Полный текст (3 596 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فوست - ويلاه أين ذهبت فاتنة قلبي أين ذلك الذي كان يكلمني ويمنيني نيل المنى أفي حلم كنت أنا أم في يقظة ما هذا الحلم الغريب وهذه الأمور الخيالية ثم يفتش في أركان الغرفة وهو يقول ويلاه أين ذهبا أين ذهبا أبلعتهما الأرض أم طارا في السماء ولما يتعبه البحث والتنقيب يسقط على الأرض ثم ينهض وهو يفرك جبينه ويقول.
فوست - الخيال الخيال أين ذهب أين رحت يا مرغريت يا بديعة الجمال وربة الدلال وسالبة اللب أحي أنين قلبي وبلي غلة نفسي وأطفئي لهيب فؤادي تعالي تعالي أكذبي وخوني خطيبك وكوني لفوست خليلة ويا لها من أحلام.
ويسمع قرع الباب فيقول.
فوست - من هذا الطارق على بابي في مثل هذه الساعة من جنح الليل ألا تباً لك أيها الزائر ولعله تلميذي ونيار بل أراه هو بعينه. أني أمني النفس وأناجيها بأمور الغرام ويأتيني هذا الفتى الغر ليصدع رأسي بأسئلته الفلسفية والحكيمة فلنظهر له الاستياء حتى لا يطيل معي جلوسه.
ويقرع الباب مرة ثانية.
فوست - أدخل أيها الطارق.
(المنظر الرابع) يقوم فوست من على كرسيه أمام مكتبه ويدخل ونيار وهو فتى وسيم في الخامسة والعشرين من سنيه لابساً رداء البيت وعلى رأسه قلنسوة الليل ويحمل بيده مصباحاً.
ونيار - ما هذا يا سيدي الأستاذ أتجلس هكذا بلا نور ولا نار على أني استميحك الصفح عن مجيئي في مثل هذا الوقت فلقد سمعتك وأنا أتمشى في الطرقة تترنم بالشعر فخيل لي أن هذه رواية يونانية أنشأها الأستاذ فهو يترنم بما فيها من الرقائق الشعرية فجئت على أمل أن أشنف سمعي بمحاسن أنشاده.
فوست - وهو مظهر للعبوسة - وما هي فائدتك من تعلم ذلك.
ونيار - أريد أن أكون ضليعاً في فن الإلقاء التمثيلي والإنشاد والخطابة فإن هذا لعمري أحد وسائل النجاح العظيمة في هذا العصر والناس يعتقدون أن الممثل قد يصلح لأن يكون واعظاً.
стр. 457
فوست - قول أكثر الناس قول هراء يا ونيار ألا تعرف ذلك.
فيضع ونيار مصباحه على أحد الموائد ويجلس أمام أستاذه بلا استئذان وهو يقول.
ونيار - لا يؤاخذني سيدي الأستاذ فأني لمعيشتي هنا في عزلة عن الناس لذلك لا أعرف دخائلهم.
فوست - وهو يبتسم - وهل عرفت الحي يا ونيار.
ونيار - أما الحب فقد أحببت.
فوست (ويقترب بكرسيه منه) صرح لي بما يكنه قلبك ومن هي تلك الفتاة الجميلة التي شغل حبها قلبك.
ونيار - (وهو ينظر إلى فوست دهشاً متردداً)
- من هي التي أحببتها؟ إنها لعمري إحدى تلك الفتيات الفاتنات والغانيات القاتلات اللاتي يود كل أنسان أن يحظى بقربهن ويشنف الأسماع بشهي حديثهن وهي وأن كانت فتاة فقيرة لا مال لها ولا عقار ولكن لها في دعج عينيها وهيف قوامها وجلنار خديها ما يغني الصب عن كنوز الذهب والفضة أنها ظبية من ظباء حديقة ويمار اللائي يخرجن إليها للرياضة والنزهة فيسبين العقول ويخلبن النهي ويفضلن أزهار الربيع ووروده التي يمشين بينها.
فترجف أعضاء الدكتور فوست ويضطرب ويقول مخاطباً نفسه.
فوست - ويلاه أيمكن هذا الفتى مزاحماً لي في حب مرغريت التي رأيتها اليوم لا لا أظن ذلك على أنه إذا كان ذلك كذلك فالويل له فأني قاتله لا محالة بسيفي وساقيه كأس الردى ولكن لا لا هذه أوهام يضلني فيها ما بدأت أشعر به من حب تلك الفتاة فلنغير معه مجري الحديث حتى لا أثير شبهه وظنونه.
ويضع يده على كتف الفتى ثم يقول.
فوست - أتحب أن تكتسب قلوب الرجال وتعظيمهم لك مما هو بغية أكثر الناس وأمنية كل شاب في سنك فأقول لك لا تؤمل أن تصل إلى ذلك في المجتمع ما لم يكن في قلبك حب وميل حقيقي للناس يكسبك رضاءهم ويحبب فيك نفوسهم.
ولأزيدك بياناً فأقول. إن الوقوف في منصة الخطابة أو التربع في كرسي الوعظ وسردك العبارات المختلفة المقعرة وتكلفك لوك ما قد لاكته الألسن من قبل من المفخمات والنفخ في
стр. 458
رماد ذلك لإشعال جذوة القلوب كل هذا لا يكسبك إلا إعجاب الأحداث والأغرار ولا سبيل إلى أكثر من ذلك من النجاح ما لم يكن لك من قلبك دافع ومن نفسك أي وجدانك عامل إذ لا طريق للوصول إلى القلوب إلا بما تعمل القلوب.
ونيار - وهو مطأطئ الرأس أمام هذا النصح وعيناه تتقدان - إذاً أنت لا تعتقد أيها الأستاذ أن الاختبار والتجربة في الخطابة والمران على الفصاحة والبلاغة على هذه الصورة في شيء من إنجاح شأن الخطيب على أني لعمري في حاجة إلى سماع بلاغتك ودرر ألفاظك لأني بفضل تعليمك يمكنني كسب القلوب ولا سيما قلب ذياك الجمال الذي بهرني. . .
فوست محركاً رأسه - كلا كلا لا تعتقد ذلك يا بني وثق أن الحب سراب لامع يخدع عينيك ففر منه واستمسك بالأمور الجدية. أجل يا ونيار دعك من القشور وعليك باللباب. اترك المحسنات والتكلفات وعليك بحسن الذوق وصدق النية تفز بالنجاح ولا تقع في الشطط والخطأ الصريح.
ونيار - ولكنك أيها الأستاذ طالما علمتني أن من أصول البلاغة والفصاحة. . .
فوست مقاطعاً وهو رافع ذراعيه إلى العلاء - أنني معرض للخطأ وواجبي يقضي على الآن بإصلاح ما أفسدته عليك.
ما هذا الذي اتخذته مبدأ لك من خلب العقول بفصاحة لسانك لاستجلاب رضا امرأة. لا جرم أنه شر مبدأ يجب الإقلاع عنه.
ونيار - أنك أيها الأستاذ العظيم لم تكن تجري ذكر النساء قبلاً قط على لسانك. على أنه يلزم الإنسان لتجميل حياته الدنيوية القصيرة أن يلطفها بشيء من المسرات بمشاهدة امرأة له يسكن إليها ويتلذذ بسماع حديثها فإن إدامتي الاشتغال بالمؤلفات العتيقة والمقارنة بينها ينهك قواي فلذلك أسعى إلى إعطاء نفسي شيئاً من الراحة واللعب والمسرة دون أن أهمل مع ذلك حق العلم والحقائق التي أزاول تعلمها.
فوست - إن هذه الحقائق لهي التسلية الوحيدة لقلبك فلا تفارقها ولا تعلق قلبك بشيء سواها ولكن ما هو اسم الفتاة التي تحبها يا ونيار؟
ونيار - لا أعرف اسمها.
فوست - يجب أن تسلو هذه الفتاة وأن تدعها لخاطبها ولا تفسد على الناس بناتهم ولا تعكر
стр. 459
على العائلات صفوها فيما تختار لبناتها أما نحن فلنكب على العلوم فهي مسلاتنا الوحيدة يا صديقي وأنها لأعلى منزلة وأسمى مقاماً ويسمع دق الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.
فوست - أسمعت. لا جرم أننا قد أطلنا السهر فينبغي أن نقف عند هذا الحد من سمرنا الليلة.
فيقف ونيار ويمسك مصباحه ويتهيأ للخروج وينهض فوست أيضاً.
ونيار - وهو خارج لقد كان بودي أن يطول سمرنا وحديثنا العلمي الشهي لولا أن يوم غد عيد الفصح المبارك ويجب أن نستريح لاستقبال العيد فاستودعك الله أيها الأستاذ الجليل.
فوست - في حراسة الله يا بني.
(المنظر الخامس) حين يخرج ونيار ويغلق فوست الباب ثم يأتي إلى كرسيه ويقبع فيه وهو يقول:
فوست - أيصدق حدسي ويكون ونيار تلميذي خصمي ومزاحمي في حب مرغريت لعلي أكون واهماً على أن ميفستوفيليس رأ الشياطين قد وعدني بأن تكون هذه الفتاة لي وحدي وأن قوته وسلطانه لحريان بأن ينيلاني مرغوبي ويبلان غليل نفسي الذي يؤجج النار في الحشا، ويلاه أيقوم بنفسي وأنا الأستاذ الكبير والعالم النحرير أمثال هذه المنازع حتى صرت بعد أن كنت أعشق العلم وأسفاره أصبو إلى امرأة وأود لو أني جاثٍ أمامها الآن على الركب.
ويبقى برهة غارقاً في أفكاره ثم يقول كأنه يخاطب تلميذه ونيار متهكماً به.
فوست - سر في أوهامك يا ونيار ما شئت أن تسير واتعب في التنقيب عن العلم وتحر البلاغة ما وجدت إلى ذلك سبيلا، لا جرم أن هذه المنازع واللذات لا تسر إلا أصحاب العقول القاصرة مثل عقلك على أنه ينبغي لي أن أخفض الصوت في هذا المكان الذي ظهر لي فيه الشيطان وأني لأشكر له صنعه وأحمد إليه عطاءه وما مناني إياه وأراني أشعر بما يدب في جسمي من الحياة اللذيذة التي وعدني بها غير أني أخشى أن يكون ما شاهدته ووعدني به غروراً واضعات أحلام سقطت أو تسقط بي إلى الحضيض وقد أضيف إليها شهوة جديدة تزيد متاعبي وتنغيص عيشي.
ثم يقف بجوار فراشه ويقول:
стр. 460
فوست - علام التماس الراحة والنوم قد جفا أجفاني زمناً ولزمني الأرق والسهاد وصرت الإنسان الضال المشرد الأفكار الذي يتردد بين اختيار منزل في السماء أو امرأة في الأرض، هل يجب عليّ أن لا أسمع إلا لطالب الجسد فاستسلم إلى ما تميل إليه نفسي من الرغائب؟ هل ما عراني من التصورات المملوءة بالآمال تجسر الآن أن تطوي أجنحتها وتلزم السكون حتى تتلاشى وتموت في نفسي؟ كلا كلا إن كل ما يحيط بي في هذه الغرفة وموضوع على هذه الموائد أو معلق على حيطانها أهو شيء آخر غير مادة ترابية؟ أمور زائلة وغرور باطل يظهر ف ألوف من الصور وما هو الأطعمة للدود وعرضة للفناء على حين أن ابتسامة واحدة من ثغر فتاة جميلة تحيي النفوس وتبل صداها.
ثم يصمت قليلاً ويقول:
فوست - أفي هذا المكان أجد ضالتي وما ينقص قلبي! ما الذي أستزيده من دراسة هذه الأسفار الضخمة التي عذب مؤلفوها أنفسهم باستخراجها للناس. هل يذكر التاريخ فرداً واحداً منهم عاش سعيداً منهما حتى الممات:
ثم يذهب إلى المائدة ويأخذ منها جمجمة إنسان ويقلبها بين يديه ويقول:
فوست - ما تقولين لي أنت أيتها الجمجمة الخالية الجافة. أهاج أفكارك أيام حياتك ما يهيج أفكاري أنا اليوم؟ أنشدت نور الحقيقة وصبحها وواصلت البحث والتنقيب عنها حتى وقفت على تلك الحقيقة التي تفرّ منا وتحتجب وراء حجب الغيوب كلما واصلنا البحث عنها؟
ثم يجيل بصره في الغرفة ويقول:
فوست - وهذه العدد والأدوات إلا أراها تهزأ بي وبمجهوداتي السابقة وقد كنت بواسطتها أعمل على باب العلم وأعالج فتحه معتقداً أنها تعينني على فتحه فوجدتها تزيده ارتاجاً. لعمري أن الطبيعة المملوءة بالأسرار والمعميات لا يسهل عليك حل رموزها وكشف غوامضها وأن مالم ترض هي باختيارها إجلاءه لنفسك من حقائقها فلن يمكنك أن تنزعه منها نزعاً بالدلاء والبكرات فيالك من أدوات عتيقة وعدد لا فائدة منها:
ثم يطرح الجمجمة على المائدة ويضرب بقبضة يده على الكتب فتعثر يده على زجاجة فيأخذها بلهف ويرفعها إلى العلا ويقول:
فوست - هذه هي الضالة المنشودة بل هذا هو الدواء الناجع ليأسي ولئن كان الظلام مخيماً
стр. 461
على هذا المكان فإن ما في هذه الزجاجة من العقار ليضيء بنور لامع.
ثم يفتح الزجاجة ويقول:
فوست - أيها الشراب اللذيذ الذي يعجل بالشفاء من جميع الأدواء والذي جمعته من أصول النباتات والأعشاب وكل الجواهر السامة التي تريح الإنسان بالموت على أيسر حال أن برؤيتك تزول الهموم وبتعاطيك تذهب الآلام والغموم التي تحط بكلكلها عليّ فهيا لنسرع باللحاق بعالم آخر غير هذا العالم (ثم يضحك ويقول)
فوست - أجل إن كل ما خُبّرتُ عنه وخَبَرتُه في هذه الأرض إن هو إلا أكاذيب وأضاليل وليس ما وُعِدتُ به من عناق مرغريت والثمل برشف ريقها العذب ما هو إلا خداع بل حلم حلمت به وأن تلاميذي ليهزأون بي فلنغادر هذا العالم ولنفر من على ظهر الأرض ولنترك سكانها وشمسها وسماءها ولنجرأ على اقتحام هذا الباب الذي يتهيبه العوام ولنثبت للناس في هذه البرهة أن من الشجاعة اقتحام هذا الأمر واقتراف هذا الجرم.
وهنا يسمع على بعد قرع الأجراس وأناشيد كنائسية في صعود المسيح ﵇ فيقف قليلاً ويقول:
فوست - ما ألطف هذه الأصوات الكنائسية وأرق هذه الأناشيد السماوية التي أعرف مبناها ومغزاها ولكنها أضحت وا أسفاه لا تشفيني ولا يلين لها قلبي فلندعها لأصحابها ولنتشجع فيما نحن بسبيله، أجل تشجع أيها الدكتور وتناول هذا السم وسلام عليك أيها الفجر الباسق.
(المنظر السادس) ويشرع في وضع الزجاجة على فيه فيأتي ميفستوفيليس من خلفه ويمسكه وينزع الزجاجة من يده ويلقي بها على الأرض فتنكسر.
ميفستوفيليس - ما هذا اليأس أيها الدكتور العظيم ألم أعاهدك على نيلا تشتهي نفسك: أتظن أن الشيطان ينقض عهده أو ينكث وعده. كلا كلا بل لا بد لي من إعطائك ما تريد فمرغريت ستكون لك وشبابك سيعود إليك.
فوست - لقد كنت حسبت مجيئك وعهدك خيالاً بل حلماً من الأحلام ولكنك إذ جئت الآن للوفاء به فعجل بما وعدتني.
ميفستوفيليس - اذهب إلى هذه المرآة وانظر أولاً صورتك فيها. (فيذهب فوست إىلى المرآة وهنا تتغير صورته ويعود إليه شبابه وزهرته فيدهش ويصيح قائلاً)
стр. 462
فوست - عجب عجاب. . أني صرت شاباً وعاودتني صورتي وهيئتي يوم كنت ابن خمس وعشرين سنة فيالسعادتي ويالحسن حظي فمتى أذهب للقاء مرغريت فاتنة قلبي (ثم يعود إلى ميفستوفيليس).
ميفستوفيليس - ستراها قريباً وتحادثها وسأدبر لك الحيلة في الاجتماع بها فنم الآن قرير العين مرتاح الخاطر ولا تظن الشيطان يخلف وعده أصدقاءه.
فوست - وهو ينظر إلى هيئته ويمسك ثيابه بيده - ياللسرور وياللهناء لقد عدت شاباً صغيراً ولكن ما العمل في تلاميذي ومريدي إذا رأوني على هذه الصورة أيعرفونني أم ينكرونني.
ميفستوفيليس - لا تخف فأني سألازمك واتزيا بزيك السابق وأقابل بدلك تلاميذك وأعلمهم علمك فلا تغتم لذلك ولا تجدن فيه غضاضة بل ينبغي لك أن تسر به وتنصاع لأوامري وأني سأسير بك في العالم السيرة التي تشتهيها نفسك من الحظوة بحبيبة قلبك والتمتع بمسرات العالم ودعك من كل هذا التعب الذي تقاسيه والشقاء الذي تعانيه والآن استودعك الله فنمر العين مرتاح الخاطر وسآتيك بعيد ساعات قليلة لآخذك معي لترى مرغريت بهجة نفسك (ويفترقان فيذهب فوست إلى فراشه ويتقدم ميفستوفيليس من المسرح وهو يقول:)
ميفستوفيليس - لقد تم لي إغواء هذا الرجل العظيم وما أوقعه في شركي غير كبريائه ونعاظمه فسلطني الله عليه حتى أغويته قصاصاً منه وعقاباً له على ما دخل نفسه من العجب والغرور بعلمه ومعارفه الواسعة، من كان يظن أن الدكتور فوست عالم ألمانيا الأوحد وحكيمها الأشهر المتبحر في جميع العلوم البشرية يقع في شركي ويعطي بيده في فخي على أيسر سبيل بمجرد أن زينت له ما قام بنفسه من الشهوات التي طالما جاهدها وقمعها في نفسه وحاربها في سواه وقد بلغ من الكبر عتياً، لا جرم أن أحوال الإنسان عجيبة وأطواره غريبة فبينا هو ملك كريم إذا بك تراه شيطاناً رجيماً لأن فيه لعمري جانباً ضعيفاً من الميول إذا هو لم يقومها ويقاومها جهده ويسدد خطاه في حياته حتى النهاية قادته صاغراً إلى البوار مهما كان عظيماً وأعنت أنا عليه بسببها وما ربك بظلام للعبيد. (ثم يرفع الستار)
стр. 463
التربية الطبيعية
أو أميل القرن الثامن عشر
تأليف جان جاك روسو
وتعريب الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني (تابع)
أخته فإذا ضمها مجلس تجاذبا أطراف الكلام في أدب وظرف كأنهما غريبان لم ينتظم عقد اجتماعهما إلا الساعة. وإذا انتكث حبل الألفة بين أفراد الأسرة الواحدة ويبس الثرى بينهم وجفت موارد الصفاء ونضب معين الإخاء فليس بمستغرب أن ينصرف كل واحد عما ليس فيه لذاذة فيتدلى إلى ما هو أحط وأدنى ليسد ذلك النقص الذي يجده ويملأ ذلك الفراغ الذي يحسه. وهل في الناس من بلغت به البلادة والغباوة بحيث لا يفطن لصدق قولنا وصحة نظريتنا هذه؟
أما ذلك الأب الذي يجتزئ بأن يطعم بنيه ويكسوهم فلم ينهض إلا بثلث ما عليه لأن عليه أن يخرج للنوع رجالاً وللمجتمع رجالاً مدنيين (ذوي أميال مدنية) ولامته عمالاً حضريين. فأيما رجل لم يؤد هذا الدين وكان لا عسر عليه في الوفاء به فقد أرتكب جرماً لا مخرج له من عهدته ولا متبرأ له من تبعته وهو إذا أدى النصف فالذنب أشد والجرم أكبر لأن من لا يأنس في نفسه القدرة على الاستقلال بواجبات الأب فليس له أن يكون أباً وليس يبرئه من الملام على تفريطه في العناية ببنيه وتأديبهم رقة الحال أو كثرة المشاغل وأنت أيها القارئ أعرني جانب الثقة واعلم أن صاحب الضمير إذا ظهر بواجباته وتهاون بها فلا بد أن يأتي يوم يذوق فيه وبال تفريطه ويحتقب من تقصيره تبعة الندم ولات ساعة مندم.
قالوا وحسب الرجل منا أن يدفع ولده إلى مؤدب يقومه ما استطاع ويصلحه ما قدر وليس في ذلك كلفة أو عناء لأن أطبع الطين ما كان رطباً، وأعدل العود ما كان لدناً، وليس كل والد بقادر على تأديب ولده بل ربما كان غيره من الناس أقدر على تدارك الخلق الذميمة كلما نجمت وقذعها إذا هجمت قبل أن يظهر تضعيفها ويقوي ضعيفها. وهو قول ظاهره فيه الخير وباطنه من قبله الشر وليت شعري أيروم طالب ذلك شيئاً مما وأمراً سهلاً وكيف لنا بمن ينهض بذلك؟ وهل يستقل بمثل هذا العبء أجير!
ورب مستفسر يقول وهل لا سبيل إلى العثور برجل يغني غناء الوالد ويجزيء مجزأته
стр. 464
وجوابي على هذا أني لا أدري ولعلنا جميعاً لا ندري إلى أي درجة من درجات الفضيلة ترتقي نفوس البشر. ولنفرض أنا وجدنا ضالتنا فإنه ينبغي أن تزن عمله الذي تند به لترى هل له غناء فيما تسنده إليه وكفاية فيما تقلده إياه. ولتعلم مبلغ الكفاية التي ينبغي أن تكون معه ليقوم بما تحمله. وأول ما يخطر لي في ذلك أن من يتدبر ما يكلفه المؤدب الذكي الأروع خليق أن يفطم نفسه عن طلبه ويزمها عن التماسه لأن أيسر مما يحاول من ذلك أن لا يزال يرافع نفسه ويخافضها حتى يصبح مؤدباً!
وأنك لو فكرت في ذلك الوالد الموسر الذي سها عن تربية ولده وزعم أن الشواغل صرفته عن تأديبه فبذل ماله للأجنبي وهو يحسب أنه سيتقدم فيما استكفاه من أموره واستحمله من واجباته ويظن أنه بماله يستطيع أن يشتري لأبنه رجلاً يسد مسده ويمضي مضاءه لرأيت رجلاً قد سد عليه الجهل منافذ النظر وقطع عليه التقليد وجهة الفكر وهو إنما اختار لأبنه خادماً يتبعه ويتوخى مرضاته في كل ما يقول ويفعل وليس من نتيجة لذلك إلا أن يصبح الولد مثله لأن عيوب الطفل معقودة بعيب مربيه.
ولقد قرأنا كثيراً مما كتبه الناس في صفات المؤدب الكفؤ ومناقبه وليس يجب في مذهبي أن تجتمع فيه خلال الفتوة والمروءة جميعها بل أن ألزم من ذلك عندي أن يكون من شرف النفس وإباء الطبع بحيث يأنف أن يبيع نفسه فإن من الأعمال ما هو أجل من أن يكون منها كسبنا ومعاشنا. وما لو جعلناه تجارة لكنا غير أهل له ومن ذلك عمل الجندي والمدرس. وإذ كان الأمر كذلك فإن خليقاً بك أن تتحول عن طلب مؤدب لبنيك يتولى تربيتهم ولقد قلت لك فيما أسلفت من الكلام أنك أحق من تولي ذلك وأقدر، فأما أنا وسواي فأين نقع من ذلك. فإن لم تستطع وكان الأمر من فوق إمكانك فإن الرأي عندي أن تستظهر بصديق تشد به أزرك وتشركه في أمرك.
ولقد طلب إليّ مرة رجل لا أعرف عنه سوى أنه من ذوي المراتب السنية والمنازل الملحوظة أن أؤدب ولداً له فرفعني بذلك وشرفني وأعلى مقامي غير أني أبيت عليه ذلك. ولقد كنت بالشكر أحق مني بالكفر، وكان الحمد على الإخلاص له أولى من الذم ولو أني أطعته ثم أخطأت وزغت عن وضح المحجة لما أفلحت في تربية ولده ولكانت النتيجة سوءاً. على أني لو نجحت لكانت شراً وأسوأ إذ لو صح تأديبي له لنبذ الولد ألقابه وأبى أن
стр. 465
يكون أميراً
أني أعرف بواجب المدرس وأبصر بخطارة عمله من أن ألبي مثل هذه الدعوة وأن كانت من أمير كبير. ولأنا أشد إصراراً على العصيان ومضياً على الإباء إذا كان الداعي صديقاً لي. ولعل الناس إذا قرأوا كتابي هذا يكفون عن الإلحاف في مسألتي والاحتفال في عذلي ورجائي إلى من يحسبون أن في وسعهم حملي على الرضا بالهوادة والمهاونة أن لا يذيقوا أنفسهم مرارة الرد والرجوع بالخيبة. فأني أعلم بنفسي وأشد مناصحة لها ولئن جهلتها فكيف لي بمعرفة غيرها. ولقد اختبرت نفسي مرة والله يعلم أني ما حمدت مخبرها على أن فيما أزاول من عملي ما يظهر عني ما يلزمه الناس من اللوم وما كنت لأكلف نفسي إعلان ذلك العزم لولا أن في الناس من يتهم عزمي ولا يثق بصدقي.
ولذلك قد اعتزمت أن اتخذ لنفسي تلميذاً وهمياً لا وجود له وفرضت أن لي من السن ووفور العقل والرسوخ في العلم وغير ذلك من المواهب والملكات والأسباب وسائر ما يستعين به المرء ويتآدي به لتربيته حتى يبلغ كمال البنية والعقل وهذه الطريقة خير عندي لمن يخشى أن يتيه في شعاب البحث ويهيم في أودية الكلام. ليكون إذا آنس من نفسه جنوحاً عن الجدد قادراً على حبس نفس الكلام ورد جماح المقال. وسبيل ذلك أن يجرب الرأي في تلميذه لينظر من أين مجراه.
وأرى عدا ذلك خلافاً لما عليه الناس جميعاً أن يكون المؤدب في شرخ شبيبته وربيع عمره ولولا أن يقال مجنون مختلط لقلت ينبغي أن يكون صبياً كتلميذه ليكون له رفيقاً مؤانساً وليستريح كل إلى صاحبه ويسكن إليه لأن الطفل عادة لا يطمئن إلى شيخ ولا يأنس به أنسه بطفل مثله يسايره في أهوائه وملاهيه فإذا نشأت بين طفل وشيخ صحبة رأيتها جافة جامدة وقد يداجي الطفل صاحبه الشيخ ويتملق له ولكنه لا يميل إليه بالود أبدا.
وقالوا يشترط لنجاح المؤدب أن يكون قد عالج تأديب طفل آخر من قبل وهذا الشرط منهم يدخل في باب الإعجاز إذ حسب المؤدب أن يربي طفلاً واحداً على أن هذا الشرط لو كان لازماً لنجاحه وكان لا بد للمؤدب من تربية أثنين لما لما كان له حق في معالجة الأول منهما حتى يحتسب ما عند نفسه من لمقدرة بأن يمارس تأديب غيره أولاً! وأنت إن دخلت من هذا الباب فلن تصيب منه مخرجاً.
стр. 466
على أن هناك فرقاً كبيراً بين أن يتعهد الواحد منا غلاماً يافعاً أربع سنين وبين أن يتولى هدايته وإرشاده خمساً وعشرين. فقد جرت عادة الناس إذا شب أبناؤهم أن يدفعوهم إلى مؤدب يصحبهم في غدواتهم وروحاتهم ويوقفهم على شيء من العلوم وأنا لو استطعت لدفعتهم إليه ولما يولدوا. وحسبه أن يحملوا عنه علم الواجب الإنساني وهو علم واحد صحيح لا يتجزأ برغم ما أثر عن زينوفون في كلامه عن تربية الفرس. وعليه أن يكون أشد عناية بهدايتهم وأمر إرشادهم وتقويمهم منه بتلقينهم شيئاً من العلوم والمعارف الأخرى وعلى تلاميذه أن يستقروا ذلك من ذي نفوسهم ويستخرجوه باجتهاده.
وليس بالفقير حاجة إلى التربية فإن حالته الاجتماعية قد دفعته إلى نوع من أنواعها لا يستطيع أن يعدوه أو يتجاوزه بحال من الأحوال على أن تربية الطبيعة كفيلة بأن تعده لكل مراتب الاجتماع وحالاته وليس من الحزم أصالة الرأي أنه تربي الفقير ليكون غنياً ولا الغني ليصير فقيراً وأنك لو تأملت لوجدت عدد من يوقعون أنفسهم في مهاوي الخراب أكثروا أكبر ممن ينتقلون من الفقر إلى الغنى وهذا بالنسبة إلى عدد أفراد الطبقتين. فلنختر تلميذنا أميل من طائفة الأغنياء وليس يسوءني أنه من الشرفاء والوجهاء فلعلي أن أنقذه من مخالب الأوهام وأخلصه من حبائل الجهل.
وأميل فيما عدا ذلك يتيم، ذهب الموت بأمه وأبيه، فخلالي به الجو وخلاله بي، فليس له من أحد يقوم عليه سواي، ولا تجب عليه الطاعة إلا لي، فهو وإن كان يجل أبويه ويعظمهما غير أنه لا ينزل إلا على حكمي ولا يقعد إلا تحت أمري. ولست أسأله شرطاً غير ذلك.
وأني أضيف إلى هذا الشرط أمراً آخر يتفرع في الحقيقة عنه وينشعب منه وهو أن عري أخائنا لا انفصام لها واجتماعنا لا افتراق فيه اللهم إلا أن نشاء ذلك. وكذلك ينبغي أن يكون الطالب والأستاذ ليستريح كل إلى معاشره متى أيقن أنه مصاحبه على العلات. وليصبح كل شغل صاحبه وهمه. فأما إذا علما أن شملهما سوف ينصدع وضمهما لا بد منتشر انصرف كل واحد عن أخيه واشتغل عنه بنفسه وبالنظر في مستقبل حياته. وبذلك يثقل ظل اجتماعهما فيرى الطالب أن أستاذه رقيب عليه يحصي أنفاسه ولا يزال يتسقطه ويتتبع عثراته. ويرى الأستاذ أن تلميذه عبء ثقيل يحن إلى اليوم الذي فيه يطرحه ويلقيه
стр. 467
وبالجملة تنقطع بينهما أسباب الثقة والود وإذا وقعت الوحشة نكب الأول عن طاعة الثاني وسها هذا عن رعاية ذاك.
وليس ينبغي للوالد أن يفضل بعض بنيه على بعض فإنهم جميعاً أبناؤه وعليه أن يوزع بينهم حبه وعنايته على السواء. وهم ودائع عنده القوى منهم والضعيف والجميل والقبيح والصحيح والمعتل ولسوف يسئل عن الوديعة من أودعها. والزواج عقد بين الرجل والطبيعة كما أنه عقد بين الرجل وزوجه.
وإن على من يحاول أن يستقل بما لم تكلفه الطبيعة أن يأخذ لذلك العدة ويهيء له الأسباب من قبل وإلا كان مسئولاً عما ليس له به يدان. فإن الذي يكلف نفسه تأديب طفل منسرق القوى مسلوب المُنّه مدنف الجسم يعتاض من وظيفة المؤدب وظيفة الظئر؟ لأن وقته يضيع في حياطة حياته والمحافظة عليها بدل أن يصرف في إرشاده وتسديده وتثقيفه وتقويمه. ثم أنا أخشى عليه إن مات الطفل أن تجيئه أمه عبرة باكية وتقبل عليه لائمة شاكية ولعله قد مد في عمره وأطاله وكلأه من الموت سنين عديدة.
ليس لي في الخوّار الهشيم حيلة ولو أنسأ الله في أجله حتى يبلغ به الثمانين. فإن مثل هذا لأخير فيه لنفسه ولا للناس. لأنه يظل حياته يرجف من الموت ويتحصن منه وراء الأطباء والصيادلة وما يغني الأطباء ولا الصيادلة. ولأن جسمه عقبه في سبيل تهذيب روحه وأي فائدة في العناية بمثل هذا فإذا فقدناه كانت الخسارة مضاعفة على المجتمع! كلا. فليقم رجل منكم غيري على هذا الضاوي الضعيف. وله مني الشكر على جميل صنعه ومعروفه وكيف لي أن أعلمه كيف يعيش ولا هم له إلا اتقاء الموت؟
ولا بد للجسم أن يكون ضليعاً مريراً ليقوى على النهوض بتكاليف الروح. فإن أحسن الخدم أشدهم أسراً وأوثقهم مُمرَّاً وأنت خبير أن الإلحاح على الشرب يهيج الإحساس ويثير العواطف ويسلب المُلِجَ قوته على مر الأيام وأن التعذيب والصيام يبلغان بالمرء إلى مثل ذلك والجسم إذا ألح عليه الضعف لج في العصيان وهو على العكس مطواع إذا تماسك واشتد. وكلما ضعفت الأجسام اشتد بالنفوس النزاع إلى الشهوات وطغى بها طلب اللذاذات. وأسوأ ما تكون هذه النفوس خلقاً إذا أعياها التماسها وأعجزها بلوغ مأربها منها.
وإذا تداعى الجسم فلا عجب أن تتضاءل الروح وتطمئن إلى الضعف وتخلد إلى الفتور
стр. 468
وعلى ذلك قامت دولة الطب وملك الصيدلة وما علمت شيئاً أضر بالرجال من هذين ولست والله أدرى من أي داء يشفينا الأطباء وأني على هذا لأدري أنهم ينشرون فينا الجبن والخور وسرعة الاستنامة إلى كل قول والخوف من الموت. ولعمري لئن صح أنهم يصلحون الجسم بما يطبون فإنهم يقتلون الشجاعة ويفتكون بالبأس وما خير أجسام ميتة تغدو وتروح. إن حاجتنا إلى الرجال لا الأشباح وما عهدنا الأطباء عندهم ما نبغي ونريد.
وقد أصبح الطب (موده) وحق له أن يكون كذلك فإنه ملهاة النومة ومسلاة المتبطل لما لم يجد ما يعمله جعل يدافع وقته بالطب وهو يحسب أن ذلك يطيل عمره ويمد أجله. ولو ابتلى هؤلاء بالخلود لكانوا أتعس الناس وأشقاهم لأن الحياة وهي كل ما كانوا يحرصون عليه تصير إذ ذاك في مأمن من غوائل الموت فلا يكون لها عندهم قيمة أو ثمن. وأمثال هؤلاء في حاجة إلى الأطباء ليتوعدوهم كي يداجوهم ويراؤوهم وليذيقوهم في كل يوم ألذ ما يشتهون وأمتع ما يطلبون - أعني البعد من الموت!
فإذا كانت طلبتك الشجاعة الحقة والبأس الصادق فالتمسها حيث الأطباء غير موجودين وابغهما حيث الناس لا يعرفون ما الأمراض وما عواقبها ودر عليهما بين من لا يحفلون بالموت ولا يذكرونه. لأن الإنسان الفطري يعيش ويموت في سكينة كما تموت الأشجار. وإنما يهزم فؤاده وينسيه كيف يموت الأطباء بما يصفون والفلاسفة بما ينصحون والقسس بما يخوفون.
فائتني بتلميذ لا حاجة به إلى هؤلاء جميعاً إلا فأليك به عني فأني لا أحب أن يفسد عليّ غيري من أمره ما أصلح. وأطلق إلى أن أفعل به ما أشاء أو فدعني وأنظر غيري من الناس فهم كُثر فأني رأيت لوك وهو من تعرف تقول وكان قد أنفق على طلب الطلب بعض العمر لا ينبغي أن يطب للأطفال لا على سبيل الحيطة ولا فيما ينتابهم من العلل البسيطة وأنا أزيد على ذلك وأضيف إليه أني لما كنت لم استوصف طبيباً أبداً فكذلك لن استطب لتلميذي أميل: ألا أن تكون حياته في خطر ظاهر وما أحسبهم يقدرون إذ ذاك على أكثر من أن يقتلوه.
وخير علوم الطب عندي وانفعها قانون الصحة وما هو لو تدبرت إلا فضيلة لا علم فإن الاعتدال والعمل خير ما يتداوى به المرء لأن العمل يرهف من حد شهوته (يعني شهوة
стр. 469
الطعام) والاعتدال يمنعه من أن يسيء بها إلى نفسه.
وما خلق الناس ليحتشدوا كالأغنام في مكان بل خلقوا ليتفرقوا في مناكب الأرض وينتشروا في نواحيها ويحرثوها ويستخرجوا خيراتها. وما تفسد الناس إلا من اكتظاظ البلاد بهم فإن أمراض الجسم والروح بعض نتائج الازدحام والإنسان أقل الحيوانات صبراً على الاحتشاد واطاقة للازدحام وأكثر ما يودي الموت بالناس إذا غص بهم مكان وامتلأت منهم ناحية والمدن فأعلم قبور النوع الإنساني وأجداثه وسكانها أسرع الناس فناءاً وفساداً وما زالت القرى هي التي تمد المدن بالصالح من أهلها وناسها. (متبوع)
стр. 470
العلوم والفنون
فلسفة الاختيار - الجسم والدماغ - نظام التعاقب الزراعي
١
فلسفة الاختيار
بحث بسيوكولوجي علمي
مسألة الاختيار أو بمعنى أعم طرق التصرف بالحرية الشخصية لمسألة دقيقة يتوقف عليها سعادة الحياة وشقاؤها.
وقد وقفنا على بحث خطير للأستاذ روبرت ريد مدرس العلوم الاجتماعية في كلية بيروت رأينا أن نعربه هنا عن مجلة الكلية قال:
إن الفشل والنجاح في الحياة متوقفان على جواب السؤال الآتي: كيف أتصرف باختياري تصرفاً لائقاً صحيحاً؟
وأول ما يجب ملاحظته هو أننا لا نعمل عملاً إلا وله سبب كاف يقف والعمل في ميزان واحد وعلى ذلك يمكننا أن نحلل موضوعنا التحليل الآتي:
أولاً - يوجد سبب لكل عمل.
هذه قضية بديهية حتى أنها لا تحتاج للبرهان. ولا يعمل عملاً بدون سبب إلا المجانين.
فالسبب ضروري. ومهما كان السبب وجيهاً أو سخيفاً. حقيقياً أو مكذوباً. نافعاً أو ضاراً. مهما كان السبب أو الدافع فإنه يجب أن يكون.
ثانياً - السبب الغالب في الاختيار هو الإرادة أو بمعنى واضح الارتياح للعمل - يعجبك عمل وترى أن هناك أسباباً قوية فتعمله.
في علم الاقتصاد حل وجيه لهذه النقطة لأننا نرى العمل والسبب ظاهرين تماماً.
فالإنسان بحكم الطبيعة في حاجة فهو يشتغل ليسد تلك الحاجة. سبب وعمل معقولان تماماً. وهذا قانون عام في الطبيعة البشرية.
وهذا ركن فقط من أركان حياتنا البيسكولوجية التي هي عبارة عن مجموعة رغبات وآمال وكذلك دوافع وقوى لتحقيق تلك الرغبات والآمال وفي كل عمل نرى القانون المتقدم صحيحاً - نرى أن الإرادة هي السبب الحقيقي للعمل -
стр. 471
الإرادة مجرد الإعجاب والارتياح والسرور الناشئة من العمل بدون فحص أو تدقيق. الإرادة عمل نفسي اختياري محض.
ولكن هنا يقوم اعتراض هائل على ذلك فإن الإنسان كثيراً ما يعمل أعمالاً لا تكون اللذة والارتياح البواعث الحقيقية في عملها.
يؤخذ الطالب إلى الكلية - مثلاً - ويرغم على إتباع قانون لا يرى من نفسه باعثاً عل العمل به ولكنه مرغم على العمل به وعدم مخالفته.
فماذا يكون ذلك؟ القانون طبعاً يتعارض مع حريتنا ومسراتنا التي يمكن أن تنجم عن الحرية المطلقة.
فهل يمكن أن نتبع القانون بارتياح ولذة أو بعبارة أخرى هل نشأت طاعتنا للقانون من اختيارنا المجرد الحر.
الجواب نعم. أطعنا كأنه من لوازمنا ومن الأمور الضرورية التي يجب عملها.
النظرية احتفلت هنا. قلنا أولاً أن القانون يتعارض مع ارتياحنا لطاعته ثم قلنا أننا نطيعه بارتياح ولذة فما سبب ذلك التناقض.
لا تناقض أبداً - إن حركة الاشمئزاز التي نقابل بها القانون لأول مرة. حالاً تقابل بل تخمد بحركة فكر وتعقل إن لم نطع القانون نطرد من المدرسة هذا هو الفكر المتبادر إلى الذهن عند معاكسة القانون.
فنرجح طاعتنا للقانون عند معاكسته والطرد من المدرسة وهذا الترجيح نوع من الاختيار الحر الذي يرافق إرادتنا.
ولما نقول أن الإنسان يباشر أعمالاً لا رغبة له في عملها يجب أن نذكر أن الرغبة محورة في الوسط الذي يحيط بنوع العمل ورغبتنا متوقفة على مقدار ما في العمل من الحرية واللذة.
مثال ذلك. إذا كنا أحراراً في إرادتنا المطلقة أو ما نسميه نحن الإرادة المطلقة إذا كانت توجد. إذا كانت لنا هذه الحرية فيمكننا أن نستمتع بأموال جيراننا. ولكن مع الأسف جاري ساهر على أمواله يحرسها. فهذه النقطة التي تعاكس رغبتي هي قيد من القيود الطبيعية للإرادة المطلقة التي خمدت في الإنسان ولا وجود لها الآن.
стр. 472
وعلى هذا يمكننا أن نؤكد أن كل الأعمال التي نباشرها أساسها الإرادة واللذة في عملها.
ثالثاً - إذا كنا نختار الاختيار الصحيح يجب أن نعمل العمل الصحيح المنطبق على إرادة الاختيار.
المهم أن نراقب إرادتنا وتفحص العمل قبل مباشرته ونسأل أنفسنا هل يليق أن نأتي هذا العمل مع وجود السبب والرغبة في عمله.
هنا يجب أن تكون قوة الأخلاق. قوة المبادئ. القوة التي تحفظ توازن الإنسان كافية لتدفعه للعمل وإلا فهو يندفع لكل عمل مهما كانت قيمته من الصلاح والفساد ويعتقد أنه يؤدي أعمالاً لها أسباب وتسببت عن الناموس الطبيعي وهو مجرد الاختيار.
صحيح إن الناموس صادق ولكن أخلاق الرجل فاسدة إذن فكل أعماله وإرادته واختياره فاسدة.
إن الأميال العامة في الإنسان لهي الميزان الحقيقي لأخلاقه. ويمكنك أن تحكم على الرجل بدون تردد بمجرد سماعك أمياله وأغراضه في الحياة.
وكلما كان مادياً يميل للثروة والسلطة كلما كان فاسداً وكانت إرادته واختياره في نظام فاسد.
وهنا يقوم اعتراض. إذا كنا نعمل الأعمال التي نريدها ولا بد من أن كل إنسان يريد أن يكون شريفاً عاقلاً ممدوحاً لما أذن لا يكون كل إنسان بهذه الصفة. لماذا يعكس القانون ويوجد أناس يعملون أعمالاً لو عرضت عليهم بصورتها الحقيقية لنفروا منها وتبرأوا.
الجواب على هذا السؤال في النظرية الآتية!
رابعاً - ما هي النتائج المحتمة للعمل؟ هذا السؤال هو الجواب المقنع للاعتراض المتقدم.
ليسأل الإنسان دائماً ما هي النتائج المحتملة للعمل وإذا كان على جانب من العقل يظهر له العمل بكل التقادير التي تحيط به.
مثال ذلك. وقف طالب في الملعب المخصص للألعاب الرياضية للمدرسة ونظر الفائز الذي نال الجائزة والإعجاب به فقال في نفسه يجب أن أفوز السنة الآتية وأنال الجائزة ولما رجع للمدرسة ابتدأ أن يمرن نفسه كل يوم في الخلاء ولكن بالطبع لا يساعده الطقس يومياً على هذا العمل فيكون بين رادتين - إرادة الرجوع عن عزمه أو الاستمرار فيه مع تحمل مصائب الطقس وعلى ذلك نأتي إلى نقطة النتائج المحتمة
стр. 473
وعلى ذلك نسأل السؤال الآتي. هل يوجد قانون يلزمه أن يتبعه الإنسان حتى يصل للنتائج المحتمة أو أن الصدفة تسوقه إلى النتائج المذكورة.
إن كثيرين لا يؤمنون فقط بالصدفة بل ينتظرونها كأنها محتمة وهؤلاء - حسب القوانين البسيكولوجية - فاقدوا قوة الحكم على إرادتهم لتنفيذ أغراضهم.
خامساً - أننا بحسب تمرين قوانا قادرون على تنفيذ كل ما يعرض أمامنا من الأماني والآمال للوصول إلى النتائج المحتمة.
ولذلك طريقتان. الأولى. إتباع طرق الوصول إلى النتائج حالاً مهما كانت العقبات. يضع الإنسان أمام عينيه غرضاً قلما ينثني حالاً عنه إلا إذا كانت إرادته لم تبت الحكم فيه أولاً والتردد في الحكم هو الشك والشك نقص إرادة.
قيل لرجل في المحل الفلاني كنز إذا حفرت عشرين متراً وجدته فهل يتردد الرجل إلى القهوة ليشرب فنجان قهوة ويحادث بعض من يعرفون شيئاً عن الكنوز. إذا عمل ذلك فهو إذن ناقص الحكم على قوة إرادته وغالباً هذا الصنف لا ينجح في الحياة.
والطريقة الثانية مقاربة للمتقدمة إلا أنها غريبة في خواصها البسيكولوجية. الإنسان لا يعمل عملاً إلا إذا انطبق على هواه. إلا إذا امتزج بعواطفه. إلا إذا وجد ميلاً ورغبة للعمل. إلا إذا آنس من إرادته قوة على العمل. إلا إذا ارتاح العقل لنتائج العمل. إذن ضروري جداً تربية العواطف والإرادة والعقل. نربي العواطف حتى لا يختلط عليها النافع والضار. الدائم والزائل. نربي الإرادة حتى تفرق بين التشبث والادعاء لأن كثيرين تراهم يتشبثون كأنهم ذوو إرادة حديدية ولكن بعد مدة تراهم يلينون. هذا ضعف شديد في الإرادة وهو يدل أيضاً على عدم تربية العقل لتقدير العواقب. وتربية العقل ليكون مقدراً ومحيطاً بكل عواقب العمل. حتى لا يكون لندم أو تأسف أو امتحان محل الرجل الذي يعمل عملاً ليجرب أو بعد العمل يأسف ويتحسر هذا ضرره من قوة عقله لأنه لم يفكر ويفحص ماذا يريد أن يعمل أولاً.
العواطف بمثابة النائب العام في الإجراءات القانونية القضائية يحضر الأحكام ويظهرها في مظهر الرداءة أو الطيبة حسب ما يعرف ويقدر الطيبة والرداءة.
والعقل هو القانون أو بمعنى أوضح القاضي الذي يفصل ليبني خطأ النائب أو صوابه.
стр. 474
ليبين هل العواطف في مجرى صحيح أو منحرف.
والإرادة القوة التنفيذية التي تستلم الأعمال بعد العواطف والعقل وتجري أعمال التنفيذ من حيز التصور والنظر إلى حيز العمل والظهور.
وهناك لا بد لنا أن نقول أن الفشل الذي يرافق أغلب الناس ناشئ عن عدم تربية العواطف والعقل والإرادة.
وحسب حكم الإنسان يكون نجاحه أو فشله.
لنأخذ مثلاً الطالب الذي يريد أن يربح الجائزة. هذا الطالب أمامه طريقان أما أن يتعب في البرد كل يوم أو يمكث في فراشه دافئاً مستريحاً. ففي الأول ينال الجائزة وفي الثاني ينال الراحة حسب وهمه. حسب تقدير الإنسان للسعادة والشقاء والفرح والحزن وأغلب ماجريات الحياة تكون قيمته في الحياة.
هذا الطالب يطلب الدفء والجائزة في آن واحد ومع ذلك يمكنه أن ينال الدفء والجائزة في آن واحد. لأنه إذا تمرن في البرد نال الدفء ولا شك وبالتالي سينال الجائزة فيمكنه أن يتغلب على خداع حواسه ويقول الدفء خارج الفراش لا داخله.
وهكذا كل الناس. يمكن للإنسان حسب ما يصور لنفسه أن يعيش وكلما كان تصوره مقروناً بالعمل كلما كانت حياته مملوءة بالنجاح.
إن أعلب الجرائم والسرقات والشرور الناتجة عن فساد الأخلاق كلها نتيجة السعادة والنجاح وبعبارة أخرى كلها تصور مرتكبوها أن وراءها السعادة والنجاح.
والغريب في الحياة أن كل الناس من كل الطبقات مهما كانت أعمالهم يعيشون متوهمين أنهم على جانب من الصواب والصلاح وسينالون السعادة. لا فرق في ذلك بين اللص والنمام. بين القاتل والمزور. كلهم يخدعون أنفسهم.
دخل طالبان الكلية - مثلاً - وأحدهم مجتهد أمين. يشتغل ويجيب على أسئلة الأساتذة. والآخر ذكي ولكن في طريقة خداع المعلمين. إذا وجد في امتحان يعمل كل طريقة لسرقة الأجوبة. أو يغش في أوراقه بأية طريقة الطالب الأخير عثرة كبرى وضع ليضل بسببه كثيرون. لأن الطالب المجتهد الأمين يمكن أن يغير أخلاقه حسب تقديره لعمل زميله الخائن فإذا قال في نفسه ولماذا لا أجاري هذا الطالب ولا ضرورة لإزعاج عقلي دائماً بحل
стр. 475
المسائل بل يمكن أن أغش وأفوز في الامتحان. هذا الطالب سقوطه ونجاحه متوقفان على قوة الحكم. على قوة العقل والإرادة. لأنه إذا كان العقل عنده قوياً لرأي أن عمل الطالب الخائن تجارة كاذبة. لرأي أن عمله لا أساس له. وعلى فرض أن الخائن أخذ شهادة أنه أنهى مدة الدراسة فهل يقدر أن يغش العالم حين يستلم الأشغال. مستحيل. إذن تجارته خاسرة وهذا سيخرج للعالم بدون رأس مال بالمرة.
الأشرار في الحياة لا يتوقف ضررهم على ما يتركونه من النتائج السيئة لأعمالهم. كلا بل هم عثرة في سبيل القوم الأخيار الذين يعيشون حسب المبادئ الطيبة المقرونة بالعمل.
وعلى قوة الحكم يتوقف سلوكنا في الحياة والآن نأتي إلى النتيجة النهائية المطلوبة.
سادساً - هل من طريقة تحفظنا من أن ننخدع في عقولنا وإرادتنا حتى لا نتوهم النجاح الوقتي نجاحاً - نعم. الدين.
لا لوم على الإنسان الذي ينخدع ويقبل على الأعمال التي تغاير المبادئ الصحيحة ولكن اللوم لأنه لم يعرف الواسطة العامة التي تكشف له خطأ وصحة العمل الذي يقبل عليه.
هنا معنى الدين وهنا البرهان الذي يفحم الذين يقومون لمعارضته. لأنه لا قوة في الإنسان تجعله يحفظ نفسه من الخطأ. وإذا قالوا الضمير. نقول أن الضمير تابع للإرادة. ثم أن الضمير لا ينذر بالخطأ ولكن يؤنب على الخطأ والتأنيب الذي يتوهمه الناس قبل مباشرة مالا يليق هو قوة صلاح باقية لم تفسد. أما عمل الضمير فمنحصر في اللوم فقط.
الدين قوة خارجية تكشف للإنسان حقيقة ما يخفى عليه. الدين ميزان. الدين يعرض على الإنسان دائماً الجانب الأبيض من الأعمال وإذا ضل الإنسان وأخذ بالجانب الأسود فاللوم عليه.
كلما احتك الإنسان بالدين كلما ظهر له خطؤه وكلما بعد عن الدين كلما انغمس في أعمال لا يظهر خطؤها ولا صوابها. الدين هو الجمال. جمال الحياة وجمال المبدأ وجمال العيشة. الدين صوت الله وقانون الحياة.
في التوراة حكاية لا ينتبه لها الناس وهي بكاء المرأة أمام معلم النصرانية العظيم - المسيح - لماذا تابت المرأة. لماذا ثارت عواطفها. لأن الجانب الأسود من حيتها انكشف. لأنها رأت الحياة الصحيحة أمامها. لأن ميزان الأعمال - المسيح - أظهر لها أن حياتها
стр. 476
مزركشة مغشوشة. هنا تنبه الضمير ولكن متى؟ بعد العيشة الفاسدة طبعاً.
فالضمير لا يعرف قوة الحكم ولكن يعرف كيف يعاقب على نتيجة الحكم. الضمير منفذ. جلاد لا يرحم.
وإلى هنا يمكننا أن نأتي بالنتيجة لكل ما تقدم وذلك أن نسأل السؤال الآتي:
كيف نعيش عيشة صحيحة؟ الجواب: أن نفكر فكراً صحيحاً. كل أعمالنا كانت صورة فكرية مبهمة وبرزت للوجود فاعتنوا بالفكر أولاً. اعتنوا بالقوة التي نحكم بها على الأعمال.
ولا طريقة عرفها البشر إلى الآن تقدر أن تحفظ أفكارنا في طريق مأمون إلا الدين.
أندراوس حنا
الجسم والدماغ
بحث علمي فلسفي
للأستاذ الفسيولوجي الكبير توماس حنا الأمريكي
ماهية الدماغ وتشريحه - غرائب الدماغ - مواضع الكلام في الدماغ - الفرق بين الإنسان والقرد - الجزء المعطل في الدماغ - لماذا يكون جزء معطل في الدماغ - تعويد الأطفال العمل باليدين جميعاً - الإرادة والعقل - أسباب الفشل في الحياة.
لقد مضت عدة أجيال على العالم لا يعرف عن الدماغ شيئاً خاصاً وجل ما عرف عنه أنه مشترك مع العقل.
ولذلك فلا نرى ذكراً للدماغ في التوراة ولا في مؤلفات علماء العالم القديم حتى أن الفيلسوف والفسيولوجي الكبير أرسطو لما سئل عن الدماغ قال أنه عضو يبرد الدم للقلب.
كل عضو خطير في الإنسان يعمل عملاً ظاهر تقريباً إلا الدماغ فإن عمله مكتوم خفي حتى أن أغلب علماء الطب يجهلون ما اكتشف من علاقاته بأهم أعضاء الجسم.
وبعد المسيح بمائة وستين عاماً قرر غالين العالم الكبير أن الدماغ مركز العقل. وإلى سنة ١٧٠٠ بعد المسيح لم يكن من يظن أن للدماغ علاقة بالفكر. والكل كانوا يظنون أن الدماغ والعقل عضو واحد ويعملان عملاً واحداً كالرئتين مثلاً اللتين وإن كانتا مختلفتين وضعا
стр. 477
فهما يعملان عملاً واحداً.
وسبب ذلك الخطأ العظيم في أهم عضو في الإنسان هو لأن علماء الفسيولوجيا كانوا يجرون تجاربهم في أدمغة الحيوانات فقط ولم يجربوا أدمغة البشر ويوجد فرق عظيم بين الدماغ في الإنسان وبينه في الحيوان.
وأن أهم الاكتشافات الحديثة في الطب لهي راجعه لتقدير العلماء لقوة الدماغ وعمله المختلف في الجسم البشري.
خذ مثلاً آلة الكلام - اللسان - فإنه متصل بقوة الفكر والفكر عبارة عن تحليل الألفاظ وإذا جرح الدماغ أو تعطل فالكلام ينقطع فلاً - وهذا الاكتشاف الغريب نبه علماء الفسيولوجيا إلى وظائف الدماغ وضرورة العمل على وقايته في عملياتهم الجراحية.
عاينت مريضاً مرة مصاباً بجرح في دماغه فامتنع عن الكلام ومع ذلك كان يسمع تماماً ويقرأ بكل سهولة. وجرح الدماغ كان من دخول طرف شمسية في عينه وبدلاً من قلعه العين نفذ إلى الدماغ وعطله فعجز عن الكلام لأن الجزء الذي جرح كان مركز الكلام والدماغ كما قدمنا مشترك مع اللسان.
وحدث أن العليل المذكور رأى شخصاً معه شمسية فأجهش بالبكاء فأكدنا أنه فقد قوة النطق إلى الأبد لأن الجرح اتسع فأتلف كل الدماغ.
ولإيضاح ذلك نمثل الدماغ بمركز يتفرع منه فروع متعددة إلى كل الأعضاء الرئيسية في الجسم وإذا انفجر فرع من تلك الفروع فالفروع الأخرى لا تؤذى.
فالدماغ مركز لفروع متعددة تؤدي إليه الدم فإذا انفجر شريان منها لا يتعطل الباقي.
ثم إن اكتشاف علاقة اللسان بالدماغ بدء انتباه رجال العلم لتقرير حقائق خطيرة عن هذا العضو.
وإن اتصال الدماغ بأعضاء الكلام يتناول ثلاث جهات ١ - الجهة التي يدخل منها الكلام إلى الآذن ومنها إلى الدماغ. ٢ - الجهة التي تتصل بالعين - ٣ - جهة اللسان والشفتين.
- الحوادث الفجائية التي تتعلق بالدماغ -
إن من تلك الحوادث حادثة سيدة انتبهت في الصباح وتناولت الجرائد فلم تقدر تقرأ كلمة تناولت الكتب فكان كذلك فظنت أن الأذى بعينها ولكن العيون كانت سليمة وكذلك السمع.
стр. 478
وبعد فحصها وجدت أن قوة القراءة في الدماغ معطلة وبعدها لم تقدر أن تتعلم القراءة بتة.
ومن الحوادث الغريبة أيضاً حادثة شاب لم يفقد قوة النطق فقط ولكن فقد كل معرفته بالقراءة. إلا أنه من المدهش أن نقول أن الشاب المذكور كان يحل مسائل رياضية غريبة وكان يقدر أن يقرأ الأرقام ويكتبها ولكنه لا يستطيع النطق بإمضائه الخاص.
- مواضع الكلام في الدماغ -
إن أحوال الدماغ غريبة ومدهشة. لأن العلماء توقفوا إلى معرفة ما يعد غريباً جداً بالنسبة إلى الواقع فقد ذكروا أن موسيقياً ماهراً فقد معرفة كل الأنغام وكل ما يتعلق بالموسيقى.
والعكس بالعكس فقد وجد آخرون فقدوا كل معرفتهم بالقراءة والكتابة وما زالت قوة حافظتهم للموسيقى موجودة.
لقد برهن العلماء على أن الكلام يرتسم بصورة مخصوصة على الدماغ ويختلف باختلاف الفن واللغة - معنى ذلك أن الإنسان لما يريد أن يأتي على لغة جديدة أو فن جديد ربما يكون الدماغ مستعداً لقبول صور تلك اللغة أو الفن أو غير مستعد بتة.
ذكروا أن رجلاً كان يجيد الفرنسية والانكليزية واللاتينية واليونانية إلا أنه أصبح فجأة فوجد أنه لا يعلم حرفتً واحداً من الانكليزية وأنه لا يستطيع قراءة الفرنسية واللاتينية تماماً مع أن اليونانية زادت معرفته فيها.
وبعد البحث وجد أن صور الانكليزية محيت تماماً من الدماغ وصار الدماغ كأنه لم يرتسم عليه حرف واحد من هذه اللغة.
هذا وغرابة الأحوال لم تقف عند هذا الحد بل أن اللغة نفسها تأخذ شكلاً مخصوصاً في الدماغ باختلاف أفعالها وأسمائها وحروفها.
فقد جاءني رجل لا يقوى على النطق والسبب أن حاسة السمع تعطلت فوصفت له حمام البحر وقلت لمن حولي إذا شفي هذا الرجل سينطق أفعال اللغة قبل أسمائها.
وبع أسبوعين حضر الرجل فأريته مطواة فقاليقطع فأريته قلماً فقال يكتب - وبعد ثلاثة أسابيع أخرى أبح يقدر على أن يتلفظ بحروف الجر ولكن لا يقدر أن يلفظ أسماً واحداً والسبب لأن الأفعال ترتسم في أدمغتنا قبل الأسماء. يفتح الطفل عينيه فينظر وأذنيه فيسمع ولكنه لا يعرف ماذا ينظر ولا ماذا يسمع. وبعدئذ يبتدئ أن يميز بين المرئيات بعضها
стр. 479
وبعضها.
ثم كثيراً ما يحدث أنك تعرف أناساً عاشرتهم ولكنكم افترقتم طويلاً فأول ما يقع نظرك عليهم تذكر شكلهم وما تعرفه عنهم ولكن لا تذكر أسماءهم.
- الفرق بين الإنسان والقرد -
إن الحوادث المتقدمة لا تؤخذ دليلاً قاطعاً لأنها نادرة فلذلك إذا أردنا أن نعرف ما هو الإنسان فلا نأخذ الأقيسة والغرائب الدماغية المتقدمة برهاناً في تعريف الإنسان.
الإنسان عند علماء الحيوان فصيلة حيوانية تقرب من أنواع القردة كالأورنج أو تنج والغوريلا والشمبنزي.
إلا أن المشابهة في التركيب الظاهري فقط ولكن حسب الدماغ فإن الإنسان يختلف عن القردة اختلافاً مبينا.
يقول الدكتور هكسلي الانكليزي العلامة الكبير أن الإنسان لا يختلف عن الشامبنزي من حيث الدماغ.
ولكن عقلياً - لا حسب المبادئ التشريحية - يختلف الإنسان عن القردة اختلافاً واضحاً ويبعد أن يكونا واحداً بعد أبعد السيارات عن الأرض.
الشامبنزي لا يؤدي امتحاناً ولا يرصد النجوم ولا يتعامل بالأوراق المالية ولكن الإنسان قادر أن يكون عالماً وتاجر أو سياسياً فضلاً عن ذلك فالإنسان مبدع
الإنسان يقدر أن يتصرف ويستنتج ويخرج الشيء من لا شيء ظاهري تقريباً فالقوة العقلية في الإنسان لا تكون أبداً في الحيوان كالقرد أمهر حيوان في التقليد والتمثيل.
وعلى ذلك إذا قلنا أن الإنسان حيوان فهو حيوان في التركيب الطبيعي فقط والعلم يبرهن اليوم على قوة الإنسان العقلية التي تفرده عن سائر الحيوان.
العلم يبرهن على خطأ من يعتقدون أن مشابهة الدماغ في القردة والإنسان تجعلهما واحداً وذلك لأنهم يعتقدون أن الدماغ مصدر الفكر والحقيقة خلاف ذلك فالدماغ ليس هو الفكر بل هو آلة التي بها نفتكر كالوتر في العود. الوتر يخرج الصوت ولكن هل هو الصوت. كذلك الدماغ آلة الافتكار ولكنه ليس الفكر نفسه.
ثم من أدلة الخلاف في الإنسان والحيوان عدم الاعتداد بالوزن في الدماغ لأنهم يقولون أن
стр. 480
دماغ الإنسان والقرد متقاربان في الوزن ولكن الوزن لا يؤخذ دليلاً إذ أن وزن دماغ أحط طبقات الإنسان أرجح من أدمغة المتمدنين.
ولكن الحقيقة هي من طريقة تركيب الدماغ لا من وزنه وقد دلت الأبحاث العلمية على أن الدماغ مقسوم قسمين قسم واحد فقط الذي يؤدي وظيفة الفكر والقسم الآخر معطل عن التفكير.
وقد دلت التجارب على أن كثيرين عاشوا سنين ولهم نصف دماغ بدون تعطيل القوة الحافظة والمفكرة فيهم ووجد أن الجزء المقطوع كان المعطل طبيعياً.
- الجزء المعطل من الدماغ -
إذا قلنا أن كلما كبر الدماغ كلما كثر الفكر يكون معنى كلامنا أن الإنسان وهو بعينيه الاثنتين ينظر أبعد من الإنسان بعينه الواحدة والحقيقة بخلاف ذلك فمن فقد عينيه لا يمنعه ذلك عن أن يكون فلكياً لأن بعد النظر لم يتغير.
والآن من الضروري أن نوضح لماذا لا نستعمل إلا جزءاً واحداً من الدماغ.
لما يولد الطفل يكون دماغه معطلاً تماماً - يكون ملس والجزآن لا يؤديان عملاً ما.
وكلما كبر الطفل كلما تكون دماغه وابتدأ يفكر. والدليل على ذلك أنه لم يولد من يقرأ ويكتب حال نزوله من بطن أمه.
والتجارب دلت على أن الدماغ يتخذ شكلاً مخصوصاً تشريحياً كلما تعمق الإنسان في العلم.
وربما ظن أن من السهل بناء خلايا الدماغ وتلافيفه والحقيقة أنه يحتاج إلى وقت طويل من العمر وأننا نأتي على آخر أعمارنا ولا يكون لنا إلا نصف دماغ على شكل كروي.
ثم النصف يؤدي عمل الكل تماماً وإذا قيل أي الجزئين نستعمل نقول أن ذلك يتعلق باليد التي نستعملها فإذا كانت اليمين كان الجزء الأمامي معطلاً تماماً وإذا الشمال كان الجزء الخلفي معطلاً.
والآن نوضح حكاية الرجل الذي أصيب بدماغه بواسطة الشمسية. قد كانت الإصابة في النصف الخلفي فلماذا لم يستعمل الجزء الأمامي إذا كنا نقول أن كليهما يؤديان عملاً واحداً.
ولكن الحقيقة أن الدماغ عبارة عن اسطوانة كاسطوانة الفونغراف فلنفرض أن أمامك فونغرافان وأمامك اسطوانتان الواحدة مملوءة أي فيها بعض الأدوار والأخرى بدون كتابة
стр. 481
عليها أيهما يؤدي غناء كما تحب. بالبديهة الفونغراف الذي عليه الاسطوانة المملوءة وذلك بدون برهان ولا جدل.
كذلك الدماغ فإن الجزء الخلفي لما فقد تماماً من صدمة الشمسية حاول الرجل أن يستعمله ولكن بلا جدوى إذ أنه كان أملس بدون نتائج وتأثيرات تشريحية فيه مما تتكون بطول العهد.
وإذا أخذنا العين مثالاً للبرهنة على ذلك نأتي على نتائج واحدة لأن العين ليست إلا نظارة والنظر لا يحدث من النظارة ولكن من العملية الدقيقة التي تتعلق بأعصاب العين. فلو فقدنا تلك الأعصاب تكون النتيجة فقد النظر تماماً وإن كانت العين في الظاهر سليمة وكذلك الأذن تبرهن على النتائج المذكورة تماماً.
- لماذا يكون لنا جزء زائد في الدماغ -
سئلنا كثيراً لماذا يكون لنا جزء زائد في الدماغ بينما لا نستعمل إلا جزء واحداً ولكن من يجهل علاقة الدماغ بالجسم يعتقد أنه بلا فائدة ولكن الواقع لا يؤيد ذلك فالجزء المعطل من الدماغ يرتبط بالجسم ارتباطاً كلياً وإن كان معطلاً من الوظائف التي للجزء الآخر.
إذا أردنا أن نعرف لماذا يكون لنا جزآن مستقلان من الأدمغة فلنسأل لماذا لنا عينان وأذنان ومنخران وكليتان ورئتان وما أشبه.
أعرف رجلاً فقد إحدى كليتيه بواسطة صدمة شديدة ومع ذلك عاش بالكلية الأخرى.
وأعرف أخر فقد إحدى الرئتين ومع ذلك فقدها لم يؤثر على جسمه أبداً.
كما مر هنا سابقاً أن الأصوات والألفاظ والعادات تنطبع على الدماغ على ممر الأيام فكذلك يكون للجزء المعطل من الدماغ فائدة عند الصغار أو الشباب الأحداث الذين يفقدون أدمغتهم العاملة فيبتدئ الدماغ المعطل أن يعمل فإذا كان الطفل أو الشاب صرف سنة يتعلم لغة أو فنا فسيصرف سنة أخرى يتعلم ما تعلمه في السنة المذكورة.
ولكن النتائج المتقدمة لا تكون إلا للصغار لأن الدماغ يكون قابلاً أن ينطبع عليه كل الحركات التشريحية من جديد وأما الذين تقدموا في السن فندر أن يتعلموا شيئاً إذا فقدوا دماغهم العامل.
- هل يجوز تعويد الأطفال استعمال كلتا اليدين -
стр. 482
وصلتني رسائل متعددة بخصوص الدماغ منها ثلاث رسائل من أساتذة يدرّسون الفسيولوجيا في كليات كبرى يسألونني لماذا لا نعود الأطفال أن يستعملوا يديهم الاثنتين حتى يمكنهم أن يستعملوا دماغهم كله. العامل والمعطل ما دام حسب ما تقدم أن لحركة اليد والعادات تأثيراً على الدماغ.
والمتأمل في الأسئلة المذكورة يرى أن أصحابها يقصدون أنه إذا استعمل لإنسان دماغه كله يتحصل على نتائج فائقة في القوة المفكره كأن يكون لإنسان مفكراً أكثر من الواقع إذا استعمل الدماغ المعطل أيضاً.
ولكن الطبيعة لا تُحسن بهذه الطريقة. إننا وقفنا على ذلك بغتة فلا يجوز لنا أن نحاول عكس الطبيعة.
أعرف فتاة عسراء - لا تستعمل يدها اليمين - حاول أهلها أن يعودوها على العمل باليمين فربطوا الشمال في كتفها فماذا كانت النتيجة. شل لسان الفتاة وصارت غير قادرة على الكلام كبنت السادسة مع أن عمرها كان ثمانية عشر سنة.
أن استعمال اليدين لا يؤدي إلى نتائج عقلية فائقة عن الحد الطبيعي أبداً وربما كانت الفائدة في مثل لعبة البلياردو.
- الإرادة في الإنسان عمل مجيد -
ربما قام المعترضون القائلون بتساوي الإنسان والقرد وقالوا ما الفرق بينه وبين الإنسان إذا كانت أدمغتهم واحدة في الأول.
الفرق في الإرادة القرد لا يعرف كيف يريد ولا ماذا يريد وما تنفعه الإرادة في شيء ثم إذا اعترضه بعض الصعوبات في عمل ما تركه ناقصاً لأنه لا يريد أن يتمم ولكن الإنسان بخلاف ذلك؟
لفظه الإرادة جليلة جداً وخصوصاً في الإنسان. الإرادة فوق العقل في الإنسان والدماغ من عمل الإرادة حسب ما نريد ونوجه إرادتنا يبتدئ الدماغ أن يؤدي عمله طائعاً.
وأنه لصعب على الذين لا يؤمنين بالروحيات أن يصدقوا أن الإرادة عمل روحي غريب.
الإرادة تتسلط على الماديات ولا تقدر الماديات أن تتسلط عليها كأن تعطلها أو تؤخر عملها.
стр. 483
الإرادة هي المتسلطة على الأعصاب وهي التي تحرك أصغر الأعضاء في الإنسان لتؤدي عملها.
الإرادة هي قوة سلبية وأجابية. تتسلط على كل الأعصاب لتؤدي أعمالها تماماً وفي الوقت نفسه تخفف من قوة الضغط على الأعصاب عند عدم الضرورة لإجهاد عصبي.
ولولا الإرادة لكنا نعمل كآلة بدون ميزان. تعمل وتعمل إلى تنحل من كثرة العمل وعدم الضبط.
- الإرادة والعقل -
الإرادة تعمل أكثر مما تقدم. أنها تتسلط على العقل. كما أن العقل يتسلط على الجسم وبعبارة أخرى الإرادة لا تدير حركة العقل فقط بل تحكم على قوة الإفتكار أيضاً وذلك بقوة التسلط على الأعصاب وعدم إجهادها أكثر من اللازم.
وعمل الإرادة على العمل كعمل عصب النبض مع القلب لولا هذا العصب (أو الزنبلك) لكان القلب ينبض وينبض إلى أن يموت من كثرة النبض كالفرس الجموح تموت وهي في آخر سرعتها وعلماء الفسيولوجيا يسمون هذا العصب لجام القلب فكذلك لا بد للعقل من لجام والعقل عبارة عن العمل الميكانيكي النتائج عن حركة الأعصاب أو هو حركة الفكر بعد عمل الدماغ.
- أسباب الفشل في الحياة -
جئنا إلى نقطة مهمة جداً تعد خلاصة كل التشريح المتقدم. لماذا يفشل بعض الناس أو يسقطون بغتة أو يرافق حياتهم الخمول والبلادة.
قلنا الفكر حركة ميكانيكية فالفكر ينصب على العقل من كل ناحية وكلما كان الإنسان كثير الفكر كلما كان ضعيفاً.
إن المحموم ليهذي ولا يمكنه أن يضبط أفكاره من كثرتها والسبب كثرة ضعف أعصابه.
وكثرة الأفكار تربك العقل بدون فائدة بل أنها تجهد الأعصاب فتعجز الإرادة عن ضبطها.
فالاعتناء بالأعصاب ضروري جداً إذ عليه يتوقف نجاحنا وفشلنا.
نحن نحتاج الإرادة لضبط أفكارنا - والأفكار عبارة عن كل ما يقع على ذهننا من المرئيات. فالنظر والشم واللمس والذوق كلها تشترك في تحضير الفكر والدماغ هو الآلة
стр. 484
التي تربط الأفكار ببعضها ثم تقدمها للعقل ليزنها ويرى إن كنا نعمل بها أولاً وهنا يظهر عمل الإرادة فإن كانت قوية منعت العقل من تنفيذ كل ما يخطر بالبال وإلا فأهملت فترى الإنسان يندفع لكل عمل ولا يعلم يصيب أو يخطئ فهذا نقص إرادة.
أعظم الناس من إذا تكلموا أو كتبوا أو افتكروا كان لعملهم غاية مخصوصة محدودة وهؤلاء هم أقوياء الأعصاب والإرادة.
ثم لنذكر قول سليمان الحكيم الفيلسوف العظيم حسب أفكار الإنسان هو ومن لا يحكم نفسه كمدينة متهدمة وبدون أسوار
أندراوس حنا
الدورة الزراعية
٣
نظام التعاقب الزراعي
والغيطان الملاصقة للمدن والبنادر يفضل فيها إلى حد محدود زراعة الخضروات والفواكه ونباتات العلف كالبرسيم إذ يكون الربح منها أكثر من ربح المحصولات الأخرى.
(١٢) إن لحاجيات الإنسان والحالة الاقتصادية التأثير الأول في تنويع زراعة الأرض بالنباتات المختلفة فنباتات الحبوب كالقمح والذرة والأرز للغذاء ونباتات العلف كالبرسيم والحلبان والفول للماشية والنباتات المستعملة في الصناعة كالقطن والقصب والنيله والكتان للمبيع والانتفاع بشحنها.
فمؤونة الماشية التي يحرث الفلاح عليها أرضه ويستفيد منها بعض مواد غذاءه يجب أن لا يعتمد فيها إلا على ما تنتجه الأرض - ويجب أن لا يزيد عن الحاجة أيضاً - لأن معظمها كالبرسيم والتبن ذو حجم كبير فلا تبايع فيها إلا حد محدود لصعوبة نقلها إلى مسافات بعيدة بربح كاف.
وحيث أن البرسيم مخصب للأرض فواجب أن يزرع منه المقدار الكافي للماشية بتوسع نوعاً لما فيه من الفائدة العائدة على الأرض.
وحاصلات الحبوب كالقمح والذرة والفول والأرز سهلة النقل ولو إلى مسافات بعيدة فيمكن نقل ما يزيد عن اللزوم منها لبيعه في الأسواق كما يمكن استجلاب ما ينقص منها عن
стр. 485
حاجة الفلاح إذا كان محصولها عنده قاصراً عن الوفاء.
وإذا رؤي أن هناك ربحاً في إبدال ذرع نبات بنبات آخر فأصول الاقتصاد تقضي بتفضيل الصنف الأربح إذا لم يكن ثمت مانع من الظروف الأخرى.
فلو رأينا أنه إذا أبطلت زراعة نبات وليكن القطن مثلاً في إحدى مناطق الوجه القبلي والاستعاضة عنها بزراعة القصب تعود بربح أوفر منه عن القطن - أو قللت زراعة نبات كالفول مثلاً في إحدى مناطق الوجه البحري والاستعاضة عنها بزراعة نبات كالبصل تعود بربح أزيد أيضاً - لو رأينا ذلك مثلاً لكان من الواجب تنفيذه بشرط أن تتساوى الظروف الأخرى في الحالتين أي لا يحصل عن الحالة الأخيرة ضرر من وجهة أخرى أو كان الضرر أقل من الفائدة الحاصلة ويمكن تداركه.
إن وسائل النقل السريعة قد سهلت تبادل الحاصلات بالتجارة بين البلاد والأقطار فيمكن لكل جهة أن تستجلب اللوازم التي تنقصها من الجهات الأخرى التي تتوفر فيها تلك اللوازم ولذلك يمكن لكل جهة أن تتوفر على زرع الأصناف التي تزيد جودتها فيها عن غيرها وتصدرها إليها - بينما يمكنها أن تجلب من ذلك الغير الصنف الذي جودته فيه أفضل -
إذا كنا نرى أن التوسع في زراعة القطن مثلاً ولو بتقليل مساحة المزروعات الأخرى وجلب ما يلزم لنا منها من الخارج أفضل من زرع تلك المزروعات بجانبه فلا شك في أنه خير لنا أن نزيد منه إلى الحد الممكن - إذا لم يكن هناك مانع من الظروف الأخرى - ونعتمد فيما ينفعنا من الحاصلات الأخرى على جلبها من الخارج بشرط أن لا يكون عن كل ذلك محذورات متوقعة.
(١٣) لموقع الأرض من الأسواق أو المصانع دخل مهم في زراعة الأرض لأن زرع محصول مع صعوبة تصريفه كله بربح لا يكون مفيداً فإذا زرعت مساحة كبيرة من قصب السكر ولم يكن هناك مصنع (فابريقة) قريب منها فنفقة نقل الحصول إلى السوق تكون كثيرة جداً لفخامته وكذلك إذا زرعت كمية كبيرة من البرسيم فإذا كان كذلك قريباً من بلد كبيرة فإنه يباع بسهولة غذاء للخيول وغيرها ولكن إذا كان ذلك في القرى الصغيرة فإنه من المحتمل ظهور صعوبات في تصريف ذلك البرسيم بفائدة وتحدث صعوبات كهذه في التبن وكل الأنواع الفخمة الزهيدة الأثمان أما الحبوب الغالية الأثمان القليلة الفخامة فإن
стр. 486
نقلها سهل ولذلك لا تتأثر كثيراً بمواقع الأسواق.
(١٤) إن لدرجة تنور الزرّاع واستعداده وبيئة أرضه تأثيراً أولياً في تنويع زراعتها بما هو أقدر على الأسترباح منه أكبر ربح بدون محذور فالزراع الممتازون باستنارتهم وكفاءتهم ومقدرتهم وموقع أرضهم هم الجديرون وحدهم بالاستكثار من زراعة الأصناف التي تحتاج للمصروف الوفير.
أحمد الألفي
стр. 487
النقد والمناظرة
كلمات نابليون
كان ميرابو يغير على كل كتاب عصره وخطبائهم ويعدو على بنات أفكارهم. حدث ديمونت قال: كان ميرابو لا يستحي أن يطلق يده في كلام غيره من الناس فمن ذلك أنه خطبنا مرة فأطال عنان القول وامتد به نفس الكلام فخطر لي أن أذيل كلمته بكلمة ألخص فيها خطبته ليقرب بعيدُها ويجتمع شتيتُها وكان إلى يميني اللورد إلجن فدفعت إليه ما كتبته فاستجزله ولقيت ميرابو في المساء فحدثته بما جرى وأريته الرقعة فاستجادها وعرَّفني أنه انتوى أن ينتحلها إذا خطب في الجمعية غداً فقلت أن اللورد إلجن يعلم من أمرها ما تحسب أنه جاهله فقال لا بأس عليَّ منه. أما والله لو أن خمسين غيره يعلمون ذلك لما ردّني علمهم عما اعتزمت. فلما كان الغد صدع بها أخزاه الله!
وإنما فعل ذلك ميرابو لأنه كان من عظم الشخصية وقوتها بحيث كان يرى أن له الحق فيما كان هو الداعي إليه والسبب فيه. ذلك شأن ميرابو وهو أيضاً شأن نابليون وأرث شهرته وخليفته في أمته، وإن كانت دولة السيف غير دولة اللسان، وسلطان المدفع غير سلطان البلاغة والبيان، وإن من كان من طراز ميرابو ونابليون يوشك أن لا يكون صاحب خطبة أو رأى لأنهما ليسا كالعين يتفجر منها الماء ولكن كالحوض تملأه ويشرع فيه الناس فهما مرآة تبصر فيها خيال عصريهما وكتاب تقرأ في سطوره روح زمنيهما وهما باقيان ما بقي للقرن الثامن عشر والتاسع عشر ذكر وليسا كهيجو فإن هذا أبقى على الزمن من الزمن وأخلد على الأيام من الأيام. ومن أجل هذا كان فرضاً على من يعاني تاريخ فرنسا لذلك العهد ويطلب الوقوف على حالتها الاجتماعية والأخلاقية والأدبية أيضاً أن يقرأ ما تركه أمثال ميرابو ونابليون من رسائل وخطب وحكم وأمثال وإلا كان علمه رساً لا خير فيه ولا غناء.
ولم يكن نابليون عظيماً ولكن الناس كانوا صغاراً وما أحبه العامة وأشباههم إلا لما كان بينه وبينهم من الشبه وما زال الناس في كل أمة وزمان يميلون بالود لمن يشاكلهم ويختصون بالمحبة والإعزاز من يحاكيهم ولئن صح أن عناصر الشيء وأجزاءه المكونة له صور في الحقيقة منه أي أن الرئة مكونة من رئات صغيرة والكبد أكباد دقيقة والكلية كلى
стр. 488
لطيفة فليس بدعاً في الرأي ولا مستنكراً في القول أن نذهب إلى أن كل فرنسي لعهد هذا الرجل كان نابليوناً صغيراً. وعلى هذا تكون عنايتنا بكلامه وآرائه عناية بآراء فرنسا وأفكارها ومذاهبها وقد وقفنا منذ أيام على كتابين معربين عن أصل انجليزي واحد جمع فيه واضعه كلمات نابليون وقليلاً من رسائله وآرائه فيما كان يقع في زمانه من الحوادث ويعرض له من الأمور فقلنا أو بلغ من رواج المعربات ونفاق سوقها وكثرة طلابها وخطابها في مصر أن يعرب الكتاب - الواحد رجلان على علم أحدهما بما سبق إليه صاحبه ثم سألنا نفر من أصحابنا وإخواننا أن نقارن بينهما فاستخرنا الله في الموازنة بينهما والمفاضلة بين كتابيهما أما المعربان فأحدهما محمد لطفي جمعه واسم كتابه حكم نابليون والثاني إبراهيم رمزي واسم كتابه كلمات نابليون والاسم الثاني أصح ولذلك صدرنا به كلمتنا فيهما لأنه أدل على ما انطوى عليه الكتاب وانكسرت عليه فصوله وأبوابه وإنما هي كلمات كان يرسلها نابليون لا يقصد بها الحكمة أو الفلسفة وما أظن قوله يودع جنده إن قلبي معكم فلا تنسوني يدخل في باب الحكم أو هو منها في شيء قد أهمل لطفي جمعه أن يذكر على الكتاب أهو الواضع له أم غيره ولست أدري ماذا أراد بقوله أنه من قلمه؟ أليوهم صغار الناس أنه هو مؤلفه وجامعه والحقيقة غير ذلك أم هو السهو والنسيان لعنهما الله فلشد ما يخزيان الفتى ويخجلانه.
وبعد فإن كتاب رمزي أحسن منحى وأسد منهجاً، وأجزل تعبيراً وأعذب مورداً، وأحسن تنسيقاً وتبويباً، وأغض مكاسر وأصدق تعريباً ولطفي جمعه سخيف العبارة مبتذل التراكيب، عامي الألفاظ، كثير اللحن، جم العثار، قليل العناية بترتيب الأبواب، سيء الحرص على معاني الكتاب، شديد التصرف بالنقص والزيادة، والحذف والإضافة، وبالجملة فإن كتابه كما قال فيه أحد الأدباء الظرفاء معارضة للأصل ولا تعريب له وبيان ذلك جميعه أن الفصل السابع في كتابه جاء بعد الثالث، والرابع بعد التاسع، وهذا منتهى ما وصل إليه اضطراب التأليف واختلال النظام، ولعمري لو أن رجلاً تعمد أن يفسد كتاباً بما يقدم ويؤخر منه لما استطاع أن يأتي بأسوأ من ذلك. ولقد بلغني والعهدة على الراوي في شرح ذلك وتعليله أن نفراً من أخوانه أعانوه على نقل الكتاب وكانوا أمضى منه فيما استكفاهم وأسرع إلى قضاء مقترحه. وهذا وإن كنت لأقول به فلست مع ذلك أنفيه عنه فأنا
стр. 489
بمنزلة بين الرفض والقبول والتكذيب والتصديق. حتى يبرح الخفاء وينحسر الإبهام ومن سوء حرصه على معاني الكتاب قوله في ص ١٣٠ ما أحسن راحة البدن لقد صار يغمى علي في فراشي تعريباً لهذه العبارة:
والصواب ما جاء في كتاب رمزي ص ١٣٢ لقد أصبح الفراش عندي منزلاً للنعيم والفرق بين المعنيين ظاهر وليت شعري أي راحة في أن يغمى عليك يا لطفي وأي لذة في أن يغيب عنك صوابك وإحساسك؟ أليس لك من الذكاء والفطنة ما يريك سخافة ذلك؟ ومن تصرفه بالنقص حذفه أسطراً كثيرة في الكلام على الشجاعة قال: أنني لم أر رجلاً يظهر شجاعة في وقت لم يكن ينتظر فيه غدراً وصواب ذلك ما جاء في كتاب رمزي لم أر من الشجاعة الأدبية ذلك الصنف الذي أسميه شجاعة الساعة الثانية بعد نصف الليل أي أنني لم أر رجلاً عنده من الشجاعة الحاضرة مالا بد منه لدفع الغوائل إذا هي أتت غير منذرة ولا منتظرة. شجاعة تحفظ لصاحبها الخ الخ وهي ترجمة حرفية لما جاء بالأصل ص ١١٤. ومن تصرفه بالزيادة قوله المطامع الكبرى (كطلب الرفعة وحب الرئاسة) وليس لما حصرناه بين قوسين أصل وقس على هذا سائر الكتاب. ومن لحنه قوله لقد ظهر محمد في وقت كان الناس فيه (محتاجون) والصواب محتاجين. وقوله قد منحني الله قوة تمكني من التغلب عل (سائر) العقبات والصواب كل لان سائر معناها باقي قال الشنفرى:
إذا قطعوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري
وقوله الصيت الذائع (كالغوغاء) البالغة عنان السماء. . . والصواب الضوضاء لأن الغوغاء هو أوغاد الناس وأنذالهم. وقال اعتدت سماع الأنباء المزعجة فلا (يريعني) منها الآن شيء ولكنني بعد ساعة من سماع نبأ (مريع). . . والصواب يروعني ومروّع وقال لبس تاج فرنسا (المصاغ) من (ذهب) والصواب المصوغ من الذهب وقال فإذا مت وأنا على عرشي (محاطاً) بكل والصواب محوطاً وقال ولكن موت واترلو أفضل فإن الشعب كان حينذاك يجبني (ويوجد) عليّ والصواب يجد على أن هذا خطأ أيضاً لأن وجد عليه يجد موجدة معناه غضب والموجدة منزلة بين العتب والسخط وقال خير معلم للفتاة (هي) أمها والصواب هو وقال فلا أدري إن كان هذا لأنني بلغت السن (الذي) وصوابه التي الخ
стр. 490
وحسبنا ذلك وكفى به دليلاً على ضعف نقده وخفة بضاعته ونزارة مادته ولو أنّا أردنا أن نحصي سقاط هذا الرجل اللفظية والمعنوية لأحرجنا القراء وكربناهم وأنها وأيم الحق لسماجة في المرء أن يتطفل على موائد الكتبة وليس له أداتهم ولا له آلتهم ويدس بنفسه بينهم وليس منهم ولو كان له جبين يندى أو طرف ينكسر لانزوى في بيته حياء ولاتخذ من داره جُنّة يتقي بها سهام السخرية والهزوء ولوجد لنفسه مندوحة عن موقف يخزي فيه. وأي عيب أكبر وخزى أفضح من أن ينتحل الرجل كتاباً برمته. لقد سمعنا بمن يسرق المعنى والمعنيين ولكنا ما علمنا على الناس مثل ذلك من قبل.
على أني أعجب لصاحب البيان - وعهدنا به من ذوي البصر بصرف الكلام والخبرة بنقد جيده ورديئه - كيف لم يفطن لضعفه الظاهر وقصوره البادئ. حتى صار يستعين به ويعمد إليه في النقل والتعريب وحتى كان من أمره معه أن أخذ ينقل له كتاب الواجب وقد قال لي أحد الذين قرأوه بالفرنسية أن صنيعه به أشنع من صنيعه بكتاب نابليون.
قال فإن داخلك في قولي شك فانظر ص ٢٤ من كتابه (يعني الواجب) تجده يقول في كلامه عن أعداء الفلسفة والحرية. . . فهم تارة ينعون على الفلسفة وطوراً يعنفون أصحاب. . . الخ ألا ترى أنه عجز عن نقل هذا اللفظ وتعريبه فأبقاه كما هو. وأي فائدة في التعريب إذا؟ وهل معنى التعريب أن نعيد طبع الكتاب بلغته التي كتب بها: ونحن نشايعه على رأيه ونأخذ عليه ما يأتي: قال في أول مقدمة المؤلف (تُعتبر) الفلسفة في نظر الفلاسفة علماً. . . وما نعرف لهذا الاستعمال أصلاً فإنه يقال اعتبر من الشيء تعجب وبه اتعظ ولكن لا يقال اعتبره بمعنى عده أبدا. وقال في هذه الجملة أيضاًعلماً (يشتمل) جملة من المسائل والصواب على وقال مبادئ ونتائج ما عداها من العلوم والصواب مبادئ ما عداها ونتائجها وقال التي (تكسبها) الحياة ثوباً عملياً والصواب تكسوها وقال المشتغلين بالعيش الأدنى) وصوابه كما اخبرني من قرأ الأصل المترفين وقال (سابقاً بأفكاره) والصواب لأفكاره وقال أن الإنسان ليذهب (أبعد) من ذلك والصواب إلى ما هو أبعد وقال لو كان (للإنسانية) ذلك المستقبل والصواب للإنسان وهذا كله في الصفحة الأولى من المقدمة وحدها فما ظنك بسائر الكتب. فاتق الله يا صاحب البيان واعلم أن قراءك قد اطمأنوا إلى علمك وركنوا إلى تحقيقك فلا تسيء إليهم ولا تدعهم يحملون الخطأ عن صحيفتك وهم يحسبونه صواباً
стр. 491
واصنع لهذه اللغة يصنع الله لك ولن يضيع أجر من أحسن عملا.
المازني
البيان نشرنا هذه الكلمة عملاً بحرية النشر ولنا مقال نبين فيه رأينا فيما ضمنته هذه الكلمة لم يتسع له هذا الموضع وسوف ننشره في أحد الأعداد الآتية إن شاء الله.
стр. 492
طرف أدبية
المشاهد
١
لامرتين على جبل الكرمل
ساح لامرتين في الشرق عام ١٨٣٢ والتقى في سياحته بشاعر عربي على جبل الكرمل، هنالك حيث هبط الوحي على أنبياء أرض الرسل والأنبياء، وتنزل الإلهام على شعراء صومعة النساك وروضة الشعراء.
قال لان في رحلته فجلس - أي الشاعر العربي - إلى جانبنا على الحوض فتحادثنا ملياً. ولكن الشمس مالت إلى الأفول وكان لا بد لنا من الافتراق. فقلت له: إننا هنا شاعران قد أدنت الصدفة ما بيننا على بعد الدار، لنلتقي على هذه البقعة الساحرة، فوق هذه التربة الطاهرة، في ساعة هي أجمل الساعات. وقد أرسل الله إلينا ملكاً من ملائك الجمال في محضر منا، فهل لك في أبيات ينظمها كل منا بلسانه. تخليداً لهذا الاجتماع. وما قد أحدثته في نفوسنا هذه المناظر الشيقة والمشاهد البهجة
قال فابتسم وأخرج من نطاقه دواته وقلمه القصب. وهي أبداً في نطاق الكاتب العربي كالسيف في نطاق الجندي. ثم تراجع كل منا خطوات ليخلو بنفسه ويتفرغ لشأنه. فانتهى من نظم أبياته قبل أن انتهيت ببرهة وها أنا ذا أنقل أبياتي وأبياته
أما ذلك الملك الذي أشار إليه لامرتين فهو فتاة كاعب وصفها الشاعر نثراً فأبدع أيما إبداع. وأني بقلمه في ذلك الوصف بما هو جدير بريشة المصور وكان قد نزل في بيت أهلها بحيفا يوماً ثم صعد إلى دير جبل الكرمل. فأتته وأمها وشقيقها يزورونه. فجلسوا جميعاً على حوض ماء. وقد كانت قصيدة الشاعرين في وصف تلك الفتاة على ذلك الحوض، وهذه ترجمة قصيدة لامرتين:
سقاك الحيا يا حوض أعذب ما سقى ... ففيك قرأت الحسن سطراً منمقا
حباك الفضاء اللازوردي لونه ... فجلاك كالمرآة تلمع أزرقا
أراك إذا فيأت ليلى عشية ... سكنت كمن يصغي إليها محدقا
وترسم في أعماق قلبك وجهها ... كما لاح طيف النجم في اليم مشرقا
стр. 493
فما حفلت عين بما فيك من حصى ... حكي الدر أو عشب هنالك أورقا
وما ينظر الرائي السماء مصعداً ... إلى الأفق بل يرنو إلى الماء مطرقا
لك الله كم حسناً حويت ورونقاً ... روى الماء عن ليلاي فيك فأصدقا
فعينان أبهى زرقة وملاحة ... من الزهو ينمو في حوافيك مونقا
وأغنتك هاتيك الثنايا ضواحكا ... عن اللؤلؤ المكنون يلقى وينتقى
وثغر كأن الورد باكره الندي ... فجال على أوراقه وترقرقا
وجيد تراه يشبه العاج ناصعاً ... على أنه كالغصن مال على النقى
وفرع كخفق الموج فيك خفوقه ... يكلل منه الزهر فوداً ومفرقا
وأبديت كالمرجان في الماء دملجا ... تحلى بأحلى معصم حين أحدقا
رفعت يدي دون النسيم وقد سري ... مخافة ذاك الظل أن يترنقا
وقد خلت أني حين أبسط راحتي ... ظفرت بدر فيك لاح منسقا
وأرشف من ماء هنالك ريق ... جلا الحسن عذباً في حواشيه ريقا
ولكن ليلى أعرضت نحو أمها ... تضاحكها حباً وترنو تأنقا
فسرعان ما أمعنت فيه فلم أجد ... سوى الحوض أمسى راكد الحس ضيقا
تذوقت منه قطرة بعد قطرة ... فألفيت مالا يستطاب تذوقا
وكنت أرى حسناً فأصبحت لا أرى ... سوى حشرات أو نبات تفرقا
فرحماك يا بنت المشارق أن لي ... فؤاداً بربات الجمال تعلقا
لحسنك من سر على النفس ماله ... على الماء لما أن حكاك فدققا
فقد رسمت فيها لحاظك صورة ... مدي الدهر لا تمحى وتزداد رونقا
عذيري من تلك اللحاظ كأنما ... هي النجم في عرض السماء تألقا
إذا رمقت فالصبح أو حال دونها ... خمار فهذا ليل من قد تعشقا
٢
عبرة في نظرة
الجزيرة معرض عام يقام أصيل كل يوم. يعرض فيه كل جميل جماله وكل غني ماله، وتبسط فيه الأرض زينتها والطبيعة محاسنها، وهو يتسع لأبناء النعيم كما يتسع لأبناء
стр. 494
الهموم. فإن الطبيعة ما برحت تجمع بين مضاحكة الجذلان ومؤاساة المحزون وهي لا كالبشر، يجد فيها المسرور ألهيته والمغموم سلوته وتبدو لكل ناظر كما يحب أن يجدها. فلقد يراها الشجي كاسفة آسفة على حين يراها الخلي مقهقهة ضاحكة، وقد تبرز لهذا في صدار الحداد وهي لغيره بارزة في حلة العرس. وما بها من ختل أو نفاق وإنما هي مرآة النفوس وصدى خواطر الأفكار.
ولقد ألفت أن أتردد إليها بين حين وحين. فأجوس بين أنحائها وأتظلل بأفيائها وأمتع النظر بين أرضها وسمائها. وخضرتها ومائها. فخرجت إليها أصيل يوم من أيام هذا الربيع القائظ. فإذا المركبات كما عهدتها تترى بكل نبيل أو جميل. من مشمخر شامس أو مزور شاوس ينظرون إلى السابلة نظرة قادم من المريخ أو عطارد كأنما أولئك أبناء نوع غريب من البشر. أو كأنما الناس قد انقسموا إلى فصيلتين. فصيلة تدور على الدواليب وفصيلة تدوس على الأقدام.
فأعرضت عنهم. فإن هؤلاء الحمقى إنما يتيهون علي بعيني لا بأعينهم. ويتأنقون لأراهم لا ليروا أنفسهم. فمالي لا أغمض طرفي عنهم. وأدير بصري عن جيادهم وبراذينهم. لئلا يظنوا استحساني لها أو إعجابي بها. استحساناً لهم أو إعجاباً بهم؟؟
قلت صعروا خدودهم أيها الأغنياء فما ذهبكم بجاعلكم أكبر قدراً عندي من تراب المناجم. وأني لأحسد بقعة الأرض على ما بها من تبر كما أحسدكم على ما لديكم من نضار. كلاكما واحد. والتراب قد يخصب فيثمر وأنتم تربة مجدبة لا تثمرون. إن أنتم إلا صناديق من اللحم والعظام.
ونظرت إلى بنات حواء المتباهيات بميراثهن منها. وما أجدر الخجل بمكان الصعر من خدود أكثرهن. فقلت كفاك يا عين تخدعيننا بجمال وراءه من الدنس ما يشين طهارة الملائكة ويعيب جمال الحور.
ثم نظرت إلى النيل فإذا مراكب طافية. فوق لجة ضافية. تحت سماء صافية. بين طبيعة متثائبة غافية. فنسيت الناس وذكرت قول البهاء زهير:
حبذا النيل والمراكب فيه ... مصعدات بنا ومنحدرات
هات زدني من الحديث عن النيل ... ودعني من دجلة والفرات
стр. 495
ولياليّ في الجزيرة والجيزة ... فيما اشتهيت من لذات
بين روض حكي ظهور الطواويـ - س وجو حكى بطون البزاة
حيث مجرى الخليج كالحية الرقطاء ... بين الرياض والجنات
فقلت لقد صدق وأجاد. فهذه الجيزة عن يميني والجزيرة عن يساري. وهذا الروض في الأرض. والسماء في الفضاء لا تزال كما وصف. والنيل في مجرى الخليج يجري كما كان. وها هي مراكبه مصعدة منحدرة. فكل شيء في قول البهاء باق على عهده إلا قائله:
هي الدار ما حالت لعمري عهودها ... ولا افتقدت من زيها غير ناسها
وكذلك نرى كيف تقصر حياة الفرد في خلود النوع. فكم أينعت هنا زهرة بعد زهرة. وجرت قطرة على أثر قطرة. وهبت نسمة خلف نسمة. وأقفر روض فأزهر روض. وأقوت دار فقامت دار. ومات رجل فنشأ رجل. تغيرت الأجزاء والكل باق لم يتغير. ولعلي جئت بعد ذلك القائل لأقول:
أيها النيل كم سقيت ثغوراً ... وزهوراً على الربي باسمات
كوثر الأرض أنت في مصر هيها - ت تجاري في الطيب والنفحات
قد سوا ماءك الطهور قديماً ... وأنابوا إليك بالصلوات
كم عروس زفت إليك وأنت البا - رد الصدر من غرام البنات
فتعوضت عن زلالك منهم ... بدموع الآباء والأمهات
كنت تروي من أصبح اليوم ظمآ - ن ببطن الثرى لماء الحياة
كم توالى الورى وأنت كما كنت ... م قديماً تجري بغير التفاف
إنما العيش ما استطال حياة ... لممات وألفته لشتات
وبعد سبعة قرون. ربما أعاد الزمان تمثيل هذا المنظر على ملعب الطبيعة فتراءى بنيله ومراكبه وروضه وجوه وشاعره. فماذا عسى ذلك الشاعر سيقول؟؟
٣
سارتور ريزارتوس
لنا صديق أديب، خلع عليه السعد برداً قشيباً بعد أن درجه الزمن في برد من القطوب والشحوب. فكان كأنما ولد فيه من جديد أو كأنما تقمصت روحه بدناً غير بدنه. وكان -
следующие страницы →