Полный текст (3 596 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
بشكسبير، تباهى الألماني بجيتى وتاه الإيطالي بدانتي وازدهى الفرنسي بهوجو. ولقد تردد حول هذه الأسماء صدي متتابع الدوي، وعلا صريف الأقلام بذكرهم، واشتغل بال الأمم بأقوالهم، فدل ذلك على أن سيرة هؤلاء الأبطال ضمينة بأن تملأ حيز العصبية من أذهان الناس، وأنهم أقدر على توجيه الأنظار إليهم من أمثال كروميل وفردريك العظيم وغريبالدي ونابليون، وهي عصبية لا تثير في ذاكرة الشعوب ضغينة ثأر أو حزازة انتقام، وإنما هي آصرة تؤلف بين قلوبهم. وتأخذ بأيدهم إلى التصافح، وبنفوسهم إلى التآخي والتسامح. وتقودهم لا إلى ساحة القتال. ولكن إلى باحة المودة والسلام.
وهذه العصبية وما شابهها من العصبيات الاقتصادية أو العلمية. هي الجديرة دون سواها بهذا الجيل. فقد مضى زمان الأمم الفاتحة، وليس في العالم ليومنا هذا أمة تريد أن تنجب مثل يوليوس قيصر أو نابليون بونابرت أو محمد الفاتح أو طارق بن زياد لأنها في غنى عنهم ولا نفع لها من أمثالهم. إن اليوم الذي تهيء له دول أوربا ما تهيء من آلات الفناء والموت، لن تشرق له شمس. وما على المدنية أن ترهب اليوم لإلا جيشاً واحداً هو جيش الرياء والنفاق الذي تمكن من الطباع والأخلاق وليست بها حاجة إلى شجاعة غير الجرأة في الرأي والصبر على الشدة وآلام النفس، فنحن في حرب مع الرذيلة دونها كل حرب فتكاً وهولاً. وليست هذه الحروب الدموية إلا دخان تلك الحرب المستطير شررها في أعماق نفوسنا. والباسل الباسل من وفق بين سيرته وسريرته ورفع راية السلام بين لسانه وضميره، فإن كانت الحرب تثير نخوة الوحشية والقسوة، فهذه الحرب تبعث في الضمير نخوة الإنسانية والمروءة.
أقدر في حكم الحقيقة وأنفع، وأعلا في معارج الفضيلة وأرفع، رجل يتجرع غصص العذاب في سبيل رأيه، ويتجاوز عن راحته فيما يعتقد أنه الحق والعدل. فإن الصبر على جرح في النفس أدل على قوة الرجل من صبره على جرح في الجسد، وإن دابة المركبة لتحتمل من الجراح ما ينوء ببعضه أجلد الناس وإن كان هرقلاً ثانياً.
يقول أنصار الحرب: وماذا نصنع بالألوف المؤلفة ممن لا مرتزق لهم إلا من الحرب أو من صنع أدواتها وآلاتها؟؟
نقول إذا لم يبق من مسوغات الحرب إلا هذا فاصنعوا بهم ما أنتم صانعون بتجار
стр. 527
المحظورات أو بالطرارين واللصوص ومزيفي النقود وأصحاب الاحتيال ومن لا معاش لهم إلا من الفسوق أو الإغراء عليه! أتراكم تحملون القانون على إباحة الجرائم لأن طائفة من الناس لا مرتزق لهم إلا منها ولا معاش لأولادهم ونسائهم إلا بمزاولتها؟؟
بل نقول لهم: اصنعوا بهم ما أنتم صانعون بالأيامى والأيتام ممن تقتل الحروب عائليهم وتتركهم عالة على المجتمع!! وما أنتم صانعون بالعمال والزراع الذين تعطل عليهم الحرب مرافقهم وتمسك عنهم القوت والنفقة. وربما كان هؤلاء أكثر عديداً ممن يشتغلون بصناعة السلاح وحمله.
على أن الدنيا لا تضيق لا بهؤلاء ولا بأولئك. والموارد الاقتصادية كالشجرة، كلما انقطع منها فرع نبت فرع في مكانه، وقد كان استخدام البخار سبباً في ابتداع آلات تعمل الواحدة منها عمل المئات والألوف من الصناع، فما أغنت هذه الآلات عن الصناع ولكنها زادت الحاجة إليهم. فأصبح عددهم اليوم أضعاف ما كان قبل استخدام البخار. وإذا عرفنا أن الجنود إنما يؤخذ أكثرهم من الفلاحين وأنهم يعودون إلى فلاحة الأرض بعد صرفهم من الجيش، وجدنا لنا مخلصاً من الحيرة في أمر معاشهم، ورأيناهم في غنى عن شفقة أنصار الحرب واهتمامهم.
ولكن أليست الحرب ظاهرة طبيعية كما قالوا؟؟ أليست هي غربالاً يتنخل اللباب فيحفظه ويحجز الحثالة فينبذها؟؟ وهل هي إلا تلاحم بين القوي والضعيف، يظهر فيه القوي الصالح ويتلاشى الضعيف الفاسد؟؟
نقول هذا كلام شبيه بالحق ولكنه كذب. فلقد كانت الحرب طبيعية عادلة في زمن من الأزمان ولكنها فقدت معنى العدل في هذا الزمان.
كانت عدلاً أيام كان أصلح الأمم للبقاء أمضاهن سلاحاً وأكبرهن جنداً وأمنعهن حمى، أما اليوم فالصلاح للبقاء شيء غير المهارة في القتال والانتخاب الطبيعي يأخذ مجراه دون أن تقوم دولة على أنقاض دولة، أو تتقمص أمة فتية روح أمة بائدة، ولو أن روسيا أغارت غداً على سويسرا مثلاً لقهرتها وأفنتها، ولكن أيهما أوفق للوجود شعبه ومن منهما أنفع في أرضه بقاؤه؟؟
فالحرب اليوم ليست محكاً يظهر منه النفيس من الخسيس. ولكنها ميزان يرجح فيه أثقل
стр. 528
الكفتين جرماً وأكبرهما حجماً. وليس هذا من العدل في شيء ولكنه تنازع اصطناعي لا عمل للطبيعة فيه إلا من بعض جهاته.
ولكن هناك نفراً من الفلاسفة ملكته الرأفة بهذا النوع المسكين.
فأشفقوا أن يربو عدده وينمو نسله. فتضيق به وسائل الرزق ويفضي به الضيق إلى الموت جوعاً. فهم لا يرون في الحرب بأساً. بل هي في مذهبهم لازمة لتقليم النوع أولاً فأولاً. وهم يرحبون بكل ما ينقص هذا النوع ويقلل ذريته. ولا أدري لم لا يرحبون بالأوبئة والطواعين؟؟ ومالهم لا يجذمون أيدي الأطباء الخبثاء الذين ينقذون الناس من الهلاك. كان هؤلاء الأطباء يتركونهم ليموتوا صبراً يوم تعم المجاعة ويبعد الزاد من هذه الدار؟؟!!
بل لقد تمادت الرحمة بهؤلاء الفلاسفة الأبرار. فأشار فريق منهم بخصاء الذكران من العالمين. وأشار فريق سواد بقتل الضعفاء. وقال فريق ثالث بل نوصيهم بالاقتصاد في النسل ونعين لكل عائلة عدداً من الأولاد لا تتجاوزه. إلى آخر ما قالوا.
ظهر مالثوس صاحب هذا المذهب في القرن الثامن عشر فطفق يجمع ويطرح.
ويضرب ويقسم. ويحسب نتاج الأرض في الأجيال المقبلة كأنه خازن أرزاق الله.
ويحصي ما تحمله بطون الغيب من الأجنة. كأنه كاتب عالم الذر. فهداه حسابه إلى أن النسل يتضاعف كل خمس وعشرين سنة. وأن ثروة الأرض لا تزيد في هذه المدة إلا مرة واحدة. أي أنها تنمو على نسبة حسابية مطردة. فظهر له من هذا الإحصاء أن نسبة السكان إلى الثروة ستكون بعد ثلاثة قرون كنسبة ٤٠٩٦ إلى١٣. فأنذر بالويل والخراب. وصاح بالناس لا تناكحوا ولا تناسلوا إلا بحساب. ولقد مضى نصف هذه القرون الثلاثة تقريباً. ولم تجذب الأرض ولا ضاقت بساكنيها. ونحن نورد هنا ما قاله هنري جورج في كتابه التقدم والفقر رداً على رأي مالثوس هذا. قال:
إذا أردنا أن نتخذ لنا مثالاً من أسرة متوفرة لديها أسباب البقاء والجاه. وقد عبرت أمداً مديداً في بلد لا تتغير فيه أحوال الاقتصاد ولا تطرأ على بيئته الانقلابات. فعلينا أن نرجع إلى الصين
لا تزال أسرة كنفشيوس في تلك البلاد باقية تتمتع بالرعاية ومزايا الراحة والبقاء. وليس في الصين وراثة شرف في غير هذه الأسرة. فإذا سلمنا بحساب مالثوس وجب أن يكون
стр. 529
عدد أفرادها في عهدنا هذا:
(٨٥٩، ٥٥٩، ١٩٣، ١٠٦، ٧٠٩، ٦٧٠، ١٩٨، ٧١٠، ٥٢٨)
ولكن ذرية كنفشيوس لم تبلغ من هذا العدد الذي لا يتصوره العقل إلا أحد عشر ألف رجل أو نحو اثنين وعشرين ألف نسمة. بعد أن مضى على وفاته في عهد الملك كانجهي ٢١٥٠سنة
فانظر شطط هذا الفيلسوف وزيغ حسابه. وكذلك لا يزال الزلل نصيب من يجترئ على الغيب ويتحكم في نظام هذا العالم الزاخر للمؤرخ أن يقرر أن الحروب الماضية أقلت النسل - إن كان في الباحثين من يزعم أن التناسل يكثر عقب الحروب كثرة لا نظير لها في سائر الأيام - وله أن يعدها ضارة من هذه الوجهة أو نافعة. ولكن ليس له أن يتخذها منجلاً يخترط به ما يشاء من بنية النوع الإنساني. لاسيما إذا كان من الذاهبين إلى إبقاء الأقوى وإفناء الضعيف. فإن الحرب تبقى على العاجز الجبان ولا تقضي إلا على الفتيان الأشداء.
لا نأمن صائحاً يصيح بنا: لقد علا غطيطكم في النوم. وطال بكم الحلم. ونحن نسمع كل يوم أن الحرب يتقشع غبارها وتخبو نارها. ثم لا نرى مع ذلك إلا حرباً بعد حرب وفتنة تتسعر في أثر فتنة.
وهو اعتراض وجيه إذا كان المبشرون قد زعموا أن المريخ قضى نحبه وأنه لن يسفح بعد اليوم دم في ميدان. ولكنهم لا يزعمون شيئاً من ذلك. بل يقولون له إن كانت الحرب تبقى ببقاء دواعيها فقد وجب أن تزول لزوال تلك الدواعي.
فإن الحرب لا تنشب اليوم للذود عن ذمار. أو لإنقاذ مملكة أو لاستنهاض النخوة الملية أو ما شا كل ذلك من المعاذير التي يعلنها الساسة ويبطنون سواها وقد لا يكون المحرك لها محض الرغبة في توسيع نطاق الدولة أو إنماء ثروتها كما يرى بعض من يظن أن مصلحة الأمة المادية هي السر الخفي لكل حركة دولية في هذا الزمان. ولا نبتعد عن الصواب إذا قلنا أنه لولا مطالع أصحاب رؤوس الأموال ومآرب الساسة لما ارتفع سلاح في أكثر هذه الحروب التي دارت بين الأمم الكبرى والأمم الصغرى في هذا الجيل.
فإن لكبار الماليين نفوذاً قوياً بين رجال السياسة. أما لأنهم يسعفونهم بالقروض في الأزمات
стр. 530
السياسية. أو لأنهم يمدونهم بالمال في المنافسات الانتخابية. فإذا طمحوا إلى غرض من أغراضهم لم يعسر عليهم إقناع ولاة المملكة بمعاونتهم فيه. واستخدموا الصحافة بالرشى والجاه لتهيئة الرأي العام لقبول ما يقترحون عليه. فلا يلبث هؤلاء الصحفيون أن يستشيروا حماس الشعب ويعبثوا بعواطفه الدينية أو الجنسية. وما هو إلا أن تسري المقالة بعد المقالة بين الجمهور حتى يهب صارخاً بالحرب. ويقال حينئذٍ أن الأمة تريد القتال وأنه لا قبل للحكومة بمعارضتها. فتحرك الجيوش. وتذهب النفوس هدراً وتنفق الحكومة من مال الفقراء ونفوسهم أضعاف ما يبذله أولئك الأغنياء ثم لا يغنم من تلك المجزرة إلا تاجر جشع تحوي خزانته المليون ولكنه يطمع في المليونين. أو وزير يرمي إلى تمكين حزبه. أو ملك يريد أن يضيف إلى اسمه لقباً فارغاً يذكر به في التاريخ.
أما العامل الفقير الذي يتظاهر الساسة بالعناية به ويقولون إنّهم إنمّا يرفهون عنه بالتوسع في الاستعمار وشن الغارة على المستضعفة من الأمم. فسواء لديه أكانت دولته تملك ما بين لابتى الأرض أو أنها واقفة حيث هو يكدح ويكد. فإنه يعول في كل حال على قوة ساعده. ويعتمد في كل بلد نزح إليه على جهد يده. ولو أن اليابان كانت تملك الولايات المتحدة لما زاد أجر العامل الياباني دانقاً عما يناله الآن بغير معونة حكومته.
ولقد كان من بلايا الشرق أن تتوجه إليه مطامع أولئك التجار الأشعبيين. لنزارة أجور عماله. وخصب تربته وقلة المزاحمة الاقتصادية فيه. وجهل أهله بالانتفاع من ينابيع الثروة المتفجرة في أرضهم. فإذا نزل واحد منهم بالبلد الشرقي كان ذهبه نذيراً برصاص دولته. وأبى إلا أن يربطه إلى وتد من الاستعباد والمذلة كما تربط البقرة الحلوب.
ولو أن العامل الشرقي أحس بمعنى الحياة وجاشت في نفسه مطالبها لما قنع بما دون أجر العامل الغربي. ولأبقى تجار أوربا أموالهم في بلادهم. بل لو كان الشرقيون يستثمرون موارد الثروة في أقاليمهم. ويستنبطون الرزق من مناجمه عندهم. لما اتسع بينهم موضع لنزيل يمتص دماءهم ويسلبهم مالهم واستقلالهم. ويجعلهم عبيداً له والله خلقهم أحراراً.
ولقد طالما سمعنا الكاتبين منا يقولون: إن الغرب قد غلب علينا بأساطيله ومدافعه. فلنجادله بسلاحه ولنعد له من عدة الدفاع مثل ما يهاجموننا به.
إلا أنها نصيحة لا ينتفع بها إلا أمة أو أمتان لم يغلل الغرب أيديهما بقيود الاستعمار. ولا
стр. 531
تزال فيهما بقية رمق من الاستقلال تمكنهما من استجماع القوة. والتأهب للدفاع عند الحاجة.
ولكن أي نصيحة لديهم يدخرونها لتلك الأمم التي سبق عليها حكم القضاء وطال عليها الأمد في الأسر؟؟
لا والله ما غلب علينا الغرب إلا بتفكك عصبيتنا وصغر معنى الحياة في أذهاننا. إن في الأمم الشرقية المستعمرة من السكان والجنود أهل البلاد أضعاف ما في الأمم التي تستعمرها فكيف يتصور العقل أن الغرب إنما سادوا على تلك البلاد بالسلاح وكثرة العدد.
ليس للشرق إلا أملان في النجاة من آفة الاستعمار، أحدهما منوط برقي العالم عامة، والثاني منوط برقي الشرق خاصة.
العالم اليوم مستغرق في عبادة الدينار. ولكنه دور سينقضي كما انقضى ما قبله من الأدوار. فإن للإنسانية في كل فترة من الزمن روحاً تتشبع بها، فلا تصدر أعمال الأمم والأفراد إلا عنها. فانقضى دور الغزو. ثم انقضى دور الفتح. ثم انقضى دور الحروب الدينية. ونحن اليوم في دور المال.
أفنقول إذن أن هذا الدور باقٍ أبداً؟؟ وهل هذا نتيجة تعاقب الأجيال على الإنسان، وغايته التي ليس وراءها غاية؟؟ ألا يمكن أن تكون هذه النتيجة مقدمة لنتيجة غيرها أجل منها وأحسن عقبى.
إن كل ما نراه ونحسه يشير إلى أننا في دور انتقال وشيك الزوال. وأن العالم سيصل إلى ما يرجو من السعادة ولكن من طريق المال.
فالأمم الكبرى تستكثر من السلاح والجنود لتحمي متاجرها ومصنوعاتها ولكن التباري بين الأمم الصناعية شديد في إتقان تلك المصنوعات. وسيأتي يوم لا يغني عن السلعة في سوق التجارة إلا جودتها وإتقانها. فلا تستطيع كل أساطيل البحر ومدافع البر أن تروج سلعة رديئة أو تبخس سلعة جيدة. ويومئذٍ يكون التزاحم بين مصنع ومصنع. لا بين حكومة وحكومة، يستعين كل منهما بعساكره على ترويج سلعة.
إن حماية الحكومات لمتاجرها هي التي تصبغ المنافسات التجارية بصبغة دولية. فإذا تخلت الحكومة عن التجارة قام كل مصنع بذاته ينافس في السوق العامة، وأصبح سواء
стр. 532
لدى التاجر أن يبيع سلعته في إنكلترة أو ألمانية مادام يعتمد على سمعته ومهارته، واتسعت الأرض أمام كل ذي حرفة، يحل منها حيث طاب له الكسب، ويكون له في كل أرض وطن إذا شاء.
يومئذٍ لا يذهب التاجر إلى المستعمرات وهو ينظر وراءه إلى أسطول دولته، ولكنه ينظر كيف ينتقي بضاعته من معمل تروج سلعه ويقبل الناس على مصنوعاته.
وليس في الناس إلا فريق واحد لا تروقه هذه الحرية التجارية. ونعني به أصحاب المصانع الذين يسخرون قوة حكوماتهم لفتح الأسواق في وجوه مصنوعاتهم. ولكن هذه الفئة لا طاقة لها بصد التيار الجارف. وقد أخذت تضمحل سلطتها. ويشاركها في نفوذها قوم لا مصلحة لهم في احتكار الأسواق. وهم أحزاب العمال والزراع وغيرهم ممن يعيشون في ظل كل راية في المعمور.
لقد بدأت هذه الحركة المباركة تظهر في تكاثر المهاجرين من كل مملكة في طلب الكسب. وإباحة الحكومات حقوق التوطن لكل من قضى في بلادها زمناً محدوداً. ورأينا بعض الحكومات تطلق الحرية للتجارة وتبتعد عن الإشراف عليها. وسينتهي ذلك لا محالة إلى الوطنية العامة وانفراد التجارة بنفسها في العالم أجمع.
ومتى كان الرجل لا يحرم في أرض الغربة حقاً يتمتع به في وطنه. فلا حاجة بالحكومات إلى الاستعمار. ولا حاجة بالرجل إلى حماية حكومته.
ومن ثم يصير تنازع طبيعياً يبقى فيه الإصلاح للبقاء حقيقة. ويبطل الاستعمار فيبطل كل ما نشأ بسببه من الخلاف بين الدول الاستعمارية، فإن الخلاف بين هذه الدول قد انقطعت أسبابه إلا من هذه الوجهة، ولولا الاستعمار لما تأهبوا للحرب هذه الأهبة. فإن هذا العصر أندر العصور حروباً وإن كان أكثرها آلة حرب، وتفنناً في أساليب القتال. وليس هذا بالأمر الغريب فإن زيادة أداة الحرب قد زادت نفقاتها أيضاً. واشتباك المرافق الاقتصادية جعل الحروب أعم خسارة وأبلغ ضرراً من ذي قبل، وهكذا يؤدي الاشتباك القليل في المرافق إلى التنازع والخلاف، فإذا تشعب وتمكن كان أقوى ضمانة للسلم والوفاق. وسيتشعب ويتداخل حتى تقع الضربة في البلد فتضرب لها البلدان كافة. فإذا صرفنا النظر عن هذا التقدم المادي إلى التقدم المعنوي رأينا أن قيمة الحياة تعلو في نظر الإنسان وأنه
стр. 533
يفهم يوماً بعد يوم أنها كل رأس ماله من الوجود، وأنه متى أضاعها أضاع كل شيء بالنسبة إليه.
هذا هو أملنا المعقود برقي العالم. أما أملنا المعقود برقي الشرق فيتحقق يوم يدرك الشرقي معنى الحياة وتتنبه فيه روح العصبية. فلا يكون تسخيره أيسر على الماليين أو أرخص نفقة من تسخير الغربي. ولا يسهل على كل طامع أن يلتهم ما شاء من ثروته. والأمر بين اثنتين: فأما أن الشرق سيبقى هكذا إلى الأبد. أو أنه سيتقدم مع الزمان.
فأما بقاء نصف النوع الإنساني على هذا الحال من الانحطاط والمهانة أبد الآبدين. فمحال لا يجوز في نظر العقل. وأما أنه يتقدم مع الزمان فهذه سنة ليس في وسعه أن يقاومها. وليس في وسع أحد أن يحول تيارها عنه. فنحن إلى الرجاء أقرب منا إلى اليأس. وهكذا ينبغي أن نكون.
ولا ريب أن ذلك اليوم سوف يكون آخر يوم من عهد المال وأول يوم في عهد الحق والإخاء والسلام.
إن تلك الساعة آتية لا ريب فيها. ولكن كيف ومتى؟؟ قل علمها عند ربي.
عباس محمود العقاد
стр. 534
قال بعض الحكماء: احذر الموتور ولا تطمئن إليه وكن أشد ما تكون حذراً منه ألطف ما يكون مداخلة لك.
وقال بعضهم: إذا أحدث لك العدو صداقة فلعلة ألجأته إليه فمع ذهاب العلة رجوع العداوة كالماء تسخنه فإذا أسكت عنه عاد إلى أصله بارداً والشجرة المرة لو طليتها بالعسل لم تثمر إلا مراً وقال دريد بن الصممة:
وما تخفى الضغينة حيث كانت ... ولا النظر المريض من الصحيح
وقال زهير:
وما لك في صديقٍ أو عدوٍ ... تخبرك العيون عن القلوب
وقال بعض الحكماء: ينبغي أن تحظر على الشرار العلوم التي تزيد في قوة النفس وحسن تصرفها ويقتصر بها على الرياضات التي تفتر وقدها وترد إلى الاعتدال ما شذ عنها فإن غير هذه من العلوم إن عدل بها عن أهل الفضل الشرار كانت لهم كالأجنحة للعقارب التي تعينها على الآفات وتباعدها منها.
стр. 535
التربية الطبيعية
مبادئ عامة
تابع
فإن مثل هذا لا خير فيه لنفسه ولا للناس. لأنه يظل حياته يرجف من الموت ويتحصن منه وراء الأطباء والصيادلة وما يغني الأطباء ولا الصيادلة. ولأن جسمه عقبة في سبيل تهذيب روحه. وأي فائدة في العناية بمثل هذا فإذا فقدناه كانت الخسارة مضاعفة على المجتمع! كلا. فليقم رجل منكم غيري على هذا الضاوي الضعيف. وله مني الشكر على جميل صنعه ومعروفه وكيف لي أن أعلمه كيف يعيش الجسم ولا هم له إلا اتقاء الموت؟
ولابد للجسم أن يكون ضليعاً مريراً ليقوى على النهوض بتكاليف الروح. فإن أحسن الخدم أشدهم أسراً وأوثقهم ممرّاً وأنت خبير أن الإلحاح على الشرب يهيج الإحساس ويثير العواطف ويسلب الملحّ قوته على مر الأيام وأن التعذيب والصيام يبلغان بالمرء إلى مثل ذلك والجسم إذا ألح عليه الضعف لج في العصيان وهو على العكس مطواع إذا تماسك واشتد. وكلما ضعفت الأجسام اشتدّ بالنفوس النزاع إلى الشهوات وطغي بها طلب اللذاذات. وأسوأ ما تكون هذه النفوس خلقاً إذا أعياها التماسها وأعجزها بلوغ مأربها منها.
وإذا تداعى الجسم فلا عجب أن تضاءل الروح وتطمئن إلى الضعف وتخلد إلى الفتور وعلى ذلك قامت دولة الطب وملك الصيدلة وما علمت شيئاً أضر بالرجال من هذين ولست والله أدرى من أي داء يشفينا الأطباء وإني على هذا لأدري أنهم ينشرون فينا الجبن والخور وسرعة الأستامة إلى كل قول والخوف من الموت. ولعمري لئن صح أنهم يصلحون الجسم بما يطبون فإنهم يقتلون الشجاعة ويفتكون بالبأس وما خير أجسام ميتة تغدو وتروح. إن حاجتنا إلى الرجال لا إلا الأشباح وما عهدنا الأطباء عندهم ما نبغي ونريد.
وقد أصبح الطب (مرده) وحق له أن يكون كذلك فإنه ملهاة النّومة ومسلاة المتبطل الذي لما لم يجد ما يعمله جعل يدافع وقته بالطب وهو يحسب إن ذلك يطيل عمره ويمد في أجله. ولو ابتلى هؤلاء بالخلود لكانوا أتعس الناس وأشقاهم لأن الحياة وهي كل ما كانوا يحرصون عليه تصير إذ ذاك في مأمن من غوائل الموت فلا يكون لها عندهم قيمة أو
стр. 536
ثمن. ويراؤوهم وليذيقوهم في كل يوم ألذ ما يشتهون وأمتع ما يطلبون - أعني البعد من الموت.
فإذا كانت طلبتك الشجاعة الحقّة والبأس الصادق فالتمسهما حيث الأطباء غير موجودين وابغهما حيث الناس لا يعرفون ما الأمراض وما عواقبها ودر عليهما بين من لا يحفلون بالموت ولا يذكرونه. لأن الإنسان الفطري يعيش ويموت في سكينة كما تموت الأشجار. وإنما يهزم فؤاده وينسبه كيف يموت الأطباء بما يصفون والفلاسفة بما ينصحون والقس بما يخوفون.
فائتني بتلميذ لا حاجة به إلى هؤلاء جميعاً وإلا فإليك به عني فإني لا أحب أن يفسد عليّ غيري من أمره ما أصلح. وأطلق لي أن أفعل به ما أشاء أو فدعني وانظر غيري من الناس فهم كثر فإني رأيت (لوك) وهو من تعرف يقول وكان قد أنفق على طلب الطب بعض العمر (لا ينبغي أن يطب للأطفال لا على سبيل الحيطة ولا فيما ينتابهم من العلل البسيطة) وأنا أزيد على ذلك وأضيف إليه أني لما كنت لم أستوصف طبيباً أبداً فكذلك لن أستطب لتلميذي أميل: إلا أن تكون حياته في خطر ظاهر وما أحسبهم يقدرون إذ ذاك على أكثرهم من أن يقتلوه:
وخير علوم الطب عندي وأنفعها (قانون الصحة) وما هم لو تدبرت إلا فضيلة لا علم فإن الاعتدال والعمل خير ما يتداوى به المرء لأن العمل يرهف من حد شهوته (يعني شهوة الطعام) والاعتدال يمنعه كم أن يسيء بها إلى نفسه.
وما خلق الناس ليحتشدوا كالأغنام في مكان واحد بل خلقوا ليتفرقوا في مناكب الأرض وينتشروا في نواحيها ويحرثوها ويستخرجوا خبراتها. وما يفسد الناس إلا من اكتظاظ البلاد بهم فإن أمراض الجسم والروح بعض نتائج الازدحام والإنسان أقل الحيوانات صبراً على الاحتشاد وإطاقة للازدحام وأكثر ما يودي الموت بالناس إذا غص بهم مكان وامتلأت منهم ناحية. والمدن فاعلم قبور النوع الإنساني واجد أنه وسكانها أسرع الناس فناءً وفساداً وما زالت القرى هي التي تمد المدن بالصالح من أهلها وناسها فابعث ببنيك إليها لتثوب إليهم نفوسهم وليسترجعوا من قوتهم ما فقدوه في الأماكن المكتظة بالناس.
وينبغي أن تستكثر للطفل من الاستحمام وليكن الماء في أول الأمر حميماً حاراً ثم فاتراً ثم
стр. 537
بارداً حتى لا يشقى عليه الاستحمام في الشتاء بالبارد من الماء ولو كان مثلوجاً ولا بأس من اتخاذ مقياس للحرارة ليكون الانتقال من الحار إلى البارد تدريجاً ورياضة من غير أن يحس الطفل أو يتأذى به.
ولا ينبغي أن يعتاق الطفل شيء عن الاستحمام أو يحول من دونه حائل واعلم أنه ليس أرد على الجسم ولا أعود عليه بالصحة من الاستحمام لا لما يستدعيه من نظافة البدن وبضاضة البشرة وحسن الرواء ولكن لأنه يلين ألياف الجسم وأنسجته ويكسبها شدة تقاوم بها اختلاف درجات الحر والبرد ومن أجل هذا أرى أن يعود الطفل الاستحمام بالماء في جميع درجاته لتشتد بضعته ويصلب عضله وأنت خبير أن من يحتمل اختلاف درجات الماء وهو المباشر لكل موضوع في جسمه فهو على اختلاف حالات الجو أقوى وأصبر.
واعلم أنك لن ترى شيئاً أكثر من الذي عليه الناس في أمر الثياب وذلك أنه ما من أحد إلا وهو يأخذ على يد طفله ويهيضه بما يلبسه من الثياب ويلفه فيه من الخرق والقمط ويضع على رأسه من القبعات والقلانس من حيث يحسب أنه يقيه غائلة البرد وأضرار التعرض للهواء وما إلى ذلك وإني لست أعلم شيئاً هو أسخف من هذا الرأي ولا أقبح ولا أسوأ وإنما الرأي أن تكسو طفلك الثياب الواسعة الفضفاضة التي لا تغل أعضاءه عن الحركة ولتكن لا ثقيلة فتقعده ولا غليظة النسج فتمنعه من الإحساس بالهواء. لأن إلباس الطفل أثقل الثياب وحبسه في الغرف يوهن عظمه ويرقق جلده والهواء البارد لا خوف منه بل لعله أبعث على النشاط وأرفق بالجسم وإنما يلحق الضرر البين بالجسم ويدخل عليه الأذى الجسيم الهواء السخين الذي يترك للجسد التوصيم والتكسير والفتور فضعوا الطفل في مهد واسع دمث الوثار ليملك أمره وحريته حتى إذا بدأ يشتد ويتماسك فدعوه يدب في نواحي الغرفة فإن هذه الحركة توثيقاً لأعضائه وأمراراً لقواه وأنت إن كنت في شك من ذلك فقارن بين طفل نشأ على الحرية والحركة وآخر مساوٍ له في العمر لكنه موثق الكتاف مقيد الحركة تر فرق ما بينهما في النماء والقوة.
أكرر أن تربية الطفل تبتدىء يوم يولد وأن تعليمه يسبق النطق والفهم وأن التجارب تتقدم الدروس وأنه حين يفطن إلى ظئره قد عرف شيئاً كثيراً. ولو أن قسمنا معرفة الناس وعلمهم إلى قسمين وجعلنا أحدهما سواء فيه كل الناس والثاني قاصراً على العلماء منهم
стр. 538
لألفينا الثاني شيئاً خصوصه كالعموم وإنما كان هذا كذلك لأننا لا نجعل بالنا إلى ما تفيدنا الحياة ولا نلتفت إلى ما نكتسبه من التجارب إذ كان حاصلاً من غير أن يتعلق به إحساس أو قبل أن نرتفع عن سن الحداثة على حين أن المعارف والعلوم التحصيلية إنما نلتفت إليها من أجل ما توجد من الفروق والمميزات ومثل هذا جميعه مثل المعادلات الجبرية لا يلتفت فيها إلى المشترك.
والعادة الوحيدة التي يجب أن يجري عليها الطفل في حياته هي أن لا يجري على عادةٍ قط لا أحب أن يكون تحامله على ذراع أشد من تحامله على الآخر أو أن يكون بسطه ليمينه أكثر من بسطه لشماله واستخدامه لها أغلب وأكثر. أو يأكل أو ينام أو يستيقظ في أوقات معينة وأحيان معلومة أو أن لا يطيق الوحدة بالليل أو النهار وعلى هذا فإن فرضاً عليك أن تخلي جسمه وشأنه وتوليه خطة رأيه وتبيح له جانب عزمه متى صح له على شيء عزم. ومتى استطاع الطفل أن يعرف فرق مابين الأشياء فإن خليقاً بصاحب أمره ووليه أن لا يختار له إلا ما يحسن عرضه عليه فإن في طبيعة المرء أن يرتاح للجديد من الأشياء ولكنه من الإحساس بضعفه والشعور بقصوره وعجزه بحيث يتخوف مما لا يعرف ويستهول ما لم تقع له خبرة به ومن جهل شيئاً خافه وليس خيفته ويزيل حذاره إلا اعتياد النظر إلى الجديد من غير أن يصيبه منه أذى فإنك لتري الطفل الذي نشأ في بيوت النعمة والرفاهة حيث لا يطلق للعنكبوت أن ينسج بيته يرتاع من العنكبوت ثم ينمو وينمو معه هذا الخوف وما أن رأيت حتى اليوم قروياً رجلاً كان أو طفلاً هاله منظر العنكبوت.
وإذا كان اختيار ما يعرض على عين الطفل من الأشياء كافياً لتعويده الجرأة والإقدام أو الجبن والخور فكيف لا يصح القول بأن تربيته تبتدىء قبل أن يحسن أن يتكلم أو يفهم؟ أما إميل فسأعوده النظر إلى كل شيء لاسيما ما هو بشع المنظر منكر الشكل جافي الصورة من الهوام والحشرات والحيوان مليحاً له بها على بعد بادىء الأمر فإذا ألفتها جعلتها منه أدنى شيء تدركه عينه حتى لا يتخوف أن يمسها بأطراف أصابعه أو يقلبها في كفه وإذا كان في حداثته يرى الضفادع والأفاعي والسرطانات ولا يستشعر منها خوفاً فلن يروعه في رجولته حيوان لأن من اعتاد شيئاً لم يخفه.
ما من طفل إلا وهو يخاف الوجوه المستعارة ويليح منها وأميل طفل كسائر الأطفال فليس
стр. 539
أحسن في أذهاب الروع عنه وإزالة الخوف من أن أريه وجهاً حسناً بملك طرفه ويستولي على ميله ثم أشير إلى بعضهم أن ضعه على رأسك حتى إذا ما فعل ضحكت وضحك الجميع وضحك أميل مثلهم ثم لا أزال أروضه على رؤية هذه الوجوه وآخذه بذلك وأريه الأقبح منها فالأقبح حتى يتم لي ما أريد وحتى يضحكه منها أشنعها صورةً وأفظعها منظراً وما أحسبك إلا عالماً بما كان من أمر هكتور مع غلامه لستيانكس حين راعه من خوذة أبيه ريشها فأنكره ولم يعرفه وأخذه الرعب فبكي وتشبث بأذيال ظئره وأمه تنظر إليه وعلى فمها ابتسامة والدمع يترقرق في عينها، وهل تدري بأية حيلة سكن هكتور من جأش ولده، لقد تناول الخوذة وألقاها على الأرض ثم قبله. ولو أني كنت موضعه لما وقفت عند هذا القدر ولتناولت الخوذة وجعلت أعبث بريشها وحملته على العبث به أيضاً ثم لأمرت ظئره أن تضع الخوذة على رأسها وهي تضحك - لو أن امرأةً تقوى على حمل خوذة هكتور وعلى هذا النحو أيضاً أجرى مع أميل ليألف الأصوات المفزعة من مثل صوت البنادق وما إليها. فأضرم على مرأى منه (رشاً) في مسدس فان وميضه وبرقه خليقان أن يفرحاه ثم أعيد ذلك وأزيد مقدار البارود وهكذا أتدرج به وأروضه حتى يألف صوت الرصاص والقنابل والمدافع وما هو شر من ذلك وأفظع.
وبعد فإن أكثر شيء في الطفل البكاء وهذا أمر طبيعي لأنه لمل كان إحساسه فهو يتمتع به في سكون مادام لذيذاً طيباً فإذا آلمه منه شيء أعلن بثه وشكاك ما يجد عللك تساعفه بما ينفس كربته ويذهب عنه شدته والطفل إما أن ينام أو ينفعل لما يقع ويتأثر لأنه لا يستطيع أن يغضي عن شيء مما يرى ويحس والطفل لا يبكي إلا إذا عانى برحاً أو كانت به حاجة لا سبيل له إلى سدها وقضائها فإن اهتدى إليها أهله أو القائمون عليه أسعفوه بها وإلا لجّ في الاستعبار واسترسل في البكاء وهم يلاطفونه ليرقأ دمعه وتغيض عبراته أو يغنونه ليأخذه النوم ويخمد أنفاسه النعاس وربما أرفض صبرهم وضاق ذرعهم فتهددوه وتوعدوه بل ربما ضربوه كما تفعل بعض المرضعات اللواتي لا خلاق لهن ولا أدب. فالله ما أغرب هذه التربية وما أعجب هذا التهذيب.
إن معالجة الغضب في الأطفال والحنق والعناد والبكاء وما إلى ذلك مطلب صعب ومرام معضل لا بد فيه من حسن التدبير وأصالة الرأي وبعد مسافة النظر وطول حبل الأناة ومن
стр. 540
رأي (بورهاف) أنها جميعاً أمراض عصبية لأن رأس الطفل أكبر إذا قيس إلى جسمه من رأس اليافع وجهازه العصبي أكثر امتداداً فهو لذلك أسرع انفعالاً وأحد طبعاً وأقصر أناة وإذا كان هذا كذلك فخليق بك ألا تدخر وسعاً في إبعاد الطفل عن الخدم الذين يثيرون حنقه ويستورون غضبه ويمتحنون صبره فإن قربه من هؤلاء أضر عليه وأبلغ في إلحاق الأذي به من سوء فعل الهواء وتأثير الأقاليم واعلم أن الطفل إذا لم يجد من الناس ثانياً لعزيمته وقابضاً ليده ولم يصادف مقاوماً له إلا من الأشياء انكسرت في نفسه حدة الغضب ولانت عريكته وسلست مقادته وصح جسمه وأنت إن تدبرت هذا علمت السبب في أن أبناء العامة والخملة الذين نشأوا على حرية الحركة وربوا على الاستقلال أقل في الجملة ضعفاً وأوثق.
стр. 541
حديث القمر
عرضت لأديبنا المفضال السيد مصطفى صادق الرافعي فترة من الفراغ في صيف هذا العام أراد أن يقضي فيها حق نفسه وأن يغتنم بها أنفاس الراحة مما يعاني في إنجاز كتابه الفريد (تاريخ آداب العرب) الذي لا يزال يقول عنه أنه دين عليه للأمة حتى يؤديه فهجر الكتابة والكتب ولكنه ما تنسم أنفاس الطبيعة حتى استحالت في قلبه الكبير معاني من الشعر أو من السحر فنفثها في ألفاظ، أفتن للقلوب من الألحاظ، وصورها في جمل، أطرب للنفوس من الأمل، وألم فيها بكل ما يضرب له قلب الإنسان حتى كأنها صنعة كل قلب وقد سماها (حديث القمر) وقدمها للطبع والرافعي هو الأديب الفذ الذي يستطيع في هذا العصر أن يعارض أبدع أساليب المتقدمين في الكتابة والبيان وأن يربي عليهم بما وهبه الله من قوة الخيال التي لا يقصر بها عن معارضة أرقى كتاب المتأخرين في أمم الشعر والجمال لعهدنا وقد جرى في حديث القمر على نمط من الكتابة يمزج فيه الشعر بالفلسفة والخيال بالحقيقة ويلقي منه إلى القلب والروح ما وحت إليه الطبيعة من الجمال والجلال وما نظن هذا الكتاب إلا محدثاً انقلاباً كبيراً فإنه على صغره يعي ما يستوعبه القلب من الحياة وأكبر فوائده فيما نرى لطلبة الإنشاء المتين البديع الذين يريدون أن يكتسبوا ملكة صحيحة من النقد وصحة النظر وسمو الفكر وقوة الخيال وهي صفات لا يكون الإنشاء بدونها ولا تعطيهم كتب المختارات وغيرها شيئاً منها فإن هذا (الحديث) فيما رأينا مكتوب على طريقة لتربية الخيال والفكر كالطريقة التي تضع بها كتب التربية العلمية للنفس فلا يقرؤه الطالب حتى يخرج منه بروح جديد وهي طريقة في تعليم الإنشاء لم يطرقها أديب إلى اليوم مع أنها الطريقة الطبيعية ولا تزال الطبية تضن بحقائقها إلا على رجالها الأفراد فكلما ظهر أحدهم بحقيقة منها رأيناه وكأن في يده شهادة من الطبيعة أنه رجل من نوابغها. ونحن ناشرون اليوم هذه المقدمة الساحرة التي بين فيها الرافعي أغراض كتابه وهي وحدها بكتاب كامل.
غرض الكتاب
هذه مقالة صرفت فيها وجه الحديث إلى القمر وبعثت إلى الكون في أشعة الفجر كلماتها.
ولقد كان القمر بضيائه كأنه ينبوع يتفجّر في نفسي فكنت أشعر بمعاني هذا الحديث كما
стр. 542
يشعر الظمآن اللهف قد بلغ الريّ وتندي الماء على كبده فأحس بروحه تتراجع كأنما تحدرها قطرات الماء.
ونشرت على خيوط القمر ليلاً من ليالي الجمال دونه شباب الشاعر الغزل يمتد مع ألحاظ فاتنته الحسناء كلما استطار في آفاقه ابتسامها.
وكنت أرى الطبيعة وقد شفت لعيني كأنها أخرجت حقائقها لتغسلها من ظنون الناس وأوهامهم بهذا الضياء الساكن المرتعد كأنه عرق يرفض من جبين السماء وقد تخشعت من جلال الله وخشيته إذ يتجلى عليها. فما فرغت من تصوير الأثر الذي تركته تلك الرؤية في نفسي حتى رأيت هذه المقالة في يدي وكأني أحملها رسالة تعزية من الطبيعة إلى العالم.
كتبتها وأنا أرجو أن تكون الطبيعة قد أوحت إلي بقطعة من مناجاة الأنبياء التي كانت تستهل في سكون الليل فيعيها كأنه ذاكرة الدهر. وأن تكون قد بثت في ألفاظي صدى من تلك النغمات الأولى التي كان يتغنى بها أطفال الإنسانية فتخرج من أفواههم ممزوجة بحلاوة الإيمان الفطري. وتذهب في السماء متهادية كأنها طائرة بروح من اطمئنان قلوبهم وتسيل في ضوء الصباح وظل الشمس ونور القمر كأنها في جمال الطبيعة أفكار طيور مغرّدة تدور على ألسنتها.
وكتبتها وآنا آمل أن تكون الطبيعة قد ألقت في معانيها بذوراً من عناصر التحول الأخلاقي تزكو في هذه القلوب الحيوانية التي لو نقلت إلى جوانح البهائم لعاشت بها. . . وهذه النفوس التي تذل لأحقر من في الأرض ولا تثور إلا على السماء. وهذه العقول التي تحاول أن تكتب للروح تاريخاً أرضياً يبتدئ وينتهي في التراب فتكون الحقيقة الإلهية التي لا يدركها الإنسان بسبيل من الوهم الإنساني الذي لا يدرك الحقيقة.
وكتبتها وأنا أطمع أن تكون الطبيعة قد نفخت فيها نسمة الحياة للعواطف الميتة المدرجة في أكفان من الحوادث الدنيئة. فإن هموم العيش لا تميت من عواطف القلوب إلا تلك التي لا تعرف كيف تستمد الحياة من روح الطبيعة وإنما يكون استمدادها من مادتها فتحيا بخبر وتموت بخبر وقد تمضي كالوحش الذي يرميه الصائد ولا يضميه فينفر حاملاً جنبه وفي جرحه الموت والحياة معاً.
وكتبتها أتناول ألفاظها من تحت لساني وأكشف من قلبي معانيها وأنفض عليها ألوان
стр. 543
الطبيعة التي تصور أحلام النفس وخيالاتها. وأنا أرجو أن أكون قد وضعت لطلبة الإنشاء المتطلعين لهذا الأسلوب أمثلة من علم التصور الكتابي الذي توضع أمثلته ولا توضع قواعده لأن هذه القواعد في جملتها إلهام ينتهي إلى الإحساس. وإحساس ينتهي إلى الذوق. وذوق يفيض الإحساس والإلهام على الكتابة جميعاً فيترك فيها حياة كحياة الجمال لا تداخل الروح حتى تستبد بها ولا تتصل بالقلب حتى تستحوذ عليه فنكون له كأنها فكرة في ذاته.
وكل علوم البلاغة إنما تدور على شرح أمثلة بليغة وغير بليغة فما من كاتب يحاول أن يستفيد تصوره من هذه العلوم على أن ينزلها في ذلك منزلة الأصول والضوابط إلا انتهى إلى ملكة علمية تتصل منه بعقل جامد كأنه غلاف لفظي نسجته القواعد والأمثال. فإلى أن يعقد الموت لسانه لا تكون قيمة عمره قد أربت من البلاغة على ثمن كتاب من كتب علوم البلاغة. .! ولا غرفان من ضلال العقل أن يعمل المرء لمقدمات متسلسلة ينتج بعضها بعضاً وليس لمجموعها نتيجة.
وحسب مثل هذا عقاباً (بليغاً) في رجع أمره أنه لا يزال ينشر أذنيه على البلاغة طمعاً فيها وهو موقن باليأس منها وذلك ضرب من المطمع لا تبتلى النفوس بأشد منه حتى أن نفس الأثيم الذي انسلخ من الفضيلة لتقر على كثير من أنواع العذاب ولا يعذبها شيء كرؤية هذا المجرم للفضيلة في غيره وهو يعرف أنه لن يستطيع أن يحرزها لنفسه.
البلاغة التي حار العلماء في تعريفها على كثرة ما خلّطوا لا تعدو كلمتين: قوة التصور والقوة على ضبط النسبة بين الخيال والحقيقة. وهما صفتان من قوي الخلق تقابلان الإبداع والنظام في الطبيعة. وبهما صار أفراد الشعراء والكتاب يخلقون الأمم التاريخية خلقاً ورب كلمة من أحدهم تلد تاريخ جيل.
فإذا مسخ التصور في الإنشاء فجاء كتصور المريض، وشرد الخيال فذهب كخيال المجانين وأدير الإنشاء بعد ذلك على أنه بليغ فاعلم أنها بلاغة العصور الذاهبة في الانحلال بآفات الاجتماع وأمراضه فيكون طابعها في الاصطلاح مرضاً من نفسها. ولقد فشا ذلك في العربية حوال القرن الخامس للهجرة إلى عهدنا فثم عالم من الشعراء والكتاب بلا شعر ولا كتابة.
وما البليغ إلا ذلك الذي يستطيع أن يؤتيك طبائع الأشياء - التي تجهلها - في غير
стр. 544
صورها ثم أنت لا تعرفها من كلامه إلا في صورها فكأنه ناسب بين قوتها وضعفك بصناعته وسحره إذ يمازجها بخيال قوي كالعقل يوازن ضعفك وحقيقة ضعيفة كالقلب توازن قوتها. وهو لا يتسلط على طبيعتها إلا بتصوره ولا يستهوي طبيعتك إلا بقدرته على ضبط النسبة بينك وبينها.
فالبلغاء هم أرواح الأديان والشرائع والعادات وهم ألسنة السماء والأرض، وإذا شهد عصر من العصور أمة ليس فيها بليغ فذلك هو العصر الذي يكون تاريخاً صحيحاً لأضعف طبائع الأمم.
وكتبت هذه المقالة وبحسبي منها أن يكون عند الحقيقة ذخرها، وعند الجمال شكرها، وعند الله أجرها.
وهذه نبذة من الفصل الأول.
أيها القمر
الآن وقد أظلم الليل وبدأت النجوم تنضح وجه الطبيعة التي أعيت من طول ما انبعثت في النهار رشاش من النور والندى يتحدر قطرات دقيقة منتشرة كأنها أنفاس تتثاءب بها الأمواج المستيقظة في بحر النسيان الذي تجري فيه السفن الكبيرة من قلوب عشاق مهجورين برحت بهم الآلام، والزوارق الصغيرة من قلوب أطفال مساكين تنتزعها منهم الأحلام، تلك تحمل إلى الغيب تعباً وترحاً، وهذه لعباً وفرحاً، والغيب كسجل أسماء الموتى تختلف فيه الألقاب، وتتباين الأحساب والأنساب، وتتنافر معاني الشيب من معاني الشباب، وهو يعجب من الذين يسمونه بغير اسمه ولا يعلمون أنه كتاب في تاريخ عصر من عصور التراب.
والآن وقد بدأت الطبيعة تتنهد كأنها تنفس بعض أكدارها، أو هي يملي في الكتاب الأسود أخبار نهارها، وبدأ قلبي يتنفس معها كأنه ليس منها قطعة صغرى، بل طبيعة أخرى، ولله ما أكبر قلباً يسع الحب من قبلة اللقاء إلى ذكراها، ومن حياة الصبي الأولى إلى ما يكون من الجنة أو النار في أخراها، إن هذا لهو القلب الذي ترى فيه الطبيعة كتاب دينها المقدس. فإذا لحق العاشق الذي يحمله بربه تناولته وهي جاثية كأنها في صلاة الحزن ثم قبلته متلهفة ثم قلبته متخشعة ثم أودعته في مكتبة الأبد لأنه تاريخ قلب آخر بل هو جزء
стр. 545
من الموسوعات الكبرى التي يدن فيها الدهر تاريخ النفس الإنسانية على ترتيب بعينه تعلم الناس منه أن يبدؤا لغاتهم جميعاً بحرف (الألف) لا لأنه من أقصى الحلق. . . بل لأنه من أقصى القلب، بل لأنه من أقصى التاريخ، بل لأنه أول اسم (آدم) ذلك العلم الأول في تاريخ الحب.
والآن وقد رقت صفحة السماء رقة المنديل، أبلته قبل العاشق في بعاد طويل، أو هجر غير جميل، وتلألأت النجوم كالابتسام الحائر على شفتي الحسناء البخيلة حيرة القطرة من الندى إذ تلمع في نور الضحى بين ورقتين من الورد. وأقبل الفضاء يشرق من أحد جوانبه كالقلب الحزين حين ينبع فيه الأمل. ومرت النسمات بليلة كأنها قطع رقيقة تناثرت في الهواء من غمامة ممزقة. وأقبلت كل نفس شجية ترسل آمالها إلى نفس أخرى كان الآمال بينهما أحلام اليقظة. ونظر الحزين في نفسه. والعاشق فيقلبه. ونام قوم قد خلت جنوبهم فليس لهم نفوس ولا قلوب. ولبس السكون تاجه العظيم فأشرق عليه القمر.
والآن وقد لمعت أيها القمر لتملأ الدنيا أحلاماً وتتشرف على الأرض كأنك روح النهار الميت ما ينفك يتلمس جوانب السماء حتى يجد منها منفذاً فيغيب. فهلم أبثك نجواي أيها الروح المعذب وأطرح من أشعتك على قلبي لعلي أتبين منبع الدمعة التي فيه فأنزفها، إن روحي لا تزال في مذهب الحس كأنها تجهش للبكاء ما دامت هذه الدمعة فيه تجيش وتبتدر. ولكن إذا أنا سفحتها وتعلقت بأشعتك الطويلة المسترسلة كأنها معنى غزلي يحمله النظر الفاتر فلا تلقها على الأرض أيها القمر فإن الأرض لا تقدس البكاء وكل دموع الناس لا تبل ظمأ النسيان ولو انحدرت كالسيل يدفع بعضها بعضاً.
أرأيت أيها القمر هذا النهر الصافي الذي يجري كأنه دموع السحر من أجفان هاروت وماروت، ويطرد بجملته كأنه قطعة من السماء هاربة في الأرض وهل تبصر في شاطئه تلك الشجرة الناضرة الممتلئة بالأوراق كأنها مكتبة يتصفحها الهواء. هذه هي مثال الفلسفة الطبيعية فكل حكيم لا ينبت على شاطئ الدموع الشريفة فهو فيلسوف جافٌّ كأنه مصنوع من جلود الكتب وما دمعتي إلا النهر الذي نبت في شاطئه وهي أطهر شيء وأصفاه لأنها مخلوقة من ثلاثة عناصر تقابل العناصر السماوية. من الحب الذي يقابل عنصر النار ومن اللين الذي يقابل عنصر الهواء ومن البكاء الذي يقابل عنصر الماء.
стр. 546
ليس كل من عصر عينيه فقد بكي. إن البكاء لأشرف من ذلك وكما يكون الضحك أحياناً حركةً في الأفواه تبعثها العادة كحركة الحواس الغليظة فيضحك المرء وقلبه صامت. كذلك يكون من البكاء ما هو حلم الأسي. لأن في العين حاسة لا بد من تمرينها أحياناً تسمى حاسة الدموع.
وما أن لقيت باكياً إلا رأيت وجهه مقبلاً علي كأنه يسألني: ترى من أين يذبح الإنسان إذا كانت دموعه هي دماء روحه؟ ذلك لأن الدموع لم تعد على طبيعتها دموعاً بل هي علامات الألم أو السخط. الألم من المخلوق والسخط على الخالق فهي ألفاظ من لغة العجز قد تكون أفصح منها في الأداء كلمات السفاه والغيظ والحنق وما إليها.
ولكن الباكي بها لا يجد من قوة الجراءة ما يرفع صوته من حفرة الحلق التي لا تمتلئ مع أن نفس الحر تئد فيها كل يوم ألفاظاً كثيرة من عبارات الذل والتمليق فلا ينطق بها. وتئد فيها نفس الذليل كل ألفاظ الإباء والأنفة فلا ينطق بواحدة منها. وذلك لعجز الباكي ولضعف إحساسه بالذل السياسي أو لضعف قلبه بالتقوى التاريخية فيرفع صوت روحه وهي تتكلم من العين بهذه المعاني السائلة التي نسميها الدموع.
أريد أن ابكي بكائي الطبيعي أيها القمر لأنه يخيل إليّ أن حقائق كثيرة تغتسل بدموعي. وإني لا أكون في حاجة إلى البكاء إلا حين تكون هي في حاجة إلى الدموع. ولقد شعرت مراراً بحركة عقلي في تصفح الأسفار، واضطراب نفسي في متاحف الآثار. واختلاج قلبي في معابد الطبيعة التي قامت الجبال في بنائها لأنها أحجار، فما أفدت من كل ذلك ما أفدته من دمعة تفور في صبيبها كأنها روح عاشق يطاردها الموت بين يدي حبيبها، فإن في هذه الدمعة ثواب كل آلامي، ويقظة كل الحقائق من أحلامي.
للحديث بقية.
стр. 547
مقالات في الأدب
وضع الأستاذ ابراهيم عبد القادر المازني أحد أساطين البيان سلسلة مقالات في النقد الأدبي ضمنها أبحاثاً جديدة مبتكرة وآراء سديدة لم يكد يسبق إليها في كيف يكتب الكاتب ويقرض الشعر الشاعر ويبين المبين وما هو سر الفصاحة وأساس البلاغة وروح البيان وما هو الأسلوب والتخيل والنظر وما إلى ذلك مما سيكشف النقاب عن حقائق من هذا الباب طال احتجابها على كثير من الناس وكل ذلك قد أفرغه أديبنا المبدع.
في نظام من البلاغة ما شكّ امرؤ أنه نظام فريد
حزن مستعمل الكلام اختياراً ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدركن به غاية المراد البعيد
وسننشر هذه المقالات تباعاً في أعداد البيان وهاك قطعة من فصل كالتمهيد إلى ما بعده قال الأستاذ أيده الله:
فصل في أن امتياز العبارة بالتأثير
ليس لكاتب على كاتب فضل إلا بسهولة مدخل كلامه على النفس وسرعة استيلائه على هواها، ونيله الحظ الأوفر من ميلها، وإنما يلائم الكاتب بين أطراف كلامه ويساوق بين أغراضه، ويبني بعضها على بعض، ويجعل هذا بسبب من ذاك لتكون عبارته أفعل باللب، وأملك للسمع والقلب وأبلغ في التأثير، والكاتب في ذلك كصانع الديباج، يوشيه بمختلف التصاوير ومتناسبها ليكون أملأ للعين، وأوقع في النفس وأعلق بالقلب، وليست المزية كما يتوهم من لا يتدبرون الكلام في أن هذا أكثر تأنقاً من ذلك، وأحسن تحبيراً، بل المزية في أن أحدهما أقدر على إبلاغ المعنى لذهن القارئ.
على أنك قد تبلغ بالعبارة العارية العاطلة ما لا تبلغه بالكلام المفوف، بل قد يكون التأنق إذا أسرف فيه الكاتب أو جهل مواضعه، وأخطأ مواقعه، حائلاً بينه وبين ما يريد من نفس القارئ ألا ترى كيف جنى أبو تمام على نفسه بحبه لتطريز الكلام، ومبالغته في تدبيجه، وإسرافه في استعمال الخشن النافر من الألفاظ، وإكثاره من الاستعارات والتكلف لها اغتراراً بما سبق من مثل ذلك في كلام القدماء، حتى كثر في شعره الرث الفاسد والغامض الذي ينبو عنه الفهم، وحتى صار أصبر الناس لا يقوى على إتمام قصيدة من شعره من
стр. 548
غير تحامل على نفسه، وإرهاق لذهنهن لكثرة اعتسافه ومزجه الغرر بالعرر والمأنوس بالوحشي الكدر، انظر إلى قوله يصف قصيدة له:
لها بين أبواب الملوك مزامر ... من الذكر لم تنفخ ولا هي تزمر
فجعل كما ترى للقصائد مزامر إلا أنها لا تنفخ ولا تزمر ثم تأمل قوله وما أحسنه وألطفه:
أيامنا مصقولة أطرافها ... بك والليالي كلها أسحار
فقد تراه يخلط الحسن بالقبيح والجيد بالرديء والحلو بالمر، وإنما رأى أبو تمام أشياء يسيرة من بعيد الاستعارات ومتفرقة في أشعار القدماء، وإن كانت لا تنتهي في البعد إلى هذه المنزلة فاحتذاها وأحب الإبداع في إيراد أمثالها فاحتطب واستكثر منها. وقد وقع في هذا العيب كثير من كتابنا وشعرائنا وسترد عليك أمثلة من ذلك مثبوتة في تضاعيف هذه الرسائل كل في موضعه.
لست أنكر أن الاستعارة المصيبة وما يجري مجراها من أنواع البديع قد تبرز المعنى في أحسن معرض، مثل قوله تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن فإن ذلك أدل على اللصوق وشدة المماسة، ومثل قول الشاعر رأيت يد المعروف بعدك شلت ومثل قول البحتري في صفة البركة:
فحاجب الشمس أحياناً يضاحكها ... وريّق الغيث أحياناً يباكيها
وقول أبي تمام:
فقد سحبت فيها السحاب ذيولها
وهو كثير في كلام العرب وشعرهم وخطبهم وأمثالهم وليس بنا إلى استقصاء ذلك حاجة، ولكن للجمال العاطل أيضاً روعة وإجلالاً، ونضرة وملاحة، وموقعاً حسناً، ومستمعاً طيباً، وعليه فرند لا يكون على غيره، مما عسر بروزه، واستكره خروجه.
على أن تأثير العبارة لا يكون بحسن تأليفها، وجودة تركيبها، وجمال رصفها، فإن ذلك وحده - على شدة الحاجة إليه - غير كاف، بل لا بد للكاتب أو الشاعر أن تكون نواحي نفسه جائشة بما يحاول أن ينسجه من خيوط الألفاظ، فليست فضيلة التأثير راجعة إلى ارتباط الكلم بعضها ببعض، ونتائج ما بينها، ولا إلى خصائص يصادفها القارئ في سياق اللفظ، وبدائع تروعه من مبادئ الكلام ومقاطعه، ومجاري الفقر ومواقعها، وفي مضرب
стр. 549
الأمثال، ومساق الأخبار، ولا إلى أنك لا تجد كلمة ينبوبها مكانها، أولفظة ينكر شأنها، بل فضيلة التأثير راجعة إلى شعور جم، وإحساس قوي بما يجري في الخاطر، ويجيش في الصدر. أنظر إلى أبيات البحتري في صفة الإيوان إيوان كسرى:
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتماً بعد عرس
وهو ينيبك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس
والمنايا مواثل وأنوشر ... وإن يزجي الصفوف تحت الدرفس
تصف العين أنهم جد أحياءٍ لهم بينهم أشارة خرس
يغتلي فيهم ارتيابي حتى ... تتقراهم يداي بلمس
وكأن الإيوان من عجب الصنعة جوب في جنب أرعن جلس
يتظنى من الكآبة أن يبدو (م) ... لعيني مصبح أوممسي
مزعجاً بالفراق عن أنس ألف ... عز أو مرهقاً بتطليق عرس
عكست حظه الليالي وبات المشتري فيه وهو كوكب نجس
فهو يبدي تجلداً وعليه ... كلكل من كلاكل الدهر مرسي
لم يعبه أن بز من بسط الديباج واستل من ستور الدمقس
مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت في رؤس رضوى وقدس
ليس يدري أصنع أنس لجن ... سكنوه أم صنع جن لأنس
غير أني أراه يشهد أن لم ... يك بانيه في الملوك بنكس
فكأني أرى المراتب والقوم إذا ما بلغت آخر حسي
وكأن الوفود ضاحين حسرى ... من وقوف خلف الزحام وخنس
وكان القيان وسط المقاصير (م) ... يرجعن بين حو ولعس
وكان اللقاء أول من أمس (م) ... ووشك الفراق أول أمس
وكأن الذي يريد اتباعاً ... طامع في لحوقهم صبح خمس
عمرت للسرور دهراً فصارت ... موقفات على الصبابة حبس
ذاك عندي وليست الدار داري ... باقتراب منها ولا الجنس جنسي
ألست تحس وأنت تقرأها كأنك شاهد الإيوان وحاضر أمره. في حالتي نعيمه وبؤسه. وهل
стр. 550
كان هذا كذلك لأن الشاعر طابق بين المأتم والعرس. والبيان واللبس. والمصبح والممسي. والجن والأنس. واللقاء والفراق. وجعل المشتري كوكب نحس. وقديماً كان يطلع بالسعد ومزج لك الشك باليقين. وجمع بين المؤتلف والمختلف. وقدم وأخر. وعرف ونكر. وحذف وأضمر. وأعاد وكرر.
كلا؟ فإن في شعره ما هو أحفل من هذه الأبيات بأنواع البديع. ولا يبلغ مع هذا مبلغها في التغلغل إلى النفس والولوج إلى القلب. بل الفضيلة كل الفضيلة في أن الشاعر كان ملآن الجوانح. مفعم القلب. من إحساس مستغرق. آخذ بكليتيه ولهذا ترى روحه مراقة على كل بيت. وأنفاسه مرتفعة من كل لفظ. وهل الشعر إلا مرآة القلب. وإلا مظهر من مظاهر النفس. وإلا صورة ما ارتسم على لوح الصدر. وانتقش في صفحة الذهن. والأمثال ما ظهر لعالم الحس. وبرز لمشهد المشاعر.
نعم إن الإحساس الجم. والشعور الملح. لا يكفيان. بل لا بد من قوة التأدية وعلو اللسان للترجمة عنهما ولكنك إن عولت على ملاحة الديباجة. وجمال الأسلوب وحسن السبك. لم تعد أن تكون صناعاً حاذقاً. بصيراً بصرف الكلام. متصرفاً في رفيقه وجزله. مجوداً في مرسله ومسجعه. يتخرج عليك طلبة الكتابة. وينسج على منوالك روّام الإنشاء وتلاميذ المدارس الطامحين إلى مراتب الكتاب. نسجهم على منوال الجاحظ والصابئ. ألا ترى ما في كلامهما من الفتور. فتور الصنعة لا الطبع. فتور القدرة لا العبقرية على اختلاف بينهما في الأساليب وتباين في مذاهب الكتابة. أترى الجملة من كلام أحدهما تستفزك كما تحركك الكلمة من خطب الإمام علي؟ كلا! وإنما كان هذا كذلك لأن هذين وإن تباينت مذاهبهما كتاب صنعة. والإمام علي لم تكن به حاجة إلى الصنعة لمجيئه في شباب اللغة. والألسنة طليقة. واللهجة بطبعها أنيقة. والترسل وتطريز الكلام على نحو ما ترى في كلام المتأخرين ليسا معروفين. هذا إلى أن أيامه كانت حافلة بما يحرك الخاطر ويبسط اللسان. فأما الجاحظ مثلاً فقد كان من أدباء العلماء ولهذا ترى في كلامه فتور العلم. والعلم ليس من شأنه أن يستثير العواطف أو يهيج الإحساس. وسبيل الجاحظ إذا قال أن يمط الكلام مطا. ويطيل مسافة ما بين أوله وآخره. وهذا أيضاً من دواعي الفتور. وبواعث الضعف.
وإن أردت دليلاً آخر على أن أشد الكلام تأثيراً ما خرج من القلب فليس أقطع من أن تأثير
стр. 551
الشعر أبلغ من تأثير النثر. وأن النسيب والرثاء وما يجري مجراهما من فنون الشعر أبلغ تأثيراً من المدح والحكم. وأملك لاعنة القلوب. تأمل قول المجنون:
كأن القلب ليلة قيل يغدي ... بليلى العامرية أو يراح
قطاة عزها شرك فباتت ... تعالجه وقد علق الجناح
إلى آخر الأبيات:
وقول جليلة بنت مرة ترثي زوجها كليباً حين قتله أخوها جساس:
يا قتيلاً قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعاً من عل
هدم البيت الذي استحدثته ... وسعي في هدم بيتي الأول
مسني فقد كليب بلظي ... من ورائي ولظى مستقبلي
ليس من يبكي ليومين كمن ... إنما يبكي ليوم ينجلي
درك الثائر شافيه وفي ... درك ثأري ثكل المشكل
إلى آخر ما قالت. ثم انظر إلى قول الشماخ في المدح:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
أو قول زهير:
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشقى بأحلامها الجهل
على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
وقل أي هذه الأبيات أشجى وأشد إثارة للنفس وتحريكاً للقلب؟
أأبيات زهير والشماخ. وهي من أحسن الشعر. وأجوده وأرصنه. أم شعر جليلة. وليست من طبقتهما ولا لهادقة معانيهما. وشرف أسلوبهما. وجودة حبكهما. أم أبيات المجنون. المستوحش في جنبات الحي منفرداً عارياً. لا يلبس الثوب إلا خرقة. ويهذي ويخطط في الأرض. ويلعب بالتراب والحجارة. وينفر من الناس. ويأنس بالوحش. أليس لبيتيه نوطة في القلب وعلوق بالنفس. لا تجدهما في أبيات الشماخ وزهير وهما من فحولة الشعراء المعدودين وزعماء القول المتقدمين.
стр. 552
النقد والتقريظ
حديث القمر
نوهنا في غير هذا الموضع من البيان بكتاب حديث القمر لشاعرنا وأديبنا الكبير السيد مصطفى صادق الرافعي ونشرنا هناك مقدمته البليغة ونبذة من الفصل الأول منه. وقد صدر الكتاب مفصلاً إلى تسعة فصول ضافية في نيف وسبعين ومائة صفحة ونبه صاحبه على ظاهره أنه كتبه على نمط خاص من الكتابة العربية يجعل طالب الإنشاء بإدمان قراءته وتأمله منشئاً إذ يربي فيه ملكة التخيل الصحيح التي هي أساس البلاغة ولا بلاغة بدونها.
ونحن نقول أننا تناولنا هذا الكتاب فما زلنا حتى فرغنا منه ونظن أن القراءة على اختلاف أذواقهم سيجدون من ذلك ما وجدنا فإن الكتاب جذاب يأخذ بمجامع القلوب ويستهويها بما فيه من الأساليب الشعرية العالية والتصورات المبتكرة المونقة والمعاني الفلسفية الراقية التي تدور كلها على ما يضرب له القلب الإنساني كوصف الجمال وتحليله كل في مظاهره من الإنسان والطبيعة والعواطف ونحوها والقول في أمهات المسائل الاجتماعية الكبرى كالسعادة والفقر وآلام الحياة وأحزانها وما إليها ثم التبسط على وجه بديع في مسئلة المسائل الإنسانية التي طرفاها الإيمان والإلحاد. وكل ذلك وما تخلله مما اقتضاه سياق الكلام يجري على طريقة امتزج فيها الشعر بالفلسفة الحكيمة والجد بالتهكم الرقيق في صفاء من اللغة واطراد من التعبير وجزالة من الأسلوب إلى دقة في الوصف. وإبداع في الرصف. وما شئت مما يجعل الكتاب نسيج وحده، ويدني به النفس إلى غاية الكمال وحده.
وقد كشف لنا الرافعي بكتابه هذا عن حقيقة كانت هي السر في خيبة كثير من شبابنا الذين يطلبون وجوه الإجادة في الإنشاء ويبتغون لذلك الوسائل ثم لا يستطيعون لأنهم يعتمدون على حفظ بعض الرسائل والجمل اللغوية والنبذ المختارة من المنظوم والمنثور وهي لا تعطيهم أكثر من المادة الفظية التي هي صنعة اللسان والتي ليس من شأنها أن توجد المعاني وإنما توجدها المعاني ويهملون صنعة الفكر والتخيل التي عي الأصل في الإنشاء لأنها صنعة استنباط المعاني وتصويرها على ما تحس بها النفس فلا يكون من ذلك إلا أنهم ينتهون حيث يبتدئون ويعودون من آخر الطريق وكأنهم لما يبرحوا أولها ولا نعرف أحداً
стр. 553
من أدبائنا فكر في تعليم الإنشاء على الطريقة التي ابتكرها الرافعي مع أنها الطريقة الطبيعية وما من كاتب قد نبغ في الكتابة إلا وهو يعرف من نفسه أنها كانت طريق نبوغه وإجادته والعيان يدلنا على أنه لو ظهر في الأمة ألف كاتب من كتاب الألفاظ لأخملهم كاتب واحد ينبغ بفكره وخياله ولأستبد بقصب السبق دونهم لأن الأمم لا تقاد بالألسنة ولكن بالعقول.
وهذه لغتنا العربية مملوءة بكتب الألفاظ وأساليبها حتى لا مزيد على ما عندنا منها ونحن مع ذلك أفقر الأمم كتاباً وأدباء بالمعنى الصحيح للكتابة والأدب فلو لم يكن الأمر على ما بيناه لكاثرنا شعوب الأرض بكتابنا وشعرائنا ولكان لنا في فنون القول ومذاهب الكلام مثل ما لهم أو بعضه وأين ذلك منا بل أين نحن منه وإنما أبرع كتابنا من برع في النقل والتعريب أو السلخ من كتابة كل أديب.
وبعد فحديث القمر كتاب كأنه قصيدة واحدة من أبلغ الشعر وأرقاه بل لا نظن أن الشعر وإن جوّد نظم وسبكة يبلغ مبلغ هذا النثر البديع من الفخامة والروعة وبلاغة التأثير فنحث كل من يطلب إمتاع نفسه باللذة العقلية أو الفائدة الكتابية على قراءته وتدبره فإنه ولا جرم يجده أولى بالضن وأحق بالحرص والعناية.
وهو يطلب من مكتبة البيان بمصر وثمنه خمسة غروش صحيحة عدا أجرة البريد وهي غرش واحد.
شرح الهاشميات
الهاشميات قصائد للكميت بن زيد الأسدي في مدح بني هاشم والعصبية لهم والنضح عنهم وهي أشبه بخطب سياسية مما يلقى لعهدنا في ندوة بعض الأحزاب الكبرى من عواصم أوروبا في نصر مبدء على مبدء ومظاهرة فريق على فريق ولذا خرجت من بارع الشع العربي وسريه بما بذل فيها الكميت من وجدانه. وما نفث من لسانه. وما استمد من شيطانه. وهي بعد من أقوى الحجج في اللغة وأجمل الآثار في البلاغة وقد جمعت إلى ذلك طول النفس وغزارة المادة مما لم يتأت لغيرها من شعر العرب - إلا قليلا - حتى جعلها الأدباء كأنها صنف من الشعر متميز بنفسه وحتى ضربوها في الأدب مثلاً وحتى استبدت هي بالكميت نفسه فلم يذكر له غيرها.
стр. 554
وقد عني بضبطها وشرحها شرحاً جميلاً حضرة الأديب الفاضل محمد أفندي محمود الرافعي وطبعها طبعاً متقناً فلا غرو أن تكون من غرض كل أديب لأنها في نفسها جديرة بذلك ولأنها في الاصطلاح مادة من أرقى مواد الأدب.
وهي تطلب من مكتبة البيان وثمنها خمسة غروش غير أجرة البريد وهو غرش واحد.
(تنبيه)
جاء في الرسالة التي نشرناها في هذا العدد من كتاب حضارة العرب في الأندلس ذكر لأرض انكبردة وأن العرب وصلوا في فتوحاتهم إليها ولكن فاتنا أن نبين في الهامش ماذا تسمي انكبردة الآن وقد كنا ظننا ظناً ليس بمعتمد على برهان قطعي أن انكبردة هي لمبردية كما يدل عليه تقويم العرب لها وأنها تتصل بأرض قلورية وأرض نابل وللتثبت من ذلك عمدنا إلى أستاذنا وصديقنا العالم الثبت المحقق سعادة أحمد زكي باشا فجاء إلينا من سعادته ما يأتي - قال أيده الله بعد ديباجة خطابه الكريم:
أما كلمة انكبردة فهي اسم لمقاطعة في إيطالية تعرف باسم لومبارديا وعندي أن النساخين كتبوها على طريق التسلسل هكذا (لمبرده) ولما كانت النون سابقة للميم فمن السهل إدغامها على ما هو معهود في العربية فكتب بعضهم بطريق السماع لنبرده ثم صدورها بأداة التعريف فقالوا (اللنبرده) ومن هنا جاء التصحيف فكتبوا (الكبردة) ثم (انكبردة) وبقي هذا الاسم لأخير.
стр. 555
العدد ١٠ - بتاريخ: ٦ - ٢ - ١٩١٣
стр. 556
حضارة العرب في الأندلس
ولما نزلت على ريو أخذت سمتي إلى مسجدها الجامع لأصلي فيه صلاة الصبح وأثلج صدري ببرد التقى وشعائر الإسلام، وأجلو بعضاً من وعثاء السفر الزؤام، وما زلت حتى أخذت عيني بناء شاهقاً تعتم مأذنته بالعماء، كأنما تنث حديثاً إلى ملائكة الله في السماء، أو كأنها تعلن برفعتها رفعة الإسلام. وعزة أهله على عبد الطاغوت والأصنام، وكذلك رأيت كل من مر بهذا المسجد من الروم أغضى من مهابته ذلة وصغاراً، وإجلالاً لدين الله وإكباراً، مما ألقاه في قلوبهم من الرعب واختشاء المسلمين أبو الغنائم الحسن بن علي ﵀.
ولما توسطت باحة المسجد رأيت صفوف المصلين من الرجال وإمامهم في المحراب، كسطور أمامها عنوان الكتاب، وخلف الرجال حاجز من خشب يليه صفوف المصليات من النسوان، كما تكون هوامش الصفحة يفصلها من سائرها أحمر من المداد قان، فانضممت إلى صفوف المصلين وصليت معهم صلاة الصبح ولما إن سلم الإمام وكان قائداً من قواد العرب في هذه البلاد - وكذلك كان أئمة المسلمين في الحروب والسياسات، أئمة لهم في التقى والصلوات، قام واتكأ على سيفه وقال:
أيها العرب أنتم الآن بين ظهر أني عدو يلندد يتجرع منكم الغصص ويتحين بكم الفرص، ويود لو يبدلنكم الله ضعفاً من قوة، وضنا بنفوسكم من فتوة، وهزيمة من ظفر، واستحالة لصفوكم إلى كدر، فيثب بكم وثبة الغضنفر نال منه الجوع والسُّعار، ويسعل بكم كما يسعل هذا البركان فيرمي بحممه والشرار، فإذا فترت منكم الهمم، ووهت العزائم وأغمدتم السيوف في الأجفان، وقعدتم عن نصر الله في كل آونة وكل مكان، وسكنتم إلى الترف والنعيم، وجرتم معاذ الله عن النهج القويم، ودب إليكم ما قد دب إلى هذه الأمم الحمراء، من الحسد والبغضاء، فإنكم صائرون لا محالة إلى ما قد صاروا إليه وإذ ذاك يصيركم الله بعد نصركم فلاّ ويديل من عزمكم ذلا ومن كثركم قلاً، وتئيضون بعد على هذا العالم كلا.
وبعد إن فرغ من كلامه خرج وخرج معه رجاله وعلوا متون الجياد وذهبوا إلى حيث يعلون كلمة الدين، ويذيعون التقى والحق واليقين وينسفون دعائم الشرك والإلحاد. ويفكون أغلال الظلم من رقاب العباد.
مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلون أهل الجور ألواناً
стр. 557
ولما أن قضيت صلاتي خرجت من المسجد وقصدت إلى مرسى السفين فوجدت ثمت مركباً يريد أن يعبر إلى جزيرة صقلية فنزلته ثم قلع وعبر بنا إلى مدينة مسيني إحدى مدائن هذه الجزيرة وأرسي فيها على مرسى عجيب يأخذ بالألباب وذلك أن أكبر ما يكون من السفن يرسي من الشاطئ بحيث يتناول ما فيها من البر بالأيدي.
وقبل أن نسترسل في القوة على مدينة مسيني وسائر البلدان التي مررت بها في هذه الجزيرة العجيبة نذكر لك شيئاً من تقويمها وتاريخها حتى تكون على بينة من أمرها إن شاء الله.
صقلية
هي جزيرة في البحر كبيرة على شكل مثلث متساوي الساقين زاويته الحادة من غربي الجزيرة بينها وبين ريو وبلاد قلورية من بر الأرض الكبيرة مجاز مسيني حيث يتراوح البحر بين ستة أميال وعشرة أميال وبين ذنبها الغربي وبين تونس نيف وستون ميلاً وزاويتها الجنوبية تقابل طرابلس من أفريقية وبالقرب من زاويتها الشمالية جزيرة صغيرة فيها بركان النار الذي لا يعلم في العالم أشنع منظراً منه. وهذا بركان كان اسم لجبلين أحدهما هذا والثاني في صقلية نفسها وفي أرض خفيفة التربة كثيرة الكهوف ولا يزال يصعد من ذلك الجبل لهب النار تارة والدخان أخرى، ومن ثم كانت كثيرة الزلازل بحيث يكثر تهدم أبنيتها منها.
وقد كانت هذه الجزيرة قبل الفتح خاملة قليلة العمارة وكانت من عمالات الروم وأمرها راجع إلى الأنبرو صاحب قسطنطينية وكان عليها والٍ من قبل هذا الأنبرو ويسمى قسطنطين وكانت أفريقية تحت ولاية زيادة الله ابن الأغلب كان والياً عليها من قبل المأمون بن هرون الرشيد فلما كانت سنة ثنتي عشرة ومائتين استعمل الأنبرو على الأسطول قائداً رومياً يسمى فيمي وكان حازماً شجاعاً فغزا سواحل أفريقية وعبث فيها وبقي هناك مدة وبعد ذلك كتب الأنبرو إلى قسطنطين يأمره بالقبض على فيمي وتعذيبه فنمي الخبر إلى فيمي فانتفض وتعصب له أصحابه وسار إلى مدينة سرقوسة إحدى مدائن صقلية فملكها فسار إليه قسطنطين فالتقوا واقتتلوا فانهزم قسطنطين إلى مدينة قطانية فسير إليه فيمي جيشاً فقبضوا عليه وقتلوه واستولى فيمي على صقلية وخوطب بالملك وولى
стр. 558
على ناحية من الجزيرة رجلاً اسمه بلاطة فاتفق بلاطة هو وابن عم له يسمى ميخائيل كان والياً على بلرم وجمعا عسكراً كثيراً وقاتلا فيمي فانهزم فيمي وركب في أسطوله إلى أفريقية مستنجداً بزيادة الله بن الأغلب فسير معه أسطولاً عظيماً في تسعمائة فارس وعشرة آلاف راجل واستعمل عليهم أسد بن الفرات - قاضي القيروان ومن أصحاب مالك ﵁ وهو مصنف الأسدية في الفقه على مذهب مالك - وأقلعوا من سوسة فوصلوا إلى مدينة مأزر من صقلية وساروا إلى بلاطة الذي قاتل فيمي فهزموه والروم الذين معه وغنموا أموالهم وهرب بلاطة إلى قلورية فقتل واستولى المسلمون على عدة حصون من الجزيرة وجرت وقائع كثيرة بين الروم والمسلمين امتدت سنين طوالاً وانتهت باستيلاء المسلمين على جميع جزيرة صقلية - وبقيت صقلية بيد بني الأغلب يتناوبها عمالهم إلى أن أدال الله منهم للعبيديين ودانت لعبيد الله المهدي أفريقية وما إليها فأخذوا يبعثون عمالهم عليها إلى أن كانت فتنة أبي يزيد وشغل أبي القاسم القائم والمنصور العبيدي من بعده بأمره - فلما انقضت فتنة أبي يزيد عقد المنصور لأبي الغنائم الحسن بن أبي الحسين بن علي الكلبي وكان له في الدولة محل كبير وفي مدافعة أبي يزيد غناء عظيم فمهد الأمور للعبيديين غزى بلاد قلورية وأقام والياً على صقلية وما إليها إلى أن استأثر الله بالمنصور وقام بالأمر من بعده ولده المعز لدين أبو تميم معد فسار الحسن إليه بأفريقية سنة إحدى وأربعين واستخلف على ما وراءه ابنه أبا الحسن أحمد ولا يزال هذا الأمير أيده الله والياً على صقلية وما إليها إلى اليوم وهو سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ومقامه ببلرم حضرة هذه الجزيرة.
стр. 559
مستقبل الدولة العثمانية
لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل
وحسن سياسة
حكمة عربية
قال لامارتين: الإمبراطورية العثمانية تنقض اليوم لبنة بعد لبنة ويوشك أن تخلي اليوم أو غداً أقاليمها الواسعة فتتركها بلاقع قفراً من السكان. نهباً للتشعث واللوضي. ولا حاجة إلى التعجيل بتقويض هذا التمثال العظيم بدفعة يد أو لمسة بنان. فإنه ينهدم طوعاً أو كرهاً، ويتداعى لوهن سرى في أجزائه، واستقر في بنائه، وتخلخل لسنا نعرف إلى من نعزوه، ولا هو مما يستطاع الاحتيال على تدعيمه أو يقدر الترك أو أوربة على تقويمه.
كتب لامارتين هذه الكلمات سنة ١٨٣٥. عقب حروب توالت بين الدولة وهذه الدول الناشئة التي تصاولها اليوم، ولكنها لم تكن حرب الطامع النهم أو إغارة الجائع الملتهم، بل كانت تملص مأسور يجاهد سلاسل الأسر.
وثورة مقهور ينحي عن كاهله نير الذل والقهر. ثم دعا الدول إلى عقد مؤتمر تتفق فيه على تقسيم أسلاب آل عثمان وتفريق تلك البقاع الخصبة بين أبناء آدم ليعمروا خرابها ويستغلوا يبابها. ويتيمموا منها صعيداً رق هواؤه وتدفق ماؤه. فيتكاثر عددهم ويعيشون هنالك آمنين في ظل أوربة.
ولا أحسب أنه كان يدور بخلد لامرتين يومئذ أن ذلك التمثال العظيم سيبقى بعده قائماً يقرقع ولا يسقط، ويظل إلى العام وهو يتصدع ثم لا يهبط فكيف إذا رآه اليوم وقد اشتكرت حوليه زعازع الخطوب، واشتجرت حفافيه مطامع الشعوب. .
وما كان لامرتين بأشد تطيراً من كثير من القاطنين في هذه الأيام. فإنك قلّ أن تصادف من لا يقول لك: لقد نزلت الطامة الكبرى، وآن لهذا الهلال أن يطوى. وغنه قد حق على هذه الدولة أن تمحى. ثم يقول إنما نحن نشهد اليوم في شرق أوروبة ما شهده الناس من قبل في غربها غير أن الأندلس قد خلفت بعدها من لو شاء لاعتبر بمصيرها. فهل يبقى منا بعد اليوم من يعتبر بمصيرنا ويتعظ بتفريطنا. .
كذلك زلزلت الصدمة قلوب العثمانيين فيئسوا من الدنيا كأن أوربة هي كل الدنيا. ولو كانت
стр. 560
الدولة العثمانية شجرة لا تنبت إلا في أوربة لحق لهم أن لا يرجوا منها بعد الآن ثمراً. ولكنها شرقية المنبت، وهذه أرومتها لا تزال في الشرق. وما هذه الولايات الأوربية إلا فروع منها لا يميتها انفصالها منها. وقد كان يمكن أن يدور التاريخ دورة غير التي دارها. فلا تتحول أنظار محمد الفاتح بتة إلى القسطنطينية، ولا يركض للترك جواد في بطاح مقدونية، أو يمخر لهم أسطول في بحر الروم، أو يتوغل منهم سلطان في أحشاء الغرب، وكان يكون لهم مع ذلك دولة ولواء، ويتسع لهم في آسيا أمة آسيوية بحتة، كاليابان في شرقها، وهل أذهبت عزلة هذه عن أوربة شيئاً من فخامة ملكها وعزة شأنها. .
فإن كان قد دار التاريخ دورته وقضى الأمر، فلتكن هذه القرون الستة فترة التيه عند بني عثمان، وليثوبوا إلى موطنهم الذي فيه درجوا ومنه خرجوا، وإن ما جاز بالأمس لا يستحيل اليوم، فليست هذه السنة آخرة دورات الفلك، ولئن استحال ذلك كما قد يرى القانطون، فإنما هو محال في أوربة وآسية على السواء.
لا نزعم أن المسألة تافهة هينة، ولكننا لا نظن كذلك أننا عند فراش محتضر طال به النزع، ولا أننا بين يدي شيخ فإن يتوكأ على عصا الشيخوخة إلى حافة القبر، ولا نتربص الموت بهذا الرجل المريض بل قد نرى فيه من الحيوية ما يعمر به إلى ما شاء الله. إذا سوعف بما ينفعه من الدواء.
قال ابن خلدون الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط فيكون أربعين الذي هو انتهاء النمو والنشوء إلى غايته ثم قال: ولهذا يجري على السنة الناس في المشهور أن عمر الدولة مائة سنة.
ولا ريب أن ابن خلدون كان يكتب فصله هذا وهو إنما يحضره خيال تلك الدول العربية التي توارثت الملك دولة بعد دولة، ولا ينظر إلى قيام العباسيين تلو الأمويين، وتعاقب العروش الأفريقية والأندلسية بين السلائل المغربية. وكان لم يئن بعد لعمراني العرب أن ينظر إلى الأمة دون الدولة، لأنه لم يكن للأمة في تلك العهود وجود منفصل عن وجود الدولة، فكان شباب الأمة أو هرمها عنده لا يعرف إلا بالنظر إلى قدرتها على إمداد الدولة بالجند ونشاطها إلى الحرب وراء الفاتحين من ملوكها. فإذا استطاع الملك أن يستجلب الجند من غير أمته فالدولة فتية شابة، ولا شأن لحياة الأمة في عمر دولتها ما دام للملك جند
стр. 561
متأهب للحرب يلبي نفيره، ويتبع ركابه. وما دامت الجبهة نقية من الغصون، فلا حاجة إلى فحص الجسم في حكم ابن خلدون.
وقد نظر إلى دولة الترك في أيامه هذه النظرة، ولو أنه عاش حتى يرى دولتهم تتجاوز المئة إلى المئين لما غير حكمه ولكان يرى أنها داوت هرمها باستجلاب الجند من غير جلدتها. وذلك كقوله: وربما يحدث في الدولة إذا طرقها الهرم بالترف والراحة أن يتخير صاحب الدولة أنصاراً وشيعةً من غير جلدتهم ممن تعودوا الخشونة فيتخذهم جنداً يكون أصبر على الحرب وأقدر على معاناة الشدائد من الجوع والشظف ويكون ذلك دواء للدولة من الهرم الذي عساه أن يطرقها حتى بإذن الله فيها بأمره. وهذا كما وقع في دولة الترك بالمشرق فإن غالب جندها الموالي من الترك، فتتخير ملوكهم من أولئك المماليك المجلوبين إليهم فرساناً وجنداً، فيكونون أجرأ على الحرب وأصبر على الشظف من أبناء المماليك الذين كانوا قبلهم وربوا في ماء النعيم والسلطان وظله.
وكيف كانت قاعدة ابن خلدون قاصرة عن الانطباق على أطوار الفتوة والهرم في الأمم الحاضرة، فلا مراء أنه قد أصاب شاكلة السداد في حكمه على دولة الترك، فإنها كانت إلى ما قبل اليوم ببضعة أعوام دولة دعامتها الجند وأساسها سلطة الحكومة، فلما دب الوهن إلى حكومتها، وتضعضت قواها الفاتحة. لم ينشب أن قعد بها العجز وتضاءلت سطوتها. ولكنها الدولة التي شاخت وليست الأمة، لأنها كانت تتلقى الصدمات منفردة، وكان لا يصيب أمتها من تلك الصدمات إلا ما لا بد منه في أمة تغفل حكومتها عن رعايتها وتدريب قواها الحيوية.
وقد اتفق ماكيافيلي وابن خلدون في تعيين مركز القوة من دولة الترك. لأنهما نظرا إليها من نقطة واحدة. وماكيافيلي عند الطليان كابن خلدون عند العرب. وكلاهما قد أخذ قضاياه عن أحوال الإمارات القديمة. فجاءت مقدمة ابن خلدون وكتاب ماكيافيلي الذي وسمه باسم الأمير على اتفاق غريب في وصف أنواع الحكومات. ومناشئ المنعة والانحلال فيها. لاسيما كلامهما عن الممالك الدينية والعسكرية. وكان عبد الحميد يكثر درس كتاب ماكيافيلي درس مستفيد وأمر بنقله إلى اللغة التركية. ولعله أخذ منه كثيراً من خططه السياسية التي أشار بها الرجل على الملوك المستبدين. قال ماكيافيلي بعد كلام عن الفرق بين تذليل
стр. 562
الممالك المطلقة والممالك التي للشرفاء قسط من الحكم فيها: لهذا يعاني من يهاجم الترك مشقة عظيمة ولكنه متى قهرهم فليس أهون عليه من حفظ ما اغتصبه من ملكهم. وسبب هذه المشقة أن المهاجم لا يجد في مملكة الترك أميراً أو نبيلاً يدعوه إلى اقتحام المملكة ويؤازره على خلع السلطان. ولا ينتظر أن يستفيد من انتقاض بعض أتباع السلطان عليه. لأن وزراءه وولاته كلهم من صنائعه وخدمه. فلا يسهل إغراؤهم عليه. وإذا تم للمغير استمالة بعضهم فليس من الحزم أن يترقب من هؤلاء كبير فائدة. لأنهم عاجزون عن ضم الشعب إليهم للسبب المتقدم. ولذلك كان حتماً أنو يوقن من يشاء الزحف على الترك من أنه واجدهم يداً واحدة. وعليه أن يعتمد على عدته وجيشه أكثر من اعتماده على الدسائس الداخلية. فإذا تهيأ له الغلب عليهم وتشتيت شمل عسكرهم بحيث لا يبقى من يستطيع أن يجمعهم لمدافعته فقد استقر له الأمر وليس عليه أن يخشى إلا من أقرباء السلطان وأعضاء أسرته. فأما غيرهم من حشم السلطان وأتباعه فلا اعتماد للشعب عليهم ولا هو ينقاد إليهم. وكما أن المغير لم يعول على تعضيدهم قبل الفتح فليس عليه أن يرهب بأسهم بعده.
كان هذا شأن الدولة العثمانية لعهد ماكيافيلي أي في أيام سليم الأول وهي بعد في جن صباها وريعان فتوتها. فأما بعد ذلك فقد كانت الفتن الداخلية أشد على الدولة من أعدائها. ولا يعنينا من قول ماكيافيلي المتقدم إلا أن الحكومة هي مركز القوة في الممالك العسكرية المطلقة وأن الهزيمة تقع في تلك الممالك على رأس أولى السلطة دون سواهم - والانحلال الطبيعي في حكم الهزيمة من هذه الوجهة. أي أن أعراضه تظهر على الدولة دون الأمة؟؟
ولا يختلف اثنان في أن الدولة العثمانية قد تطرق إليها الهرم، وأنها ليست تلك الدولة الفاتحة التي عرفها الناس قديماً. ولا يمكن أن تعود كذلك فى يوم من الأيام. فهل اتصل الهرم بشعوبها منها وخمدت فيها جذوة الحياة. فلا عزم فيها يوري. ولا أمل عندها يرجى؟؟
ليس فى بوادر الشعوب العثمانية قاطبة ما ينبئ بشيخوخة أو انحلال، بل كلها لا تزال على حال الفطرة. لم تخثر طبائعها، ولم تفتر حرارتها ولا انتكست أخلاقها، وهذا التركي لم يفتأ شجاعاً جليداً كريم الطبع جم الأدب، والسوري لا تزال له خبرة الفينيقيين بالتحول على الكسب والسعي في طلب المعيشة، ولا يزال البدوي على عنجهيته الجاهلية وشرته الأولى، والكردي ما برح على عهده من يوم خلق، يغزو ويقنع بغفة من العيش، ولم يفقد الأرمني
стр. 563
ما طبع عليه من الذكاء وسلامة النحيزة، فإن صح للعثماني أن يشكو عيباً في أمته فأدنى إلى الصواب أن يشكو منها الطفولة المرجوة، لا الشيخوخة الميؤسة.
فهذه عناصر الحياة والمنة متوفرة في الشعوب العثمانية، فهل يوفق حكامها إلى ضم أشتاتها ولم شعثها، وهل توائم الفرص هذه الطفولة فتنتقل إلى شباب غض وفتوة ناضرة؟؟
اقترح بعضهم فيما اقترحوه نظام اللامركزية ونحن نرى لمسألة اللامركزية وجهين، فهي من وجه منهما ضرورية لازمة، ومن الوجه الآخر فيها مجال للنظر.
فأما كونها ضرورية لازمة فيعززه ما هو معلوم من صعوبة تقدير نظام واحد لأمم وشعوب تختلف اختلافاً بعيداً في العادات والأخلاق والجنس واللغة والدين والموقع ومرافق الثروة والمصلحة المادية، واستحالة الأنافة على كل هذه الشؤن من مركز واحد بمعزل عما تشتمل عليه نفوس القوم من الرغائب وما هم مفتقرون إليه من المطالب، ويؤيده حق كل أمة في تصريف أمورها على الوجه الأوفق لها لاسيما في عصر اشرأبت فيه أعناق الأمم إلى الاستقلال واندفعت إليه بعزم لا تصده إلا قوة ليست فى يد الدولة الآن، وهي أحوج ما تكون إلى شد أزرها بقلوب رعاياها.
وأما مجال النظر فهو في تفاوت تلك الشعوب في الأهلية لحكم نفسها وتباينها فى الإخلاص للدولة. فإن منها ما لم يتعد بعد أبسط أنواع الحكومة البدوية. فلا يعقل أن يعهد إلى مثل هذه بسلطة كالتي تنالها أمة كالأمة. السورية أو التركية مثلاً. كما أن منها ما يكاد يحسب من جنس الأمة التركية. ومنها ما تجمعه بها وحدة دين أو عاطفة ولاء. ولا ينزع هؤلاء إلى الانشقاق عنها. وقد يغيرهم عليها تمييزها سواهم عنهم بهذه الحرية. هذا وربما هاج انفراد تلك الشعوب أطماع الدول التي تشتهيها فعجلت الوثبة عليها.
بيد أن مما لا مراء فيه أنه ليس من حسن السياسة ولا مما يوافق الدولة أن تقسر شعوبها على الاندماج في بنيتها قوة وغصباً. والعقل العصري لا يفهم من معنى الإخلاص أن يتقيد الشعب بالولاء لحكومة تحكمه لمصلحتها لا لمصلحته. وتضحي بشيء من حريته ومنفعته لغايتها لا لغايته. فإن لم يعتقد الشعب أنه يفيد من حكومته أكثر مما يفيده من سواها. وأنه يتمتع في ظلها بحرية لا يتمتع بأوسع منها في ظل حكومة أخرى. وأن بقاءه وارتقاءه آمن في تعلقه بها منهما في انفصاله عنهما فليس لتلك الحكومة حق ولاء عليه. وليس لها أن
стр. 564
تتقاضاه الإخلاص والطاعة.
فليس للدولة العثمانية إلا خطة واحدة تجري عليها في حكم شعوبها كافة. وهي أن تربط مصلحتهم بمصلحتها وتقيم نفسها محوراً تدور حوله مرافق تلك الشعوب. وإنما يكون ذلك بمد السكك التجارية بين أجزائها وتبادل المعاملات الاقتصادية بين ولاياتها وممالكها. وتصيير عاصمة السلطنة سوقاً عامة للتجارة. ومرجعاً عالياً للعلم والصناعة. وكعبة مقصودة في الخوف والرجاء. والشدة والرخاء. وعليها أن تصرف أبصارهم عن التطلع إلى الخارج سياسياً ومادياً بتعمير داخلها. وبسط الأمن والحرية في أرجائها. حتى يعود درؤها المغير على بلادها ذياداً عن حريتها ورفاهتها. قبل أن يكون ذياداً عن سيادة دولتها.
ولا يستلزم هذا الإصلاح سن نظام اللامركزية بمعناه المطلق. بل قد يغني عنه في بادئ الأمر تخويل الولايات حقوق الإدارة الداخلية، مع مراعاة منزلتها من الرقي والكفاءة لتولي الأحكام، وأحسب أن توزيع السلطة على هذا النحو يربح الحكومة الرئيسية من المتاعب والمشاغل التي تملك عليها الوقت من جراء الخلافات العنصرية، ويحسم هذا النزاع القائم بين الأحزاب. وما كان قط نزاعاً حزبياً بالمعنى المعروف في البلاد الأروبية. ولكنه نزاع مداره على المنافسات العنصرية في سبيل إحراز الوظائف وامتيازات السلطة، فالاتحاديون كلهم من الترك أو ممن استهواهم الترك بالمواعيد والآمال، والائتلافيون عناصر شتى تجمعت لتعدل كفتها كفة الترك ويسمع كل منها صوته بلسان العناصر كلها، وما مبتغاهم جميعاً إلا الوظائف والسلطة، فإذا أحرز كل منهم قسطه منها في بلاده خفت وطأة نزاعهم عن الحكومة وتحولت أكثر مساعيهم إلى إصلاح تلك البلاد، وتجمعت قواهم في مواضعها بعد هذا التفرق الذي يذهب بمساعيهم أيدي سبا.
وهناك من زعماء العثمانيين من ينظر إلى الخارج أكثر من نظره على الداخل. فهؤلاء همهم الأول الانضمام إلى أحد الجانبين اللذين يتجاذبان النفوذ في أوروبة. ويقولون أنه ليس علينا الآن إلا أن نأمن العدو الأجنبي ثم نطمئن إلى إصلاح بلادنا. كأن تلك الدول ستتولى حراسة التخوم العثمانية بعد انضمام الدولة إليها، ثم تأخذ عن عاتقها مراقبة السياسة الخارجية!!.
نعم إن الأمن من جهة الخارج واجب من أكبر واجبات الدولة ولكن كيف يكون ذلك؟ أبا
стр. 565
المحالفة؟
كلا! فإن المحالفة لا تؤكد للدولة إلا عداوة من تخالفه ثم إنها لا تكفل لها صداقة من تحالفه.
فإن محالفة بين الدولة والدول لا يمكن أن تبرم بميثاق صحيح، لأن قاعدة التحالف بين أوربا لهذا العهد أن تتعاون على ترجيح نفوذها وتغليب كلمتها في المشاكل السياسية. وليست الدولة صاحبة نفوذ في السياسة الدولية فترغب الدول في ودها. فهي إن حالفتها لم تنو إلا أن تأخذ منها ولا تعطيها أو تأخذ أكثر مما تعطي. فيكون التحالف إذن أشبه باتفاق بين السالب والمسلوب، وكلما جادت الدولة بأملاكها كان الإقبال على محالفتها أكثر.
وليعلم العثمانيون أن تلك الدول لا تعضدهم ولا تتخلى عنهم إلا لمصلحتها. فإن عنّ لها وجه المصلحة في تأييدهم نصرتهم سواء كانت معهم أو عليهم. أو عنّ لها وجه المصلحة في التخلي عنهم خذلتهم، سيان المحالف منها والمخالف.
فخير للدولة أن تدير شراعها من كل ريح من أن تتقيد بريح واحدة. وأنفع لها أن تكسب عطف الرأي العام في أوربة كلها من أن تكسب الود الظاهر من بعض حكوماتها. وقد كان يتعذر عليها ذلك أيام كان تاريخها مرتبطاً بتاريخ المنافسة بين الغرب والشرق والمسيحية والإسلام، وكانت في أوربة دولة شرقية غربية. ولكنها بطبيعتها الشرقية لم تصاحب أروبة في حركة التقدم الحديث، فبقيت دولة غربية شاذة في الغرب، وأعقبت لها تلك الذكريات ضغناً ونفوراً في نفوس القوم أشد مما تقتضيه المنافسة الضرورية بينهم.
فأما اليوم وقد رفعت يدها عن أكثر البقاع التي كان بقاؤها فيها يحرك تلك العداوة الموروثة فربما تيسر لها ما كان يتعذر عليها بالأمس.
ولسنا هنا في مقام رسم الخطط السياسية التي تتوخاها الدولة، ولكننا نجس نبضها ونتلمس فيها مدب الحياة الكامنة، ونشيم برق الفرص. وهنا مجال للثقة والريب، والأمل واليأس، فإن كان ذوو المآرب في فناء الدولة يرجحون جانب اليأس، فليكن جانب الأمل أرجح في قلوب آل عثمان ولئن كان الأمل على قدر الحاجة فليكن العمل كذلك على قدر الأمل. (العقّاد)
следующие страницы →