Полный текст (3 596 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
التعبير وشرف الخيال ما يزرى بشكسبير وابن الرومي والمتنبي والقبل شتى المعاني فإن للحب قبلة وللشهوة قبلة وللحسد والحقد قبلة وللإشفاق والرحمة قبلة وللحزن قبلة وللذل قبلة وللجبن قبلة فغلام يقبل أمه وعاشق يقبل عشيقته وماجن يقبل هلوكا وامرأة تقبل ضرتها وشريكتها في بعلها وأخت تقبل أختاً لها قد أضر بها الحب وزوج يقبل قبر زوجته وذليل يقبل يد السلطان أو قدمه أو التراب الذي تحتها وجبان يقبل أرض ضريح ولي من الأولياء.
إذا رأيت امرأة تقبل امرأة أخرى فاعلم أنها تحبها حباً صادقاً أو أنها تكرها كرهاً شديداً ولكن من النساء من تقبل صاحباتها إذا علمت أنهن يعرفن سراً من أسرارها والتقبيل هو لغة النساء فكأنها تقول لهن في تلك القبل يا صاحباتي لقد علمتن أني أحب فلاناً والقبل إشارة لا يعرف سرها مثل النساء كما لا يعرف سر إشارة الماسونية مثل الماسونيين.
ضمائر الشعراء
والشجاعة الشعرية
إن للشعر رجولة تبعث في قلب المرء خشوعاً مثل خشوع يبعثه صوت العاصفة في صدر السامع. وقد قدم المتنبي على أبي تمام والبحتري وابن الرومي أن نصيب شعره من تلك الرجولة أكبر من نصيب أشعارهم ولولا أن ابن الرومي يفيض المعني الواحد من معانيه على أبيات كثيرة فيودع كل بيت جزأ من المعنى ولولا أن أبا تمام يتكلف الخيال السقيم كثيراً ولولا أن البحتري يعيد معانيه كثيراً لكان شعرهم أعظم وقعاً منه الآن وقد اسعد المتنبي ذلك الإباء الذي جعله يعيش شقياً ويموت شقياً وإذا أردت أن تعرف لم يجري شعر المتنبي مجرى المثل فالتمس سبب ذلك في الآباء الذي أشعل كلماته وأنار معانيه أما مناقضة نفسه في مدح كافور ثم ذمه فهي ليست مما ينافي الآباء وكافور كان ملوماً في مداجاته وهذه المناقضة شيء ضئيل بجانب ذلك النفاق الذي جعل البحتري يمدح المتوكل ثم يرثيه ثم يمدح قاتله والآمر بقتله والذي جعله يمدح المستعين ثم يهجوه أشد الهجاء بعد نكبته وكيف يكون نصيب شعراء اليوم من رجولة الشعر كبيرا وهم يكلفون أنفسهم الكتابة في موضوعات لم تتهيأ أنفسهم للكتابة فيها ولم يجدوا في قلوبهم دافعاً إليها. إن رجولة الشعر في صدق سريرة الشاعر وإحساسه بصدق ما يقول هناك فئة من الشعراء يعوقها فقد
стр. 422
أن الشجاعة الشعرية عن بلوغ شأوها والشجاعة الشعرية هي التي تدفع المرء إلى التعبير عما يوحي إليه ضميره تلك الفئة لا ترى في ضميرها مزجاً إلى القريض ولكن باعثها إليه رغبتها في أن تبين عما تسنه ضمائر الناس ولكن يعوقها عن ذلك أن الكذب والنفاق والخداع والتحيز والغرور حجب مسدولة على ضمائرهم على أن ضمير المرء أصدق مناصحة له من ضمير غيره هذا سبب أن الشاعر من شعراء هذه الفئة يناقض بين أقوله في التعبير عن الأخلاق ويلبس ثيابه ولو لم يكن في هذه الخلة شيء غير فناء الشاعر في شخصية غيره لكان خليقاً بالعبقرية أن يأنف من التخلق بها ولكنها تسوقه إلى إطراء السيئ وهو يعرف أنه سيء وإنما حب العبقري نفسه أنفة من أن يعيش في آراء غيره وقد يعود تعلقه بما يسنه ضميره حباً لنفسه مثل ذلك (روسو) كان شديد التعلق بما يوحي إليه ضميره من الآراء حتى صار يجل نفسه من أجل إجلاله لتلك الآراء وهذه الخلة غير غرور الأديب الذي يقتل ضميره ليحيي آراء الناس فإن هذا الغرور سببه إطراء الناس إياه وتقريظهم شعره. أرأيت ضعيف الجسم إذا أراد أن يلفت الناس عن ضعفه فيملأ فمه كذباً من وصف شجاعته وأقدامه ويطعن الهواء بصرخات يحسبها الغافل صرخات النجدة والحماسة حتى يضج الهواء منها مثل هذا مثل كثير من شعراء السياسة إذا قرأ الغافل شعرهم حسب أن نصيبه كبير من تلك الرجولة التي سببها صدق السريرة وعظم الإحساس فإذا قرأه صاحب الذوق السليم وجد به ضجة مثل ضجة الدجاج قد يحسبها الغافل ضجة الشجاع المستفز هؤلاء الشعراء يلبسون آراءهم كما يلبسون ثيابهم على أن مجال الشاعر في الانتصار للحرية غير مجال السياسي فالأول سبيله التعميم والثاني سبيله التخصيص الأول يعني بالحوادث الكبيرة التي يعني ذكرها المرء في التماس الحرية في الرأي والدين والعمل والثاني يعني بالحوادث اليومية الصغيرة الأول يستمد من التاريخ والخيال والثاني يستمد من السياسة.
стр. 423
العدد ٨ - بتاريخ: ١٥ - ٥ - ١٩١٢
стр. 424
الجنسية العربية في القرآن
ليس ما ألم به علماؤنا من أطراف الإعجاز في القرآن الكريم بالشيء الذي يقذف في روع الزمن معنى الحق من ذلك ويثبت عليه صفة من صفات الإعجاز الخالد وما يكون الإعجاز خالداً إلا إذا قامت به معان زمنية تكون من طبيعة الحياة حتى تستمر مع الحياة. والعلماء ﵏ وإن كانوا قد اتسعوا في وجوه قيمة من البرهان ولكن هذا الكتاب يهدي للتي هي أقوم. وحسبه معجزة ما نقول فيه اليوم من صفة الجنسية العربية التي جعل الأمم أحجاراً في بنائها والدهر على تقادمه كأنه أحد أبنائها، وأقام منها معضلة سياسية في الأرض وضعها ونقدها، وفي السماء حلها وعقدها، وشدّ بها المسلمين فهم إذا ائتلفوا اجتمعوا كالبنيان المرصوص، وإذا تفرقوا سطعوا في تيجان الممالك كالفصوص، وما أن يزالون في التاريخ مرة أصوله، ومرة فصوله، إن لم يقوموا أحياناً بالدين، قام بهم هذا الدين إلى حين، وإن لم يكن لهم اليوم المشهود، فلا يؤخر إلا لأجل معدود، وكيف وقد جمعهم الكتاب الذي أنزل من السماء فكان مثال آدابها، وانتشر في الأرض فكان خلعة شبابها. ودعا إليه الناس على اختلافهم فكأنما كل أمة تدعى إلى كتابها؟
ونحن فقد نعلم أن هذه المعجزة ليست إلى اللغة في مردّها من الفائدة فإنما هي ترمي إلى وحدة سياسية تكون كالنبض لقلب العالم كما سيأتيك بيد أن سبيل ذلك من اللغة فإن القرآن تنزّل من العرب منزلة الفطرة اللغوية التي يساهم فيها كل عربي بمقدار ما تهيأ له من أسبابها الطبيعية إذ كان بما احتواه من الأساليب وما تناوله من أصول الكمال اللغوي وما دار عليه من وجوه الوضع البياني قد هتك الحوائل ومحا الفروق التي تبين قرائح العرب اللغوية بعضها من بعض فاجتمعت منه على الكمال الذي كانت تتخيله ولا تألو عما يدنيها إليه معالجة واكتساباً ولو أنهم تمالؤا طوال الدهر على أن يهذبوا من لغتهم ليبلغوا بها مبلغ الكمال الوضعي على النحو الذي جاء به القرآن لما ازدادوا إلا تعادياً في الرأي وتباعداً عما يجنحون إليه إذ تنزع كل فطرة منزعها في كل قبيل فيزيد الناقص منهم نقصاً فطرياً وهو يحسبه كمالاً ويبعد الكامل عن حقيقة الكمال بعد أن يرى غيره يحسبه نقصاً لأن الفطرة لا تنقاد إلا بالإذعان ولا تذعن إلا لما يكون في حد كمالها المطلق وليس في تاريخ العرب اللغوي من ذلك بالتحقيق قبل القرآن ولا بعده غير القرآن.
تلك سياسة القرآن في جمع العرب رأى ألسنتهم تقود أرواحهم فقادهم من ألسنتهم فلما
стр. 425
استقاموا له أقامهم على طريق التاريخ التي مرت فيها الأمم وطرحت عليها نقائضها فكانت غبارها، وأقامت فضائلها فكانت آثارها، فجعلوا يبنون عند كل مرحلة على أنقاض دولة، ويرفعون على أطلال كل مذلة صولة، ويخيطون جوانب العالم الممزق بإبر من الأسنة وراءها خيوط من الأعنة، حتى أصبح تاريخ الأرض عربياً، وصار بعد الذلة والمسكنة أبياً، واستوسق لهم من الأمر مالم ترو الأيام مثل خبره لغير هؤلاء العرب حتى كأنما نويت لهم جوانب الأرض وكأنما كانوا حاسبين يمسحونها. لا غزاة يفتحونها. فلا يبتدئ السيف حساب جهة من جهاتها حتى تراه قد بلغ بالتحقيق آخره، ولا يكاد يشير إلى (قطر) من أقطارها إلا أراك كيف تدور (الدائرة).
وإن هذا الأمر لحقيق أن تذهب من تعليله نفوس الحكماء في ألوان من المعاني متشابه وغير متشابه فإنه أمر إلهي كيفما أدرته رأيت في جانبه الذي يليك ضوءً كضوء الصواعق وحركة كحركة الزلازل وقوة كالتي تتسلط بها السماء على الأرض فكأنك تتأمل منه صورة الطبيعة أو الطبيعة المعنوية في عالم التاريخ. ولو أن رمال الدهناء نفضت على الأرض جنوداً عربية لما عدت أن تكون آفة اجتماعية تهلك الحرث والنسل وتدع الشعوب متناثرة كبقايا البناء الخرب ثم لا تكون إلا أيام يتداولونها بينهم حتى تتنفس الأرض من بعدهم فتذهب آثارهم الظالمة في حر أنفاسها، وتنقضي أعمالهم فتنطوي من الزمن في أرماسها. لأنه لا يهجم على الأرض منهم أكثر من أمر البطون الجائعة وما إليها. . . ولعمرك ما العرب وما غير العرب من الشعوب البادية إلا بطونهم حتى لأحسبهم إذا اجتمعوا كانوا معدة الأرض وكان أهل العرف في فنون الملاذ من الحضريين أمعاءها. . . وما أظن مرجع ذلك إلى غير القرآن بل أنا مستبصر في صحة هذا المعنى مستيقن أنه مذهب التعليل إلى الحقيقة بعينها لأن القرآن هو صفَّى تلك الطباع وصقل جوانب الروح العربية حتى صارت المعاني الإلهية تتراءى فيها وكأنها عن معاينة فكأنما كان العرب يقطعون الأرض في فتوحهم ليبلغوا طرفاً من أطراف السماء فينفذوا إلى ما وعدهم الله ويتصلوا بما أعد لهم ولو لم يكن القرآن قد سلك إلى ذلك مسلكه من الفطرة اللغوية في نفوسهم حتى استبد بها في مستقرها وصرَّفها في وجوه معانيه ما بلغ من القوم رأياً ولا نية ولأوشك أن يكون في مقامات البيان عندهم وما يهتف به شعراؤهم وخطباؤهم ما يذهب به ويمسح أثره
стр. 426
من القلوب ولا يدع له مساغاً إلى ما وراء السمع لأن هؤلاء تنفث عليهم ألسنتهم بأفصح الفصيح وأبين البيان في رأي العرب وإن لم يكن كلامهم بتلك المنزلة ولكن الحمية والعصبية واللحمة ومؤاتاة الهوى كلها فصيح وكلها بيان. وليس الشأن في اللغة وألفاظها ومعانيها وإنما الشأن فيما يمكن أن تفهمه النفس من كل ذلك وهي لا تفهم إلا ما يكشف عن طبائعها ويبين عن عاداتها ولولا اختلاف النفوس في هذا الفهم ما رأيت اللغة الواحدة عند أهلها كأنها في المعنى لغات متباينة فرب كلمة من لغة رجلين وإذا سمعاها رأيتها كلها ليست من لغة أحدهما كأن تكون كلمة من باب الحفاظ يسمعها عزيز وذليل، أو لفظة من باب الكرم يلقّاها جواد وبخيل.
وأنت إذا أنعمت على تدبر هذا المعنى وأطلت تقليب الرأي فيه فإنك واجد منه سبيلاً إلى وجه من أبين وجوه الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم فإنه سفه أحلام العرب وخلع آلهتهم وقمع طغيانهم واشتد عليهم بالعنف محضاً بعد اللين ممزوجاً حتى جعلت دماؤهم كأنما ترقرق في بعض آياته ولم يهدأ عنهم بل ردد ذلك وكرره وعمهم به وأرسله في كل وجه وقرع أنوفهم وهاج منهم حمية الجاهلية وجاراهم في مضمار المخاطرة وإلى حد المقارعة على عزة العشيرة وكثرة الحصى وهم القوم كانت لهم كل هتفة كأن الأرواح هواء في صوتها، فلا يهتف بها حتى تنهض الأجسام لموتها، ولا تسير على الأرض بالرجال، حتى تطير إلى السماء بالآجال. ثم لم يمنعهم ذلك وما إلى ذلك من أن ينقادوا ثم ينقادوا لا جرم أنها كانت الفطرة اللغوية لا غير.
بلى ولقد يخيل إلى أن ألفاظ القرآن كانت تلبس العرب حتى تتركهم كالمعاني السائرة التي لا تزال تطيف بالرؤوس فما بين العقل وبين أن تلجه هوادة ولا بين الوهم وبين أن تصدعه منزلة وإلا فأي قوم كان هؤلاء الجفاة وهم لم يستصلحوا أنفسهم إلا بما يفسد جماعتهم ولم يأبوا أن يرأموا لذل غيرهم إلا ليضرب بعضهم الذلة على بعض ولم يتخذوا السيف ناباً إلا ليأكلهم ولا الحرب ضرساً إلا لتمضغهم وكانوا أهل جزيرة واحدة وكأنهم في تناكرهم أهل الأرض كلها من قاصية إلى قاصية. ثم ما عسى أن يكون أمرهم إذا هم قرعوا صفاة الأرض والحال فيهم ما علمت إلا ما يكون من أمر الحصاة يقرع بها الجبل الأشم ثم تنحدر عنه بصوت كالأنين إن كان منها فهو لعمرك استخذاء. وإن كان من الجبل
стр. 427
فهو لعمري استهزاء.
ولقد كان من إعجاز القرآن أن يجمع هؤلاء الذين قطعوا الدهر بالتقاطع على صفة من الجنسية لا عصبية فيها إلا عصبية الروح إذ أخذهم بالفطرة حتى ألف بين قلوبهم وساوى بين نفوسهم وأجراهم على المعدلة في أمورهم فجعل منهم أمة تسع الأمم بوجهها كيف أقبلت لأنها لا توجهه إلا لله فكأن بينها وبين الله كل ما تحت السماء. ومن هذا المعنى نشأت الجنسية العربية فإن القرآن بدأ كما علمت بالتأليف بين مذاهب الفطرة اللغوية في الألسنة ثم ألف بين القلوب على مذهب واحد وفرغ من أمر العرب فجعلهم سبيلاً إلى التأليف بين ألسنة الأمم ومذاهب قلوبها على تلك الطريقة الحكيمة التي لا يأتي علم تربية بأبدع منها. أما التوفيق بين مذاهب قلوبهم فبالدين الطبيعي الذي جاء به القرآن ولو نزعت الطبيعة الإنسانية إلى غير معانيه لكانت طبيعة شر وإن ظنت منزعها إلى الخير. وأما التأليف بين ألسنتهم فيما نزع إليه من المعنى العربي الذي حفظه القرآن على الدهر ببقائه على وجهه العربي الفصيح لفظاً وحفظاً لا يجد إليه التبديل سبيلاً، ولا يأتيه الباطل محيلاً ولا يدخله التحريف كثيراً ولا قليلاً بحيث يكون كأنه عقدة لغوية لا تتحلل منها الألسنة المختلفة وهذا من أرقى معاني السياسة فإن الأمم إذا لم تكن لها جامعة لسانية لا يجمعها الدين ولا غير الدين إلا جمع تفريق. وجمع التفريق هذا هو الذي يشبه الاجتماع في الأسواق على البياعات وعروض التجارة ونحوها فإن سوق الأمم تتاجر فيها الأديان والأهواء وتكدح فيها المصالح والمفاسد وفيها كذلك التغرير والخطار والكذب والخداع ولكل من أهلها شرعة ومنهاج. فبقاء القرآن على وجهه العربي مما يجعل المسلمين جميعاً على اختلاف ألوانهم من الأسود إلى الأحمر كأنهم في الاعتبار الاجتماعي جسم واحد ينطق في لغة التاريخ بلسان واحد فمن ثم يكون كل مذهب من مذاهب الجنسية الوطنية فيهم قد زال عن حيزه وانتفى من صفته الطبيعية لأن الجنسية الطبيعية التي تقدر بها فروض الاجتماع ونوافله هي في الحقيقة لون القلب لا سحنة الوجه.
وقد ورث المسلمون عن أوليتهم هذا المعنى فلا يعلم في الأرض قوم غيرهم يعتصمون بحبل دينهم وأيديهم في الأغلال. ويجنحون إليه بأعناقهم وهي في ربق الملوك من الإذلال. ويخصونه بقلوبهم حتى يكون أملك بها وأغلب عليها ولا يحتملون فيه سخطة ولا يؤثرون
стр. 428
عليه رضى ولا يعدلون به عدلاً ويتبرمون بكل ضيق إلا ما كان من أجله ويرضون المحنة في كل شيء إلا فيه ثم هم لا يرون أنفسهم في إحساس الفطرة ومذهب الطبيعة إلا أنها بقية سماوية في الأرض تباين كل ما فيها ويشبه بعضها بعضاً بالصفة والخاصية أنى وجدت وكيف اتفقت وعلى أية حالة كانت وهذا كله مشاهد فيهم بعد كل مارهقهم بالعجز من مداولة الأيام وصدمهم من أهل الاستبداد بكل محنة من الآلام، وتوردهم من الزمان بكل سفه يعد في السياسة من الأحلام. . . .
على أنهم لا يعرفون أصل ما يحسون به ولا يتصلون إلى سببه وكأنما تقطع ما بينهم وبين أنفسهم كما تقطع ما بينهم وبين أسلافهم وقد بقي القرآن معروفاً مجهولاً ينفعهم بما عرفوا منه ولا يضرونه بما يجهلون فإن تولوا فإنما عليه ما حُمِل وعليكم ما حملتم وأن تطيعوه تهتدوا.
وأن من أعجب ما يروعنا من أمر الجنسية العربية في القرآن أنها تأبى إلا أن تحفظ على أهلها تلك الصفات العربية من الأنفة والعزة والصوت (الأمر والنهي) والغلب وما يكون من هذا الباب الذي يفتح للشعوب عن مقاصير الأرض (الممالك).
كما أنها تستبقي طاعة المغلوبين الذين أعطوا للفاتحين عن أيديهم وانطرحوا في غمارهم وكانوا أهل ذمتهم لانتحالهم العربية طوعاً أو كرهاً ثم بقائها في ألسنتهم على نسبة بينة من الفصيح مهما ركت ومهما رذلت ولولا القرآن وأنه على وجه واحد ما بقيت العربية ولا تبينت النسبة بين فروعها العامية بل لذهب كل فرع بما أحدث من الألفاظ وما استجد من ضروب العبارة وأساليبها حتى يتسلل كل قوم من هذه الجنسية إن كانوا من أهلها أو من أهل ذمتها ثم لا تستحكم لهم بعد ذلك ناحية من الائتلاف ولا يستمر لهم سبب من الارتباط ويوشك أن لا يستقبلوا بعد من قادة الأمم وحيتان الأرض إلا من يستدبرهم راعياً أو ملتهماً ثم لا يمكن لهم من دينهم ثم لا يثبتون عليه إلا ريثما يتحولون في استلحاقهم بالأمة التي وثبت بهم وإن مضوا في ذلك على العزيمة والتشدد فإنه لا عزيمة لقلب خذله اللسان ولا تشدد للسان خذله القلب ولا استقلال لشعب تخاذلت ألسنتهم وقلوبهم وتلك سنة من السنن ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً. ومن للأمم بمثل هذا الاستعمار اللغوي الذي لم يتهيأ إلا للقرآن وهو زمام السياسة مهما جمحت في
стр. 429
الأرض.
ولقد نرى اليوم التوراة والأناجيل وما يقرؤها بلغتها الأصيلة إلا شرذمة قليلون من اليهود الذين يعيشون على أحلام الذاكرة. . . ونحوهم ولا ترين أن ذلك استبقاء فلولا أن الشذوذ لا يتخلف كأنه قاعدة مطردة ما قرأها منهم أحد. ثم استبدت الألسنة بهذه الكتب فلا هي شريعة ولا هي جنسية جامعة وإنما تراها في كل أمة من الأمة نفسها ولذا سهل على كثير منهم أن ينبذوها وصار أكثرهم لا يتدارسونها ولا يقرؤن فيها إلا إذا أرادو الاستغراق في رؤيا تاريخية والعارف من يستثبت فصولها ومعانيها.
وانظر كم ترى بين صنيع القبائل الجرمانية (الغوط) وبين صنيع العرب فإن أولئك أغاروا على ايطاليا في القرن الخامس للميلاد وانتقصوها من أطرافها ولم يكن إلا ملكوها حتى ملكتهم فإنهم تركوا أهلها وعادتهم من اللغة - وغير اللغة - ثم أخذوا يتحضرون من بداوة ويستأنسون إلى الحضارة الرومانية حتى رغبوا في العلم فاستجادوا المهرة من علماء الرومان ونصبوهم لوضع الكتب وتأليفها فوضعها لهم هؤلاء باللغة اللاتينية وهم قرؤها بها وأقروها عليها فذهبت غوطيتهم وذهبوا على أثرها وأدللت اللغة الرومانية لأهلها منهم فأخذتهم رجفة التاريخ فأصبحوا في الرومانية جاثمين كأن لم يغنوا فيها. فأقبل أنت على هذا المعنى حتى تحكم ما وراءه فلقد تركوها آية بينة.
وبعد فهذا الذي أمسكه القرآن الكريم من العربية لم يتهيأ في لغة من لغات الأرض ولن تتلاحق أسبابه في لغة بعد العربية. وهذه اللغة الجرمانية انشقت منها فروع كثيرة في زمن جاهليتها واستمرت ذاهبة كل مذهب وهي تثمر في كل أرض بلون من المنطق وجنس من التكلم حتى القرن السادس عشر للميلاد إذ تعلق الدين والسياسة معاً بفرع واحد من الفروع وهو الذي نقلت إليه التوراة فاهتز وربا وأورق من الكتب وأزهر من العقول وأثمر من القلوب وبعد أن صار لغة الدين صار دين التوحيد في تلك اللغات المتشابهة وبقيت هي معه إلى زيغ حتى صارت في ظله ثم ضحى بنوره فإذا هي في مستقرها من الماضي. وقد كان بسق من فروع الجرمانية فرعان الانكليزي والهولاندي وكلاهما استقل حتى ضرب في الأرض بجذر ثم أناف الانكليزي حتى صار ما عداه من ظله وهذا إلى فروع أخرى قد انشعبت من الأصل الجرماني كالاسوجي والاسليندي وغيرها.
стр. 430
واللاتينية فقد استفاضت في أوربا حتى خرجت منها الفرنسية والطليانية والاسبانية وغيرها وكان منها علمي وعامي - لغة القلم ولغة اللسان - ثم أنت ترى اليوم بين تلك اللغات جميعها وبين ما تخلف منها في مناطق هذا الجيل مالا تعرف له شبيها في المتباعدات المعنوية حتى كأن بين اللغة واللغة العدم والوجود.
فالعربية قد وصلها القرآن بالعقل والشعور النفسي حتى ضارت جنسية فلو جن كل أهلها وسخوا بعقولهم على ما زينت لهم أنفسهم من الإلحاد والسياسة كجنون بعض فتياننا. . . . لحفظها الشعور النفسي وحده وهو مادة العقل بل مادة الحياة وقد يكون العقل في يد صاحبه يضن به ويسخو ولكن ذلك النوع من الشعور في يد الله وهذا تأويل قوله سبحانه إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون.
ولولا هذا الشعور الذي أومأنا إليه لدونت العامية في أقطار العربية ولخرجت بها الكتب ولكان من جهلة الملوك والأمراء وأشباههم ممن تتابعوا في التاريخ العربي من يضطلع من ذلك بعمل إن لم يكن مفسدة فمصلحة كالذي فعله بعض ملوك الرومان وبعض شعرائهم في تدوين العامية من اللاتينية حتى خرج منها اللسان الطلياني وكما فعل اليونان في استخراج اللسان الرومي وهو العامي من اليونانية. ولو أن أحداً استقبل من ذلك أمراً وأراد أن يحمل الناس عليه لاستقبل أمراً بعض ما فيه العنت كله والضياع بحملته ولشق على نفسه في بلوغ إرادة لها من شعور كل نفس عدو حتى يستفرغ ما عنده وكأنه لما يبدأ مع الناس لأن له مدة نفسه وحدها وللناس عمر التاريخ كله ومتى لم يقع على فرق ما بين الاثنين وأراد أن يتولى عمل التاريخ فليس بدعاً أن يجعله التاريخ بعض عمله وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم.
مصطفى صادق الرافعي
стр. 431
نوابغ العالم
ابن حمديس - كرومل - نابليون بونابرت
ابن حمديس والمعتمد بن عباد
أو صفحة من تاريخ الأندلس
(تابع لما في العدد ٥ و ٦)
انتهينا فيما أسلفنا القول عليه من ترجمة ابن حمديس إلى وفوده من بلده سرقرسه إحدى مدائن صقلية على المعتمد بن عباد أحد ملوك الطوائف في الأندلس فلا جرم إنا ذاكرون شيئاً عن المعتمد بن عباد هذا لما في الكلام عليه من التبصرة بأحوال ابن حمديس والكلام يدخل بعضه في بعض والحديث شجون والشيء يذكر بالشيء.
ملوك الطوائف
لما انتثر سلك الخلافة الأموية بالأندلس وذلك حين خلع الأجناد آخر خلفاء بني أمية وهو هشام بن محمد الملقب المعتمد بالله سنة ٤٣٣ قام الطوائف مقام الخلائف وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات واقتسموا خططها وتغلب بعض على بعض حتى استقل آخراً بأمرها ملوك منهم استفحل أمرهم وعظم شأنهم ولاذوا مع ذلك بالجزية للاسبانيين أن يظاهروا عليهم أو يبتزوهم ملكهم وعبروا على ذلك حيناً من الدهر حتى قطع عليهم البحر ملك العدوة وصاحب مراكش لسلطان يوسف بن تاشفين اللمتوني فخلعهم وأخلى منهم الأرض (كما سيمر بك بعد) فمن أشهر هؤلاء الملوك بنو عباد ملوك اشبيلية وغرب الأندلس وبنو جهور الذين استبدوا بقرطبة وبنو الأفطس ملوك بطليوس وبنو النون ملوك طليطلة وباديس ابن حسون ملك غرناطة وألبيرة وابن أبي عامر صاحبه شرق الأندلس وابن صمادح المستقل بالمرية - وقد فطن أدباء ذلك العصر لتأثير هذا التفرق على الأندلس فقال قائلهم (ابن رشيق القيرواني):
مما يزهدني في أرض أندلس ... تلقيت معتضد فيها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
وقال آخر (ابن العسال) لما أخذ الاسبانيون طليطلة من يد بني ذي النون:
حثوا رواحلكم يا أهل أندلس ... فما المقام بها إلا من الغلط
стр. 432
السلك ينثر من أطرافه وأرى ... سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
من جاور الشر لا يأمن عواقبه ... كيف الحياة مع الحياة في سفط
بنو عباد
وإنما الذي يعنينا القول عليهم الآن هم بنو عباد الذين نبغ منهم المعتمد صاحب ابن حمديس. قالوا: كان بدء أمر بني عباد في الأندلس أن نعيماً وابنه عطافاً أول من دخل إليها من بلاد المشرق وهما من أهل العريش القرية الفاصلة بين الشام ومصر وأقاما متوطنين بقرية بقرب تومين من إقليم طشانة من أرض اشبيلية وامتد لعطاف عمود النسب من الولد إلى الظافر محمد بن إسماعيل القاضي فهو أول من نبغ منهم في تلك البلاد وتقدم بأشبيلية إلى أن ولى القضاء بها فأحسن السياسة مع الرعية والملاطفة بهم فرمقته القلوب. وكان يحيى بن علي بن حمود الحسني المنعوت بالمستعلي صاحب قرطبة وكان مذموم السيرة فتوجه إلى اشبيلية محاصراً لها فلما نزل عليها اجتمع رؤساء اشبيلية وأعيانها وأتو القاضي محمداً وقالوا له أما ترى ما حل بنا من هذا الظالم وما أفسد من أموال الناس فقم بنا نخرج إليه ونملك ونجعل الأمر إليك فقبل ووثبوا على يحيى فقتلوه وتم الأمر للقاضي ثم ملك بعد ذلك قرطبة وغيرها من البلاد وكان من أهل العلم والأدب والمعرفة التامة بتدبير الدول ولم يزل ملكاً مستقلاً إلى أن توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ثم قام مقامه ولده المعتضد بالله أبو عمرو عباد. قال صاحب الذخيرة ثم أفضى الأمر إلى عباد قطب رحى الفتنة، ومنتهي غاية المحنة، ناهيك من رجل لم يثبت له قائم ولا حصيد، ولا يسلم منه قريب ولا بعيد، جبار أبرم الأمر وهو متناقض وأسد فرس الطلا وهو رابض، متهور يتحاماه الدهاة، وجبان لا تأمنه الكماة متعسف اهتدى، ومنبتّ قطع فما أبقى. ثار والناس حرب وضبط شأنه بين قائم وقاعد حتى طالت يده، واتسع بلده، وكثر عديده وعدده، وكان قد أوتي من جمال الصورة وتمام الخلقة وفخامة الهيئة وبساطة البنان وثقوب الذهن وحضور الخاطر وصدق الحدس ما فاق على نظرائه ونظر مع ذلك في الأدب قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان أدنى نظر بأذكى طبع حصل منه لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها من غير تعمد لها ولا أنعام النظر في غمارها. ولا إكثار من مطالعتها. ولا منافسة في اقتناء صحائفها. أعطته سجيته ما شاء من تحبير الكلام وقرض قطع من الشعر
стр. 433
ذات طلاوة في معان أمدته فيها الطبيعة وبلغ فيها الإرادة واكتتبها الأدباء للبراعة جمع للبراعة جمع هذه الخلال الظاهرة إلى جود كف باري السحاب بها. ومن شعره:
شربنا وجفن الليل يغسل كحله ... بماء صباح والنسيم رقيق
معتقة كالتبر أما بخارها ... فضخم وأما جسمها فدقيق
ولم يزل في عز سلطانه واغتنام مساره حتى أصابته علة الذبحة فمات بها سنة إحدى وستين وأربعمائة فقام بالمملكة بعده ولده المعتمد على الله أبو القاسم محمد.
قال ابن القطاع فيه أنه أندى ملوك الأندلس راحة، وأرحبهم ساحة. وأعظمهم ثماداً. وأرفعهم عماداً. ولذلك كانت حضرته ملقى الرحال. وموسم الشعراء وقبلة الآمال. ومألف الفضلاء. حتى أنه لم يجتمع بباب أحد من ملوك عصره من أعيان الشعراء وأفاضل الأدباء ما كان يجتمع ببابه. وتشتمل عليه حاشيتا جنابه - ولقد صدق ابن القطاع فقد كان من شعرائه الوزير ابن عمار وابن اللبانة. وأبو بكر الداني وكلهم من فحول الأندلس وضرب له البحر من صقلية صاحبنا ابن حمديس وأبو العرب مصعب بن محمد بن أبي الفرات القرشي الزبيري الصقلي الشاعر بعد أن بعث إليه ابن عباد خمسمائة دينار يتجهز بها ويتوجه إليه وكذلك بعث إلى أبي الحسن الحصري القيرواني الشاعر صاحب الأبيات المشهورة التي أولها:
يا ليل الصب متى غده ... أقيام الساعة موعده
رقد السمار فارَّقه ... أسف للبين يردده
والتي وازنها أمير الشعراء لعهدنا أحمد بك شوقي بأبيات أولها:
مضناك جفاه مرقده ... وبكاه ورحم عوده
ووازنها أحد المتقدمين بقوله:
قد مل مريضك عوده ... ورثي لاسيرك جسده
لم يبق جفاك سوى نفس ... زفرات الشوق تصعده
هاروت يعنعن فن السحـ - ـر إلى عينيك ويسنده
وإذا أغمدت اللحظ فتكـ - ـت فكيف وأنت تجرده
كم سهل خدك وجه رضى ... والحاجب منك يعقده
стр. 434
ما أشرك فيك القلب فلم ... في نار الهجر تخلده
نعم وكان ابن عباد نفسه شاعراً بل كانت جواريه شواعر بل كان المكان نفسه قصيداً من الشعر. تلك هي الأندلس التي كانت فردوس هذه الأرض كما كانت أيامها ربيع الدهر
سلام ترجف الأحشاء منه ... على الحسن بن وهب والعراق
على البلد الحبيب إليّ غورا ... ونجداً والأخ العذب المذاق
ليالي نحن في وسنات عيش ... كأن الدهر عنا في وثاق
وأيام لنا وله لِدَان ... عريناً من حواشيها الرقاق
لقد انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
* * *
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولعمري لقد اخطأ من قال إن علة ضياع الأندلس تفشي الأدب والشعر بين أهليها وإنما هو أستغفر الله خطأ الأقدار، وتقلب الليل بالناس والنهار، وإلا فقد ملك الأندلس بعد هذا العهد الشاعر. الرجل الجد الوعر المقادة يوسف بن تاشفين صاحب مرّاكش ثم دولة الموحدين وبقيت بأيدي المسلمين بعد ذلك العهد نيفاً وثلثمائة سنة نبغ في خلالها الفلاسفة والأطباء والكيماويون والمخترعون والمكتشفون مثل ابن رشد وابن الطفيل وبني زهر (أبي العلاء وأبي مروان وأبي بكر) وأبي القاسم الزهراوي وأبي القاسم عباس بن فرناس أول من اخترع الطيران وأولئك الأخوة الذين ركبوا بحر الظلمات (المحيط الأطلانطيقي) ليبحثوا عن أرض غير هذه الأرض - وقد كان للمسلمين الأساطيل العظام، والجواري المنشآت في البحر كالأعلام، حين كانت أوربة أمماً موحشة لا أثر للعلم والمدنية بين ربوعها ولكن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده.
شعر ابن حمديس في الأندلس
ففي هذه البيئة التي كلها شعر وكل من فيها شاعر ملوكها ووزراؤها ونساؤها وأرضها وسماؤها وقصورها وأنهارها قال ابن حمديس أكثر شعره وأجزله وأبرعه ذلك الشعر الواضح الجلي اللطيف المسلك إلى النفوس الحسن الموقع من القلوب لأنه لغة الطبيعة إذ هي التي أنطقته ولكن ليس كلٌّ تنطق الطبيعة وإنما هي تنطق من يعرف ألجانها ويفهم
стр. 435
معانيها وليس يفهم معانيها إلا الألمعي الذكي الطبع الصافي الحسن الصحيح الوجدان مثل شاعرنا ابن حمديس - نقول في هذه البيئة التي كلها شاعر. أما البيآت المفحمة أو الجامدة أو الناطقة الصامتة الناطقة بضوضائها وقعقعة عرباتها الشتى الصنوف وأصوات الانتخاب ومجالس الشورى وأكاذيب السياسيين وعويل الصحف السياسية وراء هؤلاء كما تعول الأجراء الخائفة وراء الذئاب. والصامتة بصموت ملوكها عن رفد أهل النبوغ والتفرد، وإظّهار أغنيائها أياهم حتى كأنهم هم العقلاء والنابغة هو المجنون الأوحد، وصموت أبنائها إلا عن تعقبهم وقذعهم القذع القعد، وجهل نسائها الهاوي بهن إلى الحضيض الأوهد، فأن مثل هذه البيآت لا جزم تخمد فيها القرائح وتموت الهمم وتَبلّد القلوب ولا تنطق لعمري شاعراً ولا نصف شاعر كما قال الحكيم المعري أبو العلاء:
نلوم على تبلدها قلوباً ... تعاني من معيشتها جهادا
إذا ما النار لم تطعم وقوداً ... فأوشك أن تمر بها رمادا
نموذج من شعر ابن حمديس
أسلفنا أن ابن حمديس وفد إلى الأندلس على المعتمد بن عباد سنة إحدى وسبعين وأربعمائة بعد أن ملك صقلية روجر النورمندي وأن ذلك أي انفصاله عن وطنه وضياع استقلاله نال منه وأحفظه على الأيام. وقد يذكر القارئ كلمته المشهورة التي يتشوق بها صقلية بعد فراقه إياها وفيها يقول:
ذكرت صقلية والأسى ... يجدد للنفس تذكارها
فإن كنت أخرجت من جنة ... فأني أحدث أخبارها
ولولا ملوحة ماء البكا - ء حسبت دموعي أنهارها
ولم يقف به ال عند ذلك بل أخذ يحض قومه على جهاد الروم النورمنديين ويرسل إلى قواد صقلية بالمدح يذكرهم فيها بواجبهم ويمدح ملوك المسلمين في الأندلس وأفريقية لا استجداء واسترفاداً ولكن حثاً لهم على الجهاد والحروب فمن قوله يحث قومه على جهاد الروم:
بني الثغر لستم في الوغى من بني أمي ... إذا لم أصل بالعرب منكم على العجم
دعوا النوم أني خائف أن تدوسكم ... دواه وأنتم في الأماني مع الحلم
وردوا وجوه الخيل نمو كريهة ... مصرحة في الروم بالثكل واليتم
стр. 436
إلى أن يقول:
ولله أرض إن عدمتم هواءها ... فأهواكم في الأرض منثورة النظم
وعزكم يفضي إلى الذل والنوى ... من البين ترمي الشمل منكم بما ترمي
وإن بلاد الناس ليست بلادكم ... ولا جارها والحكم كالجار والحكم
ومن قوله يمدح القائد مهيب بن عبد الحكم الصقلي:
أسد الروع الذي حملاقه ... ترسل اللحظة موتاً فيهاب
* * *
في جهاد قرن الله به ... عنده الزلفى إلى حسن المآب
كم بأرض الشرك من معمورة ... أصبحت من غزوه وهي تباب
في أساطيل ترى في أحشائها ... لبنات الروم فيهم انتحاب
وقال يتمدح بأهل بلده:
ولله أرضى التي لم تزل ... كناس الظباء وغيل الأسود
فمن شادت بابلي الجفون ... نفور الوصال أنيس الصدود
* * *
ومن قسور شائك البرثنين ... له لبدة سردت من حديد
يصول بمثل لسان الشواظ ... فيولغه في نجيع الوريد
زبانية خلقوا للحروب ... يشبون نيرانها بالوقود
ومن قوله يمدح أبا الحسن علي بن يحيى في وصف أساطيله:
ترمي بنفط كيف يبقى لفحه ... والشم منه محرق الأكباد
وكأنما فيها دخان صواعق ... ملئت من الإبراق والإرعاد
وهذه كانت أساطيل أسلاف أهل طرابلس وتونس والجزائر في القرن الثاني عشر فأين أساطيل أخلافهم في القرن العشرين! وقال يذكر صقلية وأهل بلده:
أرى بلدي قد سامه الروم ذلة ... وكان بقومي عزه متقاعساً
وكانت بلاد الكفر تلبس خوفه ... فأضحى لذاك الخوف منهن لابسا
عدمت أسوداً منهم عربية ... ترى بين أيديها العلوج فرائسا
стр. 437
إلى أن يقول:
أما ملئت عرراً قلورية بهم ... وأردوا بطارقه بها واشاوسا
هم فتحوا إغلاقها بسيوفهم ... وهم تركوا الأنوار فيها حنادسا
وساقوا أبأيدي السبي بيضا حواسرا ... تخال عليهن الشعور برانسا
يخوضون بحراً كل حين إليهم ... ببحر يكون الموج فيه فوارسا
بحريية ترمي بمحرق نفطها ... فيخشى سعوط الموت فيها المعاطسا
تراهن في حمر اللبود وصفرها ... كمثل بنات الزنج زفت عرائساً
فأنت ترى أن ابن حمديس لم تلهه الأندلس وما فيها من رخاء ونعماء عن شؤون بلده والعمل على إخراج الروم النرمنديين منها وهكذا الشاعر الصادق فآية صدقه أن يكون تألمه ببنات الدهور، كالتذاذه ببنات الكرم والبنات الحور، فيكون شعوره بالألم واللذة والحسن والقبح وما إلى ذلك قوياً متفوقاً على شعور سائر الناس وإلا فإنه لا جرم غير شاعر - نقول أن ابن حمديس لم تشغله الأندلس ونعماؤها عن النظر في حال بلده وقول الشاعر الحماسي يحرض به قومه وملوك المسلمين على الجهاد ومطاردة الروم النرمنديين من بلاد الإسلام ولكن الشاعر كالمرآة الصافية تنعكس فيها الأشياء فتريكها كما هي أو كالماء يتلون لك بلون إنائه فكأنما ترى الإناء لا الماء فكان ابن حمديس إذا ذكر ما أصاب بلده هاج كما يهيج البركان وقال الشعر الحماسي الذي يهتاج الأفئدة ويثير الحمية ويحرك النفوس إلى الهيجاء كما تحركهن الموسيقى في هذه العصور والذي ذكرنا لك نموذجاً منه آنفاً وإذا أخذت عينه منظراً طبيعياً أخاذاً للنفوس مثل نهر من نهار الأندلس قال ما يحيل سمعك بصراً مثل قوله:
ومطرد الأجزاء يصقل متنه ... صبا أعلنت للعين ما في ضميره
جريح بأطراف الحصى كلما جرى ... عليها شكى أوجاعه بخريره
كأن جباناً ريع تحت حبابه ... فأقبل يلقى نفسه في غديره
كأن الدجى خط المجرة بيننا ... وقد كالت حافاته ببدوره
شربنا على حافاته دون سكرة ... نقبل شكراً منه عيني مديره
وإذا رأى قصراً من قصور الأندلس تلك التي كانت آية في الإتقان والزخرف والزينة قال
стр. 438
يصف بركة تجري إليها المياه من شاذوران من أفواه طيور وزرافات وأسود
والماء منه سبائك من فضة ... ذابت على درجات شاذروان
وكأنما سيف هناك مشطب ... ألقته يوم الحرّ كف جبان
كم شاخص فيه يطيل تعجبا ... من دوحة نبتت من العقيان
عجباً لها تسقى الرياض ينابعاً ... نبعت من الثمرات والأغصان
خصت بطائرة على فنن لها ... حسنت فأفرد حسنها من ثاني
قس الطيور الخاشعات بلاغة ... وفصاحة من منطق وبيان
فإذا أتيح لها الكلام تكلمت ... بخرير ماء دائم الهملان
وكأن صانعها استبد بصنعه ... فخر الجماد بها على الحيوان
أوفت على حوض لها فكأنها ... منها على العجب العجاب رواني
فكأنها ظنت حلاوة مائها ... شهدا فذاقته بكل لسان
وزرافة في الجو من أنبوبها ... ماء يريك الجري في الطيران
مركوزة كالرمخ حيث تري له ... من طعنة الحلق انعطاف سنان
وكأنها ترمي السماء ببندق ... مستنبط من لؤلؤ وجمان
لو عاد ذاك الماء نفطاً أحرقت ... في الجو منه قميص كل عنان
في بركة قامت علي حافاتها ... أسد تذل لعزة السلطان
ترعت إلى ظلم النفوس نفوسها ... فلذلك انتزعت من الأبدان
وكأن برد الماء منها مطفئ ... ناراً مضرجة من العدوان
وكأنما الحيات من أفواهها ... يطرحن أنفسهن في الغدران
ومثل قصيدته التي ذكرناها في العدد ٥ و ٦ وفيها يقول وهو مما لم يذكر ثمت
قصر لو أنك قد كحلت بنوره ... أعمى لعاد إلى المقام بصيرا
واشتق من معنى الجنان نسيمه ... فيكاد يحدث بالعظام نشورا
نسي الصبيح مع الفصيح بذكره ... وسما ففاق خورنقا وسديرا
لو أن بالإيوان قوبل حسنه ... ما كان شيئاً عنده مذكورا
أعيت مصانعه على الفرس الألى ... رفعوا البناء واحكموا التدبيرا
стр. 439
ومضت على الروم الدهور وما بنوا ... لملوكهم شبهاً وله ونظيرا
أذكرتنا الفردوس حين أرتنا ... غرفاً رفعت بناءها وقصورا
فالمحسنون تزيدوا أعمالهم ... ورجوا بذلك جنة وحريرا
والمذنبون هدوا الصراط وكفرت ... حسناتهم لذنوبهم تكفيرا
أبصرته فرأيت أبدع منظر ... ثم انثنيت بناظري محسورا
فظننت أني حالم في جنة ... لما رأيت الملك فيه كبيرا
وإذا الولائد فتحت أبوابه ... جعلت ترحب بالعفاة صريرا
عضت على حلقاتهن ضراغم ... فغرت بها أفواهها تكبيرا
فكأنها لبدت لتهصر عندها ... من لم يكن بدخولها مأمورا
تجري الخواطر مطلقات أعنة ... فيه فتكبو عن مداه قصورا
بمرخم الساحات تحسب أنه ... فرش المها وتوشح الكافورا
ومحصب بالدر تحسب ثربه ... مسكا تضوع نشره وعبيرا
تستخلف الأبصار منه إذا أتى ... صبحاً على غسق الظلام منيرا
وإذا سمع مزهراً قال وأصار مسمعيك أربعاً تسمع بها مزهرين لا واحداً
في حجره أجوف له عنق ... نبطت بظهر تخاله حدبه
يمد كفاً إليه ضاربة ... أعناق أحزاننا إذا ضربه
قلت إلا فانظروا إلى عجب ... جاء بسحر ناطق الخشبه
وإذا نكب في صاحب له كما نكب في صاحبه المعتمد بن عباد بزوال ملكه وخلعه وسجنه قال وصور له الصدق والوفاء في أحسن صورة
ولما رحلتم بالندى في أكفّكم ... وقلقل رضوي منكم وثبير
رفعت لساني بالقيامة قد دنت ... فهذي الجبال الراسيات تسير
إلى أبيات أخرى ستمر بك عند الكلام على بقية تاريخ المعتمد بن عباد والمترجم به. وإذا ثكل عزيزاً عليه كما ثكل الشاعر جارية له أخذها منه البحر قال وأسأل مدمعيك:
وواحشتاً من فراق مؤنسة ... يميتني ذكرها ويحييها
أذكرها والدموع تسبقني ... كأنني للأسى أجاريها
стр. 440
جوهرة كان خاطري صدفاً ... لها أقيها به وأحميها
يا بحر أرخصت غير مكترث ... من كنت لا للبياع أغليها
أبتها في حشاك مغرقة ... وبث في ساحليك أبكيها
ونفخة الطيب في ذوائبها ... وصبغة الكحل في مآقيها
عانقها الموت ثم فارقها ... عن ضمة فاض روحها فيها
ويلي من الماء والتراب ومن ... أحكام ندين حكماً فيها
أماتها ذا وذاك غيرها ... كيف من العنصرين أفديها
وقال في حزنه مثل هذا:
ويا ريح أما مريت الحيا ... ورويت منه الربوع الظماء
فسوقي إليّ جهام السحاب ... لاملأهن من الدمع ماء
وقالفي صفة خسوف القمر ما يضؤل بجانبه مجهر الراصد:
والبدر قد ذهب الخسوف بنوره ... في ليلة جسرت أواخر مدها
فكأنه مرآة قين أحميت ... فمشي أحرار النار في مسودها
وقال في باب اللهو مثل قوله:
قم هاتها من كف ذات الوشاح ... فقد نعي الليل بشير الصباح
باكر إلى اللذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المراح
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح
وفي باب النسيب
زادت على كحل الجفون تكحلا ... ويسم نصل السهم وهو قتول
ومثل
لا تنكري أنك حورية ... روائح الجنة نمت عليك
للكلام بقية وفيها سائر شعر ابن حمديس وترجمته وترجمة المعتمد وفصل في فرق ما بين شعر الأندلسيين وشعر المشارقة.
стр. 441
كرومويل - نابليون بونابرت
يعلم الذين نظروا في كتاب الأبطال الذي وضعه الفيلسوف الانكليزي توماس كارليل وعربه الفاضل محمد السباعي وأخرجته للناس مكتبة البيان أننا انتهينا فيما أظهرناه من هذا الكتاب إلى الكلام على كرومويل ونابليون بونابرت. وإنّا الآن إتماماً للفائدة ولأن كارليل خير من كتب على نوابغ العالم وكرومويل ونابليون هما من أنبغ النوابغ آثرنا أن نتحف قراء البيان بتلك الكلمات الآلهية التي خرجت من قلب ذلك الرجل الآلهي (كارليل) عن كرومويل ونابليون قال كارليل تمهيداً للكلام على كرومويلز
لقد حدثت في انكلترة حروب داخلية كثيرة: حروب الوردة الحمراء والوردة البيضاء. وحروب سيمون دي مونتفورت - حروب ليست من الأهمية بمكان ولكن حرب الخوارج (البيوريتان) كان لها من الخطارة ما لم يمكن لغيرها. حتى ليجوز لي أن أسميها جزأً من تلك الحرب العظيمة العامة التي ليس إلا منها يتكون تاريخ الدنيا الحر التصميم - حرب الأيمان ضد الكفر! جهاد حزب الله المتمسكين بالحقيقة ضد الكذبة الفجرة العاكفين على المظاهر والقشور. وقد لا يرى الكثيرون في خوارج انكلترة إلا عصبة سفلة غلاظاً فظاظاً مولعين بهدم الرسوم الكاذبة. ولعلنا نجد لهم عذراً في احتقارهم البطريق لود زعيم الديانة إذ ذاك وحنقهم عليه وعلى أميره الملك تشارلس الأول. ولود هذا هو في رأيي ضعيف العقل منكود الحظ وما هو بالخائن اللئيم. إنما هو رجل أحمق وأكبر حمقه التمسك الأعمى بمذهبه والاستبداد الممقوت برأيه. وهو كناظر مدرسة لا يرى في العالم شيئاً إلا قواعد مدرسته ورسومها وأوضاعها. معتقداً أن هذه هي قوام الدنيا وعماد الوجود. وأن صلاح الكون مرهون بها. والمحنة العظمى والطامة الكبرى أن الملك تشارلس الأول عمد إلى هذا الرجل الذي رأيه في الكون والحياة والوجود هو ما ذكرت وجعله الرئيس لا على مدرسة بل على أمة يدبر من شؤونها أكثرها أشكالاً ومن حاجها ومصالحها أشدها اعتياصاً وإعضالاً. ويرى هذا الرئيس الشقي المسكين أن تدار تلك الشؤون والمصالح بالقواعد القديمة والنظامات العتيقة بل يرى أن نجاحها في إعلان شأن هذه القواعد وتأييد أسبابها. ثم تراه كالأحمق الضعيف يندفع بأقصى الشدة والعنف في سبيل غايته لا يجيل رأياً ولا يعمل روية ولا يسمع نهياً ولا يصغى إلى نصيحة
جامحاً في العنان لا يسمع الزجـ - ـر ولا يرعوى إلى الرواض
стр. 442
هو كما قلت رجل أعمى التعصب أحمق الاستبداد يأبى إلا أن ينفذ قواعده المدرسية على نفوس الأمة - قائلاً للشعب تنفيذ قواعدي قبل كل شيء! له الله من مستبد أحمق. أبى إلا أن يجعل عالم الله الطويل العريض مدرسة ويأبى الله أن تكون دنياه مدرسة. وبعد فيغفر الله له أفلا ترون أنه لقي من العقاب مت هو أهله؟
(وبعد) فالحرص على الرسوم والأوضاع حميد مستحب. إذ أنه من شأن الديانات وغيرها أن تلبس الرسوم والأشكال. ولا مقام للإنسان قط إلا في الأمكنة ذات الرسوم والأوضاع. ولست أحمد في المذهب الخارجي (البيوريتاني) عريه من الأثواب والصور والقوالب وخلوه من الرسوم والأوضاع. بل أعيب ذلك عليه وأراه عورة أحق بالرحمة والأسف - فأما الذي أحمده منه فهو روحه ولبابه. وكل لباب وجوهر فلا بد أنه يلبس زياً ويسكن رسماً وقالباً غير أن من الرسوم ما هو ملائم صالح ومنها ما هو غير صالح ولا ملائم. والحد الفاصل بين هذا وهذاك هو أن القالب الذي ينمو وحده حول الجوهر بقوة الطبيعة يجيء ملائماً لطبع الجوهر موافقاً لغرضه وغايته فهو لذلك حسن صالح. وأما القالب الذي تجعله يد الإنسان حول الجوهر عمداً فهو قبيح فاسد. وأني لأنشدكم الله أن تتأملوا ذلك وتنعموا فيه النظر. فإنه الفارق ما بين كاذب الرسوم وصادقها - بين الإخلاص المحض وبين المظهر الباطل في جميع الأمور والأشياء.
نعم يجب أن يكون في الرسوم عنصر صدق وباعث شديد من الحق وسأضرب لكم مثلاً الخطابة. فماذا تقولون أعزكم الله في الخطيب الذي يهيئ الخطبة من قبل إلا أنه سوأة وآفة؟ ثم ماذا تقولون في الرجل المتصنع الابتسام المتكلف الانحناء للضيوف والزوار إل أنه آفة كذلك سوأة؟ وإذا كنتم تعدان مثل هذين عورة وبلية فما قولكم في رجل يأتيك في أمر من أجسم أمورك في أمر الدين والعبادة مثلاً - يأتيك وقد غمر جلال الدين روحك وحير لبك وألجم لسانك فأنت مطرق حائر ساكت من شدة الانفعال والوجد وفرط التأثر والطرب مفضل السكوت على الكلام وأجدا لسان الصمت أفصح وأعرب بما يكنه صدرك ويضمره حشاك من ذلك الوجدان العظيم والشعور الجسيم - يأتيك وأنت في هذه الحال الشديدة فيتعرض لأن يعرب عن مكنون وجدانك بكلام كاذب باطل - ماذا تقول لمثل هذا الرجل وماذا عندك له إلا الطرد والإبعاد - لا أبعد الله غيره! بلى ليذهب ذلك الرجل عنك
стр. 443
إذا كان يحب نفسه! إنما مثله مثل من يأتيك وقد فجعتك المنون في واحدك فأنت من شدة الحزن ملجم اللسان جامد العين فيقيم لك احتفالاً بشعائر الحداد مؤلفاً من ألعاب قدماء اليونان على هيأة يونانية قديمة. فمثل هذا الفضول والزور والتصنع جدير بالمقت والإنكار. وهو عين ما كانت تسميه الأنبياء وثنية - أي عبادة القوالب الفارغة والصور الجوفاء - تلك الذي يرفضها وسوف يرفضها كل مخلص صادق. وكذلك يمكنكم أن تفهموا بعض الفهم أغراض أولئك الخوارج ومقاصدهم. فترون في الرئيس لود ودأبه في تأييد الكاثوليكية وحواشيها من تلك الرسميات والإشارات والانحناءات والشعائر - ناظر المدرسة المصر على تنفينه قواعده ونظاماته لا القسيس الحر المخلص المعنى بجوهر الدين صافحاً عن القوالب والقشور.
ولم يطق الخوارج هذه الرسوم فداسوها بالنعال وإنّا لنعذرهم إذ جعلوا يقولون لا رسم مطلقاً خير من هذه الرسوم. وقد جعل خطباؤهم يمتطون صهوات المنابر عارية مقفرة إلا من الإنجيل يحملونه في الأيدي. وهل ترون في الكلمة تخرج من صميم فؤاد الرجل فتصيب حبات القلوب إلا أكمل مظاهر الدين وأجل صور العبادة. وعندي أن أخشن الحقيقة وأعراها خير من أنعم الرسوم وأثراها. هذا ون الحقيقة متى وجدت فهي الكفيلة لنفسها باللباس والكسوة. ومتى وجد الإنسان الحي كان كفيلاً لنفسه بالملابس - إذا لم يصبها لدى الغير أخذها بيده من موارد الأرض وصنعها بكفه. فأما أتجيء بالثوب وحده فتدعي أنه ثوب ورجل -! - نحن أعزكم الله لا يمكننا أن نحارب فرنسا بجيش مؤلف من ثلاثمائة ألف ثوب أحمر. ولا نجرأ على تقديم هذه الثياب إلى ساحة الحرب إلا إذا كان فيها ثلاثمائة ألف رجل حي يتنفس! وأني لا أزال أقول أنه لا ينبغي للثوب أن ينفصل عن الجوهر. ولا للرسم أن يطلق الحقيقة ويبين منها. وإذا فعلت الرسوم ذلك قام لها أناس فثاروا ضدها على أنها أكذوبة وزور. وكذلك ترون أن حرب الخوارج والرئيس لود لم تك في الحقيقة إلا حرب الثوب والجوهر - حرب الرسم والحقيقة - حرب الباطل والحق - حرباً ضروساً ثارت في انكلترا حينذاك واستمرت حقبة من الدهر وعادت علينا عواقبها بالنفع الجم والخير الكثير. وكان الجيل الذي أعقب عصر الخوارج ليس بخليق أن يزن أعمالهم بقسطاس العدل. وكيف نرجو من مثل تشارلس الثاني ورجاله أن يعرفوا أقدار
стр. 444
الخوارج أو يفقهوا معاني أعمالهم؟ وأنى يكون ذلك الحكم العادل والنظر الثاقب من فئة كان لا يخطر بأذهانهم إن في حياة الإنسان ذرة من الحق والصدق والمعاني المقدسة. لقد ظل هذا الملك وأولياؤه يمثلون أشنع التمثيل بالمذهب البيوريتاني (مذهب الخوارج) كما يمثلون برجاله - فلو شهرت الحال إذ ذاك لرأيت البيوريتانية مصلوبة على الأعواد كأجساد أربابها. ولكن الصلب والتمثيل لم يعق من مسير نتائجها. ولا بد للعمل الصالح من أن تسير آثاره مهما مثلث بأهله وأصحابه. نعم إنا لنطرح البصر فتسرنا محاسن آثار أولئك الخوارج ونري الدستور والحرية والسعادة التي نتمتع بها الآن أغراساً زرعتها قرائحهم وسقوها طوراً بأوعية الدموع وتارة بسجال الدماء. وهم الذين سنوا المذهب القائل بأن جميع الناس أحرار بالفعل أو سيكونون أحراراً يوماً ما - أحراراً تقوم حيلتهم على أمتن أساس من الحق والعدل لا التقاليد والباطل! هذا وكثير غيره من حسن آثار الخوارج وجليل نعمهم علينا.
والواقع أنه اتضحت مآثر الخوارج هذه وعلت في النفوس مكانتهم وضرجت أقذاء التهم عن حواشي أعراضهم. واستنزلت عن أعواد الصلب ذكرى عهودهم واحداً بعد واحد. بل لقد قدست أسماء بعضهم وعدوا ضمن أولياء الله المصطفين. وحسب من الأبطال أمثال اليوت وهامبدين وبيم حتى ليدو وهاتشسون وفان. أولئك القساوسة السياسيون الذين إليهم يعزى ما ننعم به اليوم من حرية البلاد. أفيجرأ اليوم إنسان أن يلوث بالذم أعراض هؤلاء؟ وهكذا أصبحت لا تكاد تجد من بين القوم إلا من له أنصار يقومون بعذره وشيعة تشيع في الناس فضله وتشيد له صروح الإجلال والإكبار. كلهم قد برأ الله ساحته وجمل في النفوس مكانته وأعذب في الأفواه ذكره وأدال له إلا واحداً هو سيد الجميع وفتى القوم - الملك الأكبر رافع لواء الحق - أوليفار كرومويل. فأني أرى عرضه لا يزال مجال الألسن السالقة والأظفار الممزقة وأرى ذكراه لا تزال مصلوبة في أعالي الجذع. وماله من عاذر ولا نصير. والناس مجموع عليه بالذم والنكير. وأنه شرير خبيث. هم لا ينكرون أنه كان رجلاً كفؤاً حازماً شجاعاً مدبراً ولكنه خان العهد في نظرهم ونقض العقد. وكان فيه أثرة وشجع وغدر ومكر وتصنع ونفاق. حوّل ذلك الجهاد العظيم المبذول في سبيل الحرية إلى طريق منفعته الشخصية بهذه الخلال وأسوأ منها ينعتون أوليفار كرومويل ثم يقارنونه
стр. 445
بالزعماء واشنجتون وسواه ولا سيما بالأبطال بيم وهامبدين وأليوت الذين سلبهم ثمار أعمالهم العالية ثم أوسع تلك الثمار إفساداً وتشويهاً.
وليس بعجيب أن يكون ذلك الرأي القبيح هو رأي القرن الثامن عشر والشيء من معدنه لا يستغرب. وما قلنا في خادم غرفة خادم الملك منطبق تماماً على الرجل الملحد. كلاهما لا يفهم معنى البطولة ولا يعرف البطل إذا رآه! والخادم ينتظر أن يرى للملك ثياباً فاخرة مرصعة بالذهب والفضة مرصعة بالدر والجوهر. وحاشية كثيفة من الخول والأتباع وأبواقاً تصيح وطبولاً تقرع. والرجل الملحد - رجل القرن الثامن عشر - ينتظر أن يرى للأمام الرئيس قواعد محترمة أو ما يسمونه مبادئ وينتظر أيضاً أسلوباً خطابياً نعته الناس بالجودة والبراعة يحاج عن نفسه ويدافع في أفصح بيان وأنق لهجة فيفوز باستحسان قرن كاذب متصنع كالقرن الثامن عشر. وجملة القول أنه ينتظر ما ينتظره الخادم - أعني زخارف ظاهرية وأثواباً وقشوراً وقوالب ورسوماً ليست من الحق الصراخ في شيء. كلاهما يريد الزخرف والزينة السطحية ليقر بأن صاحبها ملك وبطل. فإذا برز لهم الملك في سيمياء القشف والخشونة وزي الفقراء والصعاليك أنكروه وقالوا ليس بملك.
وما كنت قط لأقول صراحة أو تلميحاً أدنى ما يحط من أقدار رجال كاليوت وهامبدين وبيم. أولئك أقر لهم بالنفع وأشهد لأعمالهم بالنفع. ولقد قرأت كل ما تيسر لي مما كتب ونيتي وإرادتي أن استلذ عهودهم وأعجب بأنبائهم وسيرهم وأعبدهم عبادة أبطال هذه نيتي وإرادتي ولكنها لسوء الحظ لم تحقق. نعم لقد كنت أحمد ظواهر أولئك الرجال. ولكن نفسي لا تجد تمام الارتياح لبواطنهم. ولا أنكر أنهم كانوا عصبة كراماً أمجاداً يمشون الهوينا عليهم برود العزة وسرابيل الجلال فإذا نطقوا فما شئت من حكمة ولب تجري الفصاحة بين قلوبهم وألسنتهم وتجول الفلسفة بين لهواتهم وشفاههم ويتحدرون بالخطب البرلمانية تحدر السيل ويتدفقون بها تدفق اليعبوب. ويأخذون في الأغراض التشريعية والاقتراحات الإدارية فيطيلوا عنان القول ويملئوا الدلو إلى عقد الكرب مرسلين الحكمة في عرض كلام كالجوهر المنثور تجول على صدره قلائد البيان ويطرد في أثنائه ماء البديع ويتحير في حواشيه رونق الحسن - فحبذا هم من رجال أساطين علم وأئمة تشريع وأولي عزة ومجد وجلال. ولكن قلبي بعد كل ذلك لا يخف لهم ولا تجيش أحشائي ولا تهتز جوانحي. اللهم إلا خيالي
стр. 446
فإنه قد يحاول أن يجد لهم بعض الإجلال. وأي رجل في الوجود تعروه الأريحية ويهزه الطرب ويلتهب قلبه شوقاً لهؤلاء النفر. كلا لقد أصبحت تراجمهم وأنباؤهم غاية في الجمود والثقل! نعم أن بلاغة أولئك الفحول قد تكون أبهر الأشياء وأروعها ولكنها شيء ثقيل - ثقيل كالرصاص ومجدب كالصخرة الملساء. وجملة القول أنه لم يبق فيها لقراء العصر غبار لذة ولا ظل مطرب ومستمتع! فإن أبيت إلا امتداحها فقل أنها كانت كأساً رشف الدهر أطيبها وأعذبها فلم يبق إلا صبابة مرة كدرة! فسلام على أولئك الفحول ولندعهم ثاوين مضاجع مجدهم وشرفهم ولنقبل على الرجل الخشن المتوعر الطريد المنبوذ أوليفار كرومويل فإن فيه وحده ضالتنا من المادة الإنسانية وكنوز الكرم الصراح والبطولة العالية. إن فيه لذلك وإن لم يكن فيه فصاحة وكتابة. وبلاغة وخطابة. وبراعة وخلابة. وكم من بلغاء مصقولي جوانب اللسان رقاق حواشي الطبع ليس وراءهم كبير فائدة. وما سرنا من إنسان نظافة كفيه إذا كان لا يقرب الأعمال إلا لابساً قفازه!
وبعد فلست أرى في رضى القرن الثامن عشر عن خطباء الخوارج وزعمائهم إلا شعبة من رسميات ذلك القرن وكفرياته. وكيف وهم (رجال القرن الثامن عشر) يعيروننا أن يكون سبب دستورنا وحريتنا هو الخرافات الدينية يقصدون بذلك مذهب الخوارج من حرية العبادة ويقولون هلا كان لحريتكم مصدر أشرف وأسمى من الخرافات الدينية مثل حرية وضع الضرائب ويقولون أنه كان من الوهم والخرافة والتعصب الأعمى والجهل المطبق بالفلسفة لدستورية أن يجعل آباؤنا الأول غايتهم الوحيدة هي حرية العبادة وإنما الغاية الوحيدة في مذهب القرن الثامن عشر هي حرية وضع الضرائب أعني امتناع الإنسان عن دفع الدراهم من كيسه حتى يبين له السبب الذي يدفعها من أجله. فأناس يجعلون هذا أول حقوق الإنسان لا شك جهلة أغبياء. وأرى أنه لن يكون الدرهم وحدها قط باعثاً للعاقل على أن يثور ضد حكومته. وما زال الإنسان يرضى بدفع المال لحكومته بشرط أن يبقى له سداد من عوز. وأني أجد أن الانكليزي حتى في هذه الأوقات إذا لم يرض أن يدفع للحكومة ضرائب عديدة من غير أن يبين لها أسباب دفعها اضطر إلى أن يهاجر وطنه إلى غيره من بلاد الله. وكأني بالانكليزي يقول جابي الضرائب! المال! خ١وا مالي بما أنكم قادرون على أخذه ومحتاجون إليه. خذوه واذهبوا ودعوني وشأني - اتركوني وشغلي فأني
стр. 447
لا أزل في داري ووطني قادراً على تجديد المال بالعمل. قادراً على لعيش السهل المرضي بعد كل ما سلبتمونيه. بهذا الكلام يجيب الانكليزي رجال السلطة إذا أتوه يطلبون ماله. فأما إذا جاءوه يقولون له اعتقد هذه الأكذوبة. واحسب أنك تعبد الله وأنت لا تعبده. ولا تؤمن بما تراه أنت أنه الحق. وإنما بما نراه نحن حقاً أو ندعي أنا نراه حقاً! كان جديراً أن يجيبهم بقوله كلا ويمين الله. أنتم في حل من مالي تأخذونه متى شئتم ولكني لا أبيع ديني. ولا أخسر عقيدتي. أما المال فذلك غنيمة باردة لأي قاطع طريق يتهددني بسلاحه. ولكن نفسي ملكي وملك الله وديني لن تغلبوني عليه ولا تخدعوني عنه ما دام في حلقي نفس يتردد. وسأدافع عنه بآخر قطرة من دمي. (للكلام بقية)
стр. 448
طرفة أدبية
قال أبو نواس حججت مع الفضل بن الربيع حتى إذا كنا بأرض بني فزارة في أوان الربيع نزلنا منزلاً بإزاء باديتهم ذا روض أريض ونبت غريض وتُرب كترب الكافور حتى اكتست الأرض بجميم نبتها الزاهر وأتزرت بمحض عشبها الناضر والتحفت بأنواع زخرفها الباهر بما يقصُر عنه النمارق المصفوفة ولا يداني زهرتها الزرابي المبثوثة فراقت بنضرتها الأبصار وارتاحت لزبرجها القلوب واشتاقت إلى نسيمها الصدور وابتهجت ببهائها النفوس فما لبثنا أن أقبلت السماء فأشفقت بربابها وتدانى من الأرض ركام حتى إذا كان كما قال عبيد بن الأبرص:
دان سف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
همت السماء برذاذ ثم بطش ثم برش ثم بوابل ثم هتنت حتى إذا تركت الربى كالوهاد رياً تقشعت فأقلعت وقد عادت الغدران مترعة تدفق والقيعان ناضرة تألق تحدق بحدايق مونقة ورياض رائقة وغياض من عرفها فايحة تتحاك بأنواع النور الغض الذي إذا هممت بتشبيهه بشيء حسن اضطرك حسنه إلى رده إليه. فإذا تقت إلى تضوع طيب لم تجد معولاً في الذكاء إلا عليه. فسرجت طرفي رامقاً في أحسن منظر واستنشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر ثم قلت لزميلي ويحك امض بنا إلى هذه الخيمات فلعلنا نلقى بعض من نؤثر عنه خبراً نرجع به إلى بغداد فلما انتهينا إلى أولها إذا نحن بخباء على بابه جارية مبرقعة ترنو بطرف مريض لجفون وسنان النظر قد شي فتوراً وملئ سحراً قد مدت يداً كأنها لسان طائر بأطراف كالمداري وخضاب كأنه عنم ثم جاءت الريح فرفعت عن برقعها فإذا بيضة نعام تحت رئال فقلت لصاحبي أما والله أنها ترنو عن مقلة لا رقية لسليمها ولا براءة لسقيمها فاستنطقها قال كيف السبيل إلى ذلك قلت اسسقها ماء فدنا منها فاستسقاها فقالت:
نعم ونعيم عين وإن نزلتما فالرحب والسعة ثم قامت تتهادى في مشيها كأنها خوط بان أو قضيب خيزران تتثنى فتجر خلفها كالغرارتين فراعني والله ما رأيت منها فأتت بالماء فأخذته فشربت منه وصبت باقيه ثم قلت وصاحبي أيضاً عطشان فأخذت الإناء ودخلت الخباء ثم قلت لصاحبي متعرضاً لكشف وجهها من الذي يقول:
إذا بارك الله في ملبس ... فلا بارك الله في البرقع
يريك عيون الدمى غرة ... ويكشف عن منظر أشنع
стр. 449
فمضت بسرعة وأتت ونزعت الرقع وتقنعت بخمار أسود وهي تقول:
ألا حي ربي معشراً قد أراهما ... ألما ولما يصدقا مبتغاهما
هما استسقيا ماء على غير ظمأة ... ليستمتعا باللحظ ممن سقاهما
يذمان تلباس البراقع ضلة ... كما ذم تجر سلعة مشتراهما
فشبهت كلامها بعقد در وهي من سلكه فهن ينتثرن منه بنغمة عذبة رخيمة رطبة لو خوطب بها الصم الصلاد لانبجست بالرطوبة منطقها وعذوبة ألفاظها كما قال ذو الرمة:
ولما تلاقينا جرت من عيوننا ... دموع كففنا غربها بالأصابع
ونلنا سقاطاً من حديث كأنه ... جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع
ووجه يظلم في نوره ضياء العقول وتتلف في روعته مهج النفوس وتعزب عن إدراكه أصالة الرأي ويحار في محاسنه البصر كما قال الأول:
فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت
ولم اتمالك أن خررت ساجداً وأطلت من غير تسبيح فقالت أرفع رأسك غير مأجور وامض لشأنك غير موزور ولا تذما بعدها برقعاً فربما يكشف عما يطرد الكري ويحل القوى من غير بلوغ أرب ولا أدراك مطلب ولا قضاء وطر وليس إلا الحين المطلوب والقدر المكتوب والأمل المكذوب فبقيت والله معقود اللسان عن الجواب حيران لا أهتدي لطريق الصواب فالتفت إلى صاحبي وقال لي لما رأى هلعي كالمسلى لي عما أذهلني ما هذه الخفة لوجه برق لك بارقة حسن لعلك ما تدري ما تحته أما سمعت قول ذي الرمة:
على وجه ميّ مَسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الخزي لو كان باديا
فقالت الأم ذهبت لا أب لك كلا والله لأنا بقوله أشبه وأنشدت:
منعمة حوراء يجري وشاحها ... على كشح مرتج الروادف أهضم
لها بشر صاف وعين مريضة ... وأحسن أيماء بأحسن معصم
ثم رفعت ثيابها حتى بلغت نحرها أو جاوزت منكبيها فإذا قضيب فضة قد حسا ماء الذهب يهتز على مثل كثيب نقا وصدر كالوديلة عليه كالرمانتين أو كحقى عاج يملأ يد اللامس وخصر مطوي الأندماج تهتز على كفل رجراج لو رمت به عقدة لانعقد وصرة مستديرة يقصر فهمي عن بلوغ وصفها من تحتها أجثم جاثم كجبهة ليث حادر وساقان خدلجتان
стр. 450
تخرسان الرنين ثم قالت أعاراً تري قلت لا ولكن سبب القدر المتاح وتعجيل هم يعقبه سقم فخرجت عجوز من الخباء فقالت يا هذا امض لشأنك فإن قتيلها مطول لا يودي وأسيرها مكبول لا يفدي فقالت دعيه فله مثل غيلان:
فالا يكن إلا معلل ساعة ... قليل فأني نافع لي قليلها
ثم قالت العجوز:
فمالك منها غير أنك ناكح ... بعينك عينها فهل ذاك نافع
فنحن كذلك إذ ضرب طبل الرحيل فانصرفنا مبادرين بكمد قاتل وكرب داخل وحسرة كامنة وأنا أقول:
يا ناظراً ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيل
أحللت قلبي من هواك محلة ... ما حلها المشروب والأكول
بكمال صورتك التي في مثلها ... يتحير التشبيه والتمثيل
فوق القصيرة والطويلة فوقها ... دون السمين ودونها المهزول
فلما قضينا حجنا وانصرفنا راجعين مررنا بذلك المنزل وقد تضاعف نواره وتزايد حسنه وكملت بهجته فقلت لصاحبي امض بنا لصاحبتنا فلما أشرفنا على الخيام ونحن دونها نسير في روضة من تلك الرياض في وقت فيه قد طلعت الغزالة ولها عين كأعين نجل شرقت بدموعها على قضب زبرجد فهبت الصبا فصبت لها الأغصان فتمايلت تمايل النشوان الطرب فصعدنا ربوة وهبطنا وهدة فإذا بها بين خمس لا تصلح أن تكون خادمة لإحداهن وهن يحنين من نوار ذلك الثمر ويتقلبن على ما تغتنم من عشبه فلما أن أتينا وقفنا فقلت السلام فقالت من بينهن وعليك السلام وقصت عليهن قصتي قلن لها ويلك أما زودته شيئاً يتعلل به من جوي البرحاء فقالت زودته يأساً حاصراً ورأياً حاضراً فابتدرت أنضرهن خداً وأرشقهن قداً وأبرعهن طرفاً فقالت والله ما أحسنت بدأ ولا أجملت عوداً ولقد أسأت في الرد ولم تكافئيه في الود وأني لأحسبه لك وامقاً وإلى لقائك شائقاً فما عليك بإسعافه بطلبته وإنصافه في مودته وأن المكان لخال وأن معك من لا ينم عليك فقالت والله ما أفعل من ذلك شيئاً أو تفعليه قبلي وتشركيني في حلوه ومره فقالت لها الأخرى تلك إذاً قسمة ضيزي تعشقين أنت فتزهين ويذل لك فتمنعين الرفد ثم تأمرينني ما يكون شهوة ولذة ومني سخرة
стр. 451
ما أنصفت في القول ولا أجملت في الفعل فاقبلن إلي وقلن إلى ما قصدت قلت لتبريد غلة وإطفاء لوعة أحرقت الكبد وأذابت الجسد واستبطنت الحشا فمنعت القرار ووصلت الليل بالنهار قلن لي فهل قلت في ذلك شيئاً قلت نعم وأنشدتهن:
حججت رجاء الفوز بالأجر قاصداً ... لحط ذنوب من ركوب الكبائر
فأبت كما آب الشقي بخفه ... حنين ولم أوجر بتلك المشاعر
دهتني بعينيها وبهجة وجهها ... فتاة كضوء الشمس وسنى النواظر
من اللاء لو تبدو لرمة ميت ... لعاد إلى الأحياء في جرم ناشر
منعمة لو كان للبدر نورها ... لكان منيراً للنجوم الزواهر
من البيض تنميها فزارة للعلا ... وأهل المعالي من سليم وعامر
فإن نولت نلت الأماني كلها ... وإن لم تنلني زرت أهل المقابر
فقلن اقترعن فوقعت القرعة على أملحهن فضربن أزاري على باب غار فعدلت إليه وأبطأن عني قليلا وأنا أتشوق إلى واحدة منهن إذ دخل عليّ أسود كأنه سارية بيده هراوة وهو منقط مثل ذراع البكر فقلت ما تريد فقال أفعل بك الفاحشة فخفت وصحت بصاحبي فخلصني منه ولما يكد فخرجت من الغار وإذا بهن يتعادين إلى الخيمات كأنهن أللآلي ينحدرن من سلك وهن يتضاحكن ومعهن قلبي يجرونه بينهن فانصرفت وأنا أخزي من ذات النحيين.
стр. 452
القصص والفكاهات
رواية فوست
نقلها إلى العربية صالح بك حمدي حماد
(الفصل الأول)
غواية فوست
(المنظر الأول) في قصر فوست - تظهر غرفة معقودة على الطراز الغوثي القديم وفيها مكتبة وموائد عليها كتب وأدوات علمية وعدد من أنابيب وأواني وجمجمة إنسان والدكتور فوست جالس على كرسي أمام مكتبه لابساً رداء أسود وعلى رأسه قلنسوة سوداء وهو شيخ هرم ذو لحية بيضاء طويلة وأمامه مصباح ضئيل النور تظهر علامات الاهتمام والتفكير ثم يقول:
فوست - درست الفلسفة والشريعة والإلهيات والطب حتى برعت فيها كلها وصرت أعلم من تقله أرض ألمانيا ولكن ماذا أفادني كل ذلك غير التعب والنصب، أني لعمري أحمق أخرق أراني لم أستفد من ذلك فائدة ما ولم أسعد به وإن عظموني وسموني الأستاذ ولقبوني بالدكتور والحكيم إلى أمثال ذلك من الألقاب الضخمة والنعوت الطنانة الرنانة وما هي لعمرك إلا غرور وزهو باطل.
ثم ينهض فيتمشى في الغرفة جيئة وذهوباً وهو مضطرب قلق ويقول.
فوست - ولقد صار لي منذ عشر من السنوات من الشهرة الفائقة وبعد الصيت والنفوذ والسلطة على تلاميذي ومريدي ما جعلهم يطيعون أمري ويستنيمون لأقل إشاراتي فلم يدخلني من ذلك العجب وغرور أهل العلم قط والآن تولاني اليأس ونفذت سهام القنوط إلى فؤادي الذي ظل أمداً تملؤه المفاخر والمنازع الشريفة حتى أضحيت أغزر معارف وعلوماً من كثير من العلماء والأساتذة والكهان والرهبان وصرت لا أخاف الشيطان ولا أخشى دخول النار ولكني قد حرمت في مقابل ذلك مسرات الحياة ثم يضحك مستهزئاً ويقول:
فوست - أجل أنني قد حرمت مسرات الحياة وملذات البشر وبما أني قد اقتنعت اليوم بغرور ما أنا عليه وقلة جدواه فعلام إذاً أعلمه غيري هل يصيرون به أسعد حالاً مني. أني لا أملك درهماً واحداً وليس لي أقل نصيب من الشرف الدنيوي والجاه في العالم فما أتعس
стр. 453
حظي في الحياة وأشقاني بعلومي ومعارفي الطويلة العريضة فلم يبق أمامي سوى الاستعانة بعلم السحر لا على مثال تلك السذاجات التي يزاوله بها جماعة السحرة السذج بل على نوع جدى أستكنه به أسرار هذه الطبيعة وأستكشف به قواها العاملة المؤثرة وأنال منها ما تصبو إليه نفسي من اللذات.
ويذهب إلى النافذة فيرفع السجف وينظر في السماء إلى القمر ويقول مخاطباً له.
فوست - أيه أيها القمر الساطع والكوكب الدري اللامع ألق بالنظرة الأخيرة منك على في نصبي وتعبي أنت أيها الصديق الجميل الذي طالما كان رفيقي في وحدتي وشاهدي في سهري الليالي فكم من مرة رأيتني في هذه الغرفة مكباً على مكتبي أدرس العلوم وأطالع أسفارها فيا ليت لي مثل مالك من القدرة على الارتفاع والتحليق في القبة الزرقاء حتى كنت أشرف من عل على قمم الجبال وفوق المغارات المظلمة واستنكف كثيراً من الأسرار ولكن ليس لي واأسفاه ذلك وليس أمام فوست الشيخ الفاني إلا البقاء بين أربع حيطان هذه الغرفة المظلمة التي لا يكاد ينفذ من زجاجها المغبر ضوء النهار.
ويجيل بصره في أرجاء الغرفة وهو حزين كاسف البال ثم يطرد مقاله:
فوست - فهذا المكان هو سجني نعم هذا المكان محبسي ولكن لم أجلب على قلبي الهموم والأكدار وأحمل نفسي الأحزان في حياتي والأشجان أني خلقت حياً في طبيعة حية فعلام أضع نفسي باختياري في القبور بين الأموات أجل هذا المكان لعمري قبر وهو لا يحوي إلا أشياء تافهة فلأكسرن هذه السلاسل ولأحلن هذه القيود ولأزجن بنفسي في مجاري الحياة الصافية استقي منها لذة كؤوساً منزعة.
ثم يتناول بيده كتاب السحر ويقول:
فوست - هذا كتاب السحر الأعظم والطلسم الأكبر خطه بيمينه رأس السحرة (فوستراد موس) فليكن دليلي وهادي ومرشدي فيما أريد (ويفتح الكتاب ويقلبه ويقول) ولكن لنتجاوز ما عليه من هذه الشروح التي لا فائدة لنا فيها ولنمسك باللباب ويقرأ فيه بصوت عال ما نصه:
إن عالم الأرواح ليس مغلق الباب في وجهك أيها المريد غير أن عقلك ضال وقلبك ميت فتشجع وألق بنفسك وأسبح في أنوار بحر ذلك الفجر الباسق بلا فتور ولا ملل
стр. 454
ثم يقول:
فوست - هذا هو الينبوع الصافي والمورد العذب الذي أريد الاستقاء من زلاله والتشبع من شرابه حتى أنال أربي وأحظي بالحب والغرام وارتشاف كأس المدام والثمل بريق غادة حسناء وفتاة في رؤيتها الحياة هذا كل ما أريد وأرغب فيه وتتشهاه عليّ نفسي.
ويتمتم قائلاً بصوت عال:
فوست - أيتها الروح الأرضية التي أحس بوجودها معي وأشعر باقترابها مني أطلب مساعدتك وأسلم نفسي إليك وألقى بقيادي بين يديك فاظهري اظهري ولو كلفني ظهورك شرب كأس الحمام. . . .
(المنظر الثاني) تظهر أشعة من النور بالقرب من مدخنة الغرفة ويبدو بينها شبح إنسان لابساً ملابس ذلك العصر ومتقلداً سيفاً وعلى رأسه قبعة عليها ريش النعام فيقول لفوست بصوت رنان:
ميفستوفيليس - من الذي يدعوني ويطلب معونتي ونصرتي.
فوست - وهو يلتفت إليه ويرتجف - يالك من خيال فظيع وشبح مريع.
ميفستوفيليس - إنك يا هذا قد دعوتني وأن تأثير عزيمتك هو الذي اضطرني إلى مغادرة مكاني ومستقري ومقامي وأقدمني إلى هنا فماذا تريد؟
فوست - وهو يحملق بعينه - أريد ألا أراك فأني لا أقوى على احتمال منظرك وهول رؤيتك.
ميفستوفيليس - إنك كنت مع ذلك تدعوني بتلهف وتطلبني بشدة لتراني وتطلب مني المساعدة فيما تصبو إليه نفسك فما الذي دهاك وأفزع فؤادك إنك كنت إلى قبيل هذه اللحظة تبني (علالى) من اللذات وقصوراً من الشهوات والمسرات فالآن إذ جئت لأنيلك ما تشتهي يأخذك الفزع والهلع. أطلب ما تشاء.
أما فوست فيزداد اضطراباً وفزعاً وترتجف أعضاؤه ثم يستند على مكتبه وهو يقول:
فوست - أخرج من هذا المكان فأني لا أريد لا الحقير ولا العظيم من الشيطان الرجيم.
ميفستوفيليس وهو يقترب من فوست
- هذا كذب صراح وقول هراء أيها الدكتور بل أنت تريد أن تحظى بلثم ثغر فتاة جميلة
стр. 455
وارتشاف خمر ريقها وقطف ورد وجنتيها وأن تعود إليك قوتك وشبابك ونضرة أهابك فأنا لعمري بمالي من القوة والسلطان في قدرتي أن أعطيك كل ما تريد وأن أكون في الأرض طوع أمرك وآتيك بكل ما تشتهي نفسك من المسرات واللذات وانظر إلى هذه الناحية من غرفتك تر تلك الفتاة الجميلة التي خبأتها لك وهي على ما تشتهي نفسك ويصبو إليه فؤادك المدنف وهي مرغريت أجمل فتيات ويمار وأخت الجندي فالنتان وخطيبة الشاب سيابل.
فيلتفت فوست إلى تلك الناحية من الغرفة فيرى مرجريت في حلة زرقاء وهي ممسكة بيدها أزهاراً وتبسم له فيطير عقل فوست ولبه فرحاً ويهم باللحاق بها وهو يقول.
فوست - هذه والله طلبتي ومنية قلبي وبهجة فؤادي.
فيمسكه ميفستوفيليس من ذراعه ويوقفه وهو يقول.
ميفستوفيليس - مكانك أيها الأستاذ العظيم والدكتور الحكيم أنها ستكون لك روحاً وبدناً ولكن بعد أن توقع لي على هذا العهد بل هذا العقد بيني وبينك بأنك تكون من نصيبي في الآخرة.
ويقدم إلى فوست ورقة يخرجها من جيبه فيأخذها فوست بلهف ويذهب إلى مكتبه ليوقعها وهو يقول.
فوست - هذا لا يهمني وأني أوقع لك بارتياح على هذا العهد وألف مثله إذا كنت سأنال من وراءه الحظوة بهذه الفتاة الفتانة.
ميفستوفيليس - لا أقبل التوقيع على هذا العهد بيني وبينك بالحبر وإنما ينبغي أن توقع عليه بدمك.
فوست - يتناول دبوساً ويكشف عن ساعده ويغرز الدبوس في لحمه ثم يوقع به على العهد الذي فيه ضياعه ويناوله الشيطان ثم يقول كمن يخاطب نفسه.
فوست - نعم لا يهمني الآن ما سألقاه غداً ما دمت حاصلاً على هذه الغادة الهيفاء ألاعبها وتلاعبني وكفى ما مضى من عناء وما لقيت من تعب وبلاء فلأهنأ الآن ولأسر واغتبط وأرشف الكاسات وأمتع نفسي بهذا الجمال الفتان ثم ليأت ما هو آت.
وبينما هو يتكلم يختفي ميفستوفيليس ومرجريت.
(المنظر الثالث) فيهتاج فوست حين يرى نفسه منفرداً ثم يقول.
стр. 456
فوست - ويلاه أين ذهبت فاتنة قلبي أين ذلك الذي كان يكلمني ويمنيني نيل المنى أفي حلم كنت أنا أم في يقظة ما هذا الحلم الغريب وهذه الأمور الخيالية ثم يفتش في أركان الغرفة وهو يقول ويلاه أين ذهبا أين ذهبا أبلعتهما الأرض أم طارا في السماء ولما يتعبه البحث والتنقيب يسقط على الأرض ثم ينهض وهو يفرك جبينه ويقول.
فوست - الخيال الخيال أين ذهب أين رحت يا مرغريت يا بديعة الجمال وربة الدلال وسالبة اللب أحي أنين قلبي وبلي غلة نفسي وأطفئي لهيب فؤادي تعالي تعالي أكذبي وخوني خطيبك وكوني لفوست خليلة ويا لها من أحلام.
ويسمع قرع الباب فيقول.
فوست - من هذا الطارق على بابي في مثل هذه الساعة من جنح الليل ألا تباً لك أيها الزائر ولعله تلميذي ونيار بل أراه هو بعينه. أني أمني النفس وأناجيها بأمور الغرام ويأتيني هذا الفتى الغر ليصدع رأسي بأسئلته الفلسفية والحكيمة فلنظهر له الاستياء حتى لا يطيل معي جلوسه.
ويقرع الباب مرة ثانية.
فوست - أدخل أيها الطارق.
(المنظر الرابع) يقوم فوست من على كرسيه أمام مكتبه ويدخل ونيار وهو فتى وسيم في الخامسة والعشرين من سنيه لابساً رداء البيت وعلى رأسه قلنسوة الليل ويحمل بيده مصباحاً.
ونيار - ما هذا يا سيدي الأستاذ أتجلس هكذا بلا نور ولا نار على أني استميحك الصفح عن مجيئي في مثل هذا الوقت فلقد سمعتك وأنا أتمشى في الطرقة تترنم بالشعر فخيل لي أن هذه رواية يونانية أنشأها الأستاذ فهو يترنم بما فيها من الرقائق الشعرية فجئت على أمل أن أشنف سمعي بمحاسن أنشاده.
فوست - وهو مظهر للعبوسة - وما هي فائدتك من تعلم ذلك.
ونيار - أريد أن أكون ضليعاً في فن الإلقاء التمثيلي والإنشاد والخطابة فإن هذا لعمري أحد وسائل النجاح العظيمة في هذا العصر والناس يعتقدون أن الممثل قد يصلح لأن يكون واعظاً.
стр. 457
فوست - قول أكثر الناس قول هراء يا ونيار ألا تعرف ذلك.
فيضع ونيار مصباحه على أحد الموائد ويجلس أمام أستاذه بلا استئذان وهو يقول.
ونيار - لا يؤاخذني سيدي الأستاذ فأني لمعيشتي هنا في عزلة عن الناس لذلك لا أعرف دخائلهم.
فوست - وهو يبتسم - وهل عرفت الحي يا ونيار.
ونيار - أما الحب فقد أحببت.
فوست (ويقترب بكرسيه منه) صرح لي بما يكنه قلبك ومن هي تلك الفتاة الجميلة التي شغل حبها قلبك.
ونيار - (وهو ينظر إلى فوست دهشاً متردداً)
- من هي التي أحببتها؟ إنها لعمري إحدى تلك الفتيات الفاتنات والغانيات القاتلات اللاتي يود كل أنسان أن يحظى بقربهن ويشنف الأسماع بشهي حديثهن وهي وأن كانت فتاة فقيرة لا مال لها ولا عقار ولكن لها في دعج عينيها وهيف قوامها وجلنار خديها ما يغني الصب عن كنوز الذهب والفضة أنها ظبية من ظباء حديقة ويمار اللائي يخرجن إليها للرياضة والنزهة فيسبين العقول ويخلبن النهي ويفضلن أزهار الربيع ووروده التي يمشين بينها.
فترجف أعضاء الدكتور فوست ويضطرب ويقول مخاطباً نفسه.
فوست - ويلاه أيمكن هذا الفتى مزاحماً لي في حب مرغريت التي رأيتها اليوم لا لا أظن ذلك على أنه إذا كان ذلك كذلك فالويل له فأني قاتله لا محالة بسيفي وساقيه كأس الردى ولكن لا لا هذه أوهام يضلني فيها ما بدأت أشعر به من حب تلك الفتاة فلنغير معه مجري الحديث حتى لا أثير شبهه وظنونه.
ويضع يده على كتف الفتى ثم يقول.
فوست - أتحب أن تكتسب قلوب الرجال وتعظيمهم لك مما هو بغية أكثر الناس وأمنية كل شاب في سنك فأقول لك لا تؤمل أن تصل إلى ذلك في المجتمع ما لم يكن في قلبك حب وميل حقيقي للناس يكسبك رضاءهم ويحبب فيك نفوسهم.
ولأزيدك بياناً فأقول. إن الوقوف في منصة الخطابة أو التربع في كرسي الوعظ وسردك العبارات المختلفة المقعرة وتكلفك لوك ما قد لاكته الألسن من قبل من المفخمات والنفخ في
стр. 458
رماد ذلك لإشعال جذوة القلوب كل هذا لا يكسبك إلا إعجاب الأحداث والأغرار ولا سبيل إلى أكثر من ذلك من النجاح ما لم يكن لك من قلبك دافع ومن نفسك أي وجدانك عامل إذ لا طريق للوصول إلى القلوب إلا بما تعمل القلوب.
ونيار - وهو مطأطئ الرأس أمام هذا النصح وعيناه تتقدان - إذاً أنت لا تعتقد أيها الأستاذ أن الاختبار والتجربة في الخطابة والمران على الفصاحة والبلاغة على هذه الصورة في شيء من إنجاح شأن الخطيب على أني لعمري في حاجة إلى سماع بلاغتك ودرر ألفاظك لأني بفضل تعليمك يمكنني كسب القلوب ولا سيما قلب ذياك الجمال الذي بهرني. . .
فوست محركاً رأسه - كلا كلا لا تعتقد ذلك يا بني وثق أن الحب سراب لامع يخدع عينيك ففر منه واستمسك بالأمور الجدية. أجل يا ونيار دعك من القشور وعليك باللباب. اترك المحسنات والتكلفات وعليك بحسن الذوق وصدق النية تفز بالنجاح ولا تقع في الشطط والخطأ الصريح.
ونيار - ولكنك أيها الأستاذ طالما علمتني أن من أصول البلاغة والفصاحة. . .
فوست مقاطعاً وهو رافع ذراعيه إلى العلاء - أنني معرض للخطأ وواجبي يقضي على الآن بإصلاح ما أفسدته عليك.
ما هذا الذي اتخذته مبدأ لك من خلب العقول بفصاحة لسانك لاستجلاب رضا امرأة. لا جرم أنه شر مبدأ يجب الإقلاع عنه.
ونيار - أنك أيها الأستاذ العظيم لم تكن تجري ذكر النساء قبلاً قط على لسانك. على أنه يلزم الإنسان لتجميل حياته الدنيوية القصيرة أن يلطفها بشيء من المسرات بمشاهدة امرأة له يسكن إليها ويتلذذ بسماع حديثها فإن إدامتي الاشتغال بالمؤلفات العتيقة والمقارنة بينها ينهك قواي فلذلك أسعى إلى إعطاء نفسي شيئاً من الراحة واللعب والمسرة دون أن أهمل مع ذلك حق العلم والحقائق التي أزاول تعلمها.
فوست - إن هذه الحقائق لهي التسلية الوحيدة لقلبك فلا تفارقها ولا تعلق قلبك بشيء سواها ولكن ما هو اسم الفتاة التي تحبها يا ونيار؟
ونيار - لا أعرف اسمها.
فوست - يجب أن تسلو هذه الفتاة وأن تدعها لخاطبها ولا تفسد على الناس بناتهم ولا تعكر
стр. 459
على العائلات صفوها فيما تختار لبناتها أما نحن فلنكب على العلوم فهي مسلاتنا الوحيدة يا صديقي وأنها لأعلى منزلة وأسمى مقاماً ويسمع دق الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.
فوست - أسمعت. لا جرم أننا قد أطلنا السهر فينبغي أن نقف عند هذا الحد من سمرنا الليلة.
فيقف ونيار ويمسك مصباحه ويتهيأ للخروج وينهض فوست أيضاً.
ونيار - وهو خارج لقد كان بودي أن يطول سمرنا وحديثنا العلمي الشهي لولا أن يوم غد عيد الفصح المبارك ويجب أن نستريح لاستقبال العيد فاستودعك الله أيها الأستاذ الجليل.
فوست - في حراسة الله يا بني.
(المنظر الخامس) حين يخرج ونيار ويغلق فوست الباب ثم يأتي إلى كرسيه ويقبع فيه وهو يقول:
فوست - أيصدق حدسي ويكون ونيار تلميذي خصمي ومزاحمي في حب مرغريت لعلي أكون واهماً على أن ميفستوفيليس رأ الشياطين قد وعدني بأن تكون هذه الفتاة لي وحدي وأن قوته وسلطانه لحريان بأن ينيلاني مرغوبي ويبلان غليل نفسي الذي يؤجج النار في الحشا، ويلاه أيقوم بنفسي وأنا الأستاذ الكبير والعالم النحرير أمثال هذه المنازع حتى صرت بعد أن كنت أعشق العلم وأسفاره أصبو إلى امرأة وأود لو أني جاثٍ أمامها الآن على الركب.
ويبقى برهة غارقاً في أفكاره ثم يقول كأنه يخاطب تلميذه ونيار متهكماً به.
فوست - سر في أوهامك يا ونيار ما شئت أن تسير واتعب في التنقيب عن العلم وتحر البلاغة ما وجدت إلى ذلك سبيلا، لا جرم أن هذه المنازع واللذات لا تسر إلا أصحاب العقول القاصرة مثل عقلك على أنه ينبغي لي أن أخفض الصوت في هذا المكان الذي ظهر لي فيه الشيطان وأني لأشكر له صنعه وأحمد إليه عطاءه وما مناني إياه وأراني أشعر بما يدب في جسمي من الحياة اللذيذة التي وعدني بها غير أني أخشى أن يكون ما شاهدته ووعدني به غروراً واضعات أحلام سقطت أو تسقط بي إلى الحضيض وقد أضيف إليها شهوة جديدة تزيد متاعبي وتنغيص عيشي.
ثم يقف بجوار فراشه ويقول:
стр. 460
فوست - علام التماس الراحة والنوم قد جفا أجفاني زمناً ولزمني الأرق والسهاد وصرت الإنسان الضال المشرد الأفكار الذي يتردد بين اختيار منزل في السماء أو امرأة في الأرض، هل يجب عليّ أن لا أسمع إلا لطالب الجسد فاستسلم إلى ما تميل إليه نفسي من الرغائب؟ هل ما عراني من التصورات المملوءة بالآمال تجسر الآن أن تطوي أجنحتها وتلزم السكون حتى تتلاشى وتموت في نفسي؟ كلا كلا إن كل ما يحيط بي في هذه الغرفة وموضوع على هذه الموائد أو معلق على حيطانها أهو شيء آخر غير مادة ترابية؟ أمور زائلة وغرور باطل يظهر ف ألوف من الصور وما هو الأطعمة للدود وعرضة للفناء على حين أن ابتسامة واحدة من ثغر فتاة جميلة تحيي النفوس وتبل صداها.
ثم يصمت قليلاً ويقول:
فوست - أفي هذا المكان أجد ضالتي وما ينقص قلبي! ما الذي أستزيده من دراسة هذه الأسفار الضخمة التي عذب مؤلفوها أنفسهم باستخراجها للناس. هل يذكر التاريخ فرداً واحداً منهم عاش سعيداً منهما حتى الممات:
ثم يذهب إلى المائدة ويأخذ منها جمجمة إنسان ويقلبها بين يديه ويقول:
فوست - ما تقولين لي أنت أيتها الجمجمة الخالية الجافة. أهاج أفكارك أيام حياتك ما يهيج أفكاري أنا اليوم؟ أنشدت نور الحقيقة وصبحها وواصلت البحث والتنقيب عنها حتى وقفت على تلك الحقيقة التي تفرّ منا وتحتجب وراء حجب الغيوب كلما واصلنا البحث عنها؟
ثم يجيل بصره في الغرفة ويقول:
فوست - وهذه العدد والأدوات إلا أراها تهزأ بي وبمجهوداتي السابقة وقد كنت بواسطتها أعمل على باب العلم وأعالج فتحه معتقداً أنها تعينني على فتحه فوجدتها تزيده ارتاجاً. لعمري أن الطبيعة المملوءة بالأسرار والمعميات لا يسهل عليك حل رموزها وكشف غوامضها وأن مالم ترض هي باختيارها إجلاءه لنفسك من حقائقها فلن يمكنك أن تنزعه منها نزعاً بالدلاء والبكرات فيالك من أدوات عتيقة وعدد لا فائدة منها:
ثم يطرح الجمجمة على المائدة ويضرب بقبضة يده على الكتب فتعثر يده على زجاجة فيأخذها بلهف ويرفعها إلى العلا ويقول:
فوست - هذه هي الضالة المنشودة بل هذا هو الدواء الناجع ليأسي ولئن كان الظلام مخيماً
следующие страницы →