟؟
من ثم أنكرت المسيحية طبائع النفوس التي لا سبيل إلى إغفالها، وأبت أن تعترف بموجب للطلاق، فإذا غلبت الزوجة أهواؤها أصبحت فاجراً ينبذها المجتمع وتقتص منها الشريعة. فإذا القاضي الذي يعفو عن لص سرق رغيفاً من الخبز ليدفع عنه ألم الجوع. لا يعرف للرحمة موضعاً في عقاب امرأة زلت نفسها طوعاً لمحركات الفطرة فتراه يسلم في الأولى بأن مطالب الطبيعة قد تغلب في النفس واجب رعاية الشريعة. ولا يسلم به في الثانية.
ويحسب نوردو أن هذه الشريعة ابتكرها الشيوخ الفانون، والرهبان المتبتلون، والناس لا يقرونها إلا أمام القضاء. وأنه لمن العجيب كما يقول نوردو أن يجل الرجل حكم القاضي بسجن الزانية، ثم تبصره يطرب للشاعر الذي يرتل أمامه قصائد العشق ويسرد له وقائعه إلى أقصى غاياتها، ولا يدل ذلك إلا على أن النفوس جبلت على الإقرار بالعشق ولكنها تتجاهله من جانب الأنانية وحب الاستئثار.
وقد أثبتت الملاحظة أن استمرار الزواج لا يرتكز على عاطفة من عواطف الإنسان، فالنفس لا تميل إلى التقيد بزوج واحد، ولكن الضرورة ألجأت العشائر الأولى إلى تقييد الزوج بزوجته، لأنها أضعف من أن تتكفل برزق أولاده، ولأن العشيرة لا ترضى أن تتحمل عنه تربيتهم، فكان لا بد للزواج من صلة تمتد إلى أبعد من صلة الشهوة.
على أنه لا سبيل إلى بقاء تلك الصلة مدى الحياة، فإن في ذلك من مجاوزة أحكام الطبيعة ما فيه. قال: وخلنا نفترض أوفق الفروض وأحراها بإطالة العشرة بين الزوجين فهل تحسب ذلك مغنياً الناس عن تدبير الطلاق؟؟
стр. 397
هب العروسين كان يحب كلاهما صاحبه أصدق حب وأطهره، أفذلك ضمين بأن لا يتغير هذا الحب ما عاش المحبان؟؟
قد يقول لك الشعراء: إذا فتر الحب فما هو بالحب الصادق؟؟
فلنسألهم إذن أن يفرقوا لنا بين صادق الحب وكاذبه! وكيف يعلم العاشقان في هيام الحب وحرارة الوجد إن كان حبهما باقياً مع الحياة أو كان خباً موقوتاً لا يلبث أن يتطرق إليه الفتور اليوم أو غداً.
أتراهم يرغبونهما في الزواج؟؟ فإن كان ذلك فقد يمل كلاهما صاحبه فماذا يصنعان؟؟ وكيف يتفقان؟؟
أم لعلهم ينصحونهما بالصبر حتى يثقا أن حبهما دائم حتى الممات؟؟ وذلك من أعسر الأمور عليهما. فإنهما لما كانا سوف لا يتحققان ذلك إلا بعدا، كان عليهما أن يصبرا إلى أن يوافيهما الأجل فيحق ساعتئذ لكل منهما أن يقول بقلب سليم لقد كان حبنا صادقاً وثيقاً، فلم يخمد إلا بخمود الحياة، وأنه ليحق لنا اليوم أن ندفن سوياً، فلا يخاف أحدنا تسرب السأم إلى قلب قرينه بعد الآن!!
ثم استطرد الكاتب إلى تحليل بديع لعاطفة الحب، فأبان أنه لا يستغرق كل أجزاء النفس مهما اشتدت فتنته. واتقدت لوعته. وأنه لا بد من زاوية منطوية في ثنايا النفس لا تزال بمعزل عن سائرها تجول فيها هواجس الأهواء وأسرار العواطف. والمرأة قد تعف في حبها وتفي لحبيبها ولكنها ما برحت وهي كذلك واحدة من جنس له طبيعته وشوقه إلى الجنس المقابل له. وقد يخلص الرجل لمعشوقته ويصدق في هواه ولكنه يبقي كيف كان الأمر واحداً من جنس له مثل تلك الطبيعة وذلك الشوق تلقاء الجنس الآخر. وكلاهما لا ينجيه تعلقه بفرد واحد من الانفعال بمؤثر الجنس كله.
والوفاء بلا حد ولا قيد ليس من طبائع النفس. ولا هو من مألوفاتها وإنما يصبو المرء إلى الاستيلاء على قلب الحبيب بلا شريك. فيود أن يملأه وحده. وليس شيء أرضى لأثرتنا وأكمل لشخصيتنا من أن نشاهد صورتنا مرتسمة في مرآة نفس أخرى. ونأنس من شخص آخر تمكننا من مجامع أهوائه. واستحواذنا على مناط أمياله. فذلك الذي يجعلنا نرتقب الوفاء المطلق ممن نحب ونهوى. وقد يغار المرء حيث لا يحب لأنه لا يرتاح إلى تقدم
стр. 398
سواه عند إنسان كائناً من كان.
ولو كان الوفاء في الحب من مقتضيات الطبع، لوجب أن يطلب من الزوج بقدر ما يطلب من الزوجة، ولكنه مطمع من مطامع الأثرة كما تقدم، فكلما كان ذو الأثرة أقوى كان توقعه له من غيره أكثر، والرجال أقوى الجنسين، فهم يلزمون النساء بما لا يلزمون بمثله أنفسهم من الإخلاص والوفاء.
فإذا نسيت المرأة نفسها عدُّواً ذلك منها كبيرة من أشنع الكبائر، أقل ما يصيبها من أجلها خزي لا يرحض وعار لا يمحى وجزاء لا غفران بعده، فإذا فعل الرجل فعلتها فليس في الأمر إلا أنها هفوة لذيذة يقابلها الجمهور بالمزاح والابتسام وتغتفرها المرأة له بالملاطفة وإدرار دموع البهتان.
ومما يزيد في قساوة هذا الحكم أن المرأة قل أن تزلّ إلا مخلوبة مذعنة لقوة أكبر من قوتها، أما الرجل فإذا هفا فإنما ذلك لأنه أراد أن يهفو مختاراً لا مضطراً ولا مخدوعاً.
ولقد بلغت أثرة الرجل الهندي ما لم تبلغه أثرة الرجال في بلد من البلاد ففرض عليها من الوفاء له ما يحتم عليها ملازمته حتى يوم يطرح ميتاً على لهيب النيران. في حين لا يرى لامرأته من حق عليه ما يدعوه إلى التفريط في شعرة واحدة منه. ولا شيء يمنعه أن يعود من جنازة زوجته ليمتع نفسه بأطايب عرس جديد.
قال: ولم نغل نحن إلى هذا الحد في مقاضاة المرأة الوفاء. ولكن من قصاصنا من يمثل لنا عرائس تملكهن الكمد والقنوط فعمدن إلى التبتل بعد أحبابهن. وإن كان قد أبى أنصافهن عليهم إلا أن يسووا بين الرجال والنساء في هذه الفضيلة.
ثم عطف الكاتب يقارن بين الإنسان والحيوان في الشهوة الجنسية ليرى إن كان ثمت مسوغ من الفطرة لاستمرار الزواج. والقارئ العربي ينبغي أن يكون أقل الناس استغراباً لهذه المقارنة لأننا قد طالما نسبنا تلك الشهوة في الإنسان إلى البهيمية. فرأى الكاتب أن العلاقة بين ذكر الحيوان وأنثاه لا تطول إلا ريثما ينتهي غرضها. ومنه مالا تتجاوز علاقة ذكره بأنثاه أيام المسافدة. والنادر القليل من الحيوان ما تبقى علاقة زوجيه إلى ما بعد وضع الجنين. والإنسان وإن ترفع وتعالى لا يخرج عن حكم الحيوان من هذه الوجهة. ولا وسيلة نتبين بها الطبيعي الأصيل من المتكلف الطارئ في أمياله الجنسية لصح من مراقبة هذه
стр. 399
الأميال في الحيوانات العليا التي هو وهي سواء في الخواص البيولوجية فيما هو من طبيعة التناسل.
وقد أظهرت أمثال هذه المقارنات أن حاجة الحب تنتهي بحصول غايتها. كما أن حاجة الجوع تنتهي بالطعام. ولهذا نشاهد أن الطور الأول من أطوار الحب ينقضي بعد ولادة الطفل ثم ينتقل إلى طور آخر ليس من ذلك الحب في صفاته وعلائمه. ومن ثم فبقاء الزواج مدى الحياة لا يستند على شيء في طبيعة الإنسان.
قد يقول قائل: نعم إن غريزة الإنسان لا تدعوه إلى الاقتصار على زوج واحدة، ولكنه ليس كسائم البهائم إذ أن له أيضاً غرائز أخرى. وعلى الحضارة أن تعلمه كيف يكبح غرائزه متى أدرك خطأها!! نقول ذلك حق ولكن من أين لنا أن تعدد الزواج مضر بنوع الإنسان أو عائق في سبيل انتشاره ونمائه؟؟
قال: إن الكنيسة فرضت وحدة الزواج ولكنها لم تستمكن من قسر الناس على مراعاة فرضها هذا إلا ظاهراً. أما في الباطن فلا نظن أنه بين كل مائة ألف رجل أكثر من رجل واحد يحق له أن يقول على فراش الموت أنه ما عرف في حياته سوى امرأة واحدة. وإذا كانت النسبة أكثر من ذلك بين النساء فليس لأنهن أقل رغبة في إهمال ذلك الفرض. وإنما ذلك لأن المراقبة عليهن أشد وعين الناس صوبهن أدق وأحد.
هنا يقول قائل آخر: لئن كان للحب غرض يهتاج الإنسان لإنجازه ثم يخليه متى فرغ منه. فالصداقة قد تنوب عنه عند الناس: فيتآلف الزوجان وإن كانا بعد لا يتحابان.
وهذا صواب أيضاً. فقد يقترن الزوجان. يشغف الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل في بادئ الأمر. فما هي إلا أن تثمر زهرة الحب فيفتر. ولكنهما يبقيان على صلاتهما الأولى بحكم العادة والإتباع. مثلهما في ذلك مثل الشجرة المتعفنة. يتغير باطنها ذرة بعد ذرة ولا ينال التغيير ظاهر قشورها وأوراقها. وربما كانت هذه الصلة في كزازتها وتفاهة مذاقها لا تغني عن الحب. ولكنها مع هذا صالحة للمطاولة والمصابرة.
ثم يتلاقى حنو قلبيهما في الذرية فيولد بينهما حب جديد. وتتراخى عاطفة الحب على الزمن فيسهل على العقل والإرادة مغالبتهما. وتتردد في نفسيهما ذكريات الحب في أيام صبوتهما. فتحلى ما بقي من أيامهما. وكذلك يبقي الزواج ما بقيت الحياة بعد أن يتوارى
стр. 400
الحب ويتصرم.
على أن تعلة من هذه التعلات قد لا تنجع في مجاذبة عاطفة جمح بها الطبع واشتط الهوى. فتعي بها زواجر العقل والإرادة. وتعجز عنها حيل المألوف والعادة. وليس وقوع ذلك بأندر من أن نقيم وزنه أو ن نحسب حسابه.
ذلك كله قضى على بعض الحكومات بوضع سنة الطلاق ولكنها ما استطاعت أن تمحو سنة العرف. ولا نزعت من نفوس الناس ذلك الازدراء الذي يتعقبون به الزوجين المطلقين من مكان إلى مكان. مما يؤدي ببعض الأزواج إلي إيثار العبث بواجبات الزوجية على الطلاق الذي وراءه هذا العار والصغار.
وبعد أن المع إلي شدة التزاحم على مقومات الحياة. وأبان أن صعوبة الكدح والسعي تصد الرجل عن الزواج وتدعو المرأة إلى الإلقاء بنفسها إلى أول خاطب يتكفل بمؤنتها. وقرر أن المروءة والنخوة من آداب الرغد والرخاء وأن الضنك والعسر يضطران الناس إلى الشح والنذالة. وذكر أن دخول المرأة في ميدان المكافحة على العيش لا سيما في جيل الضنك والعسر مؤذٍ بها وبالمجموع. وشبه المصلحين الذين يحاولون تحسين حال المرأة فيهونون عليها العمل ويبصرونها بوسائل الاستغناء عن الرجل، بذلك الخطيب الذي يعلم الناس كيف يصومون في المجاعة كأن ذلك يغنيهم عن التماس الأقوات والأرزاق. قال:
يجب على الجمعية البشرية أن تعول المرأة فهي عتادها الذي تدخره للفاقة الاجتماعية والحاجة الطبيعية. وإن لكل جنس من الجنسين عملاً يقوم به لصلاح النوع. فعمل الرجل اكتساب القوت أي صيانة الجيل الحاضر. وعمل المرأة إنتاج الذرية أي إعداد الجيل القادم. وهي عدا هذا القطب الذي يدور عليه فعل الانتخاب الجنسي. والجائزة التي ينالها السابق بين المتنافسين في سباق ذلك الانتخاب. ونتيجة هذا التنافس ترقية النوع وتحسينه لا محالة
فعلى المجتمع أن يربيها في صباها ويتعهدها بعد ذلك
بالاتفاق عليها سواء كان ذلك في بيت أبويها أو في
سكنها. وينبغي أن يرى من أكبر العار عليه أن تحس
стр. 401
امرأة. فتية كانت أو عجوزاً. حسناء أو شوهاء .
بمضانك العوز ومسيس الفاقة
وإن أمة تقام دعائمها على هذه الأصول. وتستيقن نساؤها أنهن مكفيات المؤنة غانيات عن الكدح لأنفسهن والاشتغال بطلب خبزهن. عوازب كن أو متزوجات. ويتولى مجموعها تربية صغارها وحفظهم. ولا يرى الرجل فيها أنه قادر أن يبتاع من النساء بقدر دراهمه لأن الجوع وسيط البيع. نقول هذه أمة يتزوج نساؤها طوع انعطافهن الصميم. وندر أن تنظر فيها العين بكرا بلغت أرذل العمر أو شيخاً ما زال أعزب في الصغر أو الكبر. وإن كان:
في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا
وفي مثل هذه الأمة لا يعود يرتكب قبائح الفسوق إلا صنف من الناس ممسوخ الطبائع لا يطيق الحياة إلا في جو النقص والرذيلة، ولا يترقب من سلائقهم الطائشة نفع كثير وقليل لأمتهم أو نوعهم.
ومتى بطل النظر إلى المصالح المادية في أمر الزواج. وصارت المرأة مختارة في ميلها. غير مضطرة إلى بيع نفسها. وأصبح الرجال يتنافسون لإحرازودها بذواتهم لا بأموالهم ووظائفهم. فهنالك يصبح الزواج حقيقة نافعة ولا يعود أكذوبة كما نشاهد في عصرنا هذا. وهنالك ترفرف روح الطبيعة السامية على الزوجين. فتبارك كل قبلة من قبلاتها. فيوضع الولد محوطاً بهالة من حب أبويه. وتكون هدية يوم ميلاده تلك العافية التي يورثها ذريتهما زوجان كلاهما مستجمع من صفات جنسه ما يحبب فيه قرينه
عباس محمود العقاد
من الأجوبة الحاضرة
قال عبد الملك بن مروان لنُصَيب الشاعر (وكان أسود) هل لك في الشراب فقال نصيب الشعر مفلفل واللون مرَمَّد وإنما قرّبني إليك عقلي فهبه لي. ودخل عمارة بن حمزة على المنصور فجلس مجلسه الذي كان يجلس فيه فقام رجل فقال مظلوم يا أمير المؤمنين فقال
стр. 402
من ظلمك فقال عمارة غصبني ضيعتي فقال المنصور قم يا عمارة فاقعد مع خصمك فقال عمارة ما هو لي بخصم فقال له كيف فقال إن كانت الضيعة له فلست أنازعه فيها وإن كانت لي فهي له ولا أقوم من مجلس شرفني به أمير المؤمنين لأقعد في أدنى منه بسبب ضيعة. وقال هشام بن الملك لرجل في الكعبة سلني حاجتك فقال لا أسأل في بيت الله غير الله. ورؤى رجل يصلي صلاة خفيفة فقيل له ما هذه الصلاة فقال صلاة ليس فيها رياء. وقال عتيبة بن أبي سفيان لعبد الله بن عباس ما منع علي بن أبي طالب أن يجعلك أحد الحكمين فقال أما والله لو بعثني لاعترضت مدارج أنفاسه أطير إذا أسفَّ وأسِف إذا طار ولعقدت عقداً لا تنتقض مريرته ولا يدرك طرفاه ولكنه سبق قدر ومضى أجل والآخرة خير لأمير المؤمنين من الدنيا.
التربية الطبيعية
أو
أميل القرن الثامن عشر
وضعه جان جاك روسو
وعربه إبراهيم عبد القادر المازني
الكتاب الأول
الطفولة - مبادئ عامة
(تابع ما قبله)
فخليق بنا أن نخرج من ضيق ما نحن فيه من المذاهب العتيقة والمناهج التي أكل الدهر عليها وشرب وأن نفك عنا قيود الجهل وأغلال العادة. وإن ننظر في طفلنا إلى الإنسان على وجه عام - الإنسان وديعة الغيب ونهزة التلف فلو أن المرء كان إذا ربي بأرض لم يبرحها وإذا نشأ بمكان لم يضرب في غيره ولم يكن الجو.
كابى براقش كل يو - م لونه يتخيل
ومقسم الحظوظ لا ينفك يمر ويحلى ويريش ويبرى لامتدحنا هذا الأسلوب القديم وحبذنا تلك الطريقة العتيقة ولقلنا لعل فيها رادة لم يصل إليها علمنا وفائدة من فوق طور إدراكنا.
стр. 403
ولكن أمور الناس ليست كالمثل المطرد بل هي عرضة للتغير والتبدل والزمان إن سامح تحيف وإن سالم طرق يقرض الإحسان ثم يقتضي ويعير ثم يسترد. فهل رأيت أضعف تمييزاً أو أسخف عقلاً ممن يربي الطفل كأنه (أي الطفل) لن ينفض إلا أجواز غرفته ولن ينزع به الطلب إلى غير محلته أو كأن الدهر سيظل أخضر والزمان بوجه السعد مقبلاً. فإذا دفعته الحاجة فخطا خطوة أو حاول أن يرقى سلماً فقد تعرض للموت واستهدف للتلف. أليس هذا قد علمه الإحساس بالألم ولم يعلمه احتماله.
أرى الناس لا يعنون بصيانة الطفل ولعمري ليس هذا كل ما يجب فإنه ينبغي لنا أن نعلمه أن يصون نفسه متى صار في حد الرجال وأن يتلقى المحن بجنة الصبر ويقرن للدهر في الشدة والرخاء والنعماء والبأساء والأمن والخوف والإقبال والإدبار فيعيش إن مست الحاجة بين ثلج أيسلاندة أو على صخور مالطة المحرقة. وأعلم أنه من عجز الرأي أن تحاول أن تجعله في مأمن من الموت إذ لا بد أن ينقضي أجله ويتصرم حبله وليس تعليمك إياه كيف يعيش بأقل فائدة وأصغر خطراً من ضنك به على الموت وحياطتك دونه والحياة أصلحك الله ليست أنفاساً يرددها بل هي العمل والكد والكدح هي أن يستخدم المرء أعضاءه وحواسه وجوارحه وقواه وملكاته وسائر ما يجعله يشعر بوجوده ويحسه. وأحي الناس أشدهم بالحياة إحساساً وأقواهم بالوجود شعوراً. لا من تنفس به العمر فلبس العمائم الثلاث فكم من وليد مات وكأنما أخذ بعنق المائة.
لهف نفسي على إنسان هذا الزمان علمهُ أوهام وخرافات وعاداته قيود وأصفاد تضرب عليه الذلة يوم يولد ويتقمص الهوان يوم يلف في القمط فإذا مات لف في الأكفان. حتى الموت لا ينضو عنه دثار الرق ولا يطلق عنه ربقة الاستعباد!
وبعد فقد زعم المرضعات أنهن يستطعن أن يسوين رؤوس الأطفال لتكون أجمل صورة وآنق شكلاً وأعدل تكويناً. كأن مبدع الخلق سبحانه عجز عن أن يفرغها في قالب الكمال. فلم يكن بد من أن يسويها المرضعات والفلاسفة كرة أخرى هؤلاء من الظاهر وهؤلاء من الباطن.
إن هذه القمط التي تشد بها رؤوس الأطفال وسائر أعضائهم تعوق دورة الدم وغيره من السوائل وتحجز الجسم من النماء وتقيم من دون القوة سدا وتكدى الشباب وتسلب المنة فإن
стр. 404
داخلك في ذلك شك فتأمل غيرنا من الشعوب الساذجة تجد رجالها طوالاً متماسكين في خلقهم قوة وضلاعة فأما حيث تشد الأطفال بالقمط فما أكثر الزمن والأكسح والمقعد والسطيح والمخبول. وذلك لأنا نحبس عنان الأطفال عن الحركة ونغل يده عنها بما نفرغه فيه من القوالب والقمط إشفاقاً أن يصيبه من الحرية اذاة فكأني بالناس قد أشفقوا على أبنائهم أن تصيبهم آفة فسلبوهم القوة عمداً.
وهل لا يكون لهذه القيود الصعبة والأغلال القاسية في ظنك أثر في أميال الطفل وخلقه مثل مالها في خلقه وتكوينه. إن أول ما يجده الطفل هو الإحساس بالألم. لأنك قد أقمت من دون ما يحاول من الحركة عقبات ولم نسمع أن واحداً ممن نشأوا على حرية الحركة أضر به ذلك لأن الطفل أضعف من أن يلحقه من حركته ضرر وحسبه ما يناله من الألم إذا هو لم يحسن الجلوس أو الاضطجاع دافعاً إلى تغيير هيئته واستبدال ضجعته.
وأعلم أنه لا طفل إلا بالألم لأن واجباتها متبادلة فإذا أساء أحدهما القيام بما ينبغي عليه نام الآخر عن أداء واجبه ولها عنه. وينبغي أن يشرب الطفل محبة أمه قبل أن يدرك أن ذلك فرض عليه لأن آصرة الرحم إذا لم يوثق عراها ويؤكد عقدها الواجب والعادة وهت أسبابها في صدر الأيام ورث حبلها. وأخلق عهدها وفي ذلك جنوح عن منهاج الطبيعة وحيد عن جادتها.
وقد تضل المرأة أيضاً عن الجادة المستقيمة إذا هي جاوزت القصد في النهوض بواجبها ولم تميز بين الإفراط والتفريط فليس ينبغي لها أن تغلو في العناية بولدها حتى تجعله معبودها فإنها إذا أترفته ضنا به أن يعرف خوره وضعفه وأنزلته أكناف الدعة وضربت عليه سرادق الأمن رجاء أن تصرف عنه لحظات الغير وتغض عنه عيون الحوادث فقد التبست عليها وجهة السداد لأنها وإن كانت قد أذهبت اليوم عنه السوء فقد ادخرت له أهو إلا هو لا بد خائضها طائعاً أو كارها وأنه لمن الحماقة ونقص العقل أن تزيد ضعف الطفل وأني لمن كان كذلك أن يكون حمولاً للنائبات مضطلعاً بخطوب الدهر جلداً على مض النوازل. ورأيت في أقاصيص المتقدمين أن تيتس غمرت أبنها في مياه الستيكس ليكون صلب المعجم لا تروعه النوائب ولا تنال منه الملمات وهي أسطورة لطيفة نافعة غير أن الأمهات القاسيات اللاتي هن موضوع كلامنا يجرين على عكس هذه الطريقة وكأني بهن إذ
стр. 405
يربين أبناءهن على الرقة والرخاء قد أولعن بهم النوائب وأغرين بهم ريب الدهر.
فعليكن بالطبيعة فتأثرنها ولا تعدلن عن جادتها وأعلمن أنها لا تنفك تستحث الطفل على الحركة وتسبكه بتصاريفها وتحنكه في صبائه حتى إذا عض على ناجذ الحلم صار ثبت الغدر صليب النبع جميع الفؤاد.
على أن التجارب قد أظهرت أن الموت بين نشأ من الأطفال على الترف والرفه أكثر تفشياً منه بين من ألفوا مضاجع الخشونة. وأعلم أن الطفل إذا لم يكلف فوق وسعه فالحركة أجدى عليه من السكون وأردّ والراحة أضر به من التعب وإذا كان الأمر كما علمت فخليق بنا أن نبلوا أبناءنا بشيء من الشدة في حدثانهم وأن نعرضهم لاختلاف الفصول والأقاليم وتقلب الأجواء وأن نغمرهم في مياه الستيكس فإن من تجرع في صباه الغصص لم تؤثر فيه المحن إذا شب ونما إلا كما تؤثر الهزمة في الصخر. وما دام الطفل لم يجر على عادة ما فإنك تستطيع أن تفعل به ما تشاء من غير أن تمسه بأذى أو تلحق به ضررا فأما إذا كان قد تعود شيئاً فلست آمن عليه أن لا يضر به ما تريد أن تحمله عليه. ومن أجل هذا كان الطفل أشد احتمالاً للتغير وإطاقة للتبدل ممن بلغ أشده وتناهى شبابه وذلك لأنه ما زال غضاً طرياً يحتمل أن يثنى ويصب في ما تشاء من القوالب ولكن الرجل لا يطيق ذلك لأنه قد جمد وجف ماؤه فأصبح كالعود اليابس إن تثنيه انكسر ولهذا فأنت نقدر أن تجعل الطفل قوياً وثيقاً إذا عرفت سبيل ذلك وربما كان فيه شيء من الخطر على الطفل غير أن ذلك ليس خليقاً أن يحيلك عن قصدك أو يقطعك عن عزمك لأنه خطار لا مذهب لك عنه ولخير لك أن تخاطر اليوم والخطار غير موبق من أن تقحم الطفل غدا قحم الهلكات وتركبه الأهوال.
وكلما ارتفعت سن الطفل زاد ضن أبويه به وحرصهم عليه وكلفهم به لأنه ينبغي أن يضاف إلى قيمة شخصه ما كلفهما من العناية والكد والعناء والجهد وإلى موته تخوفه منه وإضماره مخافته واستشعار حذاره ولذلك كان العقل كل العقل والحزم كل الحزم أن لا يخلجنا قيامنا على الطفل وحياطتنا له عن توسم المستقبل وأيقاظ رأينا له أي أن من واجب الأب أو المربي أن يأخذ لأمراض الشباب عدتها ويتذرع لحسمها بذرائعه قبل أن يبلغ الطفل هذا السن لأنه إذا كانت قيمة الحياة لا تزال مطردة الازدياد حتى يبلغ الطفل السن
стр. 406
التي تكون فيها الحياة نافعة فهل رأيت أحمق ممن يدخر للطفل إلا وصاب والعلل ضنابه أن يتألم وهو طفل طري لا يحس وأعلم أن الشقاء نصيب كل حي وقسمة كل موجود حتى حياطة الطفل ليست بنجوة من الآلام ولعمري أن السعيد من لم يعرف في طفولته غير علل الجسم وأوجاعه فإنها أهون خطباً من سواها والنفس أصبر عليها وأجلد وهيهات ما يئن له الجسم مما تنقض له الجوانح وتذوب له لفائف القلوب ويؤثر من أجله الموت؟ أم تحسب الناس ينتحرون لورم في الرجل أو وجع في الرأس. لعمر أبيك لا يميت الرجاء ويبعث اليأس إلا هموم تعتلج في الصدور وتجول في القلب. وليس أحق بالعطف والرحمة ممن ذهبت بلته ورث برد شبابه.
يولد الطفل فيبكي وتنقضي أيامه الأولى بين عبرة تترقرق وزفرة تتردد وألام في خلال ذلك آنا تلاطفه وتداعبه ليكف عن البكاء ويمسك عن العويل وآونة تتوعده وتضربه ليحبس عنان دمعه ويغيض من عبراته تارة تنقاد له وتنزل على حكمه وطوراً تجرضه بريقه وتأخذه أخذ عزيز مقتدر فهي أبداً مذبذبة بين بذل الطاعة له والامتثال لإشارته وبين إرغامه على طاعتها والقعود تحت حكمها وليست تعرف بين ذلك سبيلاً تسلكه فكأن الطفل لا معدل له عن واحدة من اثنين الأمر أو الطاعة. وعلى ذلك ينشأ الطفل وقد تعلم أول ما تعلم التحكم والذلة فتراه يأمر وهو لا يحسن أن يتكلم ويذعن وهو لا يحسن أن يفعل شيئاً وقد تجزيه أمه بإساءة توهمتها وهو لا يعرف بأي ذنب آخذته وعلى أية زلة جازته. ولعله بمنتزح عما عوقب عليه بريء العهد مما رمي به! ولعله لا يدري كيف يذنب أو يخطئ. ونتيجة ذلك أن صدره يمت في أول نشأته بعواطف وإحساسات نعزوها نحن إلى الطبيعة ونزعم أنه مطوي عليها بسليقته وته. وإذا ساءت خليقته وخبثت خملته تسخطنا القضاء ونحن الذين غمسناه في الفساد وأولعناه بالسوء وغللنا يده عن الخير وأطلقناها في الشر! فهو غرس أيدينا ولا ينتج الغرس السيء ثمرة طيبة.
فإذا سألتني عما يجب عليك فعله لتصون فطرة الطفل التي فطره الله عليها من أن تخبث وتعبث بها يد الفساد قلت لك أن أول ما ينبغي عليك فعله هو أن لا تدع أيدي الغرباء تصل إليه فإن الزهرة الأرجة إذا كثر عبث الأيدي بها ذبلت فإذا رزقك الله مولوداً فلا تكله إلى غيرك حتى يبلغ أشده فإن المرضعة الحقيقية هي الأم والمؤدب الحقيقي هو الأب وهما
стр. 407
خليقان أن يتواطأ على طريقة يسلكانها في القيام بأعباء وظائفهما حتى لا تمسه يد أجنبية منه. وأعلم أن الوالد الكيس الحكيم وإن كان جاهلاً أرجي منفعة للطفل وأقدر على تعليمه من أشد العلماء رسوخاً في العلم وبسطة فإن الحكمة قد تفعل ما لا تفعله المواهب.
ورب معترض يقول ولكن على الأب عدا ذلك أعمالاً وواجبات لا مذهب له عن أدائها وأنى له أن ينهض بذلك جميعه إذا كنت تجمله ما ينوء تحته؟ بلى فإن عليه واجبات وأكبر ظني أن آخر ما ينبغي القيام به منها هو واجبه نحو ولده.
إذا كانت الزوجة ترغب عن إرضاع ولدها أنفة واستنكافاً فليس بعجيب أن ينتفي الأب من تربيته ويعدها مسقطة له من الأعين على أني لست أعرف صورة أملأ للعين وأملك للطرف من الحياة العائلية ولكنها صورة لا يتم حسنها إلا باجتماع أعضائها فإذا فقد شيء منها صارت صورة العيوب ومثال المساوي ومجتمع المقابح وإذا كانت الأم أضعف من أن تستطيع النهوض بأعمال الظئر اختلطت على الأب أموره وانتشرت عليه واجباته وتفرقت. لهذا لا لشيء آخر ينفي الأب بنيه عن بيته ويرسلهم إلى المدارس الداخلية والأديرة والكليات فتمحو المشاغل صورة عشهم من صدورهم وتسقيهم عنه سلوة فإذا عادوا إلى عشهم الذي درجوا فيه وجدت أفئدتهم فارعة خلوا من الحنين الذي يستوقد الضلوع وتلتعج في الأحشاء نيرانه حتى ليكاد الأخ لا يعرف أخته.
стр. 408
آثار تهذيبية
ست عشرة رسالة حكيمة
من رسائل الفيلسوف سنيكا إلى صديقه لوسليوس
(تابع ما قبله)
الرسالة الرابعة في الخوف من الموت
سر في هذا الطريق الأبلج وأسرع فيه ولا تتئد ما وجدت إلي ذلك سبيلاً وأعلم أنك ستبتهج وتسر سروراً طويلاً بما تنال نفسك من التهذيب والكمال بل ثق بأن سلوك هذه الجادة من تزكية النفس وتكميلها فيه من السرور واللذة ما فيه وإن كان السرور برؤيتها كاملة خالية بقدر الإمكان من العيوب لا يعادله سرور لا يضارعه حبور، أنك لا يمكنك أن تنسى أن فرحك كان عظيماً يوم خلعت رداء القضاء الأدنى وألبست رداءه إلا على وسيريك في موكب لجيب حتى إذ حلت الديوان فكم لعمري يكون مقدار سرورك إذا خلعت آخراً عن رقبتك نزعات الشباب وأغلاطه وأحلتك الحكمة في مصاف الرجال.
إن الشباب وإن ذهبت عنا أيامه لكن مما يؤسف عليه أن تبقى فينا نزعاته بل مما يزيد في الأشجان أن نكون شيوخاً في السمة والوقار ثم تلازمنا مع ذلك عيوب هذا الشباب بل مخاوف الطفولة، ومع أن مخاوف الشباب تافهة ومروعات الطفولة خيالية فقد اجتمعتا فينا كلتاهما وأنك لو تقدمت في الحكمة قليلاً لعرفت أن طائفة من حوادث الدهر ونكباته ليست بالمخيفة بالمقدار الذي ترتاع لوقعها منها النفوس فالشر ليس بالعظيم إذا كان خاتمة السرور والموت إذا أقبل فإنه يحق لك أن ترتاع منه إذا كان غير متخطيك ولكنك تعلم حق العلم أن لك فيه سابقين كما أن لك فيه لاحقين، ولقد تقول لي أني ليعسر علي أن أحمل النفس على الازدراء بالموت وأن استسهل صعبه فأجيبك أنظر في أحوال الناس وأحكم كم ترى من صغائر ولدت في النفوس كراهة الحياة واستسهال الموت فهاهنا نسمع بعاشق شنق نفسه على باب معشوقته وهناك نشاهد عبداً مملوكاً خاف قصاص مولاه فألقى بنفسه من أعلى سطح داره وفي جهة ثالثة نسمع بشقي خشي العود إلى الأصفاد والأغلال فطعن نفسه طعنة نجلاء ليرتاح من العذاب وأنك لتعلم أن ليست الشجاعة هي التي جرأت هؤلاء الناس على الإقدام على ما أقدموا عليه من الموت وإنما هو الخوف وشدة الهلاع، والخوف
стр. 409
على الحياة وشدة الرغبة في إطالتها لا يوجب لعمري راحة البال وإنما يحدث هموماً ويثير في النفس مخاوف ووساوس وإذا أنت أردت أن تعرف مقدار متاعب الحياة وتستسهل تركها غير آسف عليها فانظر إلي تلك الزمر البشرية التعسة في حرصها عليها وتعلقها بأهدابها تعلق الغريق بقطع الأخشاب والصخور وأن أكثرهم ليسبح بين الخوف من الموت ومتاعب الحياة لا يدري كيف يعيش ولا يعرف كيف يموت فإذا أحببت أن تجعل حياتك سارة قارة فلا تشغل نفسك بالخوف عليها والشيء المستعار لا يحلو إلا إذا عرفت أنه مستعار فتحسن استعماله كما لا يصعب عليك فراقه وأجمل الرد في الودائع مالا يحدوه التحسر والتأسف، فينبغي لك إذاً أن تتشجع وتقوى على مقاومة خوف مصائب هي رصدٌ على الكل وغير مستثن منها وضيع ولا رفيع فلقد كانت حياة القائد بومبيوس ألعوبة بيد خصى وطفل تحت وصايته وأيام كرسوس إنما انقضت على يد ذلك البارشى السفيه الوحشي وقطع كيوس قيصر رأس لبيدوس بسيف النائب ديكستر كما قطعت رأسه هو بحسام شيرياغ ولعمري مهما كانت الظروف التي يضعنا فيها حظنا المتاح فإنه يجب علينا أن نحذر دائماً مما قد تسمح لنا بعمله وإتيانه مع الغير لأن الحظوظ كالبحر وهل يؤمن جانبه هو هادي ساكن إذا بك تراه قد هاج وماج فاقتلع السفن الراسيات وابتلع الجواري المنشآت بما تحمل من الأموال التي كانت بالأمس بهجة نفوس أصحابها ومنتهى آمالهم كذلك الحظوظ الدنيوية تعمل ثم لا يفوتنك أنك في كل وقت معرض لأن تنالك بالأذى أيدي اللصوص والأعداء وإن لم يكن لك أعداء كبار فأحقر عبيدك معلق موتك وحياتك بين يديه إذا هو فقد صوابه وهانت عليه في إعدامك حياتك نفسه، أجل أيها الصديق أن من يستر خص حياته في معادتنا يكون بلا ريب مالكاً لحياتنا وتذكر عبر الحوادث الكثيرة فكم من أناس قتلوا على أسرتهم خفية وجهاراً بأيدي ارقائهم أكثر مما يبطش الملاك ذوا السلطان وأرباب التيجان؟ فماذا يهمك إذن من بطش عدوك وسطوته إذا كانت سلطته التي تخيفك قد تكون بأيدي أناس كثيرين ولا ضابط لها ولقد تقول لي أني إذا وقعت في يد عدوي فقد يقودني إلى الموت جهاراً فأقول لك أنك بسبيله منذ أزمان ولم نغرر بأنفسنا طويلاً ولا نبصر إلا في هذا اليوم ما هو مهدد لنا ما حيينا، نعم أيها الصديق الكريم إنك سائر إلى الموت والفناء وأنك وأنك سالك سبيله من يوم ولدتك أمك هذا ما يجب أن نجعله نصب
стр. 410
أعيننا من الأفكار في هذا الصدد إذا أحببنا أن نعيش بسلام ونقضي أيام حياتنا بالهناء حتى ساعتنا الأخيرة التي خوفها هو السبب الوحيد في التنغيص علينا في كل أوقاتنا وساعاتنا الأخر.
ولا ختم ما اخترته لك في هذا المعنى بالحكمة المختارة ليومنا هذا وهي زهرة مقتطفة من حدائق الحصم قال إن الفقر المنظم وفق النواميس الطبيعية غنى وحظ عظيم أو تدري ماذا يعني بالفقر المنظم وما تشير به هذه النواميس أنها تشير بأن لا نجوع ولا نظمأ ولا نعرى وكل هذا أي سد الجوع وأطفأه الظمأ وستر العورة لا يحتاج البتة إلى أن نقف بالذلة والصغار بواب العظماء ولا أن نتحمل نظراتهم المملوءة كبراً واحتقاراً وجمائلهم التي حشوها الخزي والعار وليس بمستلزم كذلك أن نقتحم الأهوال ونتجشم سفر البحار على حين أن ما تتطلبه الطبيعة سهل الوصول إليه والحصول عليه وإنما تتعب النفوس بالجد والكد وراء ما زاد عن ذلك من مظاهر ومفاخر فترى هذا يخلق جدته في الحصول على الوظائف الملكية وذاك يقضي زهرة أيامه في التقلب في قيادة الجندية وثالثاً يلحقه الفشل على شواطئ البحار وراء الحصول على الفخار وصفوة القول أن الضروري سهل المنال علينا ومن يقنع بحالته منه وينظم معيشته فيه فذاك لعمري هو الغني ذو الحظ العظيم.
الرسالة الخامسة في المباهات بالفلسفة والفلسفة الصحيحة
حرصتَ على تحصيل الخيرات بلا فتور وهجرتَ كل شيء انصرافاً إلى تكميل نفسك فأنا أحمد إليك صنيعك وثباتك عليه وأنصح لك بل أرجو منك رجاء أن تثابر على تلك الخطة ولكني أحذرك التشبه ببعض هؤلاء الفلاسفة الذين قد يتغالون حتى يشذوا عن الجادة في إهمال أبدانهم وتيانهم فأحرص أحوالك وأطوارك رغبة في الظهور بمظهر الفلاسفة (الكلبيين) وكفى ما بالفلاسفة اليوم من سوء ظن الناس بهم مهما أظهروا من الحشمة والكمال في أحوالهم فكيف بهم إذا رأى الناس منهم كبير شذوذ وخروج عن مألوفهم؟ أنا لنخالف الناس في بواطننا أما الظاهر فيمكننا أن نظاهرهم عليها ونجاريهم فيها بالمقدار اللازم، فأنا لا أحب مثلاً أن تكون ثيابي مما تلفت الأنظار زخرفة ولكني لا أحب أيضاً أن تكون مما تنبو عنه الأعين قذارة وإهمالاً، ولا أود كذلك أن استعمل آنية الذهب والفضة ولكنني لا أعتقد الزهد والورع إلا وراء ذلك، فلنحرص إذن أن نعيش كما يعيش الناس
стр. 411
اللهم إلا ما عليه العوام والسوقة من أمور مزرية وأنا إن لم نعمل بذلك نبذنا من نريد إصلاحهم وتهذيبهم لأن الناس قد يستصعبون هذا الشذوذ فيتجنبون الإقتداء بنا في شيء توهماً منهم أنهم مكلفون بتقليدنا في كل شيء فتفوت وما غرض الحكمة الأول ذلك الغرض الشريف الأربط البشر بروابط الألفة والمحبة والاتحاد في الفكر والمشرب والتحاب والتعاطف بين الناس فإذا نحن نبذناهم وجفوناهم وبايناهم بأحوالنا وأطوارنا خرجنا لعمري عن ذلك المقصد الأسنى ونددنا عنه ولنخش أن هذه الأحوال الشاذة بدلاً من أن توجب إعجاب الناس بنا وثناءهم علينا تجلب لنا سخطهم واستهزاءهم. إننا وأيم الحق يجب علينا أن نجعل الطبيعة رائدنا ودليلنا في حياتنا والطبيعة تأبى علينا أن نقدم على تعذيب أنفسنا بأنفسنا وأن نمقت بسيط الزينة ونميل إلى لقذارة واختيار ما تعافه من رديء الطعام ولا يعد في شيء من الزهد والتقشف لأنه إذا كان من الرفاهية والتنعم اختيار الألوان الشهية فلا ريب أنه من الحمق والجنون نبذ الأطعمة العامة الرخيصة الثمن والفلسفة إنما تحث إتباعها على الزهد والقناعة لا على التشدد وإرهاق النفس فالقناعة والزهد حالهما وسط بين الطرفين وهو ما يجب أن نختاره لأنفسنا بأن نجمع في حياتنا ومعيشتنا بين الخلال الحميدة والخصال الرجيحة حتى تكون حياتنا على الدوام موضع إعجاب الناس لا موضع استغرابهم وتعجبهم ولقائل أن يقول ما هذا أو تريد أن يتساوى أهل الحكمة مع عامة الناس في أحوالهم وأمورهم بلا فرق ولا تمييز؟ أقول أن الفرق ما زال عظيماً بشرط أن يدقق فيه النظر وينعم الفكر فالذي يدخل بيت الحكيم يعجب برب الدار أكثر مما يعجب بما تحوي من أثاث ورياش وأن الحكيم ليتساوى عنده استعمال آنية الفخار وآنية الفضة لما حازت نفسه من سمو ورفعة بعكس ذوي النفوس الضعيفة فإنهم يفرحون ويسرون باستعمال هذه ويغتمون ويحزنون إذا حرموا إلا من تلك.
وهاك ما أشاطرك إياه مما استفدته من الحكمة في يومي هذا وقد التقطتها من أحد أبناء شيعتنا أعني به هيكافون وهي تدل على أن خمود نار الرغائب علاج ثمين للخوف قال أقطع عن النفس الأمل ينقطع عنك الخوف ولعلك تقول أي علاقة بين هذين الإحساسين المتباينين كل التباين؟ فأقول أجل أيها الصديق لوسليوس أنهما وإن اختلفا في الظاهر لكنهما مرتبطان في الحقيقة وأن السلسلة التي تربط الأسير بالأسر لأقل ارتباطاً مما بين
стр. 412
هاتين العاطفتين فالخوف يتبع الأمل ولا عجب في ذلك ولا غرابة فيه لأن كلا منهما منشؤه قلق النفس وخوفها على المستقبل وسبب ذلك أن المرء بدلاً من أن يكتفي بالحاضر تتشبث أفكاره بالمستقبل البعيد فتضل بصيرته ويصير نورها الذي هو أكبر نعمة عليه آلة يخاف شرها على أن الوحوش قد تحذر الأخطار الواقعة وتهرب منها عند رؤيتها فإذا ما مرت سكنت نفوسها وعادت إليها طمأنينتها أما نحن فإن نفوسنا لعمري فريسة بين المستقبل والماضي وكل قوانا تعمل ضدنا فلذاك توقظ فينا الوساوس والمخاوف والعقل يغفل عنها ويتخطاها فلذلك لا يكفينا الاهتمام بمشاغل الحاضر ومتاعبه حتى نضيف إليها هموم المستقبل ومخاوفه.
الرسالة السادسة في الصداقة الصحيحة
أرى نفسي أيها الصديق تتزكى أو أراني بالأولى متحولاً من الحال التي هي أدنى إلى الحال التي هي أعلى، على أني لا أفتخر ولا أدعي أنه لم يبق في شيء يعوزه البتة الإصلاح والتغيير إذ كم أمامي لعمري مما هو بحاجة إلى الإصلاح والتهذيب ولكن شعور الإنسان بنقصه وتقصيره دليل على الأقل على أنه يعرف خطأه ويعترف بخطاياه والناس تهنئ عادة المريض الذي يشعر بالمرض لأنه دليل في الغالب على البرء من الداء وقرب الشفاء من العلة وهلا يكون في قدرتي أن أفيض عليك مما يفاض علىَّ من ذلك حتى يكون ما بيننا من روابط المحبة والصداقة على أتمه ووثقه وهو ما أرى فيه الصداقة الحقيقية، تلك الصداقة التي لا يمكن أن يحل رباطها خوف أو أمل أو نفع، تلك الصداقة التي يموت عليها المرء ولأجلها يفدي حياته ولكن كم من أناس وجدوا أدعياء في الصداقة لا أوفياء فيها فلكي لا تشوب الصداقة شائبة ينبغي أن تتصافى القلوب وتخلص السرائر في تبادل المحبة من الجانبين على السواء بذلك تتحد الأفئدة وتأتلف الأهواء المتفرقة وإن قلت وما سر ذلك وعلته قلت أن النفوس إذا تصافت وتحابت لا جرم علمت أن الأمور بينها مشتركة خيرها وشرها واراك تغبطني على ما استفدته وشرحته آنفاً وتعلم منه مقدار ما ينالني من التقدم والارتقاء في كل يوم تطلع على فيه شمسه.
ولقد تقول لي ابعث إلي بهذا العلاج الشافي تعالج به أدواء نفسك فأقول أجل أيها الصديق أني لأتقد غيرة وشوقاً إلى حبه حباً في نفسك لو أمكنني ذلك لأني لا أبتهج بما يفتح علي
стр. 413
به من العلم إلاّ على أمل أن أعلمه غيري فأجمل ما يتاح لي اكتشافه وألطف ما اهتدي إلى ابتكاره لا يحلو لي ولا يطيب إلا إذا توصلت إلى إيصاله لسواي، ولو لقنت الحكمة على شرط أن أكنها في صدري ولا أعلمها الناس لرفضتها وما قبلتها إذ أفضل الأشياء ما كان مشتركاً بين الناس كثير التداول عام النفع بينهم وعليه فقد رأيت أن أبعث بنفس نفائس الكتب التي استقي منها وأغوص فيها على الدرر واللآلئ التي التقطها لتستخرج منها لنفسك بنفسك ما تشاء، ولكي أكفيك مؤنة التعب والنصب في البحث والتنقيب بين ثناياها علمت لك بخط يدي على الصفحات وعلقت على هوامشها بيدي تعليقات ترشدك بسرعة إلى المقاصد والأغراض وما أعجبني من عيون الحكمة ولكن ثق أن تلقيك بالمشافهة والمحاضرة مع صديقك ليفضل عندي كثيراً تلقيك عن الكتب لأن في المعاينة والسماع والخبر بالنفس ما يفضل كل طريقة أخرى عند الناس، وسبيل التعليم بالقدوة العملية خير مما يلقى في الأسماع من النصائح والتعاليم النظرية وما حاكي كلينشيوس الحكيم زينون إلا لما عاشره وأخذ عنه واقتدى به ودرس سلوكه وقارن بين ذلك من أحواله وبين تعاليمه، وما تبع أفلاطون وأرسطاطاليس وغيرهم من الحكماء الحكيم سقراط ولم يخالفوه كبير مخالفة إلا لما أخذوا عنه وسبروا أحواله واقتدوا به، وما اقتفى أثر أبيقور أشياعُه من مشاهير الحكماء ميترودور وهيرمارك ويولينس إلا لما جعلوا سيرته أسوة حسنة لهم إلى جنب تعاليمه، على أني إذا كنت أطلب منك ذلك فأني إنما أطلبه لفائدتي أنا أيضاً لا لفائدتك وحدك لأنا بالاختلاط والمعاشرة ينفع أحدنا الآخر فيما نحن بصدده ويشد أُزره وهاك ضريبتي اليوم وهي مما أعجبني من حكمة هيكاتوز قال: أتريد أن تعلم ما هي وسائل ارتقائي ونجاحي هي أني صديق لنفسي ولقد أصاب كبد الحقيقة لأن صديق نفسه الحقيقي ثق بأنه صديق لكل الناس.
صالح حمدي حماد
стр. 414
الحكمة المشرقية
حكم فتاحوتب
تعريب الأستاذ محمد لطفي جمعه
إذا كنت رئيساً فعامل من هم أقل منك مرتبة برفق وأعلم أن مرؤسك هو عضدك وساعدك وأن التشدد في معاملته يعقل لسانه ويختم على قلبه فيخفى عنك ما قد يفيدك العلم به أما إذا استعبدته بالحسنى فلعله يبوح لك بما يضمر ويفتح لك خزائن قلبه وعودة الحرية في القول يصدقك فيما ينفعك ولا يخدعك فيما يضرك وإذا أتاك في أمر له فلا تجبهه بل كن شفيقاً صبوراً وإذا استطعت إجابة سؤاله فلا تبطئ فخير البر عاجله. وإياك والشدة في معاملة من يطيعون أمرك فقد تكون داعية إلى سوء الظن بك. واعلم أن الإصغاء للضعيف والمكروب فضيلة يمتاز بها الأخيار على الأشرار.
إذا شئت أن تستبقي حب أخ وإخلاص صديقك فاحذر مشورة النساء لأنها مجلبة الشر في كل زمان مكان وأعلم أن حب المرأة مجلبة الهلاك وما طاب عيش امرئ يقضي على سعادته ويستهين بحياته في سبيل لذة لا تدوم أكثر من طرفة عين وتورث آلاماً ما تبقى مدى الحياة.
اجتنب جلساء السوء فإن في بعدهم غنماً وفي قربهم غرماً. إذا شئت أن تكون صادقاً في قولك أميناً في عملك فطهر نفسك من أدران العناد والطمع واحذر الشراهة والجشع وأن كنت خلواً من تلك النقائص فحذار أن تقع في هوتها فإنها أدواء لا تستقيم حال المرء ما دامت جراثيمها عالقة به وأعلم أن تلك المعائب تفرق بين الوالد وتشتت شمل الجماعات وتبدد أوصال الصداقات وتقطع ما بين الرجل والمرأة من صلات الود والمحبة وتغرس بذور النفور والبغض.
كن عادلاً فإن العدل يضمن لك الفوز في مضمار الحياة لأن له صولة تدوم وتبقى في الأرض. لا تحاول أن تنال بالبطش والظلم ما ليس لك ولا تحسد جارك على نعمة أصابها إنما الحسد سم لا ترياق له وقد رأيت الحسود والشره يقضيان عمرهما في فاقة ولو كانا غنيين أما القنوع الذي يرضى بالقليل إذا لم يستطع الكثير ويغبط غيره إذا ناله الخير فإنه لا محالة غنى ولو بات على الطوى وتقلب في الثرى.
стр. 415
إذا كنت ذا أهل فأعدد لهم عدتهم وأوفهم حاجتهم ولا تحرمهم خيرك وبرك وأخلص جتك التي تفرش لك وتنيمك وأطعمها إذا جاعت واكسها إذا عريت وداوها إذا مرضت وأسعدها إذا شقيت فهي أغلى ما تملك وأعز نعم الله عليك وحذار أن تقسو في عشرتها وكن بها رحيماً فن الرحمة تحببك إليها وتقربك من قلبها والقسوة تنفرها منك وتقصي ودها عنك. والمرأة أسيرة من يكرمها وهي كثيرة الولع بزهو الدنيا وزخرفتها فإن لم تنلها ما تحب من المتاع هجرتك.
أحسن إلى خدمك وحشمك وأعطهم مما أعطالك الله فما منحك المال الكثير والخير الوفير إلا لتمنح ذوي القليل. علمت أن إرضاء الأجير محال فهو كثير الطمع قليل الإخلاص ولكنك إذا غمرته بإحسانك وأسرته بكرمك أنطقت لسانه بشكرك. واعلم أن الله ينقم على بلد أجراؤه أرقاء وعمَّاله أذلاء فارعهم بعين الإحسان يرعك الله بعين الرحمة.
إياك أن تفوه بفحش القول وإن سمعت القول فمرّ كريماً وصن أذنيك عنه وأعرض عن قائله وإياك أن تعتب على قائله أو تؤنبه فإن في سكوتك وعفوك عنه درساً نافعاً وعظة بالغة فإن الخير يصلح الشرير بخيره ويرده عن غيه وشره.
إذا أمرك من هو أقدر منك بمعصية فاعصه لأن العصيان في النقيصه طاعة للفضيلة. لا تستعن على قضاء حاجتك بالكتمان فلعل فيه أذى ومضرة وربما منع الكتمان عن الانتفاع بعملك.
إذا تطلبت الحكمة وشئت أن ترتفع إلى مجالس الكبراء وأن تعاشر الحكام والعظماء فهذب نفسك واقض زمنك في تكوين عقلك بالعلم وتكميل قلبك بالفضائل لأن العلم والفضيلة يوليانك البطش والقوة. واعلم أن الاقتصاد في القول خير من الإسراف فيه فلا تنبس بكلمة حتى تزنها وإذا كنت في مجلس الدولة تجادل وتناضل فلا تنطق إلا بمقدار فلست تدري مكان من يناضلك من البيان وقوة الحجة. إياك والادعاء فإنه فتنة وإن حذقت في فن فلا تزه بحذقك على أقرانك فقد يكبو اللبيب ويخبو الأريب. ويصيب الغبي ويخطئ الذكي.
إذا كنت في مجلس فلا تلزم الصمت البتة وحذار أن تقطع حديث محدثك أو تجيب علي مالم يسألك عنه. إياك والحدة في القول فقد يعقبها الندم. اعتده كبح جماح نفسك والزم صون لسانك عما يجول في صدرك. لا تجعل كنز المال معقد آمالك ولا غاية أعمالك ولا
стр. 416
تكن كالذين يقضون أعمارهم ويبذلون نفوسهم ويريقون أمواه وجوههم في جمع الثروة فإن هؤلاء كالخنازير لا يرفعون خياشيمهم من الوحل.
إذا لهوت فلا تتماد في لهوك فإن التمادي في اللهو والإفراط في السرور يذهبان بالخير من الحياة.
إذا أردت أن تصيب غرضاً فكن كأحذق الرماة تصويباً أنعم النظر في هدفك قبل توتير قوسك فإذا وطدت نفسك ووترت قوسك أطلق سهمك. واعلم أن ربان السفينة لا يبلغ المرفأ الأمين إلا إذا ساير الريح.
إذا اصطفاك الملك واصطحبك واستعان بك فلا تغتر بما لك عليه من الدالة فتلهيه عما يهمه بأن تسمعه مالا يحب أو تنبئه بما يكره فإنه إن وسعك حلمه مرة لا يسعك أخرى وهيهات أن يؤمن شر من إذا قال فعل. أعلم أن رفعتك لا تكون بعلو نفسك ولا تعلو إلا النفس التي اختارها الله والله لا يختار إلا نفساً تحب أعداءها كما تحب أصدقاءها وتبغض الشر لذاته وتعمل الخير حباً فيه لا جلباً لنفع تريده.
إذا وكل إليك تهذب صبي من أبناء الأشراف والأمراء فلا تخش بأس أهله في تقويم خلقه وإصلاح حاله فإنك إن قمت بعملك كما توحي إليك نفسك وذموك في الحال أثنوا عليك في المآل وكان نصحك كالدواء يسوء استعماله ويحسن مآله. أوصيك بتهذيب الصغير بحيث يستطيع مجالسة الكبراء فإن في هذا من الفضائل مالا يحصي وإذا وفقت إلى القيام بعملك وقدر أهل الصبي حسن فعلك أغدقوا عليك نعمهم ورفعوك إلى مراتبهم وقد تعلوهم وتفوقهم بعد أن تصير مربيهم وأستاذهم.
إذا كنت من رجال الدين ووكل إليك أمر الفصل في مشكلة عويصة بين الملك والرعية فاحكم بالقسطاس وكن عدلاً ولا تظلم الشعب لتصانع الملك لئلا توصم بوصمة الأشراف وهي أنهم ينصرون القريب والصديق ولو كان على ضلال مبين ويخذلون العدو الغريب ولو كان على حق وهدي بل كن يا ولدي مع الحق والعدل أينما كانا يكن الله والخير معك. إن أساءك من أحسنت إليه فاعف عنه واجتنب عشرته فإن كان حراً فالعفو قتل له وإن كان وغداً ففي هجرك إياه منجاة لك من شره.
إذا عظم قدرك بعد حقارة شأنك واستغنيت بعد فقرك فلا تقصر خيرك على نفسك إنما أنت
стр. 417
خليفة الله في أرضه وحارس نعمته وولي خلقه رزقك لتعطيهم وهداك لتهديهم وأحسن إليهم فلا تخن الله في أمانته ولا تكفر بنعمته فما كفر بها إلا كل معتد أثيم. أطع ولي أمرك واخضع له بالحق فإن عيشك رهن الطاعة وإن عصيته ولم يكن قد اعتدى عليك فقد أسأت إلى نفسك.
إذا وليت أمر قوم فلا تتحكم في أعناقهم بظلم ولا تسع في سلب نعمتهم فإن الخير يذهب عنك بقدر ما تذهبه عنهم. ولا تغدر أخاك فيما له من مال لأن الغدر منبت الأحقاد.
إذا شئت أن تسبر غور رجل تريده صاحباً فإياك وسؤال الناس عنه فما ذكروا لواحد حسنة إلا وأردفوها بمساوي لا تعد بل أكتف بعشرته أمداً محسناً إليه ما استطعت فينبسط الرجل ويفضي لك بما في نفسه فإن راقك بعد التجارب فاقبل عليه وفاتحه فيما تود وإلا فاتركه بالمعروف والحسنى وأن صحبته فلا تحتجر عليه في الحديث وإن استصغرت شأنه فلا تشعره بما تراه فيه فينفر عنك وده ولا تحرم أخاً لك نفعاً تملكه.
اعلم أن كل سعادة يتبعها شقاء وكل غنى يتلوه فقر وكل صفاء له كدر. وأن للأيام دورات فكم من رفيع خفضت ووضيع رفعت وكم صعلوك أسكنت قصراً وكم كريم أذاقت بؤساً وفقراً.
إذا اتجرت فأوصيك باكتساب ثقة الناس فإنهم لك خير نصير إذا كبا بك الزمان وعاكستك صروف الحدثان. أعلم أن الذكر الرفيع أعظم قدراً في نظر العاقل من المال الكثير لأن المال يجيء ليذهب ولكن الشرف إذا حل ألقى رحله ولم يتحول.
إذا سألت فاسأل بالحسنى وإذا سئلت فتلطف في الجواب.
إذا أسأت إلى امرأة في عرضها ودعوتها إلى بذل ماء حيائها وجلبت عليها عاراً يخلق أديم وجهها فكن بها رحيماً وأفض من نعائمك عليها بقدر ما أسأت إليها فإن في ذلك إحساناً وعدلاً وتكفيراً عن الذنوب.
اعلم يا ولدي أنك إذا أطعتني وعملت بما نصحت إليك به فقد نهجت سبل الخير ومن ينهجها لا يضم.
إذا أردت أن تقوم من اعوجاج أهلك ومن حولك فلا تضن على الأحداث والجهلاء منهما بعلم واضرب لهم الأمثال وعلمهم الحكمة ليرجعوا في أمور معاشهم إليها ولعلك مؤد تلك
стр. 418
الأمانة إلى أهلها وتارك وراءك أثراً يبقى في بلاد النيل إلى ما شاء الله فيكون نبراساً يستنير به الشعب والملك لأن في كلمى ما يستفيد به المسترشد فينال من الخير ما ينفعه. وقد نصحت بالرفق والكرم والقناعة لعلمي بأن الحكمة أفرغت في هذه الفضائل الثلاث.
إن من يقرأ قولي سيرضى به وتروقه حكمتي فتستنير بصيرته وتحل عقدة لسانه ويصفو ذهنه ويقوى جناته فيهذب أولاده ويورثهم الحكمة من يعده وهم يورثونها أبناءهم.
اعلم أن لا شيء أحسن لدى الوالد من طاعة الولد البار الذي يعني بقوله ونصحه وإذا تكلم أحسن الكلام وأن ألقى إليه القول أحسن الإصغاء فإن الصغير إذا شب على الطاعة استطاع أن يأمر وينهي في شيبه كما كان يأتمر وينتهي. إن الطاعة زارع يغرس المودة وإكسير يجلي صدأ القلوب ودواء ناجع يشفى داء البغض وآلة تنال بها حكمة الشيوخ وحنكتهم وهيهات أن يخلص لك النصح حكيم لا تطيعه. إن الله يحب الطاعة ويأمر بها في الخير ويبغضها وينهي عنها في الشر ولا ريب في أن القلب هو الذي يأمر صاحبه بالطاعة أو ينهاه عنها لأن حياة الرجل بحياة قلبه فإذا كان طاهراً تقياً كانت حياته طيبة شريفة وإذا كان القلب خبيثاً دنيئاً كانت حياة صاحبه كذلك.
إذا كنت في فتوتك مطيعاً ووليت الرئاسة في رجولتك كنت رئيساً عادلاً. وإن للعدل قوة تؤثر في النفوس الجامحة وتستل منها سخائم العناد.
رأيت الأمراء يحبون المطيع لأنهم يعلمون أن الطاعة فضيلة مكملة للأخلاق فعليك بتعلم الطاعة ولدك ليكون مقرباً من الأمراء والكبراء.
رأيت الجهال يعصون فيهلكون لأنهم لا يفرقون بين الخير والشر ولا بين الربح والخسران فيقترفون الذنوب فيذوقون أنواع الهوان. إن الجاهل قد يغلب العاقل بالثرثرة والهذر ولكنه يقصر عن مدى الأطفال في مجال العلم والحكمة فيجتنبه الناس ويبقى طول حياته مهجوراً محسوراً.
إذا رزقت ولداً فلا تضن عليه بالحكمة التي جدت بها عليك فيناله من الخير بنصحك ما نالك بنصحي وأوصه أن يبلغ رسالتك إلى ابنه من بعده فتبقى الحكمة في بيتنا وهذه نعمة كبرى. توخ الصدق فيما تقول للأطفال لأن نفس الحدث كالعجينة اللينة يسهل تشكيلها على أية صورة تريد واعلم أن الصدق إذا كان أول ما يقابل النفس اعتادته وبذا يمكن استئصال
стр. 419
الرذائل منها وغرس الفضائل مكانها.
اعلم أنك إذا فعلت ما أوصيتك به كنت قدوة عشيرتك وأهلك فتتولى أنت وأولادك قيادة الشعب وزعامته وتلك الدرجة أسمى ما تتطلع إليه النفوس الكريمة. عليك بالعدل في قولك وفعلك واحرص على ما تفوه به حرص البخيل على درهمه والجبان على دمه. كن خاضعاً في حضرة الملك وعيوفاً في نظر أقرانك وإذا نطقت فليكن حديثك مدعاة للإعجاب بك والتحدث بفضلك. أقدر قولي قدره واعلم أن نصيحة الوالد أثمن ما يقتنيه الولد.
إذا بلغت منصبي فاجتهد يا ولدي في إرضاء الملك بإتقان ما تمارس من الأعمال. أحفظ شبابك تحفظ مشيبك. إذا مرضت فبادر إلى علاج جسمك فيطول بذلك عمرك وتنتفع بحياتك أنت وغيرك وتعيش كما عشت مائة وعشر سنين خدمت أثناءها بلادي بالحق والعدل فغمرني الملوك بالإحسان وأغدقوا على النعم فكنت أسعد حالاً من آبائي وأجدادي.
انتهت حكم فتاحوتب الحكيم المصري.
стр. 420
طرف أدبية
اختراع التقبيل
للكاتب العبقري عبد الرحمن شكري
يا رعى الله من اخترع التقبيل فإنه قصيدة من قصائد النسيب وآلة من آلاته ونغمة من نغماته. حدثنا الخيال قال أن آدم هو أول من اخترع التقبيل قال زعموا أن آدم وحواء ذهبا إلى شجرة من شجر توت الجنة وجعلا يأكلان من ثمرها حتى سال رضابهما وامتزج بماء الثمر الذي أكلاه فأعطاه ماء الثمر من حلاوته فبينما يأكلان لمست شفة آدم شفة حواء عن غير قصد فراقتهما تلك اللمسة المعسولة بعصير الثمر فكانا كلما أرادا أن يراجعا لذتها ذهبا إلى شجرة التوت (ياليتهما لم يذهبا بعد ذلك إلى شجرة الحنطة) وبللا شفتيهما بعصير ثمرها ثم حك أحدهما شفته بشفة الآخر.
وجاءت حواء إلى آدم يوماً وقالت له يا آدم أنك قد اخترعت التقبيل بحك الشفاه ولكني اخترعت نوعاً آخر من أنواعه قال آدم وما هو قال هو التقبيل بإطباق الشفاه قال آدم أجدت يا حواء ولكن لا غرو فأنت أم النساء وزعموا أن الحلاوة التي نذوقها إذا قبل أحدنا عشيقته هي بقية جاءتنا من سبيل الوراثة من حلاوة ثمر توت الجنة الذي بلل آدم وحواء شفتيهما بعصيره.
والقبل غذاء العاشق والشاعر فهو إذا قبل حبيبته كانت روحه فوق شفته وطيّ أنفاسه فإذا تصافحت الشفاه تصافحت الأنفس. إنك لتشرئب بعنقك عند التقبيل فتشرئب نفسك حتى تطل على حبيبك من عينك وفمك فإن العين والفم بابان تطل منهما النفس على مرأى صالح ومعتنق طيب.
أيام الشباب وأيام التصابي من لي بتلك القبل البطيئة التي تضرم النفس وتشعل العين وتوقد الخيال. أيام الشباب وأيام التصابي لكانت تلك القبل جيداً في عنقك ورونقاً غضاً في ريعان الحياة. أيام الشباب أنت فجر الحياة فيك تغني القبل بصوتها الغريد كما تغني الأطيار في فجر النهار وفيك تينع القبل في روض الشفاه كما تينع الأثمار والأزهار في الروض. أيام الشباب أنت عنوان الحياة فيك يقرأ القارئ آية الحب وآية العمر.
إن في القبل من بيان المنطق وفصاحة القول ما يعجز (برك) و (ششرو) ومن بلاغة
стр. 421
التعبير وشرف الخيال ما يزرى بشكسبير وابن الرومي والمتنبي والقبل شتى المعاني فإن للحب قبلة وللشهوة قبلة وللحسد والحقد قبلة وللإشفاق والرحمة قبلة وللحزن قبلة وللذل قبلة وللجبن قبلة فغلام يقبل أمه وعاشق يقبل عشيقته وماجن يقبل هلوكا وامرأة تقبل ضرتها وشريكتها في بعلها وأخت تقبل أختاً لها قد أضر بها الحب وزوج يقبل قبر زوجته وذليل يقبل يد السلطان أو قدمه أو التراب الذي تحتها وجبان يقبل أرض ضريح ولي من الأولياء.
إذا رأيت امرأة تقبل امرأة أخرى فاعلم أنها تحبها حباً صادقاً أو أنها تكرها كرهاً شديداً ولكن من النساء من تقبل صاحباتها إذا علمت أنهن يعرفن سراً من أسرارها والتقبيل هو لغة النساء فكأنها تقول لهن في تلك القبل يا صاحباتي لقد علمتن أني أحب فلاناً والقبل إشارة لا يعرف سرها مثل النساء كما لا يعرف سر إشارة الماسونية مثل الماسونيين.
ضمائر الشعراء
والشجاعة الشعرية
إن للشعر رجولة تبعث في قلب المرء خشوعاً مثل خشوع يبعثه صوت العاصفة في صدر السامع. وقد قدم المتنبي على أبي تمام والبحتري وابن الرومي أن نصيب شعره من تلك الرجولة أكبر من نصيب أشعارهم ولولا أن ابن الرومي يفيض المعني الواحد من معانيه على أبيات كثيرة فيودع كل بيت جزأ من المعنى ولولا أن أبا تمام يتكلف الخيال السقيم كثيراً ولولا أن البحتري يعيد معانيه كثيراً لكان شعرهم أعظم وقعاً منه الآن وقد اسعد المتنبي ذلك الإباء الذي جعله يعيش شقياً ويموت شقياً وإذا أردت أن تعرف لم يجري شعر المتنبي مجرى المثل فالتمس سبب ذلك في الآباء الذي أشعل كلماته وأنار معانيه أما مناقضة نفسه في مدح كافور ثم ذمه فهي ليست مما ينافي الآباء وكافور كان ملوماً في مداجاته وهذه المناقضة شيء ضئيل بجانب ذلك النفاق الذي جعل البحتري يمدح المتوكل ثم يرثيه ثم يمدح قاتله والآمر بقتله والذي جعله يمدح المستعين ثم يهجوه أشد الهجاء بعد نكبته وكيف يكون نصيب شعراء اليوم من رجولة الشعر كبيرا وهم يكلفون أنفسهم الكتابة في موضوعات لم تتهيأ أنفسهم للكتابة فيها ولم يجدوا في قلوبهم دافعاً إليها. إن رجولة الشعر في صدق سريرة الشاعر وإحساسه بصدق ما يقول هناك فئة من الشعراء يعوقها فقد
стр. 422
أن الشجاعة الشعرية عن بلوغ شأوها والشجاعة الشعرية هي التي تدفع المرء إلى التعبير عما يوحي إليه ضميره تلك الفئة لا ترى في ضميرها مزجاً إلى القريض ولكن باعثها إليه رغبتها في أن تبين عما تسنه ضمائر الناس ولكن يعوقها عن ذلك أن الكذب والنفاق والخداع والتحيز والغرور حجب مسدولة على ضمائرهم على أن ضمير المرء أصدق مناصحة له من ضمير غيره هذا سبب أن الشاعر من شعراء هذه الفئة يناقض بين أقوله في التعبير عن الأخلاق ويلبس ثيابه ولو لم يكن في هذه الخلة شيء غير فناء الشاعر في شخصية غيره لكان خليقاً بالعبقرية أن يأنف من التخلق بها ولكنها تسوقه إلى إطراء السيئ وهو يعرف أنه سيء وإنما حب العبقري نفسه أنفة من أن يعيش في آراء غيره وقد يعود تعلقه بما يسنه ضميره حباً لنفسه مثل ذلك (روسو) كان شديد التعلق بما يوحي إليه ضميره من الآراء حتى صار يجل نفسه من أجل إجلاله لتلك الآراء وهذه الخلة غير غرور الأديب الذي يقتل ضميره ليحيي آراء الناس فإن هذا الغرور سببه إطراء الناس إياه وتقريظهم شعره. أرأيت ضعيف الجسم إذا أراد أن يلفت الناس عن ضعفه فيملأ فمه كذباً من وصف شجاعته وأقدامه ويطعن الهواء بصرخات يحسبها الغافل صرخات النجدة والحماسة حتى يضج الهواء منها مثل هذا مثل كثير من شعراء السياسة إذا قرأ الغافل شعرهم حسب أن نصيبه كبير من تلك الرجولة التي سببها صدق السريرة وعظم الإحساس فإذا قرأه صاحب الذوق السليم وجد به ضجة مثل ضجة الدجاج قد يحسبها الغافل ضجة الشجاع المستفز هؤلاء الشعراء يلبسون آراءهم كما يلبسون ثيابهم على أن مجال الشاعر في الانتصار للحرية غير مجال السياسي فالأول سبيله التعميم والثاني سبيله التخصيص الأول يعني بالحوادث الكبيرة التي يعني ذكرها المرء في التماس الحرية في الرأي والدين والعمل والثاني يعني بالحوادث اليومية الصغيرة الأول يستمد من التاريخ والخيال والثاني يستمد من السياسة.
стр. 423
العدد ٨ - بتاريخ: ١٥ - ٥ - ١٩١٢
стр. 424
الجنسية العربية في القرآن
ليس ما ألم به علماؤنا من أطراف الإعجاز في القرآن الكريم بالشيء الذي يقذف في روع الزمن معنى الحق من ذلك ويثبت عليه صفة من صفات الإعجاز الخالد وما يكون الإعجاز خالداً إلا إذا قامت به معان زمنية تكون من طبيعة الحياة حتى تستمر مع الحياة. والعلماء ﵏ وإن كانوا قد اتسعوا في وجوه قيمة من البرهان ولكن هذا الكتاب يهدي للتي هي أقوم. وحسبه معجزة ما نقول فيه اليوم من صفة الجنسية العربية التي جعل الأمم أحجاراً في بنائها والدهر على تقادمه كأنه أحد أبنائها، وأقام منها معضلة سياسية في الأرض وضعها ونقدها، وفي السماء حلها وعقدها، وشدّ بها المسلمين فهم إذا ائتلفوا اجتمعوا كالبنيان المرصوص، وإذا تفرقوا سطعوا في تيجان الممالك كالفصوص، وما أن يزالون في التاريخ مرة أصوله، ومرة فصوله، إن لم يقوموا أحياناً بالدين، قام بهم هذا الدين إلى حين، وإن لم يكن لهم اليوم المشهود، فلا يؤخر إلا لأجل معدود، وكيف وقد جمعهم الكتاب الذي أنزل من السماء فكان مثال آدابها، وانتشر في الأرض فكان خلعة شبابها. ودعا إليه الناس على اختلافهم فكأنما كل أمة تدعى إلى كتابها؟
ونحن فقد نعلم أن هذه المعجزة ليست إلى اللغة في مردّها من الفائدة فإنما هي ترمي إلى وحدة سياسية تكون كالنبض لقلب العالم كما سيأتيك بيد أن سبيل ذلك من اللغة فإن القرآن تنزّل من العرب منزلة الفطرة اللغوية التي يساهم فيها كل عربي بمقدار ما تهيأ له من أسبابها الطبيعية إذ كان بما احتواه من الأساليب وما تناوله من أصول الكمال اللغوي وما دار عليه من وجوه الوضع البياني قد هتك الحوائل ومحا الفروق التي تبين قرائح العرب اللغوية بعضها من بعض فاجتمعت منه على الكمال الذي كانت تتخيله ولا تألو عما يدنيها إليه معالجة واكتساباً ولو أنهم تمالؤا طوال الدهر على أن يهذبوا من لغتهم ليبلغوا بها مبلغ الكمال الوضعي على النحو الذي جاء به القرآن لما ازدادوا إلا تعادياً في الرأي وتباعداً عما يجنحون إليه إذ تنزع كل فطرة منزعها في كل قبيل فيزيد الناقص منهم نقصاً فطرياً وهو يحسبه كمالاً ويبعد الكامل عن حقيقة الكمال بعد أن يرى غيره يحسبه نقصاً لأن الفطرة لا تنقاد إلا بالإذعان ولا تذعن إلا لما يكون في حد كمالها المطلق وليس في تاريخ العرب اللغوي من ذلك بالتحقيق قبل القرآن ولا بعده غير القرآن.
تلك سياسة القرآن في جمع العرب رأى ألسنتهم تقود أرواحهم فقادهم من ألسنتهم فلما
стр. 425
استقاموا له أقامهم على طريق التاريخ التي مرت فيها الأمم وطرحت عليها نقائضها فكانت غبارها، وأقامت فضائلها فكانت آثارها، فجعلوا يبنون عند كل مرحلة على أنقاض دولة، ويرفعون على أطلال كل مذلة صولة، ويخيطون جوانب العالم الممزق بإبر من الأسنة وراءها خيوط من الأعنة، حتى أصبح تاريخ الأرض عربياً، وصار بعد الذلة والمسكنة أبياً، واستوسق لهم من الأمر مالم ترو الأيام مثل خبره لغير هؤلاء العرب حتى كأنما نويت لهم جوانب الأرض وكأنما كانوا حاسبين يمسحونها. لا غزاة يفتحونها. فلا يبتدئ السيف حساب جهة من جهاتها حتى تراه قد بلغ بالتحقيق آخره، ولا يكاد يشير إلى (قطر) من أقطارها إلا أراك كيف تدور (الدائرة).
وإن هذا الأمر لحقيق أن تذهب من تعليله نفوس الحكماء في ألوان من المعاني متشابه وغير متشابه فإنه أمر إلهي كيفما أدرته رأيت في جانبه الذي يليك ضوءً كضوء الصواعق وحركة كحركة الزلازل وقوة كالتي تتسلط بها السماء على الأرض فكأنك تتأمل منه صورة الطبيعة أو الطبيعة المعنوية في عالم التاريخ. ولو أن رمال الدهناء نفضت على الأرض جنوداً عربية لما عدت أن تكون آفة اجتماعية تهلك الحرث والنسل وتدع الشعوب متناثرة كبقايا البناء الخرب ثم لا تكون إلا أيام يتداولونها بينهم حتى تتنفس الأرض من بعدهم فتذهب آثارهم الظالمة في حر أنفاسها، وتنقضي أعمالهم فتنطوي من الزمن في أرماسها. لأنه لا يهجم على الأرض منهم أكثر من أمر البطون الجائعة وما إليها. . . ولعمرك ما العرب وما غير العرب من الشعوب البادية إلا بطونهم حتى لأحسبهم إذا اجتمعوا كانوا معدة الأرض وكان أهل العرف في فنون الملاذ من الحضريين أمعاءها. . . وما أظن مرجع ذلك إلى غير القرآن بل أنا مستبصر في صحة هذا المعنى مستيقن أنه مذهب التعليل إلى الحقيقة بعينها لأن القرآن هو صفَّى تلك الطباع وصقل جوانب الروح العربية حتى صارت المعاني الإلهية تتراءى فيها وكأنها عن معاينة فكأنما كان العرب يقطعون الأرض في فتوحهم ليبلغوا طرفاً من أطراف السماء فينفذوا إلى ما وعدهم الله ويتصلوا بما أعد لهم ولو لم يكن القرآن قد سلك إلى ذلك مسلكه من الفطرة اللغوية في نفوسهم حتى استبد بها في مستقرها وصرَّفها في وجوه معانيه ما بلغ من القوم رأياً ولا نية ولأوشك أن يكون في مقامات البيان عندهم وما يهتف به شعراؤهم وخطباؤهم ما يذهب به ويمسح أثره
следующие страницы →