Полный текст (3 596 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
متأهب للحرب يلبي نفيره، ويتبع ركابه. وما دامت الجبهة نقية من الغصون، فلا حاجة إلى فحص الجسم في حكم ابن خلدون.
وقد نظر إلى دولة الترك في أيامه هذه النظرة، ولو أنه عاش حتى يرى دولتهم تتجاوز المئة إلى المئين لما غير حكمه ولكان يرى أنها داوت هرمها باستجلاب الجند من غير جلدتها. وذلك كقوله: وربما يحدث في الدولة إذا طرقها الهرم بالترف والراحة أن يتخير صاحب الدولة أنصاراً وشيعةً من غير جلدتهم ممن تعودوا الخشونة فيتخذهم جنداً يكون أصبر على الحرب وأقدر على معاناة الشدائد من الجوع والشظف ويكون ذلك دواء للدولة من الهرم الذي عساه أن يطرقها حتى بإذن الله فيها بأمره. وهذا كما وقع في دولة الترك بالمشرق فإن غالب جندها الموالي من الترك، فتتخير ملوكهم من أولئك المماليك المجلوبين إليهم فرساناً وجنداً، فيكونون أجرأ على الحرب وأصبر على الشظف من أبناء المماليك الذين كانوا قبلهم وربوا في ماء النعيم والسلطان وظله.
وكيف كانت قاعدة ابن خلدون قاصرة عن الانطباق على أطوار الفتوة والهرم في الأمم الحاضرة، فلا مراء أنه قد أصاب شاكلة السداد في حكمه على دولة الترك، فإنها كانت إلى ما قبل اليوم ببضعة أعوام دولة دعامتها الجند وأساسها سلطة الحكومة، فلما دب الوهن إلى حكومتها، وتضعضت قواها الفاتحة. لم ينشب أن قعد بها العجز وتضاءلت سطوتها. ولكنها الدولة التي شاخت وليست الأمة، لأنها كانت تتلقى الصدمات منفردة، وكان لا يصيب أمتها من تلك الصدمات إلا ما لا بد منه في أمة تغفل حكومتها عن رعايتها وتدريب قواها الحيوية.
وقد اتفق ماكيافيلي وابن خلدون في تعيين مركز القوة من دولة الترك. لأنهما نظرا إليها من نقطة واحدة. وماكيافيلي عند الطليان كابن خلدون عند العرب. وكلاهما قد أخذ قضاياه عن أحوال الإمارات القديمة. فجاءت مقدمة ابن خلدون وكتاب ماكيافيلي الذي وسمه باسم الأمير على اتفاق غريب في وصف أنواع الحكومات. ومناشئ المنعة والانحلال فيها. لاسيما كلامهما عن الممالك الدينية والعسكرية. وكان عبد الحميد يكثر درس كتاب ماكيافيلي درس مستفيد وأمر بنقله إلى اللغة التركية. ولعله أخذ منه كثيراً من خططه السياسية التي أشار بها الرجل على الملوك المستبدين. قال ماكيافيلي بعد كلام عن الفرق بين تذليل
стр. 562
الممالك المطلقة والممالك التي للشرفاء قسط من الحكم فيها: لهذا يعاني من يهاجم الترك مشقة عظيمة ولكنه متى قهرهم فليس أهون عليه من حفظ ما اغتصبه من ملكهم. وسبب هذه المشقة أن المهاجم لا يجد في مملكة الترك أميراً أو نبيلاً يدعوه إلى اقتحام المملكة ويؤازره على خلع السلطان. ولا ينتظر أن يستفيد من انتقاض بعض أتباع السلطان عليه. لأن وزراءه وولاته كلهم من صنائعه وخدمه. فلا يسهل إغراؤهم عليه. وإذا تم للمغير استمالة بعضهم فليس من الحزم أن يترقب من هؤلاء كبير فائدة. لأنهم عاجزون عن ضم الشعب إليهم للسبب المتقدم. ولذلك كان حتماً أنو يوقن من يشاء الزحف على الترك من أنه واجدهم يداً واحدة. وعليه أن يعتمد على عدته وجيشه أكثر من اعتماده على الدسائس الداخلية. فإذا تهيأ له الغلب عليهم وتشتيت شمل عسكرهم بحيث لا يبقى من يستطيع أن يجمعهم لمدافعته فقد استقر له الأمر وليس عليه أن يخشى إلا من أقرباء السلطان وأعضاء أسرته. فأما غيرهم من حشم السلطان وأتباعه فلا اعتماد للشعب عليهم ولا هو ينقاد إليهم. وكما أن المغير لم يعول على تعضيدهم قبل الفتح فليس عليه أن يرهب بأسهم بعده.
كان هذا شأن الدولة العثمانية لعهد ماكيافيلي أي في أيام سليم الأول وهي بعد في جن صباها وريعان فتوتها. فأما بعد ذلك فقد كانت الفتن الداخلية أشد على الدولة من أعدائها. ولا يعنينا من قول ماكيافيلي المتقدم إلا أن الحكومة هي مركز القوة في الممالك العسكرية المطلقة وأن الهزيمة تقع في تلك الممالك على رأس أولى السلطة دون سواهم - والانحلال الطبيعي في حكم الهزيمة من هذه الوجهة. أي أن أعراضه تظهر على الدولة دون الأمة؟؟
ولا يختلف اثنان في أن الدولة العثمانية قد تطرق إليها الهرم، وأنها ليست تلك الدولة الفاتحة التي عرفها الناس قديماً. ولا يمكن أن تعود كذلك فى يوم من الأيام. فهل اتصل الهرم بشعوبها منها وخمدت فيها جذوة الحياة. فلا عزم فيها يوري. ولا أمل عندها يرجى؟؟
ليس فى بوادر الشعوب العثمانية قاطبة ما ينبئ بشيخوخة أو انحلال، بل كلها لا تزال على حال الفطرة. لم تخثر طبائعها، ولم تفتر حرارتها ولا انتكست أخلاقها، وهذا التركي لم يفتأ شجاعاً جليداً كريم الطبع جم الأدب، والسوري لا تزال له خبرة الفينيقيين بالتحول على الكسب والسعي في طلب المعيشة، ولا يزال البدوي على عنجهيته الجاهلية وشرته الأولى، والكردي ما برح على عهده من يوم خلق، يغزو ويقنع بغفة من العيش، ولم يفقد الأرمني
стр. 563
ما طبع عليه من الذكاء وسلامة النحيزة، فإن صح للعثماني أن يشكو عيباً في أمته فأدنى إلى الصواب أن يشكو منها الطفولة المرجوة، لا الشيخوخة الميؤسة.
فهذه عناصر الحياة والمنة متوفرة في الشعوب العثمانية، فهل يوفق حكامها إلى ضم أشتاتها ولم شعثها، وهل توائم الفرص هذه الطفولة فتنتقل إلى شباب غض وفتوة ناضرة؟؟
اقترح بعضهم فيما اقترحوه نظام اللامركزية ونحن نرى لمسألة اللامركزية وجهين، فهي من وجه منهما ضرورية لازمة، ومن الوجه الآخر فيها مجال للنظر.
فأما كونها ضرورية لازمة فيعززه ما هو معلوم من صعوبة تقدير نظام واحد لأمم وشعوب تختلف اختلافاً بعيداً في العادات والأخلاق والجنس واللغة والدين والموقع ومرافق الثروة والمصلحة المادية، واستحالة الأنافة على كل هذه الشؤن من مركز واحد بمعزل عما تشتمل عليه نفوس القوم من الرغائب وما هم مفتقرون إليه من المطالب، ويؤيده حق كل أمة في تصريف أمورها على الوجه الأوفق لها لاسيما في عصر اشرأبت فيه أعناق الأمم إلى الاستقلال واندفعت إليه بعزم لا تصده إلا قوة ليست فى يد الدولة الآن، وهي أحوج ما تكون إلى شد أزرها بقلوب رعاياها.
وأما مجال النظر فهو في تفاوت تلك الشعوب في الأهلية لحكم نفسها وتباينها فى الإخلاص للدولة. فإن منها ما لم يتعد بعد أبسط أنواع الحكومة البدوية. فلا يعقل أن يعهد إلى مثل هذه بسلطة كالتي تنالها أمة كالأمة. السورية أو التركية مثلاً. كما أن منها ما يكاد يحسب من جنس الأمة التركية. ومنها ما تجمعه بها وحدة دين أو عاطفة ولاء. ولا ينزع هؤلاء إلى الانشقاق عنها. وقد يغيرهم عليها تمييزها سواهم عنهم بهذه الحرية. هذا وربما هاج انفراد تلك الشعوب أطماع الدول التي تشتهيها فعجلت الوثبة عليها.
بيد أن مما لا مراء فيه أنه ليس من حسن السياسة ولا مما يوافق الدولة أن تقسر شعوبها على الاندماج في بنيتها قوة وغصباً. والعقل العصري لا يفهم من معنى الإخلاص أن يتقيد الشعب بالولاء لحكومة تحكمه لمصلحتها لا لمصلحته. وتضحي بشيء من حريته ومنفعته لغايتها لا لغايته. فإن لم يعتقد الشعب أنه يفيد من حكومته أكثر مما يفيده من سواها. وأنه يتمتع في ظلها بحرية لا يتمتع بأوسع منها في ظل حكومة أخرى. وأن بقاءه وارتقاءه آمن في تعلقه بها منهما في انفصاله عنهما فليس لتلك الحكومة حق ولاء عليه. وليس لها أن
стр. 564
تتقاضاه الإخلاص والطاعة.
فليس للدولة العثمانية إلا خطة واحدة تجري عليها في حكم شعوبها كافة. وهي أن تربط مصلحتهم بمصلحتها وتقيم نفسها محوراً تدور حوله مرافق تلك الشعوب. وإنما يكون ذلك بمد السكك التجارية بين أجزائها وتبادل المعاملات الاقتصادية بين ولاياتها وممالكها. وتصيير عاصمة السلطنة سوقاً عامة للتجارة. ومرجعاً عالياً للعلم والصناعة. وكعبة مقصودة في الخوف والرجاء. والشدة والرخاء. وعليها أن تصرف أبصارهم عن التطلع إلى الخارج سياسياً ومادياً بتعمير داخلها. وبسط الأمن والحرية في أرجائها. حتى يعود درؤها المغير على بلادها ذياداً عن حريتها ورفاهتها. قبل أن يكون ذياداً عن سيادة دولتها.
ولا يستلزم هذا الإصلاح سن نظام اللامركزية بمعناه المطلق. بل قد يغني عنه في بادئ الأمر تخويل الولايات حقوق الإدارة الداخلية، مع مراعاة منزلتها من الرقي والكفاءة لتولي الأحكام، وأحسب أن توزيع السلطة على هذا النحو يربح الحكومة الرئيسية من المتاعب والمشاغل التي تملك عليها الوقت من جراء الخلافات العنصرية، ويحسم هذا النزاع القائم بين الأحزاب. وما كان قط نزاعاً حزبياً بالمعنى المعروف في البلاد الأروبية. ولكنه نزاع مداره على المنافسات العنصرية في سبيل إحراز الوظائف وامتيازات السلطة، فالاتحاديون كلهم من الترك أو ممن استهواهم الترك بالمواعيد والآمال، والائتلافيون عناصر شتى تجمعت لتعدل كفتها كفة الترك ويسمع كل منها صوته بلسان العناصر كلها، وما مبتغاهم جميعاً إلا الوظائف والسلطة، فإذا أحرز كل منهم قسطه منها في بلاده خفت وطأة نزاعهم عن الحكومة وتحولت أكثر مساعيهم إلى إصلاح تلك البلاد، وتجمعت قواهم في مواضعها بعد هذا التفرق الذي يذهب بمساعيهم أيدي سبا.
وهناك من زعماء العثمانيين من ينظر إلى الخارج أكثر من نظره على الداخل. فهؤلاء همهم الأول الانضمام إلى أحد الجانبين اللذين يتجاذبان النفوذ في أوروبة. ويقولون أنه ليس علينا الآن إلا أن نأمن العدو الأجنبي ثم نطمئن إلى إصلاح بلادنا. كأن تلك الدول ستتولى حراسة التخوم العثمانية بعد انضمام الدولة إليها، ثم تأخذ عن عاتقها مراقبة السياسة الخارجية!!.
نعم إن الأمن من جهة الخارج واجب من أكبر واجبات الدولة ولكن كيف يكون ذلك؟ أبا
стр. 565
المحالفة؟
كلا! فإن المحالفة لا تؤكد للدولة إلا عداوة من تخالفه ثم إنها لا تكفل لها صداقة من تحالفه.
فإن محالفة بين الدولة والدول لا يمكن أن تبرم بميثاق صحيح، لأن قاعدة التحالف بين أوربا لهذا العهد أن تتعاون على ترجيح نفوذها وتغليب كلمتها في المشاكل السياسية. وليست الدولة صاحبة نفوذ في السياسة الدولية فترغب الدول في ودها. فهي إن حالفتها لم تنو إلا أن تأخذ منها ولا تعطيها أو تأخذ أكثر مما تعطي. فيكون التحالف إذن أشبه باتفاق بين السالب والمسلوب، وكلما جادت الدولة بأملاكها كان الإقبال على محالفتها أكثر.
وليعلم العثمانيون أن تلك الدول لا تعضدهم ولا تتخلى عنهم إلا لمصلحتها. فإن عنّ لها وجه المصلحة في تأييدهم نصرتهم سواء كانت معهم أو عليهم. أو عنّ لها وجه المصلحة في التخلي عنهم خذلتهم، سيان المحالف منها والمخالف.
فخير للدولة أن تدير شراعها من كل ريح من أن تتقيد بريح واحدة. وأنفع لها أن تكسب عطف الرأي العام في أوربة كلها من أن تكسب الود الظاهر من بعض حكوماتها. وقد كان يتعذر عليها ذلك أيام كان تاريخها مرتبطاً بتاريخ المنافسة بين الغرب والشرق والمسيحية والإسلام، وكانت في أوربة دولة شرقية غربية. ولكنها بطبيعتها الشرقية لم تصاحب أروبة في حركة التقدم الحديث، فبقيت دولة غربية شاذة في الغرب، وأعقبت لها تلك الذكريات ضغناً ونفوراً في نفوس القوم أشد مما تقتضيه المنافسة الضرورية بينهم.
فأما اليوم وقد رفعت يدها عن أكثر البقاع التي كان بقاؤها فيها يحرك تلك العداوة الموروثة فربما تيسر لها ما كان يتعذر عليها بالأمس.
ولسنا هنا في مقام رسم الخطط السياسية التي تتوخاها الدولة، ولكننا نجس نبضها ونتلمس فيها مدب الحياة الكامنة، ونشيم برق الفرص. وهنا مجال للثقة والريب، والأمل واليأس، فإن كان ذوو المآرب في فناء الدولة يرجحون جانب اليأس، فليكن جانب الأمل أرجح في قلوب آل عثمان ولئن كان الأمل على قدر الحاجة فليكن العمل كذلك على قدر الأمل. (العقّاد)
стр. 566
مختارات
كيف يسوس الرجل زوجه
للشيخ الرئيس أبي علي بن سينا
إن المرأة الصالحة شريكة الرجل في ملكه وقيمته في ماله وخليفته في رحله وهير النساء العاقلة الدينة الحيية الفطنة الولود القصيرة اللسان المطاوعة العنان الناصحة الجيب الأمينة الغيب الرّزان في مجلس الوقور في هيئتها المهيبة في قامتها الخفيفة المبتذلة في خدمتها لزوجها تحسن تدبيرها وتكثر قليله بتقديرها وتجلو أحزانه بجميل أخلاقها وتسلي همومه بلطيف مداراتها.
وجماع سياسة الرجل أهله ثلاثة أمور لا تدعه وهي الهيبة الشديدة والكرامة التامة وشغل خاطرها بألمهم.
أما الهيبة فهي إذا لم تهب زوجها هان عليها وإذا هان عليها لم تسمع لأمره ولم تصغ لنهيه ثم لم تقنع بذلك حتى تقهره على طاعتها فتعود آمرة ويعود مأموراً وتصير ناهية ويصير منهياً وترجع مدبرة ويرجع مدبراً - وذلك الانتكاس والانقلاب. والويل حينئذٍ للرجل ماذا يجلب له تمردها وطغيانها ويجنيه عليها قصر رأيها وسوء تدبيرها ويسوقه إليه غيها وركوبها هوانها من العار والشنار والهلاك والدمار. فالهيبة رأس سياسة الرجل أهله وعمادها وهي الأمر الذي ينسد به كل خلة ويتم تمامه كل نقص وينوب عن كل غائب ويغني عن كل فائت ولا ينوب عنه شيء ولا يتم دونه أمر فيما بين الرجل وأهله: وليست هيبة المرأة بعلها شيئاً غير إكرام الرجل نفسه وصيانة دينه ومروءته وتصديقه وعده ووعيده.
أما كرامة الرجل أهله فمن منافعها أن الحرة الكريمة إذا استجلت كرامة زوجها دعاها استدامتها لها ومحاماتها عليها وإشفاقها من زوالها إلى أمور كثيرة جميلة لم يكد الرجل يقدر على إصارتها إليها من غير هذا الباب بالتكلف الشديد والمؤونة الثقيلة. على أن المرأة كلما كانت أعظم شأناً وأفخم أمراً كان ذلك أدل على نبل روحها وشرفه وعلى جلالته وعظم خطره. وكرامة الرجل أهله على ثلاثة أشياء في تحسين شارتها وشدة حجابها وترك إغارتها.
стр. 567
وأما شغل المخاطر بالمهم فهو أن يتصل شغل المرأة بسياسة أولادها وتدبير خدمها وتفقد ما يضمه خدرها من أعمالها فإن المرأة إذا كانت ساقطة الشغل خالية البال لم يكن لها هم إلا التصدي للرجال بزينتها والتبرج بهيأتها ولم يكن لها تفكير إلا في استزادتها فيدعوها ذلك إلى استصغار كرامته واستقصار زمان زيادته وتسخط جملة إحسانه.
عاقبة الغواية
لأبي نواس
ولقد نهزت مع الغماة بدلوهم ... وأسمت سرح اللهو حيث أساموا
وبلغت مذ بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام
أثام كسلام هو جزاء الإثم وفي القرآن الكريم ومن يفعل ذلك يلق أثاما.
وصف الناقة
لأبي نواس
وهي أبيات من قصيدة قال السيد المرتضي نسب أبو نواس في أولها ثم وصف الناقة بأحسن وصف ثم مدح الرجل الذي قصد مدحه واقتضاه حاجته كل ذلك بطبع يتدفق ورزنق يترقرق وسهولة مع جزالة والقصيدة:
يأمنه أمتها السكر ... ما ينقضي مني لها الشكر
أعطتك فوق مناك من قبل ... قد كن قبل مرامها وعر
يثني إليك بها سوالفه ... رشأ صناعة عينه السحر
ظلّت حميا الكأس تنشطنا ... حتى تهتك بيننا الستر
في مجلس ضحك السر وربه ... عن ناجذيه وحلت الخمر
ولقد تجوب بي الفلاة إذا ... صام النهار وقالت العفر
شد نية رعت الحمى فأتت ... ملء الحبال كأنها قصر
تثني على الحاذين ذا خصل ... تعماله الشذران والخطر
أما إذا رفعته شامذةً ... فتقول رنّق فوقها نسر
أما إذا وضعته خافضةً ... فتقول أرخي دونها ستر
стр. 568
وتسفّ أحياناً فتحسبها ... مترسماً يقتاده أثر
فإذا قصرت لها الزمام سما ... فوق المقادم ملطم حر
فكأنها مصغٍ لتسمعه ... بعض الحديث بأذنه وقر
الحنين إلى الأوطان
(قال البحتري)
سقى الله أخلاقاً من الدهر رطبة ... سقتنا الجوي إذا أبرق الحزن ابرق
ليال سرقناها من الدهر بعدما ... أضاء بأصباح من الشيب مفرق
تداويت من ليلى بليلي فما اشتفى ... بما الربى من بات بالريق يشرق
(وقال أبو تمام)
سلام ترجف الأحشاء منه ... على الحسن بن وهب والعراق
على البلد الحبيب إلى غورا ... ونجدا والأخ العذب المذاق
ليالي نحن في وسنات عيش ... كأن الدهر عنا في وثاق
وأيام لنا وله لدان ... عرينا من حواشيها الرقاق
(وقال ابن الرومي)
وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذ ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنو الذلكا
стр. 569
نوابغ العالم
ابن الرومي - الفيلسوف نيتشه
ابن الرومي
بقلم الأستاذ ابراهيم عبد القادر المازني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نسأل الله يقينا يعمر القلب ويملأ الصدر (وبعد) فهذا ما شحذت العزم على كتابته وحضضت على تقديمه من النظر في شعر أبي الحسن علي بن العباس المعروف بابن الرومي الشاعر المشهور وتاريخه والموازنة بينه وبين نظرائه وأكفائه من فحولة شعراء العرب والفرنج بما يستدعي ذكر أعيان قصائده ومقطعاته ويستوجب الشرح والملاحظة وتفسير ما يقع من كلام غريب ومعنى مستغلق حتى يكون المقال مكتفياً بنفسه ومستغنياً عن أن يرجع إلى أحد في تقريب بعيده، وبيان مستعجمه، وهو عمل لعمري غير أنه وعن المركب، كوؤد المطلب، وما أظن بك إلا أنك عالم بصعوبته، عارف باعتياضه وبعد مشقته، وإلا أنك قد مهدت لي العذر من ذي نفسك في التقصير والضعف وسائر ما عساه يقع من الارتباك والخلل، فقد وجدت، أصلحك الله، أكثر من ترجم ابن الرومي من الكتاب المتقدمين لم يستقصوا أخباره ولا توخوا الإحاطة بها أو ترتيب ما أثروا منها، ومن أين لنا أن نوفي القول في تاريخه وكل ما انتهى إلينا لا يبرد الغلة ولا يسد الحاجة، وكيف نقتني معالم سيرته ونتتبع نمو عقله ونستقري أطوار نفسه ونحن لا نعلم أي أخباره أسبق ولا نعرف عن كثير ممن اتصل بهم وصاحبهم وتقلب بينهم إلا أنهم عاشوا وماتوا كسائر الناس؟
ورأيت كذلك المؤرخين السابقين ﵏ قد أتحفونا بطائفة من فضائله ورذائله رواها بعضهم عن بعض بالتواتر، وليس من غرضنا أن ننفي ذلك أو نثبته، فإن لهذا وقتاً لا نستعجله، وإنما أود أن نقول أن هذا المذهب أشبه بالعمليات الحسابية منه بالتحليل الأخلاقي، وأنه ليس تصويراً للنفس ولكنه قياس لطول الصورة وعرضها، وشتان بين أن تجمع شتيت الصفات ثم تسردها واحدة واحدة وبين أن ترسم الخلق الحادث من تفاعلها واصطكاك بعضها ببعض، فإن مما لا شبهة فيه ولا ريب أن النفس الإنسانية ليست كخزانة
стр. 570
الكتب ترى فيها الفضائل والرذائل مرصوفة مرتبة لا تعدو واحدة مكانها ولا تتجاوزه إلى سواه، وإنما هي ميدان لتلاقيها وتلاحمها، وعالم صغير تقضادم فيه الغرائز والملكات وتقتتل على الحياة والبقاء كما يحترب الناس في هذا العالم الكبير ويتنازعون البقاء فيما بينهم، وبحر تتسرب فيه الطبائع بعضها في خلال بعض كما تتسرب الموجة من الماء في خلال الموجة وتغيب في أثنائها.
وفي الحقيقة أن كتاب العرب ومؤرخيهم قصروا أشد التقصير وأسوأه في ترجمة شعرائهم وكتابهم وعلمائهم وعظماء رجالهم، ولم ينصبوا أنفسهم في هذا المعنى على كثرة ما ألفوا وصنفوا، ولا جؤا بشيء يضارع ما عدا أمم الفرنج منه، وإنك لتقرأ لأحدهم السفر الضخم ذا الأجزاء العديدة والحواشي والتعاليق، وتعاني في تصفحه من البرح والعنت ما تعاني، ثم لا تظفر إلا بأشياء لا تستحق ما عالجت في سبيلها من الشدة، وبذلت من الجهد وأنفقت في طلبها من الساعات والأيام، وقصص وأخبار لا تجد عليها طابع العقل وميسم التفكير، كأن لم يكتبها إنسان وهبه الله عقلاً وفهما. وفؤاداً ذكياً. وذهناً يتفكر. وقلباً يتدبر. أو كأنما كانوا يكتبونها وهم رقود.
لسنا نقصد إلى تنقص مؤرخي العرب والتسميع بهم، والوقوع فيهم وتحقير شأنهم. أو إلى تفضيل مؤرخي الفرنج عليهم، والتنويه بمفاخرهم، فإن هذا مالا يخطر لنا ببال ولا يسنح في فكر، وعلى أننا بعد لو قصدنا إلى شيء من ذلك التفضيل لا تسع لنا فيه نطاق المعذرة، ولبرأنا عقلاء القوم من اللائمة، فإن مما لا يخفى على أحد له أدنى معرفة أن مؤرخي العرب لم ينظروا إلا إلى الدولة دون الأمة، وإلى الحكومة دون الشعب، ولم يعنوا إلا بذكر الفتوحات والحروب وتعاقب الولاة، واختلاف الحكام، ولم يفطنوا إلى عظمة الشعر وجلال الأدب فطنة الغربيين لذلك، وهذه أسفارهم فليراجعها من شاء إن كان في شك مما نقول وليحكم عقله وليتجرد من الهوى، فإنه لا بد صادر عنها بآماله، وراجع بالخيبة وحبوط المسعى، ولعل للعرب بعد عذراً من زمانهم وأحوال أيامهم ونحن نلوم. . .
الإنسان وجهة الإنسان وموضع عنايته، وليس أدل على مدنيته واستئناسه من حبه للترجمة والتاريخ ولكفه بهما، على الرغم مما يدلي به لرد ذلك ودفعه، وأي شيء أحلى في القلب، وأثلج للنفس، وأشرح للصدر، من أن يساهم أحدنا شعور أخيه الإنسان، ويشاطره إحساسه،
стр. 571
ويتغلغل نظره إلى قلبه، ويحيط بحركات نفسه. ويقف على ما يضطرب به جنانه. ويدور في خاطره، ويجري في ذهنه. بل أي شيء ادعى إلى طرب العقل وأبعث على لذة الفكر ومتعة الذهن من أن ينظر أحدنا بعيني أخيه ويرى العالم كما هو باد في مرآة عينه؟
تلك لذة لا تعادلها لذة، ومتعة أنعم بها من متعة، فأما من تغيرت قلوبهم على البشر، واعتقدوا للنوع البغض والعداء، وطووا أحناء الصدور على الكراهية والمقت والاحتقار، فلعمري إن هذا لمظهر من مظاهر حبهم للنوع وإخلاصهم له، وغنما غلبت عليهم السوداء، واسودت الدنيا في عيونهم وتنكرت لهم فتنكروا لها لا للناس وإن خيل غير ذلك، ثم لم يدروا كيف يجازونها بغضة ببغضة. ومقتاً بمقت، فانقلبوا على الناس إذ لم يصيبوا غيرهم ما يشفون منه غيظهم، فهم صديق في ثياب عدو!
قلنا أن من أظهر الأشياء في الإنسان حبه للتأريخ والترجمة وكلفه بهما وأنا لا نعرف معنى أجمع لصفات المدنية، ولا أدل على جماع الإنسانية من ميل المرء إلى ذلك، وتقليبه وجوه الرأي له، وتصريفه أعنة الفكر فيه، ونقول أن هذا الميل مركب في السلائق، ومركوز في الطبائع، وإن كل إنسان مؤرخ ببعض الاعتبارات. فإن أردت دليلاً على ذلك فانظر في من حولك وتدبر ما يجري بينهم من الكلام في متحدثاتهم ومجالس سمرهم، أليس أكثر ما يرد على السمع منه حكايات وقصص وأنباء، فمن ناقل إليك ما ترامى إليه من الأخبار، ومن مسر إليك بذات نفسه وما لقيه من المحنة والبلاد. وكيف عدلت عنه الأيام، ثم عطفت عليه،
وبينا نعمة إذ حال بؤس ... وبؤس إذ تعقبه ثراء
* * *
ومن ولجد قد ألزم القلب كفه ... ومن طرب يعلو اليفاع ويشرف
ومستعبر قد أتبع الدمع زفرة ... تكاد لها عوج الضلوع تثقف
ومن لعب مجان يتداعب على الناس ويركبهم بالهزل والمزاح. ويروي لك النادرة المضحكة إثر الطريفة المستملحة، إلى آخر ذلك مما لا حاجة بنا إلى الإفاضة فيه، ثم تأمل الشعر، أليس شعوراً مترجماً، وقصة مروية، وخاطراً مجلواً؟، والعلوم بأنواعها، أليست مجموعة تجارب فهو أيضاً تاريخ للعقل الإنساني! وهل الحياة إلا قصة طويلة يمثل كل
стр. 572
منها فيها دوره الذي خص به وقدر له، ثم يحدث الناس به؟
والمرء مدفوع إلى ذلك بعاملين أحدهما علمي والثاني شعري. فأما أنه لا يزال يحاول أن يطلع على نفس أخيه الإنسان ويستكشفها مسوقاً إلى ذلك بدافع علمي، فلأن الطبيعة قد اختصت كل أحد بمسألة من مسائل الوجود هو مسؤل أن يحلها على الوجه الذي يبدو له، ولو لم يكن من ذلك إلا كيف وفق بين جسمه وروجه. وكيف عالج هذا في سبيل ذاك وأراد ذلك على طاعة هذا لكان ذلك حسبنا دافعاً وسائقاً مستحثاً. . إلا أن العامل الشعري أقوى دفعاً وأشد حملاً للنفس وإغراء لها وحضاً. فإن هذا التنازع بين الإرادة البشرية والحاجة المادية هو الشعر ولا شعر إلا به، وما زال العنصر الشعري في النفس أقوى من العنصر العلمي وأظهر وأن كانا في الحقيقة مظهرين مختلفين لشيء هو في جوهره واحد،. . . وكذلك ينظر أحدنا بعيون الناس فتكتحل عينه بعوالم متباينة، ويشاطرهم إحساسهم. فيحيا حياتهم كما يحيى حياته، وكأن كل واحد مرآة مجلوة - علمية شعرية - طبعية سحرية - نود لو أتيح لنا أن نرفع ما أرسل عليها من الحجب لنرى فيها وجوهنا ونبصر في صقالها نفوسنا. ونستبين في نورها أغمض أسرار الضمير وأخفى طوايا الصد،. . .
(وبعد) فلا يحسبن أحد أن الأمر ينتهي عند هذا القدر، ويقف عند هذا الحد، فإنه أكبر من ذلك وأعظم، والمسألة أدق وألطف، وما في النفس ميل أعرق، ونزعة أثبت من هذه النزعة الإنسانية التاريخية. لأن الإنسان كما قدمنا وجهة الإنسان في كل شيء، ومن أحل هذا تجد عنايته به شديدة، واهتمامه بآثاره كبيراً، وإجلاله لقدرها عظيماً، ومن أجل هذا أيضاً لا ينفك أحدنا وهو ينظر في قصيدة الشاعر أو رسالة الكاتب يحاول أن يصور لنفسه روحه التي كانت تحفزه، وعقله الذي أملى عليه وأوحى إليه، ومن ذا الذي لم تذهله عن نفسه قصيدة من الشعر حتى تجرد من نفسه، وتغري من شخصيته واعتاض منهما نفس الشاعر وشخصيته وروجه وعقله، وأي معنى في ظنك لهذا التجرد الوقتي؟. . . بل أي متعة ألذ من هذه الغيبة وأشهى وأطيب على رغم أنف النقادة الذين لا يفتأون يطلبون أن يتجرد المرء من إنسانيته ليتجرد من الهوى، وليكون أصح حكماً، وأصدق نظراً. كأن قيمة الشعر لا تقدر أيضاً على حسب اللذة المستفادة منه؟
كذب النقادة وصدق الإنسان! ولعمر النقادة لو أن قصيدة ابن الرومي التي يقول في
стр. 573
مطلعها:
أجنت لك الوجد قضبان وكثبان ... فيهن نوعان تفاح ورمان
وفوق ذلك أعناب مهدّلة ... سود لهن من الظلماء ألوان
وتحت هاتيك عناب تلوح به ... أطرافهن قلوب القوم قنوان
غصون بان عليها الدهر فاكهة ... وما الفواكه مما يحمل البان
ونرجس بات ساري الطلّ يضربه ... وأقحوان منير النور ريان
ألفن من كل شيءٍ طيب حسن ... فهن فاكهة شتى وريحان
ثمار صدق إذا عاينت ظاهرها ... لكنها حين تبلو الطعم خطبان
بل حلوة مرة طوراً يقال لها ... شهد وطوراً يقول الناس ذيفان
يا ليت شعري وليت غير مجدية ... إلا استراحة قلب وهو أسوان
لأي أمر مراد بالفتى جمعت ... تلك الفنون فضمتهن أفنان
تجاورت في غصون لسن من شجر ... لكن غصون لها وصل وهجران
تلك الغصونن اللواتي في أكمتها ... نعم وبؤس وأفراح وأحزان
يبلو بها الله قوماً كي يبين له ... ذو الطاعة البر ممن فيه عصيان
وما ابتلاهم لا عنات ولا عبث ... ولا الجهل بما يطويه إبطان
لكن ليثبت في الأعناق حجته ... ويحسن العفو والرحمن رحمن
ومن عجائب ما يمني الرجال به ... مستضعفات لنا منهن أقران
مناضلات بنبل لا يقوم له ... كتائب الترك يزجيهن خاقان
مستظهرات برأي لا يقوم له ... قصير عمرو ولا عمرو ووردان
من كل قاتلة قتلى وآسرة ... أسرى وليس لها في الأرض أثخان
يولين ما فيه أغرام وآونة ... يولين ما فيه للمشغوف سلوان
ولا يدمن على عهد لمعتقد ... أني - وهن كما شبهن بستان
يميل طوراً بحمل ثم يعدمه ... ويكتسي ثم يلفى وهو عريان
حالاً فحالاً كذا النسوان قاطبة ... نواكث دينهن الدهر أديان
يغدرن والغدر مقبوح يزينه ... للغاويات وللغاوين شيطان
стр. 574
تغدو الفتاة لها خل فإن غدرت ... راحت ينافس فيها الخل خلان
نقول لو أن هذه القصيدة لم تكتبها يد الشاعر أو يد سواه من الناس وإنما ارتسمت حروفها على صفحة الطرس من تلقاء نفسها، ونبتت شطورها في ثرى القرطاس بفعل الهواء وتأثير الجو، كما تخضر الأرض جادتها ديمة سمحة القياد سكوب أكان يكون لها في تقديرك ما لها من الواقع، أم كنت مبوئها أخص موضع بين غيرها من القصائد البشرية كما أنت اليوم صانع بها؟ كلا!
تدبر ذلك تدبر من شأنه التوق إلى أن يعرف الأشياء على حقائقها، ويتغلغل إلى دقائقها، ويتجافى بنفسه عن مرتبة المقلد الذي يجري مع الظاهر، ومنزلة المكابر الذي يخطئ كل قول، ويعيب كل رأي، فإنه باب كثير المحاسن، جم الفوائد، يؤنس النفس، ويثلج الصدر، بما يفضي بك إليه من المعرفة، ويؤديه إليك من التبيين،. . . أو ما ترى الناس يأتون في كل عام إلى الأهرام، وما أظنها أروع جلالاً، وأبرع تكويناً، وأفتن جمالاً، ولا أدل على القدرة من جبال (الهملايا)؟. . .
ثم ألا ترى كيف تجاوز البحتري جبال لبنان وهضبها إلى رباع الفتح ابن خاقان في قوله:
تلفت من عليا دمشق ودوننا ... للبنان هضب كالغمام المحلق
إلى الحيرة البيضاء فالكرخ بعدما ... ذممت مقامي بين بصرى وجلق
مقاصير ملك أقبلت بوجوهها ... على منظر من عرض دجلة مونق
كأن الرياض الحو يكسين حولها ... أفانين من أفواف وشي ملفق
إذا الريح هزت نورهن تضوعت ... روائحه من فأر مسك مفتق
ومن شرفات في السماء كأنها ... قوادم بيض من حمام محلق
رباع من الفتح بن خاقان لم تزل ... غنى لعديم أو فكاكا لمرهق
وكيف أنه وصف الجعفري والإيوان والكامل والمتوكلية والصبيح والمليح والبركة وغير ذلك ولم يقل بيتاً في كهف أو جبل؟ وإنما كان هذا كذلك لأن النفس تجد لذة وعزاء في استجلاء آثار النفس.
كفرحة الأديب بالأديب * وطرب المحب بالحبيب
* وحنة المريض للطبيب *
стр. 575
الناس عن الناس أفهم، وإليهم أصبي وأسكن، وبهم آنس وأشغف،
وليس معنى هذا أن الشيء لا يروقك، ويقع من قلبك، إلا إذا كان صانعه آدمياً، فإن هذا ما لا نذهب إليه، أو ن قول به، وإنما نعني أن الإنسان حبيب إلى الإنسان، وأن أكثر ما يفتنه ويستولي عل لبه وهواه، ما كان عن الإنسان صدره، وما تبين عليه ميسمه وأثره، وهذا ملموح فيكل حركة، وملحوظ فيكل لفظة، وما تأملت قط هذا الأمر إلا أثار لي التأمل، واستخرج لي التفرس، غرائب لم أعرفها، وعجائب لم أقف عليها، وإلا استيقنت أن الأمر كما ذكرت، والحال على ما وصفت، وأن الإنسان لا تزال يتلمس الإنسان ويحاول أن يجتليه في كل شيء كأنما هو يستوحش الشيء إذا أحس أنه منه خلاء، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان الإنسان إنساناً، ولا كان على الدنيا طلاوة، ولا للحياة رونق وحلاوة، ولعمري هل تروقنا الأرض إلا لأنها سكننا ومثوانا، ومراحنا ومغدانا، وهل يملأ الروض عين من نظر إلا إذا أحس أن رياحينه تحييه، وحمامه يغنيه ويلهيه. وغصونه توسوس إليه، ولعمري كيف الحياة وماذا العيش إذ أنت حرمتنا هذا الإحساس الحلو والأنانية اللذيذة، وسلبتنا هذا الخلق الإنساني، والغريزية التاريخية، وذلك أصل الدين، وأصل الشعر، وأصل العلم. . .
وبعد فأي شيء يدفع الناس إلى إنفاق الوقت على طلب التاريخ. واستنزاف الأيام في معاناته، والتوجه إلى تعلم اللغات الدارسة، والانقطاع لحل الرموز الهيروغليفية مثلاً وإيضاح مشكلها: والكشف عن معانيها. وماذا يحمل الناس على الغوص على آداب العرب والفرس والهند واليونان والرومان، ولماذا يستنفذون الطاقة كلها ويعنون بترجمة هذه الآداب من لغة إلى لغة، أو ليس حسب كل أمة ما عندها من ذلك؟ وما هو السر في أن أساطير الأمم القديمة وقصص البربر والهمج ربما كانت أخلب لللب وأغتن للنفس وأسحر للعقل من فلسفة أفلاطون وكانت وغيرهما؟ وماذا يحتث الناس ويسوقهم إلى هذا الكد والتصرف؟ أليس هو أن المرء ينبغي أن يعرف كيف كان الإنسان في العصر الحالي ليعرف أي شيء هو؟؟
يرى سقراط. ورأيه الحق، أن غاية الفلسفة أن يحيط المرء بنفسه. وأن ذلك أحق بالتقديم، وأسبق في استيجاب التعظيم، وأنه لا عرفان إلا وذلك هو السبيل إليه، ولا علم إلا وهو
стр. 576
الدليل عليه، ولا معرفة إلا وهو مفتاحها، ولا حقيقة إلا وهو مصباحها، ولكنه أخطأ السبيل إلى هذه الغاية، وذهب في مذاهب لا تؤدي إلى هذا العلم، وطرق لا تفضي إلى هذه المعرفة، وما أضله إلا حسبانه أن الإنسان ليس مظهراً من مظاهر قوة بعينها. ولكنه فرد قائم بذاته، وروح مستقلة بنفسها، منفردة عما عداها، فهو أبداً يحاول أن يفض ختم هذا السر الإنساني بأن يتدبر ما يجري في ذهنه، ويتوسم ما يحصل في نفسه، ويحلل المعرفة إلى أصولها، ويضع لكل شيء حداً، وما فاز من ذلك بشيء، ولا عاد بالخيبة والخذلان. وبقيت الحقيقة عنه مستورة، واستولى الخفاء عليها، واستمر السرار بها، حتى فطن الناس إلى هذا الغلط الذي دخل عليه، والرأي الفاسد الذي عنّ له بسوء الاتفاق حتى صار حجازاً بينه وبين العلم بها، وسداً دون أن يصل إليها،
الإنسان ليس فرداً قائماً بنفسه، كاملاً في ذاته، وإنما هو واحد من عشيرة، وعضو من فصيلة، لا يتأتى العلم به، والوقوف على أمره إلا بالقياس إلى أنداده وأشباهه من الناس، وقديماً حسب الناس الأرض جسماً منعزلاً لا نظير له ولا شبيه، فركبهم في أمرها جهل عظيم، وخطأ فاحش. وسبقت إلى نفوسهم اعتقادات بأن فسادها لما وضح للناس أنها كوكب كبقية الكواكب وكذلك يختلف اليوم رأينا في الإنسان عن رأي آبائنا فيه فقد كانت كل أمة تمتهن ما عداها من الأمم وخلاها من الشعوب، وتزدريها وتستخف بها ولا تعدها إلا في الهمج والبربر، ونحن نرى فيها اليوم إخواناً صدعت شملهم البحار، وفرقتهم اللغات وقطعت بينهم العداوات. . . لهذا يعكف أحدنا على تاريخ آبائه وأجداده فيقرأ في صفحاته آيات الحكمة الإلهية، ويعبر في سطوره مظاهر القوة الإنسانية، واجداً من الروح والخفة والأنس في مطالعة أخبار القرون الخالية والأجيال الماضية ما لا يجده في أخبار العصر الحاضر. . . وكما أن أحدنا إذ تلقى في يده الصدفة شيئاً من رسائله القديمة المهجورة يقلبها بادئ الأمر وهو غير حافل بها ولا ملتفت إليها. ثم لا يلبث أن يعتاده الذكر. ويلهيه ماضيه عن حاضره فيترسل في قراءتها بعد العجلة، ويتمهل بعد المسارعة، ويقف على كل حرف، ويستخبر كل لفظ، كأنما يستبعد أن يكون هذا خطه، وتلك مقاطر قلمه ومراعف مرقمه ولا يصدق أن هذه الأيام مرت به، وتلك الهموم والمسرات وردت عليه، ثم تنزاح عن الماضي حجب الغموض، وتنتفي عنه معتلجات الشكوك، فتدب في جسمه روح الشباب
стр. 577
وتجري في عروقه دماؤه، ويعلم أن هذه رسائله من غير ما شك، كذلك يستغرب أحدنا التاريخ القديم بادئ الأمر، وتخفى عليه نسبته إليه، وقرابته منه، وما هي إلا صفحة أو بعضها حتى تذهب عنه الوحشة، وتتجلى الشبهة، وتحل مكانهما بهجة الأنس، وروعة اليقين، ويصبح وكأنه يقرأ تاريخ نفسه، ويتصفح ترجمة حياته!. . ولعمري ماذا يفيدنا التاريخ إذا هو لم يحك في نفوسنا هذا التعاطف، ولم يؤكد العقدة بين الحاضر والغابر! فإن الحياة كما أسلفنا قصة طويلة يمثل كل فيها دوراً، وإذا كان هذا كذلك أفليس ينبغي أن نحيط علماً بدور من خلا مكانه، وحللنا محله، لنكون على بينة من أمرنا؟ وهل ثمت شيء من الغرابة في أن يرجع أحدنا بصره في الفصل المنصرم؟ أو ليس من الضروري الذي لا معدل عنه في كل رواية أن تكون الفكرة الأساسية واحدة في كل الفصول؟؟
стр. 578
الفجر
ذاع ذكر نيتشه في السنوات الأخيرة ولج الكتاب في أمره فمن قائل أنه أكبر فيلسوف ظهر في القرن التاسع عشر بل والقرن العشرين، ومن قائل أنه رجل متهوس مجنون هام بالتنويه عن نفسه فنجح بعض النجاح.
والمصريون لا يعلمون إلا قليلاً عن نيتشه وترجمة حياته وتفصيل مذهبه، وليس هذا مجال التبسط في ترجمته أو درس آرائه. ولكننا نطيف بشيء منها إطافة على قدر ما يسع المقام.
فردريك ويلهلم نيتشه من أسرة بولونية هاجرت من موطنها إلى روكين بألمانيا في القرن الثامن عشر، فراراً من الاضطهاد الذي نزل بالبروتستانت هناك أما أبوه فقسيس قرية روكين (بالقرب من ليبزج). وقد ولد صاحب الترجمة في ١٥ أكتوبر سنة ١٨٤٤ وتلقى دروسه الأولى في شلفورته ثم حضر دروس الأدب في جامعتي بون وليبزج. واستمر على ذلك حتى عين في سنة ١٨٦٩ أستاذاً مساعداً لعلم اللغات بجامعة بال. ولم يحصل بعد على شهادته النهائية. والفضل في ذلك راجع إلى وساطة بعض أصحاب النفوذ. ثم لم يلبث أن عين أستاذاً بتلك الجامعة.
وفي سنة ١٨٧٩ أصيب بوجع في عينه من تأثير اضطراب ألم بدماغه، فترك وظيفته وجعل ينتقل من بلد إلى بلد وهو يقاسي أشد الآلام والأوجاع. حتى قال إن بين أيام السنة مائتي يوم لا تطلع علي بغير العذاب وقد كتب أكثر مؤلفاته ونشر مبادئ فلسفته وهذه الآلام متسلطة على فكره، فكان أثر السخط والقلق والاضطراب بادياً على كل حرف من حروفها. وما زال كذلك حتى اعترته لوثة جنون سنة ١٨٨٨ وبقي مجنوناً إلى أن مات في ٢٥ أغسطس سنة ١٩٠٠ فهو كما يرى القراء من أبناء عصرنا.
ولا يقال أن لنيتشه فلسفة مبوبة أو مبدأ مشروحاً فإن أكثر مؤلفاته نتف متفرقة تتناول أغراضاً شتى كلها تسفيه وحنق على آداب العصر وأديانه وأخلاقه ونظام الأمم والحكومات، وطعن عنيف في هزوم المجتمع لم يسلم منه مبدأ من المبادئ الفلسفية المعروفة، ولا فيلسوف من فلاسفة القدماء، أو المحدثين، وله شعر غاية في سمو الخيال واتساع التصور ولكنه يمج مرارة البغض والكراهة لكل ما هو من نوع الإنسان.
وكأني بالقارئ يقول: ما لنا ولهذا المجنون؟؟ ألا يغنينا جنونه الظاهر عن نقد آرائه وتتبع أقواله؟؟
стр. 579
ولكنه قول كان لا يصادف معارضاً لو قيل قبل جيل أو جيلين. أما في عصرنا هذا فقد تبين أن الجنون والنبوغ فرعان من أصل واحد، وأن العبقرية والمواهب العقلية المختلفة لا تنشأ إلا عن خلل في توازن القوى العقلية يرتفع ببعضها إلى ما فوق المستوى العادي وينخفض ببعضها إلى ما دونه، وأكثر ما هنالك من الفرق بين الجنون والعبقرية أن الأول خلل مصحوب بذهول عن العالم الخارجي ولكن العبقرية خلل لا يفصل صاحبه عما حوله.
على أن أعراض الجنون ظاهرة في كتابات نيتشه فهو إذاً كان لم يحمل عصاه ويروغ بها على الناس ضرباً وهشماً فقد حمل قلمه فحطم به كل رأي تعرض له في طريقه، بجرأة وثقة لا يكونان إلا لمجنون.
ولكنه مع ذلك سديد الملاحظة ثاقب البصر، فأما ملكة الحكم فيه فبادية الضعف بينة الخطل، ولعل هذا هو السر في افتقار فلسفته إلى التبويب والترتيب واكتفائه بسرد ملاحظاته سرداً، وإرسالها بغير تعقيب جامع شامل لا شتات رأيه.
وهذا هو السر أيضاً في تناقض أفكاره واختلاط مسالكه، فبينما تراه بعد كنس الإسطبلات من أعمال البطولة لأنه عمل نافع، تراه في مقدمته على الفلسفة اليونانية يستحسن من اليونان احتقارهم كل أعمال المعيشة لأن الغرض منها قيام الجسد في الحياة. وما الحياة؟؟ إن هي إلا بنت الضرورة القاشرة وفلتة الطبيعة الجامدة ثم هي لا شيء في ذاتها في نظر نيتشه. وهو إنما يشايع اليونان في احتقار العمل توصلاً إلى تأييد رأيه في تقسيم الطبقات ومؤداه أن طبقات العمال لا نصيب لها في الطموح إلى حياة الفكر والجمال، وأنه لا بد من بقاء هذه الطبقات في ربقة الشقاء والعمل الخسيس ليتفرغ أهل الطبقة العليا للتملي ببدائع الكون والتفكير في شأن المجتمع، وهو ما لا يفقهه أهل الطبقات الدنيا.
وبينما يستقبح أصول الأخلاق الحاضرة لأنها عريقة في الحيوانية كما ترى في جملته المنشورة بعد. يذهب من ناحية أخرى إلى نزع عاطفة الرحمة من نفس الإنسان لأنها تعارض ناموس بقاء الأنسب وأنه من الواجب تقوية الأقوياء وإبادة الضعفاء ثم لا تكون حجته على ذلك إلا أن الحيوانات والهمج لا يشفقون على الضعيف أفما كان الأولى بنيتشه على هذا القياس أن يحبذ أخلاقنا الحاضرة لأنها أعرق في الطبع وأقدم؟؟
وكأن هذا الخاطر لا يرد إلا على أذهان النوكى. فقد خطر من قبل لهبنقة الذي يضرب
стр. 580
المثل بحمقه. قيل أنه كان يرعى غنماً لقومه فكان ينحى العجاف عن المرعى ويرعى السمان فمر به رجل لامه على ذلك فقال لا أخالف ما فعل الله!! فهل هذا فلسفة من هبنقة أو هو جنون من نيتشه؟؟
ولعمري لو كان للمجتمع أن يقتل من أبنائه أحداً بغير جريرة لما كان قاتلاً إلا طغمة القساة الغلاظ لأن القسوة خلق لا ينتفع به في الجمعيات الإنسانية. ولئن كانت الأنانية أوفق لغريزة حفظ الذات كما قد يبدو للنظر السطحي. فالرحمة أوفق لغريزة التضامن الإنساني وهي أقوى في النفس وأشرف. وليس أدل على ذلك من كونها تغلبت على مبادئ نيتشه نبي الأنانية فساقته مكرهاً إلى غرضها - وإلا فما هذا التسخط والصياح وما هذه الجلبة الضخمة التي قرع طبولها حتى كاد يخرقها؟؟ أليس كل ذلك سعياً منه في إصلاح النوع، وبرهاناً على تأصل تلك الغريزة القاهرة التي كأنها أرادت أن تهزأ بدعاويه الطويلة العريضة في فضيلة الأنانية والأثرة؟؟
إن كان نيتشه يبرر القسوة عند القساة فإنها طبع فيهم، فالجريمة طبع في المجرم كما أطهر علم العقل الحديث، ولكن نيتشه يعد المجرمين باكورة إنسانه المنتظر بدلاً من أن يعدهم طغمة مصابة بنوع من الجنون الجانبي فأفسد فيهم حاسة الشعور بالواجب عليهم للجمعية المدنية أو النوع الإنساني. هذا الشعور المغروس في غرائز النحل والعنكبوت، والذي يجبر إناث بعض الحيوان وذكور بعضه على التفريط في حياتها في سبيل إنتاج الذرية أو إطالة حياة نوعها.
أما الفضائل الحظية عند نيتشه فهي الكبرياء إلى حد التأله، والقسوة إلى حد الوحشية، والخشونة إلى حد العجرفة، وهو عدو الدعة وسهولة العريكة وضعة النفس ويرى أنه لا حق لأصحاب هذه الأخلاق في الحياة لأن أخلاقهم منافية لموجباتها وبديه أننا لو جرينا على هذا الرأي لقضينا على مثل روسو السوداوي الحزين. ولكن روسو على ضعف نفسه وضؤولة إحساسه. قد أحدث بكلماته انقلاباً لا شك أن نيتشه يحسب نفسه من أسعد السعداء لو استطاع أن يحدث انقلاباً يدانيه في البطش والقوة، بكل ما في طبعه من الصلف والفظاظة.
فالطباع الإنسانية متشابكة ملتفة لا يسهل تخليص إحداها من سائرها. وليست الرحمة أو ما
стр. 581
سواها حلية نلتقطها من النفس فتنسل في أيدينا كما تنسل الشعرة من العجين ولكنها زاوية في بناء لو ثللناها لانهار الجدار على أثرها. فنحن نخرج الرحمة من النفس فيخرج معها كل ما يرتبط بها من صفات الحذق والفطنة وحسن الذوق ودقة التصور وما شاكلها من فضائل لطافة الإحساس، أو نسلخ عنها الغرور فتتبعه العزة والثقة بالنفس وصلابة الطبع وما نحا نحوها. فمن رام أن يصلح هذه الطباع فليكن كالطبيعة كيماوياً ماهراً في تركيب سجايا النفس وتحليلها والطبيعة على كل حال أخبر بصناعتها وأدرى بوضع المواهب بحيث يؤدي كل منها عملاً لا يستغني عنه المجتمع الإنساني. وهو أوسع من أن تنفرد به صفة واحدة مهما بلغ شأنها.
وقد أساء نيتشه تفسير معنى القوة في تنازع البقاء فحصرها في القوة البدنية وليس الأمر كذلك ثم انه لم يلتفت إلى أن الخيبة في الحياة قد تكون أحياناً من سيئات المجتمع وليس من سيئات المجتمع وليس من سيئات الفرد وأن من رجال المواهب من ينبغون قبل أوانهم فلا يحسن المجتمع الانتفاع بهم. ولو ارتقى المجتمع لأحسن استخدام قواه في مواضعها ولم يضيع منها كبيرة ولا صغيرة. وحسب الإنسان حجة على حقه في البقاء أنه يبقى وإلا لا فنته الطبيعة صاحبة الناموس والقائمة بتنفيذه من غير حاجة إلى مداخلة الناس.
وفي كتب نيتشه عدا ما تقدم آراء نهاية في الشذوذ والغرابة. وفيها من الدعوة. إلى الفوضى ما يسلكه بين أكبر دعاة الفوضوية. وغاية الأمر فيه أنه رجل استولى عليه القنوط والحيرة، ولا نظن أن الحيرة هي عيب الرجل الذي يؤخذ به، فإنها نهاية كل باحث في هذا الزمان، وليت شعري إذا كنا نعلم كل شيء في عصرنا هذا ولا نحار في شيء فماذا بقي لأبناء القرن الخامس والعشرين أو الثلاثين، ليعرفوه ويكشفوا غطاء الحيرة عنه؟؟
ولكن عيب الرجل إنما هو تهجمه وجزمه بما لا يستطاع الجزم به. على أن آراءه لا تخلو من الثمين النافع وأقل ما فيها أن الاعتدال في فضائله ينمي في النفس عواطف الأنفة والصبر، ويثبت فيها صفات الرجولة والعنفوان.
وقد اقتطفنا الكلمات التالية من كتابه (الفجر) وهو يشير به إلى فجر اليوم الذي تتحقق فيه مبادئه. وقد ذكر في مقدمته أنه طفق زمناً يسري في نفق موحش مظلم ثم خرج للناس بهذه الآراء من تلك السبيل المجهولة. وقال أنه عبد للناس تلك السبيل فهم لا يعانون ما عاناه إذ
стр. 582
طرقوها. ولكننا كيف كان الأمر نتناول آراءه التي أتانا بها من ذلك النفق ولا نمشي وراءه. ونقول لكل رحالة مثله: هات ما لديك من عجائب سياحتك ولكن لا تحاول أن تجعل الناس كلهم رحالين مثلك.
* * *
الأخلاق في عالم الحيوان - إن الأصول التي تشدد البيئات المهذبة في مراعاتها. كاجتناب ما يبعث على السخرية والترفع عن البرقشة، وإخفاء مزايا الإنسان وكتمان عوزه وضروراته الماسة، وخضوعه لأحكام الظرف والكياسة المصطلح عليها - كل هذا يمكن أن يشاهد على وجه الجملة في أدنى أنواع الحيوان أو يقابل عندها بما يناسبها من قواعد الكياسة الغريزية المكونة في طبائعها. وإذا شئنا أن نهبط إلى أساس بنائنا الأخلاقي، فالبحث عنه إنما يكون في رسمه الأول الذي أودعته الفطرة طبائع الحيوان. فأما أساسها فالتودد المقرون بالحذر، وقوامها الرغبة في النجاة من الأعداء والتماس المعونة على الفتك والاعتداء.
فمن هذا الإحساس الباطن يتعلم الحيوان كيف يضبط نفسه ويتصنع إخفاءها، حتى أن منه ما يتخذ لجلده لوناً يأتلف مع ألوان ما يحدق به (وهو ما يسمونه وظيفة التلون) ومنه ما يتماوت أو يتشكل بشكل حيوان آخر ولونه، ويماثل الرمال وأوراق الشجر أو العشب أو الإسفنج (وهو ما يسميه الطبيعيون الإنكليز بوظيفة التقليد).
ولا يخرج الأدب الإنساني عن هذه الفطرة، فإن الفرد ينضوي تحت اسم نوعه العام، ويكيف نفسه كما يوافق من يتصل بهم من الأمراء والبيئات والأحزاب أو يجري مع تيار الأفكار في عصره، ويلائم ما يحدق به من الأطوار والأحوال،
وليس أيسر علينا من أن نراقب هذه القدرة في الحيوان، فإننا وإياه سواء في حذق هذه الوسائل التي تكسبنا السعادة والشكر وتظهرنا بمظهر القوة بين أقراننا، وتجذب إلينا الأنظار من حولنا.
بل نحن نقول أننا والحيوان نشترك في إدراك معنى الحق، وما الحق في كهنه إلا مظهر حاسة التحفظ والرغبة في الأمن والتقية. فنحن نأبى أن يخدعنا غيرنا أو ننخدع لأنفسنا بالباطل ونتوجس من إغراء عواطفنا، ثم ننظر بعين الحذر والحيطة إلى أميالنا.
стр. 583
وكذلك الحيوان، فإننا إذا راقبناه ألفيناه يفعل كما نفعل، ووجدنا أن هذه الحيطة أو ضبط النفس صادرة فيه عن نفس العاطفة التي تصدر عنها في الإنسان وأعني بها الحزم.
فالحيوان لا يختلف من هذه الوجهة عن الإنسان أي في أنه يلاحظ ما يؤثر به في روع الحيوانات الأخرى. ومن ثم يتعود أن يرى صورته معكوسة عن ملامحها وأن يدرك نفسه من تلقائها، على قدر ما عنده من الاستعداد للشعور بالوجدان.
والحيوان يتفرس حركات أصدقائه وأعدائه، ويفقه معاني أطوارها عن سجية فيه. ثم تصدر حركاته عن هذه المعرفة المجبولة، فيكف عن مناوأة الحيوانات التي لا شأن له معها، كما أنه يكشف نياتها مما يلوح على صفحات وجهها، ثم يواجهها بما تستحق من المسالمة أو العدوان - وهذا هو معنى الحق والعدل، أو عرفان مالك وما عليك ومن ثم فمبادئ العدل والحكمة - لا بل مبادئ كل تلك الفضائل التي يدعونها الفضائل السقراطية، إنما هي من طبيعة حيوانية، وأنها موحاة من تلك الغرائز التي تسوقنا إلى طلب القوت وتوقي الخطر على حياتنا.
فإذا تذكرنا أن الإنسان الراقي لم يتقدم في هذه الغرائز إلا في انتقاء أجود الطعام والتوسع في فهم آفات بقائه لا نكون قد تجاوزنا الصواب إذا قلنا أن خلاق الإنسان ليست إلا نسخة مهذبة من أخلاق الحيوان.
إلى اللا أدريين - لست أدري البتة ماذا أعمل؟ ولا أنا أدري ما ينبغي علي أن أعمل؟ لقد أصبت أيها اللاأدري في هذا الشك. ولكن ما لاريب فيه أنك تعمل في كل لحظة. لقد طالما التبس على الناس أمر الفعل بالانفعال واشتبه عليهم الإيجاب بالسلب وتلك لعمري لكنة في ألسنتهم لا تزول.
* * *
الأثرة والإيثار - أريد أن أعرف ما يدعو أحدنا إلى الإلقاء بنفسه في الماء لينتشل منه إنساناً وقع فيه أمام عينيه. على أنه ليس بينهما عاطفة رحم أو ود تستفزه إلى إنقاذه.
يقولون أننا نصنع ذلك في سبيل الشفقة، وأنه ليس في وقتنا هذا من يفكر إلا في غيره - كذلك تقول البلاهة والبلهاء.
ما لنا نحزن ونبتئس إذا نحن رأينا بعض الناس يبصق دماً وإن كنا نكرهه باطناً ولا نتمنى
стр. 584
له الخير؟؟
في سبيل الشفقة!! نحن لا نفكر في أنفسنا بعد؟؟ كذلك تقول البلاهة مرة أخرى الحقيقة أننا في هذه الشفقة - وأعني ما يدعوه الناس شفقة خطأ - لا نفكر بأنفسنا على عمد - ولكننا نفكر بها اضطراراً، كما تتوازن حركات الإنسان إذا زالت قدمه من غير رجوع منه إلى قواه العاقلة، وهو مع ذلك يحكم حركاته أحكاماً لايهدي التروي إلى أقوم منه.
يلم المصاب ببعض الناس فيسؤنا ذلك، بل أنه ليحرك فينا الضعة والجبن، وينبه في قلوبنا الجزع تنبيهاً نحاول أن نفر منه بإعانة ذلك المرزوء. إن كانت معونته في وسعنا، وإلا خشينا أن تصغر كرامتنا في أعين الناس أو نستصغر أنفسنا. وكأن المصائب التي تحل بسوانا بنان تشير إلى الخطر على النفس - وقد خلق الإنسان هلوعاً فتؤلمنا تلك المصائب أيما إيلام.
ثم نحاول أن ننفض عنا ذلك الألم، فنقابله بشفقة يختفي وراءها إحساس كمين بالذود عن النفس، وقد يغلو هذا الإحساس فيصبح ميلاً إلى الانتقام.
أما أننا لا نعني إلا بأنفسنا في باطن الأمر فظاهر من موقفنا حيثما نستطيع الإشاحة بأبصارنا عمن يكابدون مضض الحياة، أو صم آذاننا عن استغاثة الملهوفين وصراخ المتوجعين،
فنحن لا نبتعد عنهم ما دمنا نستطيع أن ننجدهم نجدة القوى القادر، وندنو منهم لنشعر بنعيمنا من شقائهم. ونغبط أنفسنا بالحنو عليهم. أو نخفف من همومنا بمقارنتها بهمومهم. أو لنغتم منهم الثناء وطيب السمعة.
ومن الضلال أن نسمي هذا الإحساس مشاركة في الألم. فإنه إحساس بنوع من الألم لا يحس شيئاً منه أولئك الذين نرثي لحالهم. وإنما هو إحساسنا المحض، كما أن إحساسهم بآلامهم مقصور عليهم لا نشاركهم فيه.
هذا الضجر الذي يعنينا نحن دون سوانا هو الذي يبرمنا فنتخلص منه بالشفقة على أننا لا نستسلم لتلك العاطفة انقياداً لنزعة فذة. ولكننا ننفض عنا الألم ونتوسل إلى الغبطة والراحة بعمل واحد.
وإن الغبطة لتتولانا عند ما نأنس من أنفسنا التفوق على سوانا.
стр. 585
وإننا نقدر على المسعدة متى رغبنا فيها. وإننا نباشر عملاً مفلحاً - والإفلاح في كل عمل يبعث إلى السرور والارتياح - هذا إذا قرن مسعانا بالنجاح.
وفوق ما تقدم فقد يعتقد أحدنا أنه يعين بهذه المسعدة على رفع حيف قد يكون هو ممن يشكون منه. فيزيده الحنق رغبة في تلك المسعدة.
من هذا كله. ومن دقائق أغمض منه. تتركب كلمة الشفقة. فما أكثر أصداء هذه الكلمة وما أقبح ما اختلطت كل هذه الأصداء في طيها!!
أما كون الشفقة صدى الحالة التي تثيرها. أو أنها ناشئة عن فهم تلك الحالة فهماً دقيقاً خاصاً. فذلك ما لا يقول به إلا شخص ناقص الخبرة. قليل الحنكة.
وهذا ما أوجب عندي الارتياب فيما عزاه شوبنهور إلى الشفقة من المزايا التي لا يصدقها العقل. وواضح أن هذا الظن هو ما حدا بشوبنهور إلى محاولة إقناعنا بهذا الابتكار الرائع الذي ابتدعه. وهو أن هذه الشفقة التي شوهها بتعريفه ووصفه وأبان بذلك أنه لم ينظر إليها إلا نظرة لا يتعدى ظاهرها - هي ينبوع الأخلاق ما تقدم منها وما تأخر. وإنها القطب الذي يدور عليه محور فعالها. ولولا أنه صدر بها عن ذلك الظن لما سولت له نفسه أن يتحدث بهذا الرأي.
وبعد فما هو الفرق بين القساوة وأولي الرحمة؟؟
أقول مع الإيجاز: كل ما هنالك أن أولئك لا يشعرون بالخوف شعور هؤلاء. وإن طبائعهم هادئة لا تتوجس كما يتوجس أصحاب الأمزجة القلقة، ثم إن غرورهم مطمئن ثابت فلا يغريهم بالتعرض لكل أمر يستطيعون منه كلما وقع شيء من ذلك بل هم يرون أنه أولى بكل إنسان أن يدير ورقه بيده في هذه اللعبة الدنيوية. وغير ذلك فهم أجلد على كظم بثهم وقمع عواطفهم من أصحاب العواطف اللينة. فإذا بصر أحدهم بمنظر يؤلمه كان أقدر على مداراة ألمه واحتماله. ولا يرى أحدهم من منافاة العدل في شيء أن يتعذب سواه ما دام هو يصبر على عذابه. وإنه ليرى من الألم في رقة القلب ما يراه أرقاء القلوب في الصبر على الآلام. وليس في معجمهم لهذا المرض مرض رقة القلب إلا كل مثلبة ومنقصة. لأنهم يعدونه خطراً على رجولتهم وشجاعتهم الساكنة. فهم يبكون وحدهم. ثم يمسحون دموعهم ولا يسخطون على أحد غير أنفسهم.
стр. 586
نعم إنهم أنانيون. ولكن أصحاب العواطف اللينة أنانيون أيضاً كما رأيت. فالفريقان يتفاوتان في نوع الأنانية لا في عنصرها.
فإذا كنتم تدعونهم أشراراً وتدعون الرحماء أخياراً. فإن لهم أن يعكسوا الحكم ثم لا نراهم قد اعتمدوا على حجة أوهن من حجتكم حينئذٍ.
* * *
كبرياء الهمج - الهمجي لا يفزع من أمر فزعه من أن يصبح يوماً ما موضعاً للرأفة. لأنه يرى نفسه في هذه الحالة خلوا من كل معاني الشرف والفضيلة: فإن الرأفة عنده مرادفة لمعنى الازدراء. ولا يروق الهمجي أن يرى كائناً حقيراً يتوجع أمامه لأن هذه المناظر لا تستخفه ولا تحرك سروره وغبطته. بل هو يسر ويغتبط إذا كان له عدو مثله في الشمم والأنفة. ثم رآه يتعذب ولا يتذمر ويبيت من الشدة على أحر من الجمر فلا يتأفف أو يتململ: ويعجبه أن يرى الرجل متماسك البأس يأبى أن ينزل عن كبريائه وينغض من جبينه ليتلمس الشفقة في حضيض المهانة. فهنالك يشعر بالسرور التام والغبطة جد الغبطة.
هذا العدو الذي لا تكسر الشدائد كبرياءه ولا تلوي العواصف إباءه يبعث في نفس الهمجي إعجاباً عميقاً به: فينحى عليه بمديته أو حسامه ثم يشيعه إلى اللحد بما ينبغي لمثله من الرفعة والتكريم.
فأما إذا أن وتلاشى عزمه: وفارقت سيما العظمة جبينه: فقد يسمح له أن يعيش عيشة الكلاب: ويمر به خصماؤه فلا تذكو فيهم عاطفة الكبرياء: وإنما تحل الرأفة به محل الإعجاب.
* * *
نضوج قبل الأوان - قد نرى على وجه لا يخلو من الغموض أن هؤلاء الذين لا يدينون بمبادئ الأخلاق وأحكام الشرائع، هم قوم خطت غرائزهم الخطوات الأولى في سبيل تكوين أنفسهم ووضع نموذج للحق حسب ما يعن لهم ومنهم المجرمون والزنادقة والفاسقون وأهل المكر والبهتان وأمثالهم ممن عاشوا فوق حكم القانون، وسلكوا في ظل ضمير خرب فاسدين مفسدين.
وعلى الجملة يجب أن ننظر إلى هذا الأمر بعين الرضى ونعده حقاً وصواباً وإن كان ذلك
стр. 587
ربما زعزع أركان الأمن في الجيل القادم واضطر كل فرد فيه إلى حمل السلاح.
ولا يجب أن ننسى أن تعارض المبادئ الأخلاقية يمنع هدم أصول الأخلاق المقررة من آساسها وأن الأخلاق التي تدحض كل ما عداها وتستقر في مكانها تتلف كثيراً من القوى وتكلف النوع الإنساني ثمناً باهظاً.
فلا يحسن بعد الآن تضحية الشواذ من الناس والخارجين على النظامات المتواضع عليها فإنهم كثيراً ما يكونون من ذوي العقول المستقلة والمواهب المنتجة المبدعة: ولا أن نحسب من العار بعد الآن أن يحيد المرء عن المبادئ الأخلاقية إما باعتقاده أو بعمله، بل علينا اليوم أن نأخذ بتجارب جديدة في شؤون الحياة والاجتماع حتى ينجاب عن الدنيا هذا الوقر الذي نعانيه من جراء ارتباك الضمير والتباس حدوده، ويتعين على أهل الصدق والصراحة أن يقروا هذا الغرض ويؤيدوه.
* * *
الجمال عند اليونان - مالنا نتشدق بفلسفة اليونان؟؟
أين نحن من فهم فن كان أهله يمثلون الجمال في جسد الرجل العاري؟؟ بل ما كانوا ليدركوا جمال المرأة إلا بالنظر إلى ذلك الجمال المذكر. أما جمال النساء فإنهم ما نظروا إليه قط كما ننظر إليه اليوم وكذلك كان شأنهم في الحب. وكذلك كانوا يعبدون ويحتقرون. ولكن عباداتهم واحتقارهم من نوع غير هذه العبادة وهذا الاحتقار.
* * *
المتسولون - مطاردة المتسولين واجبة لأننا نغضب سواء أعطيناهم أو منعناهم.
الحيوانات الأليفة - أيمكن أن يظهر الإنسان عاطفة أدل على الحمق والسخف من هذا الحنان الذي يظهره بعضهم للنبات والحيوان؟؟ - هذا الحيوان الذي كان يوسعهم فتكاً وأذى ويكشر لهم عن ناب العداوة والبغضاء. ثم هو يتقاضى اليوم لنفسه ذرة من الفكر والإدراك.
* * *
البطولة في كبير الأعمال وصغيرها - إن اشتغال الرجل بعمل نحسبه من الحطة بمنزلة نأنف من ذكرها. قد لا ينفي بطولة القائم به متى كان يجني منه شيء من النفع وهؤلاء اليونان لم يخجلوا من توكيل هرقل بنظافة الإسطبل مع ما كان يضطلع به من الأعمال
стр. 588
الجسام.
* * *
إلى الأقوياء - معشر الأقوياء في القرائح والعقول؟ نحن لا ننشدكم إلا رجاءً واحداً: لا تطبقوا على عواتقنا عبثاً فوق ما نرزح تحته من الأعباء بل خففوا عنا بعض ما يرهقنا حيث أنتم أشد مرة وأصلب عوداً. بيد أني أراكم لا تصيخون لهذا الرجاء بل إنكم ليحلو لكم نقيض ذلك، لأنكم تطمحون بأبصاركم إلى السماء وتشتهون التحويم في أجواء الفضاء وكذلك تريدوننا على أن نحمل أعباءكم فوق أعبائنا ثم نزحف على التراب.
* * *
الجمال والمدنية - لماذا يكثر الجمال كلما أمعن الإنسان في المدنية؟؟
ذلك لأن علل الدمامة الثلاث تمتنع بين المتمدنين شيئاً فشيئاً بامتناع الحاجة إليها وتلك العلل هي اضطرام العواطف وهياجها هياجاً ينطبع أثره على سحنة الوجه ثم مشقة البدن ثم الحاجة إلى إيقاظ الخوف في نفس الناظر بشناعة الوجه وبشاعته فإن الإرهاب بهذا المنظر ضروري بين الهمج الذين يكثر فيهم السطو والغيلة حتى أنهم ليجعلون العبوسة والاكفهرار من أزياء الشهامة والوقار ويحسبون الشناعة وصفاً يجب أن يتحلى به الزعماء الكبار.
* * *
الجمود - تموت الجية إذا لم تنزع جلدها القديم وكذلك يجمد العقل الذي لا ينزع آراءه العتيقة فتموت فيه ملكة التفكير.
* * *
لا تنس - كلما علونا في أعنان السماء صغرنا في أعين العاجزين عن الطيران (العقاد).
قال ابن الرومي
رأيت الدهر يرفع كل وغد ... ويخفض كل ذوي شيم شريفة
كمثل البحر يغرق فيه حيي ... ولا ينفعك تطفو فيه جيفة
أو الميزان يخفض كل واف ... ويرفع كل ذي زنة خفيفة
стр. 589
مذكرات إبليس
هي رسالة انتقادية ضافية للكاتب عباس محمود العقاد تناول بها أغراضاً شتى من النقد الأدبي والأخلاقي والاجتماعي بأسلوب خيالي شائق يأخذ باللب ويرتفع له حجاب القلب وسننشرها إن شاء الله تباعاً في البيان.
مقدمة
نحن الشعراء لكل منا صاحب من الجن يوسوس له بخفي المعاني ويهجس في خاطره بأسرار الخيال ويسلك به من وادي الجنة في ملاعب لا يسير فيها الأنسي إلا بترجمان من أبناء الجان.
كام لامرئ القيس شيطان من تلك الشياطين اسمه لافظ بن لاحظ. لا أشك أنه كان معه يوم العذارى، يوم نزلت صاحبته عنيزة تتبرد وصويحبات لها في الغدير فأغراه شيطانه فقعد على ثيابهن وأبى إلا أن يخرجن إليه عاريات الأبدان باديات محاسن الأجسام كأبكار الماء عند قدماء اليونان، أو كما خرجت بنت ملك الواق على الصائغ البصري وقد خبأ منها ريشها وهي تسبح بين أترابها في بركة القصر. ثم أغراه بناقته فعقرها لهن فظل العذارى يرمين منها بلحم وشحم لا أظن حسان اليوم يستطبن منه شواء إفرنكياً، ثم سقاهن من زقه خمراً زادتهن سكراً على سكر التيه والشباب. ثم أملى عليه تلك القصيدة التي سجل بها على نفسه فعلته فأراح كاتب الشمال من تقييدها عليه فيسجل السيئات.
وكان للأعشى صناجة العرب شيطان اسمه مسحل بن أثاثة. ترصد له حتى علم أنه مال إلى الإسلام فأوقف له في بعض طريقه إلى النبي قوماً من المشركين، فلما أتاهم قالوا له أين أردت يا أبا بصير.
قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم.
قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك، وكلها لك موافق.
قال: وما هن
فقال له سفيان بن حرب: إنه يحرم عليك الزنا.
قال: لقد تركني الزنا وما تركته ثم ماذا؟
قال: القمار
стр. 590
قال: لعلي إن لقيته أن أصيب عوضاً من القمار ثم ماذا؟؟
قال: الربا.
قال: ما دنت ولا أدنت.
فكاد مسحل ييأس من فتنة صاحبه عن الإسلام فقد بردت عواطف الرجل وأخذت الشيخوخة شهواته. والشيطان لا يخلق في نفس المرء ما لم يكن فيها.
ولكنه ينفخ في جذوتها الهامدة ويحرك نارها الساكنة ثم ذكر (أي مسحل) إن من لذات النفس لذة لا يعيي عنها صاحبها حتى يوارى ثراه، وهي لذة الشراب كما قال بعض إخوانه على لسان بعض الشعراء:
قالوا كبرت فقلت ما كبرت يدي عن أن تمد إلى فمي بالكاس
فلما سألهم الأعشى ثم ماذا؟؟ همس شيطانه في قلب أحدهم فأجابه:
إنه ينهاك عن الخمر.
فصاح كانما لدغته أفعى وقال ارجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس فأشر بها ثم نكص على عقبيه وباع الجنة ونعميمها بمائة من الإبل فحق في هذا الأعشى قوله تعالى: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين.
أما النابغة فكان شيطانه يدعى هاذرا وكان كما قال نقد جني أشعر الجن وأضنهم بشعره أبدع في وصف امرأة النعمان حتى قال المنخل اليشكري: والله لا يقول هذا الأمن جرب ووقعت هذه الدسيسة من نفس النعمان فأراد أن يبطش بالنابغة وأحسب أن هاذرا هو الذي أدلى إليه بتلك الحيلة الشيطانية حين تغير عليه قلب النعمان فلقن إحدى قيان القصر قصيدته التي يقول في مطلعها:
يا دارمية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سانف لامد
فلما سكر النعمان غنته بها فطرب وقال هذا شعر علوي هذا شعر أبي إمامة ثم رضي عنه ووقاه هاذر كيد شيطان اليشكري.
ويعجبني هبيد شيطان عبيد بن الأبرص ذلك الشيطان المسكين الذي يرعى الظباء. ويلبس الأظمار وربما كان أول شيطان هدى إنساناً إلى ذكر الله فإنه لما طلع على عبيد في البيداء ورأى ما كان من ارتياعه منه قال له: اذكر الله فقد رعناك وبذكر الله تطمئن القلوب ولعله
стр. 591
لا يذكر الله من الجن إلا الفقراء والمساكين كما هو العهد بيننا معشر الأنس!
ولا ذنب على هبيد في فساد شعر عبيد فإن الهبيد شاعر عبقري ساجل لافظ من لاحظ يوماً فلم يقصر عنه ولقد محض صاحبه عبيداً النصح ولكنه أبى واستكبر أتاه بلبن الشعر وقال له: لو أنك أصبت من لبن عندنا؟؟
فقال: هات.
ثم ذهب وأتاه بعس فيه لبن ظبي قال عبيد فكرهته لزهومته فقلت إليك ومججت ما كان في فمي منه فأخذه ثم قال امض راشداً فوليت منصرفاً فصاح بي من خلفي.
أما إنك لو كرعت في بطنك العس لأصبحت أشعر قومك فندم عبيد على تفريطه في العس وأنشأ يقول:
أسفت على عس الهبيد وشربه ... لقد حرمتنيه صروف المقادر
ولو أنني إذ ذاك كنت شربته ... لأصبحت في قومي لهم خير شاعر
ولو أنه أطاعه فرضع من البان الظباء لاختمرت في نفسه زبدة القريض ولم تختل تراكيب شعره أو تضطرب أوزانه.
ولقد كان لحسان بن ثابت شيطان أسلم معه وكان للفرزدق شيطان مستوحش إذا طلبه خرج يلتمسه في الفلوات والبوادي وكذلك كل شعراء العرب قديماً وحديثاً أما شعراء الغرب فقد شغلتهم عرائيس الطبيعة عن رجال الجن فطابوا بأغاني النساء وطبنا بأحاديث الرجال أو كما قال أبو النجم:
إني وكل شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
ولقد صحبني هاجس من أولئك الشياطين اسمه حاذق بن واثق، فتي الطلعة وسيم الصورة، حلو الشمائل، وهو كما حدثني مرة من أشرف بيوت الجن وأرفعها ذروة. ولطالما جلست إليه في بعض خلواتي فكان يجلو لي عرائس الأفكار ويهتف في وجداني بلطائف الأخبار وروائع الأشعار وقد يحن إلى ليالي صبوته ومواقف صبابته فيسرد لي أسماء جنيات يلم خيالهن بالأذهان ولا تقع عليهن العيون وكان ربما صفاً لي لذات أبوينا في النعيم وما كانا يتناجيان به تحت أشجار الجنة من أحاديث الغرام الطاهر. ويحكي أحياناً تغاريد أطيارها وخرير سلسبيلها أو يصف صفاء ماء الكوثر ووريف ظلاله في ضحوة ذلك النهار السرمد
стр. 592
ويقول - والعهدة عليه - إن أطيار الجنة شواعر ترتل آي التسبيح وتتغزل بحور الفردوس وولدانه. وتترنم بمحاسن رياضه وجنانه بقصائد لا يأني شعراء الأرض بشطر من مثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً وألحان سماوية لو سمعتها الأفلاك الدائرة لوقفت تنصت إليها ولو طرقت نغمة من أنغامها آذان البشر لرأوا بينها وبين غنائهم فرق ما بين صرير الجنادب وأناشيد داود ﵇.
خلوت به يوماً في بعض البساتين. فقلت له. أراك تكشف لي عن سرائرك، وتطلعني على أسرار ضمائرك، إلا سراً واحداً لا تزال تكتمه عني. ولا أراني راضياً عن صحبتك تمام الرضى ما دمت تحجب عني ذلك السر وتراوغني فيه.
قال. كذلك عرفناكم يا بني آدم. لا يزال أحدكم يطمع فيما ليس له حتى يفقد ما بيده، ولئن كانت في نفس الإنسان خلة تفسد عليه من أمره ما لا يفسد الشيطان فتلك خلة الطمع التي تأصلت من طباعكم ورسخت في صميم نفوسكم.
قلت. ما أحسبك أقنعتني بهذه الفلسفة وهب الأمر كما تقول ألا يقوم عذراً لديك ما تعلمه من هذه الطباع فينا.
قال. يشبه أن يكون الأمر كذلك فماذا عساك تريد أن تسألني اليوم؟؟
فرأيت أن أصارحه فيما أردت وكنت قبل ذلك أواربه فيه وألمح إليه تلميحاً بعيداً.
قلت. أنا أعلم أن مثل أبليس في دهائه وفطنته لا يفوته أن يكتب سيرة حياته في دفتر يذكر فيه غواياته ووقائعه مع مريديه وزمرته، وأنا في شوق إلى تلاوة صفحات من ذلك الدفتر. فإن إبليس كما تعلم إمام شياطين الشعراء. وليس ألذ لمثلي من تلاوة شذرة أو شذرات مما يمليه ذلك العقل القادر على يراعه الساحر. فإن شئت أن تنتزع ورقات من كنائسه فتأتيني بها كنت لك شاكراً أبد الدهر.
قال: إنك تحدثني بأمر جلل. ألا تعلم أن إبليس ملك ملوك الجان، وإنني إن أفشيت سراً من أسرار ديوانه حاق بي غضبه، ولت بي نقمته، ولا آمل أن أنفى من مملكة الشياطين فأقعد مليماً محسوراً.
قلت: هون عليك، فلعلّك تطرد من مملكة الشيطان فتقبل في ملكوت الرحمن وعسى الله أن يمحو عن جبينك تلك اللعنة، إذا أنت أظهرت للناس بعضاً من حيائل إبليس، ومسالكه التي
стр. 593
يتسرب منها إلى النفوس، ووقيتهم شر الوقوع في أوهاقها فيفتح الله لك من أبواب السماء ما أوصده أبونا في وجه أبيك وذريته.
قال: نطقت صواباً.
ثم مضى عني أياماً لا يعاودني حتى يئست من رجوه، وخفت أن يكون قد رآه إبليس وهو يهم بسرقة أوراق الكناشة فبطش به.
فلما كنت ذات يوم في ذلك الموضع الذي لقيته فيه أخيراً، رأيته قادماً إلي من بعيد. فما هو إلا أن داناني حتى حياني ثم ألقى بين يدي قمطراً صغيراً فتأملته فإذا مكتوب على ورقة منه بلغة الجن: مذكرات إبليس وفيه خط دقيق رقمت حروفه بمداد من ماء النار على صفحائف من أوراق شجر الزقوم، فتناولت الأوراق فرحاً وهممت أن أفارقه لأتفرغ إلى قراءتها.
فقال: على رسلك. إني لأخشى وصول إبليس وأخاف عاقبة مكره مع ما منيتني به من غفران الله ورضوانه. وأنا أعرف الجن بإبليس، مثله لا ينام غريمه آمناً فناشدتك الله إلا ما كتمت هذا السر إلا عمن تثق بهم من القراء.
قلت: لك على ذلك.
وها أنا أسر للقراء بترجمة تلك الصفحات على أن يعاهدوني كما عاهدت حاذقاً أن يحفظوها في نفوسهم في موضع لا يطلع عليه ذلك الباقعة. إن كان في خبايا النفوس زاوية لا ينفذ إليها أبو مرة.
стр. 594
رسائل الفيلسوف سنيكا
إلى صديقه لوسليوس
الرسالة السابعة
(في أنه ينبغي الابتعاد عن أخلاط الناس)
تقول لي ما الذي يجب علي تحاشيه واتقاؤه أقول لك تحاشى غوغاء الناس واتق أخلاطهم لأن الاختلاط بهم ليس وراءه إلا التأثير على أخلاقك، وإني أعترف لك بضعفي فإني ما اقتحمت مجالس هؤلاء إلا وخرجت بخلق غير الذي دخلت به ولا احتطت لنفسي احتياطاً إلا وأفسدت علي حيطتي مخالطتهم ولا طردت من نفسي رذيلة إلا وعادت إليّ من عشرتهم السوآى لأن حالنا كحال بعض الناقهين من أمراض طويلة وعلل مزمنة الذين قد يتعبهم الخروج وينتكسون إذا هم تعرضوا للهواء فنحن كذلك لأن نفوسنا قد تخلصت من عللها بعد طول عناء لا جرم يتبعها مباشرة أحد أسبابها أعني مخالطة الجمهور فيعاودها منه الداء الذي قد يكون شيء من جراثيمه كامناً فيقوى فينا ويزداد وما يزيده إلا الاختلاط بجمهور الناس الذين لا تزايلهم عادة تلك الأدواء النفسانية، لا شيء أضر على الأخلاق الطيبة من الفراغ والشغف بالألعاب لأنه قد يعقب التلذذ برؤيتها والسرور بمشاهدتها في الغالب التصاق كثير من الرذائل بنفوسنا دون أن نشعر بها أو أن نأبه لها فافهم ما أقوله جيداً واعلم أني ما شاهدت هذه الألعاب مرة إلا وعلق بنفسي شيء من مثل رذيلة البخل أو الطمع أو الميل إلى الشهوات فضلاً عما تجلب إلى النفس من قساوة القلب وسلب الفؤاد الرحمة والشفقة الإنسانية وما سبب ذلك إلا اختلاطي بغوغاء الناس فيها، لقد ساقني القدر إلى مشاهدة ألعاب الجنوب فذهبت إليها على أمل أن أرى ألعاباً سارة مسلية للنفس خالية من إراقة الدماء فخاب ظني وتبين لي أن ألعاب المصارعة كانت عندنا أمس أقرب إلى الرحمة والشفقة منها اليوم لأن أبناء هذا الجيل لا يرغبون إلا في إزهاق أرواح المتصارعين فلذلك ترى المصارع لا يستر جسمه ساترٌ ولا يقي بدنه الخطر واق فكل ضربة بين المتصارعين تحدث في أجسامهم جراحاً وتسيل أبدانهم دماءاً فما هذا أيفضلون هذه المناظر الدموية على تلك الألعاب اللطيفة العادية، ولم يرغبون فيها ويحبونها؟ وما هي إذا فائدة الخوذ والدروع والتروس وتعلم السلاح إذا كانت لأتقي الناس القتل؟ ولكنهم لا
стр. 595
يعرفون في الألعاب اليوم مع الأسف شيئاً من ذلك ففي الصباح ترى المصارع المسكين معرضاً لافتراس الأسد والدببة وفي الظهيرة يدخل في مصارعة غيره من المتصارعين على تلك الحال البربرية المشتهاة للمتفرجين وهو على الحالين إن لم يقتل في أول النهار فلا يأتي عليه آخره إلا وهو مقتول وقاتله لا بد أن يلقى هو أيضاً حتفه وبالجملة فحظ كل هؤلاء المتصارعين في النهاية الموت هذا ما يريده ويولع به جمهور المتفرجين اليوم فلا يسرهم ولا يطرب نفوسهم غير ما تعمل النار والحديد فماذا يروقك أنت أيها المشاهد المسكين من تلك المشاهد وسماع قول الأخلاط للمتصارعين: اقتل خصمك، ألق عليه النار، انقض عليه بالضرب، لم هذا الإحجام على الانقضاض على الحديد لم هذا التحفظ في الإجهاز على خصمك، لم كل هذا الخوف من شرب كأس المنون وفضلاً عما تسمع من أمثال هذه العبارات في الحث والإغراء للإقدام على هذه الأفعال الوحشية تشاهد عصي الموكلين بأمر حفلة الصراع تدفع بالقسوة المتناهية هؤلاء المتصارعين التعساء إلى التعجل في لقاء الحتوف ومقابلة الموت الزؤام بصدورهم العارية وجراحهم الدامية وإذا ما انتهى فصل من فصول هذا اللعب فقد لا يفوت متفرجينا في الفترة التي بينه وبين الفاصل الذي يليه مشاهدة قتال بعض الناس من المتفرجين ورؤية دماءهم تهراق.
ما هذا الخرق والجنون أيتها الأمة الحمقاء أولا تعلمين أن مثل هذه الأعمال الوحشية قد يعود ضررها على القائمين بها ولكن اشكري للعناية الإلهية أن من تعلمه قساوتك قساوة لا يتعلمها فينبغي على كل حال أن يبتعد من معاشرة أخلاط الناس ذوو النفوس الضعيفة التي لم تتأصل فيها الفضائل الإنسانية وتستحكم الخيرات البشرية لأنها قد تكون سهلة الانقياد والاقتداء بما عليه الجمهور من الأحوال وأن تعاليم كبار الفلاسفة كسقراط وكاتون وليليوس وفضائلهم قد تتزعزع أركانها في النفوس من مخالطة ذوي الأخلاق الفاسدة والطباع السيئة من غوغاء الناس وهل في قدرة أمثالنا ممن لا يزالون مجدين عاملين على تهذيب نفوسهم وتزكيتها مقاومة سيل الرذائل الجارف الذي يبدو على رؤوس الأشهاد من الجمهور ويكون له من التأثير على النفوس ما له، لا جرم أن مثالاً واحداً في الإسراف أو الترف والشح قد يكون فيه من الضرر البليغ ما فيه وإن معاشرة إنسان واحد اشتهر بالترف والبذخ لتجلب على النفوس مصيبة الميل إلى السرف والنعيم وإن مجاورة غني واحد يظهر لنا كل يوم
стр. 596
في زينة جديدة قد يثير أطماعنا وحسدنا وإن مصاحبة شرير واحد قد تجر على النفس من الفساد ما لا قبل لها بالخلاص منه فإذا كان كل هذا يصيبنا من معاشرة إنسان واحد فكيف لا يكون الخطر شديداً علينا من مخالطة جمهور غفير من الناس جمعت نفوسهم خصال الشر بأجمعها فيضطر المرء إما إلى بغضهم وكراهة معاشرتهم وإما إلى مجاراتهم والانتظام في سلكهم، أما أنا فلا أرضى لك سلوك أحد هذين الطريقين فلا أشير عليك بكراهة السواد الأعظم لأنهم ليسوا على شاكلتك كما لا أقر على مجاراة شرارهم في أخلاقهم وأفعالهم بل الذي أشير به عليك أن تعتزل الناس وتبتعد عن غوغائهم وتشتغل بنفسك ما أمكنك ذلك ولا بأس أن تعاشر من تجد في معاشرتهم ما يزيدك من خلال الخير وأن تخالط من تتوسم فيهم حبه والرغبة في تعلمه فتهديهم سبيله وترشدهم إلى مناهجه ولنعمت الحال في تبادل المنفعة والفوائد فالمرء قد يتعلم وهو يعلم وإنما أحذرك التطوح والشطط وألا يخدعك غرور نفسك فترغب في إظهار مقدرتك وعلمك على الملأ بالخطابة فيه أو القراءة عليه فإني لا أسمح لك بذلك ولا أجيزه إلا إذا كان المستمعون إليك على شاكلتك في الفضائل ورفعة النفس وهم مع الأسف قليل عنيدهم بل أن من قد يأتون إليك لتعلمهم هذه الحكمة على ما أنت عليه قد لا يزيد عددهم عن رجلين أو ثلاثة رجال ولقد تقول وعلام إذاً أجهد نفسي في التحصيل ومن ذا الذي أعلمه كل ما حصلت من العلم؟ أقول لتطمئن نفسك وليسكن روعك فإن تعلمك لم يضع عليك ولم يذهب سدى لأنك إنما تعلمت لنفسك على أني أخالف ما قررت آنفاً وإني لم أتعلم لنفسي وحدها بأن أسرد على سمعك ها هنا ثلاث حكم لا تخرج عن معنى ما قررت وها هي ذه: قال ديمقريطس: الواحد هو الكل لأن الكل لا يتركب إلا من الواحد أما الكلمة الثانية فإني أوافق عليها كل الموافقة مهما كان قائلها الذي لا يعرف وهي جواب سؤال سئل فيه عن تأليف دقيق وضعه وعني به عناية كبيرة فقيل له: لم عنيت كل هذه العناية بتصنيف هذا الكتاب الذي لا يقرأه إلا القليل من الناس ممن يفهمونه فأجاب على الفور: إني لا أريد إلا هذا القدر القليل من القراء بل قارئاً واحداً ليس بقليل ويؤثر عن أبيقور هذه الحكمة المشهورة التي ضمنها كتاباً بعث به إلى أحد رفقائه في طلب العلم قال: (هذا الذي أكتب به إليك إنما هو لك وحدك وليس للجمهور وأنا وأنت نكون مسرحاً عظيماً) فدقق أيها الصديق في فهم مغزى هذه
стр. 597
الحكم يسهل عليك احتقار ما قد تفرح به نفسك ويطرب له فؤادك من ثناء الجمهور عليك وإطراءه إياك وما هو ثناء الجمهور؟ إنه لعمري ليس فيه شيء يزيد كثيراً في قيمة المرء ومكانته وإنما يزيد المرء قيمةً بل يزيده زينة نفسه فتحرى ذلك في نفسك واستمد الثناء عليك والمكافأة لك منك.
الرسالة الثانية
(فيما ينبغي أن يصرف الحكيم فيه عنايته)
كتبت إلي تقول: تأمرني أن أعتزل الناس وأن أبقى بعيداً عنهم قانعاً بمسامرة ضميري راضياً بمناجاة وجداني فماذا أصنع إذاً بتعاليمك ونصائحك التي تحثني على أن لا أنقطع عن العمل حتى الممات؟ - أقول ما هذا الوهم أأنا في حالتي الراهنة بناء على اعتقادك هذا عاطل من العمل؟ إن الغاية الشريفة من عزلتي وانفرادي بمحض اختياري إنما هي لكي أتوفر على العمل الذي أنا بصدده حتى تعم فوائده الجمة الغفيرة من الناس حتى أني لأخصص شطراً من سواد الليل للعمل ولا آخذ راحتي من النوم إلا إذا غلبني النعاس وجعلت عيناي ما تبصران ما أمامي من القرطاس إلا بصعوبة وعياء منه وإني ما اعتزلت الناس وانقطعت عن الأشغال المادية حتى أشغالي الخاصة إلا لتوفر علي الأعمال العينية التي تفيد الأجيال القابلة فإني في الكتابات إنما أتحرى نفع هذه الأجيال وإفادتها ولها وحدها أدون النصائح والإرشادات المفيدة في مؤلفاتي عن تجربة وخبرة بالأيام مما أصابني من المحن والإرزاء التي وإن كانت لم تزل جراحها دامية إلا أنها قد التأمت وعرفت من التجاريم المنهج الواضح والصراط السوي في الحياة بعد أن ضللت سبيله ولحقني من متاعب الحياة ومغرراتها ما دفع بي إلى كشف الغطاء عنه للناس صائحاً فيهم (أيها الناس فروا من كل ما يخدع عوام الناس من حظوظ العالم ومظاهره التي تسوقها الحظوظ وتحاشوا خيرات عارية وسعادات باطلة وخذوا حذركم ولا تأملوا للأيام واعلموا أن مثلكم في الغرور كمثل الأسماك والظباء توضع لها الطعم في الشباك فتقع فيها فمنح الأيام ليست إلا مصائد للرجال فإذا أحببتم أن تعيشوا بسلام آمنين مطمئنين فلا تركنوا إلى متاع الدنيا الغرور وإلا أصابكم الفشل وبؤتم بالخسران والضلال المبين فأنا لعمرك أن يخيل إلينا أنا فيها الآخذون وما نحن إلا مأخوذون فزخرف الدنيا والانغماس في نعيمها ما هو إلا هوة
стр. 598
سحيقة تسقطون فيها وهو نهاية المجد والسؤدد الذي تتوهمونه وإن المرء إذا انساق في تيار هذه الغرور الدنيوي تعذر عليه الوقوف فينبغي له للنجاة إما المقاومة أو الفرار من وجه المعترك لأن غرور الدنيا وزخرفتها لا يتحول فقط بل هو قد يسقط الناس ويسحقهم سحقاً وهاكم طريقة سهلة الاتباع في السلوك في الحياة وعلاجاً شافياً وافياً لإنقاذكم من غروركم إذ أنتم اتبعتموه نجوتم وذلك أن لا تكون عنايتكم بالأبدان إلا بمقدار ما يقتضيه سلامتها وحفظ صحتها وأن تعودوها الاخشوشان في العيش حتى لا يكون لها سبيل إلى الجماع وعصيان العقل فلا تنيلوها من الطعام إلا بمقدار ما يسد رمقها ولا من الشراب إلا بمقدار ما يبل ظمأها ولا من الكساء إلا بمقدار ما يقيها الحر والقرّ ولا من السكن إلا ما يدفع عنها الطوارئ والعاديات وسيان أن يكون هذا المسكن كوخاً حقيراً من أصول الشجر أو قصراً فخيراً مشيداً بالجص والمرمر المجزع لأن أصول النبات وغصون الأشجار تؤدي هذا الغرض أفضل مما تؤديه حتى لبن الذهب والفضة بل هي آمن منها في الحماية والوقاية فاسقط هذا النعيم كله من عينك ولا تتطلع إلى زخارف تافهة ليست في العير ولا في النفير من الشرف والزينة واعلم أن شرف المرء وزينته في نفسه فإذا هي عظمت وسمت ظهر له كل شيءٍ حقيراً في جانبها.
فمن جعل مذل هذا النصح نصب عينيه وعني بتقريب أمثاله لإرشاد الخلف ألا يعد عمله في اعتبارك مساوياً في النفع تولي القضاة بين الناس والنظر في أمورهم ووضع الأختام في ذيول الوصايا أو العمل في مجلس الشيوخ ومساعدة أرباب المصالح فكن على ثقة أيها الصديق أن هؤلاء الذين قد تدل الظواهر أنهم عاطلون عن العمل إنما هم الذين يعملون جلائل الأعمال وإنهم يشتغلون بما تحوي الأرض وتشمله السماء وقد آن لي أن أختم هذا الكتاب ولكن لا بد لي من دفع ما فرضت على نفسي من الأتاوة اليومية وهي حكمة مستقاة من بحر أبيقور قال: كن عبداً للحكمة تكن حراً جد الحرية وليس في هذه العبودية ذلة أو عذاب بل فيها السرور والبهجة لأنه من يخضع للحكمة ويتمسك بأهدابها ويستقيم لأوامرها يفك عنه ربقه في الحال فخدمتها هي الحرية ولعلك تقول ما الذي يدعوك لترك حكم فلاسفتنا وتفضيل حكم أبيقور على سواها فأجيبك ولم لا تقول أنها للجمهور وليس لأبيقور، وكم من حكم ومعاني سامية طرقها كثير من الشعراء فضمنها الحكماء حكمهم أو غفلوا عنها
стр. 599
وكان يجب ألا يغفلوها هذا فضلاً عما في رواياتنا التمثيلية من حكم ورقائق شعرية، وكم من أشعار حكمية تلوكها ألسنة الرواة والقصاص وكم من درر غوال حوت أشعار مثل الشاعر بوبليوس حرية بأن يترنم بها في أعظم أمكنة التمثيل دون الاستجداء بها على قارعة الطريق لما فيها من نفائس الحكم الجديرة باختيار الفيلسوف ولأذكرن لك بيتاً واحداً يدخل في موضوع هذا الكتاب وقد بين فيه ذلك الشاعر أنه لا ينبغي لنا أن نحفل بعطايا المصادفات لأنها ليست لنا قال:
والعطايا من الجدود عوار ... والعوار مصيرها للمعير
واذكر أنك ضمنت هذا المعنى بيتاً لك فقلت:
وهل للمرء في الدنيا نصيب ... إذا كان الزمان إلى سواه
ولا أغفل أيضاً عن ذكر هذا البيت وقد كشفت فيه الغطاء عن مبلغ حظنا من العالم فقلت:
وما نمنح من الخيرات جماً ... فإن الدهر مرجعه إليه
وهذه بضاعتك ردت إليك ليس لي فيها شيءٌ
صالح حمدي حماد
стр. 600
ليالي الشباب
هي قصيدة نثرية بليغة للشاعر الكاتب عبد الحليم حلمي المصري ضمنها كثيراً من المعاني الشعرية الرائقة، والفكر الفلسفية الجليلة المؤنقة، من كل ما يخفق له قلب الإنسان، وتصبو إليه أحرار الأذهان، في صفاء من اللغة واطراد من التعبير وجزالة من الأسلوب=قال حفظه الله.
أيها الشباب
بل أيتها الزهرة الذابلة في حديقة الأيام. والدمعة المسفوحة على جوانب الغرام، بل على ذلك الطلل الخالي، والأثر البالي، هذا هو الجسم الشاحب. وذلك هو العمر الذاهب.
أية جنة كنت يرتع منها المشوق في غفلة العيش وبله الحياة، بل أية كأس كنت يشربها الجامد فيسيل، والمعتدل فيميل، بل أية نضرة كست بها الطبيعة هذا الجلال المرسل والجمال اليتيم، وتوجت بها القدرة هذا الملك الذي هبط من الجنة يرفرف على رؤس لابسيك،
بل أيها الجواد المطلق في الميدان، بغير عنان كم ندم صاحبك. وذل راكبك، ولكن ما أصوب خطأك، وما أبلغ عثرتك، آه أيها السلطان القادر، والحاكم الجائر، يا عبوس المراحم، يا لذيذ المظالم،
كم غررت بفتى واطلعت عليه شمس الزهو من سماءك فتربع على عرش من نفسه قوائمه طالت على الأوهام وأركانه بنيت على الآثام، وبات يرسل النظر إلى هذا الكون نظرة الأسد أمام أكمته إلى مداب النمال. ويرى تمثاله في مرآة الشباب كأنه الهيكل المنيف قائم بقدميه على كتفي العالم، إذا مر به النسيم ليلاً ظنه من نفحات رضاه وإنه بعض أنفاسه العاطرات وإذا نفث القيظ شراره ظنه فحيح غضبه وإنه بعض أنفاسه المستعرات، يا مطية الغرور، ومسرح الشرور: كم ترقرقت قطرات الحسن في وجنات الملاح تحت أوراقك الوارفة الظلال، واشتبهت في مرآتك البنان بالشفاه في الحمرة والجمال، وتلألأت عنك أقمار الوجوه تحت ظلام الغدائر، وجاز فيك ابتسام العيون، في بكاء المحاجر، وهزت يمينك في القدود قواضب السيوف، وألقى حكمك حبال العشاق على غوارب الحتوف،
وكم عرضت الأيام على فتى صورك المزينة بالألوان المختلفة من روائع التقاسيم فلم تبق
следующие страницы →