Полный текст (3 596 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
في زينة جديدة قد يثير أطماعنا وحسدنا وإن مصاحبة شرير واحد قد تجر على النفس من الفساد ما لا قبل لها بالخلاص منه فإذا كان كل هذا يصيبنا من معاشرة إنسان واحد فكيف لا يكون الخطر شديداً علينا من مخالطة جمهور غفير من الناس جمعت نفوسهم خصال الشر بأجمعها فيضطر المرء إما إلى بغضهم وكراهة معاشرتهم وإما إلى مجاراتهم والانتظام في سلكهم، أما أنا فلا أرضى لك سلوك أحد هذين الطريقين فلا أشير عليك بكراهة السواد الأعظم لأنهم ليسوا على شاكلتك كما لا أقر على مجاراة شرارهم في أخلاقهم وأفعالهم بل الذي أشير به عليك أن تعتزل الناس وتبتعد عن غوغائهم وتشتغل بنفسك ما أمكنك ذلك ولا بأس أن تعاشر من تجد في معاشرتهم ما يزيدك من خلال الخير وأن تخالط من تتوسم فيهم حبه والرغبة في تعلمه فتهديهم سبيله وترشدهم إلى مناهجه ولنعمت الحال في تبادل المنفعة والفوائد فالمرء قد يتعلم وهو يعلم وإنما أحذرك التطوح والشطط وألا يخدعك غرور نفسك فترغب في إظهار مقدرتك وعلمك على الملأ بالخطابة فيه أو القراءة عليه فإني لا أسمح لك بذلك ولا أجيزه إلا إذا كان المستمعون إليك على شاكلتك في الفضائل ورفعة النفس وهم مع الأسف قليل عنيدهم بل أن من قد يأتون إليك لتعلمهم هذه الحكمة على ما أنت عليه قد لا يزيد عددهم عن رجلين أو ثلاثة رجال ولقد تقول وعلام إذاً أجهد نفسي في التحصيل ومن ذا الذي أعلمه كل ما حصلت من العلم؟ أقول لتطمئن نفسك وليسكن روعك فإن تعلمك لم يضع عليك ولم يذهب سدى لأنك إنما تعلمت لنفسك على أني أخالف ما قررت آنفاً وإني لم أتعلم لنفسي وحدها بأن أسرد على سمعك ها هنا ثلاث حكم لا تخرج عن معنى ما قررت وها هي ذه: قال ديمقريطس: الواحد هو الكل لأن الكل لا يتركب إلا من الواحد أما الكلمة الثانية فإني أوافق عليها كل الموافقة مهما كان قائلها الذي لا يعرف وهي جواب سؤال سئل فيه عن تأليف دقيق وضعه وعني به عناية كبيرة فقيل له: لم عنيت كل هذه العناية بتصنيف هذا الكتاب الذي لا يقرأه إلا القليل من الناس ممن يفهمونه فأجاب على الفور: إني لا أريد إلا هذا القدر القليل من القراء بل قارئاً واحداً ليس بقليل ويؤثر عن أبيقور هذه الحكمة المشهورة التي ضمنها كتاباً بعث به إلى أحد رفقائه في طلب العلم قال: (هذا الذي أكتب به إليك إنما هو لك وحدك وليس للجمهور وأنا وأنت نكون مسرحاً عظيماً) فدقق أيها الصديق في فهم مغزى هذه
стр. 597
الحكم يسهل عليك احتقار ما قد تفرح به نفسك ويطرب له فؤادك من ثناء الجمهور عليك وإطراءه إياك وما هو ثناء الجمهور؟ إنه لعمري ليس فيه شيء يزيد كثيراً في قيمة المرء ومكانته وإنما يزيد المرء قيمةً بل يزيده زينة نفسه فتحرى ذلك في نفسك واستمد الثناء عليك والمكافأة لك منك.
الرسالة الثانية
(فيما ينبغي أن يصرف الحكيم فيه عنايته)
كتبت إلي تقول: تأمرني أن أعتزل الناس وأن أبقى بعيداً عنهم قانعاً بمسامرة ضميري راضياً بمناجاة وجداني فماذا أصنع إذاً بتعاليمك ونصائحك التي تحثني على أن لا أنقطع عن العمل حتى الممات؟ - أقول ما هذا الوهم أأنا في حالتي الراهنة بناء على اعتقادك هذا عاطل من العمل؟ إن الغاية الشريفة من عزلتي وانفرادي بمحض اختياري إنما هي لكي أتوفر على العمل الذي أنا بصدده حتى تعم فوائده الجمة الغفيرة من الناس حتى أني لأخصص شطراً من سواد الليل للعمل ولا آخذ راحتي من النوم إلا إذا غلبني النعاس وجعلت عيناي ما تبصران ما أمامي من القرطاس إلا بصعوبة وعياء منه وإني ما اعتزلت الناس وانقطعت عن الأشغال المادية حتى أشغالي الخاصة إلا لتوفر علي الأعمال العينية التي تفيد الأجيال القابلة فإني في الكتابات إنما أتحرى نفع هذه الأجيال وإفادتها ولها وحدها أدون النصائح والإرشادات المفيدة في مؤلفاتي عن تجربة وخبرة بالأيام مما أصابني من المحن والإرزاء التي وإن كانت لم تزل جراحها دامية إلا أنها قد التأمت وعرفت من التجاريم المنهج الواضح والصراط السوي في الحياة بعد أن ضللت سبيله ولحقني من متاعب الحياة ومغرراتها ما دفع بي إلى كشف الغطاء عنه للناس صائحاً فيهم (أيها الناس فروا من كل ما يخدع عوام الناس من حظوظ العالم ومظاهره التي تسوقها الحظوظ وتحاشوا خيرات عارية وسعادات باطلة وخذوا حذركم ولا تأملوا للأيام واعلموا أن مثلكم في الغرور كمثل الأسماك والظباء توضع لها الطعم في الشباك فتقع فيها فمنح الأيام ليست إلا مصائد للرجال فإذا أحببتم أن تعيشوا بسلام آمنين مطمئنين فلا تركنوا إلى متاع الدنيا الغرور وإلا أصابكم الفشل وبؤتم بالخسران والضلال المبين فأنا لعمرك أن يخيل إلينا أنا فيها الآخذون وما نحن إلا مأخوذون فزخرف الدنيا والانغماس في نعيمها ما هو إلا هوة
стр. 598
سحيقة تسقطون فيها وهو نهاية المجد والسؤدد الذي تتوهمونه وإن المرء إذا انساق في تيار هذه الغرور الدنيوي تعذر عليه الوقوف فينبغي له للنجاة إما المقاومة أو الفرار من وجه المعترك لأن غرور الدنيا وزخرفتها لا يتحول فقط بل هو قد يسقط الناس ويسحقهم سحقاً وهاكم طريقة سهلة الاتباع في السلوك في الحياة وعلاجاً شافياً وافياً لإنقاذكم من غروركم إذ أنتم اتبعتموه نجوتم وذلك أن لا تكون عنايتكم بالأبدان إلا بمقدار ما يقتضيه سلامتها وحفظ صحتها وأن تعودوها الاخشوشان في العيش حتى لا يكون لها سبيل إلى الجماع وعصيان العقل فلا تنيلوها من الطعام إلا بمقدار ما يسد رمقها ولا من الشراب إلا بمقدار ما يبل ظمأها ولا من الكساء إلا بمقدار ما يقيها الحر والقرّ ولا من السكن إلا ما يدفع عنها الطوارئ والعاديات وسيان أن يكون هذا المسكن كوخاً حقيراً من أصول الشجر أو قصراً فخيراً مشيداً بالجص والمرمر المجزع لأن أصول النبات وغصون الأشجار تؤدي هذا الغرض أفضل مما تؤديه حتى لبن الذهب والفضة بل هي آمن منها في الحماية والوقاية فاسقط هذا النعيم كله من عينك ولا تتطلع إلى زخارف تافهة ليست في العير ولا في النفير من الشرف والزينة واعلم أن شرف المرء وزينته في نفسه فإذا هي عظمت وسمت ظهر له كل شيءٍ حقيراً في جانبها.
فمن جعل مذل هذا النصح نصب عينيه وعني بتقريب أمثاله لإرشاد الخلف ألا يعد عمله في اعتبارك مساوياً في النفع تولي القضاة بين الناس والنظر في أمورهم ووضع الأختام في ذيول الوصايا أو العمل في مجلس الشيوخ ومساعدة أرباب المصالح فكن على ثقة أيها الصديق أن هؤلاء الذين قد تدل الظواهر أنهم عاطلون عن العمل إنما هم الذين يعملون جلائل الأعمال وإنهم يشتغلون بما تحوي الأرض وتشمله السماء وقد آن لي أن أختم هذا الكتاب ولكن لا بد لي من دفع ما فرضت على نفسي من الأتاوة اليومية وهي حكمة مستقاة من بحر أبيقور قال: كن عبداً للحكمة تكن حراً جد الحرية وليس في هذه العبودية ذلة أو عذاب بل فيها السرور والبهجة لأنه من يخضع للحكمة ويتمسك بأهدابها ويستقيم لأوامرها يفك عنه ربقه في الحال فخدمتها هي الحرية ولعلك تقول ما الذي يدعوك لترك حكم فلاسفتنا وتفضيل حكم أبيقور على سواها فأجيبك ولم لا تقول أنها للجمهور وليس لأبيقور، وكم من حكم ومعاني سامية طرقها كثير من الشعراء فضمنها الحكماء حكمهم أو غفلوا عنها
стр. 599
وكان يجب ألا يغفلوها هذا فضلاً عما في رواياتنا التمثيلية من حكم ورقائق شعرية، وكم من أشعار حكمية تلوكها ألسنة الرواة والقصاص وكم من درر غوال حوت أشعار مثل الشاعر بوبليوس حرية بأن يترنم بها في أعظم أمكنة التمثيل دون الاستجداء بها على قارعة الطريق لما فيها من نفائس الحكم الجديرة باختيار الفيلسوف ولأذكرن لك بيتاً واحداً يدخل في موضوع هذا الكتاب وقد بين فيه ذلك الشاعر أنه لا ينبغي لنا أن نحفل بعطايا المصادفات لأنها ليست لنا قال:
والعطايا من الجدود عوار ... والعوار مصيرها للمعير
واذكر أنك ضمنت هذا المعنى بيتاً لك فقلت:
وهل للمرء في الدنيا نصيب ... إذا كان الزمان إلى سواه
ولا أغفل أيضاً عن ذكر هذا البيت وقد كشفت فيه الغطاء عن مبلغ حظنا من العالم فقلت:
وما نمنح من الخيرات جماً ... فإن الدهر مرجعه إليه
وهذه بضاعتك ردت إليك ليس لي فيها شيءٌ
صالح حمدي حماد
стр. 600
ليالي الشباب
هي قصيدة نثرية بليغة للشاعر الكاتب عبد الحليم حلمي المصري ضمنها كثيراً من المعاني الشعرية الرائقة، والفكر الفلسفية الجليلة المؤنقة، من كل ما يخفق له قلب الإنسان، وتصبو إليه أحرار الأذهان، في صفاء من اللغة واطراد من التعبير وجزالة من الأسلوب=قال حفظه الله.
أيها الشباب
بل أيتها الزهرة الذابلة في حديقة الأيام. والدمعة المسفوحة على جوانب الغرام، بل على ذلك الطلل الخالي، والأثر البالي، هذا هو الجسم الشاحب. وذلك هو العمر الذاهب.
أية جنة كنت يرتع منها المشوق في غفلة العيش وبله الحياة، بل أية كأس كنت يشربها الجامد فيسيل، والمعتدل فيميل، بل أية نضرة كست بها الطبيعة هذا الجلال المرسل والجمال اليتيم، وتوجت بها القدرة هذا الملك الذي هبط من الجنة يرفرف على رؤس لابسيك،
بل أيها الجواد المطلق في الميدان، بغير عنان كم ندم صاحبك. وذل راكبك، ولكن ما أصوب خطأك، وما أبلغ عثرتك، آه أيها السلطان القادر، والحاكم الجائر، يا عبوس المراحم، يا لذيذ المظالم،
كم غررت بفتى واطلعت عليه شمس الزهو من سماءك فتربع على عرش من نفسه قوائمه طالت على الأوهام وأركانه بنيت على الآثام، وبات يرسل النظر إلى هذا الكون نظرة الأسد أمام أكمته إلى مداب النمال. ويرى تمثاله في مرآة الشباب كأنه الهيكل المنيف قائم بقدميه على كتفي العالم، إذا مر به النسيم ليلاً ظنه من نفحات رضاه وإنه بعض أنفاسه العاطرات وإذا نفث القيظ شراره ظنه فحيح غضبه وإنه بعض أنفاسه المستعرات، يا مطية الغرور، ومسرح الشرور: كم ترقرقت قطرات الحسن في وجنات الملاح تحت أوراقك الوارفة الظلال، واشتبهت في مرآتك البنان بالشفاه في الحمرة والجمال، وتلألأت عنك أقمار الوجوه تحت ظلام الغدائر، وجاز فيك ابتسام العيون، في بكاء المحاجر، وهزت يمينك في القدود قواضب السيوف، وألقى حكمك حبال العشاق على غوارب الحتوف،
وكم عرضت الأيام على فتى صورك المزينة بالألوان المختلفة من روائع التقاسيم فلم تبق
стр. 601
له علالة في النفس إلا أن تنتهي هذه الأعاجيب حتى يستريح من متاعب اللذائذ، فاللذة ضرب من ضروب الشقاء يزينها الفراغ بالقبول إني لا أذكر يوم بدأت تفيضك على الأيام ولكن أذكر يوم بدأت تمسحك عن جبيني، ولو كنت أعلم أنك مقدود عن منكبي لوثبت وثبة من الطفولة إلى الكهولة حتى أتعدى عهدك المحال أو لرقدت رقدة الصامت حتى تمر بي كما يمر الخيال،
أين منك ليلة على ضفاف النيل في مقاصير، سماؤها صبير، وأرضها وتير، إذا جازها السحر وهصرت الشجر، واختلطت صفعة الظلام، بدمعة المدام، وذكرت بين الورد والآس، قال أبي نواس:
ودار ندامي عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس
حسبت بها صحبي وجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس
تدار علينا الكأس في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تديرها بالقسيّ الفوارس
فللخمر ما زرّت عليه جيوبهم ... وللماء ما دارت عليه القلانس
سما إلى رشاش ذلك النذر يلفتني إلى خضوعه المنحدر، وسكونه المستمر فذكرتني عزة الشباب، آية فرعون في الكتاب،
وازدحم جمال الطبيعة على عيني وضاق الفضاء بهذا الحسن المتناثر على أرجاء الكون، وتطايرت أصوات السكينة المعجمة، فتبينت فيها نغي القدرة الفصيحة إلا شيئين، لفظٌ لا معنى له، ومعنى لا وجود له، هذا هو الوفاء، وذلك هو الحب.
نعم لا معنى للوفاء، مر هذا اللفظ على آدم، وتخلل ثناياه وولج مسامعه، ثم دار دورته في بروج رأسه فما كاد يصل إلى أحد من ذريته ولولا أني أنا أنا لقلت إني غادر، نعم. لا معنى للوفاء. الإنسان غادر، والحيوان غادر، والنبات غادر، بل والماء والهواء، والأرض والسماء، بل كل ما دار بالرأس وما تخلل الأذن، وما عرض على العين، فما أنبغ الغدر في إخضاع كل موجود: ما عسى يفهم الإنسان من المعنى الذي يتردد بين هذين الحرفين (ح. ب) ويضطرب بين ساحليهما.
يقول أناسٌ لو وصفت لنا الهوى ... فوالله ما أدري الهوى كيف يوصف
стр. 602
ضعف في النفس، وخفة في الرأس، ونقص في الإرادة، واختلال في التكوين ولكن:
الحب صعبٌ فلا تعبث بصاحبه ... فربما قتلتك الحاء والباء
الإنسان قادر أمام كل شيءٍ عاجز أمام هذا اللفظ - الحب.
ما خرج من كنه الغيب روح إلى العالم المنظور إلا ورمي سهماً طائشاً لم يصب به هذا الغرض وغادر له كتاباً لم تأهل ألفاظه بمعانيه في وصف هذا اللفظ المعجم - الحب.
أي داءٍ هو راسخ في دم البشر، متسلسل مع الخليقة، وأيسر متغلغل في ضمير الكائنات.
الله يحب، والإنسان يحب، والحيوان يحب، بل كل شيء يحب، حتى الطبيعة تحب،
يخلص العبد فيحبه الله، ويكمل الجمال فيحبه الإنسان، ويصفو العيش فيحبه الحيوان، وتلطف الطبيعة فتحب أن يراها الشاعر، وتطير فيها الخواطر.
كم استوى على العرش سلطان، وسبح بحمده الخافقان، وجرت الأرزاق على يديه، وخشعت القدرة عن جانبيه، ودارس على أكتاف المقادير. وحمته العظمة أن يعترف بالعبودية إلى هذا الإله القدير، خلف العرش والإيوان، ونسي عزة التاج والصولجان، ووقف وقفة المذنب في كنائس روما وسط حلقة القديسين إلى الإله الصامت - أو وقفة الرشيد من قوله إذا صح:
ملك الثلاث الآنسات عناني ... ونزلن من قلبي بكل مكان
مالي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا إن سلطان الهوى ... وبه اعتصمن أعز من سلطاني
أمام عظموت هذا الجلال، وجبروت ذلك الرب.
الحب المتصرف في قلوب العباد.
يا مسيل الجوامد، يا مذل الجبابرة، يا مثل العروش، يا مريق الدماء في شؤون العيون، يا واصل الليل بالنهار، يا مجري الماء على النار،
كم ضعيف لا تقوي وجنتاه على حمل وردتيهما المكللتين بدمع العاشق السليب، ولا راحتاه على حلم النفحات العاطرة من أخلاط الطيب، كسوته مهابة فخشعت له الرؤوس الباذخة، وملأته قدرة فأرغمت له الأنوف الشامخة، وأنزلته منزل الأسرار في الجانب اليسار فحكم. وظلم. وانتقم. واعتصم.
стр. 603
وكم صبغت هذا الوجه بعصارة الورس، وأبدلتني مقاعد الحصباء من الدمقس:
وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضاً أرمي وأنت سليم
وكم أنطقت وجداني الصامت وأسمعت صبري الأصم.
وجعلت قلبي لساني، وعيني بياني، ونشرتني صفحة تكتب فيها أفواه العذل وتتلوها عيون الوشاه.
فلو أن قولاً يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الرجال كلوم.
وكم سخرت بهذه النفس الحكيمة، وقمت بين أخوتك من عوائد الأخلاق وحكام القلوب تريها إنك العادة الواحدة التي تأمر في كل نفس، وتتحكم في كل قلب، ويستوي عندها الأمير والحقير، والصغير والكبير، تعاليت في ملكوتك وتنزهت في قدرتك.
ألست أنت ذاك
وأنت الذي كلفتني دلج السري ... وجون القطا بالرقمتين جئوم
تلك عقبى ظلمك أيها الحب. ظلمت الناس فظلموك. وبدلتهم فبدلك. وصرت معنى شائعاً في المخلوقات كل ذي حاجة عاشق وكل ذي نزوة محب.
لا ألوم ظليلك فالبادي أظلم ولكن لا أعذر هذا الناس الجاهل الذي جعل مهبطك في غير القلب وأسكنك في غير مأواك.
إن العاطفة التي تخضع النفوس الكبيرة لأحكام الجمال الإنساني ليست إلا عاطفة شريرة تعتري الجسم ولا تتصل بالروح.
وإلا فأين تشبب الخصيان بالظباء. وتغزل النساء بالنساء.
وقليل ما يطهر الحب إذا لم يجز أحد الروحين الواقفين على حد واحد من العفة النادرة.
الحي هو الذل مع الكمال، لا حب بلا عفة، ولا عفة لحيوان:
الحب جزء من أجزاء الروح بل الروح جزء منه فإنه هو الإيمان الكامل الذي لم يهتد إليه مخلوق، ولم تتعده المهابة والخشوع.
وأني لهذا الحيوان الذي نما عوده من هذه النطفة القذرة أن يرتفع إلى منازل الملائكة المطهرين فيقال أنه - أحب - إن أسلافنا المجانين الأبرار من القائلين:
وإني لأستحييك حتى كأنما ... على بظهر الغيب منك رقيب
стр. 604
وأهابك إجلالاً وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها
وبتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى ... يلفنا الشوق من فرع إلى قدم
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم
وبيننا عفة بايعتها بيدي ... على الوفاء بها والرعي للذمم
ليتألم رفاتهم المستحيل مع الذر إذا عصفت به هذه السطور ولكنني أقف أمام آثار أهله الأعفاء وقفة الناسك بالمعبد يخلع بردة الذنوب عند عتبته حتى يخرج فيلبسها وقد يكون هؤلاء هم النادرون فهم أقرب منا إلى آدم وآدم أقرب البشر إلى الروح:
الحب ليس مسكنه القلب كما يقولون فالقلب مادة لا يتسع حجمها لهذا الفضاء الذي تسبح فيه الخيالات والحقائق وإنما مسكنه الروح الطائر المحلق في كل سماء ولكن أخطأ الناس.
ما هذا الخفقان المدفق بالاضطراب في جانبي؟ إنه شعاع تسلط من الروح على الجسم فلم يحسه إلا هذا العضو اللطيف. . . القلب.
لا أثر لك عندي أيها الحب إلا وقوفي خلال التاريخ أندب شبابي الضائع وهل أنا لا أعود من ذلك النبات الذي تنميه الأيام ويحصده الحمام.
لقد شمت بك أيها الحب قبل أن تشمت بي. فقدمت أنت قبلي بل هويت من السماء ومن حلقة الملائكة فسقطت على تلك الصخرة المتحجرة من عواطف الخلق فانتثرت كقطع الزجاج الراسبة في قاع النهر. منها المضيية التي أعراها الماء. ومنها المظلمة التي لبسها الطين.
وقفة في كل بقعة من الأرض بين هذه القبور العطرات - لا قبور الأموات - ولكن القبور المخطوطة فيكل شبر من الفضاء، والماء، والهواء، تلك مدافن غرام، ومصارع أقوام. إذا مر بها العاشق المعمود نشق أخلاط الطبيب المنبعثة من معانيها الدفينة الشائعة في نفس الزمن ورأي هذه الآية مكتوبة بدم القتلى الأبرياء (بالموت يكمل الغرام) وتذكر قول أخيه المجنون:
منازل لو مرت عليها جنازتي ... لقال الصدى يا حاملي انزلا بيا
стр. 605
أفاق إلي قول هذا السالي:
إن رباً بدأ الحب بكم ... قادر يختم بالسلوى الغرام
دفن الحب وأهلوه معاً ... فعلى الحب وأهليه السلام
أجل مات الحب وما بقي إلا العواطف اللئيمة ومآرب الحياة الغادرة المحلاة بالرياء.
والحب من عبث الشباب.
стр. 606
نوادر وملح وفكاهات
ننشر في هذا الباب من النوادر المستطرفة والفكاهات المستملحة ما تتروح إليه نفس القارئ وينتفي معه ما عساه يعرو النفس من الكلال لطول النظر في المباحث الجدية إن شاء الله.
كان أبو دلامة واسمه زند بن الجون من الشعراء المجيدين وكان ماجنافكها ذا نوادر مستظرفة وقد كان منقطعاً إلى السفاح وأبي جعفر المنصور وابنه المهدي.
حدث أبو دلامة قال أتي بي إلى المنصور وأنا سكران فحلف ليخرجني في بعث حرب فأخرجني مع روح بن عديّ بن حاتم المهلبي لقتال الشراة. فلما التقى الجمعان قلت لروح أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت في عدوك أثراً ترتضيه مني فضحك وقال لأدفعنّ ذلك إليك ولآخذنك بالوفاء بشرطك ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إليّ ودعا له بغيرهما فاستبدل به فلما حصل ذلك في يدي وزالت عنه حلاوة الطمع قلت له أيها الأمير هذا مقام العائذ بك وقد قلت بيتين فاسمعهما فقال هات فأنشدته:
إني استجرتك أن أقدم في الوغى ... لتطاعن وتنازل وضراب
فهب السيوف رأيتها مشهرة ... فتركتها ومضيت في الهرّاب
ماذا تقول لمن يجيء ولا يرى ... لما درأت الموت في النشاب
فقال دع هذا وستعلم. فبرز رجل من الخوارج يطلب المبارزة فقال أخرج يا أبا دلامة فقلت أنشدك الله أيها الأمير في دمي فقال لتخرجنّ. قلت أيها الأمير إنه أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا وأنا جائع ما تنبعث مني جارحة من الجوع فمر لي بشيءٍ آكله ثم أخرج فأمر لي برغيفين ودجاجة فأخذت ذلك وبرزت من الصف فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعليه فرو قد أصابه المطر فابتل وأصابته الشمس فاقفعل وعيناه تقدان. فأسرع إليّ فقلت على رسلك يا هذا كما أنت. فوقف فقلت: أتقتل من لا يقاتلك قال: لا. قلت أفتستحل أن تقتل رجلاً على دينك؟ قال: لا. قلت: أفتستحل ذلك قبل أن تدعو من يقاتلك إلى دينك قال لا فاذهب عني إلى لعنة الله. فقلت لا أفعل أو تسمع مني. قال: قل. قلت: هل كان بيننا عداوة قط أو تعلم بين أهلي وأهلك وتراً. قلت: ولا أنالك إلا على جميل وإني لأهواك. وانتحل مذهبك. وأدين بدينك وأريد الشر لمن أراده لك. قال يا هذا جزاك الله خيراً فانصرف. قلت: معي زاد أريد أن آكله وأريد مؤاكلتك لتتأكد المودة بيننا ونرى أهل
стр. 607
العسكرين هو أنهم علينا. قال: فافعل فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا وجمعنا أرجلنا على معارفها وجعلنا نأكل والناس قد غلبوا ضحكاً. فلما استوفينا ودعني فقلت له إن هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني لك فتتعب وتتعبني فإن رأين أن لا تبرز اليوم فافعل قال قد فعلت ثم انصرف وانصرفت فقلت لروح أما أنا فقد كفيتك قرني فقل لغيري يكفيك قرنه.
وخاصم رجل أبا دلامة في داره فارتفعا إلى (عافية) القاضي فقال أبو دلامة:
لقد خاصمتي دهاة الرجال ... وخاصمتهم سنة وافية
فما أدحض الله لي حجة ... ولا خيب الله لي قافية
ومن خفت من جوره في القضا ... فلست أخافك يا عافيه
فقال له عافية أما والله لأشكونك إلى أمير المؤمنين ولأعلمنه أنك هجوتني فقال إذن يعزلك قال ولم قال لأنك لا تعرف المديح من الهجاء. فبلغ المنصور ذلك فضحك وأمر لأبي دلامة بجائزة.
ودخل أبو دلامة على المهدي وسلمة الوصيف واقف فقال: إني قد أهديت إليك يا أمير المؤمنين مهراً ليس لأحد مثله فإن رأيت أن تشرفني بقبوله فمر بإدخاله فقال أدخله فخرج أبو دلامة وأدخل فرسه الذي كان تحته فإذا هو برذون محطم أعجف هرم فقال له المهدي أي شيء ويلك هذا ألم تزعم أنه مهر فقال له أو ليس هذا سلمة الوصيف بين يديك قائماً تسميه الوصيف وله ثمانون سنة وهو بعد عندك وصيف فهذا مهر فجعل سلمة يشتمه والمهدي يضحك. ثم قال لسلمة إن لهذا منه أخوات وإن أتى بمثلها في محفل يفضحك فقال أبو دلامة إي والله يا أمير المؤمنين لأفضحنه فليس في مواليك أحد إلا وقد وصلني غيره فإني ما شربت له الماء قط قال فقد حكمت عليه أن يشتري نفسه منك بألف درهم حتى يتخلص من يدك قال سلمة قد فعلت على أن لا يعاود قال أبو دلامة أفعل ولولا أني ما أخذت منه شيأ قط ما استعملت معه مثل هذا فمضى سلمة فحملها إليه.
ودخل أبو دلامة على المهدي وهو يبكي فقال له مالك قال ماتت أم دلامة وأنشد:
وكنا كزوج من قطافي مفازة ... لدى خفض عيش مونق ناضر رغد
فأفردني ريب الزمان بصرفه ... ولم أر شيأ قط أوحش من فرد
стр. 608
فأمر له بثياب وطيب ودنانير وخرج. فدخلت أم أبي دلامة على الخيزران فأعلمتها أن أبا دلامة قد مات فأعطتها مثل ذلك وخرجت فلما التقى المهدي والخيزران عرفا حيلينهما فجعلا يضحكان لذلك ويعجبان منه.
وخرج أبو دلامة مع المهدي في مصادٍ لهم فعن لهم ظبي فرماه المهدي فأصابه ورمى علي بن سليمان فأخطأ وأصاب الكلب فضحك المهدي وقال لأبي دلامة قل فقال:
قد رمى المهدي ظبياً ... شك بالسهم فؤاده
وعلي بن سليمان رمى كلباً فصاده
فهنيأ لهما كل ... امريء يأكل زاده
وقيل لأشعب لو أنك حفظت الحديث حفظك هذه النوادر لكان أولى بك قال قد فعلت قالوا له فما حفظت من الحديث قال حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال من كان فيه خصلتان كتب عند الله خالصاً مخلصاً قالوا إن هذا حديث حسن فما هاتان الخصلتان قال نسي نافع واحدة ونسيت أنا الأخرى.
وضرب الحجاج أعرابياً سبعمائة صوت وهو يقول عند كل سوط شكراً لك يا رب فلقيه أشعب فقال أتدري لم ضربك الحجاج سبعمائة صوت قال ما أدري قال لكثرة شكرك لله تعالى حيث يقول لئن شكرتم لأزيدنكم فقال:
يا رب لا شكراً فلا تزدني ... باعد ثواب ا
فأمر له بثياب وطيب ودنانير وخرج. فدخلت أم أبي دلامة على الخيزران فأعلمتها أن أبا دلامة قد مات فأعطتها مثل ذلك وخرجت فلما التقى المهدي والخيزران عرفا حيلينهما فجعلا يضحكان لذلك ويعجبان منه.
وخرج أبو دلامة مع المهدي في مصادٍ لهم فعن لهم ظبي فرماه المهدي فأصابه ورمى علي بن سليمان فأخطأ وأصاب الكلب فضحك المهدي وقال لأبي دلامة قل فقال:
قد رمى المهدي ظبياً ... شك بالسهم فؤاده
وعلي بن سليمان رمى كلباً فصاده
فهنيأ لهما كل ... امريء يأكل زاده
وقيل لأشعب لو أنك حفظت الحديث حفظك هذه النوادر لكان أولى بك قال قد فعلت قالوا له فما حفظت من الحديث قال حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال من كان فيه خصلتان كتب عند الله خالصاً مخلصاً قالوا إن هذا حديث حسن فما هاتان الخصلتان قال نسي نافع واحدة ونسيت أنا الأخرى.
وضرب الحجاج أعرابياً سبعمائة صوت وهو يقول عند كل سوط شكراً لك يا رب فلقيه أشعب فقال أتدري لم ضربك الحجاج سبعمائة صوت قال ما أدري قال لكثرة شكرك لله تعالى حيث يقول لئن شكرتم لأزيدنكم فقال:
يا رب لا شكراً فلا تزدني ... باعد ثواب الشاكرين عني
ونظر أشعب إلى شيخ قبيح الوجه فقال ألم ينهكم سليمان بن داود عن أن تخرجوا بالنهار.
وكان ديوجانس الكلبي أحد فلاسفة اليونان صاحب نوادر فلسفية مستطرفة - قيل له يوماً أين تريد أن ندفنك إذا أنت مت قال اطرحوني في الفلاة قالوا ألا تخشى أن تكون طعاماً للسباع قال ضعوا عندي عصا لأطردها إذا هي جاءت قالوا وكيف تقدر على ذلك وأنت ميت قال فإذن كيف أخشى أن تأكلني وأنا لا أشعر.
واجتمع عليه جماعة وهو يأكل وصاروا يقولون هذا ديوجانس الكلب فقال بل أنتم الكلاب لأنكم اجتمعتم على من يأكل.
وعوتب على الأكل في الطرق والشوارع فقال كما يدركني الجوع في البيت يدركني في السوق فحيثما أدركني أكلت.
стр. 609
ورأى رجلاً مسرفاً فقال له أعطني ديناراً فقال الرجل لم تطلب من غيري درهما ومني ديناراً قال لأني آمل من غيرك أن آخذ مرة أخرى وأما أنت فأخاف أن لا يبقى عندك حتى تعطيني.
ودخل الحمام يوماً فرأى الماء قذراً فقال الذي يغتسل هنا أين يطهر بدنه - ومر به الإسكندر المقدوني وهو جالس في الشمس قرب برميله فقال له أنا الإسكندر فقال هو وأنا الكلب ديوجانس قال أماتها بني قال انت صالح أو شرير قال صالح قال أو أهاب الصالح فعجب الإسكندر منه ثم قال له سلني حاجتك قال تحول من هذه الجهة فقد حلت بيني وبين الشمس فزاد تعجب الإسكندر ثم قال ديوجانس أبنا أغنى أصاحب العباءة والخرج أو الذي لم يقنع بعظم سلطانه وسعة مملكته بل اقتحم الأخطار لزيادة حدودها. واستقل الليل والنهار في إصلاح شؤنها فتعجب خواص الإسكندر من احترامه لهذا الرجل الحقير مع قحته وجرأته عليه وشعر الإسكندر بذلك فالتفت إليهم وقال لو لم أكن الإسكندر لاشتهيت أن أكون ديوجانس.
حديث المجرد - حدث إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: قال لي وهب الشاعر والله لأحدثنك حديثاً ما سمعه مني أحد قط قال وهو بأمانة أن يسمعه احد منك ما دمت حياً قلت (أنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها) قال يا أبا محمد إنه حديث ما طن في أذنك أعجب منه قلت كم هذا التعقيد بالأمانة آخده على ما أحببت قال بينا أنا بسوق الليل بمكة بعد أيام الموسم إذ أنا بامرأة من نساء مكة معها صبي يبكي وهي تسكته فيأبى أن يسكت فسفرت فأخرجت من فيها كسرة درهم فدفعتها إلى الصبي فسكت فإذا وجه رقيق كأنه كوكب دري وإذا شكل رطب ولسان فصيح فلما رأتني أحدّ النظر إليها قالت اتبعني فقلت إن شريطتي الحلال قالت ارجع في. . . أمك ومن يريدك على حرام فخجلت وغلبتني نفسي على رأيي فتبعتها فدخلت زقاق العطارين فصعدت درجة وقالت اصعد فصعدت فقالت أنا مشغولة وزوجي رجل من بني مخزوم وأنا امرأة من زهرة ولكن عندي. . . ضمن عليه وجه أحسن من العافية في مثل خلق ابن سريج وترنم معبد وتيه ابن عائشة أجمع لك هذا كله في بدن واحد بأشقر سليم قلت بدينار واحد يومك وليلتك فإذا قمت جعلت الدينار وظيفة وتزويجاً صحيحاً قلت فذلك لك إذا جمع لي ما ذكرت قال
стр. 610
فصفقت بيدها إلى جاريتها فاستجابت لها قالت قولي لفلانة البسي عليك ثيابك وعجلي وبالله لا تمسي غمراً ولا طيباً فحسبك بدلالك وعطرك قال فإذا جارية أقبلت ما أحسب أن الشمس وقعت عليها كأنها دمية فسلمت وقعدت كالخجلة فقالت لها الأولى إن هذا الذي ذكرته لك وهو في هذه الهيئة التي ترين قالت حياه الله وقرب داره قالت وقد بذل لك من الصداق دينار قالت أي أم أخبرتيه شريطتي قالت لا والله يا بنية لقد نسيتها ثم نظرت إليّ فغمزتني وقالت أتدري ما شريطتها قلت لا قالت أقول لك بحضورها ما أخالها تكرهه. هي والله أفتك من عمرو بن معد يكرب وأشجع من ربيعة بن مكدوم ولست بواصل إليها حتى تسكر ويغلب على عقلها فإذا بلغت ذلك الحال ففيها مطمع قلت ما أهون هذا وأسهله قالت الجارية وتركت شيئاً آخر قالت نعم والله أعلم أنك لن تصل إليها حتى تتجرد لها وتراك مجرداً مقبلاً ومدبراً قلت هذا أيضاً أفعله قالت هلم دينارك فأخرجت ديناراً فنبذته إليها فصفقت صفقة أخرى فأجابتها امرأة قالت قولي لأبي الحسن وأبي الحسين هلما الساعة فقلت في نفسي أبو الحسن وأبو الحسين هو علي بن أبي طالب قال فإذا شيخان خاضبان نبيلان قد أقبلا فصعدا فقصت المرأة عليهما القصة فخطب أحدهما وأجاب الآخر وأقررت بالتزويج وأقرت المرأة فدعوا بالبركة ثم نهضا فاستحييت أن أحمل المرأة شيئاً من المؤنة فأخرجت ديناراً آخر فدفعته إليها وقلت اجعلي هذا لطيبك قالت يا أخي لست ممن يمس طيباً لرجل إنما أتطيب لنفسي إذا خلوت قلت فاجعلي هذا لغذائنا اليوم قالت أما هذا فنعم فنهضت الجارية وأمرت بإصلاح ما يحتاج إليه ثم عادت وتغدينا وجاءت بداوة وقضيب وقعدت تجاهي ودعت بنبيذ فأعدته واندفعت تغني بصوت لم أسمع مثله قط فإني ألفت القينات نحواً من ثلاثين سنة ما سمعت مثل ترنمها قط فكدت أجن سروراً وطرباً فجعلت أربع أن تدنو مني فتأبى إلى أن غنت بشعر لم أعرفه وهو:
راحوا يصيدون الظباء وإنني ... لأرى تصيدها عليّ حراما
أعزز علي بأن أروّع شبهها ... أو أن تذوق على يديّ حماما
فقلت جعلت فداك من يغني هذا قالت اشترك فيه جماعة هو لمعبد وتغني به ابن شريح وابن عائشة فلما نعى إلينا النهار وجاءت المغرب تغنت بصوت لم أفهمه للشقاء الذي كتب علي فقالت:
стр. 611
كأني بالمجرد قد علته ... نعال القوم أو خشب السواري
قلت جعلت فداك ما أفهم هذا البيت ولا أحسبه مما يتغنى به قالت أنا أول من تغنى به قلت فإنما هو بيت عابر لا صاحب له قالت معه آخر ليس هذا وقته هو آخر ما أتغنى به قال وجعلت لا أنازعها في شيء إجلالاً لها فلما أمسينا وصلينا المغرب وجاءت العشاء الأخيرة وضعت القضيب فقمت فصليت العشاء وما أدري كم صليت عجلة وشوقاً فلما صليت قلت تأذنين جعلت فداك في الدنو منك قالت تجرد وأشارت إلى ثيابها كأنها تريد أن تتجرد فكدت أن أشق ثيابي عجلة للخروج منها فتجردت وقمت بين يديها قالت امض إلى زاوية البيت وأقبل وأدبر حتى أراك مقبلاً ومدبراً قال وإذا حصير في الغرفة على الطريق إلى زاوية البيت فخطوت عليه وإذا تحته خرق إلى السوق فإذا أنا في السوق مجرداً وإذا الشيخان الشاهدان قد أعدا نعالهما على قفاي واستعانا بأهل السوق فضربت والله يا أبا محمد حتى نسيت اسمي فبينا أنا أضرب بنعال مخصوفة وأيد مشدودة فإذا بصوت يغني به من فوق البيت وهو:
ولو علم المجرد ما أردنا ... لحاربنا المجرد بالصحاري
فقلت في نفسي هذا والله وقت هذا البيت فنجوت إلى رحلي وما فيّ عظم صحيح فسألت عنها فقيل لي امرأة من آل أبي لهب فقلت لعنها الله ولعن الذي هي منه.
стр. 612
حديث البيان مع قرائه الأفاضل
يرى قراؤنا أيدهم الله بعد تصفحهم هذين العددين من البيان أنا لا نألو جهداً ولا نذخر وسعاً في تجويد البيان وإتقانه. واختيار موضوعاته وتقديم ما كان أجدى على القارئين وأرد وأجم للنفس وألذ مع حسن الطبع وجودة الورق وما إليهما وزيادة صفحات البيان في كثير من أعداده عن القدر المفروض له إذا استدعي الأمر ذلك في رأينا فإن القارئ يرى أن العدد الأول لهذه السنة قد بلغ نيفاً ومائة صفحة مع أن المقدر للعدد الواحد ثمانون صفحة ويرى هذين العددين وقد وقعا في ١٩٢ صفحة مع أن المفروض لهما كان ١٦٠ صفحة وسبب ذلك هو ما أجمع عليه رأينا في روايات البيان أن تكون الرواية في العدد الواحد تامة أي تبتدي وتنتهي فيه مع الحرص على أن لا يؤثر ذلك على أبواب البيان الأخرى التي لها المحل الأول عندنا فيضطرنا ذلك إلى زيادة صفحات البيان مهما جلب علينا ذلك من النفقات - ومن هنا نشرنا في هذين العددين رواية نشيد الميلاد للكاتب القصصي الإنكليزي شارلز دكنز صاحب قصة المدينتين التي ترجمها الكاتب محمد السباعي لمكتبة البيان كما ترجم شقيقتها الصغيرة نشيد الميلاد لمجلة البيان - أما نشيد الميلاد هذه فلسنا بحاجة إلى تقريظها والقارئ الكريم على مرأى منها ومسمع - ولقد اضطرنا فضل هذه الرواية ومكانها من اللذة والفائدة أن ننشرها كلها على طولها في هذين العددين بل نقول إن حرصنا على تقديمها كلها للقارئ مرة واحدة كان السبب في نشر العدد الثاني والثالث معاً على الرغم من منافاة ذلك لخطتنا التي رسمناها للبيان في هذا العام - وأنا ننشر عدد كل شهر في إبانه. ولا نضمه إلى آخر من إخوانه. . .
وبعد فقد يهجس بنفس بعقرأة البيان ما يأتي - وهو كيف يعنى البيان هذه العناية بالروايات على قلة جدواها وعلى أن هناك من الموضوعات الأدبية ما هو أجل وأفخم وأعود على القارئ وأنفع وبالجملة ما هو أولى بعناية البيان الذي رصد نفسه للأدب العربي وترقيته - فدفعاً لهذا الهاجس نقول - لو علم صاحب هذا الهاجس أن الروايات الأدبية - الأخلاقية والتاريخية والاجتماعية والشعرية - كالروايات التي ينشرها البيان هي آخر ما وصل إليه الأدب عند الغربيين وبعبارة أخرى هي الحلقة الأخيرة التي ارتقت إليها آدابهم حتى أن الأديب منهم لا يكون روائياً بالفعل أو بالقوة لا يؤبه به ولا يحفل أو بالحري لا يعد أديباً - ولو علم كذلك أن مثل هذه الروايات إنما وضعها واضعوها لغرض هو أنبل وأسمى مما
стр. 613
يظن بالروايات فهم إنما يقصدون برواياتهم إلى بث فكرة صالحة في الأخلاق أو الاجتماع أو التاريخ أو ما إلى ذلك مما كان من حقه أن تنشأ له المقالات الحافلة أو الأسفار العريضة الطويلة ولكنهم آثروا هذا النوع من القول لما يمتاز به من معاني التشويق والاستهواء حتى يكون ذلك أدعى إلى استكمان ما يقصدون إليه من نفوس القارئين - ولو علم أن أفضل خدمة تقدم إلى هذه اللغة وتزكيها وتنمي ثروتها. وتضاعف بركتها. هو نقل ما تعده الأمم الراقية أنفس آدابها. وأطيب ثمرات ألبابها. نقول لو علم صاحب هذا الهاجس ذلك كله لما لامنا على عناية البيان بمثل هذه الروايات بل ولاستحال لومه تحبيذاً. ونقده مدحاً وتقريضاً.
هذا ولقد أخذ علينا نفر من القراء أنا صرفنا وجهتنا في البيان إلى الموضوعات الأدبية وأنا لا نعنى ولو بعض العناية بالمباحث العلمية البحتة حتى يكون البيان لكل قارئ ومغنياً بما يحتويه عما عداه وهذا الرأي فيما نرى حق ووجيه وقد صادف منا موقعاً حسناً ولذلك شرعنا في هذين العددين بترجمة كتاب اسمه جمال الطبيعة للكاتب الإنكليزي اللورد فبري بقلم محمد السباعي بعد أن علمنا أنه من الكتب العلمية الشائقة كما يظهر ذلك من مقدمة الكتاب التي نشرناها في هذين العددين ومن سائر أبوابه التي هذا بيانها: - حياة الحيوان - حياة النباتات - الغابات والحقول - الجبال - المياه - الأنهار - البحيرات - البحر - النجوم والسيارات - وكل باب من هذه الأبواب ينطوي على أبحاث ضافية.
وقد رأينا من تمام الفائدة أن ننشر هذا الكتاب بأرقام منفصلة عن أرقام البيان حتى إذا تم كذلك بمعونة الله أمكن القراء أن يفصلوه عن البيان ويجعلوه في جلد وحده - وليس الأمر قاصراً على هذا الكتاب بل قد عزمنا على نشر كتاب آخر من العدد الرابع اسمه النزاع بين العلم والدين وهو من الكتب الجليلة الممتعة وسيكون له شأن بين الناطقين بالضاد وليس ذلك فقط بل قد أحضرنا كثيراً من الكتب والمجلات العلمية الجليلة حتى نقل منها من الفصول والمباحث ما يقع عليه اختيارنا ونراه أعود على عشاق العلم الحقيقيين.
وكذلك سنفي بما وعدنا من باب أخبار العلوم والفنون والمخترعات الحديثة وتقويم العالم والحوادث التي تتجدد من حين إلى آخر في سائر الممالك والأقطار وموعدنا العدد القادم إن شاء الله.
стр. 614
وقبل أن نختتم هذا الحديث يجمل بنا أن نبين ما قد يستبهم على بعض القراء من مغزى كلمة (أدب) وما يقصد إليه البيان من نعته نفسه بأنه (مجلة أدبية) وأنه يعنى بالموضوعات الأدبية قبل كل شيء وذلك أن بعض الناس قد يظن أن الأدب هو الكلام البليغ من المنظوم والمنثور ليس غير وليس الأمر كذلك فإنا نعني بالأدب في قولنا (البيان مجلة أدبية) ما يعنيه الغربيون بقولهم (لتراتور) أي العلوم والفنون التي تخاطب القلوب وتناغي الوجدان وتبث روح الفضيلة بين أجزاء النفس وترقى بالإنسان إلى أوج الكمال مثل (الشعر المنظوم منه والمنثور) والتاريخ (الأدبي والديني والسياسي) والأخلاق والاجتماع والتربية وما إلى ذلك من سائر العلوم التي تبين بمقابلتها بالعلوم المادية المحضة كالزراعة والطب والطبيعيات وما يداخل ذلك - هذا هو ما نعنيه بقولنا (أدب) والبيان مجلة أدبية وما نصرف إليه همنا أكثر من غيره في هذه الصحيفة يبد أن ذلك لا يحول بيننا وبين التعرض للمباحث العلمية البحتة التي نراها قد تفيد قراء البيان كما أسلفنا والله وحده هو المعين والموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 615
مطبوعات جديدة تطلب من مكتبة البيان
١ - في التربية والتعليم. مجموعة مقالات مفيدة كان قد نشرها الفاضل محمد أفندي أمين في الجريدة الغراء وقد أظهرها مجموعة في جلد واحد مصدرة بمقدمة للأستاذ أحمد بك لطفي السيد مدير الجريدة - وثمنها خمسة غروش وتطلب من مكتبة البيان.
٢ - أمثال الشرق والغرب - مجموعة أمثال مأثورة عن مشاهير فلاسفة العرب واليونان والرومان والألمان والإنكليز والفرنسيس والروس والطليان جمعها الفاضل المجتهد يوسف أفندي توما البستاني - ثمنها ثلاثة غروش وتطلب من مكتبة البيان.
٣ - كتاب مسك الدفاتر للزارع والتاجر - تأليف سعادة محمود خاطر بك سكرتير ناظر المالية المصرية وقد أقرته نظارته المعارف العمومية ليدرس في مدارس التجارة وثمنه سبعة غروش ويباع في مكتبة البيان.
٤ - شرح وظيفة سيدي أحمد زروق المسمى بالفوائد اللطيفة في شرح ألفاظ الوظيفة تأليف سيدي الشيخ أحمد السجاعي وقد التزم طبعه حضرة الفاضل الشيخ أحمد عبد الرحمن الساعاتي - وثمنه خمسة وعشرون مليماً ويطلب من مكتبة البيان.
٥ - التصوير الشمسي والزنكوغراف - أوفى كتاب ظهر حديثاً في فن التصوير مزين بثلاثين رسماًو نحن نعد ظهوره دليل تقدم المصري في فهم أهمية الفنون الجميلة ومؤلفه حضرة شكاري أفندي صادق جنير بشكر المصريين جميعاً وثمن الكتاب عشرة غروش ويطلب من مكتبة البيان.
٦ - مرآة التاريخ لحضرة الأستاذ الشيخ محمد أحمد حبيب من خريجي مدرسة المعلمين الناصرية ومدرس بالمدرسة الإلهامية وهو يحتوي مقرر السنة الأولى من المدارس الثانوية ويقول الذين طالعوه أنه أوثق كتاب في نوعه جدير بتعويل الطلبة عليه وثمنه ستة غروش ويطلب من مكتبة البيان.
٧ - حضارة القيروان وتاريخ الشاعر ابن رشيق بقلم الأستاذ حسن حسني أفندي عبد الوهاب مدرس التاريخ بالكلية الخلدونية بتونس وهو يشتمل خلاصة التمدين الإسلامي بإفريقية وما وصلت إليه القيروان من الحضارة العربية في أوج رقيها وفي آخره ترجمة ابن رشيق شاعر القطر التونسي وأديبها الفذ.
٨ - الاكتشافات الجغرافية - أوفى كتاب علمي حديث في هذا الفن وهو أول كتاب في
стр. 616
اللغة العربية لمؤلفه الفاضل محمد أفندي حمدي على مدرس علم الجغرافية في مدارس الحكومة ويحتوي على جميع الاكتشافات التي حصلت من ابتداء القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر وقد أقبل عليه الطلاب لسهولته وفائدته وثمنه ستة غروش ويطلب من مكتبة البيان.
٩ - ورده رواية جميلة تمثل أخلاق وعادات المصريين في عهد رعمسيس الثاني وترسم للقارئ نظام حكومتهم وما وصلوا إليه من التقدم في العلوم والمعارف - أبرزها من الآثار القديمة وأوراق البردي الدكتور جورج إيبرس الألماني ونقلها إلى العربية الكاتب المشهور محمد أفندي مسعود أحد كبار الصحفيين في مصر والمحرر الفني بنظارة الداخلية وهي واقعة في جزئين تبلغ صفحاتهما نحواً من ٨٣٠ صفحة وثمنها عشرة قروش عدا أجرة البريد وهي ثلاثة قروش.
أغلاط مطبعية
وقع للأسف في هذين العددين من البيان أغلاط مطبعية في مواطن عدة وكان سبب ذلك أن وكلنا تصحيح البيان هذه المرة إلى أحد المصححين لتزاحم الأشغال علينا فحصل ما حصل - فنطلب إلى قرائنا - قبل أن يقرأوا حرفاً واحداً - أن يصححوا هذه الأغلاط حسبما يأتي:
صفحةسطرخطأصوابالموضوع الذي فيه الغلط٥٤١٣ويعد أن فرغوبعد أن فرغحضارة العرب في الأندلس٦٠١٠أن لا يرجعواأن لا يرجوامستقبل الدولة العثمانية. . ١٣نظارأنظار==. . ١٤لقدونيةمقدونية== ٧١١٠يامنهيامنّةوصف الناقة٧٢٠٢ذونهادونها== ١٠٩١٢الغدرةالقدرةليالي الشباب١١٢٠١قائمقائماً==. . . ١٤صامتصامتة== ١١١٠٦القضاءالمضاء== ١١٢١٤ودارسوداس== ١١٧٠٢المستظرفةالمستطرفةنوادر وملح. . . ٠٦وقد كان متعطفاًوقد كان منقطعاً== ١٢٠٠٢حيليهماحيلتيهما== ١٢٠٠٢يضكانيضحكان==. . . ٠٣مصادّمصادٍ== ١٢٢١٢من زهرمن زهرة==. . . ١٤قلت بدينارقلت وما أشقر سليم قالت بدينار== ١٢٣٠٣ربيعة بن مكرمربيعة بن مكدم== ١٢٤٠٦جلالا لهاإجلالاً لها== ٠٠٥٠٧يهدها الود تهدهيهديها الود تهديهجمال الطبيعة٠٠٦٠٥مرجع الأسمرجع الأمس== ٠١٠١٢بقامرةبقاصرة==
стр. 617
١٢٢١سخينةسخنة== ١٤١٦مرّامرّ== ١٧١٢زمرا أحدنازمراً وأحدانا==. . . . في سجوَّهفي سجوّه== ١٩١٤عماقأعماق== ٢٠٠٢كالسجنلكالسجنجل== ٠٢٢٠الزيدالزند== ٠٣٠٤تخاولتحاول== ٠٨٦و٧مطقاً إنما أريدمطلقاً - أتريد أن تكتم اسمك إنما أريد==. . ٢٤ببرحببرج== ١٩٢٤مازيارمازيارتي== ٢٢١٦يحسنيحسنشيد الميلاد٢٤١١وإنما هو كاتموإذا هو كأتم== ٢٦٩و١٠خافت ثم طلبخافت أنه ورم خفيف ثم طلب== ٢٧١٠دجاحدجاج== ٣٧٠١زوزتزوت== ٤٦١٧بشيربنثير== ٤٨١٤لثمهاللثمها== ولعل هناك هنات أخرى اقتحمتها العين وقد يفطن إليها القارئ الكريم.
стр. 618
مطبوعات البيان
عربت مكتبة البيان إلى الآن الكتب الآتية:
١ - الأبطال للفيلسوف الكبير توماس كارليل تعريب محمد السباعي وهو يتناول مقالات عدة في صفات البطل كإله ونبي وشاعر وقسيس وكاتب وملك وبحسبه مقالته عن المصطفى ﷺ وكل من طالع هذا الكتاب شغف به لبلاغته وقوة حجة المؤلف وقد تناقلت الصحف أغلب موضوعاته سواء في الهند وسوريا ومصر وثمنه عشرة غروش وكل من يأخذ منه عدداً كبيراً يخصم له خصم موافق.
٢ - بلاغة الإنكليز - لطائفة من أكبر كتاب الإنكليز كباكون وأديسون وستيل وديفد ولي هنت وهزلت وجونسون وجولد سمث معربة بقلم محمد السباعي وقد نفدت أغلب أجزائه الأولى وهو ثلاثة أجزاء وثمنه عشرة غروش.
٣ - الحكمة المشرقية - يحتوي على ثلاثة كتب جليلة حكم فتاحوتب وجولستان أو روضة الورد للشاعر الفارسي سعدي الشيرازي وتربية المرأة في اليابان ترجمة الكاتب محمد لطفي جمعة وثمنه خمسة غروش.
٤ - خلاصة اليومية مجموعة خطرات في الأدب والتاريخ والأخلاق والفلسفة للكاتب عباس محمود العقاد وثمنها ثلاثة غروش صاغ.
٥ - حديث القمر للشاعر الكاتب مصطفى صادق الرافعي وهو قصيدة نثرية آية في الإبداع وثمنه خمسة غروش.
٦ - قصة المدينتين - وهي أفضل رواية للكاتب الإنكليزي القصصي الأشهر شارلز دكنز تمثل عصر الثورة الفرنسية في فرنسا وإنكلترا بأسلوب لذرائع كل ذلك في قالب عربي ساحر بقلم السباعي وقد أقرتها نظارة المعارف العمومية المصرية لتدرس في المدارس الثانوية وهي في ثلاثة أجزاء ظهر منها جزآن ونصف الثالث وباب الاشتراك مفتوح فيها إلى ٢٠ فبراير سنة ١٩١٣ وقيمة الاشتراك خمسة عشر قرشاً أما بعد هذا التاريخ فيكون خمسة وعشرين غرشاً وهي تقع في سبعمائة صفحة.
٧ - نشيد الميلاد - الرواية الثانية لشارلز دكنز نشرت في مجلة البيان ونشرناها على حدة وقد أعجب بها قراؤها كل الإعجاب وطلبوا إلينا أن نعرب كل روايات دكنز إذا كانت من طراز هذه الرواية ويقول الكثيرون أنها أفضل من عشرين كتاباً في الأخلاق وثمنها ستة
стр. 619
غروش صاغ.
٨ - روايات البيان - الحلقة الأولى. مجموعة روايات نشرت في مجلة البيان وأعيد طبعها إجابة لطلب القراء الكثيرين في أمريكا والغرب وسوريا وثمنها ستة غروش.
٩ - ليالي الشباب للشاعر عبد الحليم حلمي المصري وهو تحت الطبع الآن ويطلب الاشتراك فيه من مكتبة البيان وثمنه خمسة غروش ويكفي أن يطلع القارئ على ما نشر منه في هذا العدد عنواناً على الكتاب.
١٠ - جمال الطبيعة - لفيلسوف الإنكليز العصري اللورد أفبري وهو أحسن أسلوب علمي في قالب أدبي بليغ يتناول أبحاثاً شتى في الفلسفة الطبيعية - قيمة الاشتراك فيه ثمانية غروش.
стр. 620
روايات البيان
الرواية الأولى
النبأ العجيب
في اليوم الرابع من شهر مارس عام ١٨٦٧ وكنت إذ ذاك في الخامسة والعشرين كتبت في مذكرتي هذه الكلمة - وهي نتيجة اضطراب نفساني وحرب ذهنية:
يسير النظام الشمسي وسط عدة من أشباهه وأمثاله في هدوء وسكينة في رحب الفضاء وليس في أجرامه العظام ما هو دائب الدوران في خفوت وصمت فمن بين أضأل هذه الجسوم وأحقرها ذلك المزيج المركب من يابس وماء المسمى الأرض تلك التي ما زالت تجري ولم أكن ولن تزال وقد فنيت - سر دائم لا نعلم من أين جاء ولا أيان يذهب يدب على جلدتها جم عديد من ذرّ دقيق أحدها أنا - جون ميفيتي العاجز الضعيف أركب منها ظهر جماحة هوجاء. هيامة في الفضاء. لا نؤم قصداً ولا تضرب إلى غاية. غير أن نظام الأحوال مع ذلك يقتضي أن كل ما أملك من عقل ضعيف. وعلم نزر لطيف. يصرف في استجلاب أقراص من المعدن أشتري بها من المواد ما أشيد به من أركان جسدي ما لا تزال تهدمه الدهور. وأدعم بها فوق رأسي سقفاً يقيني القر والحرور. لذلك أصبحت وليس لي من عقلي فضلة أنفقها على جلائل ما يحفني من المسائل والأمور.
تلك الكلمات كتبتها في مذكرتي فكانت أنمّ شيء على ما رسخ في نفسي من الأفكار التي أبت طارئات الوجدان وسانحات الخاطر أن تؤثر فيها تأثيراً ما وأخيراً قبض الله عمي ميفيلي صاحب ضيعة جلنسارن وكان قد وزع تراثه على أقارب كثر فأصبت ما فيه فضل عن الكفاف وزيادة على الحاجة. وأصبت كذلك أرضاً يباباً جرداء على ساحل البحر شماليّ اسكوتلاندة. أحسب أن الشيخ ما أورثنيها إلا عن احتقار لي وانتقاص مني وكيف ولم تك رملة ملساء. لا شجر ولا ماء. فلعلها كانت من الشيخ مزحة ولكنها مزحة لا تورث السرور وكان ﵀ كريه المزاح ذميم الدعابة. وكنت حتى ذاك الوقت أكتسب بالمحاماة ببلدة بأوسط أقاليم إنكلترا فرأيت أني قد صرت بحيث يمكنني الانصراف عن كل مقصد حقير إلى التماس أسرار الكائنات من ثنايا العلوم العالية. وأسرع بي إلى ترك تلك البقعة أني كدت أقتل رجلاً في عراك قام بيني وبينه فإني امرؤ ناريّ المزاج جدير أن أنسى إذا
стр. 621
ملكني الغضب ما أوتيت من فرط الأيد والبطش ولم ترفع فيّ إلى القانون شكوى بذلك ولكن الصحافة أغرت بي نباحها. وواصلت صياحها. وجعلت لا أمر بأحد إلا رمقني شزراً. فلعنت البلد وأهلها وشخصت إلى ضيعتي الشمالية أبغي بها دعة وسلاماً وفراغاً أملؤه بالدرس والتأمل. وقد حملت معي إلى ذلك المثوى الجديد نخبة من أحدث الآلات والكتب العلمية إلى ما أحتاجه غير ذلك من المواد الكيماوية.
وكانت تلك الأرض التي نزلت مستدقاً طويلاً من الرمل تمتد مع شاطئ خليج مانسي ميلين في مقاطعة كانثيس وكان بهذه الرملة بناء قديم أغبر فأصلحته وجعلت إحدى غرفه معملاً وأخرى مجلساً وثالثة مرقداً وكان به ثلاث غرف غير هذه تركتها خاوية إلا واحدة أعطيتها للعجوز التي تخدمني ولم يكن لي جيران سوى أسرتين من صادة السمك. وكان أمام الدار الخليج ووراءها تلان دونهما تلال أشمّ وأسمى. وبين التلين شعب إذا جاءت الريح من قبل التلال عصفت فيه فكان لها بين حضنيه زفيف ورنة ثم هبت على ما دون نافذتي من الدوح فتناجت الأغصان وسواساً وهمساً.
وليعلم القارئ بعد أني رجل أسيء بالناس ظناً. وأضمر لهم ضغناً. مطوي الجوانح لهم على بغضاء. مثني الأضالع على شحناء. والحق أقول أن عندهم لي مثل ما عندي لهم يجزونني بالحقد حقداً. وبالصد صداً. فأنا أمقت منهم التدني والتحاقر. والتسفل والتصاغر. والاصطلاحات الكاذبة والاعتبارات الباطلة ويسوءهم مني صراحتي المتناهية وانتهاكي حرمة قوانينهم الاجتماعية وجزعي من كل ما فيه تضييق على النفس وحبس لعنان الشهوة واستباحتي كل حريم في اعتبارهم واستحلالي كل محظور وانتزاعي كل طوق وصدعي كل قيد وخروجي من كل أمر ونهي. وكذلك أصبحت في معتكفي هذا بين أسفاري وأخلاطي مليئاً أن أدع تيار الحياة الزاخر يمر بي جياشاً بما بحت لجه من سياسة واختراع وقيل وقال راكداً دونه بمثواي ذاك آجناً آسناً. ولكني سعيد بين ذلك رخيّ البالي. بل مالي أقول أني كنت آجناص آسناً وما آليت تحثاً وفحصاً وتحصيلاً وطلباً أديم الجد وأدمن الكد.
وكنت أنضو سحابة اليوم في تجاريبي العلمية ويا طالما كنت أٍسهو عن الغداء فإذا دعتني العجوز مادج للشاي ألفيت الطعام على المائدة برمته. وكنت أقرأ بالليل فلسفة باكون ودسكاتيز وشينوزا وكانت وسائر من تطلع في عوالم المجهول. ولقد وجدت أقوالهم جميعاً
стр. 622
مجدبة عقيمة لا ثمرة لها ولا جني. ولا طائل تحتها ولا جدى. وجل بضاعتهم ألفاظ ضخمة وكلم طويلة يذكرك أحدهم طالب الهب يجس في سبيله كبد الأرض ويفضي إلى أعماق ضميرها ابتغاء الجوهر النفيس فلا يخرج إلا دوداً يغرّ به فيقول للناس هاكم ذهباً!
وكنت أثناء ذلك يعروني الضيق فأضرب في الفضاء أربعين ميلاً لا أنال أثناءها راحة ولا طعاماً. فإذا كنت فيبعض هذه الروحات أعسف السبل أشعث أغبر هزيلاً غير محلوق اللحية مشوّش الذوائب جرت الأمهات إلى سراة الطريق فاختطفن الصبية خشية مني عليهم وخرج الفلاحون طوائف يرمقونني عجباً وكنت معروفاً في طول تلك البقاع وعرضها بالسيد المجنون صاحب مانسي غير أني قلما كنت أجول تلك الجولات في نواحي الأرياف إنما كانت رياضتي على ساحلي أنعش النفس بالتبغ الأسود وأرشح بيني وبين المحيط أسباب الصلة والألفة.
وأي خلّ آنس من البحر الأفيح الخفّاق؟ أي حالة من أحوال النفس لا يوجد لها في طبيعة البحر شكل وشبيه؟ فما من أحد قد رنّح المراح عطفيه. وأوقد السرور عينيه. إلا سامع في زجل موجه المصطفق. وناظر في لمع آذيّه المؤتلق. ما يزيد سروره. ويرفد حبوره. حتى إذا أربد لجه. وأغبر ثبجه واكفهرت حواشيه واقشعرت نواحيه. وانتطحت أوعاله احتراباً. وتزآءرت آساده غضاباً. فناحت فوقها رياح عواصف. وزمجرت لها رعود قواصف. حينئذ يرى المحنق المغتاظ نهب أحزانه وأشجانه. وفريسة أحقاده وأضغانه. الذي أكلت قلبه الإحن. وصهرت كبده المحن. أن بفؤاد الطبيعى لحزناً كالذي بفؤاده. وأن بذهن الطبيعة من سود الخواطر ما يجعل لها مثل ظلمة ذهنه وسواده. وإذا كان في الصحو رأيت الخليج كمرآة القين مصقول الجوانب أو كصرح ممرد من قوارير أو كأنه صحيفة من اللجين إلا هناة على متنه سوداء كأنها خط لام أو امتداد طول مارد جعل صدر المحيط فراشه وكان هذا أعلى الصخور المخوفة المعروفة لدى السماكين بصخور مانسي فإذا هبت الريح شرقية حطمت على تلك الجلامد رؤس الأمواج محدثة أشد من ضجيج الرواعد وأدوى. وتطاير الدفّاع حق لطم جبين داري ونال نواصي التلال المجاورة. وكان الخليج رائع المنظر متين الساحل لكنه عرضة لهبات الشمال والصبا مرهوب لصخور مانسي فكان يتحاماه الكثير من السماكين مهابة واستيحاشاً وكان يرفرف على أرجائه روح شعري
стр. 623
ومعنى غرابة. تجلوهما الوحشة والوحدة وكم يوم من الصحو صافي الأديم طويت غلالته راقداً في زورقي انظر السمك الكبار في ضمير الماء كأنها خيالات الشياطين ولقد سمعت في بعض وقفاتي بالشاطئ وقد سجا الليل صيحة من جوف المحيط فكأنها لحزنها وشجاها جاءت من فؤاد ثاكل ولهى. .
في هذه البقعة العجيبة خلفي التلال الأبدية وأمامي الأمواه الأبدية أمضيت عامين بحثاً ودرساً بمعزل عن الناس لا يكدر صفو عيشتي رجل ولا مرأة وكان عندي عجوز خادمة فما زلت آخذها بالسكوت وأروضها على الصمت حتى لكان يمر بها الشهر فالشهر فلا تكاد تحرك بحرف لسانها. وكذلك قضيت أيامي بذاك الديدن حتى كدت أنسى أنني من فصيلة الإنسان وحتى أصبحت إنما أعيش مع من أقرأ كلامهم من الموتى. فإنني لكذلك إذ حدث ما صرف عنان حياتي عن هذه السبيل القفرة والخطة الصامتة.
جاء في شهر يونيه ثلاثة أيام ريّحة أعقبها يوم ناعم الأنفاس رقيق الحواشي كان ماؤه أخرس الريح وأجم الهواء. ثم غربت الشمس وراء صف من سحاب صهب وتوشح صدر المحيط قطعاً من الشفق حمراء. وكان ما تركه المد على أديم الساحل من ثغب وغدران يحمر كأنه مجاجات الدم المهراق فكأن مارداً جريحاً قد خاض مكدوداً هذه الأماكن فوسمها بآيات جراحه النجل وطعناته الجوفاء ولما اعتكر الليل وتكاثف الغيهب حشدت بالأفق الشرقي سحاب كانت قبل مفترقة فصارت عارضاً ركاماً يؤذن بالشر والبلاء وفي الساعة التاسعة صعد من البحر أنين ضعيف كأن موجعاً دنفاً أحس معاودة الألم فجزع وارتاع. وفي الساعة الحادية عشرة أعصاراً. فلما نصف الليل كان تحت أرواق الظلام زوبعة كأفظع مامزق أديم الجو وزلزل جوانب الفضاء ثم ذهبت إلى المرقد والبحر يحصب زجاج نوافذي بإجذام عشب الماء والحصا. والريح تعول. في كله هبة روح حائر. ولكني ما درجت في أثناء الفراش حتى عاد ضجيج العناصر في أذني غناء منيما ولا جرم فلقد كنت من شاهقة جدراني في أحرز حرز وأحصن حصن ومعقل يهزأ بصولة الماء وسطوة النكباء على حد سواء. فأما ما ينوب الخلق خارج داري فذاك ما لا أحفل ولا أبالي. ولا يقع في نفسي ولا يخطر ببالي. وكذلك كانت جفوة العجوز مادج وقسوتها. فلما كانت الساعة الثالثة صباحاً ما راعني إلا قرع على بابي شديد متوال نفر عني أسراب الكرى
стр. 624
وصيحات ملء فم العجوز فوثبت من مضجعي وسألتها بغلظة ما الخبر؟
فصاحت: مولاي مولاي! انزل مسرعاً يا رجل أسرع نازلاً! فلقد والله صدمت الصخور مركباً وإن أهله ليندبون ويستغيثون وأخشى أن يغرقوا فاعجل إليهم سيدي بمدد من عندك وادركهم بغياث من لدنك!.
اخرسي أيتها الورهاء! لا حياك الله ولا حرسك! ماذا يعنيك لو ينجو القوم أو يهلكون. انقلبي إلى فراشك ودعيني وشأني ثم تغطيت أمتري النوم ثانياً. وأنا أقول لنفسي لقد تجرع هؤلاء الثوم نصف غصص الموت وكابدوا نصف أهواله فإذا هم أنقذوا فإنما هي سنين قلائق ثم يجرعهم الدهر تلك الغصص ويريهم القضاء هذه الأهوال ثانياً. فأما وقد عانوا ارتقاب الموت الذي هو أشد ما في الأمر وأصعبه - وتوقع المكروه آلم من وقوعه - فأولى لهم والله أن يقطعوا بقية هذا المجاز ثم يستريحوا. قلت هذا وشرعت أمتري النوم. ولكني وجدت بسماء نفسي من عاصفات الهواجس أشد مما بسماء الله ذات البروج فجعلت أتقلب وأتململ وقد أنبت الأرق ضوك القتاد تحت جبيني وأوقد السهد جمر الغضا. فنبا الوساد وأقضّ المضجع ثم سمعت ضجيجاً غامضاً بين صياح الزوبعة فعلمت أنه صوت بندقية المستغيث فثرت بدافع من النفس لا مرد لسلطانه فلبست ثيابي وأشعلت متبغي ثم خرجت إلى الشاطئ.
وكان الظلام حالكاً وقد عنفت الريح حتى لأصدمها بكتفي وأزحمها بمنكبي وهي تجمش وجهي بحاصبها وقد علق من متبغي بأذيالها الشرر والرماد لمّا يخبو وأوشك. ثم انحدرت إلى حيث الموج العظيم ينهمر هدراً مزمجراً وأظللت ناظري بيدي أتقي طامح الدفاع الملح فنظرت من تحتها إلى اليمّ فلم أكد أستبين شيئاً غير أنه خيل إليَّ أن أصواتاً مهمة وصيحات غير مبينة تأتي من اليم على جناح الريح. ثم شب نور أزرق أضاء الخليج والساحل. وكانوا يوقدون بالمركب ضوءاً آية على الخطر فنظرت فإذا السفينة مقلوبة بين الصخور على جنبها حتى لأبصرت كل ما بها من الألواح. وكانت كبيرة ذات شراعين أجنبية تنزل من الشاطئ على مائتي ذراع أو نحوها. ووراء السفينة كانت الأمواج تواتر من كبد الظلماء جياشة دافقة لا تستريح ولا تنتهي على أعرافها خصل بيض من الزبد وكلما دنت من الأضواء الزرق موجة خلتها تزداد قوة وحجماً وبطشاً وجمحاً ودفعة
стр. 625
وانصلاتاً وطمحاً. ولها أثناء ذلك صرير وزئير. وشقشقة وهدير. ثم تثب على فريستها. ورأيت عشرة أو اثني عشر ملاحاً قد ملكهم الروع فلاذوا بالشراع حتى إذا النور من مركبهم إذا عني لووا إليّ السوالف استشرافاً. ومدوا الأبصار استعطافاً. وأتلعوا الأجيادا تشوّفاً. ثم أعقب ذلك في نفسي شعور آخر وهو مقتي منهم ذلك الجبن وإنكاري ذلك الجزع والهلاع - كيف يحجمون عن تلك العقبة التي ما برح يجتازها من خلق الله كل ذي بهاء وجمال. وشرف وجلال. وكان بينهم رجل أعجبت بجلده وثباته. وهو طوال سبط القوام قد قام بمعزل عن القوم يقيم أود قامته ويعدل ميزان جسمه على ذاك المركب المترجح المتمايل كأنما يترفع عن التشبث بالحبال أنفة وكبرياء وكانت يداه معقودتين وراء ظهره ورأسه على صدره منكساً بيد أنه كان يلمح في وقفته هذه الدالة على الأسى معنى من الشمم والعزة والعزم والقوة يدل على أنه ليس ممن يخلد إلى اليأس ويذل للخطوب. أجل لقد علمت من سرعة كرّه الطرف أحياناً وبثه اللحظات حوليه أنه يتلمس مسارب النجاة في مجاهل هذا الخطر المحدق. ومنافذ الحياة في حجب ذلك الحمام المغلق. وبوارق الرجاء في دجنات ذلك اليأس المطبق. وإنه وإن أكثر رجع البصر إلى حيث يرى من دون مزبدات اليّم شخصي على الساحل قائماً فلقد كان والله في إبائه ما منعه أن يستغيثني بأية صورة. ولكنما بقي ثابتاً مكانه صامتاً مظلماً مستبهماً مطرقاً إلى اليمّ صابراً متجملاً يرقب من المقدور كلما جاء به.
وهنا آذن المشكل أن يحل نفسه. فبينا أنا كذلك إذا موجة عظمى تشرف على سائر الموج وتحدو به حداء السائق بالقطيع فغمرت المركب فانحطم شراعه الأمامي وطاح من كان متمسكاً به كما طاح الجراد زهته ريح طاغية. ثم أخذ المركب ينصدع شطرين حيث متون الصخور تحز في مؤخره. فهرع الرجل الطوال المنفرد فاجتاز عرض المركب إلى شيء أبيض فأمسكه وكنت قد رأيت ذلك الشيء من قبل ولم أستبن ما هو؟ فلما رفعه أصابه الضوء فإذا امرأة قد وشحت جلدة مما يتقى به الغرق فحملها إلى جانب السفينة وخلته يحدثها دقيقة أو نحوها كأنما يبين لها استحالة بقائها بالمركب. فكان جوابها من أعجب ما رأيت. وذلك أنها رفعت كفها متعمدة فلطمته على وجهه. فأسكتته اللطمة ولكنه عاود القول ورأيت من حركات يديه أنه يريها ماذا يجب عليها أن تفعل إذا احتواها الماء فانزوت عنه
стр. 626
ولكنه أمسكها بين ذراعيه ورأيته يحنو عليها كأنه يقبل جبينها فإنهما لعلى هذا إذا بموجة عظيمة تقبل حتى صافحت عطف المركب فتقدم الرجل فوضع المرأة على غارب الموجة مترفقاً كما تستودع الأم الرؤم المهد طفلها. ورأيت حلتها البيضاء ترفل على بيضاء الزبد ثم أقبل الضوء يتطامن إلى أن غابت الشفينة وراكبها الفرد في ملحود من اليتم.
فلما رأيت هذه الأحوال تغلبت على فلسفتي عواطفي ودفعني إلى العمل دافع لا يرد فنضوت عني جمودي نضو الثوب يخلعه صاحبه حين يشاء ثم يلبسه بعد ذلك متى شاء وأسرعت إلى قاربي وكان ضعيفاً كليلاً واهياً ولكن هل مانعي من الفعل الجميل والعمل الجليل ذلك؟ وهل كنت وأنا الذي طالما حن إلى الموت واشتاق القبر لأخاف الهول أو أخشى الخطر؟ فعمدت إلى قاربي فجررته إلى الماء بقوة ذي جنة ووثبت فيه وفي الدقيقة الأولى خامرني الشك أفي طاقة القارب البقاء على ذلك اللج الثائر يغلي فوقه الزبد أم ليس في طاقته؟ ولكنها لم تك إلا بضع تجذيفات حتى خرجت من تلك الغمرة قد نصف الماء قاربي وأنه برغم ذلك لطاف تخفضه لجة وترفعه لجة يعلو من هذه رأس هضبة شماء، وينزل من تلك قعر حفرة وهداء وتارة.
إذا ما انكفى في هبوة الماء خلته ... تلفع في أثناء برد محبر
وكنت أسمع من ورائي مسافة ولولة عجوزي مادج التي عدتني مع الموتى وما زلت أزجي الزورق في مهمه من الماء خوّار الجانبين منهال الجالين إلى أن حبتني إحدى الأمواج المرأة البيضاء فأشرفت فاحتملتها إلى قاربي وإنها لتكف بالماء وما كان بي إلى تزجية الزورق نحو الساحل حاجة إذ أقبلت إذ ذاك موجة فأهدته إلى البر في طفرة فوضعت القارب بمأمن ثم حملت المرأة إلى داري خلفي العجوز تزف أحسن التهنئة وأجزل الثناء.
وكنت إذا أحمل المرأة أسمع لفؤادها نبضاً فاتراً فعلمت أنها حية ثم ذكرت أنها ستكون في عيني منظراً غير محبوب (وكنت أبغض الناس طراً ولا أطيق رؤيتهم) وكانت العجوز قد أوقدت ناراً فطرحت المرأة قربها وكأني لقلة الرحمة أطرح حملاً من الحطب ولم ألتفت قط نحوها لأرى جميلة هي أم قبيحة وكيف أنا من قبض طرفه دون النساء منذ أعوام غير أني بعد ما ذهبت إلى المرقد واحتواني الفراش سمعت العجوز تتمثل وهي تدلك أوصالها قائلة:
إنما الذلفاء ياقوتة ... أخرجت من كيس دهقان
стр. 627
فعلمت أن المرأة فتية السنّ حسناء.
وأسفر الصبح غب هذه الزوبعة مؤتلق الغرة وضاح الجبين فخرجت أسير والشاطئ وكان قلب البحر يخفق وموجه يصارع الجلاميد ويجالدها ونظرت أطلب للقارب أثراً فلم أجد ولكنني رأيت طائرين من بنات الماء ترفرفان على مهلك السفينة كأنما تبصران تحت جلدة الماء ما غاب عن سائر الأبصار وطوراً تتصايحان كأنما تتحادثان عما تريان.
ولما عدت من جولتي رأيت المرأة بالباب فما وقعت عيني عليها حتى وددت أني لم أنجها إذ بوجودها في منزلي انقضى عهد عزلتي وانقرض ملك خلوتي وكانت حديثة غضة السن - لا تجاوز التاسعة عشرة شديدة بياض الوجه صهباء الضفائر زرقاء العينين ملتهبة الألحاظ دريّة الثغر وضاحة الثنايا. وكانت لفرط رقتها وبياضها وضيائها يخيل إليك أنه شبح لا جسد وأنها طيف الخيال لذاك الزبد الأبيض الذي منه أخذتها فلما دنوت منها أومأت إليّ بيديها إيماءة الطفل الصغير كأنها تشكر إليّ نعمتي عليها. وكانت قد لبست حللاً من ثياب العجوز لكن على صورة عجيبة مستغربة تسر الناظرين. ثم دنت مني فمدت يديها كما يفعل الطفل تقصد بذلك الشكر لي ولكنني أومأت لها أن تبعد عني فبعدت ومضيت قدماً. عند ذلك صاحت كالمتوجعة واغرورقت عيناها ولكنها تلت أثري حتى دخلت معي غرفة الجلوس وأخذت ترقبني متأملة.
وسألتها فجأة من أي البلاد المرأة؟
فتبسمت صامتة وهزّت رأسها.
قلت: إفرنسية أم نمساوية أو أندلسية أم ماذا؟ فلم ترد على أن هزت رأسها ثم رطنت طويلاً بلسان لم أفقه منه حرفاً واحداً.
ولما فرغت من الإفطار وفقني الله إلى معرفة جنسها وذلك أني بينما أعيد الكرة على الساحل نظرت بالصخور التي انحطمت عليها السفينة خشبة قد نشبت في بعض ثلمها فامتطيت الزورق نحوها ثم عدت بها إلى الشاطئ فإذا مكتوب عليها بحروف بديعة غريبة أرشانجيل فقلت في نفسي وأنا عائد إلى الدار وهكذا هذه الغادة البيضاء روسية خليقة أن تكن من رعايا القيصر الأبيض وسكان البحر الأبيض! ثم عجبت أن من كان مثلها رقة ونعمة يذرع أجواز المحيط ويطوي مراحل الماء في ذلك الوعاء الواهي الضئيل ولما
стр. 628
دخلت الدار نطقت أمامها بكلمة أرشانجيل على عدة صور من اللفظ فلم تفقه له معنى.
وبقيت في خلوتي بين البحث والدرس حتى الظهيرة فلما قمت للغذاء ألفيتها عند المائدة تخيط خروقاً في ثيابها وكانت جفت فساءني حضورها ولكني ما كنت لأردها إلى الساحل القفر الموحش تموت فريسة الجوع والبرد ثم أنها نظرت إليّ فأومأت أولاً نحو مهلك السفينة من اليم ثم إلى شخصها ثم رفعت إصبعاً واحدة فعلمت أنها تسألني ألم ينج من الغرق غيرها فأومأت لها برأسي نعم عند ذلك وثبت من الكرسي وأرسلت صيحة جذل ثم رفعت ما كانت تخيط فوق رأسها وانبرت وهي ترجح الثوب من جهة إلى أخرى ترقص كأنما هي ريشة في مهب الريح تجوب أنحاء الغرفة ثم خرجت إلى الضح تراقص الشعاع بأقلق من الشعاع وأمرح وجعلت وهي ترقص تشدو بلحن فيه حزن ورقة ينم على فرط السرور والطرب فناديتها ويلك أيتها الشيطانية ادخلي وكفى! ولكنها أبت إلا تماديا ثم أنها هرعت إلي بغتة واختطفت يدي وإني لعلى غرة فأوسعتها لئماً ولما كنا على الخوان بصرت بقلم فتناولته وكتبت على ورقة سوفي راموسني ثم أومأت إلى شخصها كما لو كانت تقول هذا اسمي وردت إلى القلم وهي تحسب أني سأصنع صنيعها ولكني أغمدته في جيبي آية على أني لا أريد أن تمتد بيني وبينها صلة من حديث أو غيره.
وجعلت بعد ذلك لا آلو أسفاً على ما أتيت من الخطأ المبين بإنقاذي تلك المرأة ومالي ومالها وأين تقع مني أو أقع منها وماذا عليَّ أن تموت أو تبقى؟ وما أنا والله بالفتى الغزل ذي الصبوة فآتي مثل هاتيك الفعال أو لم يكفني وجود العجوز في بيتي حتى أشفعها بهذه المرأة بيد أن العجوز هرمة شمطاء. سمجة شوهاء. لا أربة فيها لشهوان. ولا معشق لولهان. وهذه حديثة ناعمة صاغها الله من طينة الحسن ومائه. وصقلها بسنا الجمال ولألائه. وجعلها ملهى عن الجد ومشغلة عن العمل فأين أرسلها وماذا أصنع بها؟ وأما لو استعنت رجال الشرطة لأقبلوا عليَّ بجمعهم ينظرون في أوراقي ويفحصون أشيائي ويملأون فراغ الدار لغطاً وهذراً وما أبشع والله ذاك وما أشده. ولأهون عليَّ منه احتمال المرأة.
وليت هذا كان آخر البلية فلم يردفها النحس بأخرى. ويا الله ما أغرى هذا الخلق بهارب منهم وما الهجهم بعارف عنهم وما أملأ كل بقعة بهذا الناس الذي منه أفرّ وعنه أذهب فلما أرنقت شمس الأصيل ونفضت على أكناف الرمل ورسا علا صفرته بصفرة وأشعلت
стр. 629
جنبات البحر ناراً خرجت أسعى على الساحل في يدي كتابي حتى أتيت دعصاً من الرمل فافترشته وأخذت أقرأ فإني لكذلك إذ لاح ظل حال بيني وبين الشفق فالتفت فإذا رجل طوال شديد الأسر مدمج المفاصل قد وقف لا يشعر بي وإنما يتوجه بجمعه إلى الخليج يرعى الصخور الناتئة بصدر الماء كاسف البال واجما وكان أسمر اللون أسود الشعر قصير القامة كث اللحية أشمّ المعطس مرعث الأذنين على محياه سيما البداوة الهمجية وملامح الشرف والنبل. وكان عليه قطيفة زرقاء وقميص أحمر ونعلان تضربان إلى شطري فخذيه فعرفت في الحال أنه الرجل الذي رأيته أمس على ظهر القارب الغريق.
فصحت بصوت ملؤه الكمد يا هذا أو قد نجاك الله ووطئت الشاطيء مسلماً؟.
فقال بالانكليزية نعم غير أني ما حاولت أن أنجو ولا كان ذاك من صنعي. ولكنها الأمواج رمت بي الساحل. فيا ليتها ما صنعت ويا ليتني. ولوددت والذي خلقك لو أن المحيط غيبني في جوفه وكتمني في ضميره! وكان يرتضخ لكنة أجنبية فيها لذة للأذن وحلاوة في النفس وقال لقد انتاشني رجلان من صادة الأسماك ينزلان تلك الناحية فعنيا بي بيد أني لا أكاد أشكرهما على ذلك. .
قلت يا سبحان الله! هذا رجل من فصيلتك وقبيلتك. ولماذا آثرت الغرق على النجاة يا هذا؟.
فقال ومد ذراعيه بهيئة الواجد الملتاع اليائس لأني فقدت هنالك كنزي الثمين وعلقي النفيس. هنالك حيث اليمّ ضاحك الثغر وضّاء الجبين تثوى منية النفس وقوت الفؤاد منه في حشا خائن غدّار. لا رعى عنده لحرمة ولا جوار. ولا ذمة ولا ذمار. قلت له ما برح الناس يفقدون الأهل والخلان فلا يصنعون صنعك وما في ذاك من ثمرة. فهوّن عليك ولا تذهبن نفسك شعاعاً. ولتعلم بعد أن ما تطأه الآن من أرضى وأسرع ما تكون مضياً من هنا أدناك إلى السلامة وأولى لك. ففي واحدة منكما كفاية.
فصاح واحدة منا؟.
قلت أجل إن استطعت أن تريحني منها فافعل أعدها منك منة غراء.
فنظر إلى هنيهة كأنه لا يفهم مرادي ثم صاح صيحة شديدة وانطلق يعدو والريح في أعقابه حسرى كليلة يؤم منزلي فلا والله ما رأت عيني منذ خلقني الله رجلاً يغدو عدوه واندفعت
стр. 630
في أثره مغضباً لهجومه علي مثواي واستباحته حمى حراماً ما وطئته قط قدم غريبة فلم أشق له غباراً. ورأيته بعيني يلج الباب وكان مفتوحا ثم سمعت صرخة ولما دنوت صافح أذني صوت رجل حثيث اللسان مخفوض القول ثم دخلت الدار فإذا الغادة سوفي راموسيني جاثية في زاوية من المكان منقبضة من الرعب قد التقى على صحيفة وجهها صورة البغض بسيما الغضب وإذا الرجل وعيناه مشبوبتان تضطرمان. وذراعاه ممدودتان ترعشان. يهضب لسانه بألفاظ الاستعطاف هضبا. وتسكب شفتاه كلم الاستغفار سكباً. فلما رآني دخلت دنا منها خطوة فتقهقرت خطوات وصاحت صيحة الشاة ساورها الذئب.
فجذبته إليّ عنها قائلاً مهلا! ماذا تفعل وماذا تريد؟ أحسبت هذا قارعة الطريق أم نزلا أم حانة؟.
عفواً سيدي وغفرانا. هذه المرأة زوجي وكنت أخالها غرقت. مولاي أثابك الله فقد رددت علي نفسي.
فقلت في غلطة ومن أنت؟.
قال رجل من أرشانجيل. رجل روسي.
قلت له ما اسمك؟
قال أورجانيف.
قلت أورجانيف. وهذه سوفي راموسيني. ما هي زوجتك. أما معها خاتم منك؟.
قال ونظر إلى السماء نحن زوج وزوجة بشهادة الله ذي العزة والجلال ما زوجنا قيس ولا شهد عقدنا مطران. بل زوجتنا العناية الأزلية بمشهد من الملائكة الأبرار.
وبينما هو يتكلم طفرت الفتاة حتى صارت خلفي وشدت يديها على يدي تضغطها كالمستغيثة.
وقال الرجل ماضيا في قوله أعطني زوجتي يا مولاي كي أحملها إلى موطني قلت له بشدة التفت يا هذا! أنا لا يهنأني بقاء هذه الفتاة عندي وإني والله فيها لزاهد ولو وددت أني ما نظرتها قط ولو أنها هلكت ليلة العاصفة ما ساءني. فأما إعطاؤك إياها مع ما أرى من بغضها إياك وخوفها منك فهذا ما لست فاعلا أبد الدهر فامنحنا هداك الله كتفيك ودعني وشأني. ولعلك لا تريني وجهك هذا قط فقال بصوت أبحّ أولست معطيني الغادة؟.
стр. 631
لا أفعل ذلك حتى أراك ميتاً.
قال وأربد وجهه هبني أخذتها برغمك.
عند ذلك احتدم الدم في عروقي وفار تنّور غيظي فاختطفت عصا من جانب المصلى ثم قلت بصوت شديد منخفض امض من هنا مسرعا وإلا صببتها على أم رأسك.
فنظر إليّ خائر العزيمة هنيهة ثم ترك الدار وعاد بعد لحظة فوقف بالباب يرمقنا ثم قال انظر ماذا تصنع وأعلم أن الغادة غادتي ولا بد لي منها. ولعله إذا بلغ الأمر المقارعة كان الروسي كفء الانكليزي.
فصمت قائلا سنرى! ثم وثبت ولكنه مضى ونظرت شخصه الطويل ينغل في حشا الظلماء.
وسلس عنان الدهر لي ولان جانبه مدة شهر أو زهاءه إذ اطرّد بنا نهر الحياة وانسجم مجراه فلا عثرة ولا عقبة ولا كدر ولا قذى وكانت الغادة ربما ولجت عليّ باب معملي أثناء شغلي فجلست عنده ترنو إليَّ بنجلاويها فأضجرني في أول الأمر ذلك حتى إذا لم أرَ منها أدنى ما يشوش عليّ أو يلهبني اتسع لها فناء صدري. وانفسح لها نطاق صبري. وشجعها ذلك فانبسطت واستأنست وجعلت تدنو على توالي الأيام مني رويداً رويداً حتى آل بها الأمر إلى الجلوس بجانبي ما زاولت العمل ثم جعلت في مقامها الجديد هذا تؤدي إليّ وهي كأصمت ما تكون جملة منافع كأما كها أقلامي وقواريري وأنابيبي ومناولتي كل ما أبتغيه في أتم نشاط وخفة. وكذلك بفضل إنكاري آدميتها وعديها آلة من الآلات الصامتة آل بي الأمر إلى أن صرت أفقدها إذا هي غابت واجدا لها نوعاً من الوحشة. وليعلم القاريء أن من عادتي إذا كنت في عملي أن أكلم نفسي جهاراً أستعين بها على تثبيت نتائجي في ذهني فلعل الفتاة كانت قوية الحافظة قفلة لأنها كانت تعيد ما تسمع مني من الألفاظ دون أن تعرف ولا مشاحة شيئاً من معانيها وطالما ألهاني منها أمطارها العجوز صوبا من المعادلات الكيماوية والرموز الجبرية وضحكها من العجوز إذ تهز رأسها وكأنما ترى لفظ الفتاة شتما موجهاً لها بالروسية.
وكانت إذا خرجت من باب البيت لم تتجاوز أذرعاً قلائل ولا تعدو عتبة الدار إلا وقد أشرفت من كل نافذة لتتثبت من خلو الجوار فدلني فعلها ذاك على أنها تتوجس أن يكون
стр. 632
الرجل الطويل لا يزال كامناً لها في بعض تلك الجهات وتخشى أن يختلس غرتها فيحتملها ويذهب. ومن عجيب ما صنعت أنها كانت عثرت على مسدس لي كنت قد فقدته فأقبلت عليه تمسحه وتجلوه وتزينه وعلقته قرب الباب إلى جانبه جعبة ملئت بندقا. فكلما رأتني خاجا ألحت عليَّ أن آخذه. وكانت لا تزال تغلق الباب أثناء غيابي وكانت لولا خوفها باهنأ عيش وأغبط حال قد قسمت مجهودها بيني وبين العجوز أن لم تعني ساعدتها وكانت تنجّز أعمال البيت بفطنة أسرع من اللمح وراحة أخف من الريح.
ولم يمض إلا قليل حتى وجدت لها في تخوفها عذرا. وأن هذا الرجل الغريب ما زال يكمن في جوار الدار. وذلك أني أرقت ذات ليلة فقمت إلى النافذة أشرف منها على أفنية البيت وكان الجو مضباً فلم أكد أبصر سوى حافة البحر ومؤخر قاربي على شاطئه. حتى إذا اعتاد طرفي الظلمة آنست بالرمل شبحاً آخر حيال بابي ولم أك رأيته بالأمس وبينما أطل من النافذة أنعم النظر لأستبين ماذا كان ذلك الشبح انحسرت عن صفحة القمر سحابة عظيمة وتساقط النور أبيض صافياً غضّاً رطيباً على أديم الماء الساكن الأرجاء الصامت النواحي وعلى سواحل القفرة الموحشة. وحينئذ علمت من ذاك الكامن عند بابي وهل كان إلا الروسي؟ لقد كان قاعداً كأنه ضفدع جسيم. قد عقد رجليه تحته جلسة المغولي وعقد طرفه بالنافذة التي قام دونها الفتاة والعجوز وكان نور القمر يهبط على وجهه فرأيت مرة أخرى شرف تلك الصورة ونبل هذه الخلقة ورأيت ناظري الصقر يلتهبان فوق عرنين أشمّ ورأيت غضن الهم محفوراً في أديم ذاك الجبين الأغرّ فقلت في نفسي يا لك من أحمق عاجز الرأي! أفبعد أن رأيتك تلاقي الموت وجهاً لوجه أسكن ما تكون أوصالاً. وأهدأ ما تكون بالاً. أراك قد سبت حجاك. وسلبت نهاك. فتاة شختة عجفاء. نحيلة صفراء. تفرّ منك فرار الصحيحة من الجرباء. ضلة لك ما أحيدك عن السداد. وأبعدك من الرشاد. لقد كان لك لو شئت مندوحة عن هذه المهزولة في ذوات البيوتات والأحساب ممن هن أعرق نسباً. وأبرع أدباً. وأرشق قدّاً. وأقرب ودّاً. وأبهى جمالاً. وأسبى دلالاً. ولكنك تأبى إلا هياماً بتلك الصبية ولجاجاً. وتمادياً في حبها وإلهاجاً. وهي لا تجزيك إلا الصد. ولا تهديك غير سوء الرد. كلما دنوت منها إصبعاً ندّت عنك ميلا. أو وصلتها لحظة هجرتك دهراً طويلاً. ثم عدت إلى مضجعي وأنا أضحك سخراً من أمر هذا السفيه. ولم أخشه وكيف وقد كنت
стр. 633
من جدران بيتي وأبوابه بأمنع معقل وأحرز حصن فسواء عليّ قضى ذلك الرجل ليلته على عتبة داري أو ببلاد الصين ما دام سيذهب مع الظلماء. وقد كان ذلك فلما خرجت الغداة إلى ذرا بيتي لم أجد له أثراً.
ولم يمض إلا قليل حتى رأيته ثانياً وذلك أني ركبت اليمّ مرة وكان بي دوار سببه أولاً إدامة الأكباب على الورق وثانياً شمي عقاقير خبيثة الرائحة يفغم ذفرها الخياشم فزجيت الزورق على الشاطئ بضعة أميال ثم أصابتني غلة فحسبت مطية الماء عند مصب جدول ونزلت إلى الساحل لأرد وكان ذلك الجدول يشتق أرضي ولكن مصبه في أرض أخرى. فوردت حتى إذا هممت أن أصدر وجدتني أمام الروسي وجهاً لوجه وقد استبحت من حماه مثل ما استباح سالفاً من حماي فعراني الخجل وقطن إليها، قال لي في وقار وجد عندي لك حديث قصير.
فقلت ونظرت إلى ساعتي إذن فلتسرع فليس في وقتي للهراء مجال.
فقال مغضباً الهراء! ما أعجب أحوالكم معشر الاسكوتلانديين إن لكم لظواهر فظة تحتها قلوب رقيقة. وأنت من القوم ففيك ولا شك مع هذه القسوة والشدة لين وهوادة.
قلت باسم الشيطان إلا ما قلت قولك وخليتني وشأني فلقد والله سئمت رؤيتك فصاح قائلاً أوقد أبى الله أن ألين من قلبك القاسي وأذيب من حصاة فؤادك أنظر ثم استخرج من جيبه صليباً هذا. إنهُ ربما خالفت ملتك عقيدتي. وباين مذهبك نحلتي. ولكنه يجمعنا عواطف وآراء مشتركة إذا نظرنا هذا.
فأجبته لست من قولك على ثقة.
فنظر إليك متفكرا ثم قال ما أعجب والله شأنك وأني لي بأن أفهمك فأنت لا تزال حائلاً بيني وبين سوفي فاعلم يا رعاك الله أنك لتحرجن موقفك ولتخطرن دمك فانتبه إلى ذاك قبل أن يتفاقم الخطب ويبلغ السيل الزبى. ومن لي يبلغك ماذا خضت في سبيل تلك الغادة من الهول وماذا ركبت من أجلها من الخطر أشق غمار البحار. وأجوب. أقطار القفار، وأقذف فحمة الليل بجمرة النهار. معرضاً في خلال ذلك جسمي للدمار ونفسي للبوار. فأين أنت مما قد اجتزت من العقبات. وخضت من القحم والهلكات يا من لو شئت سللت روحه على ظبة مديتي. واختلست حياته على غرار صفيحتي. ولكن أبى لي الله والتقي أن أفعل
стр. 634
ذلك!.
أولى لك أن تعود إلى موطنك من أن تكمن بهذا الساحل لتكدر صفائي. حتى إذا تثبت من ذهابك أسلمت الفتاة إلى دار السفارة الروسية. فأما قبل ذلك فإنا جار الفتاة منك وملاذها وموئلها أقيها المكروه بطارفي وتلادي ولا أدخر سبيل صونها نفسي. وليس في قدرتك ولو عزز جانبك ألف من أهل جلدتك أن تغلبني عليها قال وماذا تريد بمنعها مني؟ أفتحسب أني كنت نائلها قط بأذى. أصلحك الله إني ما بخلت بروحي في سبيل وقايتها. فماذا فعلك هذا؟.
قلت هو حق المستجير على جاره.
قال وتأجج الغضب في نظراته ودلف إلى مشعانّ الرأس ممدود الذراعين مقبوض اليدين وأما وربك لو أنه رابني منك في شأنها ربية وإنك تضمن بها لأمر غير صالح إذاً والله قلبك من حشاك بأظفاري وكأن مجرد توهمه ذلك الوهم قد أطار عقله حتى انقلبت سحنته وراحت كفاه بين قبض وبسط راجفتين تجفان. فخلت والله أنه سيأخذ بكظمي.
لذلك صحت به مكانك وقلت ويدي على المسدس مسني بإصبع منك أفرق بين روحك وجسدك!.
فوضع يده في جيبه هنيهة فحسبت أن يستخرج سلاحاً ولكنه ما لبث أن أخرجها بيضاء من غير سوء اللهم إلا من تبغة أشعلها وأقبل يشرب أنفاسها ولعله كان يرى هذه خير كابح لجماح شره.
وقال بصوت أرق ولهجة ألين لقد خبرتك أن اسمي أوجانيف وإني من أهل فنلاندة ولكني وزعت عمري بين أنحاء الأرض طراً. ولقد خلقني الله قلقاً متوقداً لوذعياً يكاد يسرب في الخرت وينغل في مجاري السموم لا طاقة لي بالسكون ولا قدرة لي على الدعة بنفس متفشية لا يكاد يسعها عرض الفضاء. وتكاد تضيق بها رقعة الأرض وأديم السماء.
ليس يخلى مني مكان مكانا ... أنا شيء خصوصه كالعموم
أنا طيف الخيال يطرق أهل ال ... أرض من بين ظاعن ومقيم
فلما ورثت مركب أبي لم أدع مرفأ ما بين أرشانجيل وأستراليا إلا وقد طرقته. وكان لي على غلطتي وخشونتي وجفاء طبعي مهجة لا تزال تحن إلى حبيبة لي بديار قومي وكبد
стр. 635
إليها نزاعة فلما كنت في بعض أسفاري ازدلف إليها غلام مصقول العارضين أمرد ناعم البنان معسول اللسان. طين بما يستهوى قلوب الغانيات. ويطبي أهواء الفتيات. من حلو الكلم ولطيف الإشارات. فسلبني هذا الغلام بحيلته ودهائه الغادة التي ألقيت عندها مراسي الأمل ونطت بها أسباب الهوى والتي أرعيتها بارض الحب وأمطرتها وسمى المدامع. والتي لم تك لتضن عليّ بالحب أو تجزيني بالود كرهاً. فلما أبت من رحلتي خبرت غادتي وفلذة كبدي ستتزوج من ذاك الغلام الغض الأهاب. البض الشباب. وأن الزوج قد ذهبا إلى الكنيسة. ولتعلم يا سيدي أني في حال كهذه يذهب رشدي فآنى من الأمر ما لا أكاد أعرف أقول فلما بلغني ذلك النبأ نزلت الشاطيء بالنوتية وكانوا رهطاً أولى بأس ونجدة كلهم كالحسام عضب المضارب ماضي الغرارين لم يؤت من نبوة ولا كلال فعمدنا إلى الكنيسة فدخلناها وإذا الزوج واقفان حيال المطران قد كاد يعقد لهما ولما يفعل. فاندفعت بينهما فطوقتها ذراعي وأثخن رجالي الضرب في الفتى وسائر القوم واحتملتها حتى أتيت ورهطي المركب فأقلعنا بها نمخر العباب إلى أن رأينا ذوائب المنار تذوب في قصوى الفضاء. وبوأت الغادة غرفتي وخولتها أسباب الراحة طراً وأخذت مضجعي بين النوتية وأنا أرجو أن يلين الله يوماً ما عليَّ قلبها ويجذب إليَّ عطفها. ويمنحني عطفها. فترضى أن أعقد عليها في فرنسا أو ألمانيا مثلاً وكذلك ما برحت تتقاذفنا البحار. وتتهادانا الغمار. وتطوح بنا كفّ التيار، حتى رأينا الرأس الشمالي يموت على مهاد الأفق وتلحد له الأمواج في ضميرها جدثاً. ثم تقصينا ساحل النرويج وهي لا تزال مصرة على الصد لاجة في النفور لا تغفر لي تفر بقي بينها وبين عاشقها وأخيراً رمانا الله بتلك العاصفة التي ألوت بمركبي وآمالي وحرمتني حتى النظر إلى الغادة التي ركبت في حبها من الهول ما ركبت. فعسى الله ينزل على قلبها بعد كل ذلك حبي ويلهمها رقة لي ورحمة. ثم رنا إليَّ طويلاً وقال وإني يا سيدي أتوسم فيك أخاً حنكة وابن تجارب قد حلب أشطر الدهر وأطال على الأمور توقافاً. أفليس في فراسنك أنها ربما نسيت بي حبيبها ذاك واجدة فيَّ بدلاً؟.
قلت وزويت عنه وجهي قد والله سئمت حديثك. فأما إذ سألتني رأيي فرأيي أنك معتوه أحمق. وإنك إن كنت تؤنس من نفسك أن حبك هذا خطب لا يلبث أن يهون ومصاب لا ينشب أن يخف فيزول فعلل نفسك حتى يكون ذلك بكل ما استطعت فأما إن كان داء عياء
следующие страницы →