Полный текст (3 596 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
المتعذر نقل تلك العناصر إلى أمة أخرى من دون تغيير فيها. وإنما الذي يمكن نقله هي الصورة الظاهرة السطحية التي لا قيمة لها.
اختلاف المزاج العقلي بحسب الأمم يجعل كل واحدة تتصور الوجود بصورة خاصة فهي إذن تختلف في الحس والعقل والعمل. ويقوم النزاع بينها على جميع المسائل متى احتكت ببعضها. وهذا التنازع هو سبب جميع الحروب المدونة في التاريخ. فحروب الفتح والحروب الدينية وحروب العائلات المالكة كلها في الحقيقة حروب جنسية لا يتكون من مجموع أفراد مختلفي الأصل شعب مستقل. أعني أنهم لا يكون لهم روح يشتركون فيها كلهم إلا إذا كثر تبادل النسل بينهم مدة طويلة. واتحدت معيشتهم في بيئات متحدة. وصارت مشاعرهم واحدة ومنافعهم مشتركة. ومعتقداتهم عامة لا يكاد يوجد في الأمم المتحضرة شعوب أصلية بل ليس هناك إلا شعوب صناعية تكونت من أحوال تاريخية.
لا يؤثر تغيير البيئة تأثيراً شديداً إلا في الشعوب الجديدة أعني التي تكونت من أخلاط شعبية تفككت أخلاقها الموروثة بكثرة التناسل. فلا يفل الوراثة إلا الوراثة. وإذا لم يكن للتناسل من القوة ما يكفي لزعزعة الأخلاق وتشتيتها كان تأثير تغيير البيئة قاصراً على التخريب. وقد يموت الشعب القديم ولا يقبل التغيير الذي تقتضيه ضرورة انطباعه على بيئة جديدة.
تبلغ الأمة ذروة مجدها متى تم لها روح قوى قام وتسقط متى تحلل هذا الروح. وأهم العوامل في هذا التحليل دخول عنصر أجنبي في الأمة.
تتأثر الأنواع النفسية كالأنواع المادية بالزمان كلاهما يهرم ويموت. وتحتاج كلها في تكوينها إلى زمن طويل. وقد تزول في وقت قصير. إذ يكفي أن تضطرب وظائف أعضائها ليحدث فيها تطور نحو السقوط وقد تكون نتيجة الدمار العاجل. فالأمم تقطع قروناً طوالاً قبل أن يثبت لها مزاج عقلي خاص. وقد تفقده في برهة يسيرة. فالشقة التي تسير فيها إلى الحضارة بعيدة. ومنحدر السقوط قصير غالباً.
المبادئ من أهم عوامل الحضارة بعد الخلق ولكنها لا تؤثر إلا بعد أن تتطور على مهل حتى تصير شعوراً وتصبح جزءاً من الخلق نفسه وتخرج بذلك من دائرة البحث والنظر. ولا تزول المبادئ إلا بعد مرور دهر طويل. وكل حضارة ترجع إلى بعض مبادئ أساسية
стр. 667
مسلم بها من الكافة.
أهم المبادئ المؤثرة في الحضارة المبادئ الدينية واختلاف الأديان هو السبب البعيد في أعظم حوادث التاريخ. فتاريخ الإنسانية مقترن على الدوام بتاريخ آلهتها. وهؤلاء أبناء خيالنا ولهم مع ذلك سلطان كبير حتى أن تتغير أسمائهم كاف وحده في قلب نظام العالم بأسره. وظهور آلهة جديدة كان على الدوام طليعة لحضارة مقبلة واختفاؤهم كان على الدوام نذيراً بزوال حضارة مدبرة.
стр. 668
أخبار العلم
ننشر في هذا الباب كل ما نعثر به في صحائف الغرب من أخبار العلم والمكتشفات وما إلى ذلك من كل ما يفيد قراء البيان ويوقفهم على الحركة العلمية في العالم وهذه طرف من هذا الباب أهداها إلى البيان الكاتب الفاضل السيد صالح بك حمدي حماد.
مطارحات علمية
ابني نجيب - محصول الذهب في العام الماضي - اللؤلؤ - كارثة الكبتن سكوت - الذباب ومضاره - النساء - تحويل القوة إلى مادة - عيون النبات.
من عادة ابني نجيب ذلك الفتى الألمعي إذا قدم من المدرسة أن يلزم مجلسي ويشرع يتصفح ما عندي من المجلات الفرنسية والصحف العلمية وينظر فيها بشوق فخطر لي يوماً أن أختبره فيما يطالع منها فقلت له وأنا أبتسم:
ـ لعلك يا بني تفيد من هذه المطالعة وتزداد منها معلوماتك ولا تعوق عليك سيرك في علومك المدرسية، قال: أجل إني أميل إلى اجتناء ثمار هذه الصحف في بعض ساعات الفراغ وأؤكد لك أيها الوالد الشفيق أنها لا تضر بي بل هي تزيد معلوماتي، قلت: وما الذي أفدته اليوم وهل يمكنك أن تقول لي شفهياً خلاصة ما جنيته من المطالعة في هذا الأسبوع وما علق بذهنك من الحقائق العلمية، قال: نعم ولكنني أطلب إليك فقط أن تذكرني الموضوع وذلك أن تفتح إحدى هذه المجلات التي لدينا وتلقي عليّ في شكل سؤال ما تريد وما أذكره أنا يكون الجواب المختصر المفيد.
فعظم نجيب في عيني وأعجبتني قوة ذاكرته فقلت وأنا نشوان من الفرح:
ـ حسناً يا بني رأيت ثم مددت يدي إلى إحدى المجلات وفتحتها فوقع بصري على موضوع الذهب في العام الماضي فقلت: ماذا تقول هذه الصحيفة في مستخرج الذهب في العالم في السنة الماضية أي عام ١٩١٢م.
قال: لقد دل الإحصاء الأمريكي أن مستخرج الذهب من مناجم أمريكا قد زاد في العام الماضي عما قبله بمقدار عشرة ملايين وربع من الريالات تقريباً وإن قيمة المستخرج منه من بلاد الترنسفال في تلك المدة بلغ ثمانية عشر مليوناً ومائتين وخمسة وعشرين ألف ريال ودل إحصاء البلاد الأخرى كرودبسية وغرب إفريقية ومدغسكر وأمريكة الوسطى
стр. 669
والجنوبية وكندة ومناجم أوربة والهند وكورية واليابان على أن زيادة المستخرج من النضار قد تضاعف في العشرين عاماً الماضية إلا ما حصل فيه من العجز سنتي ١٩٠٠ و١٩٠٢ بسبب تعطل العمل في مناجم الترنسفال أبان حرب البوير، والزيادة الحاصلة في المستخرج من الذهب إنما حصلت من اكتشاف مناجم جديدة للنضار في إفريقية وأمريكة وسيبيرية.
ثم أن للقارة الإفريقية السوداء المقام الأول في استخراج الذهب لأن ما يستخرج منها يبلغ ٤٥ في المائة مما يستخرج من العالم كله ويبلغ ما يستخرج من مناجم الترنسفال وحدها ٤٠ في المائة من ذهب العالم.
ويلي الترنسفال الولايات المتحدة الأمريكية وإن كان قد نزل محصولها الذهبي إلى النصف وهبط عنه قليلاً في العام الماضي، أما أوسترالية فقد ظهر العجز أيضاً في المستخرج من مناجمها في العام الماضي وتدل الأحوال على أن التقصير راجع إلى تقصير تلك البلاد نفسها.
وبلغ المستخرج من النضار من مناجم روسية في السنة الماضية ما قيمته سبعة وعشرون مليوناً من الريالات على أن هناك من محصول تلك عجزاً سببه قلة المياه في المناجم وثورة العمال في مقاطعة لينا وفيها أعظم مناجم سيبيرية الذهبية. ولم تستكشف في العام الماضي مناجم جديدة للذهب وإنما يظن الباحثون أنه قد يوجد منها في الكونغو بإفريقية وفي بلاد منشورية ومنغوليا بالصين وفي بعض جهات أمريكا الجنوبية - والذهب كما لا يخفى عليك يوجد في مناجمه على هيئة تراب أي تبر أو قطع وسبائك ويوجد منه في جهات أسوان والسودان وهكذا تفتح كنوز الأرض لأهل الجد والنشاط قلت أوترى ذلك يا بني قال وهل ثم برهان أكبر من المحسوس.
فسررت من جوابه واسترسلت في تقليب المجلة حتى عثرت على فصل في اللؤلؤ فقلت له أرجو يا بني أن تغوص مع غواص هذا اللؤلؤ وتقص علي مضمون هذا الفصل فقال:
ـ لا يخفى عليك أن اللؤلؤ من أنفس الجواهر التي يتنافس فيها الناس ولقد اختلف الناس في تكوينه فالهنود يزعمون أنه قطرات من الندى تدخل أصدافه ويزعم غيرهم أنه بيض لحيوانه أي محارة يبقى في مبيضه أو يبرز عنه لامتلائه فيغطي بالمادة اللؤلؤية. وقال
стр. 670
سواهم أنه حبات من الرمل أو بقايا من نباتات بحرية تدخل محار اللؤلؤ فتجمد فيها وتصير إلى هذا الدر النفيس. وهناك رأي رابع وهو دخول بعض الحيوانات الطفيلية محارة عند تفتحه فيغطيها بالغشاء اللؤلؤي ويستحيل إلى هذا الدر، وعند كاتب هذه المقالة على ما أذكر أن محار اللؤلؤ إذا تفتح وأصاب جسمه الرخو جسم آخر سواء كان حيواناً أو رملاً تأثر به فانطبق عليه وغطاه بغشائه فكان من هذه العملية هذا اللؤلؤ العجيب.
ويتمثل اللؤلؤ للناظرين في أربعة أشكال لؤلؤ مستدير ولؤلؤ مستطيل وكمثري الشكل وآخر يشبه الزورق في شكله، فالمستدير ما وجد عادة داخل المحارة ووسطها والكمثري الشكل ما كان في أطرافها والمستطيل بقسميه ما كان على حافتيها، ولقد كان يعتقد بعض الناس إلى عهد قريب أن اللؤلؤ كائن حي قابل للموت ثم إن الفرق بين اللؤلؤ الصادق واللؤلؤ الكاذب أن الصادق منه كثير المادة اللؤلؤية قليل الماء في تركيبه وأنه شديد الصلابة صعب المكسر وإن كان سهل التخطيط والثقب وتؤثر فيه بعض الأحماض حتى أنه ليؤثر في عقوده حول النحور وعلى الصدور كثرة تعطر الغانيات وما يضعن حول أنماقهن وعلى صدورهن من الدهان والطلاء، فهو وإن ازداد حسناً في أعناق رباته بما تكسبه إياه حرارة أجسامهن من لمعان وبريق فإنه قد يخبو ويطفأ لونه إذا كان من الشغفات بعقاقير الطلاء والأصباغ، غير أنه مهما يكن حال هذا اللؤلؤ الصادق فإنه سهل التنظيف والصقل كالمرآة الصادقة يسهل جلوها وبهذه الوسيلة بل لتلك المزية سهل على الناس الاحتفاظ بألوان عقود اللؤلؤ التاريخية.
واللؤلؤ تؤثر فيه النار بسرعة حتى أنه يصير فحماً في أقرب وقت لأنه سريع الالتهاب فلهذا ينبغي الحرص عليه إذ كم من عقود من الدر ذهبت طعمة للنار.
ولنفاسة اللؤلؤ عنيت الممالك بمغاصاته، فالانكليز يمنعون صيده في جزيرة سيلان إلا كل سنتين أو ثلاث سنوات مرة، وفي بلاد فنزويلة وجزيرة مرغريتة شرعوا ينظمون طريقة صيده، وفي بلاد تاهيتي التابعة لفرنسا بدأت الحكومة تتخذ الاحتياطات في تنظيم مغاصاته وكذلك في جزيرة مدغسكر، وهناك مغاصات كليفورنية الجديدة غير أن مغاصات هذه الجهة قد تركت الآن لرداءة لؤلؤها وصغر جسمه، وأهم مغاصات اللؤلؤ مغاص الياز في كليفورنيا حتى لقد تنشأ فيها الأحواض الكبيرة فيدخلها محار اللؤلؤ فيترك حتى ينمو ويعظم
стр. 671
ثم يصاد ويستخرج جمانه، ولا يخفى عليك أيها الوالد شهرة مغاص اللؤلؤ بالبحرين وجهات العجم.
ومحار اللؤلؤ وصفه يتكاثر بإخراج بيضه ثم إن أجود اللؤلؤ ما وجد في البحار على عمق عشرة أو خمسة عشر متراً من سطح الماء.
ولقد اجتهد الناس من قديم الزمان في عمل اللؤلؤ الصناعي ولكن إلى الآن لم ينجح الصناع لحسن حظ المتغالين في اقتناء عقود اللؤلؤ وجمانات البحار الأصلية في إتقان ما أتقن الباري صنعه وإخراجه زينة للناس من تلكم الأصداف.
واللؤلؤ يباع الآن في أسواق أوربا بوزنه بالقيراط وهو متفاوت الحجم والثمن على أن من اللآلئ وعقودها ما قد تقدر قيمته بآلاف الدنانير ولقد بيع بالأمس في باريس عقد من اللؤلؤ من عقود السلطان عبد الحميد فبلغ ثمنه مليوناً ونصفاً من الفرنكات وفي متاحف أوربا وعند ملوكها وملوك الهند أولئك الراجات الفخام من الدرر الغوالي وعقود اللآلئ ما يعجب ويطرب من عظم حجمه وغلو ثمنه وجمال شكله.
فقلت لنجيب حينئذ لأفض فوك على ما صغت لي من هذه الدرر التي تزري بتلك. ثم قلبت في الصحيفة التي أمامي حتى استوقف نظري فاجعة الكبتن سكوت ذلك الرحالة الإنكليزي الذي مات هو ورجال بعثته في نواحي القطب الجنوبي على ما ذكرته الصحف في الشهر الماضي وحزن عليه الإنكليز حزناً شديداً وجعلوا من حادثه درساً لصبيانهم يعلمهم الثبات والصبر على الشدائد فقلت له ما هي كارثة الكبتن سكوت فقال وقد تأثر عند سماع هذا الاسم:
ـ الكبتن سكوت بحري إنكليزي لم تنجب الأمم مثله إلا قليلاً ولقد أكرم الشعب الإنكليزي شأنه بعد وفاته حتى أنه لما أقيمت في كنيسة القديس بولس بلندن الصلاة على روحه وروح رفاقه في ظهر يوم الجمعة ١٥ فبراير الماضي جمعت مدارسها في عموم بريطانيا العظمى طلبتها وألقت عليهم سيرة ذلك البطل الذي راح شهيد الاكتشاف وأعلن أولئك النشء أن اسمه يجب أن يقرن باسم غيره من الأبطال الإنجليز الذين لم يهابوا الشدائد وقابلوا الموت بصدور رحبة وثغور باسمة وأنه يجب عليهم أن يذكروا على الدوام قبره المنفرد بتلك الأصقاع القصية مطموراً في ظلامات ثلوج القطب الجنوبي كأعظم مفخرة
стр. 672
لهم.
وكانت بعثة الكابتن سكوت قد سافرت لتحقيق اكتشاف القطب الجنوبي على السفينة ترنوفا التي غادرت لندن أول يونيو سنة ١٩١٠ ووصلت زيلاندة الجديدة في شهر نوفمبر في تلك السنة وأقلعت منها في ٢٩ منه بحر الروس في ٣٠ ديسمبر وفي ٣ فبراير سنة ١٩١١ أشرفت تلك السفينة على خليج ماك مود الذي يمتد في القارة الجليدية ثم ألقت البعثة عصا التسيار في رأس إيفان لتمضية فصل الشتاء وتقدم الكابتن سكوت نحو الجنوب براً ومعه ثمانية عشر من الخيول الصغيرة وسيارات زحافة وثلاثون كلباً ليضع بالقرب من القطب مستودعاً للمؤن فتم له ذلك في شهر أبريل ثم سافر سفرة أخرى حتى وصل إلى أطراف الجليد العظيم في جهة القطب وهناك أقام مستودعاً آخر للمؤن حيث في تلك النقطة يبدأيبدأ سيره إلى القطب كما عول عليه في خطة سيره على ما ذكر في الخطبة التي فاه بها قبل رحلته حيث قال أني سأجعل تلك النقطة آخر محطة لي في سفري إلى القطب في شهر أكتوبر عام ١٩١١ فلا يبقى على من المسافة إليه سوى ثمانمائة من الأميال يحتمل أنّا لا نقطع منها إلا عشرة أو خمسة عشر ميلاً في اليوم وربما وصلنا بهذا السير البطيء إلى القطب في أواسط شهر ديسمبر من تلك السنة حيث يكون الصيف قد بلغ منتصفه في جهة القطب في ٢٢ ديسمبر.
ووصلت أخبار بعثة الكابتن اسكوت لأول مرة بواسطة سفينة مستر نوفا حيث جاءت تلك السفينة إلى (أكروا) في زيلاندة الجديدة يحمل ربانها رسالة من الكابتن سكوت إلى قاعدة أعماله في ماك مود ولقد جاء في هذه الرسالة أني (سأبقى في جهات القطب شتاء آخر حتى أتمكن من إتمام عملي) وحملت السفينة ترنوفا من أخبار الكابتن سكوت في ٣ يناير سنة ١٩١٢ وأنه لم يبق بينه وبين الوصول إلى القطب سوى مائة وخمسين ميلاً وهو مطرد السير لبلوغه على أن تعجيله بالأخبار عن ذلك دون الانتظار حتى يصل إلى القطب ثم يعلن وصوله إليه إنما سببه ضرورة التعجيل في سفر السفينة ترنوفا من تلك المنطقة الجليدية قبل أن يداهمها الشتاء القطبي ويتجلد حولها فمخافة ذلك هي التي اضطرت الكابتن اسكوت أن يرسل رسوله إلى السفينة ويحملها تلك الرسالة قبل مغادرتها ذلك الصقع المتجمد.
стр. 673
ولقد كتب الكابتن اسكوت صحائف في رحلته هذه سطر فيها ما لقيه هو ورفاقه من الصعاب والمشاق التي لم تكن في حسبانه مستسلماً للأقدار دون أن يثني العنان قائلاً في بعض تلك الرسائل التي تركها وعلى الرغم من كل تلك الصعوبات فإني لم آسف لها ولم أندم على مقاساتها لأنّا بما أظهرنا من الجلد ورباطة الجأش إنما أدرعنا بما لقومنا الإنجليز من الثبات والصبر على تحمل الأهوال والتعاون في الشدائد إلى النهاية ومقابلة الموت بشجاعة ثم ختم هذه الرسالة بحكاية ما وقع له ولرفاقه عند ما جاءهم الموت من كل مكان تحمله عواصف الثلج فقال أول من مات منا الكبتن إيفان في ١٧ قبراير وبعده بشهر جاء دور الكابتن أوط فالتزم باقي الرفاق وقد صار الطقس رديئاً جداً إلى السير بلا نظام ثم اضطررنا أن نقف في ٣١ مارس بين الدرجة ٧٠ و٣٠ من العرض الجنوبي والدرجة ٦٩ و٢٣ من الطول الشرقي ولقد وجدنا على بعد أحد عشر ميلاً من مستودع المؤن ولكنا لم نقدر أن نصل إليه لهياج عواصف الثلج الشديدة التي ظلت ثائرة تسعة أيام. . . . . . . . ونفذت كل المؤن ومواد الوقود التي كانت مع البعثة في تلك المرحلة غير أن ذلك لم يمنع من متابعة السير إلى هون بوان وهناك علمت بخبر عودة بعثة الفومندان كمبايل إلى قاعدتها في رأس إيفان.
ودام ما ذاق سكوت ورجال بعثته من العذاب قبل أن يلحقهم الموت ستة أشهر وقد وجدت عندهم رسائل ومكاتيب كتبوها يفتت إلا كباد ما وصفوا فيها ولقد وجدت بينها رسالة استغاثة بملك النروج كتبها الكبتن أمندسن أحد رجال البعثة.
وهاك نص آخر رسالة خطباً بنان الكبتن سكوت يخاطب فيها قومه الإنكليز وقد أطنب القوم في بلاغتها قال:
لم تكن هذه الكارثة التي نزلت بنا لتقصير في معداتنا وإنما سببها الوحيد سوء الطالع الذي حاق بنا فأولاً جاء هلاك دوابي ضربة شديدة على اضطرتني إلى التأخر عن السفر والتعويق في الطريق بما لم يكن في حسباني حتى التزمت أن أخفف من أحمالنا وأثقال مؤونتنا.
ثانياً اضطرنا رداءة الطقس في هذه الرحلة إلى التأخر ولا سيما بعد الدرجة ٨٣ عرضاً.
ثالثاً ليونة الثلوج التي نمشي عليها مما جاء ثالثة الأثافي في استفراغ قوانا وإبطاء سيرنا
стр. 674
وكنا نعاني الصعاب في مقابلة تلك المشاق حتى استنفد هذا الجهاد جميع مؤننا ثم قال ولا نظن أنه قد أصاب إحدى البعثات ما أصابنا أو عاني قوم ما عانينا مدة شهر من الزمان حتى لم يبق معنا سوى شيء قليل من الوقود لتهيئة طعامنا الذي كان قد نفد هو أيضاً ولم يبق معنا منه ما يكفينا يومين كاملين.
وها قد مضت علينا أربعة أيام لم نقدر على الخروج من مضربنا بسبب هياج العواصف الثلجية والزعازع الزمهريرية التي تحيط بنا من جميع الجوانب.
لقد صرنا ضعافاً وخارت قوانا حتى لم تعد لنا قدرة على الكتابة أما أنا فلست بآسف ولا حزين الفؤاد على خروجنا لهذه الرحلة التي أظهرت أن في الإنكليز اليوم من يقدرون على مقابلة الصعاب ومقارعة الشدائد والصبر على الأهوال ثم التعاون في ساعة الشدة وعدم المبالاة في ملاقاة الموت ومقابلته على نحو ما سبق لبعض سلفهم وهذه الملاحظات التي أكتبها على عجل ثم جثثنا التي سيعثر عليها ملقاة على الثرى ها هنا كل هذا لعمري يقص عليّ من يأتون للبحث عنا تاريخنا ولا أخال بلاداً كبلادنا تترك آلنا وذوينا في أوطاننا عالة بعدنا.
فقلت لابني كفى يا بني أثار هذا الحديث أشجاني وكنت أحب أن لا يموت هذا الرجل ولكن هل تحقق للكبتن سكوت أمر القطب الجنوبي الذي كان قد قام باكتشافه منذ سنتين الرحالة روالد أمندسن وهل عمل الإنكليز بوصية سكوت قال أجل إن سكوت وصل القطب الجنوبي في ١٨ يناير سنة ١٩١٢ ورأى القلم الذي نصبه هناك أمندسن وقد رتب الإنكليز لأرملته وابنه معاشا بل نشرت الجرائد أنهم قاموا يكتتبون بالأموال الطائلة إعانة لأرامل رجال هذه البعثة وأولادهم وتخليد ذكرهم وقد رأيت كيف جعلوا أيها الوالد العزيز سيرته بين سير أبطالهم وهو وأيم الحق خليق بكل إكرام وهل الشرقيون يكرمون عظماءهم مثل هذا الإكرام. .
وبينما نجيب يتكلم دخلت علينا أخته الصغيرة زكية وفي يدها قطعة من الحلوى وهي تبتسم ابتسامة الساذج فرأى بعض الذباب على وجهها ويدها بها حلوى فاستشاط غضباً وصاح ألقي هذه الحلوى واذهبي فاغسلي يديك ووجهك ولا تتركي الذباب يحط عليك مرة أخرى لأنه أكبر موصل للأمراض والأوصاب فتبسمت لكلامه لأني تذكرت أن بعض
стр. 675
مجلاتنا أو صحفنا نشرت فصلاً في الذباب ومضاره وأن نجيباً لا بد أن يكون قد تشرب من أفكارها فقلت كالممتحن له ولم كل هذا الخوف يا بني من الذباب ولو كان من الضرر بمثل ما يقول هؤلاء العلماء لما يبقى على ظهر الأرض حي!.
فاحتدم وقال (وهل تشك أيها الوالد في صدق ما يقال عن الأضرار للذباب وهو أعدى عدو للإنسان لأنه ينقل إليه كثيراً من الأمراض سواء بالحط عليه أو على طعامه بأرجله التي قد تكون ملوثة بجراثيم الأرض أو بسرعة إبرازه بذوره على ما يحط عليه من الأجسام فتتحول دوراً في بعضها خصوصاً أجسام القذرين المهملين لنظافة أبدانهم فلقد ثبت أن الذباب لا يهاب الدخول في أفواه النائمين وإلقاء بذوره فيها فقد شوهدت هذه الديدان في مبرزاتهم كما شوهدت في قروح بعض المرضى وعيون بعض الصبية على قدر الإمكان في تنظيف أبداننا وأفنية دورنا وأماكن أقواتنا حتى لا يتكاثر عندنا هذا العدد الجم من الذباب).
فلما سمعت أخته هذا الكلام انسلت من الغرفة بلطف ثم عادت إلينا وقد طرحت الحلوى وغسلت يديها ووجهها وجلست إلى جانبنا وهي تبتسم كأنها تقول ها أنا ذي قد صرت نظيفة لا يمكن الذباب أن يحوم بكثرة حولي أو يحط عليّ طويلاً فقال أخوها وهو يقهقه لقد أحسنت يا أختي واعلمي أنك لسماعك النصح وإطاعتك والديك تصيرين زينة أبويك بين بنات مصر اللائي سينهضن نهضة شريفة يصلحن بها حال الأمة المصرية ويرقيها إن شاء الله تعالى كما رقت بنات الغرب هيئته حتى قامت فيهن اليوم فكرة الرغبة في الحصول على حق الاشتراك مع الرجل في الحقوق العامة لتولي الأحكام فحصلن ذلك في بعض بلاد أمريكا وأوروبا ويسعى إليه الآن جهدهن النساء الإنجليزيات على أننا في مصر لا تطمع النساء عندنا في ذلك بل لا يحب المصريون أن يروا نساءهم طامعات فيه وغاية ما يتمنى لهن أن يتعلمن ويتهذبن ويدرن البيوت وبعض الأعمال الحيوية اللائقة بهن وأن ينلن احترام الرجال لهن ومحبتهم بتلك الوسائل الجليلة لا بالحمق والرعونة والزينة الكاذبة وإنّا في كل نزداد قرباً من الوقت الذي ستعرف فيه نساؤنا وهيئتنا قيمة ذلك وتقدره قدره ما دام الشباب راغبين فيه.
وأحب أن يطيل في هذا الموضوع فاعترضته قائلاً:
стр. 676
ـ تلك مسألة فيها نظر وإنّا لنتمنى يا بني قرب ذلك اليوم على أنه لن يأتي على أحسنه إلا إذا عرف الرجال عندنا قيمة الحياة الصحيحة والنظام العائلي الحق لا نظرياً فقط بل عملياً ثم عملياً.
ثم قلت لتطرق موضوعاً آخر يا نجيب قال وما ذاك يا أبي قلت ما هو اكتشاف السر وليم رمزي الذي يقول بتحويل المادة إلى قوة فقال بعد أن سكت برهة استجمع فيها فكره خلاصة هذا الاكتشاف أن السير رمزي قال في الجمعية الكيماوية الملوكية بلندن أنه أحمى بعض أنابيب قديمة من أنابيب أشعة أكس إلى ٢٠٠ فحصل منها على غازات وبتحليلها وفحصها بواسطة المكروسكوب وجد من بينها عنصري الهليوم والنيون فهذا يترجح معه تحول القوة إلى مادة إذا صحت هذه التجربة العلمية وثبتت بواسطة معامل أخرى لأنه من أعظم الاكتشافات في ديوان العلم من حيث تحول العناصر على أن كفاءة السير وليم رمزي وعظم تدقيقه في تجاربه حمله على التثبت من اكتشافه وهل النيون الذي وجده في الأنابيب آت من الخارج أم لا أي لم ينفذ من زجاجها فغطس الأنبوبة في جو من النيون والهليوم ثم أخرجها وفحصها فثبت له أن هذا العمل لم يزد في مقدار الغاز الموجود منها داخل الأنبوبة هذا ولقد حملت الصحف الأخيرة ثناء أحد أساتذة السربون المسيو هاليير على السير وليم رمزي الذي له أياد بيضاء في مسائل الطبيعيات والكيمياء.
فقلت وهل ترى يا بني أمثال هذا الاكتشاف مما يزعزع أركان الحقائق الروحية على ما تزعم الصحف ففكر قليلاً وقال وما رأيك أنت قلت رأيي أن مسئلة تحول العناصر والقوة مما أشير إليه قديماً ومهما كان الحال فإنه لا يدل إلا على عظم إبداع الخالق تعالى ثم قلت لابني وهل قرأت ما حملته إلينا المجلة في هذا الشهر من أن للنبات عيوباً يبصر بها كما تبصر الحيوانات الدنيا فصاح نجيب عجباً إنني لم أطالع ذلك ولا أعرف منه إلا ما تخيله جماعة الشعراء والأدباء من عيون الزهر وغيره من الأزهار وهل رأوا عيون النبات تختلف كعيون الظباء بين عسلية وزمردية وأخرى سوداء ثم استدرك مجلسي ومقامي معه فقال إني لا أخال هذا الذي يزعمونه مهما قالوا إلا من قبيل الخيال.
قلت - بل إنه قد قام بالأمس الأستاذ غوتلب هاير لأن أحد علماء النبات في البلاد النمسوية وصرح بأنه قد ثبت له بعد تجارب عديدة وملاحظات دقيقة أجراها أن في بعض النباتات
стр. 677
أعضاء للبصر تشبه على نوع ما أعضاء البصر في الحيوانات الدنيا وأن الخليات السطحية في النبات هي العدسات المحدبة التي تشاهد في صفائح عيون الحشرات ومن المعلوم أنها فيها كثيرة العدد فهي في الذباب تبلغ ٤٠٠٠ وفي النمل ١٧٠٠٠ أما الخليات المشابهة لتلك في أوراق النبات فلا يحصيها عد في عدد الصور التي يسببها العكس البصري ويحدثها فيها وأن خميلة من الشجر تنشر أما الشمس عطرها النباتي قد تجمع على هذا مالا يدخل تحت حصر من الصور المنعكسة لأن كل خلية قشرية فيها لها نفس الخواص التي للعدسات البصرية المميزة في الحشرات، على أن أبصار النبات ليس بالذي يحس به النبات إحساس الحشرات ببصرها فتميز كل الصور المرتسمة على صفائح عيونها بل هو يكون على الكيفية التي يرتئيها ذلك العالم بما أخذه من الصور الفوتوغرافية. . . . . . . . . . . للأجزاء الطرفية الدقيقة في بعض الأشجار.
ولقد أيد هذه التجارب الدكتور لونال من لندن والدكتور هارول واجر فتحقق لهما أن كل خلية من خليات سطوح ورق الشجر منطبع فيها كثير من الصور الخارجية الواقعة على أبعاد متفاوتة منها وهي تمثل صور أشخاص ودور إلخ فيستخلص من هذا على ما قال هؤلاء العلماء أن للنبات أي الأشجار أعيناً بسيطة كأعين النحل والذباب ونحوهما من الحشرات وإن اختلفت عنها وأن ليس لها مادة مركبة، ولقد عدد الأستاذ غوتلب هابرلان ما عرف له أعيناً من الشجر فذكر منه الجميز والجميز النروجي فهذا يا بني حاصل ما ذكروا في أعين النبات وبصره على أن من العلماء من ينكر ذلك ويقول كما قلت أنت الآن إن الأمر خيالي لا حقيقي.
стр. 678
حديث البيان
موضوعات هذا العدد
هذا هو العدد الرابع من المجلد الثاني للبيان. وأن من أجال نظره في صفحاته يرى أن قد ابتدأناه بنبذة من كتاب حضارة العرب في الأندلس لصاحب هذه المجلة ولعل القارئ علي ذكر مما أسلفنا نشره من هذه الرسالة الأولى من هذا الكتاب حتى لا تنقطع عليه سلسلة المعاني التي يجمل أن تكون متصلة بعضها ببعض في ذهن القارئ. وهذه النبذة كما يرى الناظر تتضمن بقية الكلام على تقويم جزيرة صقلية وذكر المشهور من بلدانها والمعروف من علمائها وأدبائها وقد أطلنا في ذلك إلى الحد الذي لا يعدو ما نقصد إليه من ذلك وهو بيان ما كان للعرب في هذه الجزيرة من الحضارة المتمكنة حتى نبغ فيها من العلماء والأدباء أمثال من ذكرنا وهو كما قلنا غيض من فيض وقليل من كثير ونحن لو كان لدينا فسحة من الوقت ولو حصلنا على سائر الأسفار التي تعرضت لتراجم أهل جزيرة صقلية مثل خريدة العماد الكاتب ودرة بن القطاع ومختار ابن بشرون الصقلي وما إليها لكان حقاً علينا أن نتقصى هذا الباب الذي لم نعلم أحد من أهل عصرنا قد ألم به إلماماً فضلاً عن إيفائه حقه من القول وقد رأينا من تمام الفائدة أن نضع (خريطة) تصور هذه الجزيرة وبلدانها كما كانت أزمان العرب وكذلك البحر الأبيض المتوسط وجميع البلدان التي جاء لها ذكر في هذه الرسالة وقد أعاننا على وضع هذه المصور صديقنا الفاضل الشيخ محمد علي فخر أستاذ علم تقويم البلدان في مدرسة دار العلوم فجزاه الله عن العلم وأهله خير ما يجزى به المخلصون ثم أردفنا هذه النبذة الصقلية بالنبذة الثانية من الكلام على الشاعر ابن الرومي للكاتب الأديب السيد إبراهيم عبد القادر المازني يلي ذلك المقامة الأولى من مذكرات إبليس وعنوانها أغواء فتاة للكاتب الحكيم السيد عباس محمود العقاد وبعد ذلك يرى الناظر ثلاث مقطعات شعرية موسومة بثورة النفس للأدباء شكري والعقاد والمازني ثم باب أخبار العلم وفيه أبحاث جديدة في أبواب من العلم عدة اختارها للبيان الأستاذ صالح بك حمدي حماد - ومما نشرنا في هذا العدد ثمان صفحات من كتاب التربية الطبيعية أو اميل القرن الثامن عشر للفيلسوف جان جاك روسو ترجمة الكاتب المازني - وقد نشر من هذا الكتاب فيما سلف من أعداد البيان اثنان وثلاثون صفحة وهذي ثمان. ومما نشرنا كذلك
стр. 679
ثمان صفحات من قصيدة دون جوان لشاعر الانكليز الأكبر اللورد بيرن ويقوم بترجمتها الكاتب السباعي وقد نشر منها إلى الآن، مائة واثنا عشرة صفحة بأرقام منفصلة عن أرقام البيان وقد عثرنا أثناء بحثنا عن الأسفار القديمة النافعة في المكتبة الخديوية على رسالة للفيلسوف العربي أبي علي ابن مسكويه أسماها كتاب السعادة وهي رسالة جليلة مفيدة في هذا الباب كما يرى القارئ ولذلك رأينا نشرها في صحائف مستقلة بأرقام غير أرقام البيان. وهي فيما نظن لا تتجاوز الثلاثين صفحة نشرنا منها في هذا العدد ثمانياً - أما رواية البيان فقد كنا عزمنا على أن ننشر في كل عدد من البيان رواية تامة لا تبتدي حتى تنتهي فيه بيد أن حرصنا على أن تكون روايات البيان من الروايات الأدبية المفيدة الباقية على الزمن الباقي - كثيراً ما يحول دون هذا العزم لندرة الروايات الأدبية القصيرة التي لا تتجاوز الست عشرة صفحة أو الأربعا وعشرين كما هو المقدار الذي يتسع له البيان. ومن هنا ابتدأنا في هذا العدد بنشر رواية وسط ليست بالقصيرة ولا بالطويلة غير أن البيان لا يتسع لنشرها كلها في عدد واحد. وهذه الرواية هي من الروايات الخالدة التي تعد في صف البؤساء واضرابها - قال الأستاذ أحمد الخازندار وهو مترجم (وليم تل) هذه وأحد خريجي مدرسة الحقوق الخديوية والمحترف بالمحاماة الآن وأحد رجالات الأقلام المفكرين في مصر.
وليم تل رواية تمثل جهاد أهالي سويسرة في طلب الاستقلال في القرن الرابع عشر وضعها الكاتب الألماني فريدريك شيلر وهي آخر مؤلفاته وأحسنها وقد نقلت إلى سائر اللغات الأوربية وهي وليدة شاعرين وثمرة فكرين ناضجين، فقد ولدها خيال شلر عمدة الكتاب، وحضنها جويتي نابغة الأدباء، نشرها الأول من محشر الأرواح ونفخ فيها روحاً من عنده، وهيأ الثاني مادتها وزار البقاع التي حدثت فيها مواقعها التاريخية شاء جويتي أن يصوغها ملحمة على الطراز الهوميري وشاء القدر غير ذلك فأبى إلا أن يتناولها شيلر بلباقته المعروفة ويخلق من حوادثها رواية تمثيلية من أندرما أخرجته القرائح
الرواية خالية من العواطف الكاذبة والتشبيه الصناعي ولكن الطبع يجري فيها وفي أشخاصها حتى لا تكاد تجد الشاعر يتطفل بعواطفه ليفسد شخصية أبطال الرواية.
وقد قال عنها المستر سايم أنها قوبلت بإعجاب واستحسان أشد من سابقاتها من مؤلفات
стр. 680
شيلر وكانت ألمانية في دور انتقال من أظلم عصورها التاريخية فكان نور هذه الرواية يهب في سمائها نور أمل تجتمع إليه الأبصار وهي ليست خصيصة بعصر من العصور ولا خاضعة لأحداث الزمان والمكان ولكنها متأصلة في طبع الإنسان.
وكذلك نشرنا في هذا العدد الفصل الأخير من كتاب سر تطور الأمم وهذا الفصل هو كالفهرس لسائر أبواب الكتاب وموضوعاته: وربما نشرنا في العدد القادم مقالاً طوالا في تحليل نظريات هذا الكتاب وتطبيقها على مصر والمصريين إن شاء الله.
(اعتذار)
نعتذر إلى قرائنا الأفاضل عن تأخر هذا العدد الرابع عن موعده بما طرأ على المطبعة من الخلل الذي أفضي إلى ذلك. وهنا نجدد القول بأن موعد كل عدد من البيان هو آخر الشهر العربي لا أوله فيكون موعد العدد الرابع هو ٣٠ ربيع الثاني واليوم (أي يوم يظهر هذا العدد) هو يوم الخميس ١٠ جمادى الأولى الموافق ١٧ إبريل فيكون قد تأخر هذا العدد عن موعده ١٠ أيام فقط لا كما يظن بعض الناس الذين لا ينظرون إلى كل مشروع مصري إلا بالعين السوداء وتراهم يسيئون الظن بكل عامل مصري وينعون عليه ويشيعون المنكر عنه فلا تأذن من ناحيتهم أمام مثل البيان إلا قولهم: متى ينجح المصري؟ ها هو ذا قد تأخر البيان عن موعده؟ أنا لا أشترك في البيان لأنه غير منتظم! أين المصري من غير المصري؟ - إلى أمثال ذلك مما لا يدل للأسف إلا على القصور والتقصير وقلق الفكر وملل الذهن وعدم ثقة المصري بنفسه فلا يثق لعمري بأخيه.
فيأيها الساخطون مهلاً بعض هذا التشنيع وأولى بكم ويمين الله أن ترجعوا على أنفسكم باللوم والتأنيب ولتعلمن أن البيان كغيره ليس إلا بقرائه وإذا كان للبيان فضل فهو من الله وحسن توفيقه وإن كان ثمت نقص فهو من أنفسكم وسوء تقديركم وليت شعري كيف ينجح البيان وغير البيان إذا لم تنجحوه أنتم وتسعدوه. وكيف يتسق أمره مع تشويشكم عليه بالكلم العور فضلاً عن المماطلة في تأدية الحقوق.
ثقوا أولاً أيها الساخطون بأنفسكم وأشعروها الواجب وقوموا بواجب البيان عليكم ثم طالبوا البيان بواجبكم عليه والسلام على من اتبع الهدى.
стр. 681
مطبوعات جديدة
سر تطور الأمم
كتاب جليل لمؤلف جليل - فالكتاب يبحث في روح الشعوب وبحسبك هذا موضوعاً وقد وضعه فيلسوف أوربا في هذا العصر الدكتور جوستاف لوبون صاحب روح الاجتماع وحضارة العرب وروح الاشتراكية وروح السياسة - ونقله إلى العربية شيخ الكتاب الاجتماعيين في مصر العالم المخلص أحمد فتحي زغلول باشا وكيل نظارة الحقانية: قال سعادة المترجم في مقدمته لهذا الكتاب:
نقلت إلى العربية منذ ثلاث سنين كتاب روح الاجتماع للدكتور جوستاف لوبون فاستقبله القراء بالحسنى وكان واضعه قد سبقه بمؤلف من نوعه سماه سر تطور الأمم رجع إليه في مواضع كثيرة من روح الاجتماع - فلما قرأته رأيت من الواجب أن أقدمه لقراء الكتاب الأول حتى يجتمع لديهم الفرع بأصله. وقد لا يمضي زمن طويل فأعرض عليهم كتابين جديدين لهذا العالم الكبير: روح السياسة وروح الاشتراكية: فالكتب الأربع سلسلة أفكار واحدة كل كتاب يبرزها في صورة خاصة تمتاز بفائدتها عن البقية - انتهى.
ومن هنا يعلم الناظر أن سر تطور الأمم هذا هو وشقيقه روح الاجتماع هما رضيعا لبان، وفرسارهان، وأن من قرأ الثاني لا يستريح أو يقرأ الأول والحق نقول انا نحن المصرين بحاجة إلى مثل هذه الأسفار النافعة كحاجة البلد الجديب إلى المطر الجود أما لغة الترجمة فهي لغة فتحي باشا زغلول المعروفة بالسهولة ورونق الطبع حتى أنه ليخيل إلى قارئ منقولات سعادة المترجم لصدق الترجمة واشتباهها بالأصل أنه أوتي علم الغيب وألهم علم اللغات فهو يقرأ الكتاب بلغته الأصلية الأولى لا بلغة أجنبية أخرى: ونحن فلنا كلمة ضافية على منزلة سعادة المترجم ومكانته الأدبية سوف ننشرها في كلمة لنا أسميناها (كتاب العربية اليوم) إن شاء الله.
نشوء الاجتماع
خير ما تهتدى به الأمم الطامحة إلى الرقي والراغبة في الحياة هو إدراك السنن الطبيعية التي يجري عليها الارتقاء واكتناه الظواهر الاجتماعية التي تظهر في كل مجتمع يتنازع البقاء وقد كان الكشف عن ذلك أكبر ما يرمي إليه العلماء في أبحاثهم وتحليلاتهم غير أن
стр. 682
مؤلف هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم لفراء العربية نزع إلى نمط جديد في البحث. نظر في المجتمع فإذا هو صورة مكبرة من الفرد تجري نشأته وارتقاءه على ذات السنن الطبيعية التي تجري عليها حياة الفرد مع اعتبار النسبة بين الاثنين ولذلك لم يتردد في الاعتداد بأن المجتمع كائن حي ثم امتحن الظواهر الاجتماعية على هذا الاعتبار الخ الخ كذلك قال مترجم هذا الكتاب الفاضل محمد زكي صالح في مقدمته ومؤلف الكتاب هو بنيامين كد أحد الباحثين في علم الاجتماع من أبناء هذا الجيل ولغة الترجمة في المنزلة الوسطى لا هي بالمبتذلة ولا هي بالجزلة الفصحى - وثمن الكتاب خمسة قروش صاغاً وأجرة البريد قرش واحد.
الأدب المصري
رسالة صغيرة تقع في ١٦٠ صفحة من القطع الصغير كان قد قدمها الأستاذ الشيخ محمد سليمان أحد خريجي القسم العالي بمدرسة القضاء الشرعي وهو ظالب فيها حسب عادة لهم في ذلك - وقد تعرض الأستاذ في هذه الرسالة إلى الكلام على الفنون الأدبية من الشعر والكتابة والغناء في هذا العصر. وأنا أستميح الأستاذ عذراً عن قولنا أن لغته للأسف ضعيفة وأسلوبه الانتقادي أضعف فقد أصعد بأناس ليسوا هناك إلى منازل الأملاك، وأهوى بآخرين أفضل من أولئك إلى مقر الأسماك، ونوه بقوم ليسوا من الأدب ولا قلامة ظفر، وأغفل آخرين هم من أركان الأدب في هذا العصر وثمن الكتاب خمسة قروش وأجرة البريد قرش واحد ويطلب من مكتبة البيان.
مبكر الغيث
كناشة لحضرة الأديب محمود رمزي نظيم أثبت فيها طائفة صالحة من منظومه ومنثوره - ولم يتيسر لنا لضيق الوقت قراءة هذه الكناشة ولكنا نرجو أن تكون عند ظننا بصاحبها الأديب.
стр. 683
العدد ١٢ - بتاريخ: ٥ - ٥ - ١٩١٣
стр. 684
نوابغ العالم
عبد الرحمن الداخل
مؤسس الدولة الأموية بالأندلس
فريدريك الأكبر
مؤسس الوحدة الألمانية
هو معلوم مالتراجم نوابغ العالم عُرْباً كانوا أم من العجم، وكانوا من أرباب السيف أو من أرباب القلم، من الفائدة والأثر المحمود في نفس الناظر، وما هنالك من اللذاذة والفكاهة وترويح النفس واستجمام الخاطر.
ومن هنا رأينا أن ننشر في كل عدد من أعداد البيان ترجمتي نابغتين من نوابغ العالم المتقدمين منهم والمتأخرين، بقلم كاتبين من كبار الكتاب وثقات المؤرخين، وهاتان ترجمتا نابغتين عظيمين أولهما نابغة من نوابغ العرب وثانيهما نابغة من نوابغ الإفرنج، الأول صقر قريش - كما سماه الخليفة أبو جعفر المنصور - الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك رأس الدولة الأموية في الأندلس ومحييها بعد موتها - والثاني رجل بروسيا فردريك الثاني الملقب بالأكبر بن فردريك غليوم بن فردريك الأول بن فردريك المعروف بالأمير العظيم - مؤسس الوحدة الألمانية.
والأول بقلم مؤرخنا العظيم الفيلسوف عبد الرحمن بن خلدون والثاني بقلم أكبر مؤرخي الانجليز اللورد ما كولي - ونحن الآن بادئون بترجمة الأمير عبد الرحمن.
عبد الرحمن الداخل
تمهيد
وفي هذا التمهيد نقتطف من الرسالة السادسة من كتابنا حضارة العرب في الأندلس نتفاً تتعلق بجغرافية الأندلس وتأريخها قبل فتح الإسلام وبعد إلى دخول المترجم به ثم نسرد سيرة الأمير عبد الرحمن بقلم العلامة ابن خلدون مع الحذف والزيادة والتقديم والتأخير إن شاء الله.
وصف الأندلس
стр. 685
جزيرة الأندلس ويسميها العجم اشبيلية هي قطر كبير متصل بالأرض الكبيرة التي هي بلاد إفرنجة العظمي إلى جنوبيها الغربي - وهي على مثال الشكل المثلث حيث تعتمد على ثلاثة أركان فركنها الواحد فيما بين الجنوب والغرب عند ضم قادس حيث يتلاقى البحر المحيط المعروف ببحر أقيانس والبحر المتوسط الشامي - وركنها الثاني بشرقيها بين مدينة أربونة لعلها تربون إحدى مدائن فرانسا الآن ومدينة برديل (بردو الآن) حيث يقترب البحر المحيط من البحر الشامي فيكادان يجتمعان فتصير الأندلس جزيرة بينهما لولا جبل البرت (البرنات) الذي قام ثمت وفصل الأندلس من بلاد افرنسة - والركن الثالث هو في بلاد جليقية حيث الجبل الموفى على البحر المقابل جزيرة برطانية كما تتحقق ذلك إذا أنت نظرت المصور الجغرافي الذي صورنا لك فيه هذه الجزيرة.
ومن هنا تعلم أن الأندلس ليست بجزيرة على الحقيقة لاتصال أرضها بالأرض الكبيرة وأن حدها الجنوبي هو الخليج الرومي الخارج من البحر المتوسط مما يقابل طنجة في موضع يعرف بالزقاق - وسعة هذا الخليج اثنا عشر ميلاً - وحدها الشمالي والغربي البحر المحيط. وحدها الشرقي جبل البرت الواصل ما بين البحرين - ومسافة ما بينهما في هذا الجبل ثلاثة مراحل - ووسط الأندلس مدينة طليطلة التي كانت في القديم قاعدة القوط وعرضها ٣٩ درجة و٥٠ دقيقة وطولها ٢٨ درجة فصارت بذلك في القريب من وسط الإقليم الخامس ومعظم الأندلس في هذا الإقليم الخامس وطائفة منها كأشبيلية وقرطبة وغرناطة والمرية في الإقليم الرابع. أما أن العرب سموها الأندلس فذلك لما سيمر بك أن قوماً يعرفون بالأندلوس سكنوا قديماً شطرها الجنوبي فسماه من بعدهم من أعجام رومة والقوط أندلوشيا فلما فتح العرب هذه الجزيرة سموها كلها الأندلس تسمية للكل باسم البعض كما تسمى الأرض الكبيرة بلاد افرنجة وفيها افرنجة وغير افرنجة - أما تسمية العجم إياها اشبانية فلم نعلم لذلك سبباً على التحقيق ويلتحق بجزيرة الأندلس جزائر أخرى منثورة في البحر المحيط والبحر الشامي المتوسط وهي جزيرة قادس من كورة شريش من أعمال اشبيلية - وهذه الجزيرة في البحر المحيط، وهذا البحر المحيط فيه جزائر أخرى كثيرة، صغيرة وكبيرة. ففيه الجزائر الخالدات السبع وهي غربي مدينة ستلا تلوح للناظر في اليوم الصاحي: وفيه بجهة الشمال جزائر السعادات، وفي هذه الجزائر من المدن والقرى
стр. 686
مالا يُحصى، ومنها يخرج قوم يقال لهم المجوس على دين النصارى، أو لها جزيرة برطانية - وفي البحر الرومي جزائر ميورقة ومنورقة ويابسة، وقد مضى وصفها في الرسالة الأولى من كتابنا حضارة العرب في الأندلس.
وهذه جزيرة الأندلس هي بلد كريم البقعة طيب التربة خصب الجناب، منبجس الأنهار الغزار، والعيون الثرار. بل هو لتفوقه على سائر البلدان، كأنه قطعة انفصلت من الفردوس واستقرت في هذا المكان. ومن هنا كانت مستبحرة العمران، كثيرة المدن والقرى والحصون والقلاع، حتى لقد بلغني أن بها ثمانين مدينة من القواعد الكبار وثلاثمائة ونيفاً من المتوسطة وفيها من الحصون والقرى والبروج مالا يُحصى كثرة حتى قيل أن عدد القرى التي على نهر اشبيلية اثنا عشر ألف قرية - ولقد ذكرنا في الرسالة الثانية من كتابنا حضارة العرب في الأندلس - وعنوانها من المرية إلى قرطبة - أنا كنّا نجد في اليوم الواحد ثلاث مدن وأربعاً، وكنا لا نكاد نقطع فرسخين دون أن نرى الماء، وحيثما سرنا نرى الحوانيت في الفلوات والصحاري والأودية ورؤوس الجبال لبيع الخبز والفواكه والجبن واللحم والحوت وما إلى ذلك من ضروب الأطعمة وهذا لعمري مالا يوجد في صقع من معمور الأرض.
ومن مشهور مدائن الأندلس مدينة قرطبة وهي لعهدنا هذا قبة الإسلام، ومجتمع أعلام الأنام، بها استقر سرير الخلافة المروانية، وفيها تمحضت خلاصة القبائل المعدية واليمانية، وإليها الرحلة في رواية الشعر والشعراء، إذ هي مركز الكرماء ومعدن العلماء، فهي لعمري تملأ الصدور منها والحقائب، ويباري فيها أصحاب الكتب أصحاب الكتائب، وترى ساحاتها مجر عوالي ومجرى سوابق، ومحط معالي وحمى حقائق، وهي من بلاد الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد، والزور من الأسد، ولها الداخل الفسيح، والخارج الذي يمتع البصر بامتداده فلا يزال مستريحاً وهو من تردد النظر طليح - وقد وصفنا فيما سلف لنا في الرسالة الثالثة من حضارة العرب مسجدها الكبير والزهراء وقنطرة الوادي الكبير وما إلى ذلك من سائر أرياضها ومنتزهاتها ومدارسها وعلمائها وأدبائها وشعرائها وفلاسفتها وجملة القول أنا وصفنا هنالك كل شيء في قرطبة.
ومن مشهور مدائنها كذلك غرناطة واشبيلية وطليطلة والمرية وسرقسطة وجيان ومالقة
стр. 687
ومرسية وبلنسية ودانية وماردة وأشبونة عاصمة البرتغال الآن وشلب وهذه من القواعد الكبار. وشنت باتو (سانتياجو إحدى مدائن البرتغال) وشريش وطركونة (تراجونة في شرق الأندلس) وبرشلونة وبنبلونة (بمبلونة) وشلمنقة (سلمنكا) ومجريط (مدريد عاصمة إسبانيا الآن) وتلمرنة كوامبرة إحدى بلاد البرتقال وقرطاجنة. (وهنا وصفنا هذه البلدان وصفاً شافياً وذكرنا من أنجبته من علماء المسلمين وأدبائهم وفلاسفتهم وما إلى ذلك وكذلك ذكرنا معادن الأندلس وحيواناتها وشارات ملوكها وشعار أهلها في كل شيء وربما ننشر هذه الرسالة كلها في أحد الأعداد القادمة إن شاء الله).
تاريخ الأندلس
كانت جزيرة الأندلس في القديم يسكنها أمم شتى من أفرنجة المغرب كأمة الأندلوش التي سميت البلاد باسمها كما أسلفنا، وأمة الجلالقة وهي أشد بأساً وأعز نفراً وأمة القوط الفيزيغوط وهذه هي التي استوسق لها أمر الأندلس ودال إليها من يد الروم (الرومان) الذين امتلكوها حيناً من الدهر كما امتلكها اليونان والأفارتة (القرطاجنيون).
وقد تملك هؤلاء القوط جزيرة الأندلس وغلبوا أهلها على أمرهم لمتين من السنين قبل الإسلام بعد حروب كانت لهم مع اللطينيين حاصروا فيها رومة ثم عقدوا معهم السلم على أن ينصرف القوط إلى الأندلس فساروا إليها وملكوها - ولما أخذ الروم واللطينيون بملة النصرانية حملوا من وراءهم بالمغرب من أمم أفرنجة والقوط عليها فدانوا بها - وكان ملوك القوط ينزلون طليطلة وكانت دار ملكهم وربما تنقلوا ما بينها وبين قرطبة واشبيلية وماردة وأقاموا كذلك نحواً من أربعمائة سنة إلى أن جاء الله بالإسلام والفتح - وكان ملكهم لذلك العهد يسمى رذريق أو لذريق وهو سمة لملوكهم.
الأندلس من حين الفتح إلى دخول بني أمية
وكان لهؤلاء القوط خطوة وراء البحر في عُدوته الجنوبية خطوها من فرضة المجاز بطنجة ومن زقاق البحر إلى بلاد البربر واستعبدوهم. وكان ملك البربر بتلك البلاد يسمى يليان فكان يدين بطاعتهم وبملتهم وكان مقامه بسبتة - وكان أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك ﵀ قد استعمل إذ ذاك موسى بن نصر مولى عمر عبد العزيز بن مروان - واضطربت كلمة المؤرخين فيه فقيل أنه لخمي وقيل بكري وذلك أن أبا نصير أصله من
стр. 688
علوج أصابهم خالد بن الوليد في عين التمر فادعوا أنهم رهن وأنهم من بكر بن وائل فصار نصير وصيفاً لعبد العزيز فأعتقه. وعقد الوليد لابنه موسى على أفريقية وما وراءها فخرج موسى لطيّته في نفر قليل من المطوعة حتى إذا ورد مصر أخرج معه من جندها بعثاً وأتي أفريقية عمله ونزل بالقيروان قصبة أفريقية فأخرج موسى معه من أهل ذوي القوة والجلد وصير على مقدمته طارق بن زياد الليثي البربري وأخذ يقاتل البربر ويفتح بلادهم ومدائنهم وأماكن فيها حتى بلغ طنجة فحصرها حتى افتتحها وأسلم أهلوها وخطها قيرواناً للمسلمين وخلف مولاه طارقاً والياً عليها بعد أن استنزل يليان عامل سبتة لطاعة الإسلام - قالوا وكان من ديدن أكابر القوط بالأندلس وقوادهم أن يبعثوا أولادهم يقصدون إلي منفعتهم والتنويه بهم إلى مليكهم بطليطلة ليصيروا في خدمته ويتأدبوا بأدبه ويصيبوا حظاً من جاهه حتى إذا بلغوا زاوجهم بعضاً ببعض استئلافاً لآبائهم، فاتفق أن فعل ذلك يليان عامل سبتة، ركب الطريقة بابنة له بارعة الجمال عزيزة عليه فلما صارت عند رذريق وقعت عينه عليها فأعجبته ولم يملك نفسه حتى استكرهها فاحتالت حتى أعلمت أباها بذلك فأحفظه شأنها جداً وقال ودين المسيح لأزيلنّ ملكه وسلطانه ولأحفرنّ تحت قدميه فأجاز إلى لذويق وأخذ ابنته منه ثم لحق بطارق فكشف للعرب عورة القوط ودلهم على عورة فيهم أمكنت طارقاً فيها الفرصة فانتهزها لوقته وأجاز البحر سنة اثنتين وتسعين من الهجرة بإذن أميره موسى بن نصير في نحو من ثلاثمائة من العرب، واحتشد معهم من البربر زُهاء عشرة آلاف فصيرهما عسكرين أحدهما على نفسه ونزل به جبل الفتح فسمي جبل طارق به، والآخر على طريف بن مالك النخعي ونزل بمكان مدينة طريف فسمي به، وأداروا الأسوار على أنفسهم للتحصن وانتهي الخبر إلى لذريق فنهد إليهم يجر أمم الأعاجم وأهل ملة النصرانية في زهار أربعين ألفاً ومعه العجل تحمل الأموال والمتاع وهو على سريره بين دابتين وعليه مظلة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد فلما بلغ طارقاً دنوه قام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم حث المسلمين على الجهاد ورغبهم، ثم قال: أيها الناس أين المفر. البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر - وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا
стр. 689
لكم أمراً ذهب ريحكم وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجراءة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة - واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلاً استمتعتم بالأرفه الألذ طويلاً - وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان، من بنات يونان، الرافلات في الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عرباناً، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقة منه بارتياحكم للطعان واستماحكم لمجالدة الأبطال والفرسان. ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصاً لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم - واعلموا أنني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله فاحملوا معي فإن هلكت بعه فقد كفيتكم أمره ولم يعوزكم بطل عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه واحملوا بأنفسكم عيه واكتفوا من فتح هذه الجزيرة بقتله فإنهم بعده يخذلون.
فانبسطت نفوس القوم وتحققت آمالهم وهبت رياح النصر عليهم وقالوا لقد قطعنا الآمال مما يخالف ما قد عزمت عليه فاحضر إليه فإننا معك وبين يديك فركب وأصحابه وباتوا ليلتهم في حرس إلى الصبح، وكان ذلك يوم الأحد لخمس خلون من شوال سنة اثنتين وتسعين للهجرة الموافق اثنين وعشرين يوليه سنة تسعمائة وعشرة رومية (ميلادية) فلما أصبح الفريقان تكتبوا وعبوا جيوشهم وحمل لذريق وهو على سريره وقد حمل على رأسه رواق ديباج يظلله وهو مقبل في البنود والأعلام وبين يديه المقاتلة والسلاح وأقبل طارق في أصحابه عليهم الزرد من فوق رؤوسهم العمائم البيض وبأيديهم القسي العربية وقد تقلدوا السيوف واعتقلوا الرماح والتحم الجيشان وكان ذلك في فحص شريش.
ولما رأى طارق رذريقاً قال هذا طاغية القوم فحمل وحمل معه أصحابه فتفرقت المقاتلة من بين يدي رذريق فخلص إليه طارق فضربه بالسيف على رأسه فقتله على سريره وكان كما قيل:
فمساهم وبسطهموا حرير ... وصبحهم وبسطهم تراب
стр. 690
ومن في كفه منهم قناة ... كمنفي كفه منهم خضاب
قُتل العلج الذي فت في عضده الترف وأفسد إنسانيته النعيم. قُتل الظالم الغشوم فقُتل بقتله الجهل والظلم، واستأصل شأفة الضلال والإثم، وأراح على عباد الله حقهم الضائع، واستنقذهم من بين أنياب الحية وفي أنيابها السم ناقع، وهل يكون رذريق ومن يشبه رذريقاً إلا مصدر شقاء لأمته، وجالب عناء إلى رعيته، ومتى كان الظلم إلا طالع نحس وشؤم، والترف إلا رائد كرب وهم.
أي رذريق أحسبت حين كنت تعبث ببنات الناس وتفض إغلاق ما ختم الله، أن الله لا يبعث بك ويفض إغلاق ملكك ويؤتيه من هو خير منك. وقد ما لعمري كان الفسوق بالدمار نذيراً، وقد قال ربك وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا - وليت شعري ماذا ظننت إذ تريد أن تذود عن بلادك، وتنضح عن ملكك، وتقاتل أبناء الصحراء، أولئك الذين تسير المنايا حيث سارت منهم الركاب، وتغتبط بحروبهم جياع الطير وخمص الذئاب، إذ هي ضامنة أن ترتع إذ ذاك في لحوم الأعداء، وكذلك ضريت بلحوم الناس حتى تراها تهم أن تختطف منهم الأحياء، فذهبت إلى لقائهم محمولاً على السرير، رافلاً في الدمقس والحرير، كأنك عروس تُجلى إلى الرجال، لا فارس تراد على الطعان والنزال. فلما رأى القوط مصرع صاحبهم التحم الجيشان فهزم الله القوط ونقل للمسلمين أموالهم ورقابهم وكتب طارق إلى موسى بن نصير بالفتح والغنائم فحركته الغيرة وكتب إلى طارق يتوعده أن توغل بغير أذنه ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به وحتى يتمم هذا العمل العظيم عظيم مثله. وإن كان طارق كذلك عظيماً، بيد أن فوق كل ذي علم عليماً، وليت شعري كيف يلومون ابن نصير على ذلك ويقرفونه بالحقد والحسد، وهل يكون رئيس حازم، ليس بالحاقد ولا الناقم، وهل رأيت صفقة أخسر من غفلة رئيس أحقده غيره فنسى ذلك أو تناساه وعدوه لا يغفل عنه، وحاسده لا يكفيه إلا الراحة منه، ولستُ عمرك الله ممن يقول وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا ولكني أقول:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
ومن الحزم كما قيل أن يكون الرأي ميزاناً لا يزن الوافي لناقص ولا يزن الناقص لواف فاستخلف موسى على القيروان ولده عبد الله وخرج ومعه حبيب بن مندة الفهري ونهض
стр. 691
من القيروان سنة ثلاث وتسعين للهجرة في عسكر ضخم من وجوه العرب الموالي وعرفاء البربر ووافي خليج الزقاق ما بين طنجة والجزيرة الخضراء فأجاز إلى الأندلس وتلقاه طارق فانقاد واتبع وأتم موسى الفتح وتغلغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق وأربونة في الجوف وصنم قادس في الغرب ودوخ أقطارها وجمع غنائمها وكتب إلى الوليد فيما هاله من ذلك إنها ليست الفتوح ولكنها الحشر وأجمع أن يأتي المشرق من جهة القسطنطينية ويتجاوز إلى الشام دروب الأندلس ويخوض إليه ما بينهما من أمم الأعاجم النصرانية مجاهداً فيهم مستلحماً لهم إلى أن يلحق بدار الخلافة فأجفلت ملوك النصارى بين يديه واجتمع الإفرنج إلى قارله (شارل مارتل) ملك افرنسة وقد كان إذ ذاك من أعظم ملوكهم فقالوا له ما هذا الخزي الباقي في الأعقاب، كنا نسمع بالعرب ونخافهم من جهة مطلع الشمس حتى أتوا من مغربها واستولوا على الأندلس وعظيم ما فيها من العدة والعدد بجمعهم القليل وقلة عدتهم وكونهم لا دروع لهم، فقال لهم ما معناه الرأي عندي أن لا تعترضوهم في خرجتهم هذه فإنهم كالسيل يحمل من يصادره وهم في إقبال أمرهم ولهم نيات تغني عن كثرة العدد وقلوب تغني عن حصانة الدروع ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ من الغنائم أيديهم ويتخذوا المساكن ويتنافسوا في الرياسة ويستعين بعضهم على بعض فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر ونمي الخبر إلى الوليد فاشتد قلقه بمكان المسلمين من دار الحرب ورأي أن ما هم به موسى غرر بالمسلمين فبعث إليه بالتوبيخ والانصراف وأسر إلى سفيره (واسمه مغيث) أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجع وكتب له بذلك عهداً ففت ذلك في عزم موسى وقفل عن الأندلس بعد أن أنزل الرابطة والحامية بثغورها وأنزل ابنه عبد العزيز لغزوها وجهاد عدوها وأنزله بقرطبة فاتخذها دار إمارة واحتل موسى القيروان سنة خمس وتسعين وارتحل إلى المشرق سنة ست بعدها بما كان معه من الغنائم والذخائر والأموال على العجل والظهر يقال أن من جملتها ثلاثين ألف رأس من السبي وولى على إفريقية ابنه عبد الله وعلى المغرب الأقصى ابنه عبد الملك وقدم على سليمان بن عبد الملك الذي ولى الخلافة بعد أخيه الوليد.
(نكبة موسى بن نصير)
ولما قدم موسى بن نصير على سليمان بن عبد الملك وجده كالمرجل غضباً فأنزل به من
стр. 692
العذاب والتنكيل ما جعل بطن الأرض أحب إليه من ظهرها، وذلك أنه حبسه وعزله عن جميع أعماله وأمر بتقصي حسابه فأغرمه غرماً عظيماً كشفه فيه حتى اضطر إلى أن سأل العرب معونته فيقال أن لخماً حملت عنه في أعطيتها تسعين ألفاً ذهباً وهم سليمان بقتله فاستجار بيزيد بن المهلب لمكانه من سليمان وطلب منه أن يكلمه في أن يخفف عنه فاستوهبه من سليمان فوهبه إياه.
وما أحكم الحديث الذي دار بينه وبين يزيد حين لجأ إليه، قال له يزيد: أريد أن أسألك فأصغ إلي، ثم قال لم أزل أسمع عنك أنك من أعقل الناس وأعرفهم بمكايد الحروب ومداراة الدنيا فقل لي كيف حصلت في يد هذا الرجل بعد ما ملكت الأندلس وألقيت بينك وبين هؤلاء القوم البحر الزخار وتيقنت بعد المرام واستصعابه، واستخلصت بلاداً أنت اخترعتها، واستملكت رجالاً لا يعرفون غير خيرك وشرك، وحصل في يدك من الذخائر والأموال والمعاقل والرجال ما لو أظهرت به الامتناع ما ألقيت عنقك في يد من لا يرحمك ثم أنك علمت أن سليمان ولي عهد وأنه المولى بعد أخيه وقد أشرف على الهلاك لا محالة وبعد ذلك خالفته وألقيت بيدك إلى التهلكة وأحقدت مالكك ومملوكك (يعني سليمان وطارقاً) وما رضي هذا الرجل عنك إلا بعيد ولكن لا آلو جهداً - فقال موسى ليس هذا وقت تعديد، أما سمعت إذا جاء الحين غطي على العين، فقال يزيد ما قصدت بما قلت لك تعديداً ولا تبكيتاً وإنما قصدت تلقيح العقل وتنبيه الرأي وأن أري ما عندك فقال موسى أما رأيت الهدهد يرى الماء تحت الأرض عن بعد ويقع في الفخ وهو بمرأى عينه.
ثم كلم فيه سليمان فوهب له دمه ولكن لم يرفع العذاب حتى يرد ما غل - زعم سليمان - من مال الله. وآلت حاله إلى أن كان يطاف به ليسأل من أحياء العرب ما يفتك به نفسه وفي تلك الحال مات - حدث أحد غلمانه ممن له في أيام محنته فقال: لقد رأيتنا نطوف مع الأمير موسى بن نصير على أحياء العرب فواحد يجيبنا وآخر يحتجب عنا ولربما دفع إلينا رحمة بنا الدرهم والدرهمين فيفرح بذلك الأمير ليدفعه إلى الموكلين به فيخففون عنه من العذاب، ولقد رأيتنا أيام الفتوح العظام بالأندلس نأخذ السلوب من قصور الإفرنج فنفصل منها ما يكون فيها من الذهب وغير ذلك ونرمي به ولا نأخذ إلا الدر الفاخر. فسبحان الذي بيده العز والذل والغنى والفقر أي وربك أيها الغلام، إذ الأمر كما قيل:
стр. 693
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سُوقة ننتصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تاران بنا وتصرف
أف لهذه الدنيا، بل أف لجبابرة الملوك، ما أغدر وما أخون. فبيناهم يلينون للناس لين فراء السمّور، إذا هم يلبسون لهم جلود النمور، وأنت أيها الغلام ما أكرمك إذ وفيت لسيدك وقت نكبته، وفرجت عنه بعض كربته، وما ألأم ذلك المولى الذي عزم على أن يسلم سيده الأمير موسى وهو بوادي القرى في أسوأ حال ففطن موسى لذلك فذل له وقال يا فلان أتسلمني في هذه الحال فقال له اللئيم قد أسلمك خالقك ومالكك الذي هو أرحم الراحمين، فدمعت عيناه وجعل يرفعهما إلى السماء خاضعاً مهيناً بشفتيه فما سفرت تلك الليلة إلا عن قبض روحه رحمة الله - وقد اختلف المؤرخون في سبب هذه النكبة فقال بعض أن موسى إنما قدم على الوليد وأن سليمان ولي العهد لما سمع بقرب موسى من دمشق وكان الوليد مريضاً كتب أي سليمان إلى موسى يأمره بالتربص رجاء أن يموت الوليد قبل قدوم موسى فيقدم موسى
على سليمان في أول خلافته بتلك الغنائم الكثيرة التي ماريء ولا سمع مثلها فيعظم بذلك مقام سليمان عند الناس فأبي ذلك موسي ومنعه دينه منه وجد في السير حتي قدم والوليد حى فسلم له الأخماس والمغانم والتحف والذخائر فلم يمكث الوليد إلا يسير أبعد قدوم موسي وقضى واستخلف سليمان فحقد عليه وكان منه ما كان، وذهب آخرون إلى أن طارقاً لما هزم القوط وفتح طليطلة أصاب في كنيستها مائدة من أعجب ما صنع الأنس قالوا وأصل هذه المائدة أن القوط في أيام ملكهم كان أهل الحسبة منهم إذا مات أحدهم أوصي بمال للكنائس فإذا اجتمع عندهم ذلك المال صاغوا منه الآلات الضخمة من الموائد والكراسي وأشباهها من الذهب والفضة تحمل الشماسة والقساوسة فوقها مصاحف الأناجيل إذا برزت في أيام المناسك ويضعونها على المذابح في الأعياد للمباهاة بزينتها فكانت تلك المائدة بطليطلة مما صيغ في هذه السبيل وتأنقت الأملاك في تفخيمها يزيد الآخر منهم على الأول حتي برزت على جميع ما اتخذ من تلك الآلات وطار الذكر مطاره عنها وكانت مصوغة من خالص الذهب مرصعة بفاخر الدر والياقوت والزمرد لم تر الأعين مثلها وكانت توضع على مذبح كنيسة طليطلة فأصابها المسلمون هناك وطار النبأ الفخم عنها فلما قدم موسى إلى طليطلة طالب طارقاً بأداء ما عنده من مال الفىء وذخائر الملوك واستعجله المائدة فأتاه
стр. 694
بها وقد خلع من أرجلها رجلاً وخبأه عنده فسأله موسي عنه فقال لا علم لى به وهكذا أصبتها فجعل لها موسى رجلاً من ذهب جاء بعيد الشبه من أرجلها فأخل بها ولما قفل موسي إلى المشرق وأصحابه سأل مغيثاً سفير الوليد إليه أن يسلم إليه العلج صاحب قرطبة الذي كان في أساره فامتنع عليه وقال لا يؤذيه للخليفة سواي وكان يدل بولائه من الوليد فهجم عليه موسى فانتزعه منه فقيل له أن سرت به حياً معك أدعاه مغيث والعلج لا ينكر قوله ولكن أضرب عنقه ففعل فاضطغنها عليه مغيث وصار ألباً عليه مع طارق فلما قدم موسى على سليمان وجد طارقاً ومغيثاً قد سبقاه إليه بالشكية منه ورمياه عنده بالخيانة وأخبراه بما صنع بهما من خبر المائدة والعلج وقالا له أنه قد غلّ جوهراً عظيم القدر أصابه ولم تحو الملوك من بعد فارس مثله فلما رافى سليمان وجده المغيظ المحنق وسأله عن المائدة فأحضرها وقال له زعم طارق أنه الذي أصابها دونك قال لا وما رآها قط إلا عندى فقال طارق فليسأله أمير المؤمنين عن الرجل التي تنقصها فسأله فقال هكذا أصبتها وعوضتها رجلاً صنعتها لها فحول طارق يده إلى قبائه فأخرج الرجل فعلم سليمان صدقه وكذب موسي فحقق جميع ما رمى به عنده وأنزل به ما أنزل وعندى أن السبب الأول الذى حمل سليمان على نكبة موسى هو خوفه من امتداد سلطانه بالمغرب وإفريقية والأندلس، واستبداده بالأمر دونه.
ولاة الأندلس
من حين الفتح إلى دخول عبد الرحمن الداخل
أسلفنا أن موسي بن نصير لما قفل عن الأندلس إلى المشرق ولى عبد العزيز ابنه مكانه وأن عبد العزيز هذا كأنه خيراً فاضلاً. وأقام والياً على الأندلس مدي عامين فتح فيهما مدائن كثراً بيد أن سليمان بن عبد الملك لم يكفه أن نكب موسى بل أغرى عساكر الأندلس بابنه عبد العزيز هذا فقتلوه لسنتين من ولايته.
قال ابن خلدون:
وولى من بعده أيوب بن حبيب اللخمى وهو ابن أخت موسى بن نصير فولي عليها ستة أشهر. ثم تتابعت ولاة العرب على الأندلس تارة من قبل الخليفة وتارة من قبل عامله بالقيروان وأثخنوا في أمم النصرانية وافتتحوا برشلونة من جهة المشرق وحصون قشتالة
стр. 695
وبسائطها من جهة الجوف وانقرضت أمم القوط وأوي الجلالقة ومن بقى من أمم العجم إلي جبال قشتالة وأربونة وأفواه الدروب فتحصنوا بها وأجازت عساكر المسلمين ما وراء برشلونة من دروب الجزيرة حتى احتلوا البسائط وراءها وتوغلوا في بلاد الفرنجة وعصفت ريح الإسلام بأمم النصارى من كل جهة وربما كان بين جنود الأندلس من العرب اختلاف وتنازع أوجد للعدو بعض الكرة فرجع الإفرنج ما كانوا غلبوهم عليه من بلاد برشلونة لعهد ثمانين سنة من لدن فتحها واستمر الأمر على ذلك: وكان محمد بن يزيد عامل إفريقية لسليمان بن عبد الملك لما بلغه مهلك عبد العزيز بن موسي بن نصير بعث إلى الأندلس الحر بن عبد الرحمن بن عثمان الثقفي فقدم الأندلس وعزل أيوب بن حبيب وولي سنتين وثمانية أشهر. ثم بعث عمر بن عبد العزيز على الأندلس السمح بن مالك الخولانى على رأس المائة من الهجرة وأمره أن يخمس أرض الأندلس فخمسها وبنى قنطرة قرطبة واستشهد غازياً بأرض الفرنجة سنة ثنتين ومائة. فقدم أهل الأندلس عليهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقى إلى أن قدم عنبسة بن سحيم الكلبي من قبل يزيد بن أبي مسلم عامل إفريقية فقدمها في صفر سنة ثلاث ومائة فاستقام أمر الأندلس وغزا الفرنجة وتوغل في بلادهم واستشهد سنة سبع ومائة لأربع سنين وأربعة أشهر ثم تتابعت ولاة الأندلس من قبل أمراء إفريقية فكان أولهم يحيى بن سلمة الكلبي أنفذه بشر بن صفوان الكلبي والى إفريقية لما استدعى منه أهل الأندلس والياً بعد مقتل عنبسة فقدمها آخر سنة سبع وأقام في ولايتها سنتين ونصفاً ولم يغز وقدم إليها عثمان بن أبي نسعة اللخمى واليامن قبل عبيدة بن عبد الرحمن السلمي صاحب إفريقية وعزله لخمسة أشهر بحذيفة بن الأحوص القيسى فوافاها سنة عشر وعزل قريباً يقال لسنة من ولايته. واختلف هل تقدمه عثمان أو هو تقدم عثمان. ثم ولى بعده الهيثم بن عبيد الكلابي من قبل عبيدة بن عبد الرحمن أيضاً قدم في المحرم سنة إحدي عشرة وغزا أرض مقوشة فافتتحها وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائة لسنتين من ولايته وقدم بعده محمد بن عبد الله الأشجعي فولى شهرين ثم قدم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقى من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية فدخلها سنة ثلاث عشرة وغزا الإفرنجة وكانت له فيهم وقائع وأصيب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة في موضع يعرف ببلاط الشهداء وبه عرفت الغزوة وكانت ولايته سنة وثمانية
стр. 696
أشهر. ثم ولى عبد الملك بن قطن الفهرى وقدم في رمضان سنة أربع عشرة فولى سنتين وقال الواقدي أربع سنين وكان ظلوماً جائراً في حكومته وغزا أرض البشكنس سنة خمس عشرة ومائة فأوقع بهم وغنم ثم عزل في رمضان سنة ست عشرة وولى عقبة بن الحجاج السلولى من قبل عبيد الله بن الحبحاب فأقام خمس سنين محمود السيرة مجاهداً مظفراً حتى بلغ سكني المسلمين أربونة وصار رباطهم على نهر ردونة ثم وثب عليه الملك بن قطن الفهري سنة إحدى وعشرين فخلعه وقتله ويقال أخرجه من الأندلس وولى مكانه إلى أن دخل بلج بن بشر بأهل الشام سنة أربع وعشرين فغلب عليه وولى سنة أو نحوها وقال الرازي ثار أهل الأندلس بأميرهم عقبة في صفر سنة ثلاث وعشرين في خلافة هشام بن عبد الملك وولوا عليهم عبد الملك بن قطن ولايته الثانية فكانت ولاية عقبة ستة أعوام وأربعة أشهر وتوفى بقرمونة سنة ثلاث وعشرين واستقام الأمر لعبد الملك ثم دخل بلج بن بشر القشيري بجند الشام ناجياً من وقعة كلثوم بن عياض مع البربر بملوية فثار على عبد الملك وقتله وهو ابن سبعين سنة واستوسق له الأمر بعد مقتل عبد الملك وانحاز الفهريون إلى جانب فامتنعوا عليه وكاشفوه واجتمع إليهم من أنكر فعلته بابن قطن وقام بأمرهم قطن وأمية ابنا عبد الملك بن قطن والتقوا فكانت الدائرة على الفهريين وهلك بلج من الجراح التي نالته في حربهم وذلك سنة أربع وعشرين لسنة أو نحوها من إمارته، ثم ولى ثعلبة بن سلامة الجذامي غلب على إمارة الأندلس بعد مهلك بلج وانحاز عنه الفهريون فلم يطيعوه وولى سنتين أظهر فيهما العدل ودانت له الأندلس عشرة أشهر إلى أن مالت به العصبية في يمانيته ففسد أمره وهاجت الفتنة وقدم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي من قبل حنظلة بن صفوان عامل إفريقية ركب إليها البحر من تونس سنة خمس وعشرين فدان له أهل الأندلس وأقبل عليه ثعلبة وابن أبي لسعة وابنا عبد الملك بن قطن فلقيهم وأحسن إليهم واستقام أمره وكان شجاعاً كريماً ذا رأي وحزم وكثر أهل الشأم عنده ولم تحملهم قرطبة ففرقهم في البلاد وأنزل أهل دمشق البيرة لشبهه بها وسماها دمشق وأنزل أهل حمص إشبيلية وسماها حمص وأهل قنسرين جيان وسماها قنسرين وأهل الأردن رية ومالقة وسماها الأردن وأهل فلسطين شدونة وهى شريش وسماها فلسطين وأهل مصر تدمير وسماها مصر. وقفل ثعلبة إلى المشرق ولحق بمروان بن محمد وحضر حروبه. وكان أبو
стр. 697
الخطار عربياً عصبياً أفرط عند ولايته في التعصب لقومه من اليمانية وتحامل على المضرية وأسخط قيساً وأمر في بعض الأيام بالصميل بن حاتم كبير القيسية وكان من طوالع بلج وهو الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن ورأس على المضرية فأقيم من مجلسه وتقنع فقال لع بعض الحجاب وهو خارج من القصر أقم عمامتك يا أبا الجوشن فقال إن كا لى قوم فسيقيمونها فسار الصميل بن حاتم أميرهم يومئذ وزعيمهم وألب عليه قومه واستعان بالمنحرفين عنه من اليمانية فخلع أبو الخطار سنة ثمان وعشرين لأربع سنين وتسعة أشهر من ولايته وقدم مكانه ثوابة بن سلامة الجذامي وهاجت الحرب المشهورة وخاطبوا بذلك عبد الرحمن بن حبيب صاحب إفريقية فكتب إلى ثوابة بعهده على الأندلس منسلخ رجب سنة تسع وعشرين فضبط الأندلس وقام بأمره الصميل واجتمع عليه الفريقان وهلك لسنة من ولايته ووقع الخلاف بإفريقية والتاث أمر بنى أمية بالمشرق وشغلوا عن قاصية الثغور بكثرة الخوارج وعظم أمر المسوّدة فبقى أهل الأندلس فوضى ونصبوا للأحكام خاصة عبد الرحمن بن كثير ثم اتفق جند الأندلس على اقتسام الإمارة بين المضرية واليمانية وأدالتها بين الجندين سنة لكل دولة وقدم المضريون على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن الفهرى سنة تسع وعشرين واستتم سنة ولايته بقرطبة دار الإمارة ثم وافته اليمانية لميعاد أدالتهم واثقين بمكان عهدهم وتراضيهم واتفاقهم فيتهم المروانى وكان وفد عليه من المشرق وكان أبوه عمر بن مروان بن الحكم في كفالة أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر فلما دخلت المسوّدة أرض مصر خرج عبد الملك يؤم الأندلس في عشرة رجال من قومة مشهورين بالبأس والنجدة حتى نزل على عبد الرحمن سنة أربعين فعقد له على أشبيلية ولابنه عمر بن عبد الملك على مورور وسار يوسف إليهما وخرجا إليه ولقياه وتناجز الفريقان فكانت الدائرة على يوسف وأبعد المفر واغتاله بعض أصحابه بناحية طليطلة واحتز رأسه وتقدم به إلى الأمير عبد الرحمن فاستقام أمره واستقر بقرطبة وثبت قدمه في الملك. (للكلام بقية)
استدراك
أسلفنا عند الكلام على جزائر السعادات التى منها جزائر بريطانية (ومنها كما يظهر السويد والنرويج) والتى كان يخرج منها ناس يفال لهم المجوس يغيرون على الأندلس - إن
стр. 698
هؤلاء المجوس لعلهم قدماه الإنكليز ولكن بعد البحث العميق ظهر لنا أن هؤلاء الذين يسميهم العرب المجوس هم النورثمان.
(سكان السويد والنرويج).
стр. 699
أمرسون في إنكلترا
زار أمرسون أكبر كتاب الأمريكان إنكلترا وكتب عن زيارته رسالة وصف فيها البلاد وأهلها وصفاً وافياً شافياً ينم عن نظر ثاقب وبصيرة نافذة معلم غزير واطلاع واسع وقد أحب البيان أن لا يخلو من بعض فصول مبحث كهذا. ومازال البيان مولعاً بالإشراف الأبرع. كلفاً بالأطرف الأبدع.
كالعين منهومة بالحسن تتبعه ... والأنف يطلب أقصى منتهى الطيب
فلما صحت عزيمة البيان على ذلك ترجم تلك الرسالة وأظهر في هذا العدد أحد فصولها وهو هذا الذى بين يدى القارئ وسينشر سائر الفصول في أعداد قادمة وبالله التوفيق.
آداب الإنكليز وعاداتهم
لقد بحثت الإنكليزي فوجدته أثبت الناس قدماً. وأمضاهم عزماً. إذا هم مضى وإذا مضي لم يثنه دون الغاية عائق. ورأيت للقوم من فرط النشاط والحدة والذكاء مثل ما يمتدحون به جيادهم وأفراسهم. وقد وصف لى رجل منهم والى أيرلندة أول نزولى مدينة لفربول فقال اللورد كلارندون فيه سورة الديك وهو إذا نازل القرن صدق القتال حتى يفني هذا أول ما سمعته عن خلق الإنكليزى وهو كذلك آخر ما سمعته. ولعل رأس مفاخر الإنكليزي وهو الحدة والجرأة فهي بينة في الحوذى بينة في التاجر بينة في القسيس بينة في المرأة بينة في الجرائد حتي رأيتهم يقولون ليس فى إنكلترا طولها وعرضها ما هو أشد جرأة وأصدق حملة من صحيفة التيمس.
وقد قال سيدنى سميث وذكر الوزير اللورد جون راسل أنه لو شاء لقاد الأسطول من غده.
والإنكليز يريدونك على أن تصرح برأيك غير موارب ولا مراء ويمقتون كل المقت الجبان الهيابة الذي إذ سئل عن الشئ وقف فلم يقل لا ولا نعم.
ومتانة أخلاق الإنكليزي وشدة استبداده برأيه أظهر ما تكون في قلة اكتراثه الناس وعدم تطلعه إليهم حتى كأن أحدهم إزاء الآخر الصخرة الصماء. والدمنة الخرساء. وحتى ترى كل واحد يسير ويجلس ويأكل ويشرب ويلبس وينزع ويشير وينطق ويحدث الحدث ويلقاه. ويفعل الفعل ويتلقاه. غير ما ملتفت إلى الناس ولا حافل بالعالم إلا اجتنابه الدخول في شؤون الغير وتحاميه إيذاءهم. وما ذلك أنه قد مرن ودرب على احتقار الناس كلاً إنما هو
стр. 700
اشتغال بأمره عن أمورهم وانصراف عن شؤونهم إلى شؤونه. وكل امريء في هذه البلاد لا يستنصح إلا نفسه ولا يترك ما فيه رضاه لا رضاء غيره ولا أعلم على ظهر البسيطة مصراً خلاف هذا المصر يصفح فيه عن الشواذ والعجائب من العادات والأعمال حتى لا يكاد يلتفت إليها أو يفطن لها. فالإنكليزي يمشى في الوابل الهتان مغلقاً مظلته بهزها هز العصا. ويلبس على منكبيه رداء أو سرجاً وعلى رأسه قلنسوة أو مخلاة ويمشى على رجليه أو يسعى على أم رأسه أو يتدحرج على جنبيه ولا يقال فى ذلك حرف واحد. وإذ كان قد طال عهده بهذا الأمر وتقادمت العصور على تلك العادة فقد أصبحت قد مزجت بدمه. ورسبت فى عظمه وجالت بين جلده ولحمه.
وجملة القول كل امريء من هؤلاء الجزائريين جزيرة فى نفسه هادئ صامت مطمئن منقطع عن سائر أهل جلدته. وإنك إن تلقه وسط جماعة من الأجانب حسبته أصم. فهو لا يرسل الطرف في نحاء المجلس ولا يرتعه في أشخاص القوم بل لا يزال عاقده بمائدته أو صحيفته ثم لا يبدو عليه للتطلع والقلق أدنى أثر. ثم لا تراه يمد للمصافحة راحة ولا تراه يلقى لحظك بلحظه
ورابني منه أنى لا أزال أرى ... في طرفه قصراً عنى إذا نظرا
ونظرك في وجه أجدهم قبل التعارف ذنب لا يغتفر. والإنكليز لا يحدون التعارف بين الأفراد في حفلات الأعيان ولا في الحفلات المختلطة شدة اهتمام بمسألة التعارف كأنهم يرونها صنفاً من المعاهدات والمبايعات والإنكليزي ضنين باسمه لا يكاد يبوح به لصاحب النزل الذي هو وافده والخان الذي هو وارده. ولئن ظفرت منه ببطاقته فلقد ظفرت ولا ريب بمودته. وإذا قدم إليك ألفيته منقبضاً جافياً. مزوراً نائياً. على حين أنه الراغب في صداقتك. المؤمل لمودتك. الباغي سعادتك وفلاحك. الطالب نفعك وإصلاحك.
والإنكليزي جاد ماض محب للنظام والنظافة شديد التمسك بالرسوم والاصطلاحات. والسنن والعادات. محب لدين والصدق مع الإقامة على القديم والتشبث بالرسوم. وقد أجمع الناس على مدح المطاعم والبيوت الإنكليزية وما جمعت من أسباب النعيم والراحة وكل نزل بتلك الديار أو منزل ضمان على أهله إكرام مثوى الضيف يقري هنالك مع الطعمة الطيبة والجرعة السائغة عذوبة اللقاء وحسن الإقبال والإصغاء. وجميل التلطف والاحتفاء. وقد
стр. 701
يكون الفرنسي نظيفاً. ولا يكون الإنكليزي إلا نظيفاً. بادي النظافة والنظام في ثوبه وسائر متاعه.
ولما كان الإنكليزي قد أقامه الله بأرض هطالة الأنواء. مغيمة الأجواء. قارسة الهواء. تسجنه بداره وتغله إلى سريره وكان مع ذلك ودوداً وفياً. وبراً تقياً. أصبح شديد الحب لداره. فإذا كان موسراً ابتنى إيواناً. واقتنى غلماناً. وإذا كان متوسط الحال لم يدخر دون تنميق داره شيئاً. فأما ظاهر الدار فيطلي دهاناً. وأما الباطن فيكسى الخشب الصقيل جدراناً. وتفرش أرضه خزاً وكتاناً. ويزان بالصور والنقوش ألواناً. ويملأ بسائر أنواع الفرش الوثيرة والتحف المونقة. وتحلية البيت وزخرفته هي آخر ما يبقى من شهوات الإنكليزى بعد ذهاب سائرها. فهو لا يزال يسوق إلى داره كل ما طاب ولذ. ولما كان مع ذلك محباً للبقاء بالدار عينها يرثها عن سلفه فيورثها خلفه
كالحسام الجزار يبقى على الدهر ويفني في كل عصر قرابه
فلا جرم إذا رأيت الدار قد أصبحت على كر العصور متحفاً جامعاً قد ضمن جميع مآثر السلف منذ أول ساكن ومخلفات أولئك الآباء والجدود ومفاخرهم - شواهد وقائعهم ودلائل أفاعيلهم. والإنكليزى مولع بآنية الفضة. وهو وإن أعوزته الصفائف المعروضة من صور الآباء والأجداد لم تعوزه الصفائف المعروضة من أكواب مدامهم وأواني فطائرهم.
وإن بديار الموسرين من آنية الفضة مالا يكاد يصدق بمقدار بشر. وليس يخلو أحقر البيوت من ملعقة أو قدر - هدية عمة أو جدة ونقيذة من نقائذ الدهر وعنواناً على ما درس من عهود النعيم وانقرض.
التربة الإنكليزية تنبت في صفاء صحو الدعة وسقيا مياه الأدب الصريح. والعلم الصحيح. أكرم النساء وفضلياتهن. ولا يعلم فى الوجود شيء قد أصاب من الرقة في غير تصنع والخفر في غير تكلف ومن الفضائل الفطرية والمحاسن الغريزية ما أصابت المرأة الإنكليزية ولا شيء أصدق وأطهر وأرق من تبادل الحب والوفاء بين الإنكليزي والإنكليزية لقد جاء في بعض أناشيد ١٥٦٩ ليس أعظم من حظوة الإنكليزية بزوجها إلا حظوة الإنكليزى بزوجته والمرأة العفة النقية المذكورة في رواية شاكسبير سمبيلين مستعارة ولاشك من المرأة الإنكليزية وكذلك بورشيا زوجة بروتاس وكيت برسي ودزدمونا.
стр. 702
ورعاية حرمة البيت هي أساس قوتهم وهي الجذر الذى عنه تتشعب فروع الأمة وتسمو صُعُداً. فهم يمسون ويصبحون وأول أغراض تجاربهم ودولتهم هو صيانة استقلال بيوتهم وحفظ حريتها. ورعاية حرمة البيت وقضاء حقوقه غريزة تجرى مع النفس يحملها الإنكليزي بين جنبيه أينما حل وارتحل سواء نزل المعسكر أو البلاط. ولقد كان ولنجتون وهو قائد الجيوش البريطانية في اسبانيا لا يكاد يبرح مكانه حذراً من غرماء دولته. وزعم المستر كوبيت أن الوزير السير برسفال لم يكتسب رضا الناس طراً إلا بفضل حضوره الكنيسة كل أحد يحمل في يمينه إنجيلاً مذهباً وفي يساره عضد امرأته يتبعه من أنجاله كسرب الظباء أو كالربرب.
والقوم شديدو المحافظة على عاداتهم وأزيائهم وشعائرهم فمن أنعم النظر لمح شبح العصور الوسطى يمشى الضراء في شوارع لندن وكأنما يبصر فرسان تلك القرون يتبايعون على حماية النساء كما كانوا يفعلون أيام الفتوة والنجدة. ولما كان يوم تتويج الأميرة الحاضرة جدد الشعب شعائر القرن الحادى عشر. ومن عاداتهم وراثة المستأجرات والمهن يتوارثون الوظائف والحرب والضياع المستأجرة ويتوارثون كذلك الروايات والأنباء. وربما امتدت مدة التأجير هنالك ألف عام واستمرت الوظيفة والشركة طول العمر أو أورثت قال وردذورث وذكر مزارعى ناحية وستمورلانه كان الكثير من صغار هؤلاء المزارعين يعتقدون أن ما يحرثون من الأرض مازال منذ خمسمائه عام في حوزة أناس من ذوى قرباهم وأرحامهم ولو سألت عن نجار السفن بالمرسى أو غارس البستان بقصر الوزير أو بواب ذلك الأمير لعلمت أن كل واحد من هؤلاء قد ورث عمله أباً عن جد منذ أعوام عديدة.
والقوم يمقتون التغيير والتبديل فطرة جبلوا عليها وقواها في نفوسهم تعاليم فلاسفتهم فلقد قال لهم باكون الوقت خير مبدل وأحسن مصلح وقال لهم شاتام الثقة غرس بطىء النمو وقال لهم كانتج سيروا مع الوقت وقال لهم ولنجتون العادة أرسخ من الطبع.
والإنكليزى شديد الوقار سواء في الكوخ والقصر. كان الموسيقى الشهير ثالبرج يضرب بالبيانو ذات ليلة في حضرة الملكة في حفلة خاصة فأصحبته الملكة صوتها رافعة بالغناء عقيرتها فذاع الخبر فاقشعرت بريطانيا من الذؤابة إلى القدم اشمئزازاً من هذا العمل وأنفة.
стр. 703
فلم تعد الأميرة قط بعد ذلك إلى إتيان ذلك المنكر. والإنكليز أشد الناس انقباضاً وحشمة ولا مسوغ عندهم لإبداء الطرب إلا التمثيل والموسيقى ولا يجيزون من الصوت إلا الخفيض الخفي الذي لا يسمع إلا من خوطب به. ومنهم من تدرك في صوته رنة يأس كأنما تناجيك قائلة اقطع الرجاء من كل شيء.
والادعاء والزهو والمفاخرة أبغض الأشياء إليهم حتى نراهم إلى عكس ذلك يجنحون يخشوشنون الثوب والصوت والهيئة. يكرهون التصنع ويعمدون إلى أكباد الحقائق وما برحوا - منذ كانوا - يرذلون اللغو والهذر ويمقتون تكلف الرقة والظرف والأطناب والمبالغة ويسلكون القصد قولاً وفعلاً ويجرون على الفطرة والغريزة من السذاجة والخشونة حتي غدا خليعهم بروميل قد عرف بسذاجة لباسه. وأحسن ما يمتدحون به قلة التكلف والتصنع في شؤونهم العامة والدقة والأحكام والعمد إلى لب الحقيقة في أمورهم الخاصة.
في أمة أرسطوقراطية كأمة الإنكليز ليس عجيباً أن يكون أجل الاحتفالات حفلة العشاء. لا حفلة القضاء. ومجلس الطعام. لا مجلس الأحكام. ودعوة الغريب عدهم هي الآية على تبجيله وتكريمه - وما انفكت كذلك منذ غابر الأعصر. قال الرحالة الإيطالى في عام ١٥٠٠ والإنكليز يرون دعوتهم الغير إلى موائدهم ودعوة الغير إياهم إلى موائد الغير أجل ما يعطى يؤخذ وإنهم لأسرع إلى بذل العشرة الدنانير في صنع المآدب منهم إلى بذل الدرهم الواحد في صنع المآثر وإغاثة الملهوف. ونعيم المائدة يستبقي إلى أول ساعة من الليل وله لباس مخصوص سواء كان بدار الرجل أو بدار آدبه. وقبل العشاء بنصف ساعة يحضر الضيفان وليس سوي الموت أو السجن من حائل دون الحضور. ويجلس القوم على الخوان ساعتين ثم تقوم السيدات في غرفة السمر. وهذه الولائم تولد عند القوم ملكة البيان وخلابة الحديث فتري ما يلقي هنالك من الحكايات منظماً مصقولاً لعله من طول إعادة وتكرار. وهنالك تلقى إليك الكنوز الأفكار ما أودعت من درر وغرر وتبرز إليك خزائن الصدور ما ضمنت من تحف وطرف وتصطادك حبائل الحديث كل شاردة شموس ونافرة جموح من ملحة أدبية إلى مسألة عملية إلى فائدة أخلاقية إلى كلمة جامعة وحكمة بارعة وكناية رائعة إلى مثل سائر وبيت من الشعر نادر وتشبيه معجب باهر. وأخبار وقصص ونوادر.
стр. 704
والحكايات الإنكليزية والأمثال والحكم والمأثور عن أدبائهم وظرفائهم من أحاديث المائدة لا تقل عن أطيب ما يماثلها في الأدب الفرنسي ونحن أمة الأمريكان لنا أدب وبراعة وعندنا بيان وفكاهة ولكنا لم نبلغ رتبة الإنكليز في ذلك. لأن كثرة العناصر التي يتألف منها الشعب الإنكليزي وكثرة المصادر التي جاء منها سكان لندن وشدة الخلاف وبعد المسافة بين شتى الطبقات ثروة ومنزلة وسلطه وجاهاً كل ذلك محدث في المجتمع من تنوع الهيئات والمظاهر واختلاف الآراء والخواطر مثلما تحدثه وعورة الأرض واختلاف سطحها صعوداً وهبوطاً من تنوع المناظر فيها واختلاف المشاهد. وإنك لتلقين أحياناً في هذه المآدب رجال الدهر وأبناء التجارب من كل مصقول الخاطر حافل المجم غمر البديهة عالم بكل شىء مجرب لكل شيء قادر على كل شىء قد سبق به الفضل الغريزى غاية شأو المتعلمين وفاتت به السليقة السليمة مبلغ جهد المتأدبين فبات بطبيعته وراء مرمى الأدب وأصبح بتجربته فوق مطمح الحكمة. أي شيء لا نستطيعه مثل هذا القدير لو شاء.
стр. 705
اعترافات ألفرد ده موسيه
ألفرد ده موسيه بلبل غرد شدا على أيكة الأدب الفرنسوى فبز أترابه الأطيار، وغني فأخذت عنه الأعواد والأوتار، وصدح والشباب من سامعيه، والبيان في شدوه والسحر في مسامع سامريه. ده موسيه هو الطائر المستجر قوادمه رائعات المعاني ورشيق الألفاظ من خوافيه.
أنزل الرحمن على قلبه حكمة الحب فتنقل بين أفنانه وتنزي فوق أغصانه وخاض فى أشواكه وذاق من مر نباته فبات مضنى الفؤاد جريحاً يبكي حبائب أسامهن قلبه وأسلمته هجراً، وخلص إليهن بروحه فألقى ودهن غدراً.
شاعر طاهر النفس. شبت الغوانى في جوانحه نار حب ما خبت حتى خبا. ولطالما شبب بهن. وآثر عذابات الهوي العذري على لذاذات الحب وعبث لصبا.
ونحن نعرب له اليوم اعترافاته وهي صفحات من آلام روحه وسمها بعنوان (اعترافات صبى من صبية العصر) وصف فيها ما كابد من عذاب وقاسى من أحزان.
وقراء البيان سيجدون في (ألفرد ده موسيه) مهبط حكمة ومحط صدق ومعانى تأخذ بمجمع النفس ودروس عفاف تطهر أرواح فتياننا وتهذب عواطف شباننا وإن فيها لبلاغاً للناس.
ونحن اليوم بادئون بالفصل الثالث مرجئين الأول والثانى اللذين هما مقدمة يذم فيها الزمان ويشكو العصر حتى إذا أتممنا الاعترافات عطفاً عليهما والله هادينا والقراء مناصرونا إن شاء الله.
علىّ أن أقص كيف أوقعني القدر فنابني من داء هذا الزمان ما نابنى. كنت جالساً إلى عَشاء لذ وقد عدنا من مرقص مخنمر، وصَحبي حافَون من حولى في باهرةِ شُمَلهم وبديع أثوابهم، وفى الجمع شباب تساموا للصبا، وشواب رحن مع الهوي، والكل مشرقون بالمراح واللهو، متألقون بالجمال والزهو. وعلى أيمانى وشمائلى أطعمة فاخرة وأباريق صهباء ومصابيح تجلو الدجي وثريات وأزهار وفوق رأسى نغم الموسيقي وصدحها وإزائي خليلتي، إنسانة شيمتها العجب والدل، تدلهتُ في حبها وتعبدت.
كنت يومئذ في الربيع التاسع عشر. ما نابني يوماً مكروه ولا شفني مرض.
كانت الصراحة والشمم معامن خلقى، أحمل المني وأرود الآمال جمعاً، وبين جنبي قلب مترع فضفاض.
следующие страницы →