Полный текст (3 596 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
واصنع لهذه اللغة يصنع الله لك ولن يضيع أجر من أحسن عملا.
المازني
البيان نشرنا هذه الكلمة عملاً بحرية النشر ولنا مقال نبين فيه رأينا فيما ضمنته هذه الكلمة لم يتسع له هذا الموضع وسوف ننشره في أحد الأعداد الآتية إن شاء الله.
стр. 492
طرف أدبية
المشاهد
١
لامرتين على جبل الكرمل
ساح لامرتين في الشرق عام ١٨٣٢ والتقى في سياحته بشاعر عربي على جبل الكرمل، هنالك حيث هبط الوحي على أنبياء أرض الرسل والأنبياء، وتنزل الإلهام على شعراء صومعة النساك وروضة الشعراء.
قال لان في رحلته فجلس - أي الشاعر العربي - إلى جانبنا على الحوض فتحادثنا ملياً. ولكن الشمس مالت إلى الأفول وكان لا بد لنا من الافتراق. فقلت له: إننا هنا شاعران قد أدنت الصدفة ما بيننا على بعد الدار، لنلتقي على هذه البقعة الساحرة، فوق هذه التربة الطاهرة، في ساعة هي أجمل الساعات. وقد أرسل الله إلينا ملكاً من ملائك الجمال في محضر منا، فهل لك في أبيات ينظمها كل منا بلسانه. تخليداً لهذا الاجتماع. وما قد أحدثته في نفوسنا هذه المناظر الشيقة والمشاهد البهجة
قال فابتسم وأخرج من نطاقه دواته وقلمه القصب. وهي أبداً في نطاق الكاتب العربي كالسيف في نطاق الجندي. ثم تراجع كل منا خطوات ليخلو بنفسه ويتفرغ لشأنه. فانتهى من نظم أبياته قبل أن انتهيت ببرهة وها أنا ذا أنقل أبياتي وأبياته
أما ذلك الملك الذي أشار إليه لامرتين فهو فتاة كاعب وصفها الشاعر نثراً فأبدع أيما إبداع. وأني بقلمه في ذلك الوصف بما هو جدير بريشة المصور وكان قد نزل في بيت أهلها بحيفا يوماً ثم صعد إلى دير جبل الكرمل. فأتته وأمها وشقيقها يزورونه. فجلسوا جميعاً على حوض ماء. وقد كانت قصيدة الشاعرين في وصف تلك الفتاة على ذلك الحوض، وهذه ترجمة قصيدة لامرتين:
سقاك الحيا يا حوض أعذب ما سقى ... ففيك قرأت الحسن سطراً منمقا
حباك الفضاء اللازوردي لونه ... فجلاك كالمرآة تلمع أزرقا
أراك إذا فيأت ليلى عشية ... سكنت كمن يصغي إليها محدقا
وترسم في أعماق قلبك وجهها ... كما لاح طيف النجم في اليم مشرقا
стр. 493
فما حفلت عين بما فيك من حصى ... حكي الدر أو عشب هنالك أورقا
وما ينظر الرائي السماء مصعداً ... إلى الأفق بل يرنو إلى الماء مطرقا
لك الله كم حسناً حويت ورونقاً ... روى الماء عن ليلاي فيك فأصدقا
فعينان أبهى زرقة وملاحة ... من الزهو ينمو في حوافيك مونقا
وأغنتك هاتيك الثنايا ضواحكا ... عن اللؤلؤ المكنون يلقى وينتقى
وثغر كأن الورد باكره الندي ... فجال على أوراقه وترقرقا
وجيد تراه يشبه العاج ناصعاً ... على أنه كالغصن مال على النقى
وفرع كخفق الموج فيك خفوقه ... يكلل منه الزهر فوداً ومفرقا
وأبديت كالمرجان في الماء دملجا ... تحلى بأحلى معصم حين أحدقا
رفعت يدي دون النسيم وقد سري ... مخافة ذاك الظل أن يترنقا
وقد خلت أني حين أبسط راحتي ... ظفرت بدر فيك لاح منسقا
وأرشف من ماء هنالك ريق ... جلا الحسن عذباً في حواشيه ريقا
ولكن ليلى أعرضت نحو أمها ... تضاحكها حباً وترنو تأنقا
فسرعان ما أمعنت فيه فلم أجد ... سوى الحوض أمسى راكد الحس ضيقا
تذوقت منه قطرة بعد قطرة ... فألفيت مالا يستطاب تذوقا
وكنت أرى حسناً فأصبحت لا أرى ... سوى حشرات أو نبات تفرقا
فرحماك يا بنت المشارق أن لي ... فؤاداً بربات الجمال تعلقا
لحسنك من سر على النفس ماله ... على الماء لما أن حكاك فدققا
فقد رسمت فيها لحاظك صورة ... مدي الدهر لا تمحى وتزداد رونقا
عذيري من تلك اللحاظ كأنما ... هي النجم في عرض السماء تألقا
إذا رمقت فالصبح أو حال دونها ... خمار فهذا ليل من قد تعشقا
٢
عبرة في نظرة
الجزيرة معرض عام يقام أصيل كل يوم. يعرض فيه كل جميل جماله وكل غني ماله، وتبسط فيه الأرض زينتها والطبيعة محاسنها، وهو يتسع لأبناء النعيم كما يتسع لأبناء
стр. 494
الهموم. فإن الطبيعة ما برحت تجمع بين مضاحكة الجذلان ومؤاساة المحزون وهي لا كالبشر، يجد فيها المسرور ألهيته والمغموم سلوته وتبدو لكل ناظر كما يحب أن يجدها. فلقد يراها الشجي كاسفة آسفة على حين يراها الخلي مقهقهة ضاحكة، وقد تبرز لهذا في صدار الحداد وهي لغيره بارزة في حلة العرس. وما بها من ختل أو نفاق وإنما هي مرآة النفوس وصدى خواطر الأفكار.
ولقد ألفت أن أتردد إليها بين حين وحين. فأجوس بين أنحائها وأتظلل بأفيائها وأمتع النظر بين أرضها وسمائها. وخضرتها ومائها. فخرجت إليها أصيل يوم من أيام هذا الربيع القائظ. فإذا المركبات كما عهدتها تترى بكل نبيل أو جميل. من مشمخر شامس أو مزور شاوس ينظرون إلى السابلة نظرة قادم من المريخ أو عطارد كأنما أولئك أبناء نوع غريب من البشر. أو كأنما الناس قد انقسموا إلى فصيلتين. فصيلة تدور على الدواليب وفصيلة تدوس على الأقدام.
فأعرضت عنهم. فإن هؤلاء الحمقى إنما يتيهون علي بعيني لا بأعينهم. ويتأنقون لأراهم لا ليروا أنفسهم. فمالي لا أغمض طرفي عنهم. وأدير بصري عن جيادهم وبراذينهم. لئلا يظنوا استحساني لها أو إعجابي بها. استحساناً لهم أو إعجاباً بهم؟؟
قلت صعروا خدودهم أيها الأغنياء فما ذهبكم بجاعلكم أكبر قدراً عندي من تراب المناجم. وأني لأحسد بقعة الأرض على ما بها من تبر كما أحسدكم على ما لديكم من نضار. كلاكما واحد. والتراب قد يخصب فيثمر وأنتم تربة مجدبة لا تثمرون. إن أنتم إلا صناديق من اللحم والعظام.
ونظرت إلى بنات حواء المتباهيات بميراثهن منها. وما أجدر الخجل بمكان الصعر من خدود أكثرهن. فقلت كفاك يا عين تخدعيننا بجمال وراءه من الدنس ما يشين طهارة الملائكة ويعيب جمال الحور.
ثم نظرت إلى النيل فإذا مراكب طافية. فوق لجة ضافية. تحت سماء صافية. بين طبيعة متثائبة غافية. فنسيت الناس وذكرت قول البهاء زهير:
حبذا النيل والمراكب فيه ... مصعدات بنا ومنحدرات
هات زدني من الحديث عن النيل ... ودعني من دجلة والفرات
стр. 495
ولياليّ في الجزيرة والجيزة ... فيما اشتهيت من لذات
بين روض حكي ظهور الطواويـ - س وجو حكى بطون البزاة
حيث مجرى الخليج كالحية الرقطاء ... بين الرياض والجنات
فقلت لقد صدق وأجاد. فهذه الجيزة عن يميني والجزيرة عن يساري. وهذا الروض في الأرض. والسماء في الفضاء لا تزال كما وصف. والنيل في مجرى الخليج يجري كما كان. وها هي مراكبه مصعدة منحدرة. فكل شيء في قول البهاء باق على عهده إلا قائله:
هي الدار ما حالت لعمري عهودها ... ولا افتقدت من زيها غير ناسها
وكذلك نرى كيف تقصر حياة الفرد في خلود النوع. فكم أينعت هنا زهرة بعد زهرة. وجرت قطرة على أثر قطرة. وهبت نسمة خلف نسمة. وأقفر روض فأزهر روض. وأقوت دار فقامت دار. ومات رجل فنشأ رجل. تغيرت الأجزاء والكل باق لم يتغير. ولعلي جئت بعد ذلك القائل لأقول:
أيها النيل كم سقيت ثغوراً ... وزهوراً على الربي باسمات
كوثر الأرض أنت في مصر هيها - ت تجاري في الطيب والنفحات
قد سوا ماءك الطهور قديماً ... وأنابوا إليك بالصلوات
كم عروس زفت إليك وأنت البا - رد الصدر من غرام البنات
فتعوضت عن زلالك منهم ... بدموع الآباء والأمهات
كنت تروي من أصبح اليوم ظمآ - ن ببطن الثرى لماء الحياة
كم توالى الورى وأنت كما كنت ... م قديماً تجري بغير التفاف
إنما العيش ما استطال حياة ... لممات وألفته لشتات
وبعد سبعة قرون. ربما أعاد الزمان تمثيل هذا المنظر على ملعب الطبيعة فتراءى بنيله ومراكبه وروضه وجوه وشاعره. فماذا عسى ذلك الشاعر سيقول؟؟
٣
سارتور ريزارتوس
لنا صديق أديب، خلع عليه السعد برداً قشيباً بعد أن درجه الزمن في برد من القطوب والشحوب. فكان كأنما ولد فيه من جديد أو كأنما تقمصت روحه بدناً غير بدنه. وكان -
стр. 496
أطال الله بقاءه - قد أيس أهابه من أن يلامس دثاراً مفصلاً قبل ذلك الدثار الأخير. الذي لا يضن به الدهر على غني أو فقير. وقد كان لا يروقه منا أن ندعو له بطول البقاء ويتمثل قول المعري:
تدعو بطول العمر أفواهنا ... لمن تناهى القلب في وده
نفرح أن مد بقاء له ... وكل ما يكره في مده
فأما الآن وقد خلع أطماره الأولى على البؤس ونضى عنه معها تلك الحياة الرثة ليلبس حياة أبناء الزي والجديلة. فأحسب أنه قد اقترن أجل الحلة بأجله. نبات يطلب البقاء لأجلها أن لم يكن لأجله.
وقد أرسل إلينا هذه الدعوة.
حضرة الصديق
أتشرف بدعوتكم لحضور الاحتفال بتدشيني في أهابي الجديد وذلك مساء يوم الاثنين الثاني عشر من شهر فبراير المبارك! في المنزل. . . . . أبقاكم الله رافلين في سرابيل الصحة والعافية. الداعي
فلبينا الدعوة سراعاً. وكيف لا نلبيها وهذا مشهد لا تراه العين مراراً؟؟
أذاعوا أن الشمس سيعروها الكسوف يوماً من الأيام. فأهرع المنجمون من كل فج إلى مصر. يقلبون في أسطر لاباتهم عيوناً ويسدون إلى ذكاء آماق المجاهر والمقربات.
ثم قفلوا إلى بلادهم وقد حسبوا أنهم آبوا بالغنم الكبير. والعلم الوفير. فهل ترى مشهد أم الضياء في أزرها السوداء. أغرب في مجرى الطبيعة من ظهور صديقنا الأسود في ذلك الكساء الوضاء!!
ثم استقربنا المقام. وكان صديقنا يدور بيننا في ثيابه الأولى. فما هو إلا أن غفلنا عنه فتسرب إلى غرفته ثم برز لنا في حلته الطريفة. فكان كأولئك الممثلين الذين يدخلون في أسمال المتسولين. ثم يأوبون من باب آخر في طيالسة الملوك والسلاطين. فأنكرناه وما عرفناه. فقال عجباً! أكذلك تنسون صديقكم القديم!! ثم ضحك ضحكته التي نعرفها. فصحنا جميعاً نعم نعم. عبد الكريم! عبد الكريم!
وما ابتدع صاحبنا بحفلته بدعاً فذلك أمر عرفته الأمم منذ كانت. فلا ترون الملوك يقيمون
стр. 497
الملأ ويقعدونه لوضع تلك القلنسوة التي يسمونها تاجاً وتلك العباءة التي يدعونها طيلساناً وتعصية العصا التي يجعلونها صولجاناً؟؟
هذا والقلانس والطيالس عندهم كثيرة. والعصى والسياط بحمد الله في أيديهم وأكثر! ولكن الناس لا يفتأون يتخذون بدعة الكبير سنة وسنة الفقير بدعة. وما هم في ذلك بمنصفين.
وبعد أن شربنا نخب اللابس والملبوس. وباركنا للعريس والعروس قلت أهنئه وأرجو أن لا يكون هذا آخر ما أقول له من هذا الطراز:
عبد الكريم أأنت حيث أراكا! ... أني حسبتك في الثياب سواكا
الله أكبر هل غدوت بسحرها ... جنا نراك كما يشاء هواكا
لو كنت مبدل لون جلدك أبيضا ... ما كان يدهشني كثوبك ذاكا
أني لأصبح برهمياً مؤمناً ... بتناسخ الأرواح حين أراكا
ليس الذي سوى ثيابك خائطاً ... بل كان ربا ثانياً سواكا!!
أنت الدليل على أناس أنكروا ... حشر الجسوم وآثروا الإشراكا
فاطرح رداء البؤس والبس بعده ... برد النعيم وطف هنا وهناكا
قد طال أسرك في الديار فلا تخف ... فالآن نلت من الشقاء فكاكا
عباس محمود العقاد
стр. 498
طرف فلسفية
للفاضل عبد الرحمن شكري
أحلام اليقظة
(وهي أحلام خيالية فلسفية يشوبها شيء من المزح)
١
أسافل النفس وأعاليها
ذهبت مرة في المساء إلى شاطئ البحر لأروح عن نفسي من الهم الذي يعتور المرء من التفكير في أساليب الحياة وما يأتيه الناس من شر ثم اضطجعت على الأرض وجعلت أردد لحظي بين السماء والأرض فصغرت لدي حياة الناس من عظم ما بين السماء والبحر وبينما اسخر ضلة من طبيعة الإنسان وما تغري الناس به من غدر ولؤم ودناءة وكذب وقتل وخيانة وقع بصري على ملك من النور كله جمال في يده مرآة ثم رأيته قد اقترب مني ووضع المرآة أمامي ثم قال انظر في هذه المرآة فنظرت فرأيت جنياً ملأ ما بين السماء والأرض له رجلان مثل رجلي حيوان مفترس لهما كساء من الشعر وباق ملك كريم فنظرت إلى قدميه فرأيت أظفاراً مثل أنياب الفيلة ورأيت الدود والبق والعقارب فوق قدميه فأغمضت عيني من قبح ذلك المنظر ثم سمعت صوت الملك صاحب المرآة يقول أرفع بصرك وانظر إلى وجه هذا الجني فرفعت بصري ونظرت في وجهه فرأيت وجهاً ينبعث منه النور مله حنان ورفق وعينين لحظاتهما كلها ذكاء وجبيناً لو صور الحق لكان جبين هذا الجني جبينه ورأساً مكللاً بالأزهار ونظرت إلى صدره فرأيته نبيلاً جليلاً فخفق قلبي طرباً بجمال هذا المنظر وجلاله ثم نظرت إلى يديه فرأيتهما مثل يدي القرد فعجبت كيف يقرن ذلك الجمال الجم بذلك القبح الجم فقال الملك صاحب المرآة أن صورة هذا الجني تمثل النفس الإنسانية فإن هذا الجني رأسه في السماء ورجله في الأرض وكذلك النفس فإذا نظرت إلى النفس رأيت أعاليها كلها جلال وجمال وأسافلها مثل بئر كله حشرات وهذا الجني له يدان مثل يدي الحيوان وإنما هذا مثل العمل فإن الغريزة تحث المرء إلى العمل من خير وشر لأن العمل مقياس الحياة وميزان البقاء فإذا أردت أن تعيش عليل النفس سقيم
стр. 499
الأمل ضئيل الهمة فانظر في أسافل هذا الجني وردد لحظاتك في الدود والبق والعقارب التي فوق قدميه فإن هذه أسافل النفس ويكون مثلك مثل من يريد أن يستحم فيرى غديراً صافياً طاهر الماء فيعدل عنه إلى الماء الآجن في المستنقع الموبى لم لا ترفع بصرك إلى أعالي النفس من لحظ كله ذكاء وجبين كله جلال ووجه كله ضياء فلما قال الملك قولته هذه رفعت بصري إليه فرأيته قد خفي عني فرجعت إلى بيتي وفككت عني حبائل اليأس وقلت خاب من نظر في أسافل النفس ورجع بصره خاسئاً عن أعاليها.
٢
الخير والشر
ذهبت مرة إلى مدينة من مدن القدماء لم يبق منها إلا أطلال ونؤى وأحجار فجعلت أنظر إلى تلك الأطلال كأني أنظر إلى قبور السنين الخوالي وغربت الشمس ثم رأيت النجوم في السماء كأنها أطلال الفردوس فرأيت في السماء أطلالاً وفي الأرض أطلالاً وقد خيل لي أن هذه الأرض قبر والناس أموات والسماء سقف ذلك القبر والنجوم أزهار وضعت عليه كما توضع الأزهار فوق القبور فاستلقيت على الأرض وجعلت أنظر إلى النجوم نظرة هوجاء ثم رأيت في السماء جنيين جنياً تتطاير من عينيه النار وجنياً ينبعث من عينيه النور الأول له أذنان مثل أذني الحمار والثاني له أذنان مثل أذني الإنسان ووضع أحدهما أصبعاً تحتي ووضع الآخر أصبعاً فوقي ورفعاني بين أصبعيهما حتى وضعاني على فلك من الأفلاك ورأيت الأرض مثل كرة القدم في الحجم ثم قال الجني الذي ينبعث من عينيه النور وأشار إلى صاحبه هذا إبليس لا يغرنك منه أن أذنيه مثل أذني الحمار فإنه على ذلك كثير الدهاء كثير الذكاء ولكن لو لم يكن بينه وبين الحمار شبه ما فضل الشر على الخير فضحك إبليس وقال لا تضع الوقت في المزاح ثم التفت إلي وأشار إلى صاحبه وقال هذا صاحب الخير وأنا صاحب الشر وهذه الكرة التي أخرجناك منها هي كرة نلعب بها فأما غلبني وأما غلبته عليها قلت ومن الحكم بينكما قال الله يحكم بيننا ثم جعلا يلعبان بالكرة الأرضية هذا يضربها برجله من ناحية وذاك يضربها من ناحية أخرى ثم نظرت إلى صاحب الخير فرأيته يكبر في حجم جسمه ورأيت صاحب الشر يصغر فسألت صاحب الخير في ذلك فقال أنا دائماً أكبر لأنه لا نهاية للخير وإبليس يصغر دائماً ولكنه لا يفنى أبداً لأنه أن لا
стр. 500
نهاية للشر فإنه كلما فنى منه شيء ظهر شيء جديد ثم نظرت حولي فرأيت أطلالاً ونؤياً ورأيت أني مستاق على الأرض فقلت لنفسي أكبر ظني أني كنت أحلم.
٣
عظم الوجود
رأيت في الحلم أني كنت نائماً على الأرض في بستان أنيق وجعلت أنظر إلى السماء والظلام حولي فرأيت عينين كبيرتين تطلان من السماء كل واحدة منهما في حجم القمر ولكنهما كانتا مثل أعين الناس في الشكل ورأيت النار تنقدح فيهما كأن في كل عين منهما جحيماً ثم رأيت يداً كبيرة مدت من السماء إلى الأرض ورفعتني حتى صارت الأرض في عيني مثل النملة وصارت الشمس مثل التفاحة الصغيرة والكواكب حولها كالنمل فتملكني الرعب حتى صرت من شدة الرعب لا أحس به ثم نظرت إلى ما فوقي فرأيت كواكب وشموساً كالكواكب والشمس التي يراها الناس رأيت كل هذا وأنا في يد ذلك الجني ثم رأيت عينيه في سمائي والنار تتطاير منهما فصحت من أنت أيها المخلوق العظيم فضحك ضحكاً كاد يصم أذني ضحكاً صوته مثل صوت تصادم الكواكب وتكسر الأفلاك ثم قال أنا روح الأبد أتحسب أيها المخلوق الحقير أن هذا الوجود إنما خلق لأجلك أتقيس قدرة الله بما أودع فيك من المقدرة أنظر أيها المغرور ثم رفع صوته وأمر الأفلاك من نجوم وشموس أن تتصادم فتصادمت وتكسرت ثم غابت أشلاؤها في الفضاء قلت هل فني الوجود فضحك ضحكاً عالياً ثم قال أنظر أيها المغرور ثم رفع يده فرفعني في يده فرأيت أفلاكاً غير الأفلاك التي رأيتها قبل ثم أمرها أن تتصدع فتصادمت وتصدعت وغابت أشلاؤها في الفضاء ثم رفع يده فرفعني في يده فرأيت أفلاكاً غير الأفلاك التي رأيتها قبل وهكذا يأمر الأفلاك فتتصدع ثم يريني غيرها حتى كدت أموت من جلالة ذلك وهوله ثم رفع صوته وقال أني ليعجبني غرور الإنسان فإن الغرور نتيجة من نتائج الطموح والطموح دليل على الحياة وآلة من آلات النبوغ يا ابن آدم أنت جزء حقير من الوجود فكيف يفهم الجزء الحقير الشيء الكامل. إن ضمائر الأفراد ثقوب يطلون منها على الله ويناجونه بها ولكن مثلهم في تلك المناجاة مثل جماعة من العمي لمس أحدهم خرطوم الفيل فقال الفيل مثل الثعبان ثم لمس أحدهم ذيله فقال الفيل مثل الحبل الطويل ولمس أحدهم رجله فقال الفيل
стр. 501
مثل الدعامة المستديرة والناس لا يرون الله إلا كما ترى النور من ثقب صغير فكل عقيدة من عقائد الناس مكملة لأختها ثم قال اذهب إلى مكانك من الأرض ولا تنس عظم الوجود فإن إحساسك بعظمه فريضة عليك.
стр. 502
مقالات في الأدب
للفاضل عبد الرحمن شكر أيضاً
١
التخيل والتوهم
ينبغي أن نميز في معاني الشعر وصوره بين نوعين نسمي الأول التخيل والآخر التوهم فالتخيل هو أن يظهر الشاعر الصلات التي بين الأشياء التي ربما خفيت عن غيره ولكن يشترط في هذا النوع أن تكون الصلة متينة والتوهم أن يتوهم الشاعر بين شيئين صلة ليس لها وجود أو أن يبين عن صلة غير متينة أنظر إلى قول أبي العلاء المعري في سهيل النجوم
ضرجته دماً سيوف الأعادي ... فبكت رحمة له الشعريان
أو قوله في هذه القصيدة أيضاً:
وعلى الأفق من دماء الشهيدين ... علي ونجله شاهدان
فإن الصلة التي بين الشفق وبين دماء الشهيدين صلة توهم وكذلك الصورة التي في البيت الأول صورة توهم ثم أنظر إلى قول أبي العلاء:
كم قبلة لك في الضمائر لم أخف ... فيها العقاب لأنها لم تكتب
هذا مثال من أمثال التخيل الصريح فإن العاشق مغري بأن يليح لعينه بصورة حبيبته ثم يقبل تلك الصورة الخيالية فالصورة المودعة في هذا البيت صورة طبيعية يعرف صحتها كل من عالج الحب وانظر إلى قول الشريف الرضي:
ما للزمان رمي قومي فزعزعهم ... تطاير القعب لما صكه الحجر
هذا أيضاً من التخيل الصريح فإن تفرق شمل القوم مثل تطاير أجزاء القدح المكسور وانظر إلى قول ابن المعتز في الشيب:
(هذا غبار وقائع الدهر)
فأن المشيب يأتي المرء من معالجة الأيام ومصارعتها كما أن الغبار تستثيره المصارعة والمناهضة.
ومن أمثال التوهم البديع قول أبي تمام في المشيب
стр. 503
(فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب)
فإن الصلة التي بين المشيب والابتسام ولا سيما ابتسام الرأي والأدب صلة توهم ليس لها وجود ولكن هذا التوهم الحميد على أن الشاعر قد يجيء به غثاً إذا لم يكن له غير المغالاة حيلة وأحسن هذا التوهم أقربه إلى التخيل الصريح وأقبحه أقربه إلى أحلام المحموم وقد حببه إلى الشعراء مجاراتهم ذوق العامة في المغالاة فإن العامة لا تميز بين المغالاة التي تجوز والمغالاة التي لا تجوز.
قد يكون في الخيال كلفة كما يكون في التعبير صنعة وإنما تكلف الخيال أن تجيء به كأنه السراب الخادع فهو صادق إذا نظرت إليه من بعيد وهو كاذب إذا قاربته غير أنه يشابه الخيال الصحيح الخيال السقيم إذا كان وجه التأليف بين الأشياء في الخيال الصحيح بعيداً ولكن بعد وجه التأليف وخفاء الصلة ليس بمعيب إذا كان وجه التأليف صحيحاً وكانت الصلة متينة فإن ظهور الصلة لكل قارئ ليس دليلاً على متانتها فقد تكون الصلة ظاهرة ضعيفة وقد تكون غامضة سليمة وهذا سبب من أسباب اشتباه العظيم من الشعراء بالضئيل والعبقري بالمقلد فإن المتنبي أو شكسبير قد يولع باستخراج الصلة المتينة الغامضة التي بين شيئين يخال القارئ أن ليس بينهما صلة ولكن هذا المذهب غير مذهب الناظم الذي يولع بأن يوجد صلة سقيمة بين شيئين ليس بينهما صلة أو باستخراج صلة ضعيفة بين شيئين. أن ولوع الشاعر باستخراج الصلات المتينة الغامضة التي بين الأشياء دليل على أنه حر الذهن ولكن الشعراء المولعين بذلك غرض لسهام ذوي الأذهان المغلقة ونصب رميات أهل الغبارة ولكني لا أنكر أن الشاعر المولع بذلك قد يسلمه ولعه به إلى المغالاة المقبوحة واستخراج صلات التوهم وأبو تمام والمتنبي والمعري من هؤلاء الشعراء على أن العبقري يعرف بسيئاته أنه عبقري كما يعرف بحسناته لأن أكثر سيئاته أنه واسع الخيال كما أن أكثر حسناته سببها تلك السمعة.
٢
الجاحظ والصابي
الفرق بين أسلوب الجاحظ وابن المقفع وأسلوب الصابي وابن العميد أو الأولين يسلكان من سبل التفهيم والإيضاح أقصرها وأما الصابي وابن العميد فقد كانا من كتاب الدولة وأرباب
стр. 504
السياسة يضطر أحدهما إلى الغموض لحاجة من حاجات السياسة فيسلك من سبل التفهيم أطولها وأوعرها كي لا يفهم رسالته من أرسلت إليه كل الفهم أو كي يفهم في أثناء سطورها ما ليس فيها ألم تر كيف عمد ساسة الدول الأوروبية إلى اللفظ المبهم والعبارة الغامضة في بعض الأحايين كأن يريد أحدهم أن يعد وعداً لا يستطيع أن يفي به أو أن يساق إلى إيضاح أمر من حاجة السياسة أن يبقى غامضاً أو أن يريد أن يستخدم المغالطة كي يغطي على صحة رأيك أو أن يخدعك في حق تطالبه به فأسلوب الجاحظ وابن المقفع من هذا الوجه أفصح من أسلوب الصابي وابن العميد وأسلوب الأولين أشبه بلهجة العرب وفصاحتهم فهو خليق أن يسمى الأسلوب الطبيعي أما أسلوب الصابي فهو أسلوب صنعة لأن الفصاحة العربية الصريحة التي تطالعك من مصنفات الجاحظ وابن المقفع قد نضب ماؤها وصار حظ الأديب أن يتكلفها وسبب ذلك اقتعاد الأعاجم دسوت الرئاسة وتغلبهم على العنصر العربي والعصبية العربية في دولة الإسلام فلم تكن اللغة كالماء الآجن لأن الأساليب تتغير فأسلوب الجاحظ غير أسلوب الصابي وأسلوب الصابي غير أسلوب صاحب كتاب قلائد العقيان فالأساليب تسير مع الأيام وتتغير بتغير الزمان والمكان واللغة ليست ملكاً لقوم دون قوم فإن الفرق بين أسلوب الصابي وأسلوب الجاحظ أو بين أسلوب الصابي وأسلوب صاحب القلائد لا يجوز لنا أن نسميه فرقاً بين لغة ولغة كما يزعم زاعم يريد أن تكون لغة مصر غير لغة الشام أو العراق.
إنك إذا قرأت رسائل الصابي كنت كلما انتهيت من جملة نسيت أولها أما لعظم ما بين أولها وآخرها وأما لأنه يدخل الجملة في الجملة ويخرجها من حيث أدخلها فلا تعرف أين يبتدئ وأين ينتهي وألفاظ الصابي أكثر من معانيه فهو يريق المعنى على فناء واسع من اللفظ فيغيض ماؤه والمعاني كالبخار إذا حبست البخار زدته قسوة وإذا أفسحت له في الفضاء أضعفته. إذا أجاد الصابي ذقت في كلامه حلاوة الصنع وإذا أجاد الجاحظ ذقت في كلامه حلاوة الطبع على أن للطبع صنعة ولكنها صنعة ذوق وسليقة لا صنعة رصف وتنميق وصنعة الطبع ليست بأقل حلاوة من صنعة الرصف والذي يستخدم صنعة الرصف لا يسلم من التكلفة والفساد والإطالة المقبوحة وإضلال المراد وذكر مالا يراد منه كأن يسلك أديب في عقد واحد جملاً كثيرة لا تقرب القارئ من طلبته قيد فتر أو أن يكيل كاتب لقارئه من
стр. 505
المترادف شيئاً كثيراً.
إن بين من يكلف بالفصاحة ومن يتكلفها فرقاً واسعاً والجاحظ كلف بالفصاحة ولا يتكلفها لأنها تؤاتيه إذا شاء والصابي كلف بالفصاحة ولكنه قد يتكلفها ولا أحسب سبب ذلك أنه جاء بعد الجاحظ ولكن مذهبه إدخال الجملة في الجملة ومط الكلام كما تمط الجلد هذا ابن رشيق صاحب كتاب العمدة متأخر من المتأخرين في الزمن ولكن مذهبه في كتاب العمدة أشبه بمذهب ابن المقفع والجاحظ والمبرد وابن قتيبة وغيرهم من الفحول من حيث السلاسة وتوفية المعنى نصيبه من اللفظ وقصر اللفظ عليه وانتظام جمل الكلام ففصاحته فصاحة ذوق وطبع لا فصاحة رصف ووضع فلو أن الأديب ليس له بد من عبارة أهل زمانه وبلده وأسلوبهم في الكتابة لكانت عبارة كتاب العمدة مثل عبارة كتاب القلائد ولكنها ليست كذلك فإن فصاحة كتاب قلائد العقيان فصاحة رصف ووضع وهي أكثر سبهاً بفصاحة الصابي وابن العميد والثعالبي منها بفصاحة الجاحظ وابن قتيبة وابن رشيق ولكنها أكثر تصنعاً من فصاحة الصابي واقل حلاوة فعبارة الصابي في منزلة بين أسلوب الجاحظ وابن المقفع وأسلوب القلائد فالصابي وابن العميد والثعالبي كانوا يملكون من عنان مطيتهم ما لم يملكه صاحب القلائد ومن حذا حذوه وهكذا كل من عالج صنعة الرصف والوضع خيف عليه أن تغيب عنه حلاوة الطبع.
كان ابن رشيق ينقم من أهل زمانه صنعة الرصف ويغريهم باستخدام صنعة الذوق والطبع استدناء للفصاحة العربية وتطلباً لذلك الأسلوب الطبيعي أسلوب ابن المقفع والجاحظ وابن قتيبة ويزجرهم عن ذلك الأسلوب المتقطع المتكلف المخنث أسلوب السجع والمترادف والبديع الذي كانت تملأ به الأدباء رسائلهم من رصف وإطالة يضل القاريء فيها ما ينبغي من المعنى ولكن هذا الفساد كان قد تمكن من اللغة وأخذ من أذواق الناس مأخذاً بليغاً فلم يكن لأبن رشيق عون على إصلاحه وأعظم من استخدام صناعة الرصف والوضع من الأدباء وغالى بها الصابي وابن العميد والثعالبي فكانوا يجيئون بالجزل الجيد من الكلام وكان لكلامهم نصيب من بداوة النثر أي سلامته من الكلفة ورجولته تلك البداوة التي تطالعك من مصنفات ابن المقفع والجاحظ والمبرد وغيرهم من الفحول ولكن لم يكن يعرف الصابي وذووا مذهبه أن سيأتي بعدهم أدباء ينهجون نهجهم وليس لهم من سلامة الطبع
стр. 506
وبداوة القول ورجولته ما كان لأسلافهم فيستخدمون المحسنات البديعية استخداماً يجعلها مساويء فن مجيء هذه المحسنات عفواً حسن لا بأس به ولكنهم جعلوا يدخلونها في كلامهم كما تدخل الجرذ في مصيدته أي بالخديعة والدهاء ويجذبونها إليه كما تجذب القط من ذيله إذا تشدد فيضطرب انسجام كلامهم ويعوج أسلوبه.
стр. 507
ديوان الأدب
منذ سنين لا علم لنا بأولها - وقد كنا نظرنا في كثير من أمهات الأدب العربي - كنا كلما أعجبتنا قطعة شعرية أو نثرية نقشناها في صفحة الذاكرة، أو نقلناها إلي قار المفكرة، لاستظهارها وترديد النظر فيها أولاً ولجمعها وإظهارها للمتأدبين يوماً ما ثانياً فأخذنا لهذا الأمر عدته وما زلنا نعمل التدبير على إظهار كتاب جامع في الأدب يفيد الناشئين ويكون تذكرة للشادين حتى ثم لنا ما يأتي الأول أننا جمعنا كل ما وقع عليه الاختيار من المنظوم والمنثور قديمه وحديثه مع الشكل والشرح الوافي وفذلكة تاريخ الأديب ونقد أدبه وبيان مكانته الأدبية في الأدب العربي الثاني أنا إتماماً للفائدة وتمييزاً لمختاراتنا لم نكتف بالمختارات العربية بل رغبنا إلى فاضلين من المضطلعين بأدب اللغات الإفرنجية وهما الأستاذ محمد السباعي والأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني أن يعربا لنا أفضل ما يقع عليه اختيارهم فيما يقرؤن من آداب الأمم الأخرى من انكليز وجرمانيين وفرنسيين وروسيين وفرس وهنود وصينيين ومن إليهم فظفروا من ذلك بالكثير الممتع مما سيكون ثروة ثرية للأدب العربي الثالث أنا رتبنا هذا المجموع ترتيباً حسناً بديعاً فيما نرى وذلك لا أنا جعلناه على أبواب الشعر من المديح والنسيب والفخر والهجاء والرثاء وما إليها ولا أنا جزأناه إلى أبواب الأدب من الخطب والرسائل والمقامات والأمثال والقصيد وما إلى ذلك بل أنا كسرناه على أبواب المعاني العامة وكل باب على فصول خاصة تنطوي فيه فجعلنا الباب الأول مثلاً باب الصفات وهو إلى فصول الفصل الأول في صفة الربيع والأزهار، والغياض والأشجار، والمياه والأنهار، والمطر الرعد والبرق والثلج والبرد والنسيم وقوس قزح وما يتصل بذلك: الفصل الثاني: في صفة الليل والنهار وأجزائهما والشمس والقمر والكواكب وما يداخل ذلك: الفصل الثالث: في صفة الأبنية والقصور والدور والآثار والأطلال وما أليها: الفصل الرابع: في صفة السفن والأساطيل والبحار وهلم جراً والباب الثاني باب الأدب والأخلاق والتربية والفلسفة الأدبية وهذا الباب إلى فصول جزئية متشبعة وهلم إلى أن يتم الكتاب على هذا المنوال - وقد وسمناه بديوان الأدب ووضعنا له تمهيداً مطولاً فيما هو الأدب ونبذة في تاريخ الأدب العربي والأدب عند سائر الأمم والموازنة بين الأدب العربي وآداب الأغيار ونقد حركتنا الأدبية الحديثة ووجوه النقص فيها.
وقد جزأنا الكتاب إلى عشرة أجزاء كل جزء يقع في نيف ومائتي صفحة وقد شرعنا في
стр. 508
طبع الجزء الأول منه وجعلنا قيمة الاشتراك في كل جزء خمسة قروش مصرية تدفع مقدماً. أما بعد تمام الطبع فثمانية قروش فمن أحب أن يشترك في الكتاب فليرسل إلينا الخمسة قروش طوابع وستة ونحن نرسل إليه الوصل والله الموفق إلى السداد.
стр. 509
الحكمة المشرقية
كتاب ذو أسفار ثلاثة من أفضل الآثار الأدبية الأول حكم فتاحوتب الوزير والحكيم المصري القديم الثاني جولستان أو روضة الورد وهو ديوان أدب بديع لشاعر الفرس الكبير مصلح الدين سعدي الشيرازي الثالث كتاب تربية المرأة عند اليابان لفيلسوف ياباني - وقد عرب هذا الكتاب للبيان الأستاذ محمد لطفي جمعه وهو يباع بخمسة قروش صاغاً وأجرة البريد قرش واحد.
стр. 510
العدد ٩ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩١٢
стр. 511
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وسلام على عباده الذين اصطفى
أما بعد فهذا ما نستأنفه اليوم من السنة الثانية للبيان: نمضي فيه إن شاء الله على ما توخينا من قبل. ونأخذ له في ناحية عريضة من فسحة الأمل، ونستظهر بركن شديد من استعانة الله في التوفيق إلى العمل، ونصبر وإن كان الأمر شديد المزاولة، ونحاول وإن كان عسير الخطة في المحاولة، فقد أتت علينا السنة الأولى ونحن وكأنما نسند بها في حدود المستقبل لهذا الأدب العربي، ونشتد بالمدة القصيرة وراء الغاية المتطاول شأوها فلا نستمد راحة ولا نطمئن إلا خفض ولا نبالي ما أصابنا به من غرضنا البعيد، ملا ما ورد علينا إذا هو رد لنا شيئا مما نبتغي أن نفيد فانه ليست الآفة في خدمة هذه اللغة وآدابها وعلومها أن يلقى المتصدي لها من العنت والبلاء والجهد وأن يغشاه من ذلك ما يغشي ولكن الآفة كيف يذهب عنه أنه سيلقى النصب مما يعاني وهو إنما في قيامه بأمة ويخطو في سعيه بتاريخها. ومتى كان النهوض بالأمة هيناً والخطو بالتاريخ ليناً، فنحن أنشأنا (البيان) وشأنه في الأمل شأنه. وأرصدنا له نفساً مرة أمرها في العمل أمرها وكنا مستبصرين فيما سنلقى فكأنه قدم علينا قبل أن نقدم عليه وأعددنا للأمر عدته فلم ننكل حين أقدمنا، ولم نتأخر إذا تقدمنا، ولا نقول إننا جعلنا غايتنا رضي أحد فرضي أو تسخط وإنما كانت الغاية واجبا لأدب تعين علينا أداؤه، وديناً للغة كان حقاً علينا وفاؤه، فما انتهينا حيث بلغنا من ذلك حتى صرنا إلى منزلة من رضي أهل الفضل لم نكن نطمع فيما دونها وما برح الفضلاء برضاهم وثنائهم وارتياحهم منذ القدم كأنهم ثواب الفضيلة وجزاؤها وكأنهم الوفاء لها في هذه العاجلة يستحثون من همة الواني ويبعثون من عزيمة المخلد ويتلقون غرة المتقدم وهم أنفسهم الذين يضمنون بقاء الفضيلة للحياة ويضمنون للفضيلة بقاء الحياة فلست واحدا منهم إلا كل أروع نباض كأنه قلب من قلوب الدنيا في شرف نزعته، وكرم نحيزته. وإقباله عليك مضافراً، وانصرافك عنه ظافراً، ورؤيتك إياه على حال كالذي ينتظرك في كل غمرة تخوضها، ويقف لك عند كل صعبة تروضها، فهؤلاء كما علمت وإن منهم القوم الكرام الذين سلسلت بهم مطالب البيان من قرائه، وانفرجت بهم مذاهب من كتابه وشعرائه، فلم يحل عليه الحول إلا بالغا ما يضارع التقدير في كرمهم والثقة بالرجاء فيهم حتى أصبح والحمد لله كأنما كشف عن الأدب ليلا فكأن شمسه، ومد للغة يوماً كان يقال أنها لا تتجاوز أمسه، ورد
стр. 512
على الأسلوب الفصيح بقية دماء كان ينزل بها رمسه.
نقول هذا ولا نمتن وإن رفقنا، ولا نتكثر وإن صدقنا ولكن هي المحمدة للذين آزرونا وكانوا لنا فكنا بهم ونحن لا نرضى أن نشكرها لهم حتى نشيد بها ولا نرضى بالإشادة حتى نقدمها في صدر الكلام ولا نرضى بتقديمها دون أن ننزلها مع رضاهم في منزلة مذكورة، ونقرنها إلى فضلهم كما تقرن البسملة إلى كل سورة.
وبعد فقد علم القراء إننا فيما انتهجنا من خطة البيان إنما نرمي إلى غرض من تربية الأمة ليس لنا في البلوغ إليه أوثق من اللغة وآدابها فقد أصبنا الأمة متحللة من تاريخها منفصلة بحاضرها عن ماضيها ذاهبة في غير طريقها وكأنما قطع بها على هذا الضلال فهي تبرح مترقبة من تتبعه وان تبعته إلى الضياع والتلف. ورأينا من نشئنا من سدرت أبصارهم وسحر أعينهم زخرف الغرب ونسوا الله فأنساهم أنفسهم وكانوا على ذلك بيننا نحوطهم ونرعاهم وهم يرون أننا نحن بينهم وإنهم هم الأمة على قلتهم وتصدعهم ويعلم الله أنهم في ثوب الأمة رقع تترك فلا تروق، وتنزع فلا تكشف إلا عن خروق.
هؤلاء يحسبون إن بناء الأمم هندسة نظرية فكل ما قامت عليه مدنية الغرب فهو بعينه الذي يتسق به أمر الشرق وإلا حسبوه ما شاؤا وشاء لهم قصر النظر وضيق المضطرب فأباحوا ذماره وابتلوه بالكره وبرموا بأمره وأنفوا له ولأنفسهم منه ثم هم يرون أنه كما ينسلخ أحدهم من جلدته في الأمة تستطيع الأمة أن تنسلخ من جلدتها في التاريخ فإذا كانت لنا مدنية ولغة وآداب استطعنا إن نتبدل بها مما يحبون مدنية ولغة وآدابا ولا ضرر في ذلك علينا ولا ضرار فأولى لهذه الفئة وأولى لها.
ورأينا بإزاء نشئنا قوماً جمدوا على القديم فكانوا أقدم منه واستمسكوا بكل مالنا من تاريخ ومدينة وعادت حتى كأنهم بعض ما هجر من ذلك فلا يرون أن تأخذ الأمة شيأ إلا ما لا حفل به مما لا ينوع تاريخها ولا يبسط في لغتها ولا ينكر من أمرها كأنها مادة جامدة في الفضاء، وكأن البلى أمنها من البلاء، وأعفاها على الدهر من العفاء، والفريقان إنما أتيا من جهة واحدة وهي سوء التقدير فيما ينفع وما يضر فلا يستبطنون الأمر يغرهم ظاهره، ولا يكتنهون ما يسرهم أوله إذا كان يسوء غيره آخره، ولقد كان من ذلك أن الأمة لم تنتفع بكليهما لأن أحدهما يجهل أمرها على علم بما ينفع غيرها من الأمم والآخر يعلم أمرها
стр. 513
على جهل. فرأينا أن يكون البيان صلة بين الفريقين ليجمع في منفعة الأمة ما ترك الزمن من أدب وحكمة وما استحدث من علم وقوة ويصرف حب نشئها إليها بما يقفهم عليه من آدابها وما يكشف لهم من أسرار مدنيتها فهم إنما بهتوا لظنهم أنها أمة اختلست غفلة الأمم فكان أمر مدنيتها استطالة وتمكنا أو كأمر المستبد بإرادته إذ لا يجد إرادة تعارضها ولا عزيمة تقوم لها فحسبوا أن ما ذهب به الزمن من مجدها ذهب بحقيقته معه إذ لم تكن له في وهمهم حقيقة تجري على سنن الاجتماع وتصلح أن تكون في عصر العلم والفلسفة مما يلائم أرقى ما انتهى إليه العلم والفلسفة.
وذلك الذي أراده البيان منزع لعمري غير أنه بعيد الشقة كثير الغمرات وغير أننا ضمننا أطرافه ونحينا عن النفس في أمره الضجر والملل وسلكنا إليه في مذاهبه وطلبناه بمطالبه وما سنة البيان الخالية إلا مرحلة طويناها بين الأمة وبين قلوب نشئها وكهولها والله المستعان على ما نستقبل.
والقارئ إذا تدبر ما أسلفناه رأي أننا أحكمنا الأمر في اختيار أبواب البيان إذا جعلناها على الجهات الأربعة: اللغة والتاريخ والنقل والتعريب: فما خرج شيء من مجدنا ولا يعود إلا منها وهي أبواب تجمع بيننا وبين مدنيتنا الأدبية ثم تصل هذه بمدنيات الأمم.
(ونحن) قائلون كلمة موجزة في فضل هذه المذاهب الأربعة وشرفها على ما سراها ليعرف القوم لم آثرناها وحتى يكون القراء معنا جميعا على بينة مما نرمي إليه فإن ذلك مما يزكي عملنا وينميه إذ يجعل البيان لكل قارئ كأنه بيان للناس.
فأما اللغة فأصل الأمر فيها أن يديرها المتكلمون على محاكاتهم ويرموا بها إلى أغراضهم ويجعلوها من متناول الحس فإن هي وفت بحاجتهم اقتصروا عليها وإلا استبدلوا منها ذهبوا بها اشتقاقا وبحتا، ومسخا بحتا، لا يبالون ما نسبة حديث إلى قديم من ألفاظها وتراكيبها إذ القديم والحديث سواء عند الحاجة الحادثة إذا لم يبتغ بهما إلا التسبب إليها. ومن ثم كانت العامة وأشباه العامة آفة على اللغات في أخلاق جدتها وتصويح زهرتها والذهاب بما فيها من ماء ورونق حتى تصبح في أطراف الألسنة كزة كأنها مادة لا أثر فيها للفكر بل يلقيها ما تدل عليه من ضروب المادة وأنواعها التي يعبر عنها كما يلقى الإشارات على أصابع الخرس وإن هذه لتجئ أصدق وأوفى بالدلالة في أصل الوضع لأنها تشير إلى الحواس
стр. 514
والحواس لا تكاد تخطى فهم ما تدلها عليه. وقد رأينا من فتياننا الذين لبست العجمة ألسنتهم ما أن قليله ليستعظم في بلائه وشدته وسوء أثره في مدنيتنا الأدبية فهم لا يريدون أن يرجعوا بنا إلى الفصحى من العربية ولا أن يتناولوا من أساليبها ويأنفوا كذلك أن يخطوا بأقلامهم إلى العامية في أسواقها وطرقها بل ينحلون أنفسهم القدرة على خلق اللغات والمواضعة عليها وتيسير سبيلها في الإجتماع العربي ثم لا يتعدون هذا الطور من التأله الكاذب فلا ندري أشر أريد بنا وبهم حتى نزعوا ونزعنا واستجمع كلانا الأقاويل والحجج وافترقنا في سبل الألفاظ كأنا أمتان في أمة واحدة أم هم يمثلون اليوم في تاريخنا أولئك الغزاة الأجلاف الذين انصبوا على مدنيتنا وآدابنا من التتر وغير التتر فأحرقوا كتبنا وعفوا آثار علمائنا وتركوا في تاريخنا مكانا خربا لا يعمر صدعه الزمن كله فإن كان ذلك نتحا في عرف هؤلاء فاللهم أغلق بيننا وبينهم واللهم حوالينا ولا علينا. وإن كان جهلا ونزقا وتحمسا فقد جعلنا من أكبر همنا فيما نكتبه ونستكته في البيان أن نتبسط في الكلام على صلة العربية الفصحى بتاريخنا وقيام مدنيتنا بها وإننا إن نزلنا عنها أو فرطنا في إحيائها وإنمائها فقد تركنا معها أوثق رابطة جمعتنا وأمكن عروة لويت علينا وألنا بانحلالنا ما عجزت الأمم عن الأنته تحت أضراسنا وبين أنيابها حتى قطعنا دهرا من التاريخ الاستعماري في الشرق ونحن نتردد بين الأضراس واللهوات كلما كلت الأولى عن طحننا ونبت عنا دفعتنا إلى الأخرى لتزدردنا جملة واحدة وتعي هذه بازدرادنا وتضيق عنا فنردنا إلى تلك ونحن علي ذلك نحن سيرة بعد سيرة لا يمسكنا إلا لغة نجمعنا بأرقى ما في الدين من الكمال، ودين يجمعنا بأرقى ما في الدنيا من معاني الاستقلال.
وأما التاريخ فهو يتلو اللغة عندنا إذ هو في الحقيقة لغة الحياة الصامتة التي طوى الدهر أشخاصها ولذا كان بديها أن لا تفرط أمة في لغتها إلا فرطت في تاريخها وإن ذلك ليضعفها بما يشبه العبودية وإن لم يتعبدها أحد فترى لها حاضرا لا تنتفع به كأنه ليس لها، وماضيا لا تتصل إليه وكأنه ليس لها، ومستقبلا لا تحفل به فكأنه على هذا القياس ليس لها.
وما بلغت أمة من الذل ما تبلغ هذه الأمة الخيالية التي تنكشف عن ملاجئها المنيعة لتتحصن بالعراء، وتسير في سبيل الحياة ثابتة. . . وهي تجهل ما أمام وما وراء.
من أجل ذلك عنينا بالقول في تاريخ الإسلام وفلسفته وما يداخله من علل الإجتماع ويتصل
стр. 515
به من أسباب العمران ويجتمع إليه من سن الحياة ثم ما نصعب على هذا التاريخ من أحوال الأمم وما تسمح له من قيادها وبالجملة كل ما يصور هذه الحياة الصامتة بأجزائها وألوانها حتى تنطق أو نفهم عنها كأنها تنطق.
وأما النقل فهو مما نعزز به اللغة والتاريخ لأننا قصرنا ذلك على الطرفة الممتعة من الأدب والأسلوب الرائع من الكلام والنادرة الفذة من التاريخ وما يكون من مثلها مما لا يذو مناله إلا الذي باع، ولا يتحصل إلا بعد التوفر على الاطلاع.
وإن لنا في ذلك غرضا هو أكبر الغرضين وأوفاهما بالفائدة نتذرع به من أحياء آثار العقول إلى أحياء العقول نفسها فإن أمة لم يستفتح كل جيل من تاريخها بأسماء رجالها ونوابغها حتى يظلوا فيها أحياء بآثارهم وكأنهم لم يخرجوا من الدنيا إلا ليتجردوا من المادة الفانية وليعودوا إليها عقولا خالدة - هي أمة لا تنبغ فيها العقول إلا نبوغ الإصطلاح الذي تقضي به ضرورة الاجتماع.
وما من جماعة وإن كانوا من عصارة الزنج إلا وأنت واجد منهم النبوغ الاصطلاحي ولو بالعادات والخرافات والعضلات والأنياب والأظفار ونحوها مما تعده الجماعة من مقومات الحياة.
ولولا أن طائفة من حكمائنا وأهل الإصلاح فينا عملت على نشر الكتب القيمة مما تركه أسلافنا لما تخطينا في الأدب ذلك الطور الإصلاحي الذي وقف عنده تاريخنا ولبقينا حيث كنا من قبل نستنفد أيامنا في غير درك ونضيع أنفاس الحياة فيما لا حياة فيه.
(وأما التعريب) والنقل عن اللغات الأجنبية فإننا أردنا به إتمام عملنا إذ لا نزعم إننا أباء الأرض ولا أبناء السماء إنما نحن امة من الأمم تستمد من التاريخ الإنساني لتعمير مكانها من هذا التاريخ، فنحن في أشد الحاجة إلى مبدعات العقول حتى نشا به الأمم التي تطيف بنا في كل ما يجعلنا امة وحتى نجانسها في تاريخ الاجتماع جناسا لا تاما ولا مقلوبا فإن كليهما شر على استقلال الأمة من الأخر. وإنما نريد الجناس المعنوي الذي يشبه عند الترجيح مكافأة قوة لقوة أخرى.
والأمم في منازعة الحياة كالجيوش إن لم تكن في كل جيش قوته الذاتية لم ينفعه ما يقتبسه من أساليب استعمال القوة عن الجيوش الأخرى فكل ما أنتجت العقول الغربية هو عندنا في
стр. 516
الرتبة بعد لغتنا وتاريخنا وأدبنا فإذا نحن استكملنا هذه وأحطنا بها وأمنا جانب التفريط فيها لم يكن شئ انفع عندنا مما نقتبسه من تلك العقول لأننا نأخذ حينئذ لنمكن أنفسنا من القوة التي استعنا بها لا لنمكنها من أنفسنا.
وإذا انعم القراء على تأمل ما بسطناه أدركوا السر الذي من اجله يؤثر البيان كل أسلوب فصيح ويقدمه ويحرص عليه الحرص كله ولا يبالي فيه اعتراض فئة هي خاصة العوام وعامة الخواص فإننا نطلع من اقر الأمر على ما في أبعده ولم نبتغ بهذا البيان إن يكون وسيلة من وسائل العيش التي لا يقدرها أهلها بالأسباب ولا بالنتائج ولا بالمنافع ولا بالمضار ولكن بشئ واحد وهو مقدار الثمن والفائدة. . . .
ولو كنا نجري في أمرنا على الهواء دون الرأي وعلى الموافقة دون التقدير وعلى منفعتنا دون منفعة الأمة لأثرنا أهواء القوم وتقدمناهم بالمواتاة عليها والمساعدة فيها وابتذلنا لغة البيان وأساليبه وعادينا في مودتهم الأدب واتقينا موجدتهم بتقدير أمورنا على مقادير (كيماوية). . . من رضاهم وسخطهم وإقبالهم وإدبارهم ولاعتبرنا كلمة الثناء من أحدهم البيان بمستقبل الأمة كلها. . . . . . .!
بيد إن الأمر جد حقيق إن لا يسمع من هذا السخف كثيرا ولا قليلاً، وحق بين لا يحتمل من الباطل برهانا ولا دليلاً، وإنما هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا.
عبد الرحمن البرقوقي
стр. 517
حضارة العرب في الأندلس
الرسالة الأولى من الإسكندرية إلى المرية
(تلخيص واستدراك)
نشرنا من هذه الرسالة في السنة الأولى من البيان نبذة هذا تلخيصها: قام الرحالة من الإسكندرية بنية الوفود إلى الأندلس سنة ٣٤٥ للهجرة في مركب كبير لأمير الأندلس عبد الرحمن الناصر وكان هذا المركب قد قام من الأندلس إلى المشرق ببضائع للأمير بنية بيعها في ثغور المشرق والاستعاضة عنها ببضائع مشرقية فلما مر بالإسكندرية نزل فيه الرحالة ووجد به كثيرا من أهل المشرق يريدون الوفود إلى الأندلس ومن بينهم أبو علي القالي صاحب الامالي وابن حوقل وفضل المدينة المغنية وناس آخرون ثم اقلع المركب ومر في طريقه إلى الأندلس باقريطش كريد وهنا وصف الرحالة هذه الجزيرة بما يناسب حالها في ذلك العصر ثم قام المركب من اقريطش أخذا سمته إلى جزيرة صقلية ولما قارب الجزيرة لمح الرحالة أسطولا كبيرا على وجه الماء يغدو ويروح في بحر هذه الجزيرة وكان هذا الأسطول للعبيديين أصحاب صقلية ثم دخل المركب مجاز مسيني الواقع بين صقلية وبين قلورية كلابره جنوب ايطالية من بر الأرض الكبير أوربة وما زال حتى ارسي على مدينة مسيني وهنا أخذنا في وصف جزيرة صقلية وتقويمها وتاريخها - ولكن فاتنا إن نرسي بالمركب أولا على مدينة ريو الايطالية (رجيو) المقابلة لمدينة مسيني حتى يشاهد الرحلة عز العرب بها وبعد ذلك يعبر المجاز إلى مسيني ويتنقل بين بلدان جزيرة صقلية إلى إن ينتهي به التطواف إلى مدينة بلرم قصبة هذه الجزيرة ثم ينزل منها في مركب قادم من القسطنطينية بهدايا من قبل ملك الروم إلى عبد الرحمن الناصر - وذلك لان الرحلة علم أن أسطول المعز لدين الله الفاطمي يتأثر مركب الناصر أخذا بثأره إذا اعتدى هذا المركب الأندلسي وهو ذاهب إلى المشرق على مركب للمعز كما سيمر بك - فليفرض القارئ أن المركب الآن سائر في مجار مسيني ولم يرس على بلد بعد ومن هنا نستأنف القول في الرحلة - قال الرحالة. بعد إن وصف هذا المجاز بقوله - فرأينا بحرا صعبا ينصب انصباب العرم ويغلي غليان المرجل الخ الخ - إلى أن قال:
ثم تداركنا صنع الله مع السحر ففترت الريح ولان متن البحر وجاءت ريح رخاء زجت
стр. 518
المركب تزجيه حسنة إلى مدينة ريو وكان ذلك في فجر اليوم التاسع ليوم انفصالنا عن الإسكندرية وما ارسي المركب على هذه المدينة حتى اقلع عنها كيلا يحسه أسطول العبيدين ويثأر منه وذلك فيما علمت أن المركب الأندلسي تحرش وهو ذاهب إلى بلاد المشرق بمركب للمعز معه كتب ورسائل فقطع عليه المركب الأندلسي وأخذه بما فيه - فتملكنا الذعر لذلك الخبر ونزت قلوبنا خوفا على أنفسنا ومن ثم اعتزمت إن انزل من هذا المركب على اقرب بلد يرسي عليه وكذلك نزلت منه عند إرسائه على هذه المدينة وحمدت الله الذي لا يحمد على المحبوب والمكروه سواه.
بيد إني ما انفصلت عن المركب حتى انفصل عني قلبي وسار مع من فيه وأصبحت المعني بقول القائل:
هواي مع الركب اليمانيين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق
ذاك انفصالي عن فضل المدينة التي هي مراد السمع ومرتع النفس وربيع القلب ومجال الهوى ومسلاة الكئيب وانس الوحيد وزاد الراكب ولا بدع فهناك الجمال الرائع، والظرف البارع، والشباب البض، والأدب الغض، ورقة الحاشية، وخفة الناحية، وعذوبة المعاشرة، وحلاوة المحاضرة.
وحديتها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
أن طالما لم يملل وأن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز
شرك العقول ونزهة ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز
فكأن لفظ حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا
وكأن تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا
حوراء إن نظرت إليك سقتك بالعينين خمرا
تنسى الغوا معاده ... وتكون للحكماء ذكرا
وما أنس من الأشياء لا أنس صوتها العذب الذي كأنه مجاج النحل وغناءها الحبيب إلى النفوس حتى كأنه ذوب جميع القلوب وقد كان يخيل إلينا وهي تغنينا في المركب أنا في الفردوس يطربنا نبي الله داود. وأين لا أين مزهرها الذي كانت إذا تناولته تضرب على أوتاره فكأنما تنتظم قلوبنا لتقرع أوتارها. فآه من جمالها وآه من غنائها وآه من عودها.
стр. 519
ولكن نزلت ريو وفارقتني فضل، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
يا وحشتنا للغريب في البلد النازح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا
يقول في نأيه وغربته ... عدل من الله كل ما صنعا
وهذه ريو هي مدينة عظيمة من مدائن جزيرة قلورية من بر الأرض الكبيرة واقعة على مجاز مسيني بينها وبين مسيني نحو من عشرة أميال وبها مسجد كبير بناه في وسطها أبو الغنائم الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي وإلى صقلية كان من قبل المنصور العبيدي بعد أن اكتسح بلاد قلورية جميعا وتغلغل في أحشائها وشيد بها المعاقل والحصون وأرغم أنوف أهليها من الروم وذلك فيما بلغني أن الأنبرور صاحب القسطنطينية كان قد أرسل ستة تسع وثلاثين وثلاثمائة للهجرة بطريقا في البحر في جيش كثير إلى جزيرة صقلية فأرسل الحسن إلى المنصور العبيدي يعرفه الحال فأرسل إليه أسطولا فيه سبعة آلاف فارس وثلاثة آلاف راجل سوي البحرية وجمع الحسن إليهم جمعا كثيرا وسار من بلرم قصبة صقلية في البر والبحر فوصل إلى مسيني وعبرت العساكر الإسلامية إلى ريو هذه وبث الحسن سراياه في أرض قلورية ونزل على بلد يسمى جراجة وحاصرها أشد حصار حتى أشرف أهلوها على الهلاك من شدة العطش وأنه لفي ذلك إذ وصله الخبر أن الروم قد زحفوا إليه فصالح أهل جراجة على مال أخذه منهم وسار إلى لقاء الروم ففروا من غير حرب إلى مدينة تدعى بارة ونزل الحسن على قلعة تعرف بقلعة قسانة وبث سراياه إلى قلورية وأقام عليها شهرا فسألوه الصلح فصالحهم على مال أخذه منهم ودخل الشتاء فرجع الجيش إلى مسيني وشتى الأسطول بها فأرسل إليه المصور يأمره بالرجوع إلى قلورية فسار الحسن وعبر المجاز إلى جراجة فالتقى المسلمون والروم يوم عرفة سنة أربعين وثلاثمائة فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس فانهزمت الروم وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل وغنموا أثقالهم وسلاحهم وذوابهم ثم دخلت سنة إحدى وأربعين فقصد الحسن جراجة فحصرها فأرسل إليه الأنبرور يطلب منه الهدنة فهادنه وعاد الحسن إلى ريو وبني بها مسجدا كبيرا في وسطها وشرط على الروم أنهم لا يمنعون المسلمين من عمارته وإقامة الصلاة فيه والأذان وأن لا يدخله نصراني ومن دخله من الأسارى المسلمين فهو آمن سواء
стр. 520
كان مرتدا أو مقيما على دينه وإن أخرجوا حجرا منه هدمت كنائسهم كلها بصقلية وأفريقية فوفى الروم بهذه الشروط كلها ذلة وصغارا.
أما قنورية فهي جزيرة كبيرة داخلة في البحر مستطيلة شرقي جزيرة صقلية وأهلها إفرنج ولها بلاد كثيرة وأرض واسعة ينسب إليها فيما أحسب أبو العباس القلورى حدث عنه أبو داود السجستاني في سننه، وقد غزى المسلمون أزمان بني الأغلب هذه الجزيرة وأرض أنكبردة وأمعنوا فيهما واستولوا على مدينة بارة الواقعة على جون البنادقيين أيام قارله أنبرور الفرنج وكذلك استولوا على مدينة طارنت من أرض أكنبردة ومدينة ملف وقلعة قسانة وبلدانا أخرى وقرعوا أبواب رومة العظيمة، وغنموا منها غنائم لا يستقام لها قيمة، وضربوا الجزية على البابا عظيم النصرانية - وذلك عدا أنهم فتحوا مدينة جنوة الواقعة على خليج الجنويين وأكثر جزائر هذا البحر الرومي - وجملة القول أن المسلمينا انحنوا في بلاد الأرض الكبيرة والحوافى قهرها، وغلبوا أممها على أمرها، وضربت أساطيلهم بجزائر هذا البحر ضراء الضياغم بفرائسها، وأديل لهم بها على أملاكها وأناسها، وذلك كله بما قوى عزائهم من الحق واليقين، وألف بين قلوبهم من وشائج هذا الدين، وبما ألجأتهم إليه الحال، وامتلاكهم لسيف هذا البحر الجم الأهوال، مما أحكمهم وأشفهم بحبه، وجعل لهم دربة بركوبه وحربه، وأغراهم بإنشاء الأساطيل فيه ينقضون بها على جزائره التي يخطئها العد والإحصاء، وعلى عدوته الشمالية وهي أمنع من العقاب في أجواز الفضاء، وعلى أهلها من أمم فرنجة وهي أعز وأبعد منالا، وإن كان للمسلمين.
شرف ينطح السماك بروقيه ... وعز يقلقل الأجبالا
وهم البحر ذو الغوارب إلا ... أنه صار عند بحرك آلا
وقد كان المسلمون في الصدر الأول يتحاشون ركوب البحر حتى كان من عمر بن الخطاب لما كتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر يستوصفه البحر فكتب إليه عمرو فيما كتب أن البحر خلق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود - أن أوعز بمنع المسلمين من ركوبه فتحرجوا منه وعبروا على ذلك حينا من الدهر حتى إذا كان لعهد معاوية أذن في ركوب أثباجه، والجهاد على متون أمواجه - وذلك لأن العرب لبداوتهم لم يكن لهم مران عليه وحذق بركوبه بينما الروم والفرنجة لممارستهم أحواله ومرباهم في التقلب على
стр. 521
أعواده للحرب والاتجار مرنوا عليه وأحكموا الدربة بثقافته والحزب في أساطيله حتى كان من ذلك أن أغار الروم من العدوة الشمالية على إفريقية من العدوة الجنوبية والقوط على المغرب منها أجازوا في الأساطيل وملكوها وتغلبوا على البربر بها وانتزعوا من أيديهم أمرها وكان لهم بها المدن الحافلة مثل قرطاجنة وطنجة وكان صاحب قرطاجنة من قبلهم يحارب صاحب رومه ويبعث الأساطيل لحربه مشحونة بالعساكر والعدد - فكان ذلك ديدن أهل هذا البحر الساكنين حفافيه في القديم والحديث - فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم وصارت أمم الأعاجم خولا لهم وتحت أيديهم ومت إليهم كل ذي صنعة بمبلغ صناعته واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمما وتكررت ممارستهم للبحر وثقافته شرهوا إلى الجهاد فيه فأنشؤا السفن والأساطيل وشحنوها بالرجال والسلاح وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من هذه الأمم الحمراء واختصوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ما كان أقرب لهذا البحر وعلى حافته مثل الشأم وإفريقية والمغرب والأندلس فأوعز عبد الملك بن مروان إلى حسان بن النعمان عامل إفريقية باتخاذ دار الصناعة بتونس لإنشاء الآلات البحرية حرصا على مراسم الجهاد ومنها كان فتح صقلية أيام زيادة الله بن الأغلب كما سيمر بك ثم تسلسل الأمر حتى بلغ شان الأساطيل عند العبيديين أصحاب إفريقية فيما سمعت ورأيت وعند بني أمية بالأندلس كما شاهدت هنا في المرية مبلغا غلبوا معه على هذا البحر من جميع جوانبه وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه وصار لا قبل لأمم النصرانية بأساطيلهم به وملكوا سائر الجزائر المنقطعة عن السواحل منه مثل أقريطش وصقلية وقبرص ومالطة وقوصرة وسردانية وميورقة ومنورقة ويابسة كما سيمر بك إن شاء الله.
وقد كان أجل عناية العبيديين وبني أمية بشأن الأساطيل وتفوقهم في ذلك على سائر الممالك الإسلامية للسبب الذي قدمناه وهو وجودهم على ضفاف هذا البحر - أن انبعثت قرائح الشعراء في الأندلس وإفريقية بالقول في وصف الأساطيل واختص أدباء هذين القطرين بهذا الباب من الوصف حتى تكاد لا تجد لشعراء المشرق يدا فيه - ومن أحسن ما سمعناه لشعراء المغرب في الأسطول دالية أبي القاسم محمد بن هانئ الشاعر الأندلسي المنقطع الآن للمعز العبيدي وقد تقدمت في صدر هذه الرسالة. وبائية علي بن محمد الأيادي
стр. 522
التونسي شاعر القائم العبيدي وهي أبيات أسمعنيها بعض أدباء المرية ها وفيها يقول:
شرجوا جوانبه مجاذف أتعبت ... شأو الرياح لها ولما تتعب
تنصاع من كثب كما نفر القطا ... طورا وتجتمع اجتماع الربرب
والبحر يجمع بينها فكأنه ... ليل يقرب عقربا من عقرب
وعلى كواكبها أسود خلافة ... تختال في عدد السلاح المذهب
فكأنما البحر استعار بزيهم ... ثوب الجمال من الربيع المعجب
ومنها في وصف الشاعر:
ولها جناح يستعار يطيرها ... طوع الرياح كراحة المتطرب
يعلو بها حدب العباب مطاره ... في كل لج زاخر مغلوب
يسموا بأجرد في الهواء متوج ... عريان منسوج الذؤابة شوذب
يتنزل الملاح منه ذؤابة ... لو رام يركبها القطا لم يركب
فكأنما رام استراقة نقعد ... للسمع إلا أنه لم يشهب
وكأنما جن إبن داود هم ... ركبوا جوانبها بأعنف مركب
سجروا جواحم نارها فتقاذفوا ... منها بألسن مارج متلهب
من كل مسجور الحريق إذا إنبرى ... من سجنه انصلت انصلات الكواكب
عريان يقذفه الدخان كأنه ... صبح يكر على الظلام الغيهب
إلى أن قال:
ولواحق مثل الأهلة جنح ... لحق المطالب فأئتات المهرب
يذهبن فيما بينهن لطافة ... ويجئن فعل الطائر المتقلب
كنضانض الحيات رحن لواعبها ... حتى يقعن ببرك ماء الميزب
وبعد فإن لشعراء المغرب من بارع القصيد في هذا الباب مالا يحي كثرة وما ينم عن عظمة الأساطيل عند الدول الإسلامية وبلوغها لديهم الشأو الذي لا يلحق حتى وصول المسلمون إلى ما وصلوا إليه الآن من الصولة واتساخ الملك وضخامة السلطان.
ومن هنا تعرف مكان الأساطيل من الدول ولاسيما دول البحار مثل الدول الإسلامية لعهدنا وأن الأسطول هو سياج الدولة وعمادها، وبه عزها وعليه بعد الله اعتمادها، بل هو درعها
стр. 523
المسردة التي تتقي بها سهام الأعداء وتحول، وسلاحها الذي تطول به في البحر وتصول، وجناحها الذي تطير به في سماء المجد وتجول، وأن دولة لم تعنى العناية كلها بالأساطيل، وترسلها على متن هذا البحر طيرا أبابيل، فهي لعمري دولة مقصوصة الجناح، وكالأعزل يقتحم الهيجاء بغير سلاح.
وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير كف لم تؤيد بقائم.
стр. 524
الحرب
الإنسان أعرف بالحرب من أن يعرّفها، وأخبر باهو إلهاً من أن يبغض فيها، وهو لا يخوض غمراتها ويقتحم حوماتها لاستثمار العاطفة غير مختار العقل والحرب عريقة في الطبع عراقة الحياة. فأنها شبت من يوم تعدد الطالبون لمطلوب غير محدد، واختلف غرضان في سبيل واحدة. بل إنها لأقدم من ذلك. فأنها نشأت بين ضواري الغبراء، وكواسر، الهواء وسوابح الماء، وشجرت بين الوحش والإنسان زمانا قبل أن تشجر بين الإنسان والإنسان، بل لقد وجدت حيث لا يوجد حس ولا حياة، وظهرت بين النبات كما ظهرت بين الأحياء.
وهي مع قدمها وكونها غير شاذة عن الطبع ولا غريبة عنه، لا يزال الناس يختلفون في لزومها وعدم لزومها ويجادلون في نفعها أو ضررها وهل هي مشروعة سائغة أو أنها محض قوة غاشمة ظالمة.
وترى أنصارها يعتمدون على أنها مظهر من مظاهر تنازع البقاء وأن النوع البشري كالشجر يحتاج إلى التشذيب آناً بعد آن وإلا نما عدده وملأت شعاب الأرض شعبه، وأنها فوق ذلك مرتزق الألوف من الجنود والصناع وتجار المعادن والمناجم. وأنها تهز أريحية النفس وتشب فيها النخوة وفضيلة المفاداة بالحياة. ثم يقولون أنها قوام روح العصبية في الأمة ومساك النعرة القومية، وأن مجد كل أمة إنما هو في ذكرى حروبها وتاريخ غاراتها، ولولا ذكرى هذا المجد لخملت روح الأمم وأنبتت الوشائج بين ماضيها وحاضرها.
ولعل هذا القول الأخير أقوى ما يعتمدون عليه وأشبه بالصدق والصواب. فإن الصبية في الأمة لازمة لزوم الشخصية للفرد. والأمة لا عصبية لها صغيرة في عيني نفسها. ذليلة بين جاراتها. سريعة الاستكانة إلى الحكم الأجنبي. ومتى كانت الأمة منحلة العصبية فأحرى أن لا تكون لها تجارة خاصة بها. أو صناعة تنتمي إليها. أو يكون لها تاريخ تعتز به. وكرامة تغار عليها. وفقد العصبية في الأمة إنما هو إحساس منها بالضعف والجور واعتراف منها بالتخلف عن سواها في فضائل الجنسية والقومية. ولا ينتاب هذا الضعف إلا أمماً توالى عليها الحكم الأجنبي. وألفت أن لا تري من أبنائها حاكماً تكبره أو عظيماً تلتف حوله. فيصبح كل ما هو من جنسها صغيراً لديها وكل ما هو غريب عنها موقراً مرغوباً فيه.
وقد استعان زعماء السياسة وأئمة النهضات الاجتماعية بهذه الفضيلة على نشر دعوتهم
стр. 525
وحفز الأمم إلى أغراضهم. ولو بحثت عن سر قيام الدعوات الدينية لما وجدت إلا أنه اعتقاد راسخ في قلوب أتباعها بأنهم على الهدي وأن كل من خالفهم على الضلالة وأنهم وحدهم أولو الحظوة عند الله. وأما من عداهم فمطر ودون من ملكوته. محرومون من رضوانه.
بيد أن لهذه الفضيلة شططاً يضحك أحياناً وقد يفضي بها أهلها إلى حد المغالاة. فإنك لا تعلم كيف ألقى في روع الإنكليزي مثلاً أنه أرقى الناس أخلاقاً وأسماهم محتداً وأنبلهم سجية. ولا كيف يعتقد الفرنسي أنه خير من كل ألماني. أو كيف أن الألماني يري الفضائل كلها مجتمعة فيه وأن ما عند سائر الأمم منها فضلة كالصبابة في الكأس. على أنها مغالاة تحتمل إلى جانب ما للعصبية من النفع. وقد ينتهي ضيق هذه العاطفة إلى السعة. ويؤول أمرها إلى التسامح لاسيما في هذا العصر الذي كثر فيه تواصل الأجناس المختلفة.
ووقف أبناء كل أمة على مزايا الأمم الأخرى ونقائضها. كما تؤول أثرة الجهول إلى شعور نبيل بالكرامة الذاتية. متى هذبها العلم وصقلتها الخبرة.
فإن كانت الحرب كما يقولون مبعث هذه العصبية فمرحباً بالحرب وأهلاً. وإن لم تكن إلا الحرب وسيلة إلى إحياء روحها وتماسك أجزائها فالحرب قوت لا غنى للأمم عنه. ولا قوام لها إلا به.
ولكن ما أبعد هذا القول عن الحقيقة. فإن لدينا ألف وسيلة إلى حفظ العصبية قد لا تكون عصبية الحرب إلا أوهاها سبباً وأوهنها أثراً. وإلا فما هي عناصر العصبية الحربية؟؟ أليست هي اعتداد بأحكام التسديد ووفرة الذخائر؟؟ وفخراً بكثرة الجنود ومضاء الأسلحة؟؟ وما هي الشجاعة العسكرية؟؟ أليست هي أقدام الأعمى على الهاوية؟؟ أو ليس المسوق مخفوراً إلى ساحة الإعدام، أشبه في شجاعته بمن يساق مرغماً إلى ساحة القتال؟؟ بل ما قيمة مفاداة الجندي بنفسه، إذا لم تكن له يد في اختيار الغرض الذي يفادي نفسه من أجله؟؟ بل ما أشبه الجندي في هذه الحال بالجلاد الذي يقتل كل من يقدمونه إليه ولا يعنيه إن كان مجرماً أو بريئاً، أو كان القاضي عادلاً في حكمه عليه أو جائراً؟؟
إن للأمم مندوحة عن هذه العصبية الشوهاء، بعصبية الأدب السمحاء. فإن في كل أمة رجالاً رفعوا منار ذكائها وزانوا تاريخها بمثل ما تزين السماء نيرانها. فإذا فاخر الإنكليزي
стр. 526
بشكسبير، تباهى الألماني بجيتى وتاه الإيطالي بدانتي وازدهى الفرنسي بهوجو. ولقد تردد حول هذه الأسماء صدي متتابع الدوي، وعلا صريف الأقلام بذكرهم، واشتغل بال الأمم بأقوالهم، فدل ذلك على أن سيرة هؤلاء الأبطال ضمينة بأن تملأ حيز العصبية من أذهان الناس، وأنهم أقدر على توجيه الأنظار إليهم من أمثال كروميل وفردريك العظيم وغريبالدي ونابليون، وهي عصبية لا تثير في ذاكرة الشعوب ضغينة ثأر أو حزازة انتقام، وإنما هي آصرة تؤلف بين قلوبهم. وتأخذ بأيدهم إلى التصافح، وبنفوسهم إلى التآخي والتسامح. وتقودهم لا إلى ساحة القتال. ولكن إلى باحة المودة والسلام.
وهذه العصبية وما شابهها من العصبيات الاقتصادية أو العلمية. هي الجديرة دون سواها بهذا الجيل. فقد مضى زمان الأمم الفاتحة، وليس في العالم ليومنا هذا أمة تريد أن تنجب مثل يوليوس قيصر أو نابليون بونابرت أو محمد الفاتح أو طارق بن زياد لأنها في غنى عنهم ولا نفع لها من أمثالهم. إن اليوم الذي تهيء له دول أوربا ما تهيء من آلات الفناء والموت، لن تشرق له شمس. وما على المدنية أن ترهب اليوم لإلا جيشاً واحداً هو جيش الرياء والنفاق الذي تمكن من الطباع والأخلاق وليست بها حاجة إلى شجاعة غير الجرأة في الرأي والصبر على الشدة وآلام النفس، فنحن في حرب مع الرذيلة دونها كل حرب فتكاً وهولاً. وليست هذه الحروب الدموية إلا دخان تلك الحرب المستطير شررها في أعماق نفوسنا. والباسل الباسل من وفق بين سيرته وسريرته ورفع راية السلام بين لسانه وضميره، فإن كانت الحرب تثير نخوة الوحشية والقسوة، فهذه الحرب تبعث في الضمير نخوة الإنسانية والمروءة.
أقدر في حكم الحقيقة وأنفع، وأعلا في معارج الفضيلة وأرفع، رجل يتجرع غصص العذاب في سبيل رأيه، ويتجاوز عن راحته فيما يعتقد أنه الحق والعدل. فإن الصبر على جرح في النفس أدل على قوة الرجل من صبره على جرح في الجسد، وإن دابة المركبة لتحتمل من الجراح ما ينوء ببعضه أجلد الناس وإن كان هرقلاً ثانياً.
يقول أنصار الحرب: وماذا نصنع بالألوف المؤلفة ممن لا مرتزق لهم إلا من الحرب أو من صنع أدواتها وآلاتها؟؟
نقول إذا لم يبق من مسوغات الحرب إلا هذا فاصنعوا بهم ما أنتم صانعون بتجار
стр. 527
المحظورات أو بالطرارين واللصوص ومزيفي النقود وأصحاب الاحتيال ومن لا معاش لهم إلا من الفسوق أو الإغراء عليه! أتراكم تحملون القانون على إباحة الجرائم لأن طائفة من الناس لا مرتزق لهم إلا منها ولا معاش لأولادهم ونسائهم إلا بمزاولتها؟؟
بل نقول لهم: اصنعوا بهم ما أنتم صانعون بالأيامى والأيتام ممن تقتل الحروب عائليهم وتتركهم عالة على المجتمع!! وما أنتم صانعون بالعمال والزراع الذين تعطل عليهم الحرب مرافقهم وتمسك عنهم القوت والنفقة. وربما كان هؤلاء أكثر عديداً ممن يشتغلون بصناعة السلاح وحمله.
على أن الدنيا لا تضيق لا بهؤلاء ولا بأولئك. والموارد الاقتصادية كالشجرة، كلما انقطع منها فرع نبت فرع في مكانه، وقد كان استخدام البخار سبباً في ابتداع آلات تعمل الواحدة منها عمل المئات والألوف من الصناع، فما أغنت هذه الآلات عن الصناع ولكنها زادت الحاجة إليهم. فأصبح عددهم اليوم أضعاف ما كان قبل استخدام البخار. وإذا عرفنا أن الجنود إنما يؤخذ أكثرهم من الفلاحين وأنهم يعودون إلى فلاحة الأرض بعد صرفهم من الجيش، وجدنا لنا مخلصاً من الحيرة في أمر معاشهم، ورأيناهم في غنى عن شفقة أنصار الحرب واهتمامهم.
ولكن أليست الحرب ظاهرة طبيعية كما قالوا؟؟ أليست هي غربالاً يتنخل اللباب فيحفظه ويحجز الحثالة فينبذها؟؟ وهل هي إلا تلاحم بين القوي والضعيف، يظهر فيه القوي الصالح ويتلاشى الضعيف الفاسد؟؟
نقول هذا كلام شبيه بالحق ولكنه كذب. فلقد كانت الحرب طبيعية عادلة في زمن من الأزمان ولكنها فقدت معنى العدل في هذا الزمان.
كانت عدلاً أيام كان أصلح الأمم للبقاء أمضاهن سلاحاً وأكبرهن جنداً وأمنعهن حمى، أما اليوم فالصلاح للبقاء شيء غير المهارة في القتال والانتخاب الطبيعي يأخذ مجراه دون أن تقوم دولة على أنقاض دولة، أو تتقمص أمة فتية روح أمة بائدة، ولو أن روسيا أغارت غداً على سويسرا مثلاً لقهرتها وأفنتها، ولكن أيهما أوفق للوجود شعبه ومن منهما أنفع في أرضه بقاؤه؟؟
فالحرب اليوم ليست محكاً يظهر منه النفيس من الخسيس. ولكنها ميزان يرجح فيه أثقل
стр. 528
الكفتين جرماً وأكبرهما حجماً. وليس هذا من العدل في شيء ولكنه تنازع اصطناعي لا عمل للطبيعة فيه إلا من بعض جهاته.
ولكن هناك نفراً من الفلاسفة ملكته الرأفة بهذا النوع المسكين.
فأشفقوا أن يربو عدده وينمو نسله. فتضيق به وسائل الرزق ويفضي به الضيق إلى الموت جوعاً. فهم لا يرون في الحرب بأساً. بل هي في مذهبهم لازمة لتقليم النوع أولاً فأولاً. وهم يرحبون بكل ما ينقص هذا النوع ويقلل ذريته. ولا أدري لم لا يرحبون بالأوبئة والطواعين؟؟ ومالهم لا يجذمون أيدي الأطباء الخبثاء الذين ينقذون الناس من الهلاك. كان هؤلاء الأطباء يتركونهم ليموتوا صبراً يوم تعم المجاعة ويبعد الزاد من هذه الدار؟؟!!
بل لقد تمادت الرحمة بهؤلاء الفلاسفة الأبرار. فأشار فريق منهم بخصاء الذكران من العالمين. وأشار فريق سواد بقتل الضعفاء. وقال فريق ثالث بل نوصيهم بالاقتصاد في النسل ونعين لكل عائلة عدداً من الأولاد لا تتجاوزه. إلى آخر ما قالوا.
ظهر مالثوس صاحب هذا المذهب في القرن الثامن عشر فطفق يجمع ويطرح.
ويضرب ويقسم. ويحسب نتاج الأرض في الأجيال المقبلة كأنه خازن أرزاق الله.
ويحصي ما تحمله بطون الغيب من الأجنة. كأنه كاتب عالم الذر. فهداه حسابه إلى أن النسل يتضاعف كل خمس وعشرين سنة. وأن ثروة الأرض لا تزيد في هذه المدة إلا مرة واحدة. أي أنها تنمو على نسبة حسابية مطردة. فظهر له من هذا الإحصاء أن نسبة السكان إلى الثروة ستكون بعد ثلاثة قرون كنسبة ٤٠٩٦ إلى١٣. فأنذر بالويل والخراب. وصاح بالناس لا تناكحوا ولا تناسلوا إلا بحساب. ولقد مضى نصف هذه القرون الثلاثة تقريباً. ولم تجذب الأرض ولا ضاقت بساكنيها. ونحن نورد هنا ما قاله هنري جورج في كتابه التقدم والفقر رداً على رأي مالثوس هذا. قال:
إذا أردنا أن نتخذ لنا مثالاً من أسرة متوفرة لديها أسباب البقاء والجاه. وقد عبرت أمداً مديداً في بلد لا تتغير فيه أحوال الاقتصاد ولا تطرأ على بيئته الانقلابات. فعلينا أن نرجع إلى الصين
لا تزال أسرة كنفشيوس في تلك البلاد باقية تتمتع بالرعاية ومزايا الراحة والبقاء. وليس في الصين وراثة شرف في غير هذه الأسرة. فإذا سلمنا بحساب مالثوس وجب أن يكون
стр. 529
عدد أفرادها في عهدنا هذا:
(٨٥٩، ٥٥٩، ١٩٣، ١٠٦، ٧٠٩، ٦٧٠، ١٩٨، ٧١٠، ٥٢٨)
ولكن ذرية كنفشيوس لم تبلغ من هذا العدد الذي لا يتصوره العقل إلا أحد عشر ألف رجل أو نحو اثنين وعشرين ألف نسمة. بعد أن مضى على وفاته في عهد الملك كانجهي ٢١٥٠سنة
فانظر شطط هذا الفيلسوف وزيغ حسابه. وكذلك لا يزال الزلل نصيب من يجترئ على الغيب ويتحكم في نظام هذا العالم الزاخر للمؤرخ أن يقرر أن الحروب الماضية أقلت النسل - إن كان في الباحثين من يزعم أن التناسل يكثر عقب الحروب كثرة لا نظير لها في سائر الأيام - وله أن يعدها ضارة من هذه الوجهة أو نافعة. ولكن ليس له أن يتخذها منجلاً يخترط به ما يشاء من بنية النوع الإنساني. لاسيما إذا كان من الذاهبين إلى إبقاء الأقوى وإفناء الضعيف. فإن الحرب تبقى على العاجز الجبان ولا تقضي إلا على الفتيان الأشداء.
لا نأمن صائحاً يصيح بنا: لقد علا غطيطكم في النوم. وطال بكم الحلم. ونحن نسمع كل يوم أن الحرب يتقشع غبارها وتخبو نارها. ثم لا نرى مع ذلك إلا حرباً بعد حرب وفتنة تتسعر في أثر فتنة.
وهو اعتراض وجيه إذا كان المبشرون قد زعموا أن المريخ قضى نحبه وأنه لن يسفح بعد اليوم دم في ميدان. ولكنهم لا يزعمون شيئاً من ذلك. بل يقولون له إن كانت الحرب تبقى ببقاء دواعيها فقد وجب أن تزول لزوال تلك الدواعي.
فإن الحرب لا تنشب اليوم للذود عن ذمار. أو لإنقاذ مملكة أو لاستنهاض النخوة الملية أو ما شا كل ذلك من المعاذير التي يعلنها الساسة ويبطنون سواها وقد لا يكون المحرك لها محض الرغبة في توسيع نطاق الدولة أو إنماء ثروتها كما يرى بعض من يظن أن مصلحة الأمة المادية هي السر الخفي لكل حركة دولية في هذا الزمان. ولا نبتعد عن الصواب إذا قلنا أنه لولا مطالع أصحاب رؤوس الأموال ومآرب الساسة لما ارتفع سلاح في أكثر هذه الحروب التي دارت بين الأمم الكبرى والأمم الصغرى في هذا الجيل.
فإن لكبار الماليين نفوذاً قوياً بين رجال السياسة. أما لأنهم يسعفونهم بالقروض في الأزمات
стр. 530
السياسية. أو لأنهم يمدونهم بالمال في المنافسات الانتخابية. فإذا طمحوا إلى غرض من أغراضهم لم يعسر عليهم إقناع ولاة المملكة بمعاونتهم فيه. واستخدموا الصحافة بالرشى والجاه لتهيئة الرأي العام لقبول ما يقترحون عليه. فلا يلبث هؤلاء الصحفيون أن يستشيروا حماس الشعب ويعبثوا بعواطفه الدينية أو الجنسية. وما هو إلا أن تسري المقالة بعد المقالة بين الجمهور حتى يهب صارخاً بالحرب. ويقال حينئذٍ أن الأمة تريد القتال وأنه لا قبل للحكومة بمعارضتها. فتحرك الجيوش. وتذهب النفوس هدراً وتنفق الحكومة من مال الفقراء ونفوسهم أضعاف ما يبذله أولئك الأغنياء ثم لا يغنم من تلك المجزرة إلا تاجر جشع تحوي خزانته المليون ولكنه يطمع في المليونين. أو وزير يرمي إلى تمكين حزبه. أو ملك يريد أن يضيف إلى اسمه لقباً فارغاً يذكر به في التاريخ.
أما العامل الفقير الذي يتظاهر الساسة بالعناية به ويقولون إنّهم إنمّا يرفهون عنه بالتوسع في الاستعمار وشن الغارة على المستضعفة من الأمم. فسواء لديه أكانت دولته تملك ما بين لابتى الأرض أو أنها واقفة حيث هو يكدح ويكد. فإنه يعول في كل حال على قوة ساعده. ويعتمد في كل بلد نزح إليه على جهد يده. ولو أن اليابان كانت تملك الولايات المتحدة لما زاد أجر العامل الياباني دانقاً عما يناله الآن بغير معونة حكومته.
ولقد كان من بلايا الشرق أن تتوجه إليه مطامع أولئك التجار الأشعبيين. لنزارة أجور عماله. وخصب تربته وقلة المزاحمة الاقتصادية فيه. وجهل أهله بالانتفاع من ينابيع الثروة المتفجرة في أرضهم. فإذا نزل واحد منهم بالبلد الشرقي كان ذهبه نذيراً برصاص دولته. وأبى إلا أن يربطه إلى وتد من الاستعباد والمذلة كما تربط البقرة الحلوب.
ولو أن العامل الشرقي أحس بمعنى الحياة وجاشت في نفسه مطالبها لما قنع بما دون أجر العامل الغربي. ولأبقى تجار أوربا أموالهم في بلادهم. بل لو كان الشرقيون يستثمرون موارد الثروة في أقاليمهم. ويستنبطون الرزق من مناجمه عندهم. لما اتسع بينهم موضع لنزيل يمتص دماءهم ويسلبهم مالهم واستقلالهم. ويجعلهم عبيداً له والله خلقهم أحراراً.
ولقد طالما سمعنا الكاتبين منا يقولون: إن الغرب قد غلب علينا بأساطيله ومدافعه. فلنجادله بسلاحه ولنعد له من عدة الدفاع مثل ما يهاجموننا به.
إلا أنها نصيحة لا ينتفع بها إلا أمة أو أمتان لم يغلل الغرب أيديهما بقيود الاستعمار. ولا
следующие страницы →