Полный текст (3 596 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
يكون الفرنسي نظيفاً. ولا يكون الإنكليزي إلا نظيفاً. بادي النظافة والنظام في ثوبه وسائر متاعه.
ولما كان الإنكليزي قد أقامه الله بأرض هطالة الأنواء. مغيمة الأجواء. قارسة الهواء. تسجنه بداره وتغله إلى سريره وكان مع ذلك ودوداً وفياً. وبراً تقياً. أصبح شديد الحب لداره. فإذا كان موسراً ابتنى إيواناً. واقتنى غلماناً. وإذا كان متوسط الحال لم يدخر دون تنميق داره شيئاً. فأما ظاهر الدار فيطلي دهاناً. وأما الباطن فيكسى الخشب الصقيل جدراناً. وتفرش أرضه خزاً وكتاناً. ويزان بالصور والنقوش ألواناً. ويملأ بسائر أنواع الفرش الوثيرة والتحف المونقة. وتحلية البيت وزخرفته هي آخر ما يبقى من شهوات الإنكليزى بعد ذهاب سائرها. فهو لا يزال يسوق إلى داره كل ما طاب ولذ. ولما كان مع ذلك محباً للبقاء بالدار عينها يرثها عن سلفه فيورثها خلفه
كالحسام الجزار يبقى على الدهر ويفني في كل عصر قرابه
فلا جرم إذا رأيت الدار قد أصبحت على كر العصور متحفاً جامعاً قد ضمن جميع مآثر السلف منذ أول ساكن ومخلفات أولئك الآباء والجدود ومفاخرهم - شواهد وقائعهم ودلائل أفاعيلهم. والإنكليزى مولع بآنية الفضة. وهو وإن أعوزته الصفائف المعروضة من صور الآباء والأجداد لم تعوزه الصفائف المعروضة من أكواب مدامهم وأواني فطائرهم.
وإن بديار الموسرين من آنية الفضة مالا يكاد يصدق بمقدار بشر. وليس يخلو أحقر البيوت من ملعقة أو قدر - هدية عمة أو جدة ونقيذة من نقائذ الدهر وعنواناً على ما درس من عهود النعيم وانقرض.
التربة الإنكليزية تنبت في صفاء صحو الدعة وسقيا مياه الأدب الصريح. والعلم الصحيح. أكرم النساء وفضلياتهن. ولا يعلم فى الوجود شيء قد أصاب من الرقة في غير تصنع والخفر في غير تكلف ومن الفضائل الفطرية والمحاسن الغريزية ما أصابت المرأة الإنكليزية ولا شيء أصدق وأطهر وأرق من تبادل الحب والوفاء بين الإنكليزي والإنكليزية لقد جاء في بعض أناشيد ١٥٦٩ ليس أعظم من حظوة الإنكليزية بزوجها إلا حظوة الإنكليزى بزوجته والمرأة العفة النقية المذكورة في رواية شاكسبير سمبيلين مستعارة ولاشك من المرأة الإنكليزية وكذلك بورشيا زوجة بروتاس وكيت برسي ودزدمونا.
стр. 702
ورعاية حرمة البيت هي أساس قوتهم وهي الجذر الذى عنه تتشعب فروع الأمة وتسمو صُعُداً. فهم يمسون ويصبحون وأول أغراض تجاربهم ودولتهم هو صيانة استقلال بيوتهم وحفظ حريتها. ورعاية حرمة البيت وقضاء حقوقه غريزة تجرى مع النفس يحملها الإنكليزي بين جنبيه أينما حل وارتحل سواء نزل المعسكر أو البلاط. ولقد كان ولنجتون وهو قائد الجيوش البريطانية في اسبانيا لا يكاد يبرح مكانه حذراً من غرماء دولته. وزعم المستر كوبيت أن الوزير السير برسفال لم يكتسب رضا الناس طراً إلا بفضل حضوره الكنيسة كل أحد يحمل في يمينه إنجيلاً مذهباً وفي يساره عضد امرأته يتبعه من أنجاله كسرب الظباء أو كالربرب.
والقوم شديدو المحافظة على عاداتهم وأزيائهم وشعائرهم فمن أنعم النظر لمح شبح العصور الوسطى يمشى الضراء في شوارع لندن وكأنما يبصر فرسان تلك القرون يتبايعون على حماية النساء كما كانوا يفعلون أيام الفتوة والنجدة. ولما كان يوم تتويج الأميرة الحاضرة جدد الشعب شعائر القرن الحادى عشر. ومن عاداتهم وراثة المستأجرات والمهن يتوارثون الوظائف والحرب والضياع المستأجرة ويتوارثون كذلك الروايات والأنباء. وربما امتدت مدة التأجير هنالك ألف عام واستمرت الوظيفة والشركة طول العمر أو أورثت قال وردذورث وذكر مزارعى ناحية وستمورلانه كان الكثير من صغار هؤلاء المزارعين يعتقدون أن ما يحرثون من الأرض مازال منذ خمسمائه عام في حوزة أناس من ذوى قرباهم وأرحامهم ولو سألت عن نجار السفن بالمرسى أو غارس البستان بقصر الوزير أو بواب ذلك الأمير لعلمت أن كل واحد من هؤلاء قد ورث عمله أباً عن جد منذ أعوام عديدة.
والقوم يمقتون التغيير والتبديل فطرة جبلوا عليها وقواها في نفوسهم تعاليم فلاسفتهم فلقد قال لهم باكون الوقت خير مبدل وأحسن مصلح وقال لهم شاتام الثقة غرس بطىء النمو وقال لهم كانتج سيروا مع الوقت وقال لهم ولنجتون العادة أرسخ من الطبع.
والإنكليزى شديد الوقار سواء في الكوخ والقصر. كان الموسيقى الشهير ثالبرج يضرب بالبيانو ذات ليلة في حضرة الملكة في حفلة خاصة فأصحبته الملكة صوتها رافعة بالغناء عقيرتها فذاع الخبر فاقشعرت بريطانيا من الذؤابة إلى القدم اشمئزازاً من هذا العمل وأنفة.
стр. 703
فلم تعد الأميرة قط بعد ذلك إلى إتيان ذلك المنكر. والإنكليز أشد الناس انقباضاً وحشمة ولا مسوغ عندهم لإبداء الطرب إلا التمثيل والموسيقى ولا يجيزون من الصوت إلا الخفيض الخفي الذي لا يسمع إلا من خوطب به. ومنهم من تدرك في صوته رنة يأس كأنما تناجيك قائلة اقطع الرجاء من كل شيء.
والادعاء والزهو والمفاخرة أبغض الأشياء إليهم حتى نراهم إلى عكس ذلك يجنحون يخشوشنون الثوب والصوت والهيئة. يكرهون التصنع ويعمدون إلى أكباد الحقائق وما برحوا - منذ كانوا - يرذلون اللغو والهذر ويمقتون تكلف الرقة والظرف والأطناب والمبالغة ويسلكون القصد قولاً وفعلاً ويجرون على الفطرة والغريزة من السذاجة والخشونة حتي غدا خليعهم بروميل قد عرف بسذاجة لباسه. وأحسن ما يمتدحون به قلة التكلف والتصنع في شؤونهم العامة والدقة والأحكام والعمد إلى لب الحقيقة في أمورهم الخاصة.
في أمة أرسطوقراطية كأمة الإنكليز ليس عجيباً أن يكون أجل الاحتفالات حفلة العشاء. لا حفلة القضاء. ومجلس الطعام. لا مجلس الأحكام. ودعوة الغريب عدهم هي الآية على تبجيله وتكريمه - وما انفكت كذلك منذ غابر الأعصر. قال الرحالة الإيطالى في عام ١٥٠٠ والإنكليز يرون دعوتهم الغير إلى موائدهم ودعوة الغير إياهم إلى موائد الغير أجل ما يعطى يؤخذ وإنهم لأسرع إلى بذل العشرة الدنانير في صنع المآدب منهم إلى بذل الدرهم الواحد في صنع المآثر وإغاثة الملهوف. ونعيم المائدة يستبقي إلى أول ساعة من الليل وله لباس مخصوص سواء كان بدار الرجل أو بدار آدبه. وقبل العشاء بنصف ساعة يحضر الضيفان وليس سوي الموت أو السجن من حائل دون الحضور. ويجلس القوم على الخوان ساعتين ثم تقوم السيدات في غرفة السمر. وهذه الولائم تولد عند القوم ملكة البيان وخلابة الحديث فتري ما يلقي هنالك من الحكايات منظماً مصقولاً لعله من طول إعادة وتكرار. وهنالك تلقى إليك الكنوز الأفكار ما أودعت من درر وغرر وتبرز إليك خزائن الصدور ما ضمنت من تحف وطرف وتصطادك حبائل الحديث كل شاردة شموس ونافرة جموح من ملحة أدبية إلى مسألة عملية إلى فائدة أخلاقية إلى كلمة جامعة وحكمة بارعة وكناية رائعة إلى مثل سائر وبيت من الشعر نادر وتشبيه معجب باهر. وأخبار وقصص ونوادر.
стр. 704
والحكايات الإنكليزية والأمثال والحكم والمأثور عن أدبائهم وظرفائهم من أحاديث المائدة لا تقل عن أطيب ما يماثلها في الأدب الفرنسي ونحن أمة الأمريكان لنا أدب وبراعة وعندنا بيان وفكاهة ولكنا لم نبلغ رتبة الإنكليز في ذلك. لأن كثرة العناصر التي يتألف منها الشعب الإنكليزي وكثرة المصادر التي جاء منها سكان لندن وشدة الخلاف وبعد المسافة بين شتى الطبقات ثروة ومنزلة وسلطه وجاهاً كل ذلك محدث في المجتمع من تنوع الهيئات والمظاهر واختلاف الآراء والخواطر مثلما تحدثه وعورة الأرض واختلاف سطحها صعوداً وهبوطاً من تنوع المناظر فيها واختلاف المشاهد. وإنك لتلقين أحياناً في هذه المآدب رجال الدهر وأبناء التجارب من كل مصقول الخاطر حافل المجم غمر البديهة عالم بكل شىء مجرب لكل شيء قادر على كل شىء قد سبق به الفضل الغريزى غاية شأو المتعلمين وفاتت به السليقة السليمة مبلغ جهد المتأدبين فبات بطبيعته وراء مرمى الأدب وأصبح بتجربته فوق مطمح الحكمة. أي شيء لا نستطيعه مثل هذا القدير لو شاء.
стр. 705
اعترافات ألفرد ده موسيه
ألفرد ده موسيه بلبل غرد شدا على أيكة الأدب الفرنسوى فبز أترابه الأطيار، وغني فأخذت عنه الأعواد والأوتار، وصدح والشباب من سامعيه، والبيان في شدوه والسحر في مسامع سامريه. ده موسيه هو الطائر المستجر قوادمه رائعات المعاني ورشيق الألفاظ من خوافيه.
أنزل الرحمن على قلبه حكمة الحب فتنقل بين أفنانه وتنزي فوق أغصانه وخاض فى أشواكه وذاق من مر نباته فبات مضنى الفؤاد جريحاً يبكي حبائب أسامهن قلبه وأسلمته هجراً، وخلص إليهن بروحه فألقى ودهن غدراً.
شاعر طاهر النفس. شبت الغوانى في جوانحه نار حب ما خبت حتى خبا. ولطالما شبب بهن. وآثر عذابات الهوي العذري على لذاذات الحب وعبث لصبا.
ونحن نعرب له اليوم اعترافاته وهي صفحات من آلام روحه وسمها بعنوان (اعترافات صبى من صبية العصر) وصف فيها ما كابد من عذاب وقاسى من أحزان.
وقراء البيان سيجدون في (ألفرد ده موسيه) مهبط حكمة ومحط صدق ومعانى تأخذ بمجمع النفس ودروس عفاف تطهر أرواح فتياننا وتهذب عواطف شباننا وإن فيها لبلاغاً للناس.
ونحن اليوم بادئون بالفصل الثالث مرجئين الأول والثانى اللذين هما مقدمة يذم فيها الزمان ويشكو العصر حتى إذا أتممنا الاعترافات عطفاً عليهما والله هادينا والقراء مناصرونا إن شاء الله.
علىّ أن أقص كيف أوقعني القدر فنابني من داء هذا الزمان ما نابنى. كنت جالساً إلى عَشاء لذ وقد عدنا من مرقص مخنمر، وصَحبي حافَون من حولى في باهرةِ شُمَلهم وبديع أثوابهم، وفى الجمع شباب تساموا للصبا، وشواب رحن مع الهوي، والكل مشرقون بالمراح واللهو، متألقون بالجمال والزهو. وعلى أيمانى وشمائلى أطعمة فاخرة وأباريق صهباء ومصابيح تجلو الدجي وثريات وأزهار وفوق رأسى نغم الموسيقي وصدحها وإزائي خليلتي، إنسانة شيمتها العجب والدل، تدلهتُ في حبها وتعبدت.
كنت يومئذ في الربيع التاسع عشر. ما نابني يوماً مكروه ولا شفني مرض.
كانت الصراحة والشمم معامن خلقى، أحمل المني وأرود الآمال جمعاً، وبين جنبي قلب مترع فضفاض.
стр. 706
تمشت حمياً الكأس في مفاصلى فكانت ساعة نشوة وطرب إذ كل شئ عند ناظرك وفى مسمعك يحدثك عن صاحبتك ومحبوبتك، وبدت الطبيعة مشرقة كأنها يتيمة ذات ألف محياً نقش على كل محيا اسم الحبيب.
كنا نعانق كل من نرى يبتسم ونشعر أننا أخدان لكل مرزوق حى.
وقد اتعدنا أنا وصاحبتى إلى الليل فأدنيت الكأس مترفقاً إلى شفتىّ وأنا أنظر إليها وأجلو في صفحتها العين.
وإنى لأتلفت أريد صفحة إذ سقطت (شوكتى) فملت لآخذها فلم أجدها فرفعت غطاء المائدة أنظر أين تدحرجت فإذا قدم صاحبتي فوق قدم فتى نشأ كان جالساً إلى جنبها وقد التفت الساق بالساق، وتعاطف الجسمان، وهما يلتحمان فى رفق بين آن وآن. فأخذت مجلسي ساكناً وطلبت غيرها وعدت أبلغ العشاء.
هذا وخليلتي وجنيبها هادئان وادعان قل ما يتخاطبان ولا يتلاحظان واعتمد الفتى بالمائدة وهو يداعب امرأة أخرى أبدت له من عقده وأساورها.
جلست خليلتي فى دعة آمنة وعيناها مستقرتان ولحاظها مراض فاترات وراقبتهما آخر العشاء فلم أر من حركاتهما ولا اكتشفت فى معارفهما أثراً يفضحهما.
حتى إذا رفعت المائدة وانبسطت الأيدى للنقل جعلت المنشفة تسقط متعمداً وملت أطلبها فإذا هما مشتبكان ملتصقان.
لقد كنت وصاحبتى على موعد أن أصحبها الليلة إلى مغناها إذ كانت عزباً تروح كما تشاء وتغتدي تساكنها عجوز كوصيفة لها.
وإني لأجتاز البهو نافراً إذ نادتني من جانب الشرب تقول أى أوكتاف، تعال نرحل. فها أنا عند عينيك!.
فتضاحكت من قولها وانطلقت غير مجيب وما كدت أمشي بضع خطوات حتى تهالكت على ثنيسة هناك ولا أعلم ماذا اختلج في تلك الساعة بخاطرى.
لكأنى أصابنى مس من الجنون أو لكأنى عدت أبله ممروراً من أجل خيانة هذه المرأة وما كنت يوماً عليها غيوراً ولا أدركت عليها غدراً ولا رابنى من فعلها ريبة أما وقد رأيت فلا سبيل إلى الريب ولا موضع للتجنى.
стр. 707
ولبثت ساهماً سليباً كأنما أثخنني امرؤ ضرباً ولا أدرى مما جرى حولى شيئاً حتى رفعت إلى السماء بصري وأنا شارد اللب فاستقر على كوكب مبعد يتولى.
حييت ذلك الضياء الهادئ حيث الشعراء مبصرون عالماً قفراً خراباً وانطلقت حاسراً لتحيته رأسى ثم أخذت سمتى مولياً.
عدت إلى دارى وأنا مطمئن السرب، لا شعور ولا حس ولا فكر، وجعلت أتفضل من لبستي ثم أويت إلى سريري على أننى ما كدت أضع رأسي على الوسادة حتى نهضت في نفسى فكرة الانتقام فاستويت في مهادي جالساً كأنما أشلائي وأعراقي ارتدت خشباً.
ثم نزلت عن سريرى صارخاً وذراعاى ممتدان وتشنجت أعصاب قدمي فبعد لأ] استطعت أن أمشي على كعبي وتمكثت ساعة على هذه الحال حانقاً مغضباً صلب الأوصال.
ذلك الرجل الذى تحرج مع خليلتي حبيب متمكن بين أحبابى وخليص من صفوة خلصانى.
فلما بكرت مصبحاً انطلقت إلى داره في رفقتي محام فتى يدعى (ديزينيه) متزوداً بمسدسين واستصحبنا شاهداً آخر ويممنا غابة فنسان جميعاً.
فلما كنا في الطريق مصعدين تحاميت أن أتحدث إلى خصمي أو أقترب منه وغالبت هوى نفسي فما تضاربنا ولا تباهلنا فإن ذلك ده لا يغني والقانون يبيج المناجزة ويحل لها شرعاً ولكنني ما استطعت أن أحمي عنه عينى أو أرد عن وجهه طرفي، كان صديق شبيبتى ورفيقي في الطفولة والصبا، وتبادلنا العوارف أعواماً وهو بغرامي لخليلتى عليم محيط بل لكثر ما سمع عنى أن علاقتى بها حرام على الصديق وهواى لها ممتنع على الولى وأنه لن يستطيع أن يخلفنى في حب، وإن أحب المرأة التي أنا بها صب.
كنت واثقاً به جهد يميني، بل ما شددت على يد مخلوق أحر من شدى على يده، بل ما حييت أحداً بتحية أحسن من تحيتى له.
والآن أنظر مندهشاً متحيراً إلى هذا الرجل الذي طالما سمعته يتكلم في الصداقة كأحد أبطال العهود المتصرمة وقد رأيته بالأمس يضم خليلتى! هذا أول عهدي برؤية الخلقة الممسوخة. .!
كنت أنظر إليه بعين مستوحشة لأعلم كيف ركب. ذلك الذي تعرفت له وأنا ابن عشرة أحوال ثم عشنا على محض المودة والصفاء. بدا اليوم كأني ما رأيته في حياتي من قبل.
стр. 708
إليك مثلي.
هناك حكاية اسبانيولية يعرفها الناس جميعاً وهي أن دمية من الصخر هبطت من المكان الأرفع على فاسق من أهل الدنيا فلما رآها جاهد يريد تجلداً وابتساماً ولكن سألته الدمية أن يمد لها يده فلما فعل أحس ببرد قاتل وأخذته الرعدة وتشنجت أطرافه.
ما جعلت يوماً عند حبيب أوغانية ثقتي ثم وجدتنى بعد ذلك مخدوعاً إلا قارنت تأثير حزني بقبضة هذه الدمية.
أجل - ذلك تأثير المرمر. كأنما الحقيقة في زمهريرها المميت جمدتني بقبلة، بل ذلك لمسى للإنسان الجلمود!
وا لهفاه، لطالما طرق بابى ذلك النديم المخيف، ووا حسرتاه أكل من طعامى وجلس إلي خوانى!
فلما تهيأ للمناجزة كل شئ. وطلعت لعدوى وبرزت. ومشى إلى فى تؤدة ومشيت. قذف القذيفة الأولى فأصابت ذراعي اليمنى فأخذت مسدسى في يدي الأخرى ولكني لم أستطع أن أرفعها وخانتنى قوتي فسقطت إلى ركبتىّ جاثماً ورأيت غريمى يخطو إليّ مسرعاً وهو مضطرب شاحب وهرعت إلىّ شهودي إذ رأوني كليماً ولكنه أقصاهم وأخذ يدي الجريحة وقد صر بأسنانه فما استطاع تكلماً.
ولما رأيت ألمه وأحسست بوقع الأسى في أضالعه صحت به أن أنطلق فامسح يدك في أثواب. . . . . . .
وهنا احتبس صوتي فلم أتم. . وحملوني مرتثّاً إلى مركبة فإذا هناك طبيب. لم يكن جرحي بالغاً لأن القذيفة لم تنفذ إلى العظم على أنني كنت في أشد حالات الاضطراب فما قدرت في تلك الساعة أن أجمع شوارد خواطري فلما مضت العجلة بنا رأيت عند بابها يداً متشبثة راجفة تلك يد خصمي الألد جاء مستنفراً مسترحماً. . ولكنى هززت رأسي عصياً إذ أخذتنى سورة الغضب فلم أحله من ذنبه أو أسبل على ذلته ستر مغفرتي وإن كنت أشعر أن ندامته على ما فرط كانت نصوحاً صدقاً.
فلما بلغت بنا الدار تروح عنى لأن الجرح ذرف كثيراً وخفف الضعف من حدة موجدتى وكانت أوجع لدي من كلمي وأشد صباً.
стр. 709
وانزويت في سريرى مرجعاً رخياً وإنى لأشهد أنني ما شربت يوماً أسوغ من قدح الماء الذى آتوني به في تلك الساعة ووعكتني الحمى وشرقت بالدمع عيناى.
والله ما حزنني أن صاحبتى خلاء من حبي ولا أخذ بنفسي أنها لم تعد بعد تصبو إلىّ بل لهفتي أنها خدعتنى.
غام على قلبى فلم أفهم بأية سنة تكذب امرأة في الحب رجلاً وتخادعه نازعة إلي حب سواه وما يغريها واجب ولا يدفعها إلى كذبة في الهوى مال.
لقد سألت (ديزينيه) عشرين مرة في اليوم كيف جاز الكذب في أهل الحب كنت أقول لو كنت زوجها بل لو كنت أنقدها مالا لأدركت أنها خدعتني. لماذا تكتمني الصدق إن انصرف فؤادها عن غرامي، بل لم تخدعني؟.
ما كنت أدري يومئذ أن الكذب في أهل الهوى عرف، لأني كنت غلاماً حدثاً وأقسم أنني حتي اليوم لم أزدد بكذبات الغرام فهماً وكنت كلما علق القلب بهوى امرأة أصدقها حبي بل ما خرجت من هوى إلا معلناً هجري لأني كنت أحسب أن العاشقين لا يستطيعون لإراداتهم قياداً وأن ليس في الوجود جريمة أشد نكراً من الكذب وكان ديزينيه يقول لى إنها امرأة شقية مطروفة العين إلا عدنى أنك لن تراها آخر الدهر.
فأقسمت له مغلط الأقسام ونصح لى أن لا أكتب إليها أو أعتبها وأن لا أجيبها إن أرسلت تراجعني فانتصحت وأنا أعجب كيف يسألنى ذلك وكيف يكون بى ظنيناً.
فلما اندمل الجرح وأبللت كان أول شئ فعلت أنني أفضت إلى دارها مسرعاً ألفيتها وحيدة قد انتبذت زاوية في مخدعها مضطربة الحال ساهمة المحيا.
فأوسعتها مر اللوم وقد مالت شمول الحزن بأعطافي وجعلت أصيح والدار تدوى بصيحاتي واستهلت شؤوني وفاضت أدمعى حتى أفخمنى البكاء فتراميت فوق سريرها لأجعل لماء عينى مسلكاً وطفقت أقول باكياً:
آهة لى، يا كاذبة، آهة لى يا شقية، إنك لتعلمين أن نفسى لتفيض من غدرك كمداً فهل ترضيك منيتى وهل تجدين برد السرور في موتى، ماذا صنعت بك؟.
فألقت بنفسها بين ذراعي وتشبثت بنحرى وقالت لى أنها فتنت ونزغت لها من الغواية نازغة فاقتادوها تلك الليلة وإن خصمي كان فى العشاء منزوفاً ما يبت وأنها ما كانت يوماً
стр. 710
له وأنها فرطت فى ساعة نسيان وأنها ما اجترحت إنما بل هفوة من لمم وأنها رأت ماجر على حبها من ألم وأنها لتموت غماً إن لم أغفر لها ما تقدم من ذنبها.
استنفدت لغزائي كل ما فى الندامة الصادقة من عيون ودموع، وكل ما فى الأسى من بلاغة وسحر بيان!.
بهارية الوجنتين شاردة الخاطر مشتملة في ريطة ذات شقتين وشعرها مرسل منتثر فوق كتفيها وهي راكعة في بهرة المخدع، فى روعة ما رأيتها من قبل أجمل ولا أفتن سحراً.
وارتجفت من رعب وأضرم مشهدها بين عواطفى نار حرب طاحنة وانطلقت من لدنها نافراً وأنا لا أكاد أمسك علىّ مشاعري وأجمعت أمرى أننى لن أراها بعد اليوم أبداً.
ولكن ما مضت ربع ساعة حتي عطفت عائداً إلى مغناها ولا أعلم أى قوة تحدوني إليه كأنما نفث الحسد في قلبى سمه يحرضني أن تكون لى وحدي وأن أشرب فوق جسمها اللدن الرخص تلك الدموع المرة السخينة ثم أقتلها وأهلك نفسى معها.
شهد الله أننى اجتويتها وهى حبة نفسي، وكرهتها وهى معبودي، وشعرت أن في حبها متلفتى وخسرانى ولكن كيف تطيب الحياة بدونها. .
صعدت إلى طابقها كأنني البرق في خطفه ولم أسائل أحداً من خدمتها بل تجاوزت، وأنا أعرف الناس بحجراتها، إلى غرفتها ودفعت الباب فإذا أنا في حضرتها.
ألفيتها جالسة إلى زينتها ساكنة حالية تحملت من لآلئها ودراريها وجاريتها تعقص لها جدائلها وهي تحمل في يدها خماراً أحمر تضعه برفق فوق خديها والله لكأنى كنت في حلم.
كلا، ليست هذه المرأة التي كانت منذ ربع ساعة رهينة الحزن وأكفة العين. .
فلزمت موقفى ولا حراك كأنني التمثال. والتفتت مبتسمة لما فتح الباب تقول هل أنت المحب الطارق؟
لقد كانت تنظر غريمى ليصحبها إلى المرقص فلما تبينتني أمسكت عابسة فخطوت أريد الانصراف.
رأيت جيدها بضاً ناعماً عبقت منه أنفاس العرف وقد عقدت فروعها ثم زانتها بمشط من الماس.
ذلك الجيد مركز سلطان الجمال وأريكة الحسن كان أحلك من جهنم ناطت به سمطين
стр. 711
يلمعان وقلدته سنابل عقد من العقيان.
وبدا فوق منكبيها وعنقها زغب جثل غزير ولا أدرى أي جمال في تلك الجدل الفارعة خدعني أول مرة.
تقدمت فجاءة وأهويت فوق ذلك الجيد بقبضة يدي فخرّت فوق الأرض صريعة وفارقت الدار آبقاً فلما اشتملت علىّ دارى عاودتني حمى راجفة ألزمتني الفراش.
انتفض جرحى وأخطفنى ألمي وأقبل (ديزينيه) يعودني فقصصت القصة عليه وهو واجم يخطر في الحجرة حيران عجباً.
وراح يسألنى أتلك أولى حبائبك؟.
قلت لا. بل أخيرتهن!.
فلما كان الوهن متروحاً وأنا في نومة المضطرب سمعت كأنما في حلم نفساً صاعداً راجعاً ففتحت عينى فإذا هي جالسة بقرب سريري وذراعاها مشتبكتان كأنها شبح من الأشباح.
فصحت غير مغالب صيحة فرق ورعب إذ حسبتها أحد خيالات رأسى الملتهب ووثبت من سريرى إلى الناحية الأخري من الحجرة وأقبلت علىّ تقول وقد أخذتنى في أحضانها ومشت بي هذا أنا!.
فصحت بها ألا دعينى فإنى على ذبحك الساعة لقادر!
قالت مرحباً بالحبيب يذبحنى. لقد هجرتك وكذبتك وأنا فاجرة أثيمة، ولكننى أهواك ولا قدرة لى على نقدك.
فنظرت إليها لله ما كان أجملها!
رأيتها ترتجف وعيناها من ذهول الحب تفيض في سح وتسكاب وجيدها عار وشفتاها تلمعان.
فرفعتها بين ذراعى وقلت لها ليكن ما تشائين ولكنى أشهد الله المطلع إلينا وروح أبى أننى أذبحك الساعة وأقتل نفسى معك.
وأخذت سكيناً كانت فوق المدخنة فوضعتها تحت الوسادة. فقالت ضاحكة وهى تضمنى إليها، تعال يا أوكتاف، ولا تأت أمراً نزقاً، تعال يا طفلي الصغير، فإن مخاوفك لتردك وجعاً مهيضاً وأنت محموم، هلا أعطيتني السكين.
стр. 712
ورأيت أنها تريد أن تأخذها فقلت لها استمعى لى، إنى لأجهل أمرك هذا والفكاهة التي تمثلين، وما بى من مزاح علم الله أني أحببتك حباً ليس يحمله مثلي، وفيك كان شقائى وفيك كانت منوني، واعلمي أنى لا أبرح الدهر أهواك مفرطاً جوياً وقد قلت إنك كذلك تحبيننى. ألا فليكن، ولكن أقسم بكل مقدس في الأرض أننى إن كنت اليوم عشيقك فلن يكون غداً غيري. وعدت أقول، يشهد الرحمن أننى لا أراجعك لتكونى خليلتى، فإن كراهتي لك شديدة كحبي وإنك إن تراوديني عن نفسك قتيلة غدا!.
وتولانى عند ذلك ضعف شديد وأما هى فتنكبت مرطها وانطلقت تعدو هاربة. فلما علم (ديزينيه) بما كان منى قال لى، هلا كنت راودتها عن نفسها فهى غادة جميلة وأنى لأحسبك فظاً غليظاً!
قلت أتراك ممازحى! أتظن أن امرأة مثل هذه تكون ربتى، أم تعتقد أننى أرضي أن أقتسمها بيني وبين رجل سواي، أم تحسب أنها نفسها تعترف بأنها نهب لغيري، أم تريد أن أنسى حبها لتكون من قسمتك بعدي؟ لعمري إن كان هذا في الحب شأنك فلك مني الرثاء والرحمة!
فأجاب بأنه لا يحب غير العذارى الصبيات ثم أنشأ يقول، أي أوكتاف العزيز، أنت في عفرة الصبا وطراوة الشباب تود لو يكون لك مناعم كثيرة ومباهج ولكنها لا توجد في الدنيا وتعتقد في مرتبة واحدة من الحب ولقد تكون قادراً على أن تنهض بها ولكننى لا أرتضيها لك.
أيها الصديق، ستكون لك عشيقات وخليلات وستتحسر يوماً على ما فاتك الليلة إنها سعت إليك لتراك، وكانت في تلك اللحظة تهواك، وعساها الآن قد نسيت غرامك، ولعلها بين ذراعي سواك.
ولكنها كانت تحبك الليلة وفي هذه الحجرة شغفتها حباً، وماذا يهمك الباقى؟ لقد كانت لك ليلة زهو ومبهجة فنفرت عنها وستتلهف عليها زماناً واعلم علم اليقين أنها لن تأتى إليك بعد اليوم.
تصفح المرأة عن هنات الرجل وتتجاوز عن كل شيء إلا خيبة الوصال! لقد كان غرامها بك جوي إذ دفعت إلى دارك وهى عليمة بسحرها وتأثيرها متوقعة أنك ستشيح بوجهك
стр. 713
عنها وتعرض عن وصلها.
إلا صدقني. . ستعود نادماً لهفاً على الليلة الضائعة وها أنا أقول لك لن تمر بك مثلها إلا لماماً.
وكانت تلوح على (ديزينيه) علائم الوثوق والخبرة الساكنة الهائلة حتى لقد كنت أرتعد عند سماعها وشعرت وهو آخذ فى قوله بقوة شديدة تستحثنى على زيارتها مرة أخرى أو أن أكتب إليها أستقدمها ولم تكن بى قوة على النهوض كأنما أنقذني فتور جسمى من عار لقائها وأشفقت أن تضمنى وخصمي دارها.
ولكنى كنت أستسهل الكتابة إليها وجعلت أسائل نفسي كرهاً أتراها تأتى إن بعثت إليها.
فلما رحل ديزينيه تملكني الاضطراب فأجمعت أمري على أن يكون بينى وبينها فصل الخطاب فبعد كفاح شديد بينى وبين فؤادي غلب الرعب على الحب فكتبت إليها أنى لست بعد الآن ناظرها وسألتها أن لا تعود أبداً إلىّ إن رامت أن لا يغلق بابي دونها. دققت الجرس حانقاً ودفعت الرقعة إلى غلام من غلمانى وأمرته أن يحملها إليها ويسرع ما أمكنته ساقاه. على أنه ما كاد الخادم يغلق وراءه باب حجرتى حتى ناديته مسترجعاً فلم يسمع وما جسرت أن أكرر النداء بل جعلت وجهى بين راحتي ولبثت كذلك رهين يأس شديد. . .
عباس حافظ
стр. 714
لا شئ تحت أديم السماء جديد
الاختراعات الحديثة وقدم عهدها
إن المثل القائل لا شيء تحت أديم السماء جديد قد يكون مبتذلاً ولكنه رغماً من ذلك سديد وإننا لنفتخر بعجيب مخترعاتنا الجديدة ونعتز بها غافلين عن الحقيقة القائلة إن جميع هذه الاختراعات ليست إلا تهذيباً وإصلاحاً لأفكار قديمة لها عمر الرواسى والجبال.
وقد عزز هذا الرأي اليوم برهان جديد إن صح أن هذه الحقيقة تريد دليلاً ينهض عليها إذ صرح الأستاذ (بونى) وهو في رحلته إلى رومة ينقب عن آثارها إن في ذلك المكان الذى كان في غابر القرون موضع قصر القياصرة المشيد فوق ربوة (البلاتين) آثاراً تدل على أنه كان فى ذلك القصر ثلاثة مصاعد أعدت لقياصرة الرومان يصعدون فيها من السوق العمومية إلى قنة البلاتين ووجد أن إحدى الحفر التى كان يرفع المصعد منها لا تقل فى غورها عن مائة وعشرين قدماً وإن كانت الأقذار المركومة فيها لم ترفع بعد كلها. .
ومنشأ كل ذلك هو المخيلة. ولعمرى لقد سخر الناس من أول رجل فكر فى الطيران ووسائله في العهود الخالية وخالوه واهماً وعدوه متخرفاً ونحن نرى اليوم قوماً يطيرون حولنا في كل ناحية ومكان.
وذلك واقع فى كل مستحدث مكتشف حتي أن ريشارد بروكتور ذلك المفكر المدقق كان على شيء من الاعتقاد بإمكان اختراع مطارات سهلة السوق والدوران إذ كتب لقد تحقق الطيران في الجو ولكي يطمئن الطائرون على سلامتهم ليست هناك إلا طريقة واحدة أحسبها عسيرة لا تدخل في دائرة الإمكان وهى أن المطارات قد تدار في الهواء كالسفن في الماء اه.
والحق يقال أن ما كان بالأمس مستحيلاً ليصبح اليوم من الممكنات وغداً يكون أمراً مقضياً!
وإن استخدام الكهرباء في زرع الأشجار والنباتات قد يدهش القارئ فيظن أنه أحدث اختراع ذلل للناس في زراعة بساتينهم وأزهارهم ولكن نظرة واحدة إلى الشذرة التي ننقلها من كتاب طبع في أواخر القرن الثامن عشر تدل على أننا مسبوقون في هذا الشأن وسنا نحن السابقين وإن كنا لم نستطع بعد أن نقف على مصدر هذا السفر التليد الذي وقع لنا
стр. 715
اليوم فحسبنا أننا اكتشفنا الحقيقة الهامة الآتية: رسالة ممهورة بإمضاء (ستيفن ديمانبري في أيدنبره لعشر خلون من فبراير عام ١٧٤٧ نشرتها مجلة (ذي جنتلمان القديمة) يقول فيها كاتبها - بما أن الاكتشاف الآتي قد يؤدي في المستقبل خدمة جليلة للمجتمع فإنى لا أعارض في نشرك صورة استخدام الكهرباء في ترقية لزراعة وأنا أعلم علم اليقين أنها الأولى في نوعها إذ لم ينشر للناس مثلها حتي اليوم.
في اليوم العشرين من شهر ديسمبر الماضي (أى سنة ١٧٤٦) أخذت من بستان المستر بوتشر عوداً من شجر الريحان وجعلت الكهرباء تسرى في أجزائه نحواً من سبعة عشر مرة وصرت كل أربعة أيام أسقى العود نصف (بينت) من الماء ووضعت العودة في حجرة هي أكثر حجرات داري ترداداً وتعرضاً لأذى الهواء الذي يسببه فتح النوافذ والأبواب وإغلاقها فكان من هذا العود بعد سريان الكهرباء فروع وأغصان أطول ما فيها يبلغ ربع قدم على حين أن كثيراً من هذه الأعواد نفسها تركت في البستان فما نمت طول تلك المدة اه.
كان هيرو الاسكندرى (حوال عام ١٢٥ قبل مولد المسيح) مخترعاً حاذقاً ومستحدثاً ماهراً في عمل لعبات الأطفال وصف في كتابيه أى علم الخصائص الميكانيكية للغازات وأى فن الآلات المتحركة بذاتها نحواً من مائة آلة ولعله لم يعمل إلا نماذج منها بينها آلة بخارية يقال أنها تماثل النوع الجديد المعروف وكذلك آلة رافعة للماء كمطفأة الحريق.
وهيرو هذا هو أول مخترع لآلة التوزيع المتحركة بذاتها وقد وصف آنية ماء مقدس لا يفيض الماء منها إلا إذا أسقط المستسقى في هذه الآلة نقوداً فإذا سقط الدرهم من ثقب تلك الآلة انحدر إلى أحد طرفي (مخل) أفقى فضغط عليها وانفتح من ذلك مصراع معلق بسلسلة من الطرف الثانى وانسكب الماء.
وتركيب تلك الآلة القديمة وفعلها لا يخالفان الطريقة الحديثة في شيء بل إن الأولى لأسهل من الأخري وأكثر إحكاماً.
وكتب ريشارد كارليل (١٧٩٠ـ١٨٤٣) في تصنيفه معجم التراجم الأهلية أنه لما تعددت من عماله وغلمان مكتبه حوادث السرقة جعل يبيع الكتب بواسطة آلة كالساعة وطريقته في ذلك أنه كان يكتب فوق وجه هذه الساعة (المينا) اسم الكتب المعروضة في كل يوم للبيع
стр. 716
فإذا دخل المشتري أدار المينا حتي موضع الكتاب الذي يريد ابتياعه وإذا أسقط الثمن انحدر كتابه إلى يديه.
وما كنا لنصل إلى اختراع هذه الأسلاك البرقية وتهذيبها اليوم إلى حد الكمال ألا بعد أن أمعنا في فهم منافع الكهرباء وأضفنا على معلوماتنا شيئاً كثيراً.
ولكن المخيلة قديماً أقامت ظلها وسعت لها سعيها، وبين أيدينا الآن كتاب صغير يسمى (فسحات رياضية) وضعه هنري فان إيتن - لندن عام ١٦٣٣ - نقرأ فيه هذه السطور يقول بعض القوم أنه بواسطة المغناطيس يستطيع الغيّاب أن يعلموا خواطر صحابهم كأن يعلم مثلاً من سكن لندن أفكار من هو حل ببلدة (براج) في ألمانيا إذا كان لدى كل منهما إبرة مغناطيسية الطرف وأهمية ذلك أن إبرة المقيم في لندن تتحرك بتحرك إبرة الساكن (براج) ولكن يشترط أن يكون بين الرجلين حروف معروفة ورموز موضوعة وأن يرصدا الجو فى ساعة من الليل أو النهار مخصوصة فإذا أراد أحدهما أن يخاطب الآخر فليحرك إبرته إلى هذه الحروف فتنقلها إليه وليحرك هذا إبرته فتفضي إليه بكلم صاحبه، وذلك الاختراع نهاية فى الدقة على أننى لا أصدق أن في الدنيا حجراً عظيماً كهذا له هذه المميزة ولا أحسب استعمال هذه الطريقة ممكناً ولو ذللت لازدادت الجرائم وفشت الجنايات اه.
تلك هى معالم (التلغراف) الحديث وهذه آثاره الأولى بل إنها لآثار التلغراف اللاسلكى ومباديه!
وكتب جون ويلكنس أسقف شيستر (المتوفى عام ١٦٧٢) طائفة من الأسفار التكهنية العلمية ككتاب (اكتشاف دنيا جديدة) و (حديث عن نجم جديد) و (عطارد) و (سحر الرياضة) وغير ذلك من الأسفار وذكر في كتاب (عطارد) أن فكرة (فان أيتن) التي ذكرناها آنفاً مأخوذة من مؤلف قديم يسمي فاميناس استرادا ثم استطرد يقول إن هذا الاختراع خيال متخيل لا أساس له في أى تجربة من التجارب ولكن ويلكنس المذكور وضع للأنباء البرقية قانون رمز سبق به قانون (مورز) وهو المتداول اليوم أخذه عن طريقة النقط ذات الحرفين التي اخترعها (باكون) والتي تكاد تشابه طريقة النقطة تتبعها الشرطة لواضعها (مورز) غير أن كل حرف فى الأولى يرمز له بخمسة رموز بترتيب
стр. 717
مختلف مثلاً يرمز لحرف الألف بخمس نقط وللباء بأربع نقط ثم شرطة وللحرف بثلاث نقط وشرطة ثم نقطة وهكذا. وقال أن هذا القانون يجوز أن يستعمل بناقوسين مختلفى الصوت. . اه.
وقد يعد القارئ قاطرات وذوات القضبان الفردية اختراعات طريفة ما قدم لها أثر ولا شهدها من قبل عهد على أن الأمر غير ذلك فنحن ننشر له صورة إحدى تلك القاطرات (وهنا نشرت المجلة التى ننقل عنها تلك الصورة) صنعها سنة ١٨٣٣ فى باريس مهندس فرنسى يدعى وعرضت فى ساحة السباق بباريس ثم اختفي أثرها دهراً حتى كان عام ١٨٦٥ فعادت إلى الظهور فى باريس باسم اكتشاف جديد.
وقد يكون القاريء رهن الظن بأن الجاريات الغائصات في الماء هى نتاج فكرة محدثة ومصدر خاطرة جديدة على أن الأمر بخلاف ذلك فقد بحث في الموضوع مرسن في كتابه المطبوع فى باريس سنه ١٦٤٤ وأفرد له ويلكنس فصلاً شائقاً فصل البحت في فوائده ومصاعبه.
وكتب عمانويل سويدنبرج صاحب المذهب المنسوب إليه بين عامى ١٧١٠ و١٧١٤ مقالاً في الطريقة التي تستطيع بها سفينة بربانها أن تغوص تحت الماء كما تشاء وترمى أسطول العدو بشرر كالقصر وتنزل بجواريه الخراب والدمار ولكننا نستطيع أن نعود بالقارئ إلى قرن خلا قبل ذلك فنشهد جارية غواصة أنزلت فى نهر التاميز سنة ١٦٢٥ تقل الملك جيمس الأول وفي أوائل القرن الماضى وضع فلاتون طرقاً كثيرة للغوص في أمواه البحار. .
أما عن المطارات المدارة فيظهر أن م. ج تيساتديير فى سنة ١٨٨٣ كان أول من وضع في المطارات آلة كهربائية متحركة بنفسها وإن كان بروكتور كما ذكر ناذهب في العام التالي إلى أن الملاحة في أجواء الفضاء مستحيلة الوقوع ولكن هناك صورتين لفكرتين قديمتين فى شأن هذه المطارات وضع أولاهما جرين فى سنة ١٨٤٠ أساساً لسياحة فى بحر المحيط الإطلنطى وثانيتهما هي تلك التى حلقت فوق حدائق فوكسهول فى سنة ١٨٤٣ والتى اشتهر ذكرها للشبه بينها وبين المطارات الحديثة فى أن لكل منهما دفة ترشدها وآلة تبعثها على الطيران.
стр. 718
ونحن نميل الآن بالقاريء إلى الكلام عن المطارات التى هى أثقل من الهواء وزناً والتى يعدها القوم أحدث ما أخرج للناس من الاكتشاف وأرقى ما ظهر حتي اليوم من الاختراع.
لقد فكر الناس فى الأحقاب المنصرمة والسنين الخوالي أن يطيروا بأجنحة كالأطيار وليس هناك سبب يدعونا إلى الريب بأن (أرشيتاس) من أهل تارنتام (وكان ذلك قبل مولد المسيح بأربع وتسعين وثلاثة آلاف حول) صنع آلة على شكل الحمائم تسبح فى الجو ويقول الرياضى الشهير ١٥١٠ - ١٥٧٦ - لا سبب يمنع مثل هذه الآلة من التحرك لاسيما في عليل النسائم ورخية الرياح وإن خفة الجسم كضخامة الأجنحة وقوة العجلات هو الباعث لها وإن الحمامة لتطير بهيئة مخصوصة ولكنها تتراوح فى الهواء وتتمايل كنور المصباح فتعلو أحياناً بنفسها وترفرف حيناً بجناحيها ثم تترك ذلك فجأة فتسقط لأن قوتها الباعثة لم تساو وزنها اه.
وقد صنع آلة على هيئة نسر وطيرها على أن الطيارة التي ابتدعها صانع ساعات في (ويانة) اسمه عام ١٨٠٩ تشابه من عدة وجوه مطارة اليوم المسماة ثم بدا للناس المزلج وهو ما يعرف عند الفرنسيين بلعبة كاختراع جديد منذ أربعين عاماً وما كان إلا تهذيباً لأن منشأه كان قبل ذلك العهد بخمسين عاماً على الأقل.
ومن ذلك يستنتج أننا نقلنا حتي ألعابنا عن أجدادنا أهل العصور السالفة وقلّ ما أحدثنا وندر ما اخترعنا!
ألا لقد أصاب المثل السائر (لا شيء تحت قبة السماء جديد) اه.
стр. 719
نوادر الأطباء
حدّث طبيب من الإنجليز عن النوادر التي تقع بين الأطباء وبين مرضاهم قال:
خلق فريق من الناس والمزاح طبيعتهم وأن أحدهم ليقهقه بالنكتة فى أرهب المواقف وأدعاها للسكوت كالرجل الذي قال له طبيبه إن سعالك لم يتحسن اليوم فأجابه إنه لم يفهم لأنه كان يتمرن على السعال طول الليل! أو كالآخر الذى وضع الطبيب على جسمه النحيف (لبخة) من (الماسترد) فما كان منه إلا أن قال (كثير من الماسترد على قليل من اللحم!).
وقد قال لى بعض المرضى لما رأونى أفحص عليلين معاً أنني كنت أقتل عصفورين بحجر!
والجمهور يعطى الأطباء ميزة في القتل. مثال ذلك أن ثلاثة من الأطباء دنوا من فراش مريض فصرخ قائلاً وهو يقول كلا. دعونى أموت موتة طبيعية. وسئل ولد ما علة المرحوم والدك؟ فأجاب لم يكن لديه طبيب. بل مات من نفسه!.
وقد دعيت مرة أنا وأحد زملائى لفحص شئ من اللحم لم يصرح به طبيب الصحة فلما كنا فى المحكمة سئل شاهد من كان حاضراً ساعة فحص اللحم؟ فأجاب الدكتور روبنسن والدكتور بورتريت و (جزارون) غيرهم.
وبعضهم يدعي أن الأطباء لا يشتغلون.
دعي طبيب وكان قد قضى الليل كله في عيادة أحد المرضي إلى فحص رئتى عليل وطريقة الفحص أن يعد العليل (واحد. اثنين) إلخ والطبيب يستمع. فجلس الطبيب بقرب سرير المريض وكان متعباً فلم يستطع أن يستعمل (سماعته) بل أدنى رأسه من صدر العليل وأمره أن يعد حتى يأذن له بالسكوت.
فبدأ المريض يعد (واحد. اثنين. ثلاثة. . .) وأخذ الطبيب النوم فلم ينتبه إلا والعليل يعد ٦١٢١، ٦١٢٢، ٦١٢٣!
واعتذر بعض الأطباء عن قلة مفعول أدويته إلى سيدة فقال أنت تعلمين أننى لا أستطيع أن (أصغرك) يا سيدتى فأجابته نعم. إنني أعلم ذلك ولم أرسل إليك من أجل ذلك بل جئت لتجعلني أقترب من ساحل الأبدية.
ويقال أن طبيباً من (ليدس) بإنجلترة وصلته الرسالة الآتية:
стр. 720
أنت لا تعرفنى أيها الطبيب ولكنك كنت تعود كثيراً من أقاربى. عدت والدتى فماتت. وعدت أختي فقضت. وعدت ابنة عم لى فتوفيت. وعدت شقيق زوجتى فمات. وحماتى اليوم مريضة ونرجوك أن تأتي لتعودها!.
وأرسل شخص رقعة إلى طبيب يسأله أن يحضر ليفحص إصابة (بالجدرى) فأسرع الدكتور إلي دار العليل فوجد أن العلة هى (الروماتيزم) فسأل لم قلت أنها الجدرى؟ فكان جوابه إذا أردت الحقيقه أيها الدكتور فاعلم أننا لم نجد في البيت كله من يقدر أن يتهجى لفظة روماتيزم فظننا أن لفظة الجدرى تؤدي حتى تحضر وربما أتت بك مسرعاً.
ولا أنسى يوم سألت امرأة عن العلة التي مات بها والدها فنظرت إلى صديقها وسألته أن يخبرني فقال. مات مشنوقاً. يا سيدي! وكان أبوها من القتلة.
وعرفت رجلاً من أكثر الناس عملاً كان يحمل في جيبة قطعة من البطاطس النئ ويقول أنها تمتص (الروماتيزم).
وزارت سيدة رجلاً كان في أشد المرض فرأته في دور النقاهة وذهبت وهي تؤمل أنه سيبرأ سريعاً ولكنها زارته بعد أيام فإذا هو في فراشه فاستفسرت من زوجته فأجابتها إنه لما يئس الطبيب منه ورأى أن صحته لن تتحسن بعنا ثيابه! اه.
стр. 721
البيت والحياة المنزلية
للكاتب أمرسن أكبر كتاب الأمريكان
لا شيء أظهر من كمال عناية الله بالطفل. والله الذي يصون بذرة النبات بغلافها الكثيف ووعائها المتين يقدر للنبات الآدمي صدر الأم وبيت الوالد. عجباً للضيف الطارق والوافد الجديد الطالع علينا من ثنايا الغيب ما أضحك هيئته. وأصغر جثته. مرحباً بالمجتهد الضعيف والمجاهد الضئيل القوى في ضعفه الجلد في وهنه الذى يلقاك بذراعين أسد علاجاً وأصعب مراساً من ذراعي جندي مقاتل. أو نابل مناضل. والذى يحول بين شفتيه من سحر الإغراء. وفتنة الجاذبية والاستهواء. ما لم يؤته المصقعان شاتام وبريكلير. أليس في دمعه الفياض ورنته الحزينة وانتحابه كأن وجهه حزن مذوب ولوعة سائلة وإنه ليرد أنفاسه ويسيغ شجاه. ويبلغ كمده ويجير أساه. ما يلين أغلظ فؤاد. ويذيب قلب الجماد؟ ألا تعجب للجبار الضئيل ما أخس ما يطلب وما أزهد ما يسأل حتى جميع الخلق مؤيدوه والناس كلهم في صفه؟ أما أن جهله لأحلى فى النفس وأشهى إلى القلب من علم العالم النحرير. وإن ما ثمه الصغيرة لأحسن من كل فضيلة ومكرمة. وجسمه من مادة الملائكة إذ كان روحاً كله وتراه طول اليوم ما بين هجعاته الأربع يهتف كأنه قفص الحمام ويهدر ويصفق بجناحيه ويرفرف ويلبس وجهه الجلال والعظمة. وإذا صام برهة رفع صوت بوقه إنذاراً. وإذا كان بالليل سرّه أشباح الظلال على الحائط وإذا كان بالنهار سرّه الأصفر والأحمر. وإذا حمل إلى خارج الدار بهره النور وكثرة المرئيات فصمت. وبعد ذلك يبدأ استعمال اليدين فيتعلم القوة - درس سائر بني جنسه فهو من قطع الصابون ومن الحجارة وفن قطع الخشب والخيط والورق اليابس يبنى كنسيته أو قصره أو هرمه وكأنه لفرط الجد والوقار نوح يصنع الفلك وإبراهيم يبني الكعبة. وقواعد الأصوات يكتشفها من مزماره وجرسه وودعه. والطفل الأمريكي اقتداء بآبائه لا يني ينقب عن أسهل طرق السفر والانتقال فتراه لا يبصر أحداً الأهمّ أن يركبه فليس من عنق ولا كتف ولا ظهر إلا أضحى له مهما عز صاحبه وعظم ربه مركباً رّيضاً ذلولاً. ومن ذا الذي يطبق عصيان ذلك الملك القادر أو يستطيع مقاومة ذاك الكاهن الساحر ولو شاء أن يركب الأسد الرئبال لذلله أو أعصم الجبال لاستنزله فما هو إلا يرغب حتى تري العمات والأعمام والخالات والأخوال
стр. 722
والجدات والأجداد على قدم وساق. ذلل الشكائم. خضع الأعناق. يذعنون له جميعاً وهو لا يذعن لإنسان. يركب عاتق البطل الكبير ويأخذ بناصية ذي التاج والصولجان.
قال ملتون الطفولة عنوان الرجولة كما أن الصباح عنوان النهار والطفل يذكرك بأيام الصغر فتحن إليها حتى تخال ذياك العهد قد عاد فتلمح شعاعاً من ذلك السنا اللماح وتشم عبقاً من ذاك الشذا الفياح.
وبينما الأبوان في عجب وأعجاب بفتنة هذا الوجه ولثغة هذا اللسان - بذاك المنظر الأبلج. والمنطق اللجلج. إذا بالطفل قد عاد - وما كادا يشعران غلاماً؟ ولله الحياة ما أعجبها فى عين الطفل وما أروع أثرها في نفسه يمسى ويصبح بين ملح بدائع، وآيات روائع: النار والنور والظلمة والقمر والكواكب وأثاث البيت واللعب والزخارف. والخدم تحميه وتصونه والمراضع تغذوه وتمونه، والأهل تحفه وترفه وتحسوه وترشفه، مدهشات كلها جلائل. ومحيرات هوائل، ولكن الملك الصغير يتقلب بينها وادعاً مسروراً ناعماً محبوراً، فلا يلبث أن يذللها فيمتلكها من حيث لا يشعر. يدب فيه العلم الجديد مع حياة هذا اليوم فيكون الوسيلة لإدراك علم الغد فالوردة الناضرة حادث جديد في حياته والبستان شرقاً بالورد هو جنة الخلد أعادها الله إلى آدم الصغير. والمطر والجليد والثلج آيات أطوار جديدة في عيشته. أي عيد عظم ذلك اليوم الذي فيه يدلى بذي النعلين الصغيرتين إلى متن الطريق المثلوج لأول مرة.
أي صباغ حاذق يستطيع أن ينفض من بدائع ألوان قلمه على الأشياء مثل تلك اللمعة التي تزين بها يد الله لعب الطفل وأمتعته؟ ما أظن شائقات المشاهد في كنيسة سانت بطرس لها في نفوسنا من الروعة مثلما للبلورة المضيئة أو الطيارة الشفافة أو مجموعة الصور التي كانت أول هدايا الوالدين وزخارف الدنيا. لشد ما والله يحن الفؤاد إلى هذه اللعب وتسيل النفس إلى تلك الألوان المشرقة. والأشكال المونقة، وشد ما يتشبث الخيال - الآن وقد شابت الذري. وخارت القوي - بأذيال تلك العهود وتعانق النفس في وهمها محاسن تلك اللعب وهاتيك البلورات والصور! أي لذات ومناعم تقصر اليوم للرجل الجديد وتملؤه رونقاً وبهاء! ما أقدم الشارع فى ظنه وما أقدس الناس! كذلك يكسو وخياله كل شيء جمالاً. ويلبس وهمه كل شيء جلالاً. ثم لا يدع ركناً مظلماً حتى يملأ بالجان والمردة - لله ذاك
стр. 723
الخوف ما ألذه تلك اللذة ما أخوفها! لقد سمع بالأغوال والسحرة فهو يقف. وهنا على باب داره فيرتب مرور هذه الخلائق وكأنه يلمح فى الظلام أشباحها ويسمع من أقصى الليل أجراسها. وكذلك أول نزهة فى الريف وأول غمسة في النهر وأول انسيابة فوق الثلج وأول عدوة في القمراء كل هذه فصول جديدة من الفرح واللذة في كتاب الحياة. وماذا في الكتب الممتعة: ألف ليلة وأبطال المسيحية السبعة وروبنسن كروسو وسفر الحجاج من كنوز الفكر ومعادن الطرب! لهى والله البرد المحبر يلف الطفل فيه الدنيا حتى العالم كله في عينه كوشي الطاووس أو أبهج! وكذلك يمضي السائح الصغير بين مشاهد الطبيعة ذلك السفر الذى بدأه فرحاً مسروراً له من محاسن فتنته وجواذب خلابته. وسذاجته التي تخال منتهى الحكمة والعقل. وخلاعته التى تفوق غاية الكمال والنبل. أقوى باعث ومثير لحب الأهل والأقارب الذي هو كالؤه وراعيه. ومهذبه ومربيه. وهكذا يشب وينمو تحفة البيت ولذته والبيت ترن جوانبه بصدى ندائه. وضحكه وغنائه. ونَصوَّغ حجراته. وتأرج ساحاته. بشذا تلك الوردة الناضرة - الطفولة.
والدار موطن الرجل كما هي موطن الصبي. والذي يحدث بالدار من الأمور. ألصق بنفوسنا وأمس بأرواحنا مما يقع بمجالس البرلمان. ومعاهد العلم والعرفان. والشؤون المنزلية هي حقاً شؤوننا أنا ما يدعونه الشؤون العامة فقد لا يكون من شؤوننا. وكأني بمن أراد أن يعرف حقيقة تاريخ البشر ويفقه روح العصر قد أخطأ الصواب وجار عن الهدي إذا هو قصد إلى البرلمان أو إلى البلاط لينشد هناك ضالته. ويبتغى نمت طلبته. وإنما بين جدران البيت يطلب سر الحياة ويلتمس روحها. وما همنا قط ولا عناناً كالذي يفعل بالبيت ويكابد والذي يجرى على المرء من نعمة ومحنة وكربة وفرجة وعلة وشفاء. وشقوة ورخاء. والحقيقة خير من التزويق لو نعثر على الحقيقة. وهل ترى في أبدع صحف المنشئين. وأعجب قصص المحدثين. شيئاً هو أملك للسمع وأسبي للقلب من حديث العراف الصادق الذي يستطيع أن ينبئك على الفور بحقيقة أحوال الإنسان. وما جرت به الأقدار مما يكون وكان. الذي يستطيع إيجاد علة كل حادث وسبب كل واقع والتأليف بين إرادة الخير الكائنة فى روح الطبيعة وبين ما يجرى على يدي الطبيعة من الشر والأذى وبين تاريخ الإنسان الطبيعي والأخلاقي. الذي يستطيع أن يشرح أحوال محنك ومصائبك
стр. 724
وأمراضك وهمومك ومزاجك وديونك وأساليب رأيك وفكرك وأذواقك وأميالك ثم لا يفصلك في أي هذه التفاسير عن سائر بنى جنسك بل ينوطك بهم ويقرنك إليهم؟
أفلا تري بعد أنه ليس في مجالس البرلمان ولا في مقاصير الملوك ولا في غرف التجارة بل في بيوت الناس تعرف أخلاق الجيل الحاضر وآماله! على أنه مطلب عويص - قراءة أخلاق الجيل وآماله من صحائف الدور والمنازل وأسهل منه ولا شك إحصاء سكان البلاد ومساحة أرضها وانتقاد سياستها وإدارتها وكتبها وصورها وأبنيتها. أجل ذلك أهون من إتيان الدور وأهلها واستطلاع أخلاقهم وآمالهم من أساليب معايشهم.
فمل بنا إذن عن المحافل والمجامع إلى البيوت والمنازل وادخل بنا غرفة الجلوس وحجرة المائدة نسمع أحاديث الخوان والسمر وننظر نفقات الناس في مساكنهم. هم يزعمون أن من مزايا هذا العصر الجنوح إلى ملاذ الروح والحياة السامية الجميلة. فلننظر هل بلغ الناس من هذه الحياة سرها ولبابها أو وقفوا عند القشور والظواهر. أترى البيوت تجري في معيشتها على نظام ومبدأ؟ هل تشف لك نفقات الرجل عن طبعه ومزاجه وخلقه وروحه وأمياله وآماله؟ هل نظام نفقة الرجل شفاف مضيء؟ والمرء واجب عليه أن يطيع في نفقاته وحى ضميره ويجرى فيها على غريزة ميله حتى يصبح وليس في بيته وضيعته إلا ما هو عنوان على طبعه ودليل على ميله. ولا يكون المرء مستقلاً نام الرجولة إلا إذا خدم ماله إرادته. وتبعت نفقته مشيئته. فأما من أسلك ماله سبيل مال جاره وقصد بنفقته إلى ما قصد إليه غيره تقليد القرد وحكاية الببغاء فعاجز الرأي ساقط القدر ميت الهمة. وليس الرجل وماله شيئين مختلفين إنما الرجل ماله.
لا يسترين امرؤ إلا ما أحب. ولا يبذلن إلا فيما طلب. ولا ينفقن مجاراة لغيره فإن ذلك مال ضائع. وكذلك ترى. . . . . الأدب أساساً من أسس الأدب كل ماله مبذول في سبيل أفلاطون وأرسطو وفرجيل وسسرو ودانتي. لا تسله إن يرفد بماله ثروة البزاز والبقال لا تسله إن يدخل في شركة لبناء مصنع أو فتح حانوت. تلك أشياء أعلم أن لا بد منها ولكن أدعو إليها غيره. أتحسب إن كتاباً كمحاورات أفلاطون كان يهبط إلينا من أفق الزمان الأول لولا درهم الأديب وغرامه بالكتب؟
ومن الناس الصانع بفطرته مبدع الماسج وباني السفن - فهذا أساس من أسس الصناعة أن
стр. 725
ينصرف إلى الكتب لم تجن منه سوى الخيبة. وآخر فلاح - أساس زراعي. وغيره كيماوي - تسري عليه عين القاعدة. فلتكن في بذل مالك المخلص الجاد لا اللاعب ولا الهازل ولتبخلن بدرهمك أن تنفق في غير ما فيه لذتك أو نفعك وبنفسك أن تسف بها إلى مساقط الحمق والسفه.
وإني لأخشى إن نحن طبقنا على بيوتنا هذه القاعدة إن نجدها منحرفة عن القصد حائدة المنهج غير مطابقة البتة لطبائع أربابها وأميالهم.
ولكن ماذا يصنع في بيوتنا وماذا يتبع؟ لا أري البيوت تقدمت وارتقت إلا من وجهة النظافة والصحة واستكمال آلات النعيم الجسمي من مأكل ومشرب ومتكأ - أغراض حقيرة وأغراض فانية. فلو أزلت أسقف الدور فنظرت إليها من عل لألفيتها جميعاً مطاعم فطير ودكاكين حلوى ولم تلف بينها معبداً لغير إله الأكل. ولوجدت بكل منها بكاساً. يعمل طاساً وكأساً. فما أقل عنصر الجمال الحق في سنة كهذه. وما أبعدها أن تطهر نفوس السكان وتحبوهم الرخاء والحبور من والد ووالدة وأنجال فهو مجدب من هذه النعم للضيف وصاحب الدار متعب للمرأة شاق بلا فرح. كاد بلا سرور. وكذلك البيت الذي جل القصد منه إعجاب الناس بالزينة والوفرة متعذر إلا على القلائل من بنات حواء ثم لا ينال إلا بثمن غال من العافية والراحة.
إنه إن ينظر المرء إلى هذه المسألة من وجهتها المادية هاله الأمر وراعه وحيره تعدد المطالب والمرافق لاسيما في الأصقاع الشمالية حيث الجو عاق والطبيعة قاسية فأقل حساب لحاجياتنا في هذه النواحي الوعرة يروعنا بكثرة الأشياء الصعبة الملتمس البعيدة المنال حتى نكاد نحسب صلاح البيت من المحال ونري حسن النظام أمراً أسمى من أن ترقى إليه همة بني آدم. فانظر إلى البيوت الحائزة للثروة وسلامة الذوق كيف ترى شدة احتفاظها ببعض أركان النظام مدعاة إلى تعطيلها سائر الأركان. فإن تمت عناية الأبوين بأمور الأنجال من ملبس ومأكل وتربية وتثقيف ورقابة قصرت تلك العناية بحقوق الضيفان واختلت بواجب القري فأفسدت المروءة وآذت الحسب. وإذا وظب على أوقات الطعام أسئ تنضيد الأمتعة وتنظيم الأماكن. وإذا عُنى بالحجرة أغفل البستان وإذا مدحت الساحة ذم الفناء وإذا صلحت جميع هذه فسد نعيم رب الدار وربته لشدة اشتغالهما بإصلاح البيت عن
стр. 726
إصلاح ذاتيهما.
إنه لا يسعنا إلا التسليم لكثرة ما يجب تذليله من الصعاب قبل الوصول إلى حالة مرضية وما أظن ذلك ممكناً بمجرد النقد أو إصلاح الجزئيات واحدة أثر أخري. بل بأن نجعل للحياة غرض أسمى وأشرف ويكون القصد من بناء الدار وفرشها أعلى وأمجد. وهل تعلمون خطباً أعظم. ومصاباً أجسم. وآفة أحق أن يشمر لإزالتها. وينهض لإراحتها. من أن يذهب أحدكم في بيته أو بيت أخيه من غرفة لأخري فلا يرى حقاً ولا جمالاً ويتوسم وجوه الساكنين ويتصفح أعمالهم فلا يري مبدأ ولا قصداً. وينصت فلا يسمع إلا هذراً ولغواً وصخباً ولجباً. وإن يجد نفسه مرغماً على النقد ولا يقبل نقده مدفوعاً إلى عظة من لا يسمع وعظه. وإن لا يرى في القوم من يجود بثمار لبه ويقبل ما يهبه الغير من ثمار ألبابهم - من يعطى الحكمة ويأخذ الحكمة ويقرض ويقترض الحب والرحمة. أي خير فى الدار إذا كانت كذلك. وأي ثمرة بعد هذا الفساد والنقص في صلاح الزاد وكمال الأثاث. وماذا تجدي حلاوة السكر مع مرارة العشرة وعذوبة الزلال مع ملوحة العيشة!
إن من أكبر الخطأ أن يعزو الناس هذا البلاء إلى قلة المال فتقول الزوجة لزوجها أعطني المال تحمد بيتك ولا تجد ما يسوءك إلا ترى في هذا القول معني الإيمان بقوة المال وأفراده بالسلطة المطلقة دون ما هو أحق منه بهذه السلطة أعنى إرادة الإنسان! إلا إنما الثروة في النفس لا فى النشب. وإن الغني لبالعقل لا بالذهب. ماذا تريدين بالمال؟ أنت تريدين عيشة الملوك والأمراء. وبذل الأجواد والأسخياء. أبهة القياصرة. ونعمة الأكاسرة. وقدراً لا تنزل الأرض مهداراً وكفا بالعسجد واللجين مدراراً. وأنى يستطيع ذلك من لم يؤت سعة الوقت والحال.
أعطنا المال تصلح البيوت لبئس هذا الجواب حلاً لذلك المشكل. وساء فكاً لذاك المعضل. أعطنا المال لجل ما طلبت وعظم ما سألت. ومن ذا يملك المال إلا الفئة القليلة بيد أن كل الناس لا غنى له عن البيت. والخلق لا يخرجون إلى العالم فى كساء من الذهب. وطلب المال مهلكة يبلى الطالب وما فاز بطلبته.
على أن حل المشكل بالمال على تعذره حل باطل. والمال آلة العاجز ووسيلة الناقص. فأما العاقل فإنه يحمى أنفاً أن يلتمس البغية إلا برجاحة لبه. أو يستفيد مودة الخلق إلا بثروة
стр. 727
نفسه وقلبه وليست الهبات والعطايا حقيقة خير بل خيال الخير وظله وتعلة من الخير الحق وبلغة إلى حين. أو إن شئت فقل هي رشوة السكوت عن أداء الدين الواجب وورقة تنوب مناب المبلغ المطلوب لا قيمة لها حتى يؤدي. فإن لابن آدم علينا حقاً أعظم من الدفء والزاد. وإنما دين الرجل لدينا رجل مثله وحق النفس الآدمية علينا نفس مثلها. وإذا رأيت أخاك ضجراً متبرماً مهموماً متألماً فذلك لأنك أكلت حقه عليك من بنات صدرك وذات نفسك ولويت دينه لديك من مادة روحك التي تفيض وروحه من عين واحدة. لقد كان حقاً عليك أن تعوده في مرقده تسليه وتؤيده وتعطيه لا من مالك فإنه حقير وإنما من بطولتك وطهارتك ومن إخلاصك وأيمانك. لقد كان حقاً عليك أن تسوق إليه تلك الروح التي هي النور والعافية والقوة فأما هبتك المال إياه بدلاً من هذه النفائس فذلك من الغبن والظلم بمنزلة ما تأتيه الزوجة الفارك من اشتراء طلاقها بالمال من زوجها. وقدماً كان اعتماد العظيم على قلبه ورأسه لا على جيبه وكيسه. وكما أن الماس أشرق ما يكون في إطار الرصاص فكذلك العظمة والفضيلة أنصع ما تكون في الفقر والخلة وقد كان أعظم خلق الله وسيد الناس طراً معسراً فقيراً. وهل كان إلا كذلك قادة اليونان وسادة الرومان. قال بلوتارك (فلوطرخس) عن أرسطيديس وكان أرسطيديس قد ولي الخراج يجيبه من عامة الأقطار اليونانية لقد ولى الخراج فقيراً وتركه أشد فقراً وكيف كانت حال أرسطو وأميلياس وأبيموننداس وكاتو؟ وأى دار كان يسكن الحواريان يوحنا وبولس؟ وأي منزل كان يقطن جون ملنون وصموئيل جونسون؟ بل أي منزل كان يقطن صموئيل آدم في بوستون وجان بول ريتشارد في بيريث؟
هذا مشكل عويص لا يصاب فيه الحقيقة ولا يطبق مفصل السداد إلا بشيء واحد ألا وهو إدراك معنى الحياة وغاية الوجود والسمو لنيل هذه الغاية. فليعلم الناس أنه لا يكون البيت بيتاً حتى ترى كل ما فيه يشهد بأنه ما شيد ولا زخرف لأمر سوي التربية والتهذيب. وأنه ما قام ثمت تحت السماء والشمس والقمر إلا لمثل أغراض هذه الكائنات رفعة وشرفاً. وإنه ليس للهو أقيم ولا لنوم ولا للمآدب والأعياد والمزاهر والأعواد ولا للذائذ الخوان. ومناعم بنت الحان. وإنما تقلع الأدواح من غاباتها لتدعم سقوف أناس لا ينبغي أن يكونوا أقل جزالة من دعائم بيوتهم ولا يليق بهم أن يؤتوا من خور ولا خور في معاجم النبع والغرب.
стр. 728
ضلة للإنسان أن بات وهو دون الحجر صلابة ومتانة. وأصبح وهو دون الشجر رزانة ومكانة. وظل وهو دون هذا وذاك وفاء وذمة وأمانة. أجل إنما تقلع الأدواح لتدعم بيتاً هو مأوى الكرام في كل حين ومقرى الطارق المستنبح إذا استكلب القر:
وعزت الشمأل الرياح وقد ... أمسى كميع الفتاة ملتفعاً
وهو موطن الجود ومثوي البر. على جباة أهله ونازليه آية الهدوء والطمأنينة وفى وجوهم نضرة النعيم وفي عيونهم نور اليقين وعلى رؤوسهم ترفرف ملائكة القناعة والإيمان والرضا لا يسألك أهله عن دارك ما نظامها. ولا عن مائدتك ما طعامها. كل له غرضه في الحياة ومقصده. وما سؤالهم عن ذلك وليس نعيم البيت في خوانه ولكن في أخلاق أهله وعرفانهم وصالحات أعمالهم وكأني بالبيت الذي يجمع هذه الخلال في غير حاجة إلى الحلوق. وكذلك يحدث تغير القصد تغييراً في قيم الأشياء عندنا حتى نراها بعين جديدة ونقيسها بمقياس آخر. إذن مفهم معنى الفقر والغنى فنعلم أن الفقر هو الشعور بالفقر وكم من فقير في نظر الناس وهو لا يشعر بفقر وكم من غنىّ في نظرهم وهو أن نظرته بعين البصيرة وسبرته بمسبار الفطنة المترب المعدم والعظمة النفسية والعناية بالمال لا تجتمعان في صدر قط وما أن رأينا من عظيم يعنى بالمال ولو يعنى لأخل ذلك بعظمته وذلك أن العظمة النفسية توقظ المدارك السامية وترقد الدنيئة غير أن السامية تجد أغراضها في كل مكان. ولا تجد الدنيئة أغراضها إلا في المرقص والخوان.
ناشدتك الله أيتها الزوجة الكريمة أن لا تكلفي نفسك من أجل هذا الضيف فوق وسعها وأن تأخذي من دمك ودم زوجك وأنجالك لتصنعي له مأدبة إمبراطور وفراش سلطان. فإن كانت حاجة الضيف في ذلك ففي ليرة ينفقها بهذا المطعم وذاك النزل قضاء حاجته. ولكن أر الطارق إن شاء في صحيفة محياك وفي لحظ عينيك وفى جرس شفتيك وفي لطف شمائلك آية برّك وإحسانك. وعطفك وحنانك. وليكن وجهك دليل قلبك. ولحظك عنوان نيتك. والوجه المشرق الطلق آية القلب المخلص والضمير الطاهر:
وإذا ما مخابر الناس غابت ... عنك فاستشهد الوجوه الوضاء
فذلك خير له من المصفق في الأكواب. ومن المرقق والصناب وذلك لا يباع ولا يشتري والصناب يباع ويشترى. وهو الذى تشد إليه الرحال، وتضرب إليه أكباد الآبال، ويحتمل
стр. 729
من أجل بلوغه السفر المهيب والجوع والظمأ. أنا لا أقول لا تفرش الخوان للضيف ولا تهيّء له الفراش ولكني أقول لا تودع هذين جل سخائك وكرمك بل اجعل معظم ما لديك من ندى وجود فيما قد ذكرت الآن من شريف الخصال. وكريم الخلال. الأشرف الله كل دار أمات الفقر فيها الشهوة والهوى وأحي اليقين والهدى وأيقظ الفكرة والنهى. ونبه الفطنة والحجي. وأولع النفس بالتقى. فقرأ الذهن شرائع الطبيعة وعرف أسرار الكون وعبدت الروح الحب والحقيقة وجرت المروءة وسرت الفضيلة في كل عمل من أعمال الأسرة.
كم رأينا الفقر سر النجاح. وسبب الفلاح. وأس الصلاح. وأصل المجد والفضيلة والشرف. ولم تر حكومة قط عنيت بتعليم أبناء فقرائها وتقريب كنوز الأدب والحكمة من أطماعهم مثلما عنيت بذلك حكومتنا فكم من دار حقيرة راح فيها الذكاء والعلم والنبوغ مقرونة بالفقر والكد. أين الذي لا يؤثر في حصاة قلبه أن يرى أولاد الفقراء وقد فرغوا من أداء خدمة البيت يطيرون بأجنحة الشوق إلى مجلد رث الغلاف من أسفار بترارك أو جولد سمث يسترقون من ذلك الظالم الجبار - الوقت - ساعة عسجدية يغيبون أثناءها عن شعورهم في ظلال بساتين الأدب وشعاب أودية الخيال والشعر؟ وأن يرى فرح بعضهم ببعض إذ يتناشدون الأشعار ويتراوون الآثار. طوراً بالحقل وتارة بالحظيرة وأخرى بالساحة. ويتبادلون آراءهم في موضوع خطبة الأمس ودرس اليوم ومحاضرة الأستاذ وموعظة القسيس أو يتناولون بالنقد الأليم أحوال المدرسة والمدرسين وفتيات الدار مصغيات فاتحات الشفاه اشتياقاً. خافقات الصدور إشفاقاً. وإن يرى فرحة الغلام بإنجازه أول عمل من ترجمة أو إنشاء إذ يضحك لنفسه منفرداً في سطح الدار كالعابد في صومعته. أو يرى رؤية الغلام وأناته إذ يقرأ إعلاناً عن محاضرة الخطيب ماكريدي أو بوث أوكمبل بمكان كذا في ليلة كذا فيجعل يقارن بين غنم الذهاب وغرمه. وإن يرى فرط سرورهم باللقاء بعد تفرق ونطق وجوههم بالحبور قبل الألسن. وحرصهم أثناء الفراق على ادخار كل معسولة من القصص والأنباء ليصبوها في مسامع خلانهم عند اللقاء وينفثوها في قلوبهم. وارتياحهم لطرح ما حملوه أذهانهم من ذخائر العلم يتعارضونها عند المقابلة. بالله قل لي أي آصرة هذه التي تؤكد عقد ما بينهم أليست هي آصرة الفقر والحاجة آصرة الكدح والكد التي تبعد عنهم من الشهوات الخسيسة والملاذ الخبيثة ما يفسد أحساب أمثالهم من الأغنياء ويذهب
стр. 730
مروتهم ودينهم ويبلي جدتهم. ويذوى زهرتهم. ويوبس عودهم ويقوس عمودهم. ويمتص منهم من ماء الشباب وماء النعيم وماء الحياء وماء الحياة. ويتركهم أنقاضاً بالية. وأطلالاً عافية. فأضحى الفقر في أولئك الفقراء قد وجه هممهم إلى طرق الصواب والأمن وصرف عزائمهم إلى سبل الصلاح والتقوى فباتوا برغم أنوفهم عباد الجليل عشاق الجميل طلاب النبيل شيعه الهدى. لا در دركم معشر الغلمة الفقراء أتشكون الفقر وأنتم الأغنياء. والبؤس وأنتم السعداء لشد ما أصغرتم نعمة ما أجلها. وحقرتم عطية ما أجزلها. ألم تؤتوا وفرة الحظ في ثلاث هن ما هن. قراءة الكتب وقراءة الطبيعة وقراءة السريرة الإنسانية. ماذا تريدون؟
أركوب الفاره تبتغون. وليس القشيب تطلبون. ورؤية التمثيل تودون. وإلى سبل الغواية تجنحون. ومواطن الإثم لو أمكنتكم الفرصة تجمحون. ما أجشم الخطب وأعظم الكرب لو أسعفكم الدهر بهذه المطالب. وأسعدكم القدر بهاتيك المآرب! كلا إنكم لفي حرز من ذلك. وإن حولكم ملائكة حراساً ما إن يزلن يكالمن جباهكم بأكاليل الحياة. تلك الملائكة هي الكد والفقر والجد والإخلاص.
وهذا فصل من رواية كلارندون ينعت فيه المؤلف أجمل مثال من العيشة المنزلية أسرده هما لما فيه من عظة وعبرة وهو ولما كان منزل الرجل على مسيرة ساعة من أكسفورد أصبح صاحباً وعشير العلماء هذه الجامعة وأدبائها وذلك أن هؤلاء وجدوا عنده من احتفال البديهة وشدة العارضة وذرابة اللسان وخلابة البيان وسعة الاطلاع وغزارة العلم لا يسألونه عن فن إلا حسبوه أنه لم يتقن غيره:
إلى أى ما فيه عمدت حسبته ... هو الغرض المقصود فيه الميمم
مع فرط حياء وشدة تواضع كأنه بكل شيء جاهل ما أغراهم به فصاروا يختلفون إليه فيحدقون به إحداق الحلقة بالأستاذ وظل بيته لهم مدراساً صغيراً كبيراً. قليلاً كثيراً يغشونه للدرس لا للراحة وليصفوا بالبحث ويهذبوا بالفحص تلك المسائل التي أبقاها الكل والمجاراة أغلاطاً شائعة.
أنا لا أقدس الرجل الذي جل أمله أن ينال منزلة في البرلمان أو في الجيش ولا الذي أكبر أمنيته أن يكون ذاك الخطيب المصقع أو ذلك الشاعر الفحل إنما أقدس الذي يرمي إلى أن
стр. 731
يكون أستاذاً في حسن نظام العيشة عارفاً بالذي له وعليه مؤدياً حقوق السيد أو الخادم وواجب الزوج والأب والصاحب وذاك لعمر الله أمر أعوص مطلباً من التفوق في الشعر والكتابة. والحرب والخطابة. يستلزم من قوة العقل أكثر مما يستلزمه التبريز في تلك العلوم والفنون. والسبب الذي من أجله يخيب معظم من يتصدى للفن والعلم هو عين الذي يخيب من أجله. معظم الخلق فى بلوغ الرتبة المرضية في فن المعيشة. وإني أحسب أن خطيئة الناس في فن المعيشة هو أنهم لا يرون الإنسان مقدساً. وهي عين خطيئة الحكومات والمدارس والديانات جميعاً.
لقد جاء في أساطير الأولين أنه جيء مرة إلى بلاط الملك أرثار من عالم الجن بكساء هدية لأجمل أهل البلاط منظراً. وأطهرهم مخبراً. ولكن من ذاك الذي الأجمل الأطهر؟ هو من إذا لبس الكساء كان محكماً عليه لا نقص ولا زيادة. فجعل كل من البلاط يجربه فلا يراه محكماً. وإذا هو أوسع على هذا من عرض الفضاء وأضيق على هذا من سم الخياط طويل على البعض قصير على البعض. فقالوا جميعاً إبليس في الكساء وباطلاً قالوا إنما إبليس فيهم وليس فى الكساء إلا الحق وما فيه من عيب ولكنه يظهر عيوبهم ويبين عوراتهم فأحجموا عن الكساء مذعورين وجلين حتى جربته ذات الكرم والعفاف جنلاس فإذا هو عليها محكم. وكذلك في دماغ كل امرئ مقياس يقيس به قيم الرجال من كل غاد ورائح فلا يكاد يجد في الألف واحداً يبلغ هذا المقياس ويساوى ذلك النموذج كلا ولا نفسه ولا من كان يحسن بهم ظناً ويراهم من الشرف في الذروة والسنام:
نزلوا من مباءة المجد قدماً ... في مناديحها الطوال العراض
أولئك الذين كان من يراهم أطواداً وبحاراً. وأبطالاً جلة كباراً. لقد قلوا فى عينه بعد أن نظرهم بذاك النبراس. ودقوا فى نفسه بعد أن قاسهم بذلك المقياس رآهم أدنياء المقاصد سفلة الأغراض. خبيثي العلل معضلي الأمراض. يقنعون من عليا ذؤابة المجد بأدنى مراتبه ومن أجزل مرابح الشرف بأخس مكاسبه. يكفيهم من حديقة الكرم نفحة. ومن أنوار الحقيقة لمحة. لكل مطمح دنيء لا يري في الوجود غيره فإذا هو ناله ظنه قد نال الدنيا بحذافيرها فيقعد لا يصنع بعد ذلك شيئاً إلا أنه يجعل هذا الأمر الذي بلغه أصلاً يرجع إليه كل ما يقع له في سائر عمره وتاريخاً لقياس الزمن. وهذه الغاية المطلوبة تكون عند المرأة
стр. 732
الحب والزواج (وهى أفضل من غيرها) وعند الرجل الجامعة التي خرجته مثلاً أو حرفته بعد ذلك أو استقراره في بعض المدن أو رحلته إلى بعض مدائن المشرق أو المغرب أو غير ذلك من تافهة مجسمة وحقيرة معظمة يعدها قطب حياته ومحورها وكل أمر يقع له بعد ذلك وكل حادث يحدث فلا يكون عنده ذا قيمة إلا إذا كان له نسبة وصلة بذلك القطب والمحور الذي يصبح تدور حوله جميع أفكار الرجل وأحاديثه حتى يهلك. ومن ثم ترانا نقطن في كل إنسان لي خصيصة تميز أسلوب فكره وحديثه ونعرف الموضوعين أو الثلاثة التي تشغل جميع لبه وذهنه لا يكاد يعني بشيء غيرها ثم لا يزال في كل حديث له يذكرها فإذا طرأ موضوع جديد تنبأنا برأيه فيه وتوقعنا ما سوف يقول عنه. وهذه حالة عامة ونقص شامل يستوي فيه العالم والجاهل والعاجز والبارع. وخريج الجوامع وخريج الشوارع فلقد شهدت في حفلات أعياداً الجامعات الرجل العالم الأديب الذي قد ترك الجامعة منذ العشر السنين أو العشرين قد عاد إليها عين ذلك الصبي الذي تركها لم يزد الله في عقله مثقال ذرة تضحكه عين تلك الأمازيح الباردة وتعجبه نفس هاتيك الحقائر التافهة.
وكل ما يرى له من تلك الرجولة وذاك المنصب إنما هو زخرف باطل وطلاء مموه إذا امتحنته تكشف لك عن ذاك الصبي القديم هو هو بعينه. كأني والله بنا لن نكون مدنيين قط بل نبقى ما شاء الله قرويين نرى أن كل شيء بقريتنا الحقيرة خير مما يماثله بكل بقعة أخري والمفاخرة تختلف ولكن كل مفخرة هي في نفس صاحبها وقود لنار من الغرور لا تخبو. فمفخرة هذا أنه ركب البحر ومفخرة ذاك أن لاقى المصاعب في دخول الجامعة ومزهاة الآخرا. سافر إلى جزر الهند الشرقية وخامس يفخر بأنه خرج من الماسونية. وسادس يفخر بأكلته وشربته، وسابع بحلته وحليته. إنما هي حياة لعب وزخارف وعيشة خدع وسخائف. والإنسان بينها يولد طفلاً ويعيش طفلاً ويموت طفلاً.
ما أبعد البون والخلاف بين ما نرى من الناس وبين ما يجب أن يكون الناس. نري أناساً سراعاً إلى الغرض الحقير خفافاً إلى الغرض اليسير كأنما يساقون فى طريق الحياة ضرباً بالسياط ونخساً بأطراف الإبر. قوماً معجلين لهني قد غضن إلهم وجوههم وخدد العناء لحومهم وغل الحرص أعنانهم يخيل إلى أنهم أفراس تعدو سراعاً على متونها فرسان لا تراها الأعين. أين السكينة والهدوء والطمأنينة؟ لقلما نبصر هذه المكارم. لقلما نبصر من
стр. 733
يستحق أن يدعى رجلاً:
إني أغمض عين ثم أفتحها ... على كثير ولكن لا أري رجلاً
ليس بيننا أبراراً متقون. ولا أرى الناس إلى البر والتقى يهرعون. وترانا مع ذلك نعتقد بوجود البر والأبرار والتقى والأتقياء بوجود الحياة الطاهرة والعيشة المقدسة على أنا لم نرها إلا قياساً ولم نجدها إلا إحساساً. والحقيقة أنه ما كانت الطبيعة لتعمل كل هذه الوسائل الجمة العظيمة. وتبذل كل هذه القوي الجسيمة. لتحصل على مثل هذه الثمرة القليلة والنتيجة الخسيسة. بل إن آمال الناس وطماحها نحو الجمال والفضيلة أجل ومالا نبرح نراه في خلال حركات الناس وفي أسارير وجوههم من لمحات الجمال والجلال والطهارة تكاد تمهد السبيل إلى حياة أرقى.
لكل فرد من الناس جماله الخاص ولكل نفس حلاها. وإن أحدنا ليشهد المحافل والسوامر فتروعه ثروة الطبيعة البشرية وغنى النفس الآدمية عندما تلتقي في خرت أذنه نغمات الأفراد ضروباً وأشكالاً لكل منها موسيقي خاص مميز. ويجتمع في مرآة نفسه أخلاق الأفراد صنوفاً وألواناً لكل منها فتنة خاصة مميزة ويري وجوهاً غريبة ذات معان غريبة. فيجد أن الطبيعة قد وضعت لكل من أبنائها قواعد بناء مقدس لو أنه شاد عليها فأعلى. وليس من صورة آدمية إلا وهي كفؤ أن تكون موطناً لعقل رجيح. أو خلق سجيح ومسبكنا لفطنة ذاكية. أو روح سامية.
وكما أن محاسن الطبيعة وملامح الحق والجمال في الإنسان تنبهنا للسمو إلى حياة أصدق وأرقي. ومنزل أطهر وأنقى. - منزل يضارع جلاله روعة السكون وبهجة الدنيا - فإن فيما لم نزال نجده في نفوسنا من الميل إلى مصادقة الأخيار وصحبة الأبرار. حاد آخر يحدونا إلى تلك الحياة السامية. لله ما أسعد الدار التي تبني فيها المودات والصداقات على أساس من الأخلاق وقاعدة من الآداب ما أسعد الدار التي تزوج فيها الروح بالروح والقلب بالقلب وتقترن فيها الطباع والشيم لا التي تكون متلقى القلوب المتنافرة. والنفوس المتناكرة وخليط مشوش من متناقضات أفكار وآراء وعقائد. ومتضاربات أخلاق وأحوال وعوائد. في مثل هذه يكون الزواج نعمة جلي. ولذة كبري. إذ يصبح كل من الزوجين مرآة أخيه. يصلحه ويرنيه. ومصباحه يرشده ويهديه وكنزه يمده ويغنيه. وعماده يؤيده ويعليه. ومجنه
стр. 734
يصونه ويقيه.
زينة البيت خلانه الذين يختلفون إليه. ويكثرون التردد عليه. ولا نعلم فى الوجود شيئاً هو أعظم من ظهور وجوه جديدة حول مائدة الدار إلا تلك المكارم والشيم التي استهوت هؤلاء الضيوف الجدد ونزعت بهم من مواطنهم حتى أوفدتهم هذه الدار وأجلستهم حول تلك المائدة وقد أضاف الكاتب لا ندور إلي الكلمة التي عرّف بها الرجل العظيم هذه اللفظة وهى وهو أيضاً الذي في استطاعته استجماع نخبة الناس وصفوة القوم متى شاء وأحب وقد بقى لنا على كر الزمان قافية من قريض الشاعر اليوناني القديم مياندرا في مدح الصداقة هي خير نقيذة الدهور. ووديعة العصور.
ما الجنة الغناء تسجع طيرها ... في ناعم لدن القوام وريق
والمسمعات المحسنات صوادحاً ... والراح في طاس وفى إبريق
أشهي وأعذب في النفوس على ظمأ ... ودخيل همّ من خيال صديق
هذه هي السعادة التي أن تعرف حقيقتها أزرت بكل سعادة غيرها وأرخصت قيمة الحكومة والتجارة والسكنيسة. وأي سعادة أنعم وأي يوم أعظم من يوم يتقابل الناس وكل لسائرهم مؤيد ونصير ومنعم يستهل بشؤبوب من النجوم وكاف بالنور والحيا بالبر والهدى. بالرأي والندى.
هذه كلمات على سبيل العزاء وأمان يزجيها الرجاء هده درس الحياة والغاية التي خلق الناس لها. وأقيمت دعائم البيت من أجلها. وأرانا اليوم أحوج إلى مدبر وفاتح منزلي. منا إلى مدبر وفاتح حربي. فمن كان من الشجاعة والبطولة بحيث يقدر أن يخضع لنا جبار العادة والاصطلاح ويهدى الناس إلى سبيل المعيشة الطاهرة النقية. الماجدة السنية. ويعلمنا كيف نأكل ونستريح ونعامل الناس من غير أن نحدث ما فيه معزة ومخزاة فذلك هو المعيد إلى حياة الإنسان عزها وجلالها. الراد عليها رونقها وصقالها. الخالد اسمه ما اصطحب الفرقدان. واختلف الجديد أن إطليلاً لهامة الدهر. وغرة في جبهة الزمان.
стр. 735
مطرح الهموم
لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع
كلمة من أعيان كلمات الكاتب الإنكليزي أديسون
مما يؤثر عن الحكيم سقراط أنه قال إذا جمعت مصائب البشر كلها في وعاء ثم قسمت على جميع الناس بسواء. لأصبح من كان يحسب نفسه أشقى الناس وأخسرهم يفضل أولى الحالتين على الثانية. وجاء بعد سقراط الشاعر الروماني هوراس فعدّل هذا المعني فقال إن ما يكابد أحدنا من المصائب أخف عليه من مصائب أي إنسان آخر إذا وقع بين الرجلين تبادل.
فبينا أنا ذات يوم متكئ في خلوتي أفكر في هاتين الحكمتين وقد أخذتني سنة من النوم إذ خيل إلىّ أنه بأمر إله الآلهة قد نودي في الناس أن يحمل كل امرئ مصائبه فيأوابها جميعاً فيطرحوها بعضها فوق بعض في سهل فسيح فوقفت وسط ذلك السهل وسرني أن أرى الناس طراً يأتون واحداً بعد واحد يلقون أثقالهم العديدة حتى ارتفع من مجموعها جبل طالت ذؤابته السحاب.
وكان هنالك امرأة نحيلة خفيفة قد شمرت عن ساعد الجد وسط هذه الشعائر تحمل في إحدى يديها مجهر أو عليها ثوب فضفاض هفهاف سابغ الذيل موشي بعدد عديد من تصاوير الجان والعفاريت كلما ضربت الريح الجلباب تلونت وتشكلت تلك التهاويل أشكالاً وألواناً وكان في عينها وله ولهف وحيرة وكان اسمها الوهم وهى التي كانت تسوق كل فرد من البشر إلى المكان المعين بعد إعانتها إياه على ربط حزمته وحبكها وإلقائها على عاتقه فأذاب قلبي رؤية أخوتي وأبناء أمي وأبي ينؤون بأحمالهم. ويئنون تحت أثقالهم. وفتت كبدي أن أبصر ذلك الجبل الباذخ الذي من أحزانهم تكوّن ومن آلامهم تألف.
على أنه ألهاني عند ذلك. وسلاني هنالك. عدة من القوم لغريب أحوالهم وعجيب هيئاتهم. فمن بين هؤلاء رجل في حلة مطرزة أقبل يسعى حتى جاء المكان فأخرج من تحت حلته الموشاة المزركشة حملاً فألقاه فحددت البصر أتبينه فإذا هو الفقر. وأقبل آخر يرزح تحت ثقله وبعد كثير من التنفس والزفير أقي حمله فنظرت فإذا هو زوجته.
ورأيت عدداً عديداً من العشاق على كواهلهم أثقال عجيبة من سهام وشمل. ولكن أعجب
стр. 736
من ذلك أنه برغم ما رأيته يكاد يمزق قلوبهم من غلواء الوجد وبرحاء الكمد وبرغم زفرة لهم ترقي. وعبرة لهم لا ترقا. كانوا لا يستطيعون مطاوعة عقولهم على الماء تلك الأثقال عند ما بلغوا الكثيب. ولكنهم بعد قليل من المحاولة - محاولة المشاقل المتكرد - هزوا رؤوسهم ورجعوا بأثقالهم أشد ثقلاً. وأفدح حملاً. وأبصرت كثيراً من العجائز يلقين تغاضين وجوههن وكثيراً من الفتيات يلقين سمر جلودهن. ورأيت كوماً من أنوف حمراء. وأسنان قلحاء. وشفاه فلحاء. والعجب العجاب أنى رأيت معظم الجبل مؤلفاً من عاهات بدنية. وآفات جسدية. ثم لمحت من بعيد رجلاً على ظهره حمل لم أر في سائر الأحمال ما يدانيه عظماً فألعمت النظر فإذا هي حدبة فألقاها فرحاً بذلك بين سائر البلايا الآدمية. ورأيت كذلك عللاً وأمراضاً من كل ضرب وصنف غير أنى رأيت الوهمي من ذلك أكثر من الحقيقي. وشاهدت بين هذه نوعاً قد ألف من جميع الأمراض والعلل يحمله في الأكف عدد عظيم من ذوي النعمة والرفاهية واسم هذا الداء الملل. وأعظم عجبي وحيرتي أنى لم أر أحداً قط ألقى بين هذه الآفات والمصائب شيئاً مما ابتليت به نفوس البشر من الرذائل والحماقات والأضاليل. والنقائص والسخافات والأباطيل. فأدهشني ذلك أيما إدهاش إذ كنت قد ظننت أنها فرصة لا يدعها أحد حتى يطهر نفسه من أدران الأهواء والشهوات. ويخلص طبعه من أكدار العيوب والعورات.
ورأيت في الجماعة رجلاً فاسقاً لم أشك في أنه جاء مثقلاً بأوزاره وآثامه. فلما أقبلت على ما رماه أفتشه ألفيت أنه لم يرم شيئاً من تلك الذنوب والحوب وإنما رمى ذاكرته وتبعه رجل ساقط جاهل فنظرته فإذا هو قد نبذ حياءه لا جهله.
ولما فرغ الناس من طرح أثقالهم وفرغت الجنية النحيلة الخفيفة من عملها وكانت قد رأت مني رجلاً ينظر ولا يعمل دنت منى فقلت لذلك فلم يرعني إلا رفعها المجهر إزاء عيني وكنت أعرف في وجهي القصر فإذا هو قد تناهي قصراً حتى عاد أبشع شيء فساءني منظره فألقيته كما يلقي القناع. وكنت قبل ذلك ببرهة أبصرت رجلاً رمى بوجهه لفرط طوله وكان أطول وجه حتى لذقنه وحدها تطول وجهي بأكمله فاستراح من مصيبته واسترحت واستراح الخلق طراً. وأطلق لكل امرئ أن يستبدل ببلواه محنة غيره.
على أنه لم يبق في الجمع إلا متعجب من هذه المحن كيف عدّها أهلها محناً وكيف كان قد
стр. 737
غرّ بها وخدع فيها فحسبها نعماً وفوائد وبينا نحن نتأمل خليط المصائب. ومزيج النوائب. صدر أمر إلا له الأكبر أن يستبدل كل امرئ بمصابه ويرجع إلى مثواه بحظه الجديد.
عند ذلك تحركت الوهم وقسمت الكثيب في أخف نشاط وأكمل سرعة فأعطت كلاً نصيبه وكأني باليراع يعجز أن ينعت ما حدث إذ ذاك من هرج ومرج ثم كانت أمور كثيرة أذكر الآن بعضها:
رمي شيخ كبير على كثيب المصائب علة كانت في بطنه وكان عاقراً يتمني ولداً يكون عماد شيخوخته ووارث ثروته فمدّ يده ليعتاض من دائه الذي طرحه فاختطف ولداً فاجراً عاقاً كان آفة أب له وكان ذلك الأب قد نبذه في النبائذ يريد به بدلاً وقد أخذ بدله مرض البطن الذي رمي به الرجل الأول. فلم تمض إلا برهة حتى رأيت ذلك الغلام قد ثار بالشيخ الكبير فأخذ بلحيته وناصيته وهم أن يفلق رأسه. فما هو إلا أن أبصر الأب الأصلي وكان يسعي نحوه ممسكاً بحشاه من وجع المعدة حتى صاح به يرحمك الله وإيانا خذ ولدك بارك الله لك فيه وأعطني علتي ولكن قضى الأمر وكان مالا يكون تبديله. ولا يستطيع تحويله.
يا ابن بوران لا مفرّ من الله ولا من قضائه المحتوم
ورأيت أسيراً مقيداً خلع قيده. وقلع صفده. فاعتاض منه النقرس. ولكن أبدى من التأوه والتأفف والتلوّي والتنزي ما دل على أنه لم يكن في تجارته تلك بالرابح الصفقة.
ولقد كان من الممتع اللاذ أن تبصر ما وقع إذ ذاك من المبادلات والمقايضات من علة بخلة وجوع بفقدان شهوة وهم وتسهيد بأسر وتقييد. أما النساء فكن من تبادل الأعضاء - أعضاء الوجه والجسم - في شغل شاغل فواحدة تستعيض لمة شمطاء من جلدة سمراء. وثانية تأخذ عنقاً قصيراً وتعطى أنفاً كبيراً. وثالثة ترمي عرضاً مفضوحاً. وتلتقط وجهاً مقبوحاً. وما منهن إلا من تدرك في الحال أنها اعتاضت من سيء أسوأ ومن رديء أردأ وكذلك حال سائر الجمع في كل بلية وآفة لعله لأن ما أصابنا به الله مناسب لمقدار صبرنا واحتمالنا أو لأن كل مصيبة تذللها العادة.
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
ولقد رحمت من صميم مهجتى ذلك الأحدب الآنف الذكر إذ راح معتدل القامة وافي الشطاط لكن بداء في كلاه. وعلة في حشاه. كما رحمت معاقده ومبايعه الذي راح محدودب الظهر
стр. 738
يظلع وسط سرب من الفتيات كن قبل ذلك به مولعات. وفيه هائمات.
ولست ناسياً ذكر شأني وشأن ذي الوجه الطويل فإن ذلك الرفيق ما كاد يأخذ وجهي القصير حتى أضحى فيه أعجوبة الأعاجيب فاستلقيت ضاحكاً من وجهي حتى أخجلت وجهي وأدرك الرجل المسكين خطيئته. وعرف غلطته. فخجل واستحي. غير أنى ما لبثت أن فئت إلى نفسي فعلمت أنه ليس لي أن أزهي وأختال وأسخر من الغير وأنا سخرة وأضحك منهم وأنا ضحكة وإن لى في غرابة هيئتى لشغلاً عن اللهو بهيئات الناس ومندوحة وذلك أيها القارئ أنى رفعت يدي أريد في وجهي أريد إحدى عيني صكت يدي أنفى لبروزه وضخامته مراراً.
ثم نظرت ناحية منى فأبصرت رجلين في مثل حالنا من السخرية قد أحدثا تبادلاً فى زوجين من الأرجل زوج غليظ أعوج قصير. وزوج طويل نحيل. فكان صاحب الرجلين النحيلتين كأنما قد رفع في الهواء على عمودي بيت فهامته تدور مع الريح حيثما دارت وأما صاحب الرجلين العوجاوين القصيرتين فكلما حاول السير دار في مكانه لا يبرحه. ولما رأيت على محياه سيما الحلم والظرف والفكاهة أقبلت عليه أمازحه فقلت له سأجعل لك كذا وكذا إن استطعت أن تبلغ هذا ورسمت له خطاً على مسافة ذراعين مرسى قدميه في مدة نصف ساعة.
وأخيراً تم توزيع كثيب المحن والآفات على أهلها من ذكر وأنثي. وأقبلوا جميعاً تحت أثقالها الجديدة رزحاً حسرى. ولها حيرى. وقد ملؤا السهل والحزن ضجة وأنيناً ورنة وحنيناً. ثم أدركتهم رحمة الله فأمرهم بطرح أثقالهم كرة أخرى فألقوها فرحين بإلقائها مسرورين. وأمر الوهم تلك الشيطانة التي غررت بهم وضللتهم أن تنصرف فانصرفت وأرسل الإله بدلها ملكاً كريماً جد مخالف لها هيئة وشكلاً. مباين لها خلقاً وخلقاً. رزين الحركة ثابت الحال قد جمع في هيئته بين الطلاقة والجد والوقار والبشر لا ينفك من حين إلى آخر يرفع نحو السماء طرفه ويسمو إلى عرش الإله بأمله واسم هذا الملك الصبر. وأعجب ما رأيت أن هذا الملك ما قام بجانب جبل الآلام إلا وأخذ الجبل يهبط ويضؤل حتى لم يبق منه أكثر من ريعه ثم أعاد ملك الصبر إلى كل حظه الأول وألهمه الصبر الجميل وأشعر قلبه قوة الجلد ونور اليقين فراح مغتبطاً سعيداً يحمد الله على كل ما أعطاه.
стр. 739
تائباً مما اقترفه من الجهل وجناه.
فمما أفدت من هذه المقالة مع سائر العظات والعبر أني لست حقيقاً أن أتبرم لشئ مما يصيبني به الله على امرئ هبة أو نعمة إذ كان مستحيلاً على امرئ أن يعلم حقيقة جاره ويعرف سر صاحبه ويقف على مبالغ أحزانه وأشجانه وكربه وَنُوَبه وبلاياه ورزاياه. فكل لكل سر غامض وخزانة مقفلة وسفر مطبق. ولكني آليت على نفسي أن آخذ نفسي بثلاث كتمان العلة وكتمان الفاقة وكتمان المصيبة مع الصبر عليها جميعاً وأن لا أحسد امرأ على شيء وأن أكون أبداً حاضر الصفح للناس واسع العفو إذا كان أعقل الناس أعذرهم للناس.
стр. 740
العزوبة والزواج
للفيلسوف باكون
من كان ذا زوج ورب عيال فقد وضع عند الدهر رهوناً، لأنهم حوائل تحول دون الأعمال الخطيرة، وعقبات تأخذ على المرء طريقه إلى الأفعال الجسيمات، شراً كانت أم خيراً.
إن خير الأعمال وأنفعها للشعب وأصلحها للجماعة هي حسنات العزاب ونتاج الأعقام الصادرة عن حب الشعب وخدمته وكان أولى بأولئك المذاكير أن يفكروا فى المستقبل القادم ويتزودوا للزمان المقبل، ويعلموا أنهم يرهنون لديه أفلاذ أكبادهم ويضعون في ذمته أعز الرهون.
وإن من الأعزاب من لا يفكر إلا في عيشه ولا يهتم إلا بنفسه ويعد القصد إلى الأيام المتهادية وقاحة وطيشاً.
بل إن من الناس من لا يعد الزوجة والعيال إلا سفاتج ووثائق، بل هناك أغنياء أنهام مجانين يفخرون بأن ليس لهم أطفال كي يظن الناس عنهم أنهم أوفر مالاً وأجم قدحاً وأوفى سجلاً، ولعلهم سمعوا إنساناً في الحي يقول فلان موسر كبير فرد عليه آخر نعم ولكنه رب عيال. كأنما أصبحت الخلفة انتقاصاً للغنى وحطة في الثراء.
والحرية أحسن ما في المعيشة العزب والحياة الوحيدة لاسيما عند المفاريح ذوى الألباب النزاعة إلى الفكاهة الجانحة إلى اللهو الذين يتبرمون بأقل شيء حتى ليكادون يحسبون أن مناطقهم وأربطة سوقهم سلاسل وقيود.
والعزاب خير من يسلم إليهم ود، وصفوة من يرعون العهد، والعزاب خيرة الأسياد، وخير الموالى والخدام، على أنهم ليسوا أبداً فى الرعية لمخلصين، لأنهم خفاف في الهرب، سراع في الفرار، والفارون من طوائل القانون، الناشزون عن بلدهم النازحون، أكبر ما يكونون عزاباً لا زوج ولا طفل ولا لهم عند الزمان رهون.
والعزوبة أليق ما تكون بقواعد الكنائس وأهل الأديرة، فإن الصدقات لا تروى أرضاً ينبغي أن تتفجر من الإحسان عيوناً.
والزواج والعزوبة للقضاة وأهل الحكومة بين الناس سواء، فإنهم إن يصبحوا أغراراً يسلس قيادهم، ويغلب على أمرهم، ويغمز بالمال جانبهم، ليجدون لهم خادماً أسوأ من
следующие страницы →