← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

لا أفعل ذلك حتى أراك ميتاً. قال وأربد وجهه هبني أخذتها برغمك. عند ذلك احتدم الدم في عروقي وفار تنّور غيظي فاختطفت عصا من جانب المصلى ثم قلت بصوت شديد منخفض امض من هنا مسرعا وإلا صببتها على أم رأسك. فنظر إليّ خائر العزيمة هنيهة ثم ترك الدار وعاد بعد لحظة فوقف بالباب يرمقنا ثم قال انظر ماذا تصنع وأعلم أن الغادة غادتي ولا بد لي منها. ولعله إذا بلغ الأمر المقارعة كان الروسي كفء الانكليزي. فصمت قائلا سنرى! ثم وثبت ولكنه مضى ونظرت شخصه الطويل ينغل في حشا الظلماء. وسلس عنان الدهر لي ولان جانبه مدة شهر أو زهاءه إذ اطرّد بنا نهر الحياة وانسجم مجراه فلا عثرة ولا عقبة ولا كدر ولا قذى وكانت الغادة ربما ولجت عليّ باب معملي أثناء شغلي فجلست عنده ترنو إليَّ بنجلاويها فأضجرني في أول الأمر ذلك حتى إذا لم أرَ منها أدنى ما يشوش عليّ أو يلهبني اتسع لها فناء صدري. وانفسح لها نطاق صبري. وشجعها ذلك فانبسطت واستأنست وجعلت تدنو على توالي الأيام مني رويداً رويداً حتى آل بها الأمر إلى الجلوس بجانبي ما زاولت العمل ثم جعلت في مقامها الجديد هذا تؤدي إليّ وهي كأصمت ما تكون جملة منافع كأما كها أقلامي وقواريري وأنابيبي ومناولتي كل ما أبتغيه في أتم نشاط وخفة. وكذلك بفضل إنكاري آدميتها وعديها آلة من الآلات الصامتة آل بي الأمر إلى أن صرت أفقدها إذا هي غابت واجدا لها نوعاً من الوحشة. وليعلم القاريء أن من عادتي إذا كنت في عملي أن أكلم نفسي جهاراً أستعين بها على تثبيت نتائجي في ذهني فلعل الفتاة كانت قوية الحافظة قفلة لأنها كانت تعيد ما تسمع مني من الألفاظ دون أن تعرف ولا مشاحة شيئاً من معانيها وطالما ألهاني منها أمطارها العجوز صوبا من المعادلات الكيماوية والرموز الجبرية وضحكها من العجوز إذ تهز رأسها وكأنما ترى لفظ الفتاة شتما موجهاً لها بالروسية. وكانت إذا خرجت من باب البيت لم تتجاوز أذرعاً قلائل ولا تعدو عتبة الدار إلا وقد أشرفت من كل نافذة لتتثبت من خلو الجوار فدلني فعلها ذاك على أنها تتوجس أن يكون

стр. 632

الرجل الطويل لا يزال كامناً لها في بعض تلك الجهات وتخشى أن يختلس غرتها فيحتملها ويذهب. ومن عجيب ما صنعت أنها كانت عثرت على مسدس لي كنت قد فقدته فأقبلت عليه تمسحه وتجلوه وتزينه وعلقته قرب الباب إلى جانبه جعبة ملئت بندقا. فكلما رأتني خاجا ألحت عليَّ أن آخذه. وكانت لا تزال تغلق الباب أثناء غيابي وكانت لولا خوفها باهنأ عيش وأغبط حال قد قسمت مجهودها بيني وبين العجوز أن لم تعني ساعدتها وكانت تنجّز أعمال البيت بفطنة أسرع من اللمح وراحة أخف من الريح. ولم يمض إلا قليل حتى وجدت لها في تخوفها عذرا. وأن هذا الرجل الغريب ما زال يكمن في جوار الدار. وذلك أني أرقت ذات ليلة فقمت إلى النافذة أشرف منها على أفنية البيت وكان الجو مضباً فلم أكد أبصر سوى حافة البحر ومؤخر قاربي على شاطئه. حتى إذا اعتاد طرفي الظلمة آنست بالرمل شبحاً آخر حيال بابي ولم أك رأيته بالأمس وبينما أطل من النافذة أنعم النظر لأستبين ماذا كان ذلك الشبح انحسرت عن صفحة القمر سحابة عظيمة وتساقط النور أبيض صافياً غضّاً رطيباً على أديم الماء الساكن الأرجاء الصامت النواحي وعلى سواحل القفرة الموحشة. وحينئذ علمت من ذاك الكامن عند بابي وهل كان إلا الروسي؟ لقد كان قاعداً كأنه ضفدع جسيم. قد عقد رجليه تحته جلسة المغولي وعقد طرفه بالنافذة التي قام دونها الفتاة والعجوز وكان نور القمر يهبط على وجهه فرأيت مرة أخرى شرف تلك الصورة ونبل هذه الخلقة ورأيت ناظري الصقر يلتهبان فوق عرنين أشمّ ورأيت غضن الهم محفوراً في أديم ذاك الجبين الأغرّ فقلت في نفسي يا لك من أحمق عاجز الرأي! أفبعد أن رأيتك تلاقي الموت وجهاً لوجه أسكن ما تكون أوصالاً. وأهدأ ما تكون بالاً. أراك قد سبت حجاك. وسلبت نهاك. فتاة شختة عجفاء. نحيلة صفراء. تفرّ منك فرار الصحيحة من الجرباء. ضلة لك ما أحيدك عن السداد. وأبعدك من الرشاد. لقد كان لك لو شئت مندوحة عن هذه المهزولة في ذوات البيوتات والأحساب ممن هن أعرق نسباً. وأبرع أدباً. وأرشق قدّاً. وأقرب ودّاً. وأبهى جمالاً. وأسبى دلالاً. ولكنك تأبى إلا هياماً بتلك الصبية ولجاجاً. وتمادياً في حبها وإلهاجاً. وهي لا تجزيك إلا الصد. ولا تهديك غير سوء الرد. كلما دنوت منها إصبعاً ندّت عنك ميلا. أو وصلتها لحظة هجرتك دهراً طويلاً. ثم عدت إلى مضجعي وأنا أضحك سخراً من أمر هذا السفيه. ولم أخشه وكيف وقد كنت

стр. 633

من جدران بيتي وأبوابه بأمنع معقل وأحرز حصن فسواء عليّ قضى ذلك الرجل ليلته على عتبة داري أو ببلاد الصين ما دام سيذهب مع الظلماء. وقد كان ذلك فلما خرجت الغداة إلى ذرا بيتي لم أجد له أثراً. ولم يمض إلا قليل حتى رأيته ثانياً وذلك أني ركبت اليمّ مرة وكان بي دوار سببه أولاً إدامة الأكباب على الورق وثانياً شمي عقاقير خبيثة الرائحة يفغم ذفرها الخياشم فزجيت الزورق على الشاطئ بضعة أميال ثم أصابتني غلة فحسبت مطية الماء عند مصب جدول ونزلت إلى الساحل لأرد وكان ذلك الجدول يشتق أرضي ولكن مصبه في أرض أخرى. فوردت حتى إذا هممت أن أصدر وجدتني أمام الروسي وجهاً لوجه وقد استبحت من حماه مثل ما استباح سالفاً من حماي فعراني الخجل وقطن إليها، قال لي في وقار وجد عندي لك حديث قصير. فقلت ونظرت إلى ساعتي إذن فلتسرع فليس في وقتي للهراء مجال. فقال مغضباً الهراء! ما أعجب أحوالكم معشر الاسكوتلانديين إن لكم لظواهر فظة تحتها قلوب رقيقة. وأنت من القوم ففيك ولا شك مع هذه القسوة والشدة لين وهوادة. قلت باسم الشيطان إلا ما قلت قولك وخليتني وشأني فلقد والله سئمت رؤيتك فصاح قائلاً أوقد أبى الله أن ألين من قلبك القاسي وأذيب من حصاة فؤادك أنظر ثم استخرج من جيبه صليباً هذا. إنهُ ربما خالفت ملتك عقيدتي. وباين مذهبك نحلتي. ولكنه يجمعنا عواطف وآراء مشتركة إذا نظرنا هذا. فأجبته لست من قولك على ثقة. فنظر إليك متفكرا ثم قال ما أعجب والله شأنك وأني لي بأن أفهمك فأنت لا تزال حائلاً بيني وبين سوفي فاعلم يا رعاك الله أنك لتحرجن موقفك ولتخطرن دمك فانتبه إلى ذاك قبل أن يتفاقم الخطب ويبلغ السيل الزبى. ومن لي يبلغك ماذا خضت في سبيل تلك الغادة من الهول وماذا ركبت من أجلها من الخطر أشق غمار البحار. وأجوب. أقطار القفار، وأقذف فحمة الليل بجمرة النهار. معرضاً في خلال ذلك جسمي للدمار ونفسي للبوار. فأين أنت مما قد اجتزت من العقبات. وخضت من القحم والهلكات يا من لو شئت سللت روحه على ظبة مديتي. واختلست حياته على غرار صفيحتي. ولكن أبى لي الله والتقي أن أفعل

стр. 634

ذلك!. أولى لك أن تعود إلى موطنك من أن تكمن بهذا الساحل لتكدر صفائي. حتى إذا تثبت من ذهابك أسلمت الفتاة إلى دار السفارة الروسية. فأما قبل ذلك فإنا جار الفتاة منك وملاذها وموئلها أقيها المكروه بطارفي وتلادي ولا أدخر سبيل صونها نفسي. وليس في قدرتك ولو عزز جانبك ألف من أهل جلدتك أن تغلبني عليها قال وماذا تريد بمنعها مني؟ أفتحسب أني كنت نائلها قط بأذى. أصلحك الله إني ما بخلت بروحي في سبيل وقايتها. فماذا فعلك هذا؟. قلت هو حق المستجير على جاره. قال وتأجج الغضب في نظراته ودلف إلى مشعانّ الرأس ممدود الذراعين مقبوض اليدين وأما وربك لو أنه رابني منك في شأنها ربية وإنك تضمن بها لأمر غير صالح إذاً والله قلبك من حشاك بأظفاري وكأن مجرد توهمه ذلك الوهم قد أطار عقله حتى انقلبت سحنته وراحت كفاه بين قبض وبسط راجفتين تجفان. فخلت والله أنه سيأخذ بكظمي. لذلك صحت به مكانك وقلت ويدي على المسدس مسني بإصبع منك أفرق بين روحك وجسدك!. فوضع يده في جيبه هنيهة فحسبت أن يستخرج سلاحاً ولكنه ما لبث أن أخرجها بيضاء من غير سوء اللهم إلا من تبغة أشعلها وأقبل يشرب أنفاسها ولعله كان يرى هذه خير كابح لجماح شره. وقال بصوت أرق ولهجة ألين لقد خبرتك أن اسمي أوجانيف وإني من أهل فنلاندة ولكني وزعت عمري بين أنحاء الأرض طراً. ولقد خلقني الله قلقاً متوقداً لوذعياً يكاد يسرب في الخرت وينغل في مجاري السموم لا طاقة لي بالسكون ولا قدرة لي على الدعة بنفس متفشية لا يكاد يسعها عرض الفضاء. وتكاد تضيق بها رقعة الأرض وأديم السماء. ليس يخلى مني مكان مكانا ... أنا شيء خصوصه كالعموم أنا طيف الخيال يطرق أهل ال ... أرض من بين ظاعن ومقيم فلما ورثت مركب أبي لم أدع مرفأ ما بين أرشانجيل وأستراليا إلا وقد طرقته. وكان لي على غلطتي وخشونتي وجفاء طبعي مهجة لا تزال تحن إلى حبيبة لي بديار قومي وكبد

стр. 635

إليها نزاعة فلما كنت في بعض أسفاري ازدلف إليها غلام مصقول العارضين أمرد ناعم البنان معسول اللسان. طين بما يستهوى قلوب الغانيات. ويطبي أهواء الفتيات. من حلو الكلم ولطيف الإشارات. فسلبني هذا الغلام بحيلته ودهائه الغادة التي ألقيت عندها مراسي الأمل ونطت بها أسباب الهوى والتي أرعيتها بارض الحب وأمطرتها وسمى المدامع. والتي لم تك لتضن عليّ بالحب أو تجزيني بالود كرهاً. فلما أبت من رحلتي خبرت غادتي وفلذة كبدي ستتزوج من ذاك الغلام الغض الأهاب. البض الشباب. وأن الزوج قد ذهبا إلى الكنيسة. ولتعلم يا سيدي أني في حال كهذه يذهب رشدي فآنى من الأمر ما لا أكاد أعرف أقول فلما بلغني ذلك النبأ نزلت الشاطيء بالنوتية وكانوا رهطاً أولى بأس ونجدة كلهم كالحسام عضب المضارب ماضي الغرارين لم يؤت من نبوة ولا كلال فعمدنا إلى الكنيسة فدخلناها وإذا الزوج واقفان حيال المطران قد كاد يعقد لهما ولما يفعل. فاندفعت بينهما فطوقتها ذراعي وأثخن رجالي الضرب في الفتى وسائر القوم واحتملتها حتى أتيت ورهطي المركب فأقلعنا بها نمخر العباب إلى أن رأينا ذوائب المنار تذوب في قصوى الفضاء. وبوأت الغادة غرفتي وخولتها أسباب الراحة طراً وأخذت مضجعي بين النوتية وأنا أرجو أن يلين الله يوماً ما عليَّ قلبها ويجذب إليَّ عطفها. ويمنحني عطفها. فترضى أن أعقد عليها في فرنسا أو ألمانيا مثلاً وكذلك ما برحت تتقاذفنا البحار. وتتهادانا الغمار. وتطوح بنا كفّ التيار، حتى رأينا الرأس الشمالي يموت على مهاد الأفق وتلحد له الأمواج في ضميرها جدثاً. ثم تقصينا ساحل النرويج وهي لا تزال مصرة على الصد لاجة في النفور لا تغفر لي تفر بقي بينها وبين عاشقها وأخيراً رمانا الله بتلك العاصفة التي ألوت بمركبي وآمالي وحرمتني حتى النظر إلى الغادة التي ركبت في حبها من الهول ما ركبت. فعسى الله ينزل على قلبها بعد كل ذلك حبي ويلهمها رقة لي ورحمة. ثم رنا إليَّ طويلاً وقال وإني يا سيدي أتوسم فيك أخاً حنكة وابن تجارب قد حلب أشطر الدهر وأطال على الأمور توقافاً. أفليس في فراسنك أنها ربما نسيت بي حبيبها ذاك واجدة فيَّ بدلاً؟. قلت وزويت عنه وجهي قد والله سئمت حديثك. فأما إذ سألتني رأيي فرأيي أنك معتوه أحمق. وإنك إن كنت تؤنس من نفسك أن حبك هذا خطب لا يلبث أن يهون ومصاب لا ينشب أن يخف فيزول فعلل نفسك حتى يكون ذلك بكل ما استطعت فأما إن كان داء عياء

стр. 636

وضربة لازب فليس أجمل والله بك من أن تنتحر فتستريح. ما قضى الله للجهول بستر ... يتلافاه مثل حتف قاض وهذا ما عندي والسلام. ثم هرعت إلى زورقي فركبته لا ألتفت إلى الرجل غير أني ما لبثت أن سمعته يقول لقد حدثتك بادئة نبأي فأما الخاتمة فلسوف تعلمنها يوماً ما. فلم أجبه وإنما زجيت القارب والتفت بعد برهة فإذا هو ما زال واقفاً على الشاطىء يتبعني نظرة ولهى طويلة. ثم التفت ثانية فإذا هو قد مضى. واطمأن جانب العيش لي بعد هذا الحادث وركدت نواحيه فلا عثرة ولا عقبة. وجعلت آمل أن يكون الرجل قد رحل عن جواري فيدلني على كذب آمالي آثار أقدامه في الرمل ولا سيما كثيب من رماد التبغ على كثيب قبالة النوافذ من غرفة الفتاة فعلمت أن الرجل ما برح لنا كامناً. وبقيت منزلة الفتاة مني على عهدها لم تقربها زلفي ولم يقصها جفاء. وكانت العجوز في باديء الأمر قد نالها شيء من الغيرة مخافة أن تغصبها الفتاة بعض نفوذها البيتي حتى إذا رأت إعراضي عن الغادة وانقباضي زالت عنها الوحشة وعلودها الأنس والراحة ووجدت في بقاء الفتاة ربحاً لا خسارة إذ أصبحت لها عوناً على عملها وظهيراً. وها قد أشرفت على نهاية هذا القصص الذي ما كنت لولا لذة أجدها في تدويني لأدونهُ. وكانت خاتمة هذين البشرين من الفجاءة والعجب كالفاتحة وإنما هو حادث ليلة فذة خلصني من شرهما وأطلقني من أذاهما وأفردني بأسفاري ومباحثي مثلما كنت قبل طروئهما. وهاك بيان الحديث. خرجت إلى الشاطيء ذات مساء نضو مذاكرة طليح بحث وتنقيب لأروّح عن النفس وأريح مكدود الخاطر فما برزت من باب الدار حتى لفت ناظري مشهد الخليج وهيئة الماء. وكان بأكمل حال من الركود تحسبه صحيفة من البلور جامدة الأنحاء يابسة الأرجاء فما به حبك ولا تكسر. ولكن الهواء كان مع ذلك مفعم بذاك الصوت الذي وصفته آنفاً وهو صوت كأن أصداء من طواهم البحر في أحشائه ترسل أنينه تنذر به إخوانهم الأحياء شرّ يوم عصيب. وكانت نساء الصيادين يعرفن ذلك الصوت ويمددن ألحاظاً لهفى سراعاً نحو القوارب التي لا تزال باليم. فلما سمعت ذاك الصوت دخلت الدار ونظرت في مقياس

стр. 637

الحرارة فإذا هو عند ٢٩ تحت الصفر. حينئذ علمت أنا بعرض ليلة مرهوبة نكراء. وكان القر في سفح الجبل قارساً لذاعاً على حين قد عمم الأصيل ذؤابته بمعصفرات الوشى اليماني وأسال على جبينه نضاراً. ولم يك على صفحة السماء من السحاب إلا بدد عباديد. ولكن أنين اليم ما برح يشتد ويتزايد. ثم لمحت من جانب الشرق قارباً يضرب إلى قرية ويك فكأن ربه قرأ آية الجو كما قرأتها ووراء القارب كان ينتشر ضباب قد طوى خط الأفق. قلت في نفسي ما أجدرني الساعة بالعودة وإلا ثارت الريح ولما يحوني البيت. فلما صرت على نصف ميل من المنزل وقفت بغتت أنصت. وكنت لطول ما اعتادت أذني وألف مسمعي أصوات الطبيعة من زفيف النسيم إلى هدير الماء أسرع الناس أذناً إلى إنكار ما يجئ بين هذه الأصوات من غريب الأجراس ولو كان من أقصى مدى. فوقفت وكلي آذان تسمع وإذا بالصوت المنكر قد علا ثانية وكان صيحة رفيعة مديدة حادة تنم عن أوجع الحزن وآلم اليأس لها بأنحاء الرمل رنة ومن جانب الجبل رجع صدى - يالها صرخة حائر مستجير. وكانت تصدر من ناحية منزلي فاندفعت نحو الدار أنهب الأرض نهباً وقد لاحت الحقيقة لخاطري في ضباب من اللبس. وكان على ربع ميل من الدار ربوة يشرف منها على جميع أرجاء البقعة. فلما فرعت هامة تلك الربوة وقفت هنيهة أنظر فإذا كل شيء على ما تركته عليه. فإني لكذلك إذ عادت الصيحة أشد ما كانت وما هو إلا كخطف البرق حتى برز من جوف الدار شخص الروسي يحمل على عاتقه الغادة البيضا. لم تمنعهشدة العجلة أن يرفق بها كل الرفق وإنها لتمزق أوداجها صياحاً وتكد أوصالها ابتغاء الخلاص جهاداً وعلى أثرهما العجوز تدب ظلماء ترسف في قيد الكلال والونى وجلّ مجهودها صراخ متوال كاللبوة الهرمة قلم الكبر أظفارها وفضّ لزمان أنيابها فليس بها إلا عولة لا يعينها بطش أو زأرة لا تؤيدها سطوة. ورأيت الرجل يعمد نحو القارب فنبع في صدري أمل مبادر رجوت معه أن أدرك الرجل قبل فراره فاحتثث قدميّ إلى الشاطيء فدرّتا بشو بوب من السير وألقمت فم المسدس وأنا أعدو بندقة يكمن في لبها الموت الزؤام وتلوذ بحقوبها حشاشة أملي وآخر رمق من رجائي. ولكني تأخرت ةاستعجل القدر. فلما بلغت الشاطئ كان الرجل قد أوضع في الماء مائة وعشرين ذراعاً قد راش بمجذافيه قادمتي القارب لكل هبة من المجذاف طفرة من الزورق

стр. 638

كما طفر في حيزوم الجبان فؤاده فكأنها والماء ينطح صدرها ... والخيزرانة في يد الملاح جون من العقبان ببتدر الدجى ... يهوى بصوت واصطفاق جناح فصرخت صرخة خائب حنق ورحت أقبل على الرمل وأدبر كالذي خولط في لبه والتفت الروسي فرآني على هذه الحال فقام فحيّاني بأطراف بنانه تحية والله ما شفّت عن شماتة ولا سخرية ولكنها عنوان قلب ضمّن الإخلاص وطوى على الإجلال والشكر. ثم اطمأن في مجلسه وحث أجنحة القارب فطار بأشباه الأربع الرياح حتى قبضته المسافة وقد توارت الشمس بالحجاب ومد الشفق بنانة مخضوبة توميء إلى حيث خبأت يد الطفل لؤلؤة النهار. ومالي أجول في أنحاء تلك الرملة وأدور. وما لصدري يجيش بنار الكرب ويفوز. أمن شغف بالفتاة فعلت ذاك؟ كلا! وليس مثلي من أضناه حب الحسان. وأبلاه صد الغوان. ولم يلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب ولا أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب ولا السانحات البارحات عشية ... أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب كلا والله لم تكن المصيبة في معشوقة لي ولا وقع السهم في كبدي وإنما كانت في عرضي وثلمت جانب شرفي ومجدي. وطامنت عنقي وذلّلت أنفي. وكلما ذكرت أني عييت بحفظ جارتي من العدو الموائب. وعرضتها للطواريء والنوائب. عيل صبري وراح عرض اليمّ أضيق في عيني من كفة حابل. وهبّ من جانب البحر تلك الليلة ريح هوجاء فأرغت الأمواج بالشاطيء وجرجرت كأنما تود لو انتسفته فعادت به إلى العباب فكان ثمت ملاءمة بين فوران اليم وفوران صدري وبين غليان الماء وغليان ذهني وأبليت شباب الليل جيئة وذهاباً بين هجمات طلائع الأمواج. وحذار الصواعق من متأجج الجنبات وهّاج وسماء عليَّ أوكفت القط ... وأطارت كراي بالأرزام وعصفات زعزع نكباء تعتسف دوّ الفضاء. ونمزق جلدة الماء. وتكاد تختطف الرداء. وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالمصائب أقول وأبليت بين هذه الأهوال شباب الليل حتى شابت ذوائب الظلماء. وجرّد الفلق على

стр. 639

هامة الغسق أسياف أنوار وأضواء. واستراح الماء والهواء. وأخذ أعين الكواكب الأغفاء. ولا راحة لي ولا هدوء وأين الراحة ممن راح بين قلب هائم. ونفس دائم. وشجو دخيل. وحرقة وغليل. قلت في نفسي أولا يرجع الله هذا الروسي إلى هنا؟ أما والله لو عاد!. وقد عاد وحانت مني التفاتة إلى اليمين فإذا على بعد مني جرم طويل أسمر قد قذفته كف الموج الخرقاء على الشاطيء فتأملته فإذا هو قاربي قد عنف به البحر ورضه التيار. وعلى مسافة منه شيء مبهم الهيئة مشكل الشكل يجيء ويذهب في وشل بحافة الماء قد اختلط بعشب البحر وحصبائه فعرفت فيه لأول وهلة الرجل الروسي مكبوباً على حُرّ أوجهه جسداً بلا روح فخضت إليه ذلك الضحضاح فسحبته إلى اليابس ثم قلبته فإذا هي تحته قد التفت حولها ذراعاه الهامدتان وحالت جثته بينها وبين الزوبعة التي كانت تثور بالفضاء وكأنما ليس في طاقة البحر العنيف أن يسلبه تلك الفتاة وإن سلبه روحه. وكان فيهما أمارات تدلني على أن هذه الصبية الطائشة الرأي قد علمتها أهوال تلك الليلة المهيبة أن تفهم الفضل في أهله وتفطن إلى المروءة في أربابها وتستشف القشر الخشن عن اللباب الدمث والظاهر الوعر عن الباطن السهل. وأن تميز الصادق من الخلّب والحق من الغرور والزلال من السراب. وأن تعرف قدر ذلك القلب الكبير الذي وقاها في الروع بمهجته. وذاك الساعد السلط الذي حماها في الكريهة بصولته. وإلا فما معنى توسد رأسها اللطيف مهاد صدره الرحب والتفاف فرعها الأصهب بلحيته المنسدلة؟ وما معنى ضياء تلك الابتسامة المتألقة في صحيفة وجهه - يضحك في أثنائها فم النصر - التي لم يك في طاقة الموت أن يطفي رونقها ويخمد سناها؟ رحم الله مصرعه لقد كان الموت والله له أمتع من الحياة وأشرق جانباً وأبرد ظلاً وأصفى هواء. وأخضل الله ترابه لقد كانت حياته موتاً وكان موته حياة. وجاءت العجوز فلحدنا لهما على سيف البحر الشمالي وواريناهما فهما الآن رهنا حفرة بذلك المكان المقفر الجذب والبقعة الحزينة الصماء. وكم أمور ستحدث حولهما بهذا الكون وكم شؤون ستجري فمن دول تهدم ودول تشاد. وعاد تزول وتجيء عاد وأجداث تبيده وأجداث تباد. وهما بمعزل عن كل ذلك لا ينظران ولا يسمعان. ولا يعبآن ولا يحفلان. ولكنهما ملتزمان محتضنان. بتلك القفرة تحت ذلك الموج المرنان. وكم خيل إليَّ إن

стр. 640

روحيهما قد لبسا صورة الطير وأنهما ليرفران بين بنات الماء على صدر المحيط. وطالما خيل إليّ أني أسمع أنين صداهما بين تحنان البحر وعويل الرياح هاك قبرهما على الساحل الموحش لا نصب فوقه ولا تمثال ولكن العجوز ما برحت تكسوه حلل الزهر والريحان. وشفوف النور والأقحوان. فكلما مررت بذاك الضريح تذكرت ذينك الذين اغتربا عن الديار والأوطان ليلاقيا المنون بدار الغربة على قدر فعجت على تلك العظام البالية متمثلاً ولا علم لي من أي جنبيّ مصرعي ... وفي أيما أرض يخط لجانبي

стр. 641

العدد ١١ - بتاريخ: ٦ - ٤ - ١٩١٣

стр. 642

حضارة العرب في الأندلس الرسالة الأولى من الإسكندرية إلى المرية وهذه الجزيرة جِدُّ خصيبةٍ وكلأها لا ينقطع في صيف ولا شتاء وهي كثيرة الأمواه والعيون والفواكه والأرزاق. وجبالها كلها مثمرة بالتفاح والشاه بلّوط والبندق والأجاص. ومنها يجلب الجوز والقسطل إلى بلاد إفريقية ويجلب منها كثير من القطن - وفيها معادن الذهب والفضة والنحاس والرصاص والزيبق - وهي مستبحرة العمران كثيرة المدن والقرى والضياع فقد أخبرني ثَبَت ثقة أن بهذه الجزيرة مائة وثلاثين بلداً بين مدينة وقلعة عدا ما فيها من الضياع والمنازل والبقاع - وكلها مسكونة بالمسلمين ملأى بالمساجد والفنادق والحمامات. وفيها من العلماء والفلاسفة والأدباء، ما لا يكاد يدركه العد والإحصاء - ومن مشهور مدائنها مدينة بلَزْم قصبة هذه الجزيرة وسيأتي القول عليها مفصلاً عند ذكر وصولنا إليها إن شاء الله. وبين مدينة بلزم هذه ومدينة مسيني توجد المدن الآتية واقعة على ساحل البحر غربي هذه الجزيرة وهي مدينة ثرمة وليبري وبقطش وجفلوذ والقارونية وقلعة القوارب وميلاص وجطين وشنت ماركو. وسنصفها لدى ذكر مرورنا بها - وبين مسيني وبارم على سيف البحر شرقي الجزيرة وجنوبيها تقع البلدان الآتية. على الترتيب الآتي هكذا. مدينة طبرمين بشرقي مدينة مسيني على مرحلة منها وهي مدينة أزلية قديمة من أشراف البلاد وأعيانها، وقلعة حصينة من أصول القلاع وأركانها، وهي على جبل مطل على البحر يسمى جبل الطور وفيها كما حدثني أبو عبد الله الصقلي الفيلسوف ملعب من ملاعب الروم القديمة كأنه: زعم أبو عبد الله: شِعب بوّان الذي يقول فيه أبو الطيب المتنبي: مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان ملاعب جِنة لوسار فيها ... سليمان لسار بترجمان طَبَت فرساننا والخيل حتى ... خشيتُ وإن كرمن من الحران غدونا تنفض الأغصان فيه ... على أعرافها مثل الجمان فسرت وقد حجبن الشمس عني ... وجئن من الضيا بما كفاني وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيراً تفر من البنان

стр. 643

لهَا ثمر تشير إليك منها ... بأشربة وتفن بلا أواني وأمواه يصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني وقد فتح المسلمون هذه المدينة أيام إبراهيم بن أخمد بن الأغلب وكان عادلاً حازماً في أموره آمن البلاد، وعصف بأهل البغي والفساد. وبني الحصون والمحارس على سواحل البحر حتى كان توقد النار من سبتة فينتهى الخبر إلى الإسكندرية في الليلة الواحدة وذلك لسبع بقين من شعبان سنة تسع وثمانين ومائتين الموافق أول أغشت الرومي سنة اثنتين وتسعمائة. وكان لفتح هذا البلد أسوأ وقع في نفس الأنبرور صاحب القسطنطينية حتى بقي سبعة أيام لا يلبس التاج وقال لا يلبس التاج محزون - ثم مدينة قطانية على ستة أميال من مدينة لياج الواقعة بينها وبين طبرمين وهي مدينة كبيرة على ساحل البحر في سفح جبل النار وتسمي الآن مدينة الفيل لأن فيها طلسما من حجر على صورة فيل كان منصوباً فيما غبر من الأيام علي بناء شاهق ثم نقل ونصب داخل المدينة وبهذه المدينة الأسواق العامرة، والديار الزاهرة، والمساجد والجوامع والفنادق والحمامات - ثم مدينة سرَقوسة شرقى مدينة قطانية على مرحلتين كبيرتين منها. وهي من مشاهير المدن وأعيان البلاد، تضرب إليها أكباد الإبل من كل حاضر وباد، وهي على ساحل البحر والبحر محدق بها من جميع جهاتها وبها مابأ كبر المدن من الأسواق والخانات والمساجد والحمامات والمباني الرائقة، والأفنية الواسعة المونقة، ولها إقليم كبير طوال كله مزارع وجنات وأثمار. وقِد ما كان بها سرير ملك الروم فلما ملك المسلمون بعض الجزيرة نقلت دار الملك إلى مدينة قصريانه إلى أن امتلك المسلمون سائر الجزيرة. وقد فتح المسلمون سرقوسة هذه رابع عشر رمضان سنة أربع وستين ومائتين الموافق عشرين مايه الرومي سنة سبع وسبعين وثمانمائة - ثم مدائن نوطس وشكلة ورغوص وبثيرة وكركِنت وشاقة وملزَر ومرسي على وطرابُنشُ ومدائن أخرى كثيرة وكلها على ساحل البحر كما أسلفنا عدا مدينة رغوص فإن بينها وبين البحر نحواً من اثني عشر ميلاً - أما ميدنة فَصرُيانِه فهي في وسط الجزيرة على سن جبل وهي مدينة أزلية قديمة وقد كان فيها سرير ملك الروم نقل إليها كما أسلفنا بعد أن ملك المسلمون مدينة سرقوسة لحصانّها وقد فتح المسلمون هذه المدينة يوم الخميس منتصف شوال سنة أربع وأربعين ومائتين الموافق سلخ يناير الرومي سنة تسع وخمسين وثمانمائة

стр. 644

ولما فتحها العباس الأغلبي بني فيها في الحال مسجداً ونصب فيه منبراً وخطب فيه يوم الجمعة وذل الروم بصقلية يومئذ ذلاً عظيماً. وبعد فهذا الذي ذكرنا من بلدان هذه الجزيرة إنما هو غيض من فيض ونحسن إذا حاولنا ذكر سائر المدن والقرى والقلاع المعروفة في هذه الجزيرة، لاحتجناك عَمْرَك الله إلى أسفار كثيرة، وفي القدر غناء. وقد رأينا من تمام الفائدة أن نصور للناظر في هذه الرسالة جزيرة صقلية وبعض بلدانها المشهورة وبلاد قلورية ومدينة ريو وجزائر أقريطش وسردينية قرشقة وميورقة ومنورقة ويابسة ومدينتي الإسكندرية والمرية وبالجملة كل ما جاء له ذكر في هذه الرسالة. وقد آن لنا أن نرجع إلى ما نحن بصدد منه. مدينة مسيني أما مدينة مسيني فهي في ركن من الجزيرة بشرقيها مستندة إلى جبال قد انتظمت حضيضها وخناديقها والبحر يعترض أمامها في الجهة الجنوبية منها ومرساها أعجب مراسي البلاد البحرية كما أسلفنا لأنو المراكب الكبار تدنو فيه من البر حتى تكاد تمسكه ولا يحتاج إلى زواريق في وسقها ولا في تغريفها إلا ما كان مرسيا على البعد منها يسيرا فتراها مصطفة مع البر كاصطفاف الجياد في مرابطها وإصطبلاتها وذلك لإفراط العمق فيها. وهذه مسيني هي رأس جزيرة صقلية وهي كثيرة العمائر والضياع وأرضها طيبة المنابت وبها جنات وبساتين ذات أثمار كثيرة ولها أنهار غزيرة عليها أرجاء جمة. ولما نزلت إلى هذه المدينة سلمت أمتعتي إلى أحد الحمالين وقصدت معه أحد الفنادق فذهب بي إلى فندق قائم على جبل مطل على المدينة وكان لأحد مغاربة إفريقية فاحتفى بي صاحبه وبالغ في إكرامي واحتفل في راحتي حتى أنساني برقة حاشيته وطيب أنسه مجاشم السفر وذل الاغتراب - وقد صادفت في هذا الفندق أبا عبد الله الصقلي الفيلسوف وكان قد نهد أيده إليه من بلرم إلى مسيني لما علم بقدومي فكمل أنسى به وعراني من الغبطة والسرور ما لا يقوم بالعبارة عنه بيان. ولا يروم اطلاع فجه لسان. ولا سيما حين أخبرني أبو عبد الله أن ينتوي الذهوب إلى الأندلس وهي منتواي ومقصدي.

стр. 645

أبو عبد الصقلي الفيلسوف ولما رأيت أبا عبد الله وكنت لم أره قبل ذلك بيد أني سمعت عن فضله الجم وعلمه الغزير حتى شغفت برؤيته - والأذن تعشق قبل العين أحياناً - رأيت منه رجلاً تشد إليه الرحال، وتضرب إلى علمه أكباد الآبال، ويصاب عنده مقطع الحق واليقين، ويلقى لديه مفصل الداد في علوم الحكمة والدين من مبلغ الأعراب أني بعدها ... شاهدت رسطاليس والإسكندرا ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا ولا جرم فإن أبا عبد الله فيلسوف عصره. وواحد قطره. وهو في علم الطب والحكمة منقطع النظير لا تكاد تفتح العين على مثله. وقد حذق اللسان الإغريقي وأحكم معرفته حتى كأنه من أهله. وهو في الأدب منظومه ومنثوره نادرة الفل وبكر عطارد.

стр. 646

مذكرات إبليس بقلم الأستاذ عباس محمود العقاد إغواء فتاة قال إبليس: كنت أتمشى في بعض أحياء القاهرة وقد نهكني الفكر وأمضني أعمال الرأى. وكنت مشتغل البال بوضع مكيدة جهنمية أوقع بها سلسة الأمم في طامة مشكلة وحرب زبون. فبينما أنا أسير في طريق عامرة بالقصور آهلة بأصحاب الثراء والجاه القديم حانت مني التفاتة إلى نافذة في دار قوراء فلمحت فتاة عذراء مفرغة في قالب بديع الحسن ينسجم على جسدها الغض غلالة بيضاء كأنها نسجت من رغوة الماء أو خيوط الضياء، تشف من بدنها عن بشرة صافية بضة، ونهدين قاعدين كأنما ينفذان من خلال ذلك الشف الرقيق. وقد اتكأت على النافذة تنظر إلى الطريق وتتنسم الهواء. وما كنت أجهل مريم ولا أنا غافل عنها. ولكنها كانت طفلة تمرح في حراسة ملائكة الطفولة، فلا أجرأ على الدنو منها، وكانت زهرة في كمام الفضيلة فلا تمتد يدي إلى اقتطافها - وللطفولة حرم تحوم حوله الشياطين ولا تتخطاه. فأما اليوم فإنها كاعب ينبض قلبها بدم الشهوة، وتجري في عروقها حرارة الهوى، وقد تفرقت عنها ملائكة الطفولة فلا شيء يعصمها مني، وتفتحت زهرتها فامتزج عرفها الطاهر بهواء الدنيا، وسوف يكون لي معها شأن كالذي كان لي مع غيرها من بنات حواء. ثم لا أترك فيها إلا كما يبقى في الزهرة الذابلة من شذي أحرقه في مباخر الجحيم. ورأيت أن أعرج عليها في طريقي بها وأرفه عن نفسي ساعة بهذه الفكاهة اللطيفة، فأريح ذهني من جد الخبائث الكبيرة، والشرور المستطيرة وإن كان أغواء مثلها لا يحتاج إلى أكثر من دعابة شيطان صغير، من تلاميذي المبتدئين في صنعة الفساد. وكانت مريم بنت رجل من ذوي المكانة والثراء، ظللت أضارب بعقله في المضاربات حتى خسر عقله وماله. ولم يبق له من الضياع والنشب إلا هذا القصر الذي يقيم فيه، فحجروا عليه وأقاموا له قيماً يتولى تأجير جانب من ذلك القصر وينفق من أجرته في مؤنة العائلة وتربية الصغار، فعكف الرجل على بيته لا يريم عنه، وقد هجره أصدقاؤه وتسلل حشمه من خدمته واحداً بعد واحد إلا خصياً منحوساً حفظ عهد سيده كما يقول، ولو علم

стр. 647

الخبيث مرتزقاً أوسع جناباً، وأوطأ رحاباً من بيت سيده لفر منه فراره من المأسدة وكنت قد وكلت بمريم ولدى الأعور. فصرفته في دعوة فتي أنسى أستعين به أحياناً على خلب قلوب العذارى، وصعدت إلى مريم، فدخلت وإن نظرات النساء لمغناطيس يجذب إليه من قلوب الرجال حديداً صلداً. وإن كان ذلك الحديد ليكونن عليها في بعض الأحيان حداً ماضياً، أو نصلاً قاضياً. ورأيتها عارية الشعر، عاطلة النحر، مجردة المعصم. فقلت ما كان أجمل هذا الليل لو زانته زواهر الجواهر، وما أليق الحلى الذهبية بهذه الترائب البلورية!! أو ما كان قرط الماس أجمل في هذه الأذن منه عالقاً بأذن جارتك مرجانة؟؟ وهو في أذنها السوداء كأنه شرارة طارت من فحمة!! وما بال هذا النحر لا تكسوه لبة ربما فاضت على صدر أسمر فلاحت فيه كما يلوح وضج البرص في الأديم الأسود، وما لهذا المعصم لا يزينه سوار ربما التوي على ذراع مهزول فكأنه مسعر قد التف عليه ثعبان!! وهل استخرج النضار إلا ليلمع على هذه الصدور؟؟ أو التقط الجوهر إلا ليسطع في ضياء الجمال الفضاح؟؟ وتلك رقية ما رقيت بها فتاة فقويت عليها وما دسست في صدر أنثى خدعة هي أسرى فيه من هذه الخدعة. بل لقد كنت أهجس بها في قلب المرأة فتؤثر لو أنها تصبح بغير جيد من أن يكون لها جيد لا تطوقه الحلى والعقود. فما تلوت تلك السورة على مريم إلا وقد امتعضت وزال عنها ذلك البشر الذي كان منذ برهة يترقرق في أسارير وجهها. وكأنها تقول: إني لي هذه النفائس وهي نعمة قد حرمتها وأباها على الله أن يمتعني بها. قلت أولاً يغنيك أبوك عن هذا التمني؟! قالت إن أبي لكالضيف في المنزل، بيد أنه لا يكرم إكرام الضيف. وهذا القيم قد بات يقتر عليه في النفقة. وهو يستقطر من كفه الدرهم بعد الدرهم فإذا ظفر منه بعلبة التبغ حسبها منه غنماً كبيراً ومنة عظمي. قلت: فخطيبك!! فبكت الفتاة وقالت لقد كان لي خطيب يزورنا أحياناً فيتودد إلي ويلاطفني. فلما تضعضعت حالنا وقعد بنا الدهر هجر الرخاء منزلنا وهجره في يوم واحد. فما سمعنا عنه منذ ذلك اليوم إلا أنه عقد خطبته بالأمس على إحدى قريناتي في المدرسة. ولو أنها

стр. 648

كانت أملح مني خلقاً أو أصبح صورة لحسدتها على ملاحتها وصباحتها. ولكني لست أحسدها إلا على أب أكثر من أبي مالاً وأدنى إلى القبر قدماً. قلت لا يعدم هذا الجمال عاشقاً يتقرب إليه بحياته، ويذال المال في سبيل مرضاته. فانتفضت الفتاة وراعتها كلمة العشق. وما كانت تعرف إلا أن العشق والفسق شيء واحد. وكانت تسمع العجائز يقلن عن بنات اليوم أنهن فطح القلوب تتكشف نفوسهن لعيون الرجال وهي سر من أسرار الجنس المكنونة لا يجوز إفشاؤه، وخطة مدبرة يحرم إعلانها لغير بناته. ويأخذن على فتيان هذا العصر أطماعهن الرجال في جنس النساء. ثم يتذاكرن الأيام الخوالي وكيف كن يتمنعن وهن الراغبات، ويحرقن قلوب أزواجهن تيهاً ودلالاً، وتجنياً وصدوداً. ويخدعنهم بالتباعد حيناً وبالقرب أحياناً ثم يعطفن من ذلك إلى التوجع لسوء حظ بنات اليوم ويقلن لمن حضر منهن: لقد نعمنا بزماننا فاستقبلن اليوم زمانكن المعكوس. كأنما يضعن من شأن الصبا بعد أن فارقهن، ويأسفن على حظ الصبيات من الشباب لئلا يأسفن على فاتهن منه. أو كأنما يحسبن الفتيات ضرائر لهن في هذا العاشق المتقلب فينتقمن منه فيما يوليه أولئك الفتيات من تحفه ولطائفه. وشوه وجه العاشق في عينيها ما كانت تقرأ وتسمع في المدرسة من وصف الفضائل وصفاً كوصف الأكمه لنجوم السماء، وتعريف العفة تعريفاً يشبه أن يكون معنياً به أن تتمثل لها العفة مناقضة لكل صلة جنسية غير تلك الصلة التي يسجلها الشيخ المأذون في دفتره، ولعمري أنها فضائل هوائية، أو هي نقائض متقنعة، وما مثلها إلا كمثل العواهر اللائي يخرجن في زي الحرائر، فيكون هذا الزي أغرى للأنظار بهن. ولا تعيش تلك الفضائل إلا بمعزل عن الرذائل. فهي لا تجالد الشهوات في ميدان ولكنها تمتنع عنها في حصن بعيد، فإذا اقتحمته الشهوات مرة أصبحت فضائله أسرى في يدها، بل ربما تقلدت سلاحها وحاربت به في صفها، وليست الثقة بهذه الفضائل إلا كثقة هاروت وماروت بنفسيهما في السماء. فلما هبطا إلى الأرض سكرا وفسقا وقتلا في لحظة واحدة. يضع حمقى الأنس فضائلهم هذه عثرات في طريقي فأتناولها وأجعلها معالم يهتدي بها الناهجون فيها. ولا شيء يهون عليّ إغواء الفتاة الشرقية إلا عفة هي بصدور الكتب أجمل منها بصدر الفتاة.

стр. 649

ليس لإغواء الفتاة الشرقية عندي إلا طعمة واحدة. فأما فتاة الغرب فإني أنصب لها أحبولة بعد أحبولة حتى تقع في يدي، وتصبح فريسة لي. فإذا انتقلت بالشرقية من الصيانة إلى العشق أبصرت نفسها قد انتقلت إلى حال ينكرها أهلها وذووها، ويستهجنها الناس من حولها، وعلمت أن ما هي فيه رجس لا يرضاه إلا هي. فخلعت العذراء وأرسلت نفسها في التيار، فذهبت إلى الغابة من التبذل والاستهتار. فأما أختها الغربية فلا بأس بها من العشق ولا إنكار عليها فيه. فإذا أحبت لم ينته منها أربي. بل لا أزال أتنقل بها من العشق في أدوار شتى، وأتدرج بها من السائغ إلى المحظور ومن الطيب إلى الخبيث حتى يفضي بها الأمر إلى الفساد. وكذلك أستفيد من غلو الشرقيين في فضائلهم ما لا أستفيده من تفريط سواهم. فكلما ضيقوا دائرة الفضيلة اتسعت دائرة الرذيلة، أو حصروا حدود الحسنات، انفرجت حدود السيئات. وآنست من مريم استعصاء وتثاقلاً. فأخذت بيدها إلى نافذة تطل على حديقة جارهم. وكان في القصر الذي فيه الحديقة فتاة من لداتها قد سبحت في الغواية سبحاً، وتقلبت في المقابح ردحاً، وكانت يوم ذاك في هوى فتى هو ثالث عشاقها، والفتاة في العشق على مذهب أولئك الذين يخجلون من أن تراهم اليوم مع عاشق الأمس، ويحسبون أن الدوام على عاشق واحد كالدوام على لباس واحد. هذا ينم عن فقر إلى المال، وذاك يبين عن فقر إلى الجمال. وكان الفتى يختلف إليها في الحديقة. وتعلم أمها من شأنها ما تعلم، ولكنها كانت تبادلها غض النظر. ولعلها لا تكره زيارة الفتى لأن عين بنت الثلاثين قد ترى كما ترى عين بنت الخمس والعشر!! وكان مجلسهما في الحديقة تحت سرحة فرعاء، فيقضيان هنالك ساعة أو ساعات لا مقدار لها في تقويم العاشقين، لأن إله الحب وربات الزمن لا يتلاقون في مكان واحد، فإذا شغل الحب موضعاً فزمنه الزمن، وإذا خلا موضع من الحب تمطي به الوقت وتطاولت فيه الساعات. وجلسا في تلك اللحظة وقد تعاقدا بالأيدي، وتجاذبا بالنظر فكأنهما يعالجان التنويم المغناطيسي، أو كأن كلاً منهما قد جمع روحه في عينيه لتتعرف من وجه صاحبه روحاً لقيتها في عالم الذر، فيطول أمد النظرة لطول العهد، ثم تختم بقبلة لا يدريان أهي راحة

стр. 650

الذاكرة من هذا الإمعان والاستقصاء. أم هي بين الروحين تصافح المعرفة واللقاء. فلما رأتهما مريم على هذه الحال، تضرمت في نفسها شعلة الصبا، وسرت في عروقها حميا الهوى، فقالت ليت لي عاشقاً!! قلت أو تعشقين؟؟ قالت ولم لا؟؟ بل إني لعاشقة الساعة. وكأنني أجد نفسي بين يدي فتى أجلس منه مجلس هذه الفتاة من ذلك الفتى، وإننا نتلاحظ كما يتلاحظان، ونتعانق كما يتعانقان، ونقطف من زهر المنى في روض الهوى مثلما يقطفان قلت فاذهبي إلى عين الشمس. . . فهنالك تجدين عياناً ما تتوهمين خيالاً. واستقبلي عصاري اليوم في وديانها حبيبك المأمول ونعيمك المعسول. وكان الأعور قد جاء بالفتى الأنسى وأرصده من منعطفات عين شمس بحيث أمرته. فوقف يتشاغل بالصفير ويغازل الغاديات والرائحات أما هذا الفتى فهو ممن طمست على بصائرهم وأضللت ألبابهم، وطوحت بهم في الفساد إلى حيث لا يبلغ صوت الضمير أو نداء الوجدان، فأصبح كسول النفس، بارد القلب، لا يخف إلى غير المخازي، ولا يرتاح إلى حديث في غير الشراب والنساء، ولا يرى إلا أن العالم حان أو ماخور. وذهبت مريم إلى أمها فاستأذنتها في الخروج أصيل ذلك اليوم، وكانت أمها تخاف عليها مغبة ما بها من الكمد وتشفق أن تتلاشى نفسها غماً من غدر خطيبها، وانصرافه عنها إلى صاحبتها، فكرهت أن تجمع عليها بين ضيق الصدر وضيق الأسر، فأذنت لها ونادت بالخصي جوهر ليصحبها إلى حيث تشاء. ولم يبق الأرَيْم من النهار فنوردت الشمس وتزينت مريم بأحسن زينتها وبرزت تتهادى في الطريق كأنها طاقة الزهر تترك بعدها عبقاً في حينما صافحت الهواء. وطفقت كلما نقلت قد ما سمعت كلمة إطراء وغزل، وكلما أرسلت نظرة تعثرت في نظرات المقل، وهي ترى ذلك وتسمعه ولا تعيره نظراً أو سمعاً. وإنها لكذلك حائرة النظر، مشردة النفس بين الغرابة والخجل. إذ رمقت الفتى على قرب. فرأت قواماً قويماً، ومشية رشيقة ووجهاً تشرق فيه بشاشة الصبا، وفما تبتسم فيه الملاحة، وعينين ألاّقتين كأنما تضاحكان الضياء. فأحست كأن طائراً نض جناحيه بين جوانحها، ومشت قبالته وهي

стр. 651

تنجذب إلى ناحيته على غير عمد، وقد علمت أنها ستسمع من ذلك الفم الجميل ما قد سمعت من أولئك الثراثرة المتعشقين. فخفق قلبها وتوهج خداها. وإذا هي على قيد باع منه، فسمعت صوتاً رخيماً ولكنها لم تتبين ما قال. وحاولت أن تنحرف عنه فخانتها قدماها. ثم همت أن تنظر إليه فلم تطعها عيناها. ورأى الفتى ترددها ووجومها فأقبل عليها بكياسة الأمراء، وقال بلباقة الخطباء: ألست أنا أولى بمصاحبة هذا الملك السماوي من ذلك العبد الأدلم؟؟ وأشار إلى الخصي جوهر - وكان على بعد يحادث بعض أصحابه - فضحكت. وأدارت عينيها إليه ولكنها لم تلبث أن إدارتهما عنه. وما كان فتاي ليجهل أن أعراض الخجل والدلال إنما هو عين الإقبال؟ وإن انثناء الروعة إنما هو هزيمة في هذا المجال، فأسرع إليها بجرأة أفادته إياها ممارسة هذه المواقف. وأمسك يدها وهي ترتجف بين يديه. وأذهلتها هذه المفاجأة فلبثت هنيهة يخيل لها أنها تتأهب للحركة ولا تتحرك، وأنها تنبس بالكلام ولا تتكلم. كأن القلب الذي يوحى إليها الكلام والاعتزام قد طار منها في ملكوت الحب والهيام. فلم يبق منها إلا بصر شاخص كما ينظر الصبي في أثر العصفور أفلت من يده وإلا بدن مستسلم كأنه بين راحتي الكرى. وأدركهما جوهر وهما على هذه الحالة. فأرسل يدها وأفاقت إلى نفسها وهي تقول: وا فضيحتاه! هذا جوهر أغا!! وسمعاه يحر نجم ويطمطم بما لا يفهمانه. وكأن كلماته من اللكنة والعجمة أصوات بغير حروف. ثم قال: عيب يا بك! لا يليق بك أن تتهجم على الحرائر في قارعة الطريق! وليست هذه من أولئك اللائي تعرفهن!!. . . . فاستقبله الفتى باسماً. وقال بما يعهد في هؤلاء الفتيان من الظرف وتزويق الكلام: سامحك الله يا أبي جوهر. فقد بالغت في إساءة الظن بنا. ولسنا نحن كما ظننت من السوقة الهمل. ولكننا أبناء قوم كرام والحمد لله. وأنت تعلم أن الآنسة أبعد من أن تكون مظنة ريبة لا سيما وهي ربيبتك وفتاتك ووالله ما كنت لا تصدي لمحادثَتها لولا أنها زميلة أختي في المدرسة، وأنها كانت تزورها في منزلنا فعرفَها وعرفتني هناك وامتد بينهما الاستسماح والاعتذار ثم دس في يده ديناراً أطال عهد الخصى بأمثاله، فطار له لبه وقال: وإلى أين تذهبان الساعة؟؟

стр. 652

قال: نتمشى قليلاً حول هذه الحدائق ثم نعود. قال إذن أدع الآنسة في صيانتك ريثما أذهب إلى هذه القهوة ثم ألحق بكما بعد ذلك. قال مع السلامة! وكذلك تصنع الدنانير والدراهم. فإنها - بارك الله لي فيها - قد سكها الناس ليجعلوها ثمناً لما تتداوله أيديهم من متاع الدنيا. فما زلت بهم حتى اشتروا بها المحاسن والمواهب، والأعراض والمذاهب. بل حتى لقد جعلتها في أيدي بعض الناس ثمناً للفردوس وبراءة من النار. فما شعر الزنجي بالدينار في كفه حتى رأيته كأنما قد انعكس بريقه على وجهه، واعتدل ما التوى من خراطيمه. ثم تذكر موائد القمار وقد ودعها منذ سنين، فحن إليها وذهب يمتع نفسه باللعب، وهو حظ الخصيان من الدنيا ولذتهم فيها، بعد الطعام والشراب. أما أنا فقد استدرجت الفتى والفتاة إلى حيث اختليا في بعض تلك الأماكن المنزوية عن الأنظار. . . ثم مضيت في سبيلي. عادت مريم وهي لا تطيق الصبر يوماً عن عين شمس. ولذت رنات الذهب والفضة للخصى فأصبح يشتاق تلك النغمة كل أصيل. فإذا تأخرت آنسته عن الموعد قليلاً صعد إليها مستعجلاً. حتى خامر الشك قلب الأم. فأبت عليها الخروج يوماً وما نعتها يوماً ثانياً وأغلظت لها يوماً ثالثاً. ولكنها انتظرت في اليوم الرابع على مضض، وألظ بها القلق فلبثت تتحرق حيرة وشوقاً. إلى أن حان موعد العصر فعزمت على موافاة عاشقها - سمحت أمها أم لم تسمح - فبينما هي تتهيأ للخروج قابلتها أمها فاستغربت منها هذه الجرأة. وقالت إلى أين يا مريم؟؟ قالت: إلى عين شمس!! قالت: ألست تعلمين أنني أخاف عليك من هذه المدينة المشؤمة؟؟ قالت: أما أنا فأعلم أنه لا خوف عليَّ منها. . . قالت: حسناً ولكنني لا أريد أن تذهبي إليها قالت: ولكنني أريد ذلك. . . ألست حرة فيما أريد؟؟ هذه هي الكلمة الجديدة التي تعلمتها الفتاة. وكانت تعرفها من قبل، ولكن كلمة الحرية لم تكن تؤدي في قاموس الطفولة معنى عقوق الأم الرؤم، وإيلام ذلك الحنان الطاهر.

стр. 653

ألست حرة فيما أريد. . .؟؟ نعم أيتها الفتاة أنت حرة فيما تريدين. . .!! وكل فتاة حرة أيضاً. . . . هكذا قال فلاسفة الحرية أكثر الله من أمثالهم. إن حرية النساء مبدأ قويم، ولكن في الهيئة الاجتماعية منعرجات ومنعطفات لا تنطبق عليها المبادئ، القويمة إلا إذا التوت عندها بعض الالتواء، وليس من شأن الشريعة أن تجد مواضع هذا الالتواء، فإن الشرائع العامة لا تضع إلا القواعد العامة، وإنما هو من عمل البيئة والعائلة. وما دامت هذه الأزقة في الهيئة الاجتماعية فالمبادئ القويمة لا تخترقها كلها. فلا زال الحكماء يرسمون هذه المبادئ لإصلاح الناس فتتخذها نحن ذريعة إلى إفسادهم في بعض الأحايين. . . .

стр. 654

نوابغ العالم ابن الرومي (تابع) بقلم الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني لا ريب إن كثيراً من فصول هذه الرواية الإنسانية قد استسر خبرها، وأمحى أثرها، وأصبح عند الله علمها، ولكن ذلك لم يغلل أيدي الناس عن التنقيب والبحث، ولم يحل بينهم وبين ما يرومون من تفحّص أخبار الإنسان، والمبالغة في استخبار آثار عنه، وإن كانوا بعدُ لم يتمكنوا من الحجة، ولم يجدوا رائحة الكفاية، ولا ثلجوا ببرد اليقين،. . ألا ترى الناس على عجزهم الظاهر، وقصورهم البادي عن الإفضاء إلى حقيقة الأمر لا يزالون يجمعون ما تصل إليه أيديهم من آثار أبطال العالم وعظمائه، وإن كانت في ذاتها تافهة لا قيمة لها ولا وزن، علّهم يستشفون منها نفوسهم، ويستجلون أحلامهم وهواجسهم؟، إلا أنا اليوم على قلة الوسائل، ونزارة الذرائع، وضعف الأسباب، أفطن لمعاني العظمة والبطولة في الإنسان وأشد إدراكاً، وأحسن في الجملة تقديراً لها من أسلافنا. . فإنهم وإن كانوا قد رفعوا أبطالهم إلى مراتب الآلهة، ومنزل الأرباب، غير أن الناقد المتأمل ليجد في عبادتهم هذه شيئاً من خشونة حياتهم، وشظف عيشهم، ولكنا اليوم وإن كنا لا نسكن عظماءنا جبال (أولمب) أو (ولهلا) ولا نعتقد أن الشمس من مظاهر (أو رمزد) غير أنا على ذلك ألطف حساً، وأصفى نفساً، وأصح نظراً، وأوسع إدراكاً، وأحسن انتفاعاً. . وليس معنى هذا أن آباءنا كانوا لا يفطنون للعظمة والبطولة ولكن معناه أن صلتهم بعظمائهم ونسبتهم إليهم كانتا على غير ما ينبغي أن تكونا، ولو نحن أردنا أن نثبت ذلك من طريق البرهان القيم، والدليل المقنع، لا حوجنا ذلك إلى التطويل، وإلى تكلف ما لا يجب، وإضاعة ما يجب، ولكنا نستغني بالاختصار عن التطويل، وبالإجمال عن التفصيل، ثقة منا واستيقاناً بأنها مسألة يجلوها أيسر النظر، ويكشفها أهون التأمل. الإنسان مطبوع على الإيمان بالعظيم إيمانه بالحياة، وليس ثمة ما يعين على احتمال الحياة، ويجلى من وحشتها مثل هذا الإيمان، لأن العظيم في كل عصر كوكبه اللامع، ونبراسه الساطع، وبدره الزاهر، وبحره الزاخر، وليت شعرى هل الناس لولا العظماء الأجبال من

стр. 655

النمال، أو تلال من الذباب؟؟ وكما أن الوردة لا يعييها أن تسطعك تفتحها، ويتثوّر إلى أنفك نسيمها، والجميل لا يشق عليه أن يتمثل لعينك حسنه، وترتسم في قلبك ملاحته، كذلك لا يرهق العظيم أن يسوغك من صفاته، ويضفى عليك مما أفاض الله عليه، وأسني له، وآثره به، ولكن ذلك لا يتهيأ حتى يكون بينه وبين الناس اتصال، وله إليهم انتساب وانتماء، وحتى يحس الناس أنهم واجدون عنده ما يحبون وبالغون منه ما يطلبون،. . فإن من الناس من يسدي إليك مالا حاجة بك إليه، أو يجيبك إلى ما لم تسأله، وهذا لا طائل وراءه، ولا ثمرة عنده، ولا خير فيه، وإنما العظيم من فطن إلى حاجة الناس فسدها، وأدرك مواضع الافتقار والضعف فراشها، ومن عرف موضعه وبلغ الناس ما في نفوسهم، وأمكنهم مما يطلبون. وليس يخطيء العظيم موضعه، أو يخفى عليه موقعه، لأنه كالنهر يحفر لنفسه مجراه، ويكوّن له ميلاً أينما تحدر، وأنت فإذا رجعت إلى نفسك ونظرت في تاريخ العصور التي ظهر فيها العظماء علمت علماً يأبي أن يكون للشك فيه نصيب، وللتوقف نحوك مذهب أن العظيم لا يظهر في عصر إلا إذا كانت الحاجة إليه ماسة، والافتقار إلى مثله شديداً، وأنه لو لم تلد آمنة محمداً ﷺ لولده غيرها من نساء العرب، ولو لم يهرب شكسبير من بلده إلى لندره لنبغ من غيره هذا الشعر الذي تقرأ له اليوم، ولا يقنت أن العصر الواحد قد لا يسع أكثر من عظيم واحد، أو هو يسعه ويسع نقيضه في مذهبه، وعكسه في منزعه. وكما أن النبات يحول معادن الأرض غذاء صالحاً للحيوان، كذلك العظيم يتناول الطبيعة فيستخدمها ويجيء الناس منها برجعة صالحة، والطبيعة إذا صادفت كفؤاً حقيقاً بها، ووالياً مطيقاً لها. وناهضاً مستقلاً بأعبائها أضفت عليه ملابسها، وكشفت له عن نفائسها، وأما علت عن سرها الحجب، ونقت عنه معتلج الريب، وكانت له رائداً فيما يطلب، وهادياً حيث يؤم ويذهب، فإنما تفضح الطبيعة عن مضمونها، وتظهر مكنونها، لمن تعرف فيه القدرة على فهمها وتوسعها من معاريض رموزها، واستشفافها من وراء لئامها. وتظن فيه الإيفاء في الوفاء. وتستشعر فيه الأبرار في الحفاظ، فإن دقائق الطبيعة وأسرارها، وخصائص معانيها، ليست مبذولة لكل أحد، ولا مذللة لكل من يبسط لها كفها، أو يرفع إليها طره، ولكن لمن إذاً ما نظر كان وما ينظر شيئاً أحداً، فإن الشيء لا يعرفه إلا شبيهه، ولا

стр. 656

يحيط به إلا ضريبه أو ما فيه منه شناشن، كما يعرف الحديد الحديد ويجتذبه إليه، والإنسان من طينة الأرض فليس ينسى منبته. أو تختفي عليه طينته وجرثومته والطبيعة كتاب مطوى تعلن منه في كل عصر صحائف يتلوها على الناس أناس هدوا إليها، ودلوا عليها، وكشف لهم عنها، ورفعت الحجب بينهم وبينها، وكما أن الماء إذا بلغت حرارته المائة لم يزده إلحاح النار شيئاً، واستوي عند هذه الدرجة كل ماء، كذلك لعظمة الإنسان غاية ليس وراءها زيادة لمتزيد، ولا فوقها مرتقى لهمة، يستوي عندها كل من بلغها. ترى في كل عصر ثلاثة من العظماء أو أربعة يحاولون أن يبلغوا هذه الغاية ويرتقوا إلى هذه النهاية، والناس من حولهم يرمونهم بعيونهم، ويتبعونهم بأبصارهم، وهم مجدون في الأصعاد، مندفعون في التوقل، لا يكترثون لم نظر ولا لمن لم ينظر، ولا يبالون بما يعترضهم في سبيلهم، حتى تتعاظم أحدهم عقبة فيَهِن، ويتعلل بأن لو كان على الجهد مزيد لبلغه، ويثبط الثاني تعاقب الموانع، وتواصل العقل، فينكل عما شمر له، والناس بين مبتئس له عاذر، وضاحك به ساخر، ويمضي الآخران حتى تكتنفهما السحب، ويغيبا عن عيون الناس، وترمقهما النسور، ثم يشتد البرد، ويعظم الخطب، وتثور الرياح، وتهيج العواصف، ويتوعر المرتقى، وتنصدع الأرض فيهوي أحدهما، والمجد خوان وغرار، وينطلق الآخر متخطياً رقاب الموانع، مذللاً ظهور العوائق، بين بروق السحاب ورعودها، وثورة العواصف وهجودها حتى ينتهي إلى الغاية، ويبلغ النهاية، فيصافح كونفوشيوس، وبوذا، وموسى، وعيسى، ومحمداً، وهومر، وشكسبير، وابن الرومي وغيرهم ممن لا حاجة بنا إلى حصرهم. وهنا شبهة ضعيفة عسى أن يتعلق بها متعلق ممن لا ينظرون إلى أبعد من أنوفهم، ولا يفوتون أطراف بنانهم، وهي أن يدعي أني قد أسرفت في القول، وجاوزت الحد فيما زعمت من أن للعظمة غاية لا مزيد عليها، ولا متجاوز وراءها، وأن من بلغها من العظماء متكافئون في المزية لا فاضل بينهم ولا مفضول. وهي شبهة سائرة على الأفواه، وإنما دخل الغلط على الناس فيها من جهة حسبانهم أن العظمة تقاس كما تقاس الأرض طولاً وعرضاً وتحد كما تحد الدار شرقاً وغرباً، وخلطهم بين ما يحتمل النسبة والقياس وما لا يحتملهما، ونسيانهم أن الشاعر الفحل مثلاً لا يخمل أخاه الفحل، إذا أخمل العالم العالم، وأنه

стр. 657

وإن كان كل روائي مديناً (لهومر) إلا أن هذا ليس بمانع أن يدرك شأوه أحد من غير أن يزري به، كما أزري (جاليليو) بدائنه (متزو) وكما أزري (كبلر) (بجاليليو) و (ديكارت) بالجميع وإنما كان هذا كذلك لأن العلم لا يقف عند حد، ولا يطمئن إلى حال فهو أبداً في تقدم، ولعل خير الكتب العلمية أحدثها، فالجديد منها ينسخ القديم، والمتأخر من العلماء يبني على ما أسس المتقدمون، ويشيد على ما وضع الأولون، والأصل في كل شيء أن يزيد ويقوى ويتقدم، ولكن جمال الشعر في أنه ليس قابلاً لشيء من ذلك، لأنه ابن الإرادة، ولأن العلم اكتسابي والشعر وحي وإلهام، فإن امتريت في هذا فأرجع البصر في القرون الخالية هل ترى شكسبير غض من دانتي، أو دانتي من هومر؟ وليس معنى هذا أن الشعر جامد لا يطرأ عليه تغير، ولا يلحقه تحول، وإنما معناه أنه يتحول ولا يتقدم، فإن شعر أبي تمام غير شعر المتنبي وإن كانت الأغراض واحدة، ولا الثاني بعد لا يفضل الأول ولا الأول الثاني. . ولكن ما عسي دهشة صولون تكون إذا علم أنّا لا نعتمد اليوم في حساب السنة على القمر، أو زينون إذا رآنا نسخر من قوله أن الروح مقسمة إلى ثمانية أجزاء، أو أفلاطون وهو من تعلم إذا قيل له أن ماء البحر لا يشفى كل داء، أو أبيقور إذا علم أن المادة تتجزأ إلى مالا نهاية له من الأجزاء، أو أرسططاليس إذا قيل له أن خامس العناصر ليس له حركة كروية، لأنه ليس ثمة عنصر خامس، أو أيمنيد إذا علم أن اختلاط الشاء والنعم بيضائها بسودائها وتقديم بعضها قرباناً للألهة لا ينفع من الطاعون ولا غيره، أو كريسباس إذا قيل له أن الأرض ليست سطحاوان الكون ليس مستديراً محدوداً، وأن لحم الإنسان خير طعام للإنسان، وأن الأب لا ينبغي أن يتزوج من ابنته، وأنه رب كلمة لا تقتل الحية ولا تذلل الدب، ولا توقف النسور في الجو، وأنه وإن كان سيف (جوبتر) مصنوعاً من خشب السروفليس يجب من أجل ذلك أن لا يصنع النعش منه، وأن العنقاء لا تعيش في النار ولا في غيرها، وأن الهواء لا يحمل الأرض كما تحمل العربة الأثقال، وأن الشمس لا تشرب من البحر ولا القمر من الأنهار، وأنه لا يعرف شيئاً وإن كان أهل (أثينا) قد نصبوا له تمثالاً نقشوا عليه: إلى كريسباس الذي يعرف كل شيء.

стр. 658

أما في الشعر فالأمر على خلاف ذلك، لأن الآتي لا يفوق الفائت، ولكن يبلغ شأوه، ولا خوف على متقدم من متأخر، فإن المتنبي لم يخمل اسم النابغة، ولا صغر المعري قدر البحتري، ولا أنزل الشريف من رتبة ابن هانئ، ولا ابن الرومي من بشار، ولقد أعجبتني كلمة كتبها (جويتى) إلى معاصره (شيلر) قال: لقد عادت النفس فحدثتني أن أجعل قصة (وليام تل) ملحمة شعرية، ولست أخشى على من روايتك، ولا بأس عليك مني ولا بأس عليَّ منك. وهذا صحيح لأن الشعراء لا يركب بعضهم أكتاف بعض ولا يدفن بعضهم بعضاً ويمشي ... أواخرهم على هام الأوالي وليس الأصل في الشعر التقليد والحكاية والطبع على غرار من سبق، إذ لو كان هذا كذلك لاستوجب ذلك أن يظهر الفحول من مثل هومر وشكسبير وابن الرومي في آخر العصور ولا في أولها، ولكنك ترى الشعر في جاهلية الأمم وبداوتها كالشعر في حضارتها، لطف تخيل، ودقة معنى، وسداد مسلك، وقصداً للغاية، لأن شاعرية الإنسان لا يلحقها نقصان، ولا يعروها فتور في عصر من العصور، كالبحر، وليس يزيد البحر صوب الغمام، ولا يضيره احتباس الغيث، وأنت فلا يغرنك ما ترى من الكلال في الأوقات، والضعف في الأحيان، فإن المدّ في جهة يستلزم الجزر في أخرى،. . وكما أن البحر إمّا جاش يبثك ما في صدره مرة واحدة، ويفيض لك بجميع سره موجه الملتطم، وأذيه المصطفق، ولجه المربد، وثَبَجُه المغبر، كذلك يستريح إليك الشعراء بمكنون سر النفس الإنسانية، وباطن أمرها، ويفرشونك ظهرها وبطنها، في كل عصر، وكتتابع الأمواج تتابع الشعراء: تسكن الإلياذة فتثور (الرومانسيرو) ويرسب الإنجيل فيطفو القرآن، وتأتي بعد نسيم النواسى زوبعة ابن الرومي وبعد صبا البحتري صرصر المعري،. . . ورب مستفسر يقول إذا كان هناك كذلك أفليس كل واحد صورة معادة لمن سبقه وهذا خطأ وهو أيضاً صواب فإن الشعراء جميعاً أشكال متشابهون على أنهم بعد يتفاوتون التفاوت الشديد، فالنفس واحد، والأصوات مختلفة، والقلوب متطابقة، والأرواح متباينة، وكل شاعر يطبع الشعر بطابعه ويسمه بميسمه. كذلك الرياح نسيم وعواصف، وصرصر وحرور، وهي بعد كلها رياح،. . والأيام سبت

стр. 659

وأحد واثنين ولكل يوم حوادثه ومميزاته وهي بعد كلها أيام، والشعراء هومر وفرجيل وشكسبير وابن الرومي والمتنبي ولكل صفته التي تميز بها وهم بعد كلهم شعراء وكلهم هومر وكلهم شكسبير وكلهم ابن الرومي. وبعد فأنا كما يعلم القارئ مما أسلفنا عليه القول في صدر كلامنا على البطولة لا نرى رأي كارليل الذي بسطه في كتاب الأبطال وعبادة البطولة حيث يقول هذه حقائق كان الأقدمون أسرع إلى إدراكها منا نحن. . . . . . . . كانوا بدلاً من اللغو واللغط في شأن الكائنات ينظرون إليها وجهاً لوجه والروع والإجلال حشو قلوبهم أولئك كانوا أفهم لآيات الله في كونه وأدرك لسر الله في عبيده - كانوا يعرفون كيف يعبدون الطبيعة وأحسن من ذلك كيف يعبدون الإنسان!. بيد أننا لم نذهب إلى أن الأقدمين كانوا أضعف منا إدراكاً للعظمة والبطولة ولا أقل فطنة لمعانيهما ولا أبطأ حساً، وإنما قلنا إنا أحسن تقديراً لهذه المعاني منهم، وأقل غلواً وأدق استشفافاً لها واستبطاناً لكنهها وهذا مالا ينكره علينا كارليل في كتابه الذي أشرنا إليه، فإن الناظر في كتاب الأبطال يعرف من تبويبه وتنسيق فصوله كيف تطور معنى البطولة كما تطور كل شيء في العالم، وكيف أن الإنسان كان في بادئ الأمر يعبد الأبطال ثم عرف أن الألوهية ليست للإنسان، وهنا مسألة عجيبة الأمر لطيفة المأخذ وهي أن الأنبياء هم أول من صرف الناس عن عبادة الناس وصححوا أخطأهم في ذلك وكسروا من غلوائهم وأقاموهم على طريقة هي لا ريب أمثل وأفضل، ثم أدرك الناس بعد ذلك أن البطولة ليست قاصرة على الأنبياء وأنهم لم يختصوا بها وحدهم دون غيرهم وأنه رب قسيس كلوثر هو في المنزلة الأولى بين الأبطال ثم فطنوا إلى أن الأنبياء والقساوسة ليسوا كل العظماء وأن الشاعر عظيم والفيلسوف عظيم والملك عظيم، فهل يدعي بعد ذلك أحد أنّا اليوم لسنا أوسع من الأقدمين مجال فكر وأبعد مرمى نظر وأننا لسنا أفطن للعظمة في جميع مظاهرها؟ ثم ألست ترى كيف أن الأقدمين كانوا يتوجهون إلى العظماء بقلوبهم دون عقولهم وإنّا نتوجه إليهم بقلوبنا وعقولنا معاً! وبعد فإن مجال الكلام ذو سعة، ونحن نخشى أن يطول عنان القول ويمتد بنا نفس الكلام فنخرج عما قصدنا إليه ولحسبنا هذه المقدمة الوجيزة. وإن كنا لم نستوعب فيها أطراف

стр. 660

الموضوع وأغراضه المتشعبة ولكنا حريون أن لا نمتحن صبر القارئ وأن ندخره لما يأتي،. .

стр. 661

ثورة النفس أرسل الأديب عبد الرحمن شكري إلى صديقيه الأديبين عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني قصيدة بهذا العنوان من القافية المزدوجة فأجاباه كل بقصيدة من القافية والبحر وهذه هي القصائد الثلاث: قال شكري: للنفس في بعض الأحايين ثورة ... يكاد لها جسم الفتى يتمزق فيا نفس كم تبغين ما ليس حادثاً ... وحتام آمالي لديك تحرق هياج كما هاجت قطاة تعلقت ... بأحبولة الصياد إذ ليس مهرب أما في سكون الليل يا نفس واعظ ... أما في سكون الروض ملهى ومطلب فهل تحسبين نائماً كلَّ ساكن ... وهل تحسبين ميتاً كل هاجع نعم إن للشلال روعاً وهيبة ... ورب جلال للعواصف رائع نعم للرياح الهوج هول وقسوة ... وللبحر أمواج تهيج فتحرب أغرك من هذي الطبيعة أنها ... تثور فلا يقوى عليها المغلب وما أحسب اليمّ الخضم بثائر ... إذا كان هذا اليم يشقى ويألم وما القلب إلا لوعة تأكل الحشا ... وما الجسم إلا ذلك اللحم والدم نعم أنت فيما تبغضين مصيبة ... ويا حسن ما تبغين من خير مطلب ويا حسن ما تملى الخيالات أنها ... حلّى على جيد من الدهر أجرب تريدين أن الجسم يغدو كأنما ... يضيء به منك الضياء المحجب إذاً لأراقت كل نفس ضياءها ... على ظلمة للعيش والعيش غيهب سأبذل جهدي في تعلم رقصة ... لأرقصها إن الحوادث تطرب فيا نفس قومي فارقصي في جوانحي ... كما رقص المجنون يهذي ويلعب فلا تعذلوني إن لليأس رقصة ... تعلمها المحزون من نشوة الأسى وللنفس آهات من اليأس والجوى ... تحقر آهات الأناشيد والهوى فيا ليت أني في فم البرق كامن ... فيودعه الأشجانَ قلب معذب ويا ليت أني مثل (زوس) مسيطر ... على الرعدان يغضب كذا الرعد يغضب ولكنني أما صرخت كصارخ ... غريق له صوت من الماء خافت

стр. 662

ورب بليغ راجح الرأي والحجا ... ولكنه بين الحوادث صامت وقال العقاد: شكوتَ الذي أشكوه فاعلم بأنني ... وجدت من الأيام ما أنت واجد أضر بعيني النقع حتى حسبتني ... أكابد وحدي في الوغى وأجاهد أتحسب أن اليمّ يسكن إن شكا ... نظائر ما نشكوه من الثوران ولو كان يلقى ما نلاقي من الأذى ... لطاف على الأرضين بالفيضان أهابت بنفسي وثبة بعد وثبة ... كما نهض الرئبال لم يرأم الأسرا وقد روضّها الحادثات فأخلدت ... إلى القيد حتى ما تهم به كسراً لقد كنت أرجو في الحياة لبانة ... فعدت ومالي في الحياة رجاء وكنت أظن الناس إلا أقلهم ... كراماً إذا هم كلهم لؤماء وكان خيالي في السماء محلقاً ... فهاض جناحيه الزمان المغرر إذا استل منه ريشة بعد ريشة ... جرى دمه في أزهار يتحدر وكنت إذا هبّ الرجاء ابتدرته ... وساورت تيار الحياة بلا جدوى فأسلمت نفسي للزمان فأشبهت ... سواحله الخضراء أغواره القصوى عجيب من الدنيا توالى صروفها ... وأعجب منه حبنا لدوامها هو العيش داء والنفوس مريضة ... ولكنها تأبى شفاء سقامها إذا جهل المرء الحياة أحبها ... وقد يعشق الإنسان ما ليس ينظر يشوّقنا من يحجب الشك حسنه ... وقد نؤثر السلوان ساعة يسفر يلذ لنا مطل الرجاء كأنه ... حبيب يروق المطل منه ويعجب ونعرض عن صدق القنوط لأنه ... عبوس المحبة شاحب الوجه أشيب على أنني أحيا كأني عائش ... لغيري فلا نفعاً أُصيب ولا ضرا وقد كنت أُزْهَى بالأمور فإنني ... لأخجل مما كنت أزهي به دهراً وآدم في الفردوس ما زال عارياً ... يهش لريحان النعيم ويقطف فلما جنى غرس الحقيقة راعه ... من الأمر ما قد كان من قبل يألف أصوغ على ضرب الحوادث نغمة ... وليس لأنغام الزمان تناسب

стр. 663

فأرقص محزوناً وأرقص راضياً ... وأُرقص هذا الكون والكون غاضب يجيش ضميري بالهموم فتغتدي ... سواكن هذا الملك وهي تمور إذا شبت النيران باتت ظلالها ... تميل على جدرانها وتدور فيا ويح للنفس التي يكبرونها ... وأكبر منها في البقاء الجوامد أيشعلها قوت ويطفئ نارها ... نسيم سري من عالم الموت بارد أتشرق حتى يملأ الكون نورها ... وتخمد حتى في ضريح تغيّب سراج ولكن ما احتمى أن يدوسه ... من الموت طفل بالعوالم يلعب كذاك ترى المصباح ينشر حوله ... أشعة نور لا يحيط بها الطرف فإن حطمته الكف آض زجاجة ... مفرقة الأجزاء تحملها الكف ولو أن بالإنسان جسماً كروحه ... وكان سواء بطشه ومواهبه لنادي الضحى قف يا نهار فلم يسر ... ونادي الدجى هيا فسالت غياهبه وقال المازني: أخا ثقتي كم ثارت النفس ثورة ... تكلفني مالا أطيق من المض وهل أنا إلا رب صدر إذا غلا ... شعرت بمثل السهم من شدة النبض لبست رداء الدهر عشرين حجة ... وثنتين يا شوقي إلى خلع ذا البرد عزوفاً عن الدنيا ومن لم يجد بها ... مراداً لآمال تعلل بالزهد تراغمني الأحداث حتى إخالني ... وجدت على كره من الحدثان فلا هي تصمي القلب مني إذا رمت ... ولا ترعوي يوماً عن الشنآن أبيت كأن القلب كهف مهدم ... برأس منيف فيه للريح ملعب أو أني في بحر الحوادث صخرة ... تناطحها الأمواج وهي تقلب أدور بعين حيّر العيش لحظها ... وأرجعها محمرة كالشقائق كأن فؤادي بين شجو وترحة ... أديم تفريه أكف الخوالق أكن غليلي في فؤادي ولا أرى ... سبيلاً إلى إطفاء حر جوى الصدر أعالج نفساً أكبر الظن أنها ... ستذهب أنفاساً أحراراً على الدهر إذا اغتمضت عيناي فالقلب ساهر ... يظل طويل الليل يرعى ويرصد

стр. 664

وما إن تنام العين لكن أخالها ... تدير بقلبي نظرة حين أرقد وهل نافعي أن الرياض حَليّة ... منورة النوار هادلة الطير وما فرحي أن الرياح رواقد ... إذا كنت سهران الفؤاد مدى الدهر نسيم يرد النفس حيناً لناشق ... وأي أوام بعده وأوار تطول ظلال النبت والشمس طفلة ... فإن هي جدت صرن جد قصار سأقضي حياتي ثائر النفس هائجاً ... ومن أين لي عن ذاك معدى ومذهب على قدر عرفان الحياة شقاؤنا ... وللسعد جو بالبلادة مشرب خليلي مهلاً بارك الله فيكما ... فما في سكون الليل يستثير رواقدي وإن سكنت نفسي فليس بضائري ... رياح تجر الذيل حولي وتعصف فليس يضير الحوت في البحر إنه ... يهيج وإن الموج يطغي ويعنف

стр. 665

فصل من كتاب سر تطور الأمم ننشر هنا الفصل الأخير من كتاب سر تطور الأمم الذي عني بنقله إلى العربية شيخ الكتاب الاجتماعيين في مصر العالم أحمد فتحي زغلول باشا - وهذا الفصل هو كالفهرس لسائر أبواب الكتاب وموضوعاته وبقراءته يلم القارئ بنظريات هذا الكتاب إلماماً. قال: لكل أمة خواص نفسية ثابتة خواصها الجسمية تقريباً. والنوع النفسي كالنوع الجسمي أي المادي لا يتغير إلا على طول السنين ومر الأجيال. يوجد بجانب الخواص النفسية الثابتة الوراثية التي يتكون منها المزاج العقلي لكل أمة خواص ثانوية تنشأ من تغيرات البيئة وتتجدد على الدوام فيخيل لذلك أن الأمة في تحول مستمر كبير. المزاج العقلي لكل أمة هو خلاصة أفرادها الأحياء وأسلافهم الذين كونوها. فالشأن الأول في حياة الأمم للأموات لا للأحياء لأنهم هم الذين خلقوا شعورها الأدبي وهيأوا الأسباب البعيدة في سيرها. تمتاز الأمم بعضها عن بعض بفروق كما امتازت بفروق نوعية. والأولى ملازمة للثانية. والفرق ضعيف بين أفراد المثال الوسط في أمة ومثلهم في أمة أخرى وعظيم جداً بين أفراد الطبقات الراقية. ومن هذه المقارنة يتبين أن الفارق بين الأمم الراقية وبين الأمم المنحطة هو في احتواء الأولى عدداً غير قليل من ذوي العقول الكبيرة وفي أن ذلك غير موجود في الثانية. يتساوى أفراد الأمة المنحطة فيما بينهم مساواة واضحة وكلما ارتقت الأمة وجدث الفروق بينهم. فأثر الحضارة الذي لا بد منه هو إيجاد الفروق بين الأمم وبين الأفراد وعليه فهي سائرة نحو التفاوت لا نحو المساواة. حياة الأمة ومظاهر حضارتها مرآة روحها تدل على أمر خفي لكنه موجود. فالحوادث الخارجية أثر ظاهر النسيج خفى هو الفعال. ليس الشأن الأول في حياة الأمم للاتفاق ولا للأحوال الخارجية ولا للنظامات السياسية على الأخص بل لخلق كل أمة. لما كانت عناصر مدنية كل أمة هي للدلالة الخارجية على مزاجها العقلي أعني ممثلة حال تلك الأمة من حيث الكيفية الخاصة بها في شعورها بالمحسوسات وتصورها إياها فمن

стр. 666

المتعذر نقل تلك العناصر إلى أمة أخرى من دون تغيير فيها. وإنما الذي يمكن نقله هي الصورة الظاهرة السطحية التي لا قيمة لها. اختلاف المزاج العقلي بحسب الأمم يجعل كل واحدة تتصور الوجود بصورة خاصة فهي إذن تختلف في الحس والعقل والعمل. ويقوم النزاع بينها على جميع المسائل متى احتكت ببعضها. وهذا التنازع هو سبب جميع الحروب المدونة في التاريخ. فحروب الفتح والحروب الدينية وحروب العائلات المالكة كلها في الحقيقة حروب جنسية لا يتكون من مجموع أفراد مختلفي الأصل شعب مستقل. أعني أنهم لا يكون لهم روح يشتركون فيها كلهم إلا إذا كثر تبادل النسل بينهم مدة طويلة. واتحدت معيشتهم في بيئات متحدة. وصارت مشاعرهم واحدة ومنافعهم مشتركة. ومعتقداتهم عامة لا يكاد يوجد في الأمم المتحضرة شعوب أصلية بل ليس هناك إلا شعوب صناعية تكونت من أحوال تاريخية. لا يؤثر تغيير البيئة تأثيراً شديداً إلا في الشعوب الجديدة أعني التي تكونت من أخلاط شعبية تفككت أخلاقها الموروثة بكثرة التناسل. فلا يفل الوراثة إلا الوراثة. وإذا لم يكن للتناسل من القوة ما يكفي لزعزعة الأخلاق وتشتيتها كان تأثير تغيير البيئة قاصراً على التخريب. وقد يموت الشعب القديم ولا يقبل التغيير الذي تقتضيه ضرورة انطباعه على بيئة جديدة. تبلغ الأمة ذروة مجدها متى تم لها روح قوى قام وتسقط متى تحلل هذا الروح. وأهم العوامل في هذا التحليل دخول عنصر أجنبي في الأمة. تتأثر الأنواع النفسية كالأنواع المادية بالزمان كلاهما يهرم ويموت. وتحتاج كلها في تكوينها إلى زمن طويل. وقد تزول في وقت قصير. إذ يكفي أن تضطرب وظائف أعضائها ليحدث فيها تطور نحو السقوط وقد تكون نتيجة الدمار العاجل. فالأمم تقطع قروناً طوالاً قبل أن يثبت لها مزاج عقلي خاص. وقد تفقده في برهة يسيرة. فالشقة التي تسير فيها إلى الحضارة بعيدة. ومنحدر السقوط قصير غالباً. المبادئ من أهم عوامل الحضارة بعد الخلق ولكنها لا تؤثر إلا بعد أن تتطور على مهل حتى تصير شعوراً وتصبح جزءاً من الخلق نفسه وتخرج بذلك من دائرة البحث والنظر. ولا تزول المبادئ إلا بعد مرور دهر طويل. وكل حضارة ترجع إلى بعض مبادئ أساسية

стр. 667

مسلم بها من الكافة. أهم المبادئ المؤثرة في الحضارة المبادئ الدينية واختلاف الأديان هو السبب البعيد في أعظم حوادث التاريخ. فتاريخ الإنسانية مقترن على الدوام بتاريخ آلهتها. وهؤلاء أبناء خيالنا ولهم مع ذلك سلطان كبير حتى أن تتغير أسمائهم كاف وحده في قلب نظام العالم بأسره. وظهور آلهة جديدة كان على الدوام طليعة لحضارة مقبلة واختفاؤهم كان على الدوام نذيراً بزوال حضارة مدبرة.

стр. 668

أخبار العلم ننشر في هذا الباب كل ما نعثر به في صحائف الغرب من أخبار العلم والمكتشفات وما إلى ذلك من كل ما يفيد قراء البيان ويوقفهم على الحركة العلمية في العالم وهذه طرف من هذا الباب أهداها إلى البيان الكاتب الفاضل السيد صالح بك حمدي حماد. مطارحات علمية ابني نجيب - محصول الذهب في العام الماضي - اللؤلؤ - كارثة الكبتن سكوت - الذباب ومضاره - النساء - تحويل القوة إلى مادة - عيون النبات. من عادة ابني نجيب ذلك الفتى الألمعي إذا قدم من المدرسة أن يلزم مجلسي ويشرع يتصفح ما عندي من المجلات الفرنسية والصحف العلمية وينظر فيها بشوق فخطر لي يوماً أن أختبره فيما يطالع منها فقلت له وأنا أبتسم: ـ لعلك يا بني تفيد من هذه المطالعة وتزداد منها معلوماتك ولا تعوق عليك سيرك في علومك المدرسية، قال: أجل إني أميل إلى اجتناء ثمار هذه الصحف في بعض ساعات الفراغ وأؤكد لك أيها الوالد الشفيق أنها لا تضر بي بل هي تزيد معلوماتي، قلت: وما الذي أفدته اليوم وهل يمكنك أن تقول لي شفهياً خلاصة ما جنيته من المطالعة في هذا الأسبوع وما علق بذهنك من الحقائق العلمية، قال: نعم ولكنني أطلب إليك فقط أن تذكرني الموضوع وذلك أن تفتح إحدى هذه المجلات التي لدينا وتلقي عليّ في شكل سؤال ما تريد وما أذكره أنا يكون الجواب المختصر المفيد. فعظم نجيب في عيني وأعجبتني قوة ذاكرته فقلت وأنا نشوان من الفرح: ـ حسناً يا بني رأيت ثم مددت يدي إلى إحدى المجلات وفتحتها فوقع بصري على موضوع الذهب في العام الماضي فقلت: ماذا تقول هذه الصحيفة في مستخرج الذهب في العالم في السنة الماضية أي عام ١٩١٢م. قال: لقد دل الإحصاء الأمريكي أن مستخرج الذهب من مناجم أمريكا قد زاد في العام الماضي عما قبله بمقدار عشرة ملايين وربع من الريالات تقريباً وإن قيمة المستخرج منه من بلاد الترنسفال في تلك المدة بلغ ثمانية عشر مليوناً ومائتين وخمسة وعشرين ألف ريال ودل إحصاء البلاد الأخرى كرودبسية وغرب إفريقية ومدغسكر وأمريكة الوسطى

стр. 669

والجنوبية وكندة ومناجم أوربة والهند وكورية واليابان على أن زيادة المستخرج من النضار قد تضاعف في العشرين عاماً الماضية إلا ما حصل فيه من العجز سنتي ١٩٠٠ و١٩٠٢ بسبب تعطل العمل في مناجم الترنسفال أبان حرب البوير، والزيادة الحاصلة في المستخرج من الذهب إنما حصلت من اكتشاف مناجم جديدة للنضار في إفريقية وأمريكة وسيبيرية. ثم أن للقارة الإفريقية السوداء المقام الأول في استخراج الذهب لأن ما يستخرج منها يبلغ ٤٥ في المائة مما يستخرج من العالم كله ويبلغ ما يستخرج من مناجم الترنسفال وحدها ٤٠ في المائة من ذهب العالم. ويلي الترنسفال الولايات المتحدة الأمريكية وإن كان قد نزل محصولها الذهبي إلى النصف وهبط عنه قليلاً في العام الماضي، أما أوسترالية فقد ظهر العجز أيضاً في المستخرج من مناجمها في العام الماضي وتدل الأحوال على أن التقصير راجع إلى تقصير تلك البلاد نفسها. وبلغ المستخرج من النضار من مناجم روسية في السنة الماضية ما قيمته سبعة وعشرون مليوناً من الريالات على أن هناك من محصول تلك عجزاً سببه قلة المياه في المناجم وثورة العمال في مقاطعة لينا وفيها أعظم مناجم سيبيرية الذهبية. ولم تستكشف في العام الماضي مناجم جديدة للذهب وإنما يظن الباحثون أنه قد يوجد منها في الكونغو بإفريقية وفي بلاد منشورية ومنغوليا بالصين وفي بعض جهات أمريكا الجنوبية - والذهب كما لا يخفى عليك يوجد في مناجمه على هيئة تراب أي تبر أو قطع وسبائك ويوجد منه في جهات أسوان والسودان وهكذا تفتح كنوز الأرض لأهل الجد والنشاط قلت أوترى ذلك يا بني قال وهل ثم برهان أكبر من المحسوس. فسررت من جوابه واسترسلت في تقليب المجلة حتى عثرت على فصل في اللؤلؤ فقلت له أرجو يا بني أن تغوص مع غواص هذا اللؤلؤ وتقص علي مضمون هذا الفصل فقال: ـ لا يخفى عليك أن اللؤلؤ من أنفس الجواهر التي يتنافس فيها الناس ولقد اختلف الناس في تكوينه فالهنود يزعمون أنه قطرات من الندى تدخل أصدافه ويزعم غيرهم أنه بيض لحيوانه أي محارة يبقى في مبيضه أو يبرز عنه لامتلائه فيغطي بالمادة اللؤلؤية. وقال

стр. 670

سواهم أنه حبات من الرمل أو بقايا من نباتات بحرية تدخل محار اللؤلؤ فتجمد فيها وتصير إلى هذا الدر النفيس. وهناك رأي رابع وهو دخول بعض الحيوانات الطفيلية محارة عند تفتحه فيغطيها بالغشاء اللؤلؤي ويستحيل إلى هذا الدر، وعند كاتب هذه المقالة على ما أذكر أن محار اللؤلؤ إذا تفتح وأصاب جسمه الرخو جسم آخر سواء كان حيواناً أو رملاً تأثر به فانطبق عليه وغطاه بغشائه فكان من هذه العملية هذا اللؤلؤ العجيب. ويتمثل اللؤلؤ للناظرين في أربعة أشكال لؤلؤ مستدير ولؤلؤ مستطيل وكمثري الشكل وآخر يشبه الزورق في شكله، فالمستدير ما وجد عادة داخل المحارة ووسطها والكمثري الشكل ما كان في أطرافها والمستطيل بقسميه ما كان على حافتيها، ولقد كان يعتقد بعض الناس إلى عهد قريب أن اللؤلؤ كائن حي قابل للموت ثم إن الفرق بين اللؤلؤ الصادق واللؤلؤ الكاذب أن الصادق منه كثير المادة اللؤلؤية قليل الماء في تركيبه وأنه شديد الصلابة صعب المكسر وإن كان سهل التخطيط والثقب وتؤثر فيه بعض الأحماض حتى أنه ليؤثر في عقوده حول النحور وعلى الصدور كثرة تعطر الغانيات وما يضعن حول أنماقهن وعلى صدورهن من الدهان والطلاء، فهو وإن ازداد حسناً في أعناق رباته بما تكسبه إياه حرارة أجسامهن من لمعان وبريق فإنه قد يخبو ويطفأ لونه إذا كان من الشغفات بعقاقير الطلاء والأصباغ، غير أنه مهما يكن حال هذا اللؤلؤ الصادق فإنه سهل التنظيف والصقل كالمرآة الصادقة يسهل جلوها وبهذه الوسيلة بل لتلك المزية سهل على الناس الاحتفاظ بألوان عقود اللؤلؤ التاريخية. واللؤلؤ تؤثر فيه النار بسرعة حتى أنه يصير فحماً في أقرب وقت لأنه سريع الالتهاب فلهذا ينبغي الحرص عليه إذ كم من عقود من الدر ذهبت طعمة للنار. ولنفاسة اللؤلؤ عنيت الممالك بمغاصاته، فالانكليز يمنعون صيده في جزيرة سيلان إلا كل سنتين أو ثلاث سنوات مرة، وفي بلاد فنزويلة وجزيرة مرغريتة شرعوا ينظمون طريقة صيده، وفي بلاد تاهيتي التابعة لفرنسا بدأت الحكومة تتخذ الاحتياطات في تنظيم مغاصاته وكذلك في جزيرة مدغسكر، وهناك مغاصات كليفورنية الجديدة غير أن مغاصات هذه الجهة قد تركت الآن لرداءة لؤلؤها وصغر جسمه، وأهم مغاصات اللؤلؤ مغاص الياز في كليفورنيا حتى لقد تنشأ فيها الأحواض الكبيرة فيدخلها محار اللؤلؤ فيترك حتى ينمو ويعظم
следующие страницы →